← Общие книги

Общие книги · id 123658

المزدكية هي أصل الاشتراكية

عبد اللطيف سلطاني

Полный текст (287 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.

стр. 211

بين عينيه وبكى، ثم ذهب به إلى أبي بكر وكان جالسا في إحدى نواحي المسجد وأجلسه بينهما وعرفه به ثم قال: - عمر - الحمد لله الذي لم يمتني حتى أراني في أمة محمد ﷺ من فعل به ما فعل بإبراهيم خليل الله ﷺ (١). هذه هي تربية الإسلام القويمة، وقد رأيناها كيف أعطت للإنسان كرامته وأحلته المحل الذي يستحقه في هذه الحياة، لا ألوهية - عبادة - ولا ربوبية - خلق وتكوين - إلا لله الواحد القهار، والبشر كلهم سواء، حاكمهم واحد منهم، بيد أنه أعظمهم مسؤولية، وأثقلهم حملا بل أحمالا، وكم نتمنى لحكام المسلمين أن يتأسوا بأسلافهم العظماء، وأن يترفعوا عن الغرور وتقليد الأعاجم، فيتأسون بهم في أخلاقهم الإسلامية العالية، وفي شعورهم بمسؤولياتهم الثقيلة، حتى لا يغلقوا أبوابهم الحديدية دون ذوي الحاجات والضعفاء منهم، وعند ذلك يأمنون غوائل - الاغتيال - التي يأباها الإسلام وي! هي عنها، ولا يقبلها كيفما كانت الدوافع إلى ذلك، لأنها تؤدي بالمسلمين إلى التفكك والضعف والعداوة وغير ذلك مثلما حدث في الماضي. هذا وقد أخذ الشاعر الكبير: أبو العلاء المعري من تحية أبي مسلم الخولاني لمعاوية بن أبي سفيان ﵄، ذلك المغزى الدقيق في التحية التي لقبه فيها بـ - الأجير - أجير الأمة المحمدية - فنظمها في قطعة شعرية، ولا ينكر هذا المعنى إلا المغرور بنفسه، لأن الواقع أن كل من يعمل عملا في هيئة - ما - أو دولة كذلك، ولو كان هو الملك نفسه أو الرئيس ذاته - مثلا - فهو أجير، لأنه يأخذ أجرة عمله - رئاسة، أو ملك - من خزينة الدولة التي هي للأمة في الحقيقة، فلماذا يأنف إذا لقب بالأجير؟ لعله قد وجد من بين بعض السادة الملوك أو الرؤساء من يتوهم أن الموظفين في أجهزة الدولة التي يتولى رئاستها هم أجراء عنده، وفعلا فقد وجد هذا

стр. 212

النوع في عصرنا الحاضر، فقد بلغني أن أحد الرؤساء تكلم فقال: ألم تروا إلى - فلان - الذي كان يعمل ضدي؟ فها هو الآن يعمل عندي!! والحقيقة التي لا تخفى على أحد تنادي بأن كل من يتولى عملا كيفما كان نوعه في أجهزة الدولة هو أجير عند الأمة، يأخذ أجرة عمله من خزينة الدولة وهي - الخزينة - ملك للأمة، من الملك إلى الشرطي وإلى أبسط عامل، كلهم أجراء يأخذون أجرة عملهم من خزينة الدولة وهي ملك للأمة كما قلنا، فلا ينبغي أن يمن أحد على أحد، ذلك أن الأجير هو الخدام أو العامل الذي يعمل بأجرة، قلت فيما سبق: أن أبا العلاء المعري أخذ من تحية أبي مسلم لمعاوية مغزاها ومعناها فنظمها في قطعة شعرية ذكرها في لزومياته، فصاغها في قطعة شعرية رائعة من شعره المطبوع، تحت عنوان (جور الحكام) فقال، فيما قال: مل المقام فكم أعاشر أمة ... أمرت بغير صلاحها أمراؤها ظلموا الرعية واستجازوا كيدها ... فعدوا مصالحها وهم أجراؤها (١) وفي هذه القصيدة ذمه للدنيا، وللفقهاء والعلماء الذين يصطادون الدنيا بالتظاهر بالعلم والدين، كي ينالوا مرغوبهم منها بالتزلف والتملق والتقرب إلى الملوك والرؤساء، وشبهها تشبيها لا يليق إلا بها وبهم فقال: ووجدت دنيانا تشابه طامثا ... لا تستقيم لناكح أقراؤها (٢) هويت ولم تسعف وراح غنيها ... تعبا وفاز براحة فقراؤها وتجادلت فقهاؤها من حبها ... وتقرأت لتنالها قراؤها (٣) وإذا زجرت النفس عن شغف بها ... فكأن زجر غويها إغراؤها (٤)

стр. 213

الفصل الرابع: الإسلام دين ونظام حياة . إذا قلنا أن الإسلام دين ونظام حياة فهو كذلك، ذلك أن ما في الإسلام من تشريع وأحكام يتناول حياة المسلم في جميع أطوارها، فقد أتاح للمسلم الفرصة لينظم حياته تنظيما صالحا يعود عليه وعلى من يساكنه بالسعادة والراحة فقد رسم له الإسلام ما يجب له وما يجب عليه في حياته الأولى هذه، إذ أمره بأن يكون موحدا لخالقه بحق، لتتحقق بذلك عبوديته - مطيعا لربه الذي لا رب - بحق - غيره، فتكون عقيدته مبنية أساسا على التوحيد، وكذلك عبادته وطاعته فهي لله وحده؟ كما نظم له حياته مع من يعاشره فوق هذه الأرض، بأحكام تجعل منه المواطن الحر الصالح للحياة مع غيره بسلام وطمأنينة ووئام، وتلك هي عين السعادة والراحة. والدين ضروري للبشر - خلافا للجهلة وأشباههم من الملاحدة - لأنه لازم للإنسان، إذ هو فطرة الله التي فطره عليها، فلزمه ذلك، فالذين يحاولون أن يستغنوا عن الدين هم قوم أرادوا أن يخرجوا عن الفطرة، ويتركوا الحق والواقع، ويتبعوا الباطل والهوى، كما جاء في الحديث النبوي الشريف: ((كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يهودانه، أو يمجسانه، أو ينصرانه)). (١) فالدين الحق السماوي من الله، والإنسان مخلوق لله، وهو أعلم بعبده منه هو بنفسه. فالأديان السماوية إنما جاءت لتربية الإنسان وتأديبه وتهذيبه - والإنسان لا يستغني عن التأديب والتهذيب كيفما كان - فيها المأمور به المشتمل على ما يزكي النفس البشرية، ويرتفع بها من حيوانيتها البهيمية إلى الإنسانية العاقلة، وفيها المنهي عنه الذي لا يتفق مع إنسانيته المكرمة بالعقل والإدراك. فالذين أنكروا الدين، ورأوه غير لازم لحياة الإنسان هم قوم من الجهل والغباوة بمكان ... ولو كانوا من أعلم الناس ببعض طرق الحياة، بل ولو كانوا من مخترعي ما يحتار فيه العقل البشري، فهم أجهل الناس بحقيقة أنفسهم؟ فجهل الإنسان بحقيقة نفسه جعله ينكر وجود خالقه، وما تبع

стр. 214

ذلك الاعتراف بالموجود من طاعة وتعظيم وغيرهما، لهذا جاءت الأديان السماوية لتعرف الإنسان المغرور المخدوع بالمظاهر، تعرفه من هو؟ وكيف جاء إلى هذه الحياة؟ وما هي المهمة التي جاء من أجلها؟ فمن تدبر الآيات الكونية، أو تدبر الآيات القرآنية اهتدى إلى حقيقة نفسه وسر وجوده مثل قول الله: ﴿وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا﴾ (١) وقوله: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِالخ ...﴾ (٢) فالذي أنكر الدين أنكر الديان - وهو الله تعالى - والمنكر للدين منكر لوجود الخالق الصانع لهذا العالم، ذلك أنه لا يمكن وجود مصنوع بدون صانع، وهل يتصور الإنسان العاقل المميز وجود شيء مصنوع من غير صانع أوجده؟ فهل يصدق الإنسان العاقل بوجود دار - مثلا - عالية متقنة البناء، ذات طبقات متعددة رافعة رأسها، من الإتقان على جانب كبير، هذه الدار وهي على ما وصفنا وجدت بدون مهندس وضع تصميمها، وبغير بنائين مهرة بنوها، وصنعة ماهرين صاغوها ذلك الصوغ العجيب، في شكل جذاب خلاب، كما وجدت أبوابها وشبابيكها بلا نجار أو نجارين عارفين مهرة صنعوا أبوابها حسب التصميم والذوق السليم، هل يوجد هذا كله من تلقاء ذاته؟ هذا أمر مستحيل لا يصدقه عقل مدرك ... ؟؟؟؟ أن العاقل المدرك إذا وجهت إليه هذه الأسئلة فإنه يبادر بالجواب الصحيح بالبداهة بأن ذلك لا يكون، - وهو وجود الشيء من غير موجد له - أبدا، لأنه مشاهد محسوس، يدرك بالبداهة، فكيف ينكر ذلك قوم أعماهم الجهل عن رؤية وتأمل صنعة الصانع الحكيم، الخالق العليم وهو رب العالمين؟ من المنكرين لوجود الخالق من قال: إن الطبيعة هي التي أوجدت هذا العالم، بمعنى أنه إذا نزل المطر نبت الزرع - مثلا - وجميع الخضر وغيرهما من تلقاء ذاته ... فيقال لهم: (والمطر من أنزله؟ والطبيعة من أوجدها؟) أهي أوجدت ذاتها؟ وهذا أمر مستحيل عقلا، لا يصدقه إلا الأبله الغبي، ولماذا لا تعطينا هذه الطبيعة القمح - مثلا - بدون حرث الأرض، وبذر الحب، والسقي والرعاية؟ فلو اعتمد الفلاح على الطبيعة من غير عمل وعلاج

