أوكار المفسدين، حتى كان لدفاعهم عن الدين الأثر البالغ في إصلاح الأوضاع المتعفنة من أجل حب الرئاسة الخطير، ومثل العلماء في تحمل المسؤولية، المسؤولون في حكومات الشعوب الإسلامية، إن لم يكونوا هم الذين جلبوا - الشرور والمفاسد - أو تساهلوا في دخولها أو في إدخالها، فانتشرت بسكوتهم عنها.
فلا غرابة في حوادث هذه الحياة وأحداثها، فقديما كانت محنة العلماء الصادقين شديدة وقاسية عليهم - لوقوفهم في وجوه طغاة زمانهم - ذلك لأنهم لم يلينوا لهم ولم يتساهلوا في القيام بواجبهم، فكانت المحن تنزل عليهم من كل جانب وهم صابرون، كما أخبر بذلك أشرف الخلق ﷺ : ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه)) (١) وقد ظهر ذلك في كبار الأئمة ﵏ خاصة، فقد امتحن إمام دار الهجرة مالك بن أنس والأئمة أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وابن تيمية، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، وغيرهم كثير ﵃، لقيامهم في وجوه حكام زمانهم الطغاة، فلم يستكينوا لهم، ولم يوافقوهم على أعمالهم المخالفة للدين، وأنكروا عليهم ما يفعلون في جرأة وصراحة، كما يوجب ذلك عليهم دينهم، مما هو داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو واجب على من تعين عليه، وبدون هذا لا يستقيم حال الأمة - حاكمها ومحكومها - غير أن حكام المسلمين - اليوم - لا تتسع صدورهم وعقولهم لتلقي النصائح الدينية المفيدة والتوجيه النزيه، والنقد المفيد - أو البناء - ولا يرضون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحسبون أنفسهم أنهم فوق كل أحد، فما رأوه واختاروه فهو الحق الذي يجب أن يجد الآذان صاغية، والقلوب واعية، وما سواه فهو الباطل المتروك، ولا يراجعون في شيء ارتضوه، وهذا خطأ من بعض الحكام، متمكن في نفوسهم، واستعلاء وتجبر على عباد الله، كما هو مخالف للتربية الإسلامية، فذلكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب - وكفى به مثالا ﵁ كان يقبل النقد والتوجيه، ويعترف بخطئه أحيانا وإصابة غيره،
стр. 142
كما جاء في قصة عزمه على التحديد أو التقليل من مهور النساء، فبعد أن خطب في الناس وأمر بذلك - وهو أمير المؤمنين - بالتقليل تراجع عن أمره، ذلك أن امرأة واحدة عارضته فيما ذهب إليه، وقالت له: ليس لك ذلك يا عمر، قال لها: ولم؟ فتلت عليه الآية القرآنية وهي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا الآية﴾ (١) فقبل قولها ورجع إلى رأيها، وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، ولم تأخذه العزة بالإثم، ولم يتمسك برأيه، وإن كان مما حقا وصوابا، فهذه هي نتيجة تربية الإسلام لحكام المسلمين، ومما حفظ عنه قوله: ((رحم الله عبدا أهدى إلي عيوبي)) (٢).
ويجرني الكلام عن أعمال الملاحدة المخربين في البلاد الإسلامية إلى ما هو واقع من الأعمال فيها تلكم الأعمال المنافية حتى للمجاملة وحسن الاستقبال أو الجوار، فهم - ما وجدوا إلى ذلك سبيلا - جادون في إفساد عقيدة المسلمين في مقدساتهم، ويتخذون لذلك كل وسيلة - لإهانة الإسلام - يتوصلون بها إلى نيل أغراضهم - كما مر في البيان الشيوعي - أقول يجرني الكلام إلى ذكر أحداث مؤلمة تمس أعز ما يقدسه المسلمون، وهو القرآن العظيم كتاب الله المقدس، حدثت هذه الأحداث في الجزائر - المسلمة - ووقعت هذه الأحداث فيما بين شتاء ١٩٦٧ وشتاء ١٩٧٣ م مما سأقصه - إن شاء الله - وهذه الأحداث يجب أن تذاع ولا تكتم، لعلها تنبه الغافلين لما يجري في البلاد الإسلامية، ليهبوا لإبادة هذه الحشرات الطفيلية التي خرجت من القمامات المتعفنة عندما نزلت أمطار الحرية والاستقلال، بعد أن سقيت أرضها - الجزائر - بدماء المسلمين، لا بدماء الملاحدة، فإن هذه الأعمال دلت على أن عمل الملاحدة متواصل، لاحتقار الإسلام وتوهين دعوته وتهوين شأنه في قلوب المصلحين، وخاصة في أوساط الشباب الفاقد - للأسف - لحسن القيادة والتوجيه والرعاية، وفيها مس لشعور المسلمين في عقيدتهم التي حافظوا عليها أيام عهد الاستعمار المظلم، ولم يستطع أن يحولهم عنها، رغم وعوده وإغوائه، وهذه الحادثة لم يقع مثلها فيما سمعنا حتى في زمن الاستعمار الذي كان يحكم هذه الديار، وكان يحترم - إلى
стр. 143
حد ما - شعور المسلمين وعقائدهم لفائدته، كما كان واقفا بالمرصاد في وجه الشيوعية الخاسرة، ولا يسمح لها ببث دعايتها إلا بمقدار.
الفصل الخامس: تمزيق المصحف، وإحراقه .
هذه سورة حادثة من حوادث ثلاث وقعت، وسأذكرها كما بلغتني وذكرها من وقعت أمامه، وصورتها:
١ - كان أحد الرجال الكبار الطاعنين في السن جالسا في أحد مقاعد الحديقة العامة - حديقة الحرية - الكائنة في أعلى شارع "مراد ديدوش" في عاصمة الجزائر، وكان ذلك في شهر دسمبر من سنة ١٩٦٧ م؛ فبينما كان ذلك الأشيب جالسا تقدم إليه شبان ثلاثة، من هؤلاء الشبان الذين ضللتهم الدعاية الشيوعية الإلحادية المخربة للعقائد والفضائل، والتي يدعونها بالأفكار التحررية - كما يزعمون - تحرروا من الذوق السليم، والمجاملة واحترام الشعور وكرامة الفرد والمجتمع، ولما اقتربوا من الشيخ المسن أخرج أحدهم مصحفا من جيبه وقال للشيخ: ما هذا؟ فأجابه الرجل: قرآن، فقال له الشاب: هذا هو الذي أخركم وجعلكم في آخر الأمم!!! ثم مزقه - مزق الله لحمه - حسب الرواية وألقاه على الأرض متبوعا بالبزاق والدوس بالأقدام والإهانة شأن الأشياء الحقيرة، ثم مضوا في حالهم آمنين، وحارس الحديقة قريب منهم، ففزع إليه الأشيب وأبلغه الحادثة كما وقعت من هؤلاء الطائشين، مستنجدا به عله يقبضهم فيعاقبوا على ما ارتكبوه، فلم تتحرك من الحارس شعرة واحدة تدل على إيمانه وغيرته على المصحف المهان، بل هز كتفيه وقال للشيخ مثل قول الشبان الطائشين الأغرار.
هذه الحادثة التي ذكرتها كما وقعت وحسبما بلغتني هي نتيجة غض النظر عن دعاية الملاحدة في بلادنا، والتضييق على المدافعين عن الإسلام وعقيدته، وقد رأيت المصحف الممزق بعيني في منديل من حرير.
وعندما يرفع الأمر إلى المسؤولين على المحافظة عن الأمن وغيره يكون الجواب: لا تجزعوا من هذه الأعمال، فإنها صدرت من شبان طائشين!!! يقولون هذا - ظاهرا - ولعلهم راضون به باطنا، حتى يستمر الاستهزاء بالدين ومقدسات المسلمين.
ولما نقل خبر المصحف الممزق، والمصحف نفسه إلى المسؤول - قانونا -
стр. 144
وهو وزير الأوقاف آنذاك - العربي سعدوني - عن حماية الدين ورعايته، لم يفعل شيئا ذا بال - بل لم يعمل شيئا أصلا - إنما أنكر ذلك العمل الطائش بالقول فقط ماذا عمل؟؟ - والحادثة ليست بالأمر الهين - قام وقعد، وأبرق وأرعد، وأزبد وهدد - حسبما بلغنا عنه - وقلنا سينتصر للمصحف المهان بعد ما توعد المجرمين بأشد العقاب ... ثم هدأ غضبه وجلس - مرتاحا - على كرسيه الوثير ولسان حاله يردد المثل الشعبي - يا ناس ما عليكم باس - ولعله أمر بالسكوت؟؟؟ ثم سلط غضبه على بعض أئمة المساجد.
٢ - الحادثة الثانية من نوع الأولى وتتلخص فيما يلي: دخل - في نفس السنة ١٩٦٧ - بعض الشبان المفتونون بالأفكار التحررية - كما يقولون - إلى الجامع الأعظم بعاصمة الجزائر، وقصد خزانة المصاحف القرآنية، وتناول واحدا منها وفتحه ورسم على إحدى صفحاته الصليب المعقوف - رمز هتلر النازي - يشير بهذا الصنع إلى أن القرآن فشيستي - حسب الدعاية الشيوعية - وكما هي أقوالهم فيه، فعل هذا وانصرف من غير أن يراه أو يفطن إليه أحد، لأن الملحدين يترددون دائما على خزانة المصاحف للتلاوة، فمن رآه لم يظن فيه غير ما ذكر، وإن تعجب من هذا الصنيع فالعجيب أن الصليب وضع - مصادفة - فوق آية تحث على طاعة الله الحي القيوم والخضوع للقوي العزيز الجبار، وتخبر بخيبة الظالمين، وما درى هذا الجهول معنى الآية التي رسم عليها الصليب المعقوف، إنها آية تشير إلى إجرامه في عمله، والآية هي قوله تعالى ﷻ ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (١) قد رأيت - أيضا - هذا المصحف المرسوم عليه الصليب النازي.
إن المسؤول في الهيئة التي تتزعم - وتحتكر لنفسها - الدفاع عن الإسلام والدعاية له في المحافل الدولية لما بلغه هذا النبأ المزعج كان في شغل شاغل عن تتبع المجرمين - إن كانوا في نظر القانون المدني مجرمين - الذين اعتدوا على أعظم ما يعظمه المسلمون، وله ألف حق في تتبعهم - قانونيا - لو أراد ذلك.
٣ - الحادثة الثالثة - حادثة إحراق المصحف - وقعت في مساء الأحد أول أفريل سنة ١٩٧٣ م في مسجد جامعة الجزائر، حيث عمدت شرذمة ممن لقنوا المبادئ الهدامة ودخلت إلى مسجد الجامعة، في يوم عطلة الأسبوع، وبعد
стр. 145
أن خرج الطلبة إلى شؤونهم الخاصة، دخلت هذه الشرذمة إلى الجامع، وجمعت عددا من المصاحف القرآنية وأشعلت فيها النار، ولما رآى بعض الطلبة الدخان خارجا من نوافذ بيت الصلاة أسرعوا إليها، فوجدوا البعض منها قد احترق والبعض الآخر لا زالت منه بقية، فأطفأوا النار وأنقذوا البقية الباقية من الحريق هذه هي الحادثة ذكرتها كما وقعت حسب رواية الطلبة، وهي ترمز إلى أمور ثلاثة هامة في النظر المصيب.
