ديون على (فرنسا) فاتفقا معها - سرا - على خيانة الجزائر، وهما أحد أسباب احتلال (فرنسا) للجزائر عام ١٨٣٠ م.
ومن أمثلة انخداع المسلمين بالمظاهر قصة ذلك الجاسوس الفرنسي "ليون روش" الذي أوفدته حكومته (فرنسا) ليكون عينا لها وجاسوسا على "الأمير عبد القادر" ﵀ وعفا عنه عندما كان يخوض حرب الدفاع عن الجزائر إبان غزو فرنسا لها، عندما وطئت أقدام جندها تراب الجزائر سنة ١٨٣٠ م - والوقت وقت حذر - فتقدم هذا الجاسوس - ليون روش - الفرنسي إلى الأمير مظهرا إسلامه، وأنه من المسلمين، وأن حكومته - فرنسا - اضطهدته من أجل إسلامه، والمثل العربي القديم يقول - لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ - فخصه الأمير بالعطف عليه، وجعله ضمن خاصته وحاشيته، وأخذ يتقرب إليه شيئا فشيئا مظهرا إخلاصه له حتى جعله كاتبه الخاص، فاطلع على كل شيء في محيط الأمير عبد القادر ﵀ وعفا عنه، فقام بالمهمة التي جاء من أجلها وأسلم لها - ظاهرا - ولما غلب الأمير على أمره في النهاية واستسلم - بعد قتال مرير - لفرنسا كما هو معروف، رجع هذا المسلم الكاذب إلى دينه الأول كما كان، وترك دينه الثاني - الإسلام - لأنه لم يسلم حبا في الإسلام وإيمانا به، بل هو كما قيل: (صلى وصام لأمر كان يقضيه) وقد كتب كتابا ضمنه عمله هذا الذي قام به، والدور الذي لعبه في ذلك، وسمى كتابه هذا (ثلاثون عاما في الإسلام)، وقد طبع الكتاب بالفرنسية وبيع وإن كانت نسخه الآن قليلة، وسنأتي فيما بعد - إن شاء الله - بشيء مما كتبه عن مهمته، وعن الأمير عبد القادر، وعن الإسلام والمسلمين، وما فهمه من الإسلام، وثنائه على ما فيه من حلول للمشاكل الحاضرة لو وجد في المسلمين من يعمل به، وقد عرفت حكومته - فرنسا - منزلته، فأمست عليه نهجا في الجزائر تخليدا لاسمه واعترافا بخدماته لدولته، في سبيل احتلالها للجزائر، حتى لا ينساه أبناؤها.
ذكرت هذه القصة لأن الكثير منا لم يطلع عليها، ولنقارن بينهما وبين الوقائع الكثيرة من مثيلاتها، إذ لعل ما وقع لأبي ذر الغفاري ﵁ من هذا النوع، جاءه من يهودي أسلم، يلقب بابن السوداء - واسمه:
عبد الله بن سبأ، كما يأتي بيانه قريبا - بحول الله - وكان ابن السوداء هذا منافقا، ذلك أن هذا اليهودي - المسلم ظاهرا - قد اندس في صفوف المسلمين يفتنهم عن دينهم، ويفسد عليهم ذات بينهم، وقصته مشهورة أيام كان في الشام.
стр. 107
وحيث كانت قصته متصلة بابي ذر وكلمته تلك التي استغلت للدعاية يجمل بنا أن نوردها هنا - للاعتبار - منقولة عن المؤرخ القديم القدير الثقة ابن جرير الطبري والمذكورة في كتابه المشهور (تاريخ الرسل والملوك) قال:
(وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار، تكوى بها جباههم، وجنوبهم، وظهورهم، فما زال يرددها حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقونه من الناس) (١) ثم بعث معاوية بأبي ذر إلى عثمان بن عفان بالمدينة حتى لا يفسد عليه أهل الشام، ولما دخل على عثمان قال له: (يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ذربك (٢)؟ فأخبره بأنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا) (٣).
ويوضح لنا الطبري كيف كان اتصال عبد الله بن سبأ اليهودي بأبي ذر الغفاري الذي وجد فيه ضالته، وكيف لم يجدها في الصحابيين: أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، فيقول الطبري: (عن يزيد الفقسعي قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية!!! يقول: المال مال الله؟ ألا إن كل شيء لله، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين، هذا كلام اليهودي لأبي ذر، وهو يرمي إلى إشعال نار الفتنة بين المسلمين، فذهب أبو ذر إلى معاوية بعد أن سمع كلام اليهودي فقال له: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ قال - يقصد معاوية -: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله؟ والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول إنه ليس لله، ولكن سأقول مال المسلمين.
قال: وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له: من أنت؟ أظنك والله يهوديا. فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به فأتى به معاوية فقال: (هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر) (٤). فظهر مما تقدم أن هذا اليهودي المنافق لعب
стр. 108
دورا هاما في هذه القضية غير أنه صادف في أبي ذر بغيته، وخاب سعيه مع أبي الدرداء وعبادة بن الصامت.
وقال المرحوم أحمد أمين بعد أن نقل كلام الطبري المذكور: (ونلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري، وبين رأي (مزدك) في الأموال فقط) (١) وزاد أحمد أمين قائلا: (فترى من هذا أن رأيه - يعني أبا ذر - قريب جدا من رأي مزدك في الأموال، ولكن من أين أتاه هذا الرأي؟ ثم ذكر كلام الطبري المتقدم) (٢).
وأضاف أحمد أمين إلى ما سلف هذا البيان فقال: (ونحن نعلم أن ابن السوداء هذا لقب لقب به عبد الله بن سبأ، وكان يهوديا من صنعاء أظهر الإسلام في عهد عثمان، وأنه حاول أن يفسد على المسلمين دينهم، وبث في البلاد عقائد كثيرة ضارة قد نعرض لها فيما بعد) (٣) وزاد على ما تقدم فقال: (فمن المحتمل القريب أن يكون - يقصد ابن السوداء - قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن، واعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقاده، وصبغها بصبغة الزهد التي كانت تجنح إليها نفسه، فقد كان - يريد أبا ذر - من أتقى الناس وأورعهم وأزهدهم في الدنيا، وكان من الشخصيات المحبوبة التي أثرت في الصوفية). ومما تقدم ندرك يقظة بعض الصحابة وحذرهم، فلم ينخدعوا بقول اليهودي - ابن سبأ - كأبي الدرداء وعبادة بن الصامت ومال إلى قوله أبو ذر الغفاري ﵃ كلهم، لأن قول اليهودي وافق مذهبه في الزهد في الدنيا، وترك زينتها، فقد ظهر من هذه الأقوال والآراء سر هذه الدعوة ومغزاها التي دعا إليها الصحابي الزاهد أبو ذر الغفاري عن حسن نية، كما ظهر من ذلك أيضا منشؤها ومصدرها، وهم اليهود الذين لم يفتأوا يحاربون الإسلام بشتى أنواع الحروب والأسلحة، من أول ظهوره إلى الآن، حتى ولو ألزمهم ذلك الدخول فيه ظاهرا.
ويزيدنا يقينا فيما قلناه تلك الدعاية المسمومة بسم اليهود، وهي قول اليهودي لأبي ذر: (لماذا يقول معاوية: المال مال الله؟) وما قال هذا
стр. 109
إلا ليستحوذ على المال ويفعل به ما يريد، وكان الواجب عليه أن يقول:
المال مال المسلمين، فنرى هنا فطنة معاوية - المعهودة فيه - لهذه الكلمة المسمومة، ولهذا أجاب رغبة أبي ذر بجواب الحكيم والسياسي الخبير، من غير أن ينفي المال عن الله - كما هو الواقع - ومن غير أن يغضب أبا ذر - - لله دره من سياسي حاذق - فقال: لا أقول إنه ليس لله، ولكن سأقول مال المسلمين، فجوابه هذا إرضاء لأبي ذر - في الظاهر - وإن كان المال مال الله كما قال أول مرة، وهذه حيلة ودسيسة دسها اليهودي ليتوصل بها إلى الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فهذه إحدى دسائس اليهود الماكرين ومكائدهم للمسلمين.
ومثل ذلك في عصرنا الحاضر هذه النحلة الماركسية اليهودية الاشتراكية والشيوعية الملحدة التي أخذت مبادؤها الهدامة للعقيدة الإسلامية والأخلاق الكريمة الفاضلة تظهر وتنتشر في الأوطان الإسلامية في وقتنا هذا مستعملة كل وسائل الخداع والتمويه والتضليل في أوساط المسلمين الضعفاء في دينهم وأخلاقهم وعقيدتهم، وقد ألبسوها لباس التقدم والتقدمية، وأطلقوا على أنفسهم - التقدميين - وعلى من خالفهم في كفرهم بربهم - الرجعيين - ليجلبوا ضعفاء الإيمان إليهم، فيكونون ناجحين بإخراج طائفة من المسلمين من دينهم وكفرهم بدين الله وبالرسول ﷺ ، وفعلا فقد انخدع بها البعض منهم كما انخدع أبو ذر بعبد الله بن سبأ اليهودي فيما دعاه إليه، كما مر آنفا. غير أن حقيقة الخداع والتمويه ستنكشف وتظهر الحقائق فيما بعد: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١).
стр. 110
الباب السابع
стр. 111
الفصل الأول:
هل الإسلام قادر على حل جميع المشاكل .. ؟؟
هذا سؤال سمعناه كثيرا - ولا زلنا نسمعه - من أشخاص مختلفي الأغراض والغايات، يقوله المسلم ليعرف مقدار صلاحية دينه لمسايرة أطوار الحياة، ويقوله الزنديق ليشكك المسلمين في دينهم وصلاحيته للوقت الحاضر.
ليعلم الجميع أن في ديننا الإسلام كل قواعد وقوانين الحياة الفاضلة، من غير إضرار بأحد، ولا ظلم لأحد، فلم يبح - مثلا - للغني أن يظلم الفقير، ولا للفقير أن يعتدي على الغني بما ليس من حقه، وهذا هو النظام الذي تسعد به البشرية في حياتها، فكل المسلمين - بل وحتى غير المسلمين - يسعدون إذا عملوا بقوانين الإسلام التي أعطت كل ذي حق حقه.
فالمسلمون - لو طبقوا أحكام الإسلام وقوانينه وعملوا بها - أغنياء بها من كل النحل والطوائف وقوانينها الوضعية البشرية، فلا حاجة تلجئهم إلى النظم الأخرى، كالنظام الشيوعي، أو الاشتراكي، أو الرأسمالي، أو غير ما ذكر، فدينهم ضمن لهم الحياة الشريفة، العفيفة، النزيهة عن كل شوائب التكدير، إذا عملوا به ولم يهملوه، كما قال الله جل شأنه:
﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى - وَهُوَ مُؤْمِنٌ - فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
هذا وعد الله، وعد به عباده المؤمنين به، وعدهم بالحياة الطيبة في الدنيا، والجزاء الأحسن الأوفى في الآخرة.
إذن فالمسلم غني بشريعته السماوية التي وضع قوانينها الخالق العليم بما
стр. 112
يصلح العباد، وهو الذي قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) فشرع لهم ما فيه الخير والسعادة والكفاية لهم، فهم في غنى عن كل قانون وضعه البشر، لأن نظر البشر مداه قصير ومحدود، ولو بلغ أعلى درجات العلم والمعرفة، ولكنه الضلال البشري، والإلحاد والكفر والتمرد والخروج عن قانون الخلاق العليم الحكيم، وذلك دليل على الضلال المبين، والخسران العظيم، نسأل الله السلامة والعافية.
فالواجب على حكومات الشعوب الإسلامية - إن أرادت الخير للمسلمين - أن تعمل وتجبر المسلمين على تطبيق أحكام وقوانين الشريعة الإسلامية، لا أن تجردهم منها بدعوى أنها غير قادرة على حل مشاكل الوقت الحاضر، أو أنها لا توافق روح العصر والتطور البشري كما يتفوه بهذا بعض الجهلة الأغرار.
الفصل الثاني: حماية العمل والعمال في الشريعة الإسلامية .