стр. 215

لخسر لا محالة، فلا تنت له أرضه سوى الحشيش والشوك على أصل خلقتها. أليس ما في هذا العالم من موجودات بكاف لمن تدبر في الدلالة على وجود الله؟ وأكبر آية في الدلالة على وجود الخالق الحكيم هي الإنسان نفسه. ومعه هذا الكون الكبير، قال الله الخالق العليم لتعليمنا وإرشادنا - حتى لا نضل ولا نزيغ: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (١) ﴿فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ﴾ (٢) فإذا أقررنا بوجود الله الله الخالق الحكيم وجبت علينا طاعته وعبادته، كما أمرنا ونهانا بما في شرعه القويم. فالإسلام - وهو دين البشرية كلها ولا دين لها سواه - وضع للعباد منهاجا وطريقا لعبادة الله، كالصلاة والصوم والحج وغير ذلك، وأمر العباد بعبادة الله وطاعته فيما أمر به ونهى عنه، ووعدهم بالثواب والجزاء على طاعته، وأوعدهم بالعقاب على معصيته، سواء أصدق الناس بهذا الوعد والوعيد أم كذبوا؟ ولكنها الحقيقة التي يجب أن تعلم وتذاع، والله سبحانه قال لرسوله: ﴿وَقُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ (٣). فدين الإسلام يزكي النفس ويطهرها من الأرجاس والخبائث، كما قال الله تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ (٤) وقال: ﴿إِنَّمَا تُنْذِرُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَمَنْ تَزَكَّى فَإِنَّمَا يَتَزَكَّى لِنَفْسِهِ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ﴾ (٥) والله الرحيم بعباده لم يكلفهم بما فيه العنت والمشقة التي لا تتحملها النفوس البشرية ولا تطيقها، فكل تكاليف الشريعة الإسلامية - من مأمورات ومنهيات - في طوق البشر واستطاعتهم، وفي هذا يقول الله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ﴾ (٦).

стр. 216

فإذا قيس التشريع الإسلامي بما جاء في غيره من الشرائع يلفى أن ما جاء به الإسلام ميسور وسهل على البشر، وفي حدود الاستطاعة والقدرة. وقد حط عنا ربنا الكثير من التكاليف الشديدة والثقيلة التي كانت فرضت على من سبقنا من الأمم في دياناتها، كاليهود والنصارى، وفي هذا يقول رب العباد للعباد: ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (١) ولكنه الضلال البشري الذي يعمي الأبصار عن رؤية الحق، والبصائر عن الانتفاع بما في هذا العالم من آيات كونية مفصحة ودالة على وجود الصانع القدير. أما أن الإسلام دين فيه نظام الحياة فهو بين وظاهر في تشريع الأحكام، ذلك أن الإسلام نظم للمسلم حياته تنظيما دقيقا ومحكما، وأمره بالعمل بما في هذال النظام الذي وضعه رب العباد، فقد أحاط الإسلام المسلم بما شرعه له بسياج من الفضائل والمحامد بالنظر إلى المهمة التي أنيطت به، والمسؤولية التي ألقيت عليه، فتحملها كأمانة يجب عليه أن يرعاها ويحافظ عليها، فقد رسم له منهاجا بينا واضحا وأمره باتباعه والسير فيه، فأمره بما فيه خيره وسعادته، ونهاه عما فيه شره وشقاؤه، فإذا لم يمتثل لما طلب منه فقد خان العهد، ونقض الوعد، وإذا ساء حاله في حياته، فذلك يعود بالذات إلى سوء سلوكه وبعده عن منهج الإسلام الواجب اتباعه عليه، فقد حث الرسول ﷺ أمته على اتباع ما رسمه الله لعباده - وبلغه هو لهم - فقال: ((قد تركتكم على البيضاء، ليلها كنهارها لا يزيغ عنها بعدي إلا هالك)) (٢) من حديث العرباض بن سارية ﵁ في موعظة الرسول ﷺ أصحابه، تلك الموعظة البليغة التي أثرت فيهم حتى ذرفت منها عيونهم ووجلت منها قلوبهم بعد أن

стр. 217

طلبوا منه أن يعهد إليهم بشيء فقال لهم: قد تركتم الخ ... وقال أيضا ﵊: ((تركت فيكم شيئين لن تضلوا بعدهما: كتاب الله، وسنتي، ولن يتفرقا حتى يردا علي الحوض)) (١). فإذا لم يؤد المسلم فروضه الدينية كلها من صلاة وصيام وغيرهما، وإذا لم يهجر ما حرمه عليه ربه في شرعه، ففيم يظهر إسلامه؟ وإذا لم تطبق حكومات الشعوب الإسلامية قوانين الإسلام فيما يحدث بين المسلمين من خصام ومخالفات ونزاع فكيف ساغ لها أن تجعل مادة في دساتيرها تنص على أن الإسلام دين الدولة؟ في حين أن الإسلام بعيد - ومبعد - تطبيقه في المجتمع الإسلامي، في الأسر والعائلات، وفي الأسواق والمنتديات وفي المحافل ومحاكم القضاة، وما وضعت تلك المادة في الدستور إلا للتلهية أو السخرية بالإسلام، لأن الإسلام كل لا يقبل التجزئة والتقسيم، فإما أن يؤخذ كله أو يترك كله. وما نسمعه أو نقرأه عن وجود مادة في دستور أية دولة من دول الشعوب الإسلامية تنص على أن الإسلام هو دين الدولة من غير عمل بالقوانين الإسلامية. أو بعبارة أوضح من غير تطبيق لما جاء في الشريعة الإسلامية - فكله تضليل وتغطية لا حقيقة عن أعين الشعوب الإسلامية، التي لن ترضى - أبدا - أن تنسلخ أو تسلخ عن دينها الإسلام الذي رضيه لها ربها دينا قيما. فإذا سكتت الشعوب المسلمة عما تراه يخرج بها شيئا فشيئا عن دينها ولم تطالب حكوماتها بتطبيق أحكام الإسلام، وسكتت - أيضا - عما ترى من مخالفات صريحة لنصوص الشريعة الإسلامية - عملا وتطبيقا - فكأنها رضيت بذلك السكوت عما يجري في مجتمعها، فإنها تتحمل - هي الأخرى - قسطها من تبعات ضياع الإسلام في أرضها، وسيأتيها يوم لا تستطيع فيه الكلام، فتكون بسكوتها شريكة لحكوماتها في إهمال أحكام الإسلام، ويكون الجميع مسؤولين عن ضياع الإسلام - لا قدر الله - في أوطانه، وهي ساكتة كأن الأمر لا يعنيها ولا يهمها، إذ من المعروف أن الشعوب الحية - اليقظة - مراقبة دائما وباستمرار لحكوماتها وحارسة لها خوفا من الانحراف والانجراف إلى مهاوي الهلاك والخسران، وإذا جاء ذلك فعلى الجميع.

стр. 218

إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الواجبات المؤكدة على كل مسلم وشعب فيه قابلية لذلك، ولولاهما لما بقي من الدين شيء، فليس في قلب كل مسلم حب واحترام ومكانة للإسلام، وتقدير لشعور غيره. ولو كان هذا لما رأينا الخمور - المنهي عنها شرعا - تباع وتشترى وتصنع وتشرب - علنا وأمام أعين المؤمنين - كما يشرب الماء أو الحليب، ونرى المسلم يحملها إلى بيته كما يصل الحليب أو الزيت أو غيرهما من المباحات شرعا، الجائز استعمالا. إن الإسلام لما بين لنا نظام حياتنا، وحدد لنا الحدود، وأوضح لنا المناهج لكل ذلك، في كل ما له صلة وارتباط بحياتنا - كأفراد وجماعات - لم يهمل أي شيء في هذه الحياة؟ أما ما عساه أن يحدث بحسب الظروف والأحوال فهو موكول إلى أولي الرأي والشأن في جماعة المسلمين، - ومن الخطإ - المتعمد - أن يقول الملاحدة: إن الإسلام لم تكن فيه الأحكام الكافية لكل حادثة ونازلة، والذي جرى به العمل في كل أنحاء العالم أن كل القوانين المدنية معرضة للتبديل والتغيير والنسخ والإبطال. أما الإسلام فأحكامه وقوانينه لا تبدل ولا تغير، فإذا لم يكن نص صريح في نازلة من النوازل فالاجتهاد من العلماء الراسخين في العلم يوجد لها حكما مماثلا لها من الشبيه والمثيل في النصوص الواضحة، وهذا ما جرى للمتقدمين من سلفنا الصالح، فقد قاسوا الفروع على الأصول والأشباه على النظائر من غير أن يحتاجوا إلى جلب أحكام ليست في شريعتهم يتعاملون بمقتضاها. إننا نجد في السنة النبوية - مثلا - أن رسول الله ﷺ بعث الصحابي العالم بالحلال والحرام معاذ بن جبل ﵁ إلى اليمن أميرا وحاكما، وكان على جانب كبير من معرفة الشريعة وأحكامها، ويكفي شهادة الرسول ﷺ فيه، فقد ورد في حديث أنس - المرفوع ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أرحم أمتي بأمتي أبو بكر)) وجاء فيه: ((وأعلمهم بالحلال والحرام معاذ بن جبل)) (١)

стр. 219

عزم معاذ بن جبل على السفر إلى مقر عمله في اليمن دعاه الرسول ﷺ وسلم - كالممتحن له - قائلا: بم تقضي إن عرض لك قضاء؟ قال: قلت، بما في كتاب الله، فقال له الرسول: فإن لم يكن في كتاب الله في قال: قلت، أقضي بما قضى به رسول الله، قال: فإن لم يكن فيما قضى به رسول الله؟ قال: قلت، أجتهد رأيي ولا آلو، قال: فضرب صدري بيده وقال: الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله ﷺ لما يرضى رسول الله)) (١). مما ذكرنا من بيانات - وغيرها كثير - نرى أن الإسلام فيه الحل الكافي لجميع مشاكل الحياة المتجددة، وما تتطلبه حياتنا في حدود العفاف والكرامة البشرية والفضيلة الإنسانية، وهو الحق الذي به يرتفع الإنسان عن درجة بقية الحيوانات. فالإسلام إذن دين ونظام حياة صالح لكل زمان ومكان إذا طبقه المسلمون كما هو، فقد نظم لهم حياتهم، وأبان لهم ما يفعلون وما يذرون مما لا ينكره العقل السليم والطبع الإنساني الصافي من الأمراض والوساوس الشيطانية مع ما فيه من أنواع الطاعات والقربات للخالق العليم، كي يعيش المسلم عيشة السعادة الكاملة في الدنيا والآخرة. وهنا نتساءل: هل في مقدور المسلمين - في العصر الحاضر - أن يحكموا شريعة الإسلام في نظام حياتهم، فلا يخرجون عنها إلى غيرها من النظم التي تخالفها .. ؟؟ الجواب عن هذا السؤال يكون بنعم ... إذا كانوا مسلمين حقا، ويحملون في قلوبهم عقيدة الإسلام، فإنهم يستطيعون أن يطبقوها - روحا ومعنى - بسهولة، أما بدون ذلك فإنهم لا يستطيعون مهما قالوا أنهم مسلمون. الفصل الخامس: من هم المتهوكون ... ؟ ((... فلا تتهوكوا ولا يغرنكم المتهوكون)) من حديث نبوي شريف. ما أكثر التهوك والمتهوكين في وقتنا هذا!!!