١ - أولها: ما شعر به الملاحدة من خيبة في مسعاهم الحقير، لهذا صبوا جام غضبهم على المصحف الشريف، وهذا هو عمل الجبناء، يشعرون بالقوة في الظلام، وفي غيبة الأبطال - الشباب الإسلامي - وهؤلاء المجرمون لم يرتكبوا جريمتهم المنكرة لو لم يكونوا مدفوعين إليها بأيد خفية، وبدافع قوى خارج عن نطاقهم الضيق الأفق، ومن غير شك أن يكون المحرض لهم على ما فعلوا خارجا عن وسط الطلاب الجامعي، وقد أذيعت الحادثة وانتشرت بواسطة الطلبة الأبطال - رغم الأوامر التي صدرت بكتمانها وإسدال الستار عنها كأنها أمر تافه لا يستحق الاهتمام والذيوع - انتشرت في جميع الأحياء والمدن والقرى الجزائرية، وتناولها الخطباء في خطبة الجمعة، ولم نسمع عن المسؤول الكبير عن الجامعة أنه فعل شيئا - وقد بلغه خبر الحادثة - كما لم نسمع أنه قام ولو ببحث بسيط عرف به نوع ومصدر هذه الحادثة المفجعة والمفزعة، أو الإهانة التي ألحقت بالمصحف في بيت الصلاة، وفي حرم الجامعة - كما يقولون - بل كأنه لم يقع أي شيء يستحق الاهتمام به، ولم يظهر الجاني - فضلا عن عقابه - حتى يعرف المحرك له من هو .... ؟؟؟؟
٢ - الأمر الثاني، أو المغزى الثاني مما يستنتج من هذه الحادثة هو حنق الملاحدة وغضبهم عن الشباب الجزائري المسلم - عقيدة وعملا - فقد اغتاظ الملاحدة إلى حد كبير من أن يروا جماعة مهمة من طلبة الجامعة يؤمون المسجد للصلاة أو لتلاوة القرآن - وهذا أمر لا يعجب إبليس وأعوانه - فقد تعود هؤلاء الطلبة الأبرار على ترددهم على الجامع، وخاصة يوم الجمعة، حيث يؤمهم إما أحد الأساتذة - متطوعا بالصلاة - في صلاة الجمعة، أو أحد نجباء الطلبة القادرين على الخطبة والصلاة، هذا هو الذي أدخل الحقد إلى قلوب الملاحدة فعملوا ما عملوا، لأن المعروف أن الطلبة أو الشباب الجامعي يتلقون تعليمهم عن معلمين - عفوا - بل دكاترة، يرون أن الدين رجعي وعلامة على
стр. 146
التأخر، و - فكرة - كما يقول خصوم الإسلام، وقد سمعت مرة أحد الدكاترة - الجدد - خصص لتوجيه الشباب بواسطة الإذاعة والتلفزة، وقد سأله المذيع في الندوة عن العصبية عند العرب، فكان جوابه: إن العرب كانوا يتعصبون للقبيلة، ولما جاءهم الإسلام - والإسلام فكرة!!! - تعصبوا له ... هذا قول الدكتور عبد الماركسية، وهذا نفس القول الذي يقوله خصوم الإسلام من مبشرين وغيرهم في محمد رسول الله ﷺ إن الإسلام فكرة فكر فيها محمد ثم قدمها للعرب - وهذا الدكتور الذي يقول في الإسلام إنه فكرة كأنه قرأ في مدارس المبشرين ومن معينهم أخذ معلوماته، ألم يعلم أو يتعلم هذا الدكتور أن الإسلام شريعة سماوية نزلت من السماء على رسول من رسل الله وهو محمد ﵊؟ إذا كان هذا هو قول أستاذ الجامعة فما هو قول التلميذ الذي كثيرا ما يتأثر برأي أستاذه؟ وهو نسخة منه إذن فكيف يتخيل مثقف جامعي أن يرى الطلبة الجزائريين يصلون ويقرأون القرآن ويصومون رمضان، هذا - في نظرهم - شيء لا يكون، ونسوا التربية الإسلامية المنزلة، وأن هؤلاء الطلبة آباؤهم مسلمون وأمهاتهم مسلمات، والشاب الجزائري - مسلم بطبعه وفطرته - لو لم يصب بطاعون الملاحدة، فلا غرابة إذا قام بشعائره الدينية، بل رأينا هذا الشباب - الجامعي - المسلم، قد تحدى الملاحدة، وأقام بعد أيام قليلة من إحراق المصاحف، وبمناسبة ذكرى مولد الرسول ﷺ أقام أسبوعا أو ملتقى أسماه - أسبوع القرآن - ردا على عمل الملاحدة، وقد انقضى أسبوع القرآن هذا في الدروس الدينية والمحاضرات التوجيهية، مما زاد في قيمة القرآن، وفي حب الدين الإسلامي عند شبابنا المسلم الواعي.
٣ - ثالث الأمور هو إرخاء العنان للعابثين بالقيم الإسلامية، يفعلون ما يشاؤون من غير أن ينالهم أدنى عقاب على ما فعلوا، ولو عوقب السابقون لكف اللاحقون، ولماذا أوجد قانون العقوبات إذن وعمن يطبق ... ؟؟
رأينا في دساتير الحكومات والدول العصرية مادة من مواد الدستور تنص على احترام شخص رئيس الدولة أو الحكومة سواء كان ملكا أو رئيسا، لأنه الرمز لسيادة البلاد، واحترامه واجب على كل المواطنين، وقانون البلاد يعاقب كل من مد لسانه أو قلمه أو يده واعتدى على كرامته أو شخصه أو منصبه، فقد أحيط رئيس الدولة بسياج محكم من التقديس والاحترام - لتبقى هيبته
стр. 147
في نفوس الرعية - وهو العبد المخلوق، أما الخالق الواحد الذي تجب طاعته واحترامه على كل العباد، ودينه، وقرآنه المحكم فلا حرج ولا عقاب على من تطاول إلى مقامه العالي في نظر ضعاف الإيمان والعقول العصفورية، وهذا هو الضلال البشري.
إن شعور المسؤول - الموظف - بالتبعات والمسؤوليات يجعله لا يفرط في أدنى جزء من الواجب الملقى عليه، فعليه أن يعمل حسب منصبه ومركزه، فإذا لم يلق التأييد من السلطة العليا على إحقاق الحق وإبطال الباطل، فواجب كرامة النفس يحتم عليه الانسحاب من كرسي لا تسمع كلمة الجالس عليه، فإنه أفضل وأليق بالكرامة الشخصية من البقاء على كرسي حقير لا قيمة للجالس عليه.
فلنفكر معاشر المؤمنين في هذا الإعتداء على كرامة وقدسية القرآن وعلى شعور المسلمين، والشعور الذي استعملته كثيرا هنا المراد به الشعور بمعنى الإحساس، لا الشعور - الجمع - المتدلية على أكناف فتياننا البواسل المتشبهين بالفتيات، فإنه لا يليق بنا - كمسلمين - أن نمر بهذه الحوادث مر الكرام أو مر اللئام، فإن لها ما بعدها من الآثار السيئة، كما كان يقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب ﵁ في الحادثة تقع: (هذا يوم له ما بعده) كذلك نقولهما نحن هنا.
لو فرضا - جدلا - أن هذه الإهانة التي لحقت كتابنا المقدس كتاب الله - القرآن - المعظم عند المسلمين أصابت كتاب العهد القديم - التوراة - أو أصابت كتاب العهد الجديد - الإنجيل - المعظمين عند اليهود والنصارى، لو حدث ذلك لعمل أهلهما ما يوجبه عليهم احترامهم لكتابيهم، ولهب رجال الدين منهم يطالبون بإنزال أشد العقوبات وأقصاها على المعتدين الآثمين، إذ من المعروف لدى الجميع أن المسيحي يشتري كتابه (الإنجيل) ويحله في المكان اللائق به من الاحترام والتقدير، ومثله اليهودي مع كتابه (التوراة) يحب كتابه ويعتز به، فهل المسلمون أقل احتراما لكتابهم - السالم من التحريف - من الطائفتين المذكورتين؟؟؟ ما سمعنا أن ملحدا مستخفا بدينه - سواء أكان من اليهود أو النصارى أو من المجوس - مزق أو أحرق كتاب قومه وأهانه أمام الناس، ولو كان هو لا يؤمن به، كما أهين قرآننا ومصحفنا!!!
стр. 148
فالمسألة خطيرة جدا، وإن حاول البعض تهوينها أو إظهار تفاهتها وجعلها حادثة بسيطة وقعت من شبان طائشين، فقائل هذا القول يعتبر شريكا ونصيرا للمجرمين ومؤيدا لهم على ما ارتكبوه، كما يعد تشجيعا لغيرهم وإغراء للسفهاء بأنه لا خوف عليهم من العقاب، فليمضوا في سبيل ما يريدون، ما داموا لم ينالوا من رمز سلطة وسيادة البلاد شيئا.
فالواجب يقضي بتتبع المجرمين حتى يعرف المحركون لهم والدافعون بهم إلى ارتكاب مثل هذا العمل الجنوني، وليعلموا أن المسلمين منهم بالمرصاد، لا تخفى عليهم أعمالهم التخريبية، ولو فرضنا أن هذه الإهانة أصابت موظفا يعتز بنفسه وشرف مركزه، فمزق أحد السفهاء ثوبه - لا لحمه - أو كسوته لسارع إلى الانتقام لنفسه وشرفه المهان - وله الحق في ذلك - ممن لم يعرف له قدره وفضله وشرفه ومركزه، وإذا عجز عن الانتقام لنفسه استعان بسلطة الدولة.
وهكذا تنتهك حرمة الدين جهارا نهارا من غير أن ينال المنتهكين العقاب الرادع الزاجر لهم ولأمثالهم من المستخفين بالمقدسات الدينية والطائشين، ولعل هذا السكوت نتيجة لأوامر صدرت بإخفاء القضية وإسدال الستار عنها، لعل!!!
وصدق رسول الله ﷺ حين قال: (لا تبكوا على الدين إذا وليه أهله، ولكن ابكوا عليه إذا وليه غير أهله) (١) وقوله: (إذا أسند الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة) (٢)
والسبب الحقيقي الباعث لهؤلاء الطائشين على فعل ما فعلوه هو ذلك التوجيه اللا إسلامي الإلحادي الذي يتلقاه التلامذة والطلبة من معلمين جيء بهم من الخارج - لحاجة الجزائر إليهم - يحملون العداوة للدين الإسلامي بالخصوص، مع غض النظر عن أعمال المفسدين الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون، وقد أغضب هؤلاء ما رأوه من إقبال الشباب الجامعي على الدين، فجن جنونهم.
стр. 149
الباب التاسع
стр. 150
الفصل الأول:
الاشتراكية الشيوعية، والديموقراطية والحرية .
تدعي النحلة الاشتراكية أنها ديموقراطية، في تكوينها، وفي مبادئها، وفي تسييرها، وفي حياتها إلى آخر ما تملأ به فراغ صحفها وإذاعاتها، غير أن الواقع الذي يشاهده الناس لا يوافقها على هذه الدعوى، لأن العمل الذي يصدر عن زعمائها وحكامها غير موافق للدعوى، فالواقع يظهرها بمظهر المتصرف الجبار المطلق التصرف في تصرفه الديكتاتوري، الذي لا يرحم، فهي تتخذ جميع الوسائل والطرق لفرض مبادئها في أوساط العمال والفلاحين والطلبة الذين لا تفكير لهم، يتحصنون به من الانخداع لأقوال المغررين المغرورين.
فالاشتراكية الشيوعية توجه النقد الساخر إلى الأديان الإلهية لأن مبدأها الأول - لا دين ولا رب الدين - لا إله والحياة مادة - وتحاول أن تجعل تأخر البشرية وفقرها وظلم حكامها يرجع أولا وقبل كل اعتبار إلى التمسك بالدين والعمل بالشرائع السماوية.
والذي يفكر قليلا في هذه الدعوى يهتدي بفطرته السليمة، وبقليل من التدبر إلى بطلان هذه الفرية المتعمدة، فنحن - كمسلمين - نعلم من ديننا ومبادئه وأهدافه ما لا نغتر ولا ننخدع بحيل الماركسية الملحدة، وإذا وجد في المسلمين من اعتنق النحلة الشيوعية الاشتراكية فهو واحد من اثنين:
إما جاهل بدينه - وإن ادعى أنه يعلمه - وهذا هو الأعم والأغلب فيهم، لم يتمكن الدين من قلبه، فإسلامه ورثه عن آبائه بدون فهم - كما هو في الكثير من المسلمين - ولا وعي، وإما مذبذب لا مبدأ له، ولا عقيدة فيه تحفظه، فهو يمشي إلى أين يجد منفعته وفائدته الخاصة به، ولو كان
стр. 151
ذلك بالتنكر إلى ما كان عليه أسلافه، فهو قد اعتنق المذهب الاشتراكي الشيوعي ويدعو إليه لا حبا فيه، ولا إيمانا به، وإنما لقصاء مآربه، فيتظاهر به، وينادي إليه على حد قول المثل: (إذا وجدت قوما يعبدون حمارا فعليك بتقديم الحشيش) فالذي يقدم الحشيش للحمار المعبود غير مؤمن بألوهيته، إنما فعل ذلك ليزداد تقربا إلى عابدي الحمار حتى يرضوا عنه.