أي قانون وضعي يحمي العامل الكادح المسكين من ظلم رئيسه أو رؤسائه، ويأمر رب العمل بإعطاء أجرة العامل بكل سرعة ممكنة؟ لم نعلم لهذا قانونا وضعيا، بالرغم مما تذيعه وتدعيه بعض الدول التي تبنت قوانين العمل والعمال وجعلتها من خصائصها ومميزاتها، أما في قانون الشريعة الإسلامية فإننا نجد ذلك في أوامر الله ورسوله ونواهيهما، منها قول الرسول ﷺ : ((أعطوا الأجير أجره قبل أن يجف عرقه)) (٢)، وجاء في رواية بعد قوله: قبل أن يجف عرقه زيادة ((وأعلمه أجره وهو في عمله)) (٣). كما توعد الله من استعمل عاملا فاستوفى منه العمل ولم يوفه أجره، فالله رب العباد هو خصمه يوم القيامة، كما جاء في حديث عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: ((قال الله تعالى: ثلاثة أنا خصمهم يوم القيامة - ومن كنت خصمه خصمته يوم القيامة - رجل أعطى بي ثم غدر، ورجل باع حرا ثم فأكل ثمنه،
стр. 113
ورجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يوفه أجره)) (١). فالمسلمون في حاجة أكيدة إلى تطبيق قوانين الشريعة الإسلامية بروح خالصة من كل ما ينافي الإيمان، ونية صادقة - لا إلى جلب قوانين وضعية لا تطبق إلا بقوة سلطة الحكومة القائمة.
ومن أمثلة تطبيق المسلمين بأنفسهم لقوانين شريعتهم على العمال، ما جاء في كتب السنة من أن أبا ذر الغفاري ﵁ كان له غلام - عامل - كساه مثل اللباس الذي عليه هو، فرآه أحد إخوانه - المعرور بن سويد - وعليه حلة - كسوة - مثل التي على خادمه، فسأله عن ذلك، فأجابه بما أوصاه به رسول الله ﷺ ، وهو قوله: ((إخوانكم خولكم، جعلهم الله قنية تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده، فليطعمه من طعامه وليلبسه من لباسه ولا يكلفه ما يغلبه، فإن كلفه ما يغلبه فليعنه)) (٢). فالعامل أخ لصاحب العمل، وحقوق الأخوة في الإسلام تتطلب الرحمة والعطف واللين والمساعدة، فهل في القوانين الأخرى - غير الإسلامية - مثل هذا .. ؟؟ ذلك أن الله يقول: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (٣)، ورسول الله ﷺ قال: ((لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه)) (٤) فالمسلمون قد أحكم الإسلام رابطة الأخوة بينهم، فالحب متبادل بين العامل ورب العمل، من غير أن يكون لصراع الطبقات مكان بين الأخوة كما نشاهده في الوقت الحاضر، من إيقاد نار الفتنة والعداوة والخصومات بين طبقات العمال وأرباب الأعمال من أبناء الأمة الواحدة، فالفقراء يبغضون الأغنياء، والأغنياء يحتقرون الفقراء، وهذا لا يحبه الإسلام، ولا يرضى به، ولهذا أمر بإزالة أسبابه.
هذا هو عامل الإسلام في بذر بذور الأخوة والمحبة بين جميع طبقات الأمة، غير أن بعض العمال في البلاد الإسلامية قد تأثر بالدعاية الشيوعية التي تثير الأحقاد وتزرع الضغائن بين أبناء وطبقات الأمة الواحدة، فقد
стр. 114
رأينا وسمعنا بعض الفقراء يصيحون عمن يرون عليه ثيابا نقية: يا بورجوازي أنت أكلت حقوقنا!!! ولو تأملوا في لباس من أثاروا هذه الفتنة بين الإخوة في الأمة الواحدة لعلموا أن أولئك هم البورجوازيون - حقيقة - لما يشاهدونه عليهم من آثار التنعم والبذخ: في لباسهم، ومركوبهم، ومساكنهم، وغير ذلك، ولكنها الدعاية المضللة والمهرجة والطمع القبيح.
فالشريعة الإسلامية جعلت للمخالفات والمنازعات أحكاما وحدودا، لو عمل بها المسلمون لزالت من بينهم كل أسباب العداوات، حتى الجنايات لها حدود وعقوبات بحسب الظروف والملابسات والأحوال، فإذا ارتكب المسلم مخالفة أو جناية عوقب عليها إلا في ظروف وأحوال خاصة، كالسرقة - مثلا - إذا كانت من اضطرار واحتياج، فإن السارق لا يطبق عليه الحد، ولا تقطع يده، لأنه سرق مضطرا، اضطره الجوع والحاجة إلى القوت، والشرع رحيم بالعباد، وفي قصة عمر بن الخطاب ﵁ مع غلمان حاطب بن أبي بلتعة ما يدعم ذلك، وهو الحريص على تنفيذ الحدود والعقوبات، ولو على أقرب الناس إليه، إذا قامت البينة على ذلك، فقد ذكر المؤرخون وهم يتحدثون عن عدل عمر واجتهاده في أحكام الشريعة القصة التالية:
(روي أن غلمانا لحاطب بن أبي بلتعة سرقوا ناقة لرجل من مزينة، فأتي بهم عمر فأقروا فأمر كثير بن الصلت بقطع أيديهم، فلما رآهم صفر الوجوه، عليهم أثر الجوع والفاقة عدل عن إقامة حد السرقة عليهم، وقال لسيدهم: أما والله لولا أني أعلم أنكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له، لقطعت أيديهم، ثم وجه القول إلى عبد الرحمن بن حاطب بن أبي بلتعة فقال: وايمن الله إذ لم أفعل ذلك لأغرمنك غرامة توجعك. ثم قال: يا مزني بكم أريدت منك ناقتك؟ قال: بأربعمائة، قال عمر لابن حاطب: اذهب فأعطه ثمانمائة، وأعفى الغلمان السارقين من الحد، لأن حاطبا اضطرهم إلى السرقة لجوعهم وحاجتهم إلى سد رمقهم) من هذه القصة نعلم مبلغ اهتمام الحاكم المسلم بحالة العمال.
إن المجتمع المسلم الذي كونه الإسلام بتعاليمه وأحكامه العادلة مجتمع فاضل شغوف بالخير والإحسان، وقد بلغ درجة عالية في حب الخير،
стр. 115
حتى للعاجزين عن ذلك، فقد جاء في أخبار السنة النبوية أن فقراء الصحابة قد اهتموا في زمن الرسول ﷺ بفعل الخير والإحسان، غير أنهم وجدوا أنفسهم عاجزين عن ذلك، فهم يحبون أن يتصدقوا أو يعتقوا الرقاب أو يجهزوا المجاهدين في سبيل الله أو غير ذلك من أوجه البر والإحسان، لذلك ذهب منهم جماعة إلى الرسول ﷺ يشكون حالهم وفقرهم وقصر ذات أيديهم عن بذل المال، لأنهم فقراء لا مال لهم، فهم لم يحسدوا الأغنياء على ما في أيديهم من الأموال، ولم يشكوهم لأنهم أكلوا عرقهم، إنما لأنهم يحبون أن يفعلوا الخير ولا قدرة لهم عليه، فقد جاء في الصحيحين عن أبي هريرة ﵁:
(إن فقراء المهاجرين أتوا النبي ﷺ فقالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور - يعنون الأغنياء - بالدرجات العلى والنعيم المقيم، فقال: وما ذاك؟ قالوا: يصلون كما نصلي، ويصومون كما نصوم، ويتصدقون ولا نتصدق، ويعتقون ولا نعتق، فأرشدهم الرسول ﷺ إلى عمل يلحقهم بمن سبقهم ويسبقون به غيرهم، ولا يكون أحد أفضل منهم إلا من صنع مثل صنعهم، فلما رضوا بذلك أرشدهم إلى أن تسبيح الله وتحميده وتكبيره عقب كل صلاة مفروضة ثلاثا وثلاثين مرة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلى آخر ما جاء في متن الحديث بطرقه وألفاظه المتعددة، في كل ما ذكر أجر عظيم وثواب كثير، يوازي ما يقدمه الأغنياء من صدقات وغيرها، لأن فيه تنزيه الله عما لا يليق به وتكبيره وتعظيمه الخ، لأن ذلك يدل على قوة الإيمان، في حين ربما قد لا يكون للمتصدق بماله ثواب ولا أجر، لاختلال في صدقته.
نستلهم من هذا الإرشاد النبوي سبل تربية الإسلام للمسلمين، فالرسول ﷺ لم يوغر صدور الفقراء على الأغنياء، فلم يقل لهم - مثلا - أنهم ظلموكم، أو أكلوا عرق جبينكم، أو امتصوا دماءكم أو غير ذلك مما نسمعه اليوم من محترفي السياسة وزعماء الإشهار، بل دلهم على أعمال تعود عليهم بالنفع والخير، من غير خصومة ولا عداوة لأحد، فليس في القوانين البشرية الوضعية ما في قوانين الشريعة الإسلامية لو وجد في المسلمين من ينفذها ويعمل بها.
يزعم واضعوا القانون البشري أن فيه الحماية والرعاية لحقوق العامل
стр. 116
ومصالحه، غير أن الواقع بخلاف ذلك، فكم من عامل رفع شكواه وظلامته إلى النقابة التي تتزعم حركة العمال، أو إلى المجلس القضائي الخاص بقضايا العمل والعمال طالبا إليها أن تأخذ له حقه وتنصفه ممن ظلمه، ولكن بدون جدوى وفائدة، انتظار طويل، وتسويف كثير مخل وممل، والعامل المسكين يجيء ويذهب، ويصعد وينزل، إلى أن ييأس، فيترك الدعوى آسفا على ما ضيعه من وقت ومال.
إذ من المشاهد المسلم به أن الطبائع الخلقية قد فسدت وتغيرت وزال من القلوب الخوف من الله القادر على كل شيء، واستحوذ عليها حب الأثرة، ونسي الناس الجبار المنتقم من الظالم للمظلوم، فصارت فطر الناس تتأثر بالمظاهر الظاهرة الخلابة الخادعة، وبما يزينه لها شياطين الإنس والجن، فزال منها الذوق الفطري السليم، وصارت كالآلة الحديدية الصماء تعمل حسب تصميمها ووضعها من غير أن تشعر بأن عليها مراقبا يراقب عملها وسيرها. وكمثل على هذا فليجرب من أراد التجربة، كي يلمس بنفسه ويده ما ذكرته من فساد الطبائع الخلقية وذهاب الروح الدينية إلا من القليل، فليجلس إلى جماعة - أي جماعة كانت - ويشاركهم فيما يدور بينهم من أحاديث وحوار وآراء، فإنه يرى ويسمع منهم العجب العجاب، فلا يسمع إلا ما يستبين به بعد الناس عن الخوض فيما له صلة بالدين وقوانينه، وفرارهم من كل ما فيه صلة بالروحيات والشرائع الإلهية، اللهم إلا النادر القليل، الذي لا زالت فيه بقية صالحة من عقيدة التوحيد وحب الإسلام، فإذا أراد أن يشاركهم فيما يتناولون من مواضيع، وتكلم معهم وطرق في حديثه موضوع الإسلام وقوانينه وعدالته وشريعته وحبها للطهر والفضيلة والأخلاق الطيبة، فإنه سرعان ما يرى الانقباض باديا على الوجوه، هذا إذا لم يتفرق من حوله من كانوا إلى جنبه، فإذا تكلم أحد الجالسين بكلام لا صلة له بالإسلام - وقد يكون منافيا للأخلاق - فإنه يرى الوجوه تتهلل وتستبشر، لماذا هذا التحول السريع فيما يظهر؟ لأن الكلام قد ابتعد عن الجو الديني ودخل ميدانا آخر، وهذا إنما حدث ويحدث غالبا من الدعايات المضللة الملحدة التي تصور الدين وكأنه شر وبلاء، لا خير ورحمة، وساعد هذه الدعاية على تأثيرها في أوساط الشبان المسلمين بالخصوص أنها تملك في حيازتها شتى وسائل الإعلام، من صحافة وإذاعة وغيرهما، ولم يعط
стр. 117
للإسلام ودعوته أية قيمة تذكر، وما أعطيت له من حصص فهي قليلة جدا، وتعطى لأناس لا صلة لهم بالدين - إلا القليل منهم - وفي بعض الأوقات تعطى للنساء، وبضاعتهن في هذا الميدان قليلة، وقد أعطيت في بعض الأوقات لمن لا يحسنون التكلم بالعربية، فيخاطبون الناس بالفرنسية فيما يرجع إلى الأمور الدينية!!! فيقول بعضهم في الإسلام - لِزْلَامْ - كما ينطق به غير العربي، وفيهم حتى المتجنس بالجنسية الفرنسية، وبه خرج من الشريعة الإسلامية بفتاوي العلماء.