стр. 220

التهوك هو التحير، كما جاء في كتب اللغة، جاء في "لسان العرب" للتهوك هذه المعاني: (التهوك: السقوط في هوة الردى، والأهوك والأهوج واحد، والأهوك الأحمق، فيه بقية، وقال الجوهري: التهوك مثل التهور، وهو الوقوع في الشيء بقلة مبالاة وغير روية - والتهوك التحير الخ) والتهوك، أو التهور، أو التحير، معناه عدم الاستقرار على أمر، وهو دليل على قلة الإيمان والجزم بالأمر، والحقيقة أن البعض من المسلمين - إن لم نقل الكثير منهم - قد أصابهم هذا المرض الخطير وهو التهوك والتحير في أمر دينهم، مع أن دينهم - الإسلام - الذي اختاره لهم رب العالمين قد جاءهم بما فيه الكفاية من الإيمان واطمئنان النفوس وراحة البال والضمير. فالمسلم الصادق في إسلامه لا يشك ولا يتحير فيما جاءه من عند الله بواسطة رسول الله محمد ﷺ ، وهو شريعة الإسلام الجامعة لما فيه صلاح الإنسان وسعادته في دنياه وفي أخراه؟ فقد أغناه الله بها عن كل شرع أو تشريع سواها. فلا حيرة ولا تحير، ولا اضطراب ولا تهوك في حياة المسلم الموقن بربه وبدينه وبنبيه. فقد تهوك اليهود والنصارى في أمر دينهم، فأدخلوا فيه وأخرجوا منه ما لم يأذن الله به، فحرفوا وبدلوا وغيروا، ومن هنا جاءهم التهوك والتحير، ودعما لهذا المعنى نورد - كتحذير لإخواننا المسلمين - ما حدث لسيدنا عمر بن الخطاب ﵁ عن حسن نية ورغبة في ازدياد الخير - كما جاءت بذلك الأخبار والآثار: فقد جاء في الأخبار والآثار أن عمر بن الخطاب ﵁ كان له صديق كتابي - يهودي - يزوره بين الحين والآخر، فذهب إليه ذات يوم فوجده يقرأ كتاب التوراة، فأعجبه ما سمعه منه، فطلب إليه استنساخه ففعل وجاء عمر بذلك إلى رسول الله ﷺ فرحا مسرورا بهذه الغنيمة، ولما عرض ما جاء به - قرأ شيئا منه - على الرسول ﷺ ، تغير وجهه الشريف، وقال لصاجه عمر ما قال، وأغلظ له في القول، فانزعج عمر لما رآى من غضب رسول الله ﷺ ، فطلب منه الصفح والعفو، والروايات في هذه الواقعة متنوعة متعددة الطرق، وإن كانت ترجع إلى شيء واحد وهو إنكار الرسول صلى

стр. 221

الله عليه وسلم على عمر ثقته في اليهود الكذبة وتوراتهم المحرفة، وأرشده إلى أن ما في القرآن وشريعة القرآن يغنيه عن كل ما سواهما. فقد روى الإمام أحمد ﵀ بسنده عن جابر بن عبد الله أن عمر بن الخطاب ﵄ أتى النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فقرأه على النبي ﷺ . قال: فغضب وقال: ((أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟ والذي نفسي بيده لقد جئتكم بها بيضاء نقية، لا تسألوهم عن شيء فيخبروكم بحق فتكذبونه، أو بباطل فتصدقونه، والذي نفسي بيده لو أن موسى كان حيا ما وسعه إلا أن يتبعني)) معناه - كما قال أبو عبيدة - أمتحيرون في الإسلام حتى تأخذوه من اليهود؟ وقال الإمام أحمد بسند آخر: جاء عمر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بأخ لي من قريظة فكتب لي جوامع من التوراة ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغير وجه رسول الله ﷺ ، قال عبد الله بن ثابت: فقلت له - لعمر -: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبمجمد رسولا، قال: فسرى عنه الغضب وقال: ((والذي نفس محمد بيده لو أصبح فيكم موسى ثم اتبعتموه وتركتموني لضللتم، إنكم حظي من الأمم، وأنا حظكم من النبيين)). وورد الخبر هذا من طريق آخر فيه شيء من التفصيل، قال عمر: انطلقت أنا فاستنسخت كتابا من أهل الكتاب ثم جئت به في أديم، فقال لي رسول الله ﷺ : ((ما هذا في يدك يا عمر؟)) قلت: يا رسول الله كتاب نسخته لنزداد به علما إلى علمنا، فغضب رسول الله ﷺ حتى احمرت وجنتاه، ثم نودي: (الصلاة جامعة)، فقالت الأنصار: أغضب نبيكم ﷺ ، السلاح السلاح ... فجاءوا حتى أحدقوا بمنبر رسول الله ﷺ ، فقام فيهم خطيبا فقال: ((يا أيها الناس إني أوتيت جوامع الكلم وخواتمه، واختصر لي اختصارا، ولقد أتيتكم بها بيضاء نقية، فلا تتهوكوا ...

стр. 222

ولا يغرنكم المتهوكون)) (١) قال عمر: فقلت رضيت بالله ربا، وبالإسلام دينا، وبك رسولا، ثم نزل رسول الله ﷺ . وجاء في رواية أخرى ذكرها ابن الأثير في كتابه "النهاية في غريب الحديث" قوله ﷺ : ((أمتهوكون أنتم كما تهوكت اليهود والنصارى؟)). والمتأمل في هذه القصة التي تعددت طرق نقلها يدرك ما يرمي إليه الرسول ﷺ من وراء هذا الغضب الذي غضبه على صاحبه عمر ابن الخطاب ﵁ وهو ذلكم المؤمن القوى في إيمانه الغيور على دينه - فالرسول ﷺ يعرف أن اليهود والنصارى بدلوا وغيروا كتابيهما ودينيهما، فهو يخشى أن يتأثر المسلمون من بعده - بما فعله أهل الكتاب قبلهم، فيغيرون هم كتابهم القرآن - وبذلك تكون قد سرت إليهم عدوى أهل الكتاب - اليهود والنصارى - كما يرمي إلى أن القرآن كتاب الله حق لا شك فيه، فلا يليق بالمسلم أن يستبدل به كتابا آخر، فهو كتاب جامع مانع، فيه ما يغني المسلمين ويكفيهم عن غيره، سواء في العقائد، أو في العبادات، أو في التشريع والأحكام، كما أن الشريعة الإسلامية صافية نقية من عقائد الزيغ والضلال، بينة الأحكام، طاهرة من كل الأدناس والأرجاس، شريعة العقل الصافي السليم، لأنها تسير معه ولا تصادمه، فالمسلمون في غنى عن أخذ أي شيء من غيرها، بعدما بان لهم التحريف والتزوير في اليهودية والنصرانية، ثم حلف الرسول ﷺ على أن موسى - الذي أتى بالتوراة - لو كان حيا لا يسعه ولا يكفيه أي شرع ودين إلا الإسلام واتباع محمد ﷺ ، فكيف يليق بالمسلم بعد هذا أن يأخذ شيئا من شريعة محرفة ومزورة؟ وهذا المحذور الذي حذر منه الرسول ﷺ صاحبه عمر - الحريص على كسب الخير - قد وقع فيه المسلمون بعد أعصر الإسلام الأولى الطاهرة النقية، فقد أهملوا القرآن - تشريعا، واتباعا، واعتبارا - وأبدلوا به غيره من تشريع البشر، فسلبوا ما كانوا فيه من عز وسيادة وهيبة،

стр. 223

فلو درسوا القرآن كما درسوا غيره من القوانين الوضعية والأعراف الدولية لما تنكبوا عن صراط الله السوي. ومما يناسب المقام أن نذكر هنا بعض ما جاء في بيان فضل القرآن ومكانته، من التنويه بشأنه ولفت النظر إليه، في ذلك قول الله ﷻ : ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾. ذكر ابن جرير الطبري في تفسيره لهذه الآيات الثلاث من سورة يوسف ﵇ قال: مل أصحاب رسول الله ﷺ ملة فقالوا: يا رسول الله حدثنا، فأنزل الله : ﴿اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا الخ﴾ (١) ثم ملوا ملة أخرى فقالوا: يا رسول الله حدثنا فوق الحديث ودون القرآن، يعنون القصص، فأنزل الله: ﴿الر تِلْكَ آيَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ﴾، قال: فأرادوا الحديث فدلهم على أحسن الحديث، وأرادوا القصص فدلهم على أحسن القصص، وزاد من طريق آخر، فأنزل الله: ﴿أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ﴾ (٢). فلنتأمل هذا التوجيه الرباني الذي وجه إليه أصحاب رسول الله ﷺ والمسلمين عامة، إذ قال لهم: إن لكم في القرآن - كلام الله - ما تزيلون به مللكم وسآمتكم، قصص واقعة لا خيال فيها، فيها العبرة بما حدث في القرون الخوالي، فمنها تأخذون الدروس الكافية لكم في حياتكم - والحياة كلها دروس - عما حدث للأمم السابقة التي أعرضت عن شرائع الله ونبذت أحكام دينه، وكذبت رسله - وتهوكت - وتحيرت في أمرها، كيف كانت عاقبة أمرها؟؟ حقا لقد كانت عاقبة أمرها خسرا، ذلك أن في القصص الصادقة عبرا جليلة عظيمة، ولهذا قال الله لرسوله محمد ﷺ : ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ

стр. 224

بِهِ فُؤَادَكَ وَجَاءَكَ فِي هَذِهِ الْحَقُّ وَمَوْعِظَةٌ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ﴾ (١) وقال تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ فِي قَصَصِهِمْ عِبْرَةٌ لِأُولِي الْأَلْبَابِ مَا كَانَ حَدِيثًا يُفْتَرَى وَلَكِنْ تَصْدِيقَ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ وَتَفْصِيلَ كُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ﴾ (٢) هذا هو القرآن الذي ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾ (٣) وهذا هو أثره وتأثيره في النفوس المؤمنة المطمئنة لا تهوك فيها ولا اطراب ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾. وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره لهذه الآية، ذلك لأن لغة العرب أفصح اللغات وأبينها وأوسعها وأكثرها تأدية للمعاني التي تقوم بالنفوس، فلهذا أنزل أشرف الكتب بأشرف اللغات، على أشرف الرسل بسفارة أشرف الملائكة، وكان ذلك في أشرف بقاع الأرض، وابتدئ إنزاله في أشرف شهور السنة وهو رمضان، فكمل من كل الوجوه. اهـ. فهل يليق بالمسلم الصادق أن يترك القرآن ويلغي أحكامه؟ وهو الذي أحاط به الشرف من كل جانب، وهو حبل الله المتين، ويتشبث بخيوط هي أوهى وأضعف من خيط العنكبوت، كما هي معرضة في كل وقت وحين للتغيير والتبديل. إن المتتبع لما جرى ويجري في بعض الأوطان العربية الإسلامية من صدود وإعراض عن كتاب الله القرآن وإهمال لما فيه من أحكام هي عين الحق والعدل، وترك لشريعة الله وتعويضها بقوانين البشر الكفرة - ليدرك مدى السقوط والضلال، والهوة السحيقة التي وقع فيها بعض "المتهوكين" ممن يسمون أنفسهم مسلمين - وما هم في الحقيقة بالمسلمين - لأن الإسلام لا يكتفي - من المسلم - بالانتساب إليه فقط قولا بلا عمل، فالإسلام رفع شأن العرب الأوائل بالعمل به إلى أن جعلهم قدوة حسنة لمن هم في زمانهم من الشعوب ولمن جاء بعدهم من الأمم. فجاء من بعدهم قوم من ذريتهم أضاعوه ونسوه، فلم يقيموا له وزنا

стр. 225

ولم يرعوا له حرمة، كما قال رب العالمين: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ غَيًّا﴾ (١) وذلك لخلو قلوبهم من نوره، وغفلتهم من أسرار تشريعه، وصاروا يأنفون من الانتساب إليه بأفعالهم وأقوالهم، وراحوا يبحثون في - قمامات - الشعوب غير المسلمة - التي ليس لها تاريخ مثل تاريخهم - يلقطون من فضلات فتات موائدهم القذرة ما يتوهمون أنه خير لهم وأفضل مما جاءهم به الإسلام العظيم في تشريعه وإصلاحه للأوضاع البشرية، فزاد شقاؤهم، واتسع بلاؤهم، وعمت الفوضى جموعهم كبارهم وصغارهم، عامتهم وخاصتهم رؤساءهم ومرؤوسيهم - إلا من رحم ربك وقليل ما هم - فتهوكوا وتحيروا في أمرهم، وهذا ما حذر منه الرسول ﷺ صاجه عمر بن الخطاب ﵁، فصاروا: لا هم بالمسلمين الصادقين، ولا هم بالكافرين الجاحدين .... ؟؟؟؟ هذا الخلف لا شك أنهم قوم من أبناء جلدتنا، تعلموا في غير معاهد المسلمين، فسولت لهم نفوسهم أنهم بلغوا درجة الكمال العقلي، فهم في غنى عن الدين وأحكامه، فأول شيء بدأوا به هو الانسلاخ من دينهم وتاريخهم، ولم يكتفوا بهذا بل ضموا إليه احتقار كل ما هو من سمات الإسلام والمسلمين، من تكاليف شرعية، وأخلاق دينية، وألفاظ عربية، وعادات وطنية، فانكشف أمرهم عن تهوك وحيرة واضطراب. وأولئك قوم آخرون - منهم - نقلوا إلى أمتهم المسلمة شعارات ومبادئ هدامة، هدمت ما بناه سلفهم الصالح، من فضائل ومكرمات، وهدمت العقائد الإسلامية والأخلاق المرضية، وتلك المبادئ هي من صنع اليهود المجرمين، فاشتركوا معهم في الجريمة والفساد من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فهم متهوكون متحيرون متهورون وقعوا فيما ذهبوا - بأمتهم - إليه بقلة مبالاة. وإلى جانب آخر رأينا بعض البلدان العربية الإسلامية قد منحها الله خالق الكون ومدبره، نعمة عظيمة جليلة، لها وزنها وقيمتها في هذه الحياة.

стр. 226

كما لها وزنها في الغنى والاستغناء بها عن الغير، تلك هي نعمة "كنوز الغاز والبيترول المدخرة في طبقات الأرض" فلم يرعوا نعمة الله حق رعايتها، واستعانوا بها على معاصي الله، من خمر، وفجور، وفسق، وغير ذلك كظلم العباد والكبير على عباد الله، وصدق الله في قوله ﴿إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾ (١) هذا والعدو اليهودي فوق أنوفهم - مواقع عزهم - ماسك بخناقهم، جالس فوق أكتافهم، ركبهم كما يركب صاحب الحمار حماره، يهمزه بالمهماز، ويسوقه بالعصا إلى حيث يشاء ويريد، فضيق عليهم موارد رزقهم، وأخرجهم من ديارهم وأموالهم، وهم إلى جانب هذا الذل المحدق بهم لم يستيقظوا من نومهم وغطيطهم، وإذا استيقظوا هرعوا إلى مجالس (الأمم المتحدة) .. - وكأنها اتحدت ضدهم - - وهي من أسباب محنتهم وشقائهم - أسرعوا إليها يبكون ويشتكون - شأن الأطفال الصغار - وهم منهم يسخرون ومن تهوكهم يضحكون، هذا شأنهم كلما مسهم ضر اليهود - أو طاف بهم طائف من ربك وهم نائمون - فلو رجعوا إلى العمل بدينهم الذي رفع من شأن أسلافهم وأنابوا إلى ربهم - وتركوا هذه المزدكية العصرية - لأعانهم على كشف ما مسهم من الضر فيقوى إيمانهم بربهم وبأنفسهم، ومنه يأخذون عدتهم وقوتهم. فالعرب اليوم قد اشتغلوا ببعضهم - أو قل بكراسيهم - وتركوا عدوهم يمرح ويلعب في ديارهم بأرواحهم، وفوق تراب أرضهم، وإذا رفع منهم نذير صوته منذرا بالخطر الداهم المدلهم نفوه أو سجنوه - أو شنقوه - ليستريحوا من صوته، بدعوى أنه أحدث شغبا أو أراد أن يحدث انقلابا ليستولي على السلطة أو على كرسي الحكم. فهم كما قال الفرزدق: يستيقظون إلى نهاق حميرهم ... وتنام أعينهم عن الأوتار حقا، لقد نامت أعين العرب عن الأخذ بثأرهم من عدوهم، فلم تكن بهم قوة لذلك، ولم تبق في قلوب أعدائهم هيبة منهم، ولا رعاية لحقهم، ومع هذا البلاء العظيم فهم لا زالوا - العرب - يمرحون ويلعبون، ويسودون بياض ورق الصحف بالتصريح تلو التصريح، وقد نسوا ما كان يقوله المظلوم من أجدادهم العرب الأحرار، فقد كان يقول الواحد منهم

стр. 227

إذا ظلم، أو قتل له قتيل، أو سيقت إبله بغيا وعدوانا - كما هي عادتهم في القديم - كان يقول: الطيب أو الغسل علي حرام حتى أثأر لنفسي ممن ظلمني، أما أحفادهم فقد مسهم الذل والمسكنة من كل جانب، فسكتوا ولم يثأروا لأنفسهم، بل ما إن توقفت مدافع اليهود وطائراتهم عن دك ونسف دورهم وحصونهم والاستيلاء على أراضيهم حتى هرعوا - مسرعين - إلى دور السينما والرقص والتمثيل، كأنهم كانوا في جولة للتفسح والنزهة ونسوا كل ما نزل بهم في ساعات قليلة. قالوا: إن أمريكا - القوية - في عون اليهود، ونحن ضعفاء لا حول لنا ولا طاقة بحرب أمريكا، فنقول لهم: إن رب أمريكا أقوى منها - إن كنتم مؤمنين به - فلو أطعتموه وعملتم بدينه لصرف عنكم أمريكا وإعانتها لليهود - رحمة بأوليائه وأنصار دينه - ولكنكم عصيتموه ونبذتم دينه فسلط عليكم من قهركم واستباح حماكم - والكفر كله ملة واحدة - فـ (لا تتهوكوا، ولا يغرنكم المتهوكون). وأذكر بهذه المناسبة ما قاله الرجل العالم العامل الشجاع المرحوم الشيخ عبد الحميد ابن باديس ﵀ رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لرئيس وزراء فرنسا: دلاديي، عندما ذهب مع الوفد النيابي الجزائري إلى باريس ليطالب بحقوق الشعب الجزائري، فلما كان الوفد في مكتب الرئيس دلاديي وقدموا له مطالب الشعب الجزائري، رد عليهم مطالبهم ردا غير لائق، وفي الرد شيء من التهديد والوعيد، فقال مخوفا لهم: (إن فرنسا عندها مدافع طويل يصل إلى كل مكان ...) فسكت عنه النواب المثقفون ثقافة فرنسية، وكان فيهم المحامي والطبيب وغيرهما، فلم يستطع أي واحد منهم أن يرد عليه قوله بمثله غير الشيخ عبد الحميد ابن باديس العالم الديني الشجاع - والعلماء الآن ينعتون بالرجعيين من طرف ... - إذ رد عليه تهديده بقوله الدال على قوة إيمانه بربه، فقال له: (إن مدفع ربي أطول من مدفع فرنسا ...) فتأثر رئيس وزراء فرنسا وسكت، مما قاله الشيخ وهكذا كان الأمر، وصدق ما قاله الشيخ المؤمن بربه وحده، فلم تمر سوى مدة يسيرة من الزمن حتى قامت الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ - ١٩٤٥) فكانت فرنسا أول دولة هزمت وانهزمت فيها، ولم ينفعها مدفعها الطويل، كما قال رئيس وزرائها، غير أنه لم يدرك هزيمة فرنسا القوية بمدفعها