فالاشتراكية - وكلها شيوعية - ولا أستثني منها بلدا دون بلد للواقع المكشوف - توجه نقدها واعتراضها إلى الأديان السماوية، محاولة بذلك أن تظهرها بمظهر العاجزة عن حل مشاكل العباد - والحياة كلها مشاكل - القصيرة النظر عما يحدث للبشر من مشاكل وأتعاب، والحقيقة التي لا تخفى على أحد هي أن مشاكل العباد إنما نشأت عن إهمال العباد لوصايا الأديان السماوية، وعدم العمل بما جاءت به قوانينها، لا من الأديان نفسها، فهذه هي الحقيقة، وإن حاول طمسها المغرضون، إن الشيوعية تدعي لنفسها - والواقع لا يصدقها - أن فيها كل أنواع العلاج لجميع مشاكل البشرية، ولهذا فهي تستطيع أن تقضي على ما أخر البشرية - في زعمها - أزمانا ودهورا ... فهي قد تحل بعض المشاكل - حسبما تدعي - ولكن بقوة الحديد والنار والقهر والقوة.
إن الواقع كشف عن إفلاسها في كل ميادين الحياة، وإن لم تعترف هي بذلك، ولولا فرضها نفسها بالقوة والخداع على بعض الشعوب الضعيفة لما بقي لها ذكر، وقد ظهر عجزها أخيرا في تقربها لأمريكا الرأسمالية.
وبناء على جرأتها في نقدها واعتراضها على الأديان، واستهزائها بها - كما مرت الإشارة إليه سابقا - فهل في صدر الاشتراكية سعة لتلقي النقد الصحيح والصريح من لدن من لا يؤمن بها - لأنها خرافة -؟ وهل تتقبل ذلك بصدر رحب .. ؟ وقد يجيء النقد والاعتراض حتى من الذين يؤمنون بها ... وهل تفتح أذنيها لتسمع أقوال غير الشيوعيين، مظهرين عجزها في تشريعها وفي حلها للمشاكل، بل هي صاحبة المشاكل؟ لعلها تقبل ذلك إذا تجردت من جبروتها وغطرستها - وهذا ما لا يكون منها - فيوجه إليها النقد كما توجه هي اعتراضها ونقدها للأديان الإلهية، وإظهارها بمظهر العاجز، بل ونعتها بكل أنواع النعوت الحقيرة، المنفرة منها ... ؟
стр. 152
هذا غير موجود ولا مسموح به في بلد الاشتراكية والديموقراطية كما تدعي، فإن الأخبار تتوارد بين الحين والآخر بتسليط أشد أنواع العقاب على من ينتقد نظامها، وما جزاؤه إلا السجن والتعذيب.
وإليك أحد الأمثلة على ذلك، وهي كثيرة:
وقع في سنة (١٩٦٦) أن وجه كاتبان روسيان (١) نقدا إلى النظام الشيوعي وأظهرا ما فيه من عيوب ونقائص، فهل اتسعت صدور حكام روسيا - الاشتراكيين الديموقراطيين - لقبول هذا النقد؟ وهو منهم وإليهم، وهل أحلوه محله اللائق به؟ وناقشوا آراء الكاتبين فلعلهما مصيبان فيما قالا؟ وهل يحترمون أفكار الناس وآراءهم؟ لم يستطيعوا حتى سماعه - فضلا عن مناقشته - شأنهم في هذا الشأن شأن كل الحكام الاشتراكيين ولو كانوا من المتطفلين على الاشتراكية، بل عمدوا إلى القوة - كعادتهم - والانتقام، فحوكم الكاتبان على أفكارهما - التحررية كما هي العادة - وحكم عليهما بالسجن، كم يا ترى؟ عشر سنين - فقط - من أجل مقال في صحيفة - لا من أجل قتل نفس بشرية - والحادثة هذه هز صداها العالم كله، وأذيعت في الإذاعات العالمية، كما نشرتها الصحافة أيضا وعلقت عيها على ما تراه حسب منهاجها، هذه هي الحرية والديموقراطية التحررية التي يتغنى بها زعماء الاشتراكية وإلا فلا، هذه حادثة واحدة من أمثالها، وهي كثيرة، فضيق صدور الحكام الاشتراكيين لا يتسع للنقد والتوجيه، ولعلهم يعتقدون أنهم - دائما - على الصواب لا يخطئون وهذا نفس الخطإ، وفي المثل المعروف: (من كان بيته من زجاج فلا يرم الناس بالحجارة).
كلنا يعرف أن من خصائص الدول الاشتراكية خنق حريات الشعوب التي تتحكم فيها، فلا حق لذوي الرأي في إبداء آرائهم وإظهار عواطفهم، لا بالكلام وحرية القول ولا بالسماح بإصدار الصحف لتعبر عن رغبات وعواطف الأمة، ولا بطبع الكتب إلا برخصة خاصة من وزارة الأخبار والثقافة، كأن الناس في حالة حرب يجب أن تفرض عليهم الرقابة، كما أنه لا يسمح أيضا بتأسيس الجمعيات لخدمة الأمة، إلا إذا كانت لخدمة مصلحة الاشتراكية والواقع أوضح دليل على ذلك، فأنى للحاكم أن يعرف
стр. 153
الصواب من الخطإ إذا لم يقبل التنبيه على ذلك؟ ولعل حكام الاشتراكية يضفون على ذواتهم المحترمة صفة العصمة من الخطإ، لهذا فهم في غنى عن النصائح وعمن يرشدهم إلى خطإهم.
وقد مضى ذلك الزمان الذي كان الحكام يقبلون فيه النصيحة والإرشاد، ويرون ذلك علامه على حيوية الأمة ويقظتها واهتمامها بما يقع فوق ترابها، فهي لا تسكت عن الخطإ أو الظلم ولو كان مصدره رمز سيادتها، وأذكر بهذه المناسبة أن حاكم تركيا (مصطفى كمال) لما استولى على الحكم بعد أن طرد الخليفة العثماني - السلطان عبد المجيد - وألغى الخلافة الإسلامية سنة (١٩٢٤) وأسس حزبه - حزب الشعب - وأسس البرلمان بنوابه، طلب من المعارضة - ولا بد من وجود معارضة في كل بلد - أن تؤسس حزبا لمعارضة الحكومة وانتقادها إذا انحرفت عن الطريق السوي، وتم ذلك، وأصبحت المعارضة - بنوابها - تناقش الحكومة في كل شيء، وبوجود المعارضة يظهر الخطأ من الصواب، أما النظام الاشتراكي وما يدور في فلكه فإنه لا يسمح بتأسيس أي حزب أو هيئة، ولو كانت دينية توجيهية، وما وجد منها فهو معرض للتعطيل بأدنى سبب، وهذا ما يطلق عليه بـ (نظام الحزب الواحد) فهل هذا من الحرية والديموقراطية التي تدعيها الاشتراكية؟ الجواب عند الواقع وكفى.
اذ من المعلوم - بناء على هذا - أن كل قرار يصدر يفرض على الشعب فرضا، ولا يحق لأي أحد أن يبدي رأيه فيه، بل ما عليه إلا الرضى والقبول - سلم تسلم - وهي الكلمة التي كان يقولها الطرقيون، وإن عارض معارض أو انتقد منتقد فعاقبته السجن والتعذيب والإبعاد إلى البقاع القاصية القاسية، ثم الطرد من منصبه والتنكيل به، وهلم جرا، ويحرم من حقوقه - كمواطن - وللمواطن في كل دولة حقه الطبيعي، فإذا طلبه مكن منه إلا في النظام الاشتراكي، فإذا طلبه - أي حق المواطن - من وسم بسمة المعارضة للنظام الاشتراكي فإنه لا يمكن منه، وما هنالك إلا ما قاله الحزب الحاكم، فهو إذن حكم استبدادي لا شورى فيه، ولا مناقشة فيما يقرر بل يفرض على الشعب فرضا لأن مجلس نواب الأمة - لا نواب الحزب - معطل وملغى، وفي المناسبات يصرح المسؤولون بأن الشعب هو الذي اختار النظام الاشتراكي، والشعب المسكين بريء من ذلك.
стр. 154
هذه هي الحقيقة تتبعنها في كل بلد انتحل الاشتراكية مبدأ وسياسة له.
وما يذاع وينشر عن لقاءات وجلسات أعمال بدعوى التشاور وأخذ الآراء، فإنما هو تمويه وتغطية للواقع، إذ لا يسمح بالمناقشة إلا لمن حاز الرضى، وهو بالطبع لا يقول - لا - ولا يقول ما يثير الغضب والانزعاج كما هو الحال في الانتخابات وغيرها، إذ لا يسمح بالترشيح لأحد إلا لمن رشحه الحزب ورضي عنه، ولو كان لا يساوى شيئا عند الأمة وعقلائها ومفكريها، ثم يقال بعد ذلك إن الانتخابات قد جرت بسورة حرة وديموقراطية، وأن المرشح الفلاني أحرز على أغلبية: ٩٩% ولربما بزيادة فاصل كل هذا زيادة في التحري.
وكمثال على الديموقراطية الاشتراكية - حسب المزاعم - نقول:
إن ألمانيا - مثلا - مقسمة إلى قسمين، أحدهما وهو القسم الشرقي، هو تحت الحكم الاشتراكي الروسي، والآخر وهو القسم الغربي، وهو تحت حكم أمريكا وحلفائها وفي أيهما تسود الحرية والديموقراطية يا ترى .. ؟؟
أفي القسم الشرقي أين يوجد الحكم الاشتراكي الشيوعي؟ أم في القسم الغربي أين يسود النظام الأمريكي وما معه؟
الواقع الذي لا شك فيه أننا نسمع - باستمرار - وبدون انقطاع هروب الألمان من القسم الشرقي - بالرغم من الجدار الحديدي الفاصل بين القسمين - إلى القسم الغربي عن رضى واختيار من أنفسهم - مع الحراسة الشديدة وقلة وسائل الهروب، ولم نسمع بهروب أحد من القسم الغربي إلى القسم الشرقي. فأي القسمين الألمانيين أفضل من الآخر يا ترى؟
مما لا ريب فيه أن الناس لا يفرون مما فيه الخير والراحة إلى ما فيه الشر والشقاء، ولا من الحرية إلى العبودية، فالألمانيون أعرف وأدرى من غيرهم بمصالحهم، إنما هذه ملاحظة فقط أبديتها في هذا المكان بمناسبة الكلام عن الحرية والديموقراطية، التي يتبجح بها النظام الاشتراكي الشيوعي، ولكن الحق يقال على كل حال.
وأنا - كمسلم يعتز ويفخر بإسلامه - لا أدافع عن أمريكا ولا عن غيرها ولست عميلا لها - حسب الاصطلاح الاشتراكي الذي يطلق كلمة العميل على كل من لا يؤيد النظام الاشتراكي - أقول إن أمريكا - في نظري -
стр. 155
هي العدو الأول للإسلام والمسلمين، فهي مستغلة الشعوب الضعيفة، وهي التي تمتص دماءها، وفوق كل شيء وقبل كل اعتبار هي ناصرة اليهود، ونصيرة الصهيونيين اللؤماء على العرب الأحرار الكرماء، فواجب على كل مسلم يؤمن بربه ويعتز بإسلامه ألا يحمل لها في قلبه أي احترام فضلا عن أن يكون عميلا وصنيعة لها.
إن الذين يعرفون ما يجري داخل البلاد الاشتراكية الروسية يذكرون أن الناس لو وجدوا السبيل أمامهم مفتوحا للخروج من الوطن الاشتراكي لخرجوا، ولما بقي منهم خمسة في المائة، وهذا من علامات الخير، وهكذا العمل في كل البلاد الاشتراكية، فإنها تضيق أشد التضييق على الناس في الخروج من وطنهم حتى لا يروا ما يتمتع به الناس من الحريات في غير البلدان الاشتراكية.