والمقصود من هذا كله إبعاد علماء الإسلام عن الاتصال بالأمة المسلمة، حتى لا تتأثر بكلامهم، فإذا سمعت كلاما من غيرهم - قصد به سد الفراغ - فإنه لا يؤثر فيها التأثير المطلوب وذلك هو المقصود.
وفي مثل هؤلاء ما حكاه القرآن عن حال الكافرين المشركين حين يذكر الله وحده في مجالسهم من غير ذكر لمعبوداتهم الباطلة، فقال: ﴿وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ﴾ (١)، ومما يناسب هذا وما تقدمه من الكلام على - مزدك والمزدكية - أن أذكر هنا بيتين أوردهما الجاحظ في كتابه "البيان والتبيين" وقيل إنهما للأصمعي في هجو البرامكة - وأصلهم من الفرس - بعد أن حل بهم ما حل - في نكبتهم - من الخليفة العباسي هارون الرشيد، وهما:
إذا ذكر الشرك في مجلس ... أنارت وجوه بني برمك
وإن تليت عندهم آية ... أتوا بالأحاديث عن مزدك (٢)
فالشعب المسلم - أينما كان - يرد على دعاة الإلحاد والكفر والزندقة الذين يحاولون أن يطفئوا نور الله بأفواههم وأقلامهم المسمومة، كما يحاولون تغليط الأمة المعلمة بواسطة مبادئ شيطانية - مزدكية - يرد آراءهم وبضاعتهم الرخيصة بقول الله تعالى: ﴿قُلْ إِنِّي عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَكَذَّبْتُمْ بِهِ﴾ (٣). هذا ما أمر الله به رسوله محمد ﷺ أن
стр. 118
يرد به على مشركي زمانه، كما يقوله المؤمنون الصادقون لملاحدة هذا العصر، ويقول الشاعر العربي: مصعب بن عبد الله بن مصعب بن ثابت بن عبد الله ابن الزبير بن العوام ﵄، من قصيدة ناظر بها إسحاق بن إسرائيل فقال منها:
وقد سنت لنا سنن قوام ... يلحن بكل فج أو وجين (١)
وكان الحق ليس به خفاء ... أغر كغرة الفلق المبين
وما عوض لنا منهاج جهم ... بمنهاج ابن آمنة الأمين
فأما ما علمت فقد كفاني ... وأما ما جهلت فجنبوني (٢)
كيف يرضى شعب مسلم له تاريخ حافل بالأعمال الشريفة والمواقف العظيمة، ورث الأخلاق الإسلامية عن آبائه الأمجاد، تلكم الأخلاق المشبعة بروح الإيمان القوي، المؤمن بدينه وشريعته وأحكامها؟ كيف يرضى أن ينبذ كل ذلك وينسلخ عنه بما فيه من محامد وأيام بيض غر في جبين التاريخ؟ من أجل طائفة لا تؤمن بالدين، أرادت ذلك، ولم تفكر في العواقب والنتائج، كيف يرضى شعب مسلم أن يعوض ويبدل منهاج وشريعة محمد بن آمنة ﵊ بمنهاج (جهم) أو (مزدك) أو (ماركس) أو غيرهم، كما قال موسى لبني إسرائيل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾ (٣) أم هل من له كنز عظيم كالإسلام ينفق منه ويجد فيه كل ما يحتاج إليه من تشريع كامل، ورحمة شاملة، من له هذا الكنز يحتاج إلى الاقتراض من الغير، أو يمد يده إلى غيره كالسائل المستجدي؟ اللهم لا إلا من كان جاهلا بأن له كنزا فهو لا يعرف عنه شيئا.
فمن رغب في تبديل قوانين الشريعة الإسلامية الكاملة، بقوانين أخرى وضعية - أو وضيعة - كيفما كان واضعها فهو غاش للمسلمين، بل ولم يكن منهم، لقول الرسول ﵊: ((من غشنا فليس منا)) (٤) وإنما هو عميل للملاحدة الكفرة، لأن الحق واضح، وهل يستطيع معاند
стр. 119
مكابر صحيح البصر أن يفضل نور النجم على ضوء الشمس أو على نور القمر ... ؟ أو في إمكانه أن يفضل قنديل الزيت الضعيف على مصباح الكهرباء الوهاج، أو على ضياء الشمس؟؟؟ إذا كان كل ذلك غير ممكن ولا يقوله عاقل يدري ما يقول، فالواقع والحقيقة أنه لا أعدل ولا أشمل لمصالح البشر من تشريع الإسلام العظيم، ولله در البوصيري في قوله:
الله أكبر إن دين محمد ... وكتابه أقوى وأقوم قيلا
لا تذكروا الكتب السوالف عنده ... طلع النهار فأطفئ القنديلا
فإذا طلع النهار بشمسه المضيئة وجب أن يطفأ قنديل الزيت الضعيف، فالإسلام كما قيل:
كالبدر لا تختفي ليلا أشعته ... إلا على أكمه لا يعرف القمرا
لكن الجهالات المتفشية في المجتمعات العصرية دفعت بالمسلمين إلى الاقتداء بغيرهم حتى في الكفر، فقد كفروا بالاتباع والتقليد لغيرهم، ولهذا حذر العقلاء من الاندفاع وراء من لا يقدرون للعواقب نتائجها كما قال أبو محمد عبد الحق الإشبيلي تحت عنوان "كفروا تقليدا"؟
لا يخدعنك عن دين الهدى نفر ... لم يرزقوا في التماس الحق تأييدا
عمي القلوب عروا عن كل فائدة ... لأنهم كفروا بالله تقليدا
стр. 120
الباب الثامن
стр. 121
الفصل الأول:
الاشتراكية والدين .
إن كل من درس أصل الاشتراكية - وهي الشيوعية - أدرك ما تبيته للدين - وخاصة للإسلام - وعقيدته من نيات سيئة، فهي ترى أن الذي يقف في طريق انتشارها وإقبال الناس عليها إنما هو الدين - وبالخصوص الإسلام وعقيدته - لهذا نراها في كل بلد وجدت فيه لا تهتم بأمر الدين - وهو رأس مال الإنسان - ولا توليه - وهو هو - أية عناية، فهو عندها من الأمور الزائدة، هذا إن لم تحاربه، وتصد الناس عنه كما سنعرفه - إن شاء الله - فيما بعد، وأظهر ما يظهر ذلك في بعض المظاهر الإسلامية:
١ - المظهر الأول من مظاهر الإسلام التي عملت الاشتراكية على أن لا يظهر فيها الإسلام وشريعته: إبعاده عن كل عمل أو ميدان يخدم فيه الشعب خدمة مباشرة، تطهره من أدناس البشرية الضالة، وجعله مقصورا ومحبوسا ومحصورا بين جدران المساجد، بدعوى أنه عاجز عن العمل في المجتمع، وإذا أريد له الظهور - في بعض المناسبات - ففي المقابر وبين الأموات بالدعوات ورفع الأكف - التقليدي - إلى السماوات، وهل يجيب الله دعاء قوم لا يعتقدون فيه - الدعاء -؟ فلإجابة الدعاء شروط وعلامات، منها التغذي بالحلال والطهر، كما ورد في الحديث الصحيح الذي أخرجه مسلم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبا، إلى أن قال: ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام وملبسه حرام، وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك؟)). فظهر من متن الحديث أن أكل الحلال هو السر الأكبر في إجابة الدعاء، وأن الله طاهر لا يقبل إلا الطاهرين،
стр. 122
ففي هذا الحديث تنبيه للغافلين، وتقريع للمتغافلين، الذين يرفعون أيديهم بالدعاء وهم على ما هم عليه.
٢ - المظهر الثاني من مظاهر الإسلام: القضاء الشرعي - وما أدراك ما القضاء الشرعي؟ - تعمل الكثير من حكومات الشعوب الإسلامية - الاشتراكية - على إلغاء القضاء الشرعي وتعويضه بالقضاء المدني.
والقضاء الشرعي مظهر من مظاهر سلطة الإسلام التي تنشر الأمن والرحمة والعدل بين العباد، فيكون المسلمون على صلة بربهم، فأحكامه مستمدة من نصوص الآيات القرآنية أو من أحاديث ثابتة عن صاحب الشريعة فيكون الحكم معتمدا على نص في كتاب الله، أو في سنة رسول الله، بخلاف القضاء المدني، فإن أحكامه تدعم بفصل كذا من قانون كذا المؤرخ بكذا، ومصدرا: باسم الشعب الفلاني حكمت محكمة كذا - لا باسم الله - على فلان بكذا الخ ...
وللقضاء الشرعي في الإسلام مرتبة رفيعة عالية تلي مرتبة الخلافة، أو الإمارة، وله من الحرمة والاعتبار ما جعل أمراء المسلمين والخلفاء يختارون له من اجتمعت فيهم الصفات العالية: كالعلم الواسع، والفهم الصائب، - والورع الحقيقي لا المزيف الكاذب الخادع، والشجاعة في الحق، وألا تأخذ القاضي في سبيل العدل لومة لائم، والمساواة بين الخصمين أو الخصوم في كل شيء، حتى في النظر والاستماع إلى آخر ما في ذلك من السمو والرفعة، وكانت محاكم الشرع الإسلامي - فيما مضى من الزمن - عندنا في الكثير من مدن الجزائر متصلة البنيان بالمساجد، بل هي جزء منها، فإذا حضر وقت الصلاة خرج القاضي من المحكمة إلى المسجد لأداء فرض الصلاة، وكان الأمراء المسلمون يحترمون القضاة الشرعيين ويهابونهم، ويتركونهم أحرارا في أحكامهم، بعد أن يفوضوا لهم الحكم في النوازل حسب النصوص الشرعية، وقد يكون ابن الخليفة، أو أخوه - مثلا - أو هو نفسه متهما - وفي تاريخ الأمراء والقضاة الكثير من هذا - فيأتي إلى المحكمة، ويقف أمام القاضي مع خصمه.
ولا يخفى علينا موقف القاضي العادل - سلطان العلماء - عز الدين ابن عبد السلام المتوفى عام ٦٦٠ هـ ﵀، من الأمراء المماليك في مصر عندما أراد بيعهم في السوق وقال لهم: إنكم مملوكون للأمة، ولستم
стр. 123
بأحرار حتى تنالوا الإمارة والسيادة على الأحرار، وقد غضب عليه السلطان من أجل موقفه هذا، ولكنه فضل ﵀ رضى خالقه عن رضى السلطان، وهكذا ينبغي أن يكون علماء الإسلام، كما قال القائل فيهم:
إن الأكابر يحكمون على الورى ... وعلى الأكابر يحكم العلماء
فالقضاء سنة محكمة كما جاء في رسالة عمر بن الخطاب إلى أبي موسى الأشعري ﵄، وقد ذكر فيها من أصول الأحكام ما لا يوجد في غيرها من مواد القانون المدني في الوقت الحاضر.
فالقضاء الشرعي يحسم مادة الخلاف من أصلها، ويمحو الخصومات من أساسها إذا تولاه رجال أكفاء قادرون على تحمل مسؤوليته الثقيلة، رجال أطهار - لا نساء كما هو في الوقت الحاضر - ملئت قلوبهم بالإيمان بربهم والنزاهة والخوف من عقابه الذي ينتظرهم إذا هم جاروا عن علم، أو حكموا عن جهل أو هوى، فقد قال الرسول ﷺ في الحديث: ((القضاة ثلاثة - اثنان في النار وواحد في الجنة - رجل علم الحق فقضى به، فهو في الجنة، ورجل قضى للناس على جهل فهو في النار، ورجل عرف الحق فجار في الحكم فهو في النار)) (١).