стр. 228

الطويل، فقد مات الشيخ رحمة الله عليه بعد زوال يوم الثلاثاء ٨ ربيع الأول ١٣٥٩ هـ، الموافق لـ ١٦ أفريل - نيسان - سنة ١٩٤٠، وفرنسا ألقت السلاح في جوان - حزيران - ١٩٤٠، أي بعد شهرين فقط من وفاته. ألقت - فرنسا - السلاح في حرب لم تمكث سوى خمسة أيام فقط، وسقطت من علوها وجبروتها، وانهزمت شر هزيمة في التاريخ، ثم جاء مدفع الجزائر - القصير - في ثورة التحرير، فحرر الجزائر من الاستعمار الفرنسي صاحب المدفع - الطويل - وأخرجه منها إلى غير عودة إن شاء الله. سقت هذه الواقعة للذكرى - لا غير - والذكرى تنفع المؤمنين. إن طريق خلاص العرب مما وقعوا فيه لا زال واضح المعالم غير موصد ولا مسدود، وهو يكمن في العودة إلى النبع الصافي من كل الأكدار، إلى الشريعة الإسلامية الطاهرة المطهرة، وذلك بنبذ ما جلبوه - بعد ما جربوه - من أوطان لا تدين بدينهم "كالاشتراكية المزدكية الملحدة"، أما وهم ما زالوا في شك من أمرهم وتهوك - تهور - في شأنهم فهيهات منهم النصر على عدوهم هيهات ... وهذه كلمة صريحة - أو نصيحة - في هذا المعنى لأمير المؤمنين عمر ابن الخطاب ﵁ مرشدة إلى ذلك، فالواجب على كل مسلم أن يدرسها بعناية بالغة ويضعها نصب عينيه - وخاصة قادة العرب وزعماءهم - إن أرادوا النصر على عدوهم والتغلب على خصومهم - والمسلم لا يخلو من أعداء وخصوم - وهي تتلخص في تقوى الله والعمل بشرعه، والخوف من الذنوب والمعاصي أكثر من الخوف من العدو، كما جاء في رسالته إلى قائد جنده سعد بن أبي وقاص ﵁، فقد قال عمر لسعد في تلك الرسالة: (أما بعد: فإني آمرك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة على العدو وأقوى المكيدة في الحرب، وآمرك ومن معك أن تكونوا أشد احتراسا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجيش أخوف عليهم من عدوهم، وإنما ينصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، ولولا ذلك لم تكن لنا بهم قوة، لأن عددنا ليس كعددهم،

стр. 229

ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننصر عليهم بفضلنا لم نغلبهم بقوتنا. واعلموا أن عليكم في مسيركم حفظة من الله، يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا إن عدونا شر منا فلن يسلط علينا - وإن أسأنا - فرب قوم سلط عليهم شر منهم، كما سلط على بني إسرائيل - لما عملوا بمساخط الله - كفار المجوس، ﴿فَجَاسُوا خِلَالَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا﴾ واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه العون على عدوكم، أسأل الله تعالى ذلك لنا ولكم) (١) إلى آخر ما في هذه الرسالة من حسن التوجيه والنصح والإرشاد، وذلك ما يجب أن يطلع عليه - ويحفظه - كل من اضطلع بأمر من أمور المسلمين، من القادة وغيرهم. فالعرب - المسلمون - ما داموا منحرفين عن منهج شريعتهم البين الواضح لا يطمعون في النصر على اليهود أو الأمريكان أو غيرهم، بل ما ينتظرهم إلا الهزائم تلو الهزائم، فلو أطاعوا ربهم وعملوا بدينهم لصرف عنهم اليهود والأمريكان الذين أمدوهم بكل قوة ممكنة، أما والعرب يذهبون إلى الميدان بغير عقيدة، وكثيرا ما كانوا مزودين بغير ما يرضاه الإسلام ولا رب العالمين، فمن أين يأتيهم النصر وهم في حالة عصيان وشر وفساد ... ؟؟؟ فعمر بن الخطاب ﵁ الذي نهاه الرسول ﷺ عن أخذ شيء من اليهود - كما سلف - كالتوراة المحرفة - قد استفاد من هذا الدرس القاسي الذي تلقاه من الرسول، وقد اعتمده في حياته كلها، وفي زمن خلافته بالخصوص، لم يرض للمسلمين أن يعتمدوا على ما عند أهل الكتاب، ولا ننسى قضية الكاتب - الكتابي - الذي اتخذه أبو موسى الأشعري ﵁ لضبط ديوانه، ذلك الذي لم يأذن له عمر بالدخول إلى المسجد ليقرأ عليه ما كتبه وضبطه، وكتب إليه في رسالة لما بلغه عنه ذلك: (مات الكتابي) ولم يزده على هذا، فالمعنى الذي يعطيه هذا اللفظ: هو الاستعداد لتكوين من يقوم بأمورنا من غير

стр. 230

أن نعتمد على غيرنا، فكأنه قال له: لنفرض أن الكتابي مات فكيف تفعل؟ كل ذلك منه ليجعل المسلمين يعتمدون على أنفسهم، ولا يعتمدون على غيرهم، ﵁ ما أشد حرصه على استقلال المسلمين بأنفسهم، وتحريه للطوارئ قبل وقوعها، كما لم يرض لهم بأخذ شيء من غير القرآن. فقد ذكر ابن كثير ﵀ في تفسيره لأول سورة يوسف ﵇: أن عمر بن الخطاب ضرب بعض الناس لأنه استنسخ بعض ما في كتاب اليهود، فاستحضره عمر وأمره بمحو ما كتبه، وقال له: انطلق فامحه بالحميم والصوف الأبيض، ثم لا تقرأه ولا تقرئه أحدا من الناس، ولئن بلغني عنك أنك قرأته أو أقرأته أحدا من الناس لأنهكنك عقوبة، ثم قال له: اجلس، فجلس بين يديه، وقص عليه ما جرى له هو مع رسول الله ﷺ . إن الأمة الإسلامية قد أصابها ما أصاب غيرها من الأمم السابقة، فاتبعت سبيلها شبرا بشبر وذراعا بذراع، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق، ﷺ ، وما أخبر به إلا لتجتنب أمته ما وقع لتلك الأمم السابقة، حتى لا تقع في مثل ما وقعت فيه تلك الأمم. فهل في دروس الماضي ما يجعلنا نتعظ ونعتبر، فنعود إلى شريعة الله - الإسلام - وإذا عدنا إليها عاد إلينا عزنا وما سلب منا؟ أو إننا ما زلنا غافلين عن ذلك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللَّهُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلَا مَرَدَّ لَهُ وَمَا لَهُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَالٍ﴾ (١). نسأل الله تعالى أن يلهمنا رشدنا وأن يحفظنا من الزلل، وأن يزيل عنا ما نزل بنا، وأن يهدينا إلى العودة إلى صراطه المستقيم، صراط الذين أنعم عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين. الفصل السادس: اعتراف جاسوس فرنسي، قال: "إن الإسلام دين المحامد والفضائل ". ذكرت فيما سبق (في الفصل الخامس من الباب السادس: من مكائد

стр. 231

اليهود واغترار المسلمين بالمظاهر)، إن المسلمين اغتروا كثيرا بمن تظاهر لهم بالدخول في الإسلام ليفسد عليهم أمر دينهم، ومنهم اليهودي المسمى (عبد الله بن سبأ) والملقب بـ "ابن السوداء"، ووعدت بأني سآتي بكلمة مما كتبه الجاسوس الفرنسي المسمى (ليون روش) عن الإسلام وما فيه من الفضائل والحلول للمشاكل التي تواجه الإنسان في حياته، وما لمسه في المسلمين من إهمال لهذه القوة الباهرة. ووفاء بالوعد أذكر هذه الجمل التي كتبها الجاسوس المذكور، وفي ذلك ما فيه من العبر لمن أراد أن يعتبر منقولة عن كتيب (الحديقة) الذي جمعه الداعي الإسلامي الشيخ محب الدين الخطيب ﵀ قال: (ندبت الحكومة الفرنسية في القرن الماضي "ليون روش" ليكون جاسوسا على الأمير عبد القادر الجزائري، وأوعزت إليه أن يتظاهر عنده بالإسلام، وأن يتوصل إلى أن يكون موضع ثقته ومحل أمانته، ففعل ذلك ونجح، وأقام في ديار المسلمين ثلاثين عاما، تعلم في أثنائها اللغة العربية وفنونها، والإسلام وعلومه، واختبر الأوطان الإسلامية المهمة: الجزائر، وتونس، ومصر، والحجاز، والقسطنطينية، ثم ألف كتابا أسماه (ثلاثون عاما في الإسلام)، قال فيه معترفا بما عمله، وبما فهمه من الإسلام، ومتحدثا عن نفسه: (اعتنقت الإسلام زمنا طويلا لأدخل عند الأمير عبد القادر دسيسة من قبل فرنسا، وقد نجحت في الحيلة، فوثق بي الأمير وثوقا تاما، واتخذني سكرتيرا له - فوجدت هذا الدين - الذي يعيبه الكثيرون منا - أفضل دين عرفته، فهو دين إنساني، طبيعي، اقتصادي، أدبي، ولم أذكر شيئا من قوانيننا الوضعية إلا وجدته مشروعا فيه، بل إنني عدت إلى الشريعة التي يسميها "جول سيمون" الشريعة الطبيعية فوجدتها كأنها أخذت من الشريعة الإسلامية أخذا، ثم بحثت عن تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين فوجدته قد ملأها شجاعة، وشهامة، ووداعة، وجمالا، وكرما، بل وجدت هذه النفوس على مثال ما يحلم به الفلاسفة من نفوس الخير والرحمة والمعروف، في عالم لا يعرف الشر والكذب، فالمسلم بسيط لا يظن بأحد سوءا، ثم هو لا يستحل محرما في طلب الرزق، ولذلك كان أقل مالا من الإسرائيليين ومن بعض المسيحيين. (ولقد وجدت في الإسلام حل المسألتين اللتين تشغلان العالم طرا، الأولى