إن بعض الحكومات - مسلمة وغير مسلمة - ارتمت في أحضان الاشتراكية الشيوعية راجية منها تخليص شعوبها من محنها، فشرعت في تطبيق النظام الاشتراكي الشيوعي في بلادها - ترضية لروسيا - وخاصة ضد الدين والعقيدة الدينية، فهي قد استبدلت استعمارا باستعمار أشد من الأول، وقد كشف الواقع عن حقيقة النظام الاشتراكي الشيوعي وخيبته، وأنه لا يستطيع أن يواجه المشاكل المتجددة في كل وقت وحين إلا بالقوة - والقوة لا تحل المشاكل - وفعلا فقد أصاب هذا النظام الفشل الذريع - بل الإفلاس - الظاهر الذي لا يخفى على كل ذي عقل نقي، فهو نظام لا يأتي إلا بالفقر وضنك العيش وقلة الموارد والنتائج ولو كان في أغنى بقاع العالم، ولا يستفيد منه إلا المسيرون له والقائمون عليه، فإنهم أغنوا منه غناء لا مثيل له على حساب الطبقة الفقيرة الكادحة، ولا يستطيع أحد أن ينكر الواقع، لهذا أخذت بعض الشعوب المطبقة له تستفيق من نومها، وتزول عنها غفلتها كما فعل أخيرا الاشتراكي الشيوعي المتحمس لها (فيدال كاسترو زعيم كوبا) فقد أذاع من أيام قريبة تركه للنظام الاشتراكي، وقال: إنه خيال لا يمكن تطبيقه، وأظهر عيوبه، كما أظهر أنه تسرع أولا في تطبيقه، واستدل على عدم صلاحيته بقلة الإنتاج وبكثرة اليد العاملة فيه، وهذا شيء طبيعي في البشر، لأنهم - العمال - يرون أنفسهم يشقون بأجر زهيد وغيرهم ينعم في رغد من العيش بسبب كدهم وسعيهم المتواصل.
стр. 156
يقال: فلان يدس السم في الدسم، ذلك ما يحكى عن المنح الدراسية التي تمنح من بعض الدول الصناعية لبعض البلدان المتأخرة علميا وصناعيا فقد قص علي أحد الآباء أن ولده أعطيت له منحة - أو محنة - دراسية ليتم بها دراسته في إحدى البلدان الاشتراكية، فسافر الولد للدراسة فيها غير أنه تبين له فيما بعد أن ما يتلقونه عن النظام الشيوعي ومحاسنه أكثر مما يتلقونه من العلوم التي غادروا وطنهم من أجلها، وقد قال مرة مسؤول في بلد اشتراكي لتلميذ جزائري ما معناه: إننا نعلمكم هنا في بلدنا ونرجوكم إذا عدتم إلى الجزائر أن تكونوا في عوننا على إخراج الإسلام من الجزائر، وابدأوا بأسرتكم أولا، ثم بأصدقائكم، وهكذا حتى نقض بواسطتكم على الإسلام، وتصبح الجزائر إشتراكية شيوعية، فرجع التلميذ هاربا بدينه - وهذا يرجع إلى فضل تكوينه العائلي وتربيته المنزلية - وكم من تلميذ عاد من دراسته في البلدان الاشتراكية إلى وطنه وهو شيوعي في نفسه وداعية لها، وفي نفس تلك الدولة عوقب تلميذ جزائري لأنهم وجدوا عنده مصحفا، هذا بعض من حرب الشيوعية للإسلام، والذي ينقص تربيتنا الدينية المنزلية قلة تزويد أبنائنا بوسائل الدعاية الكافية ليكونوا هم أيضا دعاة صادقين ومبشرين مخلصين لدينهم الحق وعقيدتهم الفريدة في عالم استولى عليه الشيطان بوساوسه وغوايته، فنكون من أبنائنا - زيادة عن تمكن الدين منهم - شبانا صالحين يجلبون بسيرتهم الطيبة الغرباء عن الدين الحق، زيادة عن دعوتهم غيرهم إلى الإسلام الحي، ولا نخاف بعد هذا من خروجهم من دينهم وانسلاخهم عن عقيدتهم.
الفصل الثاني: خداع العناوين .
اختارت بعض الدول أن تزيد إلى اسمها كلمة - الديموقراطية - فتقول - مثلا - ألبانيا الديموقراطية، رومانيا الديموقراطية، وهكذا: بلغاريا، ألمانيا، فيتنام، كوريا إلى آخر ما نسمع في عناوين الدول.
والواقع أن هذا العنوان - الديموقراطية - يخفي وراءه أو تحته - الاشتراكية الشيوعية - لأن الشعوب لا تقبل الشيوعية - مختارة - ولا تقبل عليها، وتفر منها فرارها من الجذام والطاعون، وللتغطية والتعمية
стр. 157
تأتي الدول بهذا العنوان الخداع، حتى لا تفطن الشعوب المسكينة إلى الحيلة والخدعة، فإذا تمكنت الحكومة من السلطة والسيطرة على الشعب شرعت في تطبيق النظام الشيوعي من أخذ الأموال وغيرها، رغم أنف الشعب، وسخرت له كل ما في إمكانياتها، حتى لا يرد ولا يرفض، وهيأت له كل ما يعين على تثبيته ولو بالقوة، وتدعي أن الشعب هو الذي اختار هذا النظام، والواقع أن الشعب لم يستشر في ذلك بتاتا، بل فرض عليه بالقوة.
وقد كنت يوم ٣١ أكتوبر ١٩٦٥ م في حفل أقيم بمسجد "الحراش" بمناسبة توسيعه، وكان معي في المجلس بعض الإخوان بما فيهم وزير الأوقاف الأسبق، ورئيس المجلس البلدي لعاصمة الجزائر، فامتد بنا الحديث الى طرق عدة مواضيع، كل يدلي بما عنده، وأذكر أنني قلت لهم - فيما قلت -: إنني تتبعت عناوين بعض الدول المعاصرة فرأيت أن كل دولة تضم إلى عنوانها كلمة - الديموقراطية - هي دولة شيوعية، وذكرت لهم كمثال على هذا: ألمانيا الديموقراطية، ألبانيا الديموقراطية، إلى آخر ما ذكرته سابقا، فالكثير منهم وافقني على هذا الرأي ...
لهذا فالنظام الاشتراكي - وهو شيوعي لحما ودما - تفرضه الحكومات فرضا على شعوبها، وخاصة في الشعوب الإسلامية، لأن الشعوب الإسلامية لا تقبل ولا ترضى أن تسلخ من دينها من غير أن تكون للشعوب كلمة رضى أو رفض أو معارضة وسخط، إنما فرض ذلك النظام عليها فرضا، وعندما يصرح مسؤول ما يدعي ويقول - بلا حياء - أن الشعب قد اختار الاشتراكية مذهبا له، وأنا أتحقق - وكل العقلاء النزهاء البرآء معي - أن الشعب لو استشير - أي شعب كان - وأعطيت له حرية التعبير - وهو حق لكل إنسان متمدن - لرفضها رفض الحذاء المرقع، ولفر منها فراره من الأسد المفترس أو الغول المخيف.
من أجل هذا، فكل المسؤولين في الشعوب الإسلامية مسؤولون أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام أرواح الشهداء عما حدث لشعوبهم وفيها، من كفر وإلحاد، وخيبة أمل، وضياع حقوق وشرف قديم وجاه وطهر وعفاف وغير ذلك مما أتت به هذه الاشتراكية المزدكية إلى الشعوب،
стр. 158
وسيلقى كل واحد منهم جزاءه على أعماله، سواء آمن بذلك أو كفر.
والإسلام يأمرنا بالتناصح فيما بيننا، فإذا أدى العلماء واجبهم تلقاء حكامهم وولاة أمورهم، وتقدموا إليهم بالنصائح حسبما يمليه الإيمان والإسلام، لم يجدوا فيهم قلوبا متفتحة على الخير - إلا النادر القليل - وعقولا تدرك خطر المسؤولية، بل أنفوا من قبول النصيحة، واتهموا العلماء بالضدية للدولة، ورموهم بالرجعية والتأخر والجمود الخ، والرجعية في النظام الاشتراكي معناها التدين، لأن الاشتراكيين لا دين لهم كما نعلم، ولأن الدين مصباح مضيء، ونور كاشف، إذا سلط على المبادئ والأهداف كشف حقيقتها كما هي من غير تدليس ولا تلبيس ولا تزييف، لهذا نسمع كثيرا كلمة الاستعمار القديم والجديد، والتنفير منهما - الاستعمار بنوعيه القديم والجديد - لنقول هذا الاستعمار القديم عرفناه، ترى ما هو الاستعمار الجديد؟ فلا نجد لهذا السؤال جوابا إلا أن نقول هو "الاشتراكية الشيوعية" ومثل كلمة الاستعمار القديم والجديد في لغة الاشتراكية كلمة الإمبريالية، والرجعية المستنزفة لدماء الشعوب، القاهرة للعباد، المعذبة للبشرية، إلى آخر ما شاع وذاع وملأ الأسماع حتى مل الناس سماعه، وهي دعاية شيوعية قصد بها التضليل وإخفاء الحقائق وراء العناوين الضخمة الخادعة البراقة.
ومن العجيب الغريب المضحك أن الكثير من الدول العربية الإسلامية!!!! تسطر في دساتيرها كلمة: (الإسلام دين الدولة) وإذا بحثنا عن معنى الإسلام ومدلوله في هذه الدول لم نجد له أثرا، إلا في الصلاة والصوم عند البعض من أفراد هذه الشعوب، أما الأحكام والحدود وحماية الدين فلا تسأل عنها، وهي في ذلك تخادع شعوبها، لأن الشعوب لا ترضى أن تستبدل الإسلام - وهو الدين الذي حررها من الاستعمار - بالشيوعية عدوة الأديان، أما أحكامه فقد أبطلت وعوضت بأحكام وضعية، فأين هو الإسلام إذن ... ؟؟
فلو قيل في تلك الدساتير: (الإسلام دين الشعب) لكان أصدق وأصلح في طائفة من أبناء الشعب، لأن الدولة لا تعمل بالإسلام ولا تطبقه ولا تحميه من عبث العابثين، بل تضيق عليه سبل نشره والعمل به، والذي نلاحظه هنا أن (الاشتراكية) صارت مودة - موضة - العصر كاللباس، فكل دولة لشعب مسلم لبست لباس هذه المودة أو الموضة حتى لا تتهم
стр. 159
بالتأخر أو بالمحافظة على القديم ولو كان صالحا مختارا من الله، أو بالرجعية - التدين - إلى غير ذلك من نعوت الازدراء والسخرية بالإسلام.
الفصل الثالث: من ذيول الاشتراكية تحديد النسل .
مما لا ريب فيه أن الأمة المهابة والمحترمة هي الأمة القوية، وقوتها تشمل جميع أصولها وفروعها، من عدد أفرادها إلى تربيتهم وأخلاقهم، ومن علوم وصناعات واختراعات وغير هذا، والمعتبر في الأمم هو الكم والكيف، فإذا وجدا في الأمة - وخاصة الأخير - كانت أمة قوية ذات شأن وبال.
والإسلام - ديننا - يأمرنا بأن نكون أقوياء في كل شيء في عزيمتنا وفي إرادتنا وفي إيماننا بربنا وبأنفسنا وبوجودنا، حتى لا يطمع فينا طامع، لا في أوطاننا ولا في عقولنا ولا في اتجاهاتنا، فبقوانا تلك نحافظ على وجودنا، ونواجه خصومنا - وكل كائن لا يخلو من خصوم - كيفما كانوا، سواء أكانوا من البشر أم من غيرهم؟ فنحارب الفقر بالعمل والصناعات، ونحارب الجهل بالعلم النافع، نحارب الطامع في الاستيلاء على عقولنا وبلادنا باتحادنا وقوة جيوشنا، كما نحارب الأمراض بالوقاية والعلاج، هذا هو التفكير الصحيح لقوانا كلها، مجتمعة في كثرة أبنائها، وما بقي فمن الفروع التابعة للأصول كالمال مثلا.
والقرآن يأمرنا باتخاذ القوة والاستعداد لكل الطوارئ كما يأمرنا بالحذر، حتى لا نؤخذ على غرة أو خديعة، فهو يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾ (١) ويقول: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢) كما أخبر الرسول ﷺ أمته بأن من الخير لها أن تكون قوية فقال: ((المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير، احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز، وإن أصابك شيء فلا تقل لو أني فعلت كان كذا وكذا، ولكن قل قدر الله وما شاء فعل، فإن لو تفتح عمل الشيطان)) (٣).
стр. 160
فقوة الإسلام والمسلمين رحمة وإحسان للبشرية كلها، فالأمة الإسلامية أمة حرم الله عليها الظلم، وأمرها بإقامة العدل ونشر الفضيلة في العالم - كما كان سلفنا الطيب الخير - وخاصة في هذه الظروف التي كثر فيهال الجور والباطل والطغيان، وعم فيها الجبروت وهضم الحقوق وابتلاع الشعوب والأفكار.