والقضاء في الإسلام من الوظائف والمناصب الخاصة بالرجال، نلاحظ هذا في الحديث المتقدم وفي غيره، فإنه لم يقل فيه - امرأة عرفت الحق - وقال أيضا: ((إن الله تعالى مع القاضي ما لم يجر، فإذا جار تبرأ منه وألزمه الشيطان)) (٢) وقال أيضا: (لا يقدس الله أمة لا يأخذ ضعيفها من قويها حقه))، (٣)، وفي رواية عن جابر ﵁: ((لا قدس الله أمة لا تأخذ للمظلوم حقه من الظالم غير متعتع)) (٤) كما ورد هذا المعنى للحديث المتقدم بلفظ: ((لا تقدس أمة لا يقضى فيها بالحق، ولا يأخذ الضعيف حقه من القوي غير متعتع)) (٥). أي من غير أن
стр. 124
يصيبه أذى يقلقه ويزعجه. والأحاديث وأقضية الصحابة كثيرة متعددة في هذا الباب.
أما القضاء المدني فإنه يشعب النوازل ويطيل أيام الخصام، ولربما نمى النوازل وزاد في مشاكلها، وقد يصعب حلها من بعد.
هذا وقد جرد القضاء الشرعي من التدخل في الأمور المهمة المتعلقة بحياة المسلمين، وحصر نظره في الأحوال الشخصية لا غير، وهذه الأخيرة هي أيضا في طريق الزوال.
فنجد - مثلا - أن عقد الزواج حسب القانون المدني الجديد يجوز إيقاعه لدى القاضي المدني الذي أبدل لقبه بـ "الموثق" أو لدى رئيس البلدية، وهذا الأخير كثيرا ما يكون جاهلا بالأحكام الشرعية، فإذا حضر أمامه الزوجان - ولا بد من حضورهما معا - عملا بقانون استعماري سنه المستعمر وقت الثورة المسلحة، وأطلق عليه اسم - عانس - تدعى (سيد قارة) كانت نائبة وقت حرب التحرير في البرلمان الفرنسي، وبقي قانونها معمولا به إلى ما بعد الاستقلال، وإلى يومنا هذا، قلنا لا بد من حضور الزوجة في البلدية أو المحكمة - كالأروبيين - إلا إذا كان القاضي يحمل الروح الإسلامية، فإنه لا يرضى بحضور الزوجة لما في ذلك من الفضيحة، فإنه يكتفي بالولي، فإذا حضر الزوجان أمام رئيس البلدية أو أمام الموثق، سأل الزوجة أولا: - كالأروبيين - هل أنت راضية بالزواج من هذا الرجل؟
فتجيب بنعم، ثم يسأل الزوج: وهل أنت راض بالزواج من هذه؟
فيقول: نعم. بعد هذا يقدم لهما السجل - سجل الحالة المدنية - ليضعا عليه إمضاءيهما ثم، ينصرفان، هذا ما هو واقع الآن، وفي هذا الإجراء ما هو مخالف للنصوص الشرعية من عدة وجوه، منها أن فيه عزلا للولي الشرعي وإبعادا له عن رعاية مصلحة من هو مسؤول عنها، وصحة العقد الشرعي تتوقف عليه لحديث: ((لا نكاح إلا بولي)) (١) ولحديث: ((أيما امرأة زوجت نفسها فهي زانية)) (٢) ولحديث ((أيما امرأة نكحت - تزوجت - بعير إذن وليها فنكاحها باطل، فنكاحها باطل، فنكاحها
стр. 125
باطل الخ ...) (١) ومنها أنه لا يجوز - شرعا - للمرأة أن تتولى بنفسها عقد نكاحها، والذي يتولاه - شرعا - إنما هو وليها للحديث الشريف:
((لا تزوج المرأة المرأة، ولا تزوج المرأة نفسها، فإن الزانية هي التي تزوج نفسها (٢).
من أجل هذه المخالفات الظاهرة والكثيرة لما شرعه الإسلام للمسلمين في بناء الأسرة على قواعد سليمة من كل تدخلات إبليس، رأينا في هذه السنوات الأخيرة ما هال المفكرين وحيرهم على مستقبل الأسرة المسلمة، وذلك من كثرة الطلاق وانحلال رابطة الزوجية، وقد كثر وتفاحش إلى حد كبير جدا جدا، وما ذلك إلا من عدم اتباع سبيل الشرع العزيز الذي أرسى قواعد الأسرة المسلمة على أسس ثابتة متينة، فالمرأة المسلمة غرر بها أعوان الشيطان، فوقعت في الهاوية، فهي مهما كانت حريصة على اختيار زوجها فإن هناك جوانب في الرجل قد تخفى عليها، ومما زاد في كثرة الطلاق خروج المرأة سافرة متبرجة - وقد عد هذا من التقدم وحسنات العصر - فقد يتزوج الرجل اليوم وبعد أسبوع أو أسبوعين يرى امرأة أخرى تعجبه فلا يفكر إلا في فراق الأولى ليتزوج من الثانية، وهكذا، فصار زواج المسلم والمسلمة كزواج الأمريكي والأمريكية، فقد يتزاوجان المرتين والثلاثة في الشهر الواحد، فالمرأة - العصرية - أدخلت في حسابها أنها كسبت شيئا كبيرا بخروجها سافرة مبدية مفاتنها، متبرجة تبرج الجاهلية - الأخيرة لا الأولى - كما قيل لها أنك كسبت حريتك بخروجك من سجن المنزل إلى حرية العمل والاجتماع بمن ترغبين، غير أن الحقيقة الملموسة - لا المتخيلة - أظهرت خلاف ذلك، وهي أن المرأة العصرية خسرت كل شيء في هذه الحياة له وزنه وقيمته، خسرت قيمتها الغالية، وخربت بيتها برجلها لا بيدها.
نعود إلى قضية القضاء الشرعي ونتساءل: كيف يكون حال أمة مسلمة أماتت القضاء الشرعي وألغت أحكام الإسلام وعوضتها بالقانون المدني المأخوذ من قوانين الأمم التي لا تؤمن بخالقها، هل لا زالت في حظيرة
стр. 126
الإسلام؟ سؤال يجيب عنه الواقع، وكفى به، والله يقول: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (١).
٣ - المظهر الثالث من مظاهر الإسلام التي تعمل الاشتراكية الشيوعية على إبطالها وإلغائها الأوقاف والأحباس الإسلامية، التي هي حسنة من حسنات الإسلام والمسلمين، ففي بعض الأوطان الإسلامية التي دخلتها نحلة الاشتراكية المزدكية عمدت حكوماتها إلى حل وإبطال جميع أوقاف المسلمين الأولين أولي الخير والصلاح - وهي في المكان العالي من الدين - واستولت عليها بحجج واهية، وهو أمر مخالف لما رغب فيه الإسلام وحببه إلى المسلمين وحثهم عليه، وذلك بوقف وتحبيس أملاك وعقارات على سبل الخير ومنافع المسلمين، ومنها ينتفع محاويج المسلمين، وتنتعش بها مراكز إشعاع نور الإسلام، من مساجد ودور العجزة وغيرهما، ويعظم بها الأجر والثواب للمسلمين المحبسين، فكم أفادت هذه الأوقاف الخيرية المسلمين وأبقت نور الإسلام يشع لينير الطريق للسالكين، فإبطالها وإلغاؤها تعطيل لما حواه الحديث النبوي الشريف، وهو قوله ﵊: ((إذا مات اب، آدم - وفي رواية الإنسان - انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له)) (٢).
فالمسلم طبعه الإسلام بطابع حب الخير وتحصيله، أما مقاصد المحبسين فكثيرة، وقد ذكر العلماء منها أنواعا تظهر فيها رغبة المسلم في إعانة إخوانه في الدين بما يوقفه عليهم، من عقارات وغيرها يرجع ريعها وفائدتها عليهم، إذ للواقفين والمحبسين مقاصد خيرية يرجون من ورائها الأجر والمثوبة والنفع في الدنيا والآخرة، كعمارة المساجد بالدروس العلمية والقرآن وإنارتها وفرشها وغير ذلك، ومما يلفت النظر إلى مقاصد المحسبين نياتهم في التحبيس، منها - وهو الأهم والأغلب - عمارة المساجد وإصلاحها الخ، ومنها إعانة العجزة والأرامل، وإعانة البنات الفقيرات أو اليتيمات على تزويجهن حتى لا يرغب عنهن الراغبون، ومن المقاصد الإنسانية وقف كان بعنوان (مؤنس العليل) سببه أن رجلا غنيا أصيب بعلة ومرض فبات ساهرا يتململ من علته، فنام أهله
стр. 127
واستوحش في ليله، فلم يأنس إلا بالمؤذن الذي شرع في تلاوة القرآن والأدعية من أعلى صومعة الجامع في آخر الليل وقبل طلوع الفجر، فلما شفاه الله من علته تلك أوقف وقفا لمؤذن خاص يصعد كل ليلة - بعد رقاد الناس - إلى الصومعة لتلاوة القرآن والأذكار والقصائد بصوت حنون، إذ لعل هناك من هو عليل أصابه الأرق فيأنس بما يسمع من صوت المؤذن من أعلى الصومعة، وهذا كله من أثر العقيدة الإسلامية، ورعاية حقوق الأخوة الإسلامية بمكان.
ومن ذلك وقف يأخذ منه الفقير أجرة الوضوء - الغسل - في الحمام حتى لا تفوته صلاة الصبح عن وقتها وهذا من الإعانة على العبادة في وقتها، ومنها ما هو معد للفقراء وأبناء السيل، الخ فأوجه البر كثيرة، والأهم من ذلك كله ما هو معد للمساجد من إصلاح وعمارة وغير ما ذكر.
٤ - المظهر الرابع من مظاهر الإسلام المناصب الدينية، فقد صارت تسند إلى رجال غير أكفاء لها، وليس لهم - إلا القليل - من ماضي حياتهم ما يجعلهم ينالون ما أسند إليهم عن جدارة وأهلية، لضعف بضاعتهم فيما أسند إليهم، وعدم تمكن الدين من نفوسهم حتى يدافعوا عنه ويحموه ممن يتربص به الدوائر ويتحين الفرص له لينفذ مرغوبه فيه.
والدافع الذي يدفع المسؤولين إلى إسناد المناصب الدينية إلى من ذكرنا ما يعرفونه فيهم من ضعف، لأنهم سيكونون أطوع لهم من غيرهم الذين لا يتساهلون في التفريط ولو بجزء يسير منه. أو تضييع أي جزء ولو كان مقدار قلامة ظفر، فهم إن لم يكونوا قوة له فلا يكونون عونا على القضاء عليه.
ويولونهم - أيضا - بدعوى أن فيهم مرونة - والإسلام مرن كما يقولون وأنهم يسايرون ركب الاشتراكية، بل ويجعلون الإسلام اشتراكيا - إذا اقتضى الحال - كل ذلك ليرضى عنهم زعماؤها المتحمسون لها، فيكثرون الكلام - كما سمعنا ذلك منهم المرات العديدة - على موافقة الإسلام للاشتراكية - وهم كاذبون - فهم يعملون على تعويض الإسلام بالاشتراكية - وهذا ما يرمي إليه خصومه - ومحو آثاره شيئا فشيئا إلى أن يزول - لا قدر الله ذلك - ويمحى من الوجود، ولا تبقى إلا الاشتراكية، وهذا هو المقصود، فيكون محوه بأيدي من ينتسبون إليه.