стр. 232

في قول القرآن: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ فهذا أجمل مبادئ الاشتراكية، والثانية في فرض الزكاة على كل ذي مال، وتخويل الفقراء - بواسطة ولي الأمر المسلم - حق أخذها غصبا إن امتنع عن دفعها طوعا، وهذا دواء الفوضوية. إن الإسلام دين المحامد والفضائل، لو أنه وجد رجالا يعلمونه الناس حق التعليم، ويفسرونه تمام التفسير، لكان المسلمون اليوم أرقى العالمين وأسبقهم في كل الميادين، ولكن وجد بينهم شيوخ يحرفون كلامه، ويمسخون جماله، ويدخلون عليه ما ليس منه، وإني تمكنت من استغواء بعض هؤلاء الشيوخ في القيروان، والإسكندرية، ومكة، فكتبوا إلى المسلمين في الجزائر يفتونهم بوجوب الطاعة للفرنسيين، وبأن لا ينزعوا إلى الثورة، وبأن فرنسا خير دولة أخرجت للناس، وكل ذلك لم يكلفني سوى بعض الآنية الذهبية (١) انتهى كلام ليون روش. والمتأمل في هذا الاعتراف التلقائي المقرون بالثناء على ما جاءت به الشريعة الإسلامية للمسلمين من قوانين عادلة قادرة على حل مشاكلهم، يدرك أمرين اثنين: أولهما: انخداع المسلمين بالمظاهر الخارجية - وهذا راجع إلى طهارة قلوبهم من سوء الظن - كما قلت هذا سابقا وكما شهد بهذا هذا الجاسوس الفرنسي، من غير بحث عميق وترو في العلاقات الفردية والجماعية والدولية والظروف المحيطة بهم، وكم جر مثل هذا عليهم من ويلات ومصاعب ومتاعب تجرعوا مرارتها أحقابا وأحقابا، وقد أمر الله المسلمين بأخذ الحيطة والحذر من عدوهم حتى لا يخدعوا، قال الله تعالى: ﴿وَخُذُوا حِذْرَكُمْ﴾ (٢)، فمن الحزم واليقظة ألا يركن المسلم إلى من لا يعرفه بسهولة، ولكن كثيرا ما يقع مثل هذا للمسلمين، فينخدعون من جهة الإيمان، وقول الرسول ﷺ شاهد على ذلك، فقد قال: ((المؤمن غرم كريم٤ والفاجر - وفي رواية والمنافق - خب لئيم)) (٣) وليس معنى

стр. 233

هذا أن المسلم أبله مغفل، بل هو من الإيمان، فالمؤمن يظن بغيره خيرا - يزن غيره بميزان نفسه المؤمنة الطاهرة من الكذب والنفاق - وذلك بحسب إيمانه، والفاجر أو المنافق يتوقع دائما الشر بالقياس على نفسه الشريرة، وأنشد نفطويه في هذا المعنى: إن الكريم إذا تشاء خدعته ... وترى اللئيم مجربا لا يخدع ونقل عن عمر بن الخطاب المشهور بالحزم والحذر قوله: (لست بخب، والخب لا يخدعني) (١). وثانيهما فهم بعض الأجانب - عن الإسلام - لمحاسن الإسلام وفضائله، فأثنوا عليه - بعدما درسوه - ووجهوا النقد واللوم للمسلمين الذين لم يعملوا به ليتخلصوا بواسطته من الشرور والموبقات والتأخر، لم يفعلوا هذا وطلبوا علاج ما هم فيه من تأخر وانحطاط في غيره، فلم يزدادوا إلا بعدا عن حل مشاكلهم، وتوغلا في الفوضى والاضطراب، والمسؤولية الكبرى والعظمى يتحملها علماؤهم، وأمراؤهم، ورؤساؤهم، وزعماؤهم، فهم الذين استبدلوا لهم الطيب بالخبيث، والصحة بالمرض، والحق بالباطل، والنصح بالغش، والصدق بالكذب، فهم كما قال موسى لبني إسرائيل: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾، (٢) ذلك أن الله تعالى أكرمهم - في أرض التيه - بالمن والسلوى - خير الطعام وأفضله - فسألوه - بواسط، موسى - أن يرفعه عنهم ويعوضه لهم بالثوم والبصل والعدس الخ. فنرى المسلمين لذلك قد طال بلاؤهم، وكثر شقاؤهم - ولا زال يطول ويكثر - وطمع فيهم أضعف أعدائهم، ورؤساؤهم في خصام، وزعماؤهم في نزاع وتطاحن من أجل المناصب والكراسي الوثيرة، يتنازعون عن كراسي السلطة والحكم - وهم مرضى بحب الزعامة، والرئاسة، والسيطرة - فمن محاولة انقلاب فاشلة على حكومة قائمة، إلى انقلاب ناجح - إلى حد ما - ومن محاولة اغتيال أو قتل سياسي - للتوصل إلى السلطة - خائبة إلى أخرى صالحة وناجزة، فاليوم فلان جالس على كرسي الوزارة - مثلا - والشرطة تحرسه، والجنود يحيونه، والباب يقرع عليه بلين ورفق،

стр. 234

والرغبات تقدم إليه وتطرح للبحث، والتحايا والهدايا تصل من القريب ومن البعيد، فلا يمضي عليه من الوقت إلا قليل على ذلك، إلا والحال معكوسة، فلان الرئيس أو الوزير مكبل في السلاسل، ومودع في سجن مظلم، أو مبعد محروس بشرطة كانت بالأمس القريب تؤدي له التحية بإجلال واحترام، وتتقرب إليه ليرضى عنها، أو مطرود إلى خارج الوطن، أو فر هاربا إلى إحدى الدول، فصار لاجئا - سياسيا - ربما كانت تلك الدولة عدوة له بالأمس القريب، واليوم يلتجئ إليها تاركا وطنه، وإذا بالنقائص والعيوب - عيوب كانت بالأمس محاسن - تنشر وتذاع، والعرض ممزق ملوث بعدما كان مصونا محفوظة كرامته، هو وحده عنده مفتاح الخلاص، وهو الفارس المجلي في هذه الحلبة، وهكذا دواليك، فكأنه جاء إلى هذا المنصب أو ذاك أو جيء به ليقضي فترة من الزمن (تدريبية) كما يفعل بصغار الموظفين، أو كأن حكام المسلمين اليوم مثل الحفظة من الملائكة، لا في الطهر والطاعة لله، بل في التداول والتعاقب على المناصب، كما قال ﵊ في الحفظة الكرام الكاتبين: ((يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار)) (١) فلا استقرار على كرسي ولا اطمئنان على مستقبل، ولا بقاء على حال، فهم كما قيل - ما سلم حتى ودع - نعم هذا شأن الدنيا من قديم الزمان، غير أن ما يحدث هي وقتنا هذا فاق - بكثير - ما كان يحدث في سالف الزمان، وذلك راجع لما قلناه من النزاع والخصام وحب السيطرة الموجودة في رؤساء المسلمين وحكامهم، من غير نظر لمصالح الشعوب، فليكن في هذا العبرة البالغة لذوي الأبصار ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾ والدوام لله وحده، والملك لله الواحد القهار. كل هذا الاضطراب دليل على أن البناء غير راس على قواعد سليمة ومتينة بل على أسس مزيفة وملفقة غير منظور فيها إلى الكفاءات - مع مراعاة الماضي النزيه - بل قد يكون الاختيار للوظائف مراعى فيه الصداقة والصحبة من زمن الصغر - مثلا - واللعب، وقد تكون مبدية على مبادلة المنافع، انفعني أنفعك، كن في عوني أكن في عونك، لهذا ساء الحال - ولعل - والمآل أيضا.