إذن فالواجب علينا أن لا ننظر إلى المسلم كما ننظر إلى البغل والحمار والبقرة وغيرها من الحيوانات الأعجمية التي تطلب منا أن نهيئ لها الأكل من حشيش وغيره حتى يمكن لنا الانتفاع بها ولكي تؤدي عملها في هذه الحالة على أكمل ما تكون، فالحيوانات يؤتى لها بالأكل اللازم لكي تستغل في الأعمال، فهي تأكل لتعيش.
إن المسلم في هذه الحياة بخلاف الحيوانات، فهو مطالب بواجبات يؤديها لمجتمعه، كما هو مكلف بمهمة عالية وغالية أنيطت بوجوده، ومسؤولية كبرى لا يسعه جهلها أو تجاهلها أو التفريط والتهاون فيها.
هذه المهمة أو المسؤولية هي التبشير بالإسلام وعقيدته، عقيدة التوحيد وشريعة الله، شريعة العدل وسمو النفس والفضيلة.
تلك المهمة أو المسؤولية أو الواجب هي نشر التوحيد، هي الجهاد - بكل أنواعه - في سبيل إسعاد عباد الله، وإيصال الخير إليهم، وفي هذا السبيل يجب أن يقضي حياته، ويشغل أوقاته في ذلك - بعد السعي والعمل لكسب معيشته ومعيشة من هم تحت نظره، وما تتطلبه منه الحياة ومشاكلها - حتى يؤدي المهمة التي عليه من غير إخلال بها أو تفريط فيها.
هذه هي مهمة المسلم، وهي مهمة في خير الإنسان وإسعاده دنيا وأخرى، وهذا ما يجب أن يعرفه كل مسلم في وقتنا هذا، كما عرفه أسلافنا الأولون، وقاموا به حق القيام، فقد جردوا أنفسهم من كل شيء يشغلهم - إلا ما لا بد منه - وانتشروا في الأرض دعاة هداة رحماء كرماء فأنقذوا أمما من الغواية والجهالة، لا زالت تذكرهم بكل إجلال وإكبار.
جهل المسلمون في وقتنا هذا ما هم مطالبون به، فظن الواحد منهم أنه يعيش لنفسه، ويتمتع بما شاء من متع الحياة، ويقضي واجبات نفسه، غير ناظر إلى حقيقة وجوده، وما عليه من أحمال ثقال، ومسؤوليات جسام،
стр. 161
فمن أجل هذه النظرة الخاطئة توقف نشر الإسلام - دين التوحيد - وانتشاره، حتى طمع فيهم من لا يساويهم، ومن أجل ترك المسلمين ما هم مطالبون به نحو دينهم خرج من الإسلام أقوام استهوتهم زخارف الحياة، ولذائذها فكانوا من الخاسرين.
إن خصوم الإسلام أذهلهم وهالهم تزايد عدد الأولاد عند المسلمين في كل الأقطار، وهذا بالطبع لا يكون في صالح خصومهم ولا يعجبهم، فهم يريدون أن يكون المسلمون أقلية ضعيفة غير قوية، فعملوا - الخصوم - ما استطاعوا لذلك، وأكثروا من الوسائل لصرف المسلمين عن التمسك بدينهم، كما أكثروا من وسائل إخراجهم منه، كالتعليم اللاديني، ومن تلك الوسائل ما أشاعوه في أوساطهم من مخاوف المجاعة الناتجة عن كثرة الأولاد وما يتبعها من نفقة المعيشة، والتعليم، والكفالة وغير هذا، وجسموا لهم شبح المجاعة التي تنتظرهم في مستقبل أيامهم، فأدخلوا الاقتصاد والحساب في حياة المسلم، وبعد عمليات الضرب، والطرح، والقسمة، نشروا نتيجة الحساب، وأذاعوا أن كل شعب لا يستعد من الآن لأخذ الحيطة على حياة أبنائه في المستقبل فسيكون مهددا بالمجاعة، بل بالموت جوعا إذا حل الأجل الذي أفصحت به عملية الحساب، فسارع المسلمون المساكين! إلى الدعاية لذلك والعمل بوسائل التقليل من إنجاب الأولاد، خوفا من الموت جوعا، ومن رؤسائهم من خصص جائزة لمن نظم ذريته كما يريد عدوه، من إضعافه، وتقليل قيمته، ونتيجة ذلك جعلت المسلمين لا يساوون شيئا.
نقول لأصحاب هذا التفكير، أن تفكيركم سقيم، وحسابكم عقيم، لأن تفكيركم مبني على عدم إيمانكم بالخالق الرازق، فالإسلام يأمر المسلم بالسعي والعمل حتى يضمن لنفسه ولأطفاله الحياة الهنية الكريمة، وينهاه عن الكسل والقعود عن العمل، وأحاديث الرسول ﷺ في الموضوع لا تخفى أهميتها، وكلمة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بينة واضحة في الحث على العمل والنهي عن تركه، قال ﵁: (لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول: اللهم ارزقني، فقد علمتم أن السماء لا تمطر ذهبا ولا فضة).
لهذا فغير المسلمين ينظرون إلى الحياة نظرة الجاحد لرب الكائنات ورازقها، ونحن - المسلمين - ننظر إليها نظرة المؤمن بربه، الواثق بوعده، وهو جلت
стр. 162
عزته المتصرف في كل شيء وحده، لا نحن ولا أنتم وما علينا إلا السعي والعمل فعلينا أن نسعى ونعمل، والرزق تكفل الله به خالقنا وخالقكم فهو الذي بيده كل شيء - آمنا به وكفرتم - وهو لا يضيع أجر العاملين.
في القرآن آيات تدل على قسمة الأرزاق والحظوظ، وأن الذي خلق لا يضيع خلقه، ومن المؤسف ما يتفوه به بعض المغرورين من حكام المسلمين عندما يتوصلون إلى مناصب عالية في الحكم، فيغترون بمنصبهم ذلك، ويظنون أن فطنتهم وحذقهم هو الذي بوأهم ذلك المنصب، فيسخرون بالعباد ويهزؤون بالقرآن ويريدون أن يفسروا القرآن كما واتتهم به الفرص والحظوظ، جاهلين حكمة العليم الحكيم، وأن الحظ الذي واتاهم هو من الله ليريهم للناس على حقيقتهم، ليشكروا أو يكفروا، ﴿وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ﴾ (١) قال الله تعالت قدرته، وبهرت العباد حكمته، مبينا أنه هو الرزاق لا غيره ﴿وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾ (٢) وقال: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا وَرَحْمَتُ رَبِّكَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾ (٣).
آه ثم آه لو فكرنا في هذه الآية الأخيرة تفكيرا صحيحا فطريا لاهتدينا جميعا إلى الطريق المستقيم، فهذه الآية في قسمة الأرزاق يفهمها ويؤمن بها المؤمن وينكرها الكافر المنكر، الجاحد المخطئ، وسيعلم بعد حين عاقبة كفره وجحوده وخطئه.
إن الملاحدة وغيرهم ابتدعوا - في تضليلهم - دعاوى ينفرون بها المسلم من دينه، ويجعلونه يتبرأ منه ويحاربه ويوسوسون له بأن ما نزل بالمسلمين من محن ومصائب إنما هو من تمسكهم بدينهم.
وهذا توضيح موجز في حكمة جعل الناس درجات وطبقات - كما مر في آية الزخرف - متفاوتة، فيما يمكن فيه التفاوت، في أصل خلق الإنسان
стр. 163
وتكوينه، ذلك أن التفاوت يكون في أشياء - مثلا - في العقل، وفي العلم والجهل، والذكاء وضده - البلادة - وفي الصحة الجسمية والضعف، وتفاوت أيضا في المنصب والوظيفة إلى آخر ما هنالك من أصناف البشر ودرجاتهم، فالله يقول: ﴿وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾ أي مسخرا، فالملاحدة يعترضون على القرآن بأنه جعل الناس طبقات ودرجات، وقائل هذا القول جاهل بحكمة الخلاق العليم، فلو كان الناس كلهم في درجة واحدة - كالفقر أو الغنى - لضاعت مصالحهم، فلا أحد يحتاج إلى أحد، أما وهم في درجات متباينة تجعلهم لا يستغني الواحد منهم عن غيره، فكل واحد يحتاج إلى سواه ولو في أبسط الحاجات، وبهذا تلتئم مصالحهم، ويكمل بذلك نظام هذا الكون.
أما جعل الناس في درجة واحدة لا يحتاج الواحد منهم إلى غيره فذلك ما لم يكن - ولن يكون - وأصحاب هذه الفكرة - التي تدل على الغباوة، أو التغابي وسوء القصد - هم أنفسهم يحتاج الواحد منهم إلى غيره، ليخيط له ثوبه، أو يصنع له حذاءه، أو يسوق به سيارته الخ ... أما على دعواهم فكان الواجب عليهم أن يتولى كل واحد منهم شأنه بنفسه ويباشره بيده، وهذا ما لا يستطيعه أحد كيفما كانت قوته ومداركه، وهل في بلد أصحاب هذه الدعوى توجد المساواة في كل شيء؟
حدثني من زار "موسكو" أنه لاحظ - فيما لاحظ - على بائعي الخبز - مثلا - فرقا كبيرا لم يره في بلد غيره بالرغم من كثرة تجواله وتنقله في البلدان والعواصم، ذلك أن الخبز في موسكو على ثلاثة أنواع لكل نوع أصحابه وأهله.
١ - نوع رديء الدقيق والصنع والنضج تزن الخبزة الواحدة نحو (٢ ك ق) وهو في دكان خاص يتولى بيعه عمال باللباس الأزرق - وهو خاص بالعمال -.
٢ - وإلى جنبه دكان آخر بنوع آخر من الخبز أقل رداءة من الأول، وأقل وزنا منه، وبائعوه في لباس أحسن من الأولين، وأصحابه في درجة أعلى من العمال وأقل من الاختصاصيين.
٣ - أما الدكان الثالث فخبزه أحسن وأجمل من السابقين، في كل شيء في جودة الدقيق والنضج وقلة الوزن، يتولى بيعه وتوزيعه فتيات باللباس الأبيض مع اللطافة في المعاملة الخ ولكل نوع من هذه الأنواع طبقة من الناس لا يسمح لأفراد الطبقة الأولى أو الثانية أن تأخذ من خبز الطبقة الثالثة،
стр. 164
لأن هذا النوع الأخير خاص بطبقة الموظفين الكبار والعلماء الاختصاصيين وهكذا!! ما سمعنا عن بلد - ما - أنه نوع الخبز هذا التوزيع إلا في هذا البلد الذي ملأ الدنيا دعاوة وصراخا بأن الشيوعية قضت بنظامها على نظام الطبقات، وسوت بين جميع الناس وأعطت للعمال حقوقهم، ويقولون ويذيعون أنه يجب ألا يكون الإنسان مسخرا لأخيه الإنسان، هذه أقوالهم التي ملأوا بها أجواء الدنيا، أما أعمالهم فهي تخالف أقوالهم خلافا واضحا يدركه أبسط الناس، فقد رأيناهم اتخذوا الشرطة - مثلا - كالعبيد القدامى المسخرين لأسيادهم المالكين لهم، يحيطون بسياراتهم إذا تنقلوا من مكان إلى آخر، ويؤدون لهم التحية إذا دخلوا، مقرونة بشكل غريب من الخضوع والمسكنة وعدم الحركة، حتى ليخيل للناظر إليهم على تلك الحالة كأنهم تماثيل من حجر نصبت فوق قواعدها، مع أن الشرطة جعلت للمحافظة على الأمن وملاحقة المجرمين حفاظا على راحة السكان وأمنهم، ومقاومة الشر والفساد وتتبع من يصدر ذلك منه حتى يقضي على كل ما يخل بالأمن والراحة فصارت الشرطة حارسة لطائفة مخصوصة ومحظوظة من كبار الموظفين والزعماء لا غير، وهذا لا يوجد إلا في بعض البلدان الاشتراكية!!!