فالإسلام دين سماوي قائم بذاته، مستقل بنفسه، وشريعته كاملة لا نقص
стр. 128
فيها حتى تكملها قوانين الملاحدة، فمن ادعى أن الإسلام ناقص، أو لا قدرة له على حل مشكل الوقت الحاضر كما يقولون - من ادعى ذلك فهو كاذب ومكذب ومرتد كافر برب العالمين، منزل القرآن الذي جعله دستور المسلمين، كما هو خائن لأمانة العلم وعهد الدين، فإذا قالوا أن في الإسلام بعض أهداف الاشتراكية، أو نزعة تشبه الاشتراكية، فهذا نعم، وأما أن يكون هو هي فلا ... فالإسلام ليس بالشيوعية في نظامها، ولا بالرأسمالية في أهدافها، فهو وسط بينهما ولعل هذه الآية تتحمل هذا المعنى وهي قوله، تعالى وتقدس: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ (١) فالأمة الإسلامية أمة وسط في حياتها، فليست بالمتغالية في كسب المادة كالرأسماليين، ولا بالمفرطة كالذين يتظاهرون بأنهم ليسوا من عباد المال وأربابه، لهذا فالاشتراكية لا تتفق - أبدا - مع الإسلام مهما حاول بائعو دينهم ذلك، فتعاليمه وتعاليمها متغايران متناقضان ومتضادان، فكيف يمكن الجمع بين هذه المتناقضات، كالجمع بين النور والظلمة، أو بين الليل والنهار، وذلك أمر مستحيل، فهو دين إلهي أساسه الإقرار بوجود الله وتوحيده والإيمان به وطاعته، وهو موجود موجد لكل شيء، أما هي فإنها من وضع البشر، تحمل فيما تحمل ما يناقض الدين فلا إيمان فيها لا بالإله ولا بالدين ولا بطاعة الخالق العليم، إذ من الأصول التي بنت عليها دعوتها (لا إله والحياة مادة) فمن ذا الذي يدعي أنه لا تنافي بين الإسلام وبين الاشتراكية؟ وأمرهما ما يعرف الجميع، وتثبيتا لهذا المبدأ الاشتراكي فإننا لم نر - الاشتراكيين - يقومون بأداء الفروض الدينية كما يقوم بها غيرهم ممن ليسوا على مذهبهم، فلا يقصدون المساجد إلا في المناسبات كالأعياد، إذ كيف يفعلون شيئا يرونه خلاف مذهبهم،؟ فإذا تظاهر واحد منهم بالتدين فإنه لحاجة في النفس لا غير، وقد سمعنا رئيس الجمهورية الجزائرية السابق أحمد ابن بلة يصرح في حفلة أقيمت في قاعة سينما الماجستيك سنة ١٩٦ بما يلي، إذ قال وهو يتكلم عن الدولة الجزائرية: (تأخذ مكانها في البناء الاشتراكي، تأخذ مكانها الطبيعي) وهل طبيعة الأمة الجزائرية ودولتها هي الاشتراكية ... ؟؟ ومن المعلوم في النظم الدولية أن المسؤولين الكبار كالملوك والرؤساء إذا تكلموا أوجزوا فيقلون الكلام بلا ثرثرة، وفي مناسبات خاصة،
стр. 129
ولكلامهم مفاصل ومواقع، وهكذا فقد ساقه الغرور إلى أن يرمي الإسلام والقائمين عليه بما لا يتفق والواقع فقال فيما قال: (نندد بالأفكار البالية، طائفة باسم الدين، هذاك الدين البالي - حسب تعبيره - تخلينا - يقصد تتركنا - في حالة ركود) هكذا قال، فقد تجرأ على أن رمى الإسلام بالبلى، فقد ظن أن الإسلام كالثوب البالي القديم الممزق، وتجاهل أنه ما أحله ذلك المحل إلا الإسلام، وهو الدين القوي الصحيح لا البالي الخلق، فلا ينكر أحد دور الإسلام الفعال وعقيدته الحية في تحرير الجزائر من الاستعمار، فإن هذه الكلمات التي كانت مستعملة إبان الثورة المسلحة - ولا زالت - كلمات إسلامية وهي، الجهاد، والمجاهدون، والشهيد، والشهداء، وفي سبيل الله الخ، وبعد أن قال ما قال في الإسلام أخذ يرمي العلماء بما لا يليق، ويتهكم بهم، في نفس الوقت، فقال في نفس المناسبة: (أهل الرزز - يقصد أصحاب العمائم - الذين أشبعوا بطونهم، هذوك - يريد أولئك - الناس الذين يتغنون بالدين ماشفناهمش - يعني ما رأيناهم - في أيام "لاكوست") - حاكم الجزائر وقت الحرب التحريرية - بهذا صرح رئيس الدولة الجزائرية الأولى، وهو مسؤول عن كل ما قال في جمع حاشد أكثره - بل أكثرهن - من النساء كما هي العادة في كل اجتماعاته.
فأصحاب العمائم - الذين قصدهم بالكلام - قاموا بواجبهم نحو الثورة والوطن، ففيهم من انضم إلى ثورة التحرير في وقتها، فكان في صفوفها، أو داعيا لها في الخلف أو في المساجد، وغير ذلك من أوجه النشاط، ففيهم الشهداء، والمعذبون، والسجناء والمعتقلون الخ، ولم يمنوا على أمتهم بما نالهم من المستعمر وجنده كما من عليها غيرهم، فكيف يتجاهل اليوم متجاهل أو جاهل ما قدمه العلماء - وهم الذين هيأوا الشعب لذلك بالعلم - لتحرير الجزائر من ضحايا في شتى الميادين، وكان فيهم الهالكون والناجون كباقي أفراد أمتهم، ولكن أنى له أن يعرفهم أو يعرف أعمالهم وهو في وقت الثورة المسلحة كان يعيش خارج الجزائر ... ؟؟؟
وفي أصحاب الرزز - العمائم - من كان ضد ثورة التحرير، وفي صفوف الجيش الفرنسي، عملوا كثيرا على تحطيم الثورة المسلحة - وكنا نظن أن الثورة ستعاقبهم بالشنق بعد الاستقلال - غير أننا رأيناهم جالسين إلى جنبه في الحفلات الرسمية - ولا زالوا إلى الآن - وهم يتبوؤون أعلى المناصب، وكان من هذا النوع
стр. 130
الأخير الأئمة الممتازون - هكذا الممتازون - يا ابن بلة، ولكنه العداء السياسي والحزبي القديم يعمي صاحبه عن رؤية الأمور على حقيقتها، وياليته استثنى البعض، فلو استثنى البعض ولم يعمم لقلنا أنه أراد بكلامه الذين كانوا في صفوف الجيش الاستعماري، وهذا النوع - منهم - بالطبع صفق - ولا زال يصفق - للاشتراكية ونادى بها في الدولة الجديدة، فهم مع كل من حضر وقته وليس لهم مبدأ - شأن الأحرار - فهم أتباع كل ناعق يميلون مع كل ريح، كما قال علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكما قال الشاعر القديم:
وإذا تكون كريهة أدعى لها ... وإذا يحاس الحيس يدعى جندب
جرنا إلى هذا الحديث ما قلناه سابقا من أن الإسلام والاشتراكية لا يلتقيان، لهذا يعادي دعاة وأنصار الاشتراكية العلماء الذين لا يجارونهم فيما ذهبوا إليه.
وهنا يجمل بنا أن نوجه هذا السؤال الذي تتفرع عنه أسئلة أخرى والتي تفرض نفسها علينا - ليزداد الموضوع وضوحا، وهي موجهة إلى حكام المسلمين الذين عوضوا الشريعة الإسلامية بالاشتراكية الشيوعية، والسؤال هو: هل الإسلام أفضل وأكمل وأوفى بالحاجات الإنسانية أو الاشتراكية؟ أو هو مساو له؟ أو هو دونها وأقل منها؟ والجواب لا يخلو عن واحد من ثلاثة:
١ - فإن أجابوا بأن الإسلام أفضل وأكمل وأوفى بالحاجات الإنسانية - وهذا لا يرجى منهم - قلنا لهم: لماذا - إذن - استبدلتم الذي هو أدنى بالذي هو خير؟
٢ - وإن قالوا: الإسلام والاشتراكية متساويان، قلنا لهم - أيضا - ولماذا عوضتم الإسلام بمساويه؟ وهذا لا يفعله عاقل.
٣ - وإن أجابوا بأن الاشتراكية أفضل وأكمل منه وأحسن للبشرية - ولهذا عوضناها به - قلنا لهم هذا ردة وكفر - عياذا بالله - فاجهروا بهذا الرأي حتى تعرفه شعوبكم، وانظروا هل ترضى بتكفيرها أو لا.؟
٥ - المظهر الخامس من مظاهر الإسلام عدم الاهتمام بالدين وترك أهل الشر والفساد يفسدون في الأرض ولا يصلحون، من غير أن ينالهم العقاب، وفي هذا إغراء وتشجيع لغيرهم باتباع سبيلهم، وبالعمل مثلهم، وفي الناس الصالح والطالح والخير والشرير - ومعظم النار من مستصغر الشرر - والحكومة
стр. 131
الواعية لواجباتها يجب أن تكون يقظة لا تترك الأشرار يجهرون بشرورهم، ومن الغريب أنهم يجدون التشجيع والعون من بعض الدوائر الحكومية.
٦ - المظهر السادس مجاهرة الاشتراكيين التقدميين - حسب تعبيرهم - بعداوتهم للدين، واحتقارهم له، وتحميله جميع أوزارهم وخيباتهم، فإذا لم ينجحوا في عمل ما فذلك راجع إلى الدين، وإذا هزموا في معركة ما فانهزامهم من الدين، وإن لم تكن لهم قوة كقوة غيرهم فذلك سببه الدين، إلى غير ذلك مما نسمعه ونراه، والواقع أنهم لو اتبعوا الدين لما حل بهم ما يكرهون، ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِنْ لَا يَشْعُرُونَ﴾ (١).
الفصل الثاني: محاربة الاشتراكية الشيوعية للإسلام .
إن محاربة الاشتراكية الشيوعية للأديان بصفة عامة، وللإسلام بصفة خاصة أمر شائع ومعروف يعرفه الخاص والعام، ولكن حربها للإسلام أشد. وعامة المتتبعين لما يجرى في الأوطان الإسلامية التي استحوذت عليها الاشتراكية الشيوعية يعرفون ما يلاقيه إخواننا المسلمون فيها من اضطهاد واحتقار وتضييق بلغ أقصاه من هذه الشيوعية الملحدة، وحربها للإسلام مكشوفة غير مستورة، وأمثلتها كثيرة، نذكر منها بعض العينات على سبيل الاستشهاد.
١ - كتب المدعو (أ - جاكو فينسكي) في جريدة "برافدا فوستوكا" الصادرة بتاريخ (٢٩ جوان عام ١٩٦٥) تحت عنوان (الماركسية اللينينية والدين يقول:
(ما زلنا نجد عندنا أناسا لا يزالون يعتقدون بالله، متأثرين بالخرافات والسخافات الدينية ... وهم يقومون بطقوس دينية، ويحافظون على الصيام وعلى الأعياد التي سنها القرآن، ومن بين هذه الطقوس تجد صوم ثلاثين يوما في رمضان، فالذي يصوم رمضان لا يحق له أن يأكل ولا أن يشرب ولا أن يستحم - كذا قال - من الفجر إلى الليل، ولا يحق للصائم أن يستعمل العلاج حتى ولو كان لصقا فوق الجرح، وبالإضافة إلى ما يعتري الأفكار من أدران من جراء هذا الاعتقاد الباطل - في نظر الشيوعي طبعا - فإن الذين يصومون يفقدون جزءا من قدرتهم على العمل، وإذا ما علمنا أن رمضان يأتي في أفضل الأوقات
стр. 132
لزراعة القطن، أدركنا ما يحدثه صيام هذا الشهر من رمضان في زراعة القطن، وفي الحصول على قطن جيد ...) (١) فالشيوعي يرى أن الإنسان كالحمار والبغل يأكل ليقوى على حمل الأثقال.
أبعد هذا الذي رأيناه يدعي مدع أنه اشتراكي ومسلم أيضا؟؟؟ فالاشتراكية والإسلام لا يجتمعان في شخص واحد أبدا، بالرغم مما يصرح به ويعلنه زعماؤها الذين هم من أبوين مسلمين، وقد سمعت مرة كلمة قالها السيد أحمد ابن بلة قال أنه قالها لزعماء - الكريملن - عندما زارهم فيه وهي: (أن الإسلام لا ينافي الاشتراكية) وهذا منه خطأ ظاهر إذا كان يعرف ويدرك مدلول الإسلام وأهداف الاشتراكية.