стр. 235

فإذا أراد حكام المسلمين الخير والراحة لهم ولشعوبهم وأممهم، فما عليهم إلا أن يقلعوا عما أوصلهم إلى هذا الاضطراب، وأن يعودوا إلى ما كان عليه سلفهم - الصالح - من التمسك بحبل الله الإسلام الذي اختاره لهم ربهم وارتضاه لهم دينا قيما، وأن يعملوا على تطبيقه في أحكامه وتشريعه المبني على الصدق والحق والنزاهة والطهر، فإذا عادوا إليه - عملا وتطبيقا وحماية ودفاعا - عاد إليهم مجدهم الضائع، ومنيتهم الحقة - لا المزيفة - وقوتهم، وهيبة عدوهم منهم، وكان الله معهم في كل وقت وحين، فإذا رجعوا إلى الدين ونبذوا الاشتراكية المزدكية، فقد سلكوا طريق الخلاص مما نزل بهم، والتوفيق من الله. الفصل السابع: مأساة اليمن . في سبيل من هذه الخلافات بل الحروب المشؤومة التي يعاني منها ومن ويلاتها إخوتنا - في الإيمان - في بلد ما - كاليمن مثلا -؟؟؟ إنها في سبيل الاستيلاء على الحكم كما قلت هذا سابقا من قريب، لا أكثر ولا أقل، - ولعلها أيضا في سبيل الاشتراكية - فزعيم يطرد زعيما، وقائد يزيل قائدا ليحل مكانه، والشعب اليمني المسكين يعاني ما يعاني من تخريب وتهريب، وتشتيت لقواه، والأجانب عن الإسلام يضحكون ويسخرون - ﴿وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ﴾ - ويبيعون للإخوة أبناء الوطن الواحد، والدين الواحد، واللغة الواحدة آلات الدمار والفتك والتخريب، والشعب اليمني في حاجة إلى المدارس لتعليم أبنائه، والمصانع لسد حاجاته، والمستشفيات وتعبيد الطرق وغير ذلك مما يعود نفعه وفائدته إلى أبناء الشعب اليمني، فإذا تسلح فللأعداء لا إلى الأشقاء، فما كادت أقدام المستعمرين الإنكليز تزايل تراب الوطن حتى بدرت بوادر الخلافات السياسية تلوح من بعيد تنذر بالشر، وظهرت آثارها مكشوفة بعد أن كانت مستورة إلى حين بستار السياسة الملعونة، كل ذلك من أجل الكرسي. فلو حكم المتنازعون الإسلام وقوانينه العادلة، وردوا أمرهم إلى الله ورسوله كما يأمرهم بذلك القرآن لنجوا مما هم فيه: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ

стр. 236

ذَلِكَ خَيْرٌ﴾ (١)، لو فعلوا ذلك لاستراحوا من كل هذا العناء والتعب، ألم يقل لهم رسول الله ﷺ : ((كل المسلم على المسلم حرام، ماله، وعرضه، ودمه، حسب امرئ من الشر أن يحقر أخاه المسلم)) (٢) فهذه هي الوحدة الحقيقية التي يجب أن تكون في قلب كل مسلم لا غيرها، وحدة تجعل المسلم يحترم حقوق أخيه المسلم، فلا يؤذيه ولا يعاديه، ولا يعين عدوه عليه، وأحرى فلا يقتله أو يعين على قتله، أو يظهر الشماتة بما يصيبه من مكروه، ألم يقل للمسلمين رسولهم محمد ﵊ ((إذا التقى المسلمان بسيفهما فقتل أحدهما صاحبه فالقاتل والمقتول في النار، قيل: يا رسول الله هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: إنه كان حريصا على قتل صاحبه)) (٣). وبمناسبة الكلام على اليمن وما دار ويدور فيه بين الإخوة الأشقاء في العهد الأخير، تذكرت ما كان وقع بين الملكين العربيين المرحومين: الملك عبد العزيز آل سعود ملك الحجاز، والإمام يحيى حميد الدين إمام اليمن، عندما وقع بينهما نزاع على الحدود بعد استيلاء السعوديين على (الأحساء) أدى بهما ذلك النزاع إلى الحرب والقتال، وفعلا اشتعلت بين الإخوة الأشقاء نار حرب عمياء سنة (١٣٥٢ هـ ١٩٣٤ م) ابتدأها الإمام يحيى، فهجم على (نجران) واحتلها، كل ذلك من أجل قطعة رملية، ولم تخف عل المهتمين بالشؤون السياسية العربية اليد الأجنبية التي حركت الإمام يحيى إلى الهجوم على الأرض السعودية، وأصبح فيها المسلم - ولا أقول العربي - حاملا السلاح على أخيه المسلم، والأرواح تزهق، وأنات الجرحى تتصاعد من المستشفيات، شاكية إلى خالقها ظلم الملوك، وحب الاستيلاء والمطامع، فضج المسلمون وتألموا مما هو واقع بين الأخوين من أجل شيء تافه لا خير فيه، والتاريخ سجل أن الملك عبد العزيز آل سعود ﵀ وقف موقف المسلم الشاعر بالمسؤولية، فتأنى ولم يعجل في الرد بالمثل، ولما يئس

стр. 237

من كف خصمه عن القتال قام بالعمل المماثل ودحر خصمه وأرجعه إلى حدوده، ولما رآى زعماء المسلين ما سيؤول إليه أمر النزاع من تشعب وخسارة في ذلك الوقت الحرج الدقيق، تقدم أولئك الزعماء - باسم الإسلام والقرآن - رافعين - صوتيهما - داعين الملكين إلى التوقف - حينا - على القتال، تقدم إليهما الإسلام والقرآن راجين منهما أن يقبلا تحكيمهما، ويرضيا بحكمهما حسب النص القرآني في قوله تعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ (١) وقوله: ﴿فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾ (٢) بهاتين الآيتين من القرآن تقدم زعماء المسلمين وعلماؤهم إلى الملكين العربيين المسلمين طالبين منهما العمل بهما وإلا كانت الخسارة على من أبى، لأنه هو الباغي. تقدم - باسم الإسلام والقرآن إلى المتحاربين - إخوة مسلمون مؤمنون، أمرهم القرآن بالتقدم والوساطة بين المتحاربين، هؤلاء الإخوة المؤمنون كلهم ماتوا ﵏ ونعمهم - إلا واحدا لازال على قيد الحياة (٣) فيما أذكر - أولئك هم المؤمنون الصادقون السادة: الأمير شكيب أرسلان اللبناني، ومحمد علي علوبة باشا المصري، وهاشم الأتاسي السوري، والحاج أمين الحسيني مفتي القدس ورئيس المؤتمر الإسلامي العام، وهو رئيس هذا الوفد الميمون - والمؤتمر الإسلامي العام في القدس هو الذي أمر بالسعي وكون الوفد - فأبرقوا إلى الملكين العربيين - بعد تأليف الوفد - طالبين منهما التوقف - حينا - عن القتال، وسيتولون الحكم بينهما بما حكم به الإسلام في مثل هذه الحال، ومن عصى هذا الأمر ولم يقبل تحكيم الإسلام وتمادى في الحرب حكم عليه الإسلام بالعدوان وعصيان القرآن، ويكون كل المسلمين عليه.

стр. 238

فبأي شيء رد الملكان؟ أجابا جواب المؤمن بربه وبدينه وبقرآنه، أجابا بالرضى بحكم القرآن، كما كان الرد مشعرا بالتوقف عن الحرب وانتظار لجنة التحكيم، فبادرت لجنة التحكيم والوساطة بالسفر إلى مكة فصنعاء، واستمعت إلى كل واحد منهما يدلي بحجته، وألف كل واحد منهما وفدا للتفاوض، فاجتمعت الوفود الثلاثة وهي: وفد لجنة الوساطة، وعلى رأسه المفتي الحاج أمين الحسيني، والوفد السعودي وعلى رأسه فؤاد حمزة، والوفد اليمني وعلى رأسه عبد الله الوزير، وبعد الاجتماع والاستماع وفهم الموضوع، أصدرت اللجنة حكمها الفاصل في القضية، فرضي به الطرفان المتنازعان، واطمأن به المسلمون في مشارق الأرض ومغاربها، وارتاحت له ضمائر المؤمنين في العالم الإسلامي كله، وهللت له واستبشرت به روح محمد ﷺ هي عليائها - لبقاء هذه الروح الإسلامية في أمته - وهذا كما قال الله العلي القدير: ﴿وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ﴾ (١). هذا هو الإسلام الذي يعالج الأمراض النفسانية والمشاكل العويصة الحل إذا وجد المؤمنين به حقا، فهو يسوي الخلافات بين أتباعه بالعدل، وحتى الحروب يوقفها وينهيها ويحل مشاكلها حلا عادلا يرضى به المتشاكسون المتخاصمون: ﴿فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ﴾. فها هو اليمن - اليوم - ينقسم على نفسه - بعد استقلاله - إلى شطرين اثنين، شمالي وجنوبي، وتدخل اليد الأجنبية - دائما - بينهما ويشتد النزاع بين الإخوة أبناء الوطن الواحد، فشطره الشمالي تمسك بعروبته وإسلامه، وشطره الجنوبي انتحل الاشتراكية اليسارية دينا له ومذهبا يسير على مبادئه، وكان يحاول أن يضم إليه الشطر الشمالي، كما هي خطة هذه النحلة، مما أدى إلى الحرب بينهما. والذي يعرفه الجميع أن النزاع الحالي بين قسمين اليمن: الشمالي والجنوبي قد لعبت فيه وفي توسيعه وتشعبه أغراض سياسية توسعية مذهبية، حتى أن بعض الدول العربية تدخلت فيه تدخلا سافرا مكشوفا، لا للصلح بين الإخوة الأشقاء بل لتوسيع شقة الخلاف ولتغليب قسم على قسم، ونصرة