هذه الأعمال المرئية تناقض الأقوال المسموعة، والشواهد على هذا كثيرة جدا، ولله در الإمام البوصيري في قوله الحكيم:
والدعاوى ما لم تقيموا عليها ... بينات أبناؤها أدعياء
من هذه الدعاوى المبتدعة بقصد تضليل المسلمين الضعفاء في إيمانهم كلمتان كثر تردادهما على الألسن والأقلام حتى مل الناس سماعهما ورؤيتهما، - وهما الإقطاع والرجعية - يقولونهما كدليل على أن صاحبهما الذي قيلتا فيه هو من بقايا القرون الوسطى المشهورة بالجهل والتخلف العقلي والصناعي الخ، ويطلقون على أنفسهم كلمة - التقدميين - وفي شيء من التفكير البسيط يرد المسلمون على الملاحدة هذه الدعوى أو الوصمة - إن كانت وصمة عار - ويقولون لهم: أن الماضي كفيل بتكذيبكم وفضيحتكم وتسفيه آرائكم، فأنتم الرجعيون - حقيقة لا ادعاء - والمسلمون هم التقدميون - حقيقة لا ادعاء - فالدين الإسلامي الطاهر قدم المسلمين يوم كانوا عاملين
стр. 165
به، بل جعلهم هم السابقين لجميع الأمم، ويوم كان المسلمون مسلمين حقيقة لا ادعاء، مسلمين بالأقوال والأعمال والعقيدة والتفكير، - والتاريخ وأحداثه شاهد على ذلك - ولما انحرفوا عن الطريق التي خطها لهم دينهم الإسلام ومالوا إلى طرق شتى، حل بهم ما أخرهم وجعلهم أضحوكة بين أهل زمانهم، حتى صاروا يصدقون كل محتال دجال خداع يعيب دينهم الطاهر فلا يغارون عليه، ويؤمنون بما يقوله أعداؤهم في دينهم، فكانت أفعالهم القبيحة أفعى لهم.
فهؤلاء الذين أطلقوا على أنفسهم لقب التقدميين هم في الواقع على العكس من هذا اللقب الذي لقبوا به حضراتهم المحترمة، ذلك لأنهم يعملون الآن للرجوع إلى عهد الإنسان الأول البدائي، الذي كان يحيى حياة البهائم التي لا تعقل، لا دين يهذبه، ولا حدود تردعه، ولا خوف من ربه يزجره، يأكل ما وجد أمامه، لا يعرف حدود غيره فيحترمها ويبتعد عنها، يمشي عاريا أو شبه عار، لا يعرف خالقا ولا حراما ولا حلالا، لا علاقة له بغيره إلا علاقة المادة والملذات، ينام في المغاور والكهوف وعلى رؤوس الأشجار، فالتقدميون - على زعمهم - يعملون من أجل الرجوع إلى العهد البدائي القديم، عهد الجهالة الأولى (لا إله ولا دين والحياة مادة).
إذن فمن هو التقدمي ومن هو الرجعي؟؟، إن التقدمين - إدعاء - هم الرجعيون حقيقة ونحن - المسلمين - التقدميون حقيقة وواقعا، وهذا ما أقوله وأصرح به في كل المناسبات، فالمسلمون بالحجة هم التقدميون، والملاحدة - بالدليل - هم الرجعيون، فالقضية قضية أدلة وبراهين، لا قضية كلام فارغ ودعوى باطلة، وتهم ساذجة.
ومثل كلمة - الرجعية - كلمة - الإقطاع - التي أكثروا من تكرارها وإذاعتها حتى ملتها الآذان تكرر في كل مناسبة للدعاية، وحتى في غير مناسبة، نقول لهم أين هو الإقطاع الآن ... ؟؟؟ فلنبحث عنه فهو غير موجود بالمعنى الذي كان متعارفا به في الماضي، والإقطاع القديم كان بإقطاع الملك أو الأمير قطعة من الأرض إلى من خدم الدولة بإخلاص، تعطى له على سبيل التمليك يستغلها ويعيش منها لنفسه خاصة، أما الآن فقد صار
стр. 166
إقطاعا من نوع آخر إقطاعا عصريا تقدميا، وهو إقطاع أو إعطاء الصديق المؤمن بالمبادئ وظيفة عالية، أو إدارة مؤسسة وطنية كبيرة يتولاها ليستغلها كما شاء، من غير أن يحاسبه محاسب، أو يراقبه مراقب - وإلا غضب - هذا هو إقطاع هذا الوقت (العصري) فهل فهمتم معنى الإقطاع العصري التقدمي أيها الإقطاعيون ... ؟؟؟
نعود إلى الموضوع المعنون له بـ - الاشتراكية وتحديد النسل - فنلقي نظرة على حياة العرب قبل الإسلام، فقد كانت حياتهم حياة جاهلية، وكان الرجل منهم يخشى ضيق العيش - لجهله - وقلة الرزق، كما كانت نظرتهم إلى المرأة نظرة خاطئة، فهي عندهم عضو أشل عاطل في جسد الأسرة والمجتمع، كما هي عندهم أيضا عبء ثقيل يحمله عائل الأسرة، لهذا زينت لهم نفوسهم الجاهلية التخلص منها بوأدها - دفنها - حية في التراب، وهي طفلة صغيرة، حتى لا تضايق الأسرة في رزقها، كما كانوا يخشون العار الذي قد ينجر للأسرة أو القبيلة بسبب سوء سلوكها وخروجها عن تقاليد الأسرة والوسط، لهذا ولغيره من الأسباب والاعتبارات السائدة في ذلك الزمان الجاهلي كانوا يدفنونها وهي حية ضعيفة، وقد تستغيث، ولكن ما لها من مغيث، كما كانوا يقتلون أولادهم الذكور خوفا من الفقر والجوع.
ولما جاء الإسلام - رحمة الله - أبطل هذا الجرم الفظيع بشرعه الرحيم، وأبان للعرب الجاهليين قبيح صنعهم، وأظهر لهم خطأهم فيما ذهبوا إليه، مبينا لهم ولغيرهم أن الرزق والقوت بيد الله الخالق العليم الرحيم - مع السعي منهم بالوسائل المعروفة - لا بيدكم أنتم معاشر العباد، وقد أمر رسوله - المبلغ عنه - بأن يتلو على قومه ما حرمه عليهم ربهم، وهو ما منعهم من إتيانه وفعله، لما فيه من الفساد والضرر وسوء الأعمال فقال ﵎:
﴿قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ (١) نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ﴾ (٢) وقال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيرًا بَصِيرًا
стр. 167
وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُهُمْ وَإِيَّاكُمْ إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (١).
والملاحظ في التعبير القرآني: أن الآية الأولى - آية الأنعام - نصت على أن قتل الآباء للأبناء كان بسبب الفقر الموجود فعلا، ولم يستطع معه الآباء أن يقوموا بواجب النفقة على أولادهم، ولم يتحملوا رؤية أبنائهم في حاجة إلى لقمة العيش، فيتخلصون منهم بقلتهم، لهذا قدم في الذكر رزق الآباء على الأبناء، وبين لهم أن الكل من الله.
أما في الآية الثانية: "آية الإسراء" فهي بالعكس من ذلك، فإنه قدم في الذكر رزق الأبناء على رزق الآباء لأن قتلهم لهم كان من أجل الخوف من فقر متوقع ومنتظر - فهو غير موجود - يرون أنهم لا يقدرون معه على القيام بنفقة أبنائهم، فيتخلصون منهم بقتلهم، فهذا التعبير البليغ من دقائق القرآن العجيبة، كما أشار إلى ذلك علماء التفسير القرآنيون، والمسلمون الآن صار البعض منهم يسلك سبيل الجاهلية الأولى، فيستعمل وسائل منع الحمل وهذا هو الوأد الخفي، كما في الحديث عندما سئل الرسول ﷺ عن - العزل - الذي رواه مسلم عن عائشة ﵂، وهو قوله: ((ذلك الوأد الخفي)) إشارة لقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (٢) فإذا تأملنا جيدا آيتي الأنعام والإسراء وجدنا أن القرآن يوصي الأبناء بالإحسان إلى آبائهم في حال كبر السن أو العجز عن اكتساب القوت، كما يوصي الآباء بالرحمة بأبنائهم في حالة الصغر والضعف، كل ذلك لتنشأ سلسلة الأسرة متماسكة الحلقات، كونت على أساس ومادة من الرحمة والحب والعطف والعدل، وبهذا يكون تكوين الأسرة وصوغها قويا وصنعها متينا محكما، لا تزعزعه الرياح والأعاصير مهما اشتدت واستمرت، إذ كل واحد فيها يعرف ما له وما عليه.
هكذا تربى الأسرة المسلمة بوصايا القرآن، غير أن صدوف المسلمين المتأخرين عن هدى القرآن ونور الإسلام الكامل، ونبذهم لشريعتهم - عملا وتطبيقا - ظانين أنهم يجدون الراحة والخير في غيرها، وصلاح
стр. 168
أمورهم في سواها، كل ذلك صيرهم إلى ما نرى ونشاهد من تفكك وضعف، ونقص واحتياج، وقساوة على بعضهم واحتيال حتى بين الآباء والأبناء، لأن رابطة الدين والقرآن - وهي أمتن الروابط - ضعفت فيهم، فمدوا أبصارهم وأيديهم إلى خارج ما رسمه لهم دينهم، وراحوا يقلدون ويتبعون من لا يؤمن بربه، ولا يعترف بخالقه، لهذا حل بهم ما حل بمن سبقهم من الأمم الغابرة - سنة الله في خلقه ولن تجد لسنة الله تبديلا - تلكم الأمم التي كفرت بربها ونبذت شرائعه واتبعت الشياطين وآمنت بالطواغيت، فلم يكن لهم فيهم العبرة البالغة، والعظة الكاملة، وكيف يكون فيهم هذا وهم لا يرون نصح الناصحين وموعظة الواعظين علاجا لأمراضهم، وصلاحا لشؤونهم، فساء حالهم وانحطت أخلاقهم، وانفلتت الدنيا من أيديهم، والآخرة كذلك، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فالناظر البصير بالأمور يدرك أن مما ينشره ويذيعه الملاحدة بين الشعوب المسلمة بشتى وسائل الشر، المقصود منه بالذات أولا وقبل كل اعتبار إنما هو التعطيل لنشر الإسلام بين الناس، بل وانتزاعه من منابته، والمسلمون غافلون عن المقصود من ذلك، بل إن منهم من يرى أن ذلك في خيرهم وصلاحهم، وما هو في الحقيقة إلا الشر والإلحاد ينشر ويذاع بينهم، وعلى حساب دينهم، وسيعلمون نبأه بعد حين.
نعود بعد هذه البسطة إلى عنوان هذا الفصل وهو "تحديد النسل" أو منعه وإبطاله، وتحديد النسل إذا تدبرنا مدلوله نجده خدعة أو لعبة أريد بها ومن ورائها إنقاص عدد المسلمين وإضعافهم ليسهل دوسهم أو ابتلاعهم في يوم - ما - فهو مكيدة مبيتة، ودسيسة مدبرة من طرف خصوم الإسلام، زينوها للجاهلين وحسنوها للغافلين، ذلك أن الدارس للشريعة الإسلامية وأحكامها المحكمة وأهدافها الواضحة البينة يدرك ما قلناه سابقا من أن المطلوب من المسلم مطلوب شريف، مطلوب منه أن يكون عنصر صلاح وفلاح بين أبناء البشرية التائهة، فقد ضلت عن الطريق السوي الرشيد الذي يجب عليها أن تسلكه لتنجو من المهالك والأخطار.
المطلوب من المسلم أن يعمل - ما استطاع - لإرجاع إخوانه في الإنسانية إلى الجادة المثلى، إلى الصراط المستقيم، صراط الله الذي رسمه في شرعه ليسلكه عباده المؤمنون المهتدون بهديه.
стр. 169
من أجل هذا، ومن أجل أن الخالق تكفل بأرزاقنا وأقواتنا - إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين - إذا سعينا لها بالوسائل المطلوبة، فالمسلمون - مهما كثر عددهم - فهم قلة قليلة إلى جنب من كفروا بربهم، وجحدوا ألوهية خالقهم، وتمسكوا بخيوط واهية لا تمسكهم إلا كما تمسك خيوط العنكبوت أثقل الأشياء وزنا، وتركوا حبل الله المتين الذي لا نجاة للعباد من الهلاك والخسارة إلا في التمسك به والاعتصام بقوته ومتانته.
فتحديد النسل - الذرية - معناه أن نجعل لتزايد الأولاد حدا محدودا لا نتعداه، أو منعه وإبطاله مرة واحدة، فهو بهذا الاعتبار مخالف لما جاءت به الشريعة الإسلامية - مثل جميع الشرائع السماوية - فالمسلمون إذا عملوا على التقليل من نسلهم أو منعه فهم ضد شريعتهم، كما يتبين ذلك من أقوال الرسول ﷺ ، فالرسول المبلغ عن الله رغب أمته في تكثير نسلها وعددها لتكون به قوية.