٢ - وفي هذه القصة التي أذرها هنا - أيضا - والتي وقعت من سنوات قليلة مضت الدليل الكافي على ما يبيته الاشتراكيون للدين - وكم لها من نظائر - وقد كان لوقوعها ووقعها صدى بعيد في العالم الإسلامي نبه الغافلين وأيقظ النائمين، وكشف القناع عن وجوه الملحدين، خصوصا وهي واقعة فوق أرض عربية وفي بلد عربي يعز علينا أن يوسم بميسم الإلحاد - من أجل بعض الطائشين!! - ونبذ الإسلام - الذي به لا بسواه كان عز العرب - ذلك البلد العربي هو (سوريا) وكفى!!! التي ابتلاها الله بحزب البعث - بل العبث - الشيوعي كما ابتلى الله به العراق - أيضا - فقد كتب كاتب - الإنسان البعثي العربي الاشتراكي - في مجلة "الجيش السوري" يصف ويعرف الاشتراكي العربي من هو؟ فقال بالحرف: (والطريق الوحيدة لتشييد حضارة العرب وبناء المجتمع العربي، هو خلق - كذا - الإنسان الاشتراكي العربي الجديد الذي يؤمن ... أن الله، والأديان، والإقطاع، والرأسمال، والاستعمار، والمتخمين، ... وكل القيم التي سادت المجتمع السابق ليست إلا دمى محنطة في متاحف التاريخ ... الخ ثم يستطرد فيقول:
الإنسان الذي لا يعتمد إلا على نفسه، وعمله، وما يقدمه للبشرية جمعاء ... لأنه يعلم أن نهايته الحتمية: الموت، وليس غير الموت، لن يكون هناك
стр. 133
نعم، أو جحيم، بل سيصبح ذرة تدور مع دوران الأرض .. الغ) (١) فقائل هذا القول إن كان غير مسلم فأمره واضح، وإن كان مسلما - بالوراثة أو الدعوى - فهو كافر مرتد ملحد، وفيما كتبه براءة من الإسلام، لأنه أنكر وجود الله - وهذه هي عقيدة الاشتراكيين - والأديان، بل سوى في إنكاره وجحوده الله الخالق بالاستعمار والرأسمال، وهذا مما يدل صراحة على جهل أصحاب هذا المذهب السياسي وإلحادهم، ومما يضحك أنه أنكر بعث الله للأجساد في الآخرة - وهو بعثي - وآمن ببعث الإنسان في الدنيا - إذ أنكر البعث وما بعده إلى آخر ما هذى به هذا المحموم - وأمثاله كثيرون - وما أظهره من مكنون عقيدته الإلحادية، وقول هذا البعثي في الواقع ليس له وحده، بل له في ميدان هذا السباق فرسان كثيرون من المضللين، وهم يتمتعون بالحصانة والمساندة من بعض أعضاء حكومات الشعوب الإسلامية، من غير التفات إلى ما تحدثه هذه النزعات في الشعوب المسلمة.
٣ - ويقول بعثي آخر: (لو امتدت يد الله إلى حزب البعث لقطعناها!!!) عجيب والله من هذا الغرور، فإذا كان لهذا البعثي - المغرور - القدرة على قطع يد الله - والله منزه عن اليد - ولا تستطيع بعوضة مثل هذا البعثي أن تصل إليه، فلماذا لم يقطع رجل إسرائيل التي داست كرامته وأنفه وهي - إلى الآن - فوق تراب أرضه العربية، كفاكم من الهذيان أيها المخادعون.
من هذه الكلمات وأمثالها التي تعبر - بصراحة لا خفاء فيها - عن عقيدة الاشتراكي الشيوعي سرت في شباب المسلمين - إلا من قل - روح العداوة والبغضاء للدين الإسلامي نظرا لما يتلقونه من تلقين الشيوعيين لهم.
وهنا أشير إلى حادثة رأيتها بعيني تؤيد ما قلت وهي:
٤ - كنت دعيت فيمن دعي من الأساتذة لتصحيح امتحان الدخول إلى مدرسة المعلمين الكائنة بـ (بوزريعة) في نهاية السنة الدراسية - ١٩٦٥ - لتصحيح مادة الكتابة فكان من نصيبي أوراق بعض التلامذة الممتحنين.
стр. 134
فرأيت عجبا، وكان الموضوع - فيما أذكر - (الاقتصاد في حياة الأمة والفرد) فكان الطلبة يستدلون بأقوال وآراء قادة روسيا الشيوعية، فهذا يقول: قال ماركس الاقتصاد كذا، وذاك يقول: قال لينين، وآخر يقول قال ستالين، وهكذا مما علمت منه أن المعلمين الذين تولوا تعليم أبناء هذا الشعب المسلم لم يكونوا يحملون في نفوسهم عقيدة المسلم، ولا يعرفون شيئا مما ذكره القرآن في الموضوع، ولا الحديث الشريف، فعلمت أن الأمر مقصود، وهو محو الإسلام من هذه الأرض وإثبات الشيوعية مكانه، وبثها في عقول شباب الأمه، وهذا أمر مدبر ومبيت ولم يأت عفوا من غير قصد، وإلا فما هي قيمة أقوال هؤلاء الملاحدة؟ وكم تساوي إذا قارناها بالقرآن؟ كما في قول الله: ﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾ (١) وهي آية عظيمة القدر في الاقتصاد لمن أراد أن يكون مسلما له في قرآنه ما يرشده إلى سبيل العيش الهني والحياة الفاضلة، وجاء في آية صفات عباد الرحمن ما هو بين واضح، قال الله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا﴾ (٢). ومثل هذا ما ورد في أحاديث الرسول ﷺ مع الاختصار والدلالة الوافية بالمراد. من ذلك قوله: ((ما عال من اقتصد)) (٣). والحديث على قلة كلماته جامع لمعان الاقتصاد كلها. وفي رواية أخرى قال: ((ما عال مقتصد) (٤) والحديثان من جوامع كلمه ﵊. وقد نبهت الأستاذ مدير المدرسة - في الوقت - إلى هذا الخطر الذي غزا أفكار شبابنا بواسطة المعلمين الذين لا يحملون الروح الإسلامية، وفي ذلك يكمن الخطر الكبير الذي يبعد شبابنا عن ماضيه العظيم، وفي الوقت نفسه تحشى أفكار شبابنا بعقائد الزيغ والضلال، ويظهر هؤلاء المعلمون لتلامذتنا عجز الإسلام عن مسايرة الوقت، وتلك هي الأغنية التي يتغنى بها الملاحدة، أشباههم ويقولون أن الإسلام ليس فيه ما يصلح لهذا الوقت، وهذه الأفكار المريضة من الإسلام - نعم هي
стр. 135
مريضة من الإسلام - ومبادئه هي التي دفعت بشباب المسلمين إلى التمرد عن دينهم وتاريخهم.
٣ - ما يلقاه إخواننا المسلمون - في بلغاريا - من حكومتها - الاشتراكية الشيوعية - ونحن نعلم أن في الوطن - البلغاري - عددا لا بأس به من المسلمين، سواء من كان منهم من أصل تركي، أو من أصل بلغاري أسلموا حبا في الإسلام أيام كانت - بلغاريا - تحت حكم الدولة التركية العثمانية، فها هي الشيوعية - صاحبة الحرية - تتدخل بين العبد وعقيدته، لصرفه عنها إلى العقيدة الشيوعية الملحدة.
فقد قامت حكومة بلغاريا - أخيرا - وقعدت ضد مسلميها، فهي تحارب الإسلام حتى في الاسم الشخصي، فقد فرضت على المسلمين البلغاريين أن يغيروا أسماءهم الإسلامية وأسماء أولادهم، ومن تمسك باسمه القديم ولم يستجب لما طلب منه فإنه لا حق له - كمواطن - في التمتع بحقوق المواطن التي ينالها غيره من بقية المواطنين البلغاريين، كذلك إذا بقي مصرا على الاحتفاظ باسمه الإسلامي فإن المولود الذي يولد له لا يسجل في سجل الحالة المدنية، وكذلك لا حق له في المنحة العائلية أو الضمان الاجتماعي أو عقد الزواج الخ، وهذا نوع جديد من أنواع الحرب التي يحارب بها الإسلام، وهي ترك الدين الإسلامي من باب أولى، فإلغاء حتى التسمي بالأسماء الإسلامية نوع آخر من الحروب التي يلقاها الإسلام من الملاحدة أو العقاب المتعدد الأنواع والأشكال، فيا لله للمسلمين من هذه العداوة الشيوعية المتأصلة في النفوس الملحدة، أما في البلدان الإسلامية فإن البلغاريين يعيشون فيها من غير أن يطلب منهم تبديل أسمائهم، فانظروا إلى تسامح الإسلام وترفعه عن الأمور التافهة كهذه.
هذا هو واقع حقيقة من غير مبالغة ولا تهويل، وقد وجه المؤتمر الإسلامي العام في عمان نداء إلى العالم الإسلامي كي يتدارك إخوانه فيما يلقونه من دولة بلغاريا الشيوعية ورجا من دول المسلمين التي لها علاقة سياسية طيبة مع حكومة بلغاريا أن تتدخل في القضية لإزالة هذا الضغط والاضطهاد الإلحادي للعقيدة الإسلامية.
ولكن هل استجابت حكومات الشعوب الإسلامية لنداء المؤتمر الإسلامي
стр. 136
هذا ... ؟ إن الذي يظهر في الأفق السياسي أن حكومات الشعوب الإسلامية - الحاضرة - تفضل تمتين العلاقات - السياسية والاقتصادية - على العلاقات الدينية الروحية، فهي مهتمة إلى أقصى حدود الاهتمام بالحرب الفيتنامية الشيوعية، وما هو واقع في - الشيلي - المسكين المضطهد من طرف (الإمبريالية) ولله في خلقه شؤون ...
جاء في نداء المؤتمر الإسلامي العام ما يلي:
(إن إخوانكم المسلمين في بلغاريا يتعرضون لمحنة قاسية بسبب عقيدتهم الإسلامية، ويضطهدون في محاولة لمحو الصبغة الإسلامية عنهم، ومن أهم الأمور التي تواجههم: "١" إجبارهم على تغيير أسمائهم الإسلامية؛ "٢" إبعادهم عن وظائف الدولة؛ "٣" محاربتهم في رزقهم وإفقارهم ما داموا مصممين على التمسك بعقيدتهم؛ "٤" محاولة إفناء الطائفة الإسلامية، بتعريضهم لعمليات قتل جماعية.
وإزاء ذلك فإننا نهيب بكل مسؤول في الأمة الإسلامية أن يبادر إلى الإسهام في دفع هذا البلاء ورفع هذا الظلم عن إخواننا مسلمي بلغاريا، ونرجو بسورة خاصة من الدول التي تربطها علاقات ودية ودبلوماسية مع بلغاريا أن تهب لنجدة إخواننا في العقيدة، بأن تضغط على حكومة بلغاريا لتكف عن تنفيذ خططها التعسفية الرامية إلى إفناء مسلمي بلغاريا) اهـ النداء (١).
نرجع إلى ما سبق من أقوال وأعمال صدرت من أصحاب النحلة الشيوعية تطعن في الإسلام والقرآن والعقيدة، وعندما هب علماء الإسلام - كما هو مفروض عليهم - لإنكار مثل هذه الأقوال والأعمال الفظيعة والمنكرة من لدن كل عاقل، فأنكروا هذا التجاهر بالكفر والإلحاد، كان جزاؤهم من حكومات شعوبهم الإسلامية السجن والشنق وما يتبعهما من إبعاد عن وظائفهم وبلدانهم وغير ذلك، هذا واقع بدلا من أن ينال العقاب المنحرفين والمستهترين والمستهزئين، لم يصبهم من ذلك شيء وصب العقاب عل المنكرين المحقين في إنكارهم وفي أداء واجبهم.
стр. 137
الفصل الثالث: من التبشير المسيحي إلى التبشير الإلحادي .
لقد حورب الإسلام - في الجزائر - بشتى الأسلحة، فمن الأسلحة النارية القاتلة للذوات البشرية إلى الأسلحة العقائدية القاتلة للإيمان بالله والشعور الروحي، إلى الرذائل القاتلة للكرامة والعزة النفسية، إلى التبشير المسيحي المحارب للإسلام.
كل هذه الأصناف من الحروب ذقنا ويلاتها من المستعمر الفرنسي الذي احتل بلادنا، وغزاها بكل ما يملك من أسلحة ومعدات، فقد جلب معه المبشرين المسيحيين لينصّروا - بتشديد الصاد لا بتخفيفها - المسلمين، بأن يخرجوهم من دينهم الإسلام إلى النصرانية المسيحية، ومكنهم من كل وسيلة لذلك، غير أنهم خابوا في مسعاهم بالرغم من المجهودات المبذولة، والأموال المصروفة، لصرف المسلمين عن دينهم، فلم ينالوا شيئا يذكر، إلا في بعض الجهات الفقيرة، والتي يكثر فيها الفقر وينتشر فيها المرض ويقل العلاج، فإذا قيست الخسارة والأتعاب بالفائدة كانت النتيجة صفرا، وذلك راجع إلى صلابة عقيدة المسلم الجزائري، ولولا هذه الصلابة في العقيدة لما بقي في الجزائر إسلام ولا عروبة، ولو ما نزل بالجزائر نزل بغيرها لامحى منها كل أثر للعقيدة الإسلامية - وهذا من فضل الله علينا - فالمسلم الجزائري عرف أن المبشر المسيحي الفرنسي ما هو إلا جندي من جنود الاستعمار الفرنسي، فأخذ حذره منه واتقاه.
ولما استيقظ الشعب الجزائري من نومه حارب عدوه المحتل لبلاده، المغتصب لأرضه، فأخرجه من وطنه بعد احتلال استمر قرنا وأكثر من ربع قرن، قال: الآن استرحت، أو (الآن يمد رجله أبو حنيفة) كما جاء في المثل، الآن أستريح في وطني من الاحتلال الأجنبي، بعد أتعاب وأتعاب، وسأحيى بتراثي الروحي وديني الإسلام الذي اختاره لي خالقي، فما راعه إلا والإلحاد الشيوعي يتسرب إليه - كالمرض - ويتغلغل في أوساطه وخاصة في الشباب وبعض الطلبة الأغرار - بدعايته المناهضة للدين - والعقيدة الإسلامية، وكان تسربه ذلك - بتساهل بعض المسؤولين - إحدى المشاكل التي لا زال يعاني منها الشعب الجزائري أنواعا من الأتعاب، فالمحتم على قادة الأمة المخلصين الناصحين أن يتنبهو إلى هذا الخطر الجديد، أو الاستعمار
стр. 138
الفكري الجديد الذي أخذ دعاته يمهدون له، وينشرون محاسنه - في نظرهم - بين أبناء الأمة، والعجب أن الشيوعية تعمل - جاهدة - على نشر مبادئها المخربة في أوطان المسلمين، في حين أنها لا تسمح هي بنشر مبادئ الإسلام في وطنها بل تحاربه وتمنعه، وهذا هو مبدؤها، كالإضراب عن العمل، فإنها تحرض عليه بواسطة عملائها، في غير بلدها وفي غير وطنها، أما في وطنها فإنه يعد جريمة يعاقب عليه القانون، وبذلك تحدث الاضطرابات والمشاكل في العالم وتكون هي في منجاة منها، ويسأل السائل فيقول:
ترى، هل للعمال في وطنها مشاكل عمل أولا ... ؟؟؟ وهل إن كانت هناك مشاكل عمل وخلافات تسوى بسهولة فلا حاجة إلى الإضرابات؟؟ يقول العارفون بما هنالك: إن الحكم هنالك حكم قوة فلا يسمح - أبدا - بتعطيل العمل لحظة واحدة، بدعوى أن العامل هو صاحب المصنع، إلى آخره، وهو قول أجوف، لا قيمة له، فإن العمال هناك أشبه شيء بالعبيد القدامى المسخرين، لا يحق لهم الكلام ولا الاحتجاج، فهم مسخرون كما يسخر العبيد، من لدن حكومة "ديكتاتورية".
الفصل الرابع: الاستهتار بالقيم الروحية - وشهد شاهد من أهلها .
إن الاستهتار بالقيم الروحية، وبالدين والأخلاق الإسلامية الصادر من جماعة من الشبان المسلمين كان لأسلافهم الفضل في مواقفهم المشرفة التي نشروا بها النور الإسلامي، فأزاح عن العالم ظلمات: الجهالة والشرك، والفجور، قد فشا وكثر، ويؤسفنا من هذا الخلف أن ينحرف عن طريق أسلافه، نتيجة للدعاية الإلحادية التي وجدت آذانا صاغية - في بعض الشبان - وقلوبا من الإيمان خالية، فتمكنت منها كما تتمكن الجراثيم الوبائية من الجسوم الضعيفة التي لا مناعة لها تحفظها من تأثير تلكم الجراثيم فيها.
إن قول البعثي - الشيوعي - السابق مستمد من البيان الشيوعي الذي حدد فيه "ماركس" اليهودي الألماني مبادئ وأهداف الشيوعية الماركسية.
والذي جاء فيه قوله: (ما الدين، والأخلاق، والقانون في نظر - البروليتاريا - (١) إلا آراء بورجوازية، ورسالة - البروليتاريا - هي
стр. 139
القضاء على الدين والداعين إليه) (١) وقوله: (إن القانون، والأخلاق، والدين، ليست كلها في نظر البروليتاري إلا أوهاما بورجوازية) (٢) وقوله:
(إن الماركسية تؤمن بأهدافها، وكل وسيلة تؤدي إلى هذه الغاية فهي خير) (٣) وكان يقول: (لا إله والحياة مادة) وقال ماركس أيضا: (إن النظام الخلقي في كل مجتمع، وديانته وقوانينه، ليست غير جزء من بناء زائف، أقامته ظروف الإنتاج، فهي تترجم بالتالي عن مصالح الطبقة السائدة) (٤).
هذه الفقر جاءت في البيان الشيوعي الماركسي، الذي هو بمنزلة الدستور للشيوعية، والمتأمل فيها يرى الجهل والغباوة وسوء النية وإرادة الشر للإنسان تفوح روائحها الكريهة من بينها، فالماركسيون أرادوا أن يتولوا أو أن يستولوا على الحكم وسلطة البلاد وليست لهم مؤهلات ذلك، فابتدعوا هذه الخدعة ليتولوا بها على عقول العمال البسطاء ليكونوا لهم قوة يقاومون بها قوة جيوش الدولة، وبذلك نالوا مرغوبهم وتولوا الحكم في البلاد لا أكثر ولا أقل، ولما استولوا على الحكم فعلوا في الشعوب أكثر مما فعله الملوك المستبدون الإقطاعيون ومن أنكر هذا فقد أظهر قلة تفكيره وإدراكه للحقائق الواضحة، وما لمسناه في البلدان الاشتراكية حجة على ما قلناه وقد شهدت الشيوعية على نفسها بأنها تتخذ كل وسيلة توصلها إلى أهدافها.
بل وتراها خيرا ... فليتنبه الغافلون وليستيقظ النائمون لهذه المكائد التي تكيدها الشيوعية اليهودية للإنسانية (لا إله والحياة مادة) فمن خلقك وركب فيك العقل الذي توصلت به إلى أن قلت هذا القول أيها المغرور الغرار؟ إن كل شيء في الوجود ينادي بأنه مخلوق للخالق الواحد العظيم القهار، ولا أظن أي كائن من الكائنات ينكر وجود الخالق غير الشيوعي البليد.
وفي كل شيء له آية ... تدل على أنه الواحد
أليس ما جاء في هذا البيان الشيوعي الذي أذاعه ماركس اليهودي عن أهداف الشيوعية هو الذي أثر في بعض الأفكار العربية - بواسطة عملاء وصنائع الشيوعية الملحدة - فبدأت تتبرأ من دينها، وماضيها، وأخلاقها
стр. 140
وقيمها؟ ومن ذلك البيان استمد ذلكم الاشتراكي البعثي العربي - والأليق أن نقول: الشيوعي - ما هذى به، فإن تسمية بعض الأحزاب السياسية بأسماء تتفق في أهدافها مع الشيوعية دلت على أن تلك التسمية ما هي إلا للتمويه والتغطية حتى لا تفطن شعوبهم لما يراد بها، فلا تستفيق إلا وهي شيوعية - لحما ودما وتفكيرا - وشبيه بقول الاشتراكي البعثي ما جاء في كتاب (في الاشتراكية العربية) لصاحبيه الدكتور مخيمر، ورفيقه رزق، فقد جاء فيه قولهما: (وبديهي ألا تجد القيم الخالدة في العقائد الدينية مكانا ضمن هذا الجهاز الفكري عن الأخلاق، وبديهي أن تغير القيم ... وأن يعدم التقيد بأية قيم تقليدية، ما دامت المعركة تقضي بذلك) (١) فقولهما هذا هو قول البعثي الاشتراكي الملحد، وهما - القولان - من نفس البيان الشيوعي، وكلها أقوال غير المسلمين، والعجب العجاب من تأثير هراء هذه الأفكار الملحدة في عقول بعض قادة المسلمين، والمسلم المفكر لا يلتفت إليها فضلا عن الاهتمام بها أو العمل بمحتواها.
إن السكوت عن انتشار هذه الأوهام - التي يسمونها أفكارا - يعد رضى بها، وهي تنتشر بمساعدة دولة الملاحدة، بل السكوت عنها يعد جريمة من أكبر الجرائم في هذا الوقت يتحمل وزرها العلماء الأمناء على الدين والعقيدة؟ فليتكلموا ولينكروا ذلك بصراحة، وليكن ما يكون، ﴿وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ﴾ (٢) وهنا يظهر جهاد العلماء وزحفهم على العدو المهاجم على الدين والعقيدة، أو توليهم الأدبار ونكوصهم على أعقابهم خاسرين، ولا يخفى عليهم قول الرسول ﵊: ((أفضل الجهاد كلمة حق - وفي رواية عدل - عند سلطان جائر)) (٣) ولهم أسوة بصالح العلماء المجاهدين الذين وقفوا في وجوه ملوك زمانهم وأمرائهم الذين دفعت بهم نزوات السلطة والحكم إلى أن يعملوا غير مقيدين بالدين والخلق الكريم، فقام العلماء الصادقون ينافحون ويدافعون عن الدين بل ويهاجمون
стр. 141
أوكار المفسدين، حتى كان لدفاعهم عن الدين الأثر البالغ في إصلاح الأوضاع المتعفنة من أجل حب الرئاسة الخطير، ومثل العلماء في تحمل المسؤولية، المسؤولون في حكومات الشعوب الإسلامية، إن لم يكونوا هم الذين جلبوا - الشرور والمفاسد - أو تساهلوا في دخولها أو في إدخالها، فانتشرت بسكوتهم عنها.
فلا غرابة في حوادث هذه الحياة وأحداثها، فقديما كانت محنة العلماء الصادقين شديدة وقاسية عليهم - لوقوفهم في وجوه طغاة زمانهم - ذلك لأنهم لم يلينوا لهم ولم يتساهلوا في القيام بواجبهم، فكانت المحن تنزل عليهم من كل جانب وهم صابرون، كما أخبر بذلك أشرف الخلق ﷺ : ((أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل، يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلبا اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه)) (١) وقد ظهر ذلك في كبار الأئمة ﵏ خاصة، فقد امتحن إمام دار الهجرة مالك بن أنس والأئمة أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وابن تيمية، وسلطان العلماء عز الدين بن عبد السلام، وغيرهم كثير ﵃، لقيامهم في وجوه حكام زمانهم الطغاة، فلم يستكينوا لهم، ولم يوافقوهم على أعمالهم المخالفة للدين، وأنكروا عليهم ما يفعلون في جرأة وصراحة، كما يوجب ذلك عليهم دينهم، مما هو داخل في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، الذي هو واجب على من تعين عليه، وبدون هذا لا يستقيم حال الأمة - حاكمها ومحكومها - غير أن حكام المسلمين - اليوم - لا تتسع صدورهم وعقولهم لتلقي النصائح الدينية المفيدة والتوجيه النزيه، والنقد المفيد - أو البناء - ولا يرضون بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويحسبون أنفسهم أنهم فوق كل أحد، فما رأوه واختاروه فهو الحق الذي يجب أن يجد الآذان صاغية، والقلوب واعية، وما سواه فهو الباطل المتروك، ولا يراجعون في شيء ارتضوه، وهذا خطأ من بعض الحكام، متمكن في نفوسهم، واستعلاء وتجبر على عباد الله، كما هو مخالف للتربية الإسلامية، فذلكم الخليفة الثاني عمر بن الخطاب - وكفى به مثالا ﵁ كان يقبل النقد والتوجيه، ويعترف بخطئه أحيانا وإصابة غيره،
стр. 142
كما جاء في قصة عزمه على التحديد أو التقليل من مهور النساء، فبعد أن خطب في الناس وأمر بذلك - وهو أمير المؤمنين - بالتقليل تراجع عن أمره، ذلك أن امرأة واحدة عارضته فيما ذهب إليه، وقالت له: ليس لك ذلك يا عمر، قال لها: ولم؟ فتلت عليه الآية القرآنية وهي قوله تعالى: ﴿وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَارًا الآية﴾ (١) فقبل قولها ورجع إلى رأيها، وقال: أصابت امرأة وأخطأ عمر، ولم تأخذه العزة بالإثم، ولم يتمسك برأيه، وإن كان مما حقا وصوابا، فهذه هي نتيجة تربية الإسلام لحكام المسلمين، ومما حفظ عنه قوله: ((رحم الله عبدا أهدى إلي عيوبي)) (٢).