من ذلك ما أخرجه أبو داود في سننه في باب: (النهي عن تزويج من لم يلد من النساء) عن معقل بن يسار ﵁ قال: (جاء رجل إلى النبي ﷺ فقال: إنما أصبت امرأة ذات حسب وجمال وأنها لا تلد، أفأتزوجها؟ قال: ((لا))، ثم أتاه الثانية، فنهاه، ثم أتاه الثالثة فقال: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)).
كما أخرجه النسائي أيضا بألفاظ متشابهة عن معقل بن يسار، وفي بعضها اختلاف يسير وعنون له بقوله: (كراهية تزويج العقيم)، وأخرج الإمام أحمد في مسنده والطبراني في الأوسط عن أنس ﵁ قال:
كان رسول الله ﷺ يأمر بالباءة، وينهى عن التبتل (١) نهيا شديدا، ويقول: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأنبياء يوم القيام)) ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد وأقره وقال: وإسناده حسن.
هذه هي سنة رسول الله محمد ﵊ التي كان يأمر بها أصحابه والتي لا ينبغي تركها والعدول عنها إلى ما دعت إليه الشياطين، فسيكاثر بأمته الأنبياء والأمم يوم القيامة، يوم يجمع الله فيه الخلائق، هذه
стр. 170
الكثرة إنما تكون بالعدد الصالح المؤمن القوي، هذه الكثرة في العدد سيتباهى بها الرسول ﵊، فهو يفاخر الأنبياء والأمم ويفتخر عليهم بالكثرة المؤمنة الموحدة، لا بهذه القلة الزائغة الملحدة الضالة المضللة التي تشبه البهائم في البحث عن الأكل واللهو والملاذ والشهوات لا غير، هذه هي سنته، ومن رغب عنها ولم يعمل بها فليس من أتباعه كما قال:
((فمن رغب عن سنتي فليس مني)).
فبناء على هذا الترغيب النبوي يجب على المسلمين ألا يخالفوا رسولهم فيما رغبهم فيه وحثهم عليه، بل وأمرهم به، كما يجب أن يكونوا دعاة له، لا دعاة لمخالفته، قال الله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
اللهم إن عبادك المسلمين فعلوا ما حذرتهم منه، وخالفوا أمر رسولك إليهم، وشتتتهم الأهواء والفتن، وأضعفتهم الشهوات، ونزل بهم العذاب الأليم، فقد صدق فيهم وعيدك وهم غافلون.
فتحديد النسل أو منعه قضية دينية قبل أن تكون اقتصادية، فالعمل بها مخالف للشريعة الإسلامية، ورد لرغبة محمد ﷺ .
إن الأروبيين الذين حاولوا كم من مرة أن يوهنوا الإسلام أو يقضوا عليه بقوة السلاح وخابوا - كالحروب الصليبية - قد رجعوا إلى الأوطان الإسلامية بعنوان - التعمير أو الحماية - في غفلة وضعف من الشعوب الإسلامية، وبعد أن هبت نسمة الحرية أو التحرير كان العالم الإسلامي في طليعة المحاربين، والمتتبع لسير الأحداث العالمية يدرك أن الشعوب غير الإسلامية أخذت حريتها واستقلالها بدون حرب تذكر وقتال شديد، وهذه القارة الإفريقية السوداء مثال لما قلت ودليل عليه، أما الشعوب الإسلامية فإنها ما بلغت إلى حريتها واستقلالها إلا بعد أن دفعت الثمن فيه باهظا جدا جدا من خيرة أبنائها.
فأروبا هالها وأفزعها كثرة تزايد عدد المسلمين، يضاف إلى ذلك استقلال الشعوب الإسلامية، وما يتبع ذلك من قوة وغيرها، فأخذت تفكر في
стр. 171
مستقبلها وماذا سيكون فيه بعد أن استعاد المسلمون أوطانهم وقوتهم التي فقدوها بسبب استيلاء المستعمرين عليها، ففكروا كثيرا وقدروا تقديرا فهداهم تفكيرهم وتقديرهم إلى أن الشعوب الإسلامية سيأتيها يوم تسيطر فيه على العالم نظرا لبهرة عددها وقوتها المتزايدة وما تملكه في أوطانها من مواد خام وغير ذلك، وبذلك سينتزعون السيادة والقيادة منهم، لهذا أخذوا ينشرون تقارير خبرائهم الاقتصاديين، ويعلنون: أن العالم مقبل على مجاعة عظيمة بالنظر إلى عدد السكان وكثرتهم، وقلة الأقوات، وأذاعوا بياناتهم ناصحين، بأن الواجب يحتم على الشعوب - وخاصة النامية - والحكومات أن تستعد لمواجهة خطر هذه المجاعة المنتظرة بتنقيص عدد السكان - من غير أن ينقصوا هم من وسائل القتل والتدمير والإحراق والخراب، وهي وسائل تحصد البشرية حصدا - فكان أول الملبين لندائهم بعض الشعوب الإسلامية - إسما لا عملا - فتأثروا بتلك البيانات، فخطب نوابهم في المجالس، وخطباؤهم على المنابر، وسخروا لهذه الحملة ما عندهم من وسائل الإعلام والأخبار، من صحافة وإذاعة وغيرهما، وحتى من يسمون أنفسهم بـ - علماء الدين - باحثين ومنقبين عن المرخصات لتحديد النسل أو منعه، حتى لا يموت المسلمون - المساكين!!! - جوعا، وقد وجدوا في كلمة الإمام الغزالي سندا يستندون عليه، فصدرت بذلك الفتاوى من أصحاب الفضيلة حماة الدين، في الصحافة وغيرها مرغبة في اتخاذ الوسائل للتنقيص من الأولاد أو منعهم بتاتا، كأن الأرزاق بأيديهم لا بيد الله خالق العباد سبحانه لا إله غيره، ولا رازق سواه، حتى أن الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة قد أعد جائزة مالية لمن ينظم نسله.
وهنا نكون قد رجعنا من حيث نشعر أو لا نشعر إلى حالة العرب الجاهليين التي نعاها عليهم القرآن مبينا لهم خطأهم في تقويم الأرزاق كما جاء ذلك في الآيات السابقة.
إن منع الحمل لا يجوز - شرعا - إلا في ظروف خاصة لا صلة لها بكثرة تزايد عدد سكان المعمورة، فإذا كان المنع من أجل الخوف من الجوع فهو من أعمال الجاهليين التي خطأهم فيها القرآن فيكون المسلمون قد رجعوا إلى عقيدة الجاهلية وعهدها، فمجوزه وفاعله لا إيمان لهما بربهما ولا بوعده، مهما تستر العامل به أو المجوز له بغير ما أظهره،
стр. 172
فإن الله لا تخفى عليه خافية، والعمل هنا تعينه النية، كما جاء في الحديث الصحيح: ((إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى)).
فالذي يفكر ويعمل لتحديد النسل - خوفا من الجوع - فلماذا لا يعمل للإكثار من الصناعات ونشرها، وإيجاد وسائل العمل الشريف، وتوزيع الثروات توزيعا عادلا مفيدا على الأمة، ينال منه كل واحد على ما عنده من تجارب ومعرفة بطرق الإنتاج والتنمية، حتى تكتفي الأمة بما عندها من طاقات، وتستغني بذلك عن غيرها.
ألم ينظر هؤلاء - الفطن الحذاق - الذين خافوا على أبناء الأمة أن يموتوا جوعا - إلى الأمة الصينية الحالية، وكثرة السكان فيها وتزايدهم بصفة مهولة، حتى أن دولة أمريكا وطاقاتها البشرية وغيرها صارت تقرأ لها ألف حساب، وحساب ... ؟؟
إن الأمة الصينية بصناعتها التي غزت بها العالم لم تخف من الموت جوعا، لأنها تعلم أن قوتها في كثرة أفرادها، وما يقال في الأمة الصينية يقال في الأمة اليابانية الحديثة وصناعاتها العجيبة في إتقانها ورواجها في جميع أطراف العالم، وسكانها مع ضيق أرضها، والفارق الوحيد بيننا وبينهم هو العمل والكسل، والتقليد البليد، فاعتبروا بهذا يا أولي الأبصار.
إن الشعوب الإسلامية أصيبت بمرض الكسل والتكاسل - وكثرة الكلام الفارغ والثرثرة الحقيرة - ولو كانت حازمة وعاملة كالشعوب الأروبية أو بعض الشعوب الأسيوية - مثلا - لغيرت وجه أرضها بالصناعات، ولكانت أغنى بكثير من الشعوب الأروبية بالنظر لما عندها من خيرات وإمكانيات قل أن توجد في غيرها من البلدان الأخرى.
فالأبناء الشرعيون - أولاد الحلال - يجب التقليل منهم، حتى لا يموتوا جوعا، وأمال الأولاد غير الشرعيين - أولاد الحرام - فلا خوف عليهم ومنهم إذا كثروا - ما دامت لدى بعض الحكومات الإسلامية مراكز تؤويهم - وقد كثروا في هذا العهد الأخير كثرة فاحشة، بكثرة الأسباب والطرق التي تجيء بهم إلى هذه الحياة، والتي هي نتيجة حتمية لاختلاط الرجال بالنساء في كثير من الميادين - ولا ينشأ من الاختلاط إلا الشرور
стр. 173
والآثام - ولخروج المرأة المسلمة إلى الشوارع متبرجة كاشفة لما أمرها الله بستره، مع ضعف الإيمان أو انعدامه وموت الوازع الديني والأخلاق الإسلامية، والذين هم - أيضا - نتيجة جناية الأشرار والفساق على المجتمع الإسلامي الذي أفسدته الأخلاق الأجنبية الوافدة عليه من الخارج والتي تحارب الأخلاق الإسلامية، فهم - الأولاد غير الشرعيين - في ازدياد مطرد، ولم نسمع أن من المسؤولين من أخذته الشفقة والغيرة على الأخلاق والفضيلة فتكلم على منعهم، أو حتى التقليل منهم بإزالة الوسائل التي جاءت بهم إلى هذه الحياة السيئة، وهذا من نتائج المزدكية القديمة كما مر الكلام عليها سابقا، وأختها الاشتراكية الحديثة.
فالعامل على تقليل النسل - الأولاد - والآمر به والمجوز له كل هؤلاء مكذبون بوعد الله برزق عباده، والذي أفتى بجوازه من غير ضرورة شرعية - تبعا لهوى غيره - يجب عليه أن يراجع موقفه، وإلا فيا ويله يوم يقف بين يدي من لا تخفى عليه خافية ... فالمجوز له باع ضميره، واستجاب لرغبات العباد، وأعرض عما يوجبه عليه إيمانه، ودينه، وورعه - إن كان عنده ورع - وخوفه من خالقه.
والملاحظ هنا - بهذه المناسبة - أنني أعرف كثيرا من الرجال كانوا فقراء قبل أن تكون لهم زوجات وذرية، وكانوا في ضيق من العيش، وما أن تزوجوا ورزقوا أبناء حتى كثر رزقهم، واتسعت معيشتهم، وظلوا وباتوا في رغد من العيش، وهم هم كما كانوا قبل ازدياد أولادهم، لم تزد لهم أعضاء أخرى في أجسادهم، فلم يصر للواحد منهم رأسان - مثلا - وأربع أيد وأربع أرجل حتى يزداد سعيهم ودخلهم، وما ذلك إلا لأن المولود جاء برزقه معه لأن الرزاق حي لم يمت، وصدق الله في قوله: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ (١).
هذا في شريعتنا الإسلامية الخالدة، فقد علمنا ما دلت عليه آيات قرآنية لا تجيز - بدعة العصر - التي جاءت من قوم لا يؤمنون بخالقهم ولا يصدقون شرعه.