ويجرني الكلام عن أعمال الملاحدة المخربين في البلاد الإسلامية إلى ما هو واقع من الأعمال فيها تلكم الأعمال المنافية حتى للمجاملة وحسن الاستقبال أو الجوار، فهم - ما وجدوا إلى ذلك سبيلا - جادون في إفساد عقيدة المسلمين في مقدساتهم، ويتخذون لذلك كل وسيلة - لإهانة الإسلام - يتوصلون بها إلى نيل أغراضهم - كما مر في البيان الشيوعي - أقول يجرني الكلام إلى ذكر أحداث مؤلمة تمس أعز ما يقدسه المسلمون، وهو القرآن العظيم كتاب الله المقدس، حدثت هذه الأحداث في الجزائر - المسلمة - ووقعت هذه الأحداث فيما بين شتاء ١٩٦٧ وشتاء ١٩٧٣ م مما سأقصه - إن شاء الله - وهذه الأحداث يجب أن تذاع ولا تكتم، لعلها تنبه الغافلين لما يجري في البلاد الإسلامية، ليهبوا لإبادة هذه الحشرات الطفيلية التي خرجت من القمامات المتعفنة عندما نزلت أمطار الحرية والاستقلال، بعد أن سقيت أرضها - الجزائر - بدماء المسلمين، لا بدماء الملاحدة، فإن هذه الأعمال دلت على أن عمل الملاحدة متواصل، لاحتقار الإسلام وتوهين دعوته وتهوين شأنه في قلوب المصلحين، وخاصة في أوساط الشباب الفاقد - للأسف - لحسن القيادة والتوجيه والرعاية، وفيها مس لشعور المسلمين في عقيدتهم التي حافظوا عليها أيام عهد الاستعمار المظلم، ولم يستطع أن يحولهم عنها، رغم وعوده وإغوائه، وهذه الحادثة لم يقع مثلها فيما سمعنا حتى في زمن الاستعمار الذي كان يحكم هذه الديار، وكان يحترم - إلى
стр. 143
حد ما - شعور المسلمين وعقائدهم لفائدته، كما كان واقفا بالمرصاد في وجه الشيوعية الخاسرة، ولا يسمح لها ببث دعايتها إلا بمقدار.
الفصل الخامس: تمزيق المصحف، وإحراقه .
هذه سورة حادثة من حوادث ثلاث وقعت، وسأذكرها كما بلغتني وذكرها من وقعت أمامه، وصورتها:
١ - كان أحد الرجال الكبار الطاعنين في السن جالسا في أحد مقاعد الحديقة العامة - حديقة الحرية - الكائنة في أعلى شارع "مراد ديدوش" في عاصمة الجزائر، وكان ذلك في شهر دسمبر من سنة ١٩٦٧ م؛ فبينما كان ذلك الأشيب جالسا تقدم إليه شبان ثلاثة، من هؤلاء الشبان الذين ضللتهم الدعاية الشيوعية الإلحادية المخربة للعقائد والفضائل، والتي يدعونها بالأفكار التحررية - كما يزعمون - تحرروا من الذوق السليم، والمجاملة واحترام الشعور وكرامة الفرد والمجتمع، ولما اقتربوا من الشيخ المسن أخرج أحدهم مصحفا من جيبه وقال للشيخ: ما هذا؟ فأجابه الرجل: قرآن، فقال له الشاب: هذا هو الذي أخركم وجعلكم في آخر الأمم!!! ثم مزقه - مزق الله لحمه - حسب الرواية وألقاه على الأرض متبوعا بالبزاق والدوس بالأقدام والإهانة شأن الأشياء الحقيرة، ثم مضوا في حالهم آمنين، وحارس الحديقة قريب منهم، ففزع إليه الأشيب وأبلغه الحادثة كما وقعت من هؤلاء الطائشين، مستنجدا به عله يقبضهم فيعاقبوا على ما ارتكبوه، فلم تتحرك من الحارس شعرة واحدة تدل على إيمانه وغيرته على المصحف المهان، بل هز كتفيه وقال للشيخ مثل قول الشبان الطائشين الأغرار.
هذه الحادثة التي ذكرتها كما وقعت وحسبما بلغتني هي نتيجة غض النظر عن دعاية الملاحدة في بلادنا، والتضييق على المدافعين عن الإسلام وعقيدته، وقد رأيت المصحف الممزق بعيني في منديل من حرير.
وعندما يرفع الأمر إلى المسؤولين على المحافظة عن الأمن وغيره يكون الجواب: لا تجزعوا من هذه الأعمال، فإنها صدرت من شبان طائشين!!! يقولون هذا - ظاهرا - ولعلهم راضون به باطنا، حتى يستمر الاستهزاء بالدين ومقدسات المسلمين.
ولما نقل خبر المصحف الممزق، والمصحف نفسه إلى المسؤول - قانونا -
стр. 144
وهو وزير الأوقاف آنذاك - العربي سعدوني - عن حماية الدين ورعايته، لم يفعل شيئا ذا بال - بل لم يعمل شيئا أصلا - إنما أنكر ذلك العمل الطائش بالقول فقط ماذا عمل؟؟ - والحادثة ليست بالأمر الهين - قام وقعد، وأبرق وأرعد، وأزبد وهدد - حسبما بلغنا عنه - وقلنا سينتصر للمصحف المهان بعد ما توعد المجرمين بأشد العقاب ... ثم هدأ غضبه وجلس - مرتاحا - على كرسيه الوثير ولسان حاله يردد المثل الشعبي - يا ناس ما عليكم باس - ولعله أمر بالسكوت؟؟؟ ثم سلط غضبه على بعض أئمة المساجد.
٢ - الحادثة الثانية من نوع الأولى وتتلخص فيما يلي: دخل - في نفس السنة ١٩٦٧ - بعض الشبان المفتونون بالأفكار التحررية - كما يقولون - إلى الجامع الأعظم بعاصمة الجزائر، وقصد خزانة المصاحف القرآنية، وتناول واحدا منها وفتحه ورسم على إحدى صفحاته الصليب المعقوف - رمز هتلر النازي - يشير بهذا الصنع إلى أن القرآن فشيستي - حسب الدعاية الشيوعية - وكما هي أقوالهم فيه، فعل هذا وانصرف من غير أن يراه أو يفطن إليه أحد، لأن الملحدين يترددون دائما على خزانة المصاحف للتلاوة، فمن رآه لم يظن فيه غير ما ذكر، وإن تعجب من هذا الصنيع فالعجيب أن الصليب وضع - مصادفة - فوق آية تحث على طاعة الله الحي القيوم والخضوع للقوي العزيز الجبار، وتخبر بخيبة الظالمين، وما درى هذا الجهول معنى الآية التي رسم عليها الصليب المعقوف، إنها آية تشير إلى إجرامه في عمله، والآية هي قوله تعالى ﷻ ﴿وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا﴾ (١) قد رأيت - أيضا - هذا المصحف المرسوم عليه الصليب النازي.
إن المسؤول في الهيئة التي تتزعم - وتحتكر لنفسها - الدفاع عن الإسلام والدعاية له في المحافل الدولية لما بلغه هذا النبأ المزعج كان في شغل شاغل عن تتبع المجرمين - إن كانوا في نظر القانون المدني مجرمين - الذين اعتدوا على أعظم ما يعظمه المسلمون، وله ألف حق في تتبعهم - قانونيا - لو أراد ذلك.
٣ - الحادثة الثالثة - حادثة إحراق المصحف - وقعت في مساء الأحد أول أفريل سنة ١٩٧٣ م في مسجد جامعة الجزائر، حيث عمدت شرذمة ممن لقنوا المبادئ الهدامة ودخلت إلى مسجد الجامعة، في يوم عطلة الأسبوع، وبعد
стр. 145
أن خرج الطلبة إلى شؤونهم الخاصة، دخلت هذه الشرذمة إلى الجامع، وجمعت عددا من المصاحف القرآنية وأشعلت فيها النار، ولما رآى بعض الطلبة الدخان خارجا من نوافذ بيت الصلاة أسرعوا إليها، فوجدوا البعض منها قد احترق والبعض الآخر لا زالت منه بقية، فأطفأوا النار وأنقذوا البقية الباقية من الحريق هذه هي الحادثة ذكرتها كما وقعت حسب رواية الطلبة، وهي ترمز إلى أمور ثلاثة هامة في النظر المصيب.
١ - أولها: ما شعر به الملاحدة من خيبة في مسعاهم الحقير، لهذا صبوا جام غضبهم على المصحف الشريف، وهذا هو عمل الجبناء، يشعرون بالقوة في الظلام، وفي غيبة الأبطال - الشباب الإسلامي - وهؤلاء المجرمون لم يرتكبوا جريمتهم المنكرة لو لم يكونوا مدفوعين إليها بأيد خفية، وبدافع قوى خارج عن نطاقهم الضيق الأفق، ومن غير شك أن يكون المحرض لهم على ما فعلوا خارجا عن وسط الطلاب الجامعي، وقد أذيعت الحادثة وانتشرت بواسطة الطلبة الأبطال - رغم الأوامر التي صدرت بكتمانها وإسدال الستار عنها كأنها أمر تافه لا يستحق الاهتمام والذيوع - انتشرت في جميع الأحياء والمدن والقرى الجزائرية، وتناولها الخطباء في خطبة الجمعة، ولم نسمع عن المسؤول الكبير عن الجامعة أنه فعل شيئا - وقد بلغه خبر الحادثة - كما لم نسمع أنه قام ولو ببحث بسيط عرف به نوع ومصدر هذه الحادثة المفجعة والمفزعة، أو الإهانة التي ألحقت بالمصحف في بيت الصلاة، وفي حرم الجامعة - كما يقولون - بل كأنه لم يقع أي شيء يستحق الاهتمام به، ولم يظهر الجاني - فضلا عن عقابه - حتى يعرف المحرك له من هو .... ؟؟؟؟
٢ - الأمر الثاني، أو المغزى الثاني مما يستنتج من هذه الحادثة هو حنق الملاحدة وغضبهم عن الشباب الجزائري المسلم - عقيدة وعملا - فقد اغتاظ الملاحدة إلى حد كبير من أن يروا جماعة مهمة من طلبة الجامعة يؤمون المسجد للصلاة أو لتلاوة القرآن - وهذا أمر لا يعجب إبليس وأعوانه - فقد تعود هؤلاء الطلبة الأبرار على ترددهم على الجامع، وخاصة يوم الجمعة، حيث يؤمهم إما أحد الأساتذة - متطوعا بالصلاة - في صلاة الجمعة، أو أحد نجباء الطلبة القادرين على الخطبة والصلاة، هذا هو الذي أدخل الحقد إلى قلوب الملاحدة فعملوا ما عملوا، لأن المعروف أن الطلبة أو الشباب الجامعي يتلقون تعليمهم عن معلمين - عفوا - بل دكاترة، يرون أن الدين رجعي وعلامة على