стр. 174
والذي أعرفه - في خارج شريعتنا الإسلامية - أن رجال الدين من اليهود والمسيحيين عارضوا معارضة قوية في تطبيق هذه البدعة - الإلحادية - من لدن أتباعهم من اليهود والنصارى، فقد أنكروا تحديد الأولاد عندما طلب إليهم أن يقولوا كلمتهم في ذلك، فقالوها، ولم يجوزوا استعمال الطرق التي تستعمل لمنع الحمل، وطلبت منهم حكوماتهم ذلك أيضا، فكان موقفهم واحدا، فكيف أجازه خلفاء محمد ﷺ ؟؟ - إن كانوا خلفاء له حقا - وخالفوه فيما رغب فيه ودعا أمته إليه؟ وأذكر أنني سجلت في مذكرتي الخبر التالي: (استمعت إلى إذاعة نشرة الأخبار من محطة "لندرة" يوم الإثنين ٢٩ جويلية - تموز - ١٩٦٨ في نشرة أخبار الساعة الرابعة بعد الظهر هذا الخبر: (قداسة البابا يؤكد مرة أخرى تحريم موانع الحمل الصناعية، كما يحرم الإجهاض) فالرئيس الديني المسيحي يعلن لأتباع دينه ما يوجبه مقامه الديني وكرسيه الجالس عليه، من غير أن يخشى المعارضين له وهم كثيرون، ومن غير أن يخاف أن يتهم بالرجعية.
والملاحظ أن أظهر ما ظهرت فيه الدعوة إلى منع الحمل أو تحديد النسل إنما هي الأوطان التي اتخذت المذهب الاشتراكي الشيوعي - المزدكي - دستورا لها، وأبطلت الدساتير الأخرى - وخاصة القرآن - وفي الأوطان الإسلامية بالخصوص التي ابتعدت كثيرا عن منهاج الشريعة الإسلامية، وابتدعت قوانين أخرى أقل ما يقال فيها إنها حرب مكشوفة سافرة أعلنت على شريعة الله - الإسلام - الطاهرة من كل الأقذار.
قلت إن أظهر ما ظهرت فيه الدعوة إلى منع الحمل أو تحديد النسل إنما هي في الأوطان الاشتراكية، ذلك لأنها لا تعترف بالدين، ولا تتبع ما تدعو إليه الأديان، فكل من عمل على تحديد النسل أو منعه فعلى نهجها سار وبمذهبها اقتدى، بعد أن علمنا أن رجال الدين من الديانتين "اليهودية والنصرانية" لم يجيزوه بل منعوه.
إذا ساغ للحكومات الملحدة أن تدعو إلى تحديد النسل أو منعه - نظرا لمذهبها الاقتصادي والمادي واللاديني - فإنه لا يجوز - بأي حال - أن تجيز
стр. 175
ذلك حكومات الشعوب الإسلامية، التي تدعي أن الإسلام دين الدولة، فما لهذه الحكومات ابتعدت كثيرا عن شعور غالبية شعوبها، التي لم ترض أن تلبي هذه الرغبة؟ فلم لم تأخذ بعين الاعتبار رغبات شعوبها؟ ومالت إلى رغبات طائفة من الملاحدة معينه، أولئك الذين لا رغبة لهم في الدين والتدين ...
стр. 176
الباب العاشر
стр. 177
الفصل الأول:
مسؤولية حكومات الشعوب الإسلامية .
إن حكومات الشعوب الإسلامية مسؤولة أمام الله، وأمام التاريخ، وأمام شعوبها عن كل تحريف أو انحراف - عن سبيل الله - يقع لشعوبها فإن المسؤولية عظيمة، والتبعات كبيرة، وتقلبات الأيام غير مأمونة ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾ (١).
والملاحظ - أيضا - أن البعض من أولئك المسؤولين غير مهتمين بانحراف بعض أفراد شعوبهم عن طريق دينهم - بقدر اهتمامهم بكراسيهم الجالسين عليها - ذلك أن البعض منهم لم يطبع بطابع الإسلام الصحيح غير المزيف، فلو أنهم ربوا تربية إسلامية كاملة غير ناقصة لكانوا هم في طليعة من يحمي الإسلام - بما في أيديهم من السلطة - ويدافع عنه عدوان المعتدين، وضلال الضالين، غير أن البعض منهم هو المعتدي الأول.
فقد لمسنا في بعض المسؤولين الكبار في بعض الشعوب الإسلامية ما لمسناه وعرفناه - قديما في الحاكم المطلق المتصرف بأمره، غير مبال بشعور الشعب ولا بالأمانة الملقاة على عاتقه، فحسب نفسه أنه أصبح ملكا من الملوك - غير الدستوريين - له وحده الأمر والنهي، فلم يبعدوا عن الملوك الديكتاتوريين الذين قص علينا التاريخ حياتهم الخاصة والعامة، مثل تضييع أموال الأمة في سبيل شهواتهم وملاذهم، إلى مرض التظاهر بالعظمة والقوة، إلى الترفع والتكبر عن شعوبهم - كأنهم خلقوا من عنصر آخر خاص بهم - إلى احتقار الشعوب في كرامتها وقد أحاطوا أنفسهم بهالة من التقديس، والألقاب الفخمة
стр. 178
- وهي لا تساوي فحمة - والهيمنة المصطنعة المكشوفة، إلى كثير من الصفات التي صيرتهم ملوكيين أكثر من الملوك.
قلت فيما سبق - قريبا - أن البعض من المسؤولين في بعض الشعوب الإسلامية لم يكونوا ممن يحمون الإسلام أو يدافعون عنه عدوان المعتدين، فكيف نفهم؟ وماذا نقول؟ فيمن ادعى لنفسه أنه أدرك - بعلو تفكيره - ما فات علم الخالق، وما سطره في الشريعة الإسلامية وأمر عباده المؤمنين به أن يتبعوه ويعملوا به، وذلك فيما يخص المرأة المسلمة وغيرها مما سنتعرض له في هذه الدراسة للمزدكية وفرعها الاشتراكية، فتدارك ذلك بتشريعه، وإزال عن المرأة كل غبن أو حيف وانحطاط جاءها من الشريعة الإسلامية، بل ذهب بعيدا في تحديه وإبطاله لأحكام الإسلام والقرآن، وعد ذلك منه إصلاحا، فقد أبطل ما شرعه القرآن بنصوص آياته الصريحة.
هذا ما قاله - وفعله - الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، فقد أكثر من من اعتداآته على الإسلام والقرآن حتى تجاوز حدود البشر، ودخله الغرور والعجب إلى أن رفع شخصه الخيالي فوق مقام الرسالة المحمدية.
وإني أضع بين يدي القراء ما صرح به لمراسل صحيفة (لوموند) الفرنسية الذائعة الصيت، وكثيرة الانتثار، فقد نشرت هذه الصحيفة تصريح الرئيس التونسي في عددها الصادر بتاريخ (٢٦ ماي ١٩٦٩) في (لوموند الديبلوماسي) تحت عنوان:
حديث مع الرئيس حبيب بورقيبة
أجراه معه الصحافي الفرنسي الشهير "جان لاكوتور"
وسأعقب عليه بما أراه لازما، فإليكم ترجمة ما به الحاجة من ذلك التصريح:
(إن الأمر الهام الآخر الذي عالجناه يتعلق بالمرأة عموما، الساكنة منها في الريف أو في المدينة، وعملنا هذا من أجل المرأة، لأننا نعتقد أن المرأة كائن بشري (ومن قال له أنها حيوان أو جماد).
إنكم تعلمون كيف كانت معتبرة من قبل في عهد الانحطاط، كما أن وضعيتها التي تجعل منها كائنا منحطا كانت تعززها الاعتبارات الدينية.
стр. 179
إن الدين والقرآن قد وضعا المرأة في منزلة سفلى، وفي مستوى أدنى، فهي أقل ذكاء، وحقها في الإرث أقل من حق الرجل، ووظيفتها الوحيدة هي إنجاب الأولاد.
ولقد أقدمت على هذا الإصلاح منذ بداية الاستقلال، ويرجع تاريخ القانون الذي يغير حالة المرأة، والزواج، والذي يحرم تعدد الزوجات إلى يوم "١٣ أوت ١٩٥٦" أي أربعة أشهر بعد الاستقلال، واعتمدت في هذا على السمعة التي تم الحصول عليها أثناء الكفاح ضد السيطرة الأجنبية، وأردت أن أعمل كل هذا من بين الأعمال التي شرعنا في تحقيقها آنذاك، وليس من السهل القيام بشيء يخالف ويتعارض مع القرآن، وإني متيقن بأن عددا كبيرا من البلاد الإسلامية متفقة معنا، غير أنها لا تجرؤ على الإعلان بذلك.
وهناك إصلاح آخر لم تقس أبعاده كما ينبغي، وهو إغلاق جامعة الزيتونة، تلك الجامعة التي تكون أناسا هم من القرون الوسطى، ويوجد نفس الوضع في المغرب وفي مصر، يجب قبل كل شيء الذهاب إلى المدرسة، ومن شاء التخصص في علم التوحيد - الدين - فله ذلك بعد أن يحصل على شهادة البكالوريا كجميع الناس - وهذا شيء مشترك - لا بواسطة تعليم ديركليني (مكان في فرنسا) وفي عهد أبلارد (عالم ديني عاش في فرنسا من (١٠٧٩ إلى ١١٤٢) وهذا في القرن العشرين). انتهى ما به الحاجة من هذا التصريح.
والذي يتأمل في هذا التصريح البورقيبي الخطير يدرك ما يرمي إليه صاحبه، فقد أظهر بصراحة تامة لا تقبل التأويل ما هي قيمة الشريعة الإسلامية في نظره، وما هي منزلة القرآن في قلبه.؟؟
لا أقول أنه لا يفهم ما يقول في الجملة - ولعله يضحك علي أنا ويقول لي أنك لم تفهم مرادي، كعادته مع كل من لم يتبعه على ضلاله - فالرجل الذي يقول: أن الدين، والقرآن قد وضعا المرأة في منزلة سفلى وفي أدنى مستوى (وهو خلاف ما في الدين والقرآن) هو متعمد ما قاله، - وحاش الدين والقرآن من ذلك - إنما الأمر مقصود منه لاعتبارات شتى، فهو يرى أن دراسته للحقوق - أو للعقوق - رفعته إلى مكان أرفع من مكان الشرائع
стр. 180
السماوية - خصوصا وأن محمدا ﷺ المشرع بعد الله - ليس عنده "شهادة الحقوق"مثل التي عنده هو - فهو يرغب في الإتيان بشريعة أحسن وأليق بالبشر من شريعة الله، فجاء بـ (المزدكية).
وتعقيبنا على هذا التصريح نوجزه فيما يلي:
١ - قوله أن الدين والقرآن قد وضعا المرأة في منزلة سفلى الخ. نقول حاش لله وحاش للدين والقرآن أن يكون منهما هذا القصد السيء الذي أبداه هو فمن درس التاريخ القديم - لما قبل الإسلام - علم أن الإسلام والقرآن قد رفعا منزلة المرأة إلى أعلى مراتب الاحترام والكرامة، هذا إذا درس التاريخ بنزاهة وبدون روح التعصب الممقوت، وما قاله بورقيبة هو قول قديم مشهور لخصوم وأعداء الإسلام، فما هو إلا تابع لهم وسائر في ركبهم - لا أكثر ولا أقل - فإذا ظلم رجل مسلم امرأة مسلمة فليس معنى هذا أن الإعلام هو الذي ظلمها، والظالمون من هذا الصنف كثيرون، وإن لم يعترفوا بذلك، فليتفطن لهذه الأقوال بعض الغافلين.
٢ - فها بورقيبة شهد على نفسه بأنه خالف القرآن وكفر به - ويا ويله من ذلك - وعارضه بتشريع آخر، في منعه من تعدد الزوجات، وفي الإرث حسبما جاء في القرآن، حيث سوى المرأة بالرجل في الإرث ...
أما تعدد الزوجات الذي أباحه القرآن وحرمه بورقيبة فهو فيه تابع للأروبيين الذين يقتصرون على زوجة واحدة في الظاهر، أما في غير ذلك فالعدد لا يحلمه إلا علام الغيوب، فالإسلام طاهر يحب الطهر للمسلمين الصادقين في إسلامهم أما الخبائث فقد حرمها الله عليهم، وهذه الدعاية لا تروج إلا على البسطاء، إن الإسلام نهى أتباعه عن تعدد الزوجات بمجرد الخوف من عدم العدل، وذلك في قوله تعالى: ﴿فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً﴾ (١) بهذا نطق القرآن، إن هذه الرخصة - رخصة التعدد - قل من يعمل بها شأنها شأن الرخص، غير أن الأروبيين ومن كان على شاكلتهم من بعض المفتونين بهم يظنون أن التعدد سيئة قبيحة في هذا العصر أساء بها الإسلام إلى المرأة، وهي حسنة من حسنات الإسلام لو كانوا يفقهون معنى العفة والتطهر، إن المطلوب من حكومات