стр. 239

طائفة على طائفة للمبدئ السياسي المعروف، غير أنها أخذت صفعة قوية على وجهها أيقظتها من غفلتها عما يجب عليها وأرجعتها إلى رشدها خاسرة خاسئة مما هو معلوم. لم تتدخل بينهما بالصلح مثلما فعلت لجنة المؤتمر الإسلامي العام - ونجحت - بل أرادت أن تحمل إلى القسم الشمالي منه مرض أو طاعون (الاشتراكية المزدكية) فخابت، ولازال هذا الطاعون يضعف القسم الجنوبي منه، وهنا رأينا كيف طغت عقيدة الاشتراكية المزدكية على العقيدة الإسلامية، كما رأينا تأثير العقيدة الإسلامية على النفوس المؤمنة والمشاعر الحسنة، وهذا هو سبب نجاح المسعى الأول، وخيبة المسعى الثاني. وإذا تأملنا ودققنا النظر في تلك الحادثة التي وقعت بين الملكين العربيين، والتي لم يمض عليها طويل وقت - أربعون سنة فقط - توصلنا إلى عمل الإسلام في قلوب أتباعه، وعرفنا حقيقة زعماء المسلمين في الماضي والحاضر. ومن جهة أخرى نقول: أين عمل تلك اللجنة الخيرية الصلحية، التي حملت في يدها المصحف ونادت بتحكيمه، فرضي به الخصمان حاكما بينهما، من عمل (جمعية الأمم المتحدة) الحية والميتة ... ؟؟؟ وما فيها من مجالس، كمجلس الأمن وغيره، فإنها لم تستطع حل مشكلة واحدة من المشاكل التي يعاني منها العالم ما يعاني من آلام ومتاعب، كما أنها لم تستطع أن توقف أية حرب، بالرغم من الألقاب الضخمة التي يحملها أعضاؤها، ورغم الأموال التي تبذل - بسخاء - لها، ولهم، ولهن. إن للإسلام قوة وسيطرة على القلوب المؤمنة به لا توجد في غيره، فقوته روحية خالصة لا تضاهيها قوة الحديد والنار، في قوة كامنة في نفوس المؤمنين، بها تغلبوا على خصومهم - ويعمل الآن خصوم الإسلام على إضعاف هذه القوة في المسلمين وهم لا يشعرون - وإن كانوا أكثر منهم قوة، فالمسلمون كما قال - ليون روش - الجاسوس الفرنسي الذي تقدم ما قاله في الإسلام والمسلمين حيث قال: (ثم بحثت عن تأثير هذا الدين في نفوس المسلمين، فوجدته قد ملأها شجاعة، وشهامة، ووداعة، وجمالا، وكرما).

стр. 240

قد علمنا فشل جمعية الأمم المتحدة أمام المشاكل العالمية الحالية - التي وجدت بين أعضائها - بالرغم من وجود قوى العالم كلها وكله في إطاراتها، فقد خاب فيها الرجاء، وانقطع منها الأمل، فإذا قررت قرارات فإنها لا تنفذ، وتقضي جل أوقات السنة في البحث والجلسات، وأعضاؤها في شغل آخر عن مشاكل الأمم، والجلسات تتعاقب من غير نتيجة - تسمع جعجعة ولا ترى طحنا - كما جاء في المثل العربي - والواقع أكبر دليل على ذلك، وإلا فأين قرارها رقم ٢٤٢ في شأن خروج اليهود الإسرائيليين من الأراضي العربية التي احتلوها في حرب جوان - حزيران - ١٩٦٧، أين هو ذلك القرار المقرر في نفمبر من تلك السنة، واليهود ظالمون معتدون، ما لهم لم يخرجوا من أرض العرب النائمين الغافلين، من هنا ظهر عجز العصبة عن إنصاف المظلوم من ظالمه، فظهر أن وجودها لم ينفع أعضاءها فضلا عن غيرهم ... ؟؟؟ فليتأمل في هذا مرضى النفوس المخدوعون المغرورون بالمظاهر، المتنكرون لدينهم، الجاهلون لتاريخهم، الغافلون عن حضارتهم الزاهرة وآثارها الباقية، فليكن عملهم - إن كانوا يريدون أن يعملوا - على إعادتها، وإحياء الروح الدينية فيهم تلك الروح التي قضى عليها سيرهم في طريق الملاحدة، فإنهم سيشرفون بذلك، كما شرف به آباؤهم الأولون. لو فكر - قليلا - عقلاء أو زعماء العرب في جمعية الأمم المتحدة وفي أعمالها تجاههم، وتجاهلها لهم، وسخريتها منهم، لخرجوا منها وتركوها لمن له فيها مصلحة، أما هم فلا مصلحة لهم فيها إلا خسارة الوقت والمال، ولكن أنى لهم هذا؟ وهم يعرفون أنها آلة مسخرة في يد أمريكا، فما يرضي أمريكا كان وما لا يرضيها فلا محاولة ... وهذه كلمة أخرى أو شهادة عالم غير مسلم عما في الإسلام من قوى الخير والصلاح الكامنة فيه - وكلمات غير المسلمين في الإسلام كثيرة - قالها أحد الأجانب عنه اعترافا بفضائله، وتنبيها للغافلين أو الجاهلين ممن ينتسبون إليه. وهذه الشهادة للعالم الدكتور - انستابو - الإيطالي، جاءت في كتابه "الإسلام وسياسة الحلفاء" الذي نشره سنة ١٩١٩ قال، (إن الكرم العلمي

стр. 241

والصدقة الفكرية، صفتان من صفات الإسلام، شأنهما أن تجعلا الأمة العاملة بهذا الدين أهلا لأن تبلغ من الحضارة ذروتها) (١). والواقع الحالي يقول لهذا العالم: أن مسلمي هذا العصر أبعدوا الإسلام عنهم - إلا من قل - وأحلوا محله الاشتراكية المزدكية الملحدة، فخسروا بذلك دينهم وعزهم وحضارتهم.

стр. 242

الباب الحادي عشر

стр. 243

الفصل الأول: مفهوم المدنية والتمدن عند جيل هذا العصر . إن الكثير من شبابنا في هذا الجيل - وقد لحق بهم شباب الأمس وكهول اليوم وشيوخه - لم يفهم التمدن والمدنية كما يجب أن يفهمهما بحسب مدلولهما الحقيقي ومفهومهما الواقعي، ومن أجل هذا زلت بهم الأقدام، فغير الشباب اتجاهه من طريق سليم مأمون العواقب، إلى سبيل لا أمن فيها ولا نجاة من أخطارها. فهم هذا الشباب ومن عطف عليه، أن التمدن أو التقدم لا يسمى تمدنا أو تقدما إلا بالانسلاخ عن تقاليد الزمن الماضي كلها لا فرق بين صالحها وطالحها، صحيحها وسقيمها، بل وبالبراءة - أيضا - من الأخلاق الطيبة التي ما تخلى عنها آباؤهم حتى خرجوا من دنياهم، تاركين وراءهم ذرية ظنوهم سائرين على نهجهم، محافظين على تراثهم ... وبتلك الأخلاق وسموها حفظ لهم التاريخ أطيب الذكر وعاطره. إن الباحث المدقق، الذي يستخرج النتائج من المقدمات الصحيحة، يرى أن ما ظهر على المسلمين أخيرا من الانحراف عن نهج أسلافهم مرده إلى سوء التربية في الدرجة الأولى، وعدم العناية بالذرية وحياتهم المقبلة، والكثير من هؤلاء المنحرفين كانت تربيتهم في أحضان المستعمر عدو الدين والوطن، ولهذا لمسنا في بعض مسؤولي حكومات الشعوب الإسلامية الزهد وعدم الاكتراث بكل ما يرجع إلى اللغة العربية والدين والأخلاق الإسلامية، وهذه الثلاثة هي مقومات الشعوب وعنوان شخصيتها، فإذا ما طرحت أمامهم إحدى المشاكل التي يتألم منها المسلمون والتي تعود إلى إحدى تلك المقومات للشخصية الوطنية، وطلب منهم العمل على حلها وتصفيتها تثاقلوا

стр. 244

في ذلك حتى يمر الوقت الطويل وتبقى المشكلة بلا حل وبلا علاج، وبذلك تبقى المعضلة معضلة، بل وتزداد خطورتها أحيانا، كل هذا راجع إلى تراخي وتهاون المسؤولين في المهمة الملقاة على كواهلهم، وشاركهم في ذلك أولياؤهم الذين ألقوا بحبل ذريتهم على غاربهم وتركوهم مهملين عندما كانوا في طور التربية. إن الشعوب المسلمة تتألم مما تراه وتلمسه من انحراف الشباب، ذلك الانحراف الذي ستكون عواقبه سيئة كثيرا وسيتحمل المسؤولون - من حكام وآباء - عاقبة ذلك، بما لهم من السلطة والكلمة المسموعة. إن الأمثال لا تعوز الباحث المدقق، فشبابنا فقد القائد الحكيم الذي يقوده إلى ساحل النجاة والسلامة، كي يخرجه من بحر خضم متلاطم الأمواج العاتية، فغرق فيه إذ لم يقو على السباحة وسط هذا البحر العظيم، بحر الإلحاد والزندقة، بحر انتشار الشرور والمفاسد، فهو يراها ماثلة أمام عينيه أينما سار وتوجه، فإذا حاول العلماء المصلحون العمل على إصلاح الحال لم يجدوا من أولئك المسؤولين العون على ذلك، لأن وسائل الإعلام - وهي وسائل اتصال العلماء بجماهير الأمة - لم تكن بأيديهم، ولم يمكنوا منها حتى يؤدوا ما هو واجب عليهم، وإذا ألحوا في الطلب والعمل منعوا، ومنهم من يزج به في السجن - مع المجرمين - ليكون عبرة لأمثاله، وحتى لا يعود هؤلاء إلى ما رغبوا فيه، كل هذا كما قلنا مرده إلى أن الكثير من المسؤولين في الشعوب الإسلامية تربوا في مدرسة المستعمر الحقود على الإسلام، وغذوا بلبن ثقافته وأخلاقه حتى الإلحادية منها، مع الاستهتار بالقيم الإسلامية والأخلاق العربية - فأنى يستقيم الظل والعود أعوج -؟ بل إن التلاميذ قد زادوا على ما تلقوه من أساتذتهم - من البغض للإسلام - في حقل تربيتهم، فالتقدم الذي تنشده وتطلبه الشعوب الإسلامية يجب أن يكون في حدود تقاليدها ودينها وأخلاقها - لتحافظ على ذاتيتها - تقدم تكون فيه العزة والقوة والمهابة في جميع ميادين التقدم، من علوم واختراعات وصناعات إلى كل ما يتطلبه كياننا ووجودنا، ومن الغلط والخطإ أن يظن شبابنا أن التقدم لا يسمى تقدما إلا إذا كان بترك الدين والعمل به، فهذا لا يسمى تقدما وإنما يسمى تقليدا، والتقليد اتباع الأجانب عن الإسلام عن

стр. 245

غير بصيرة وروية: وبلا تفريق وتمييز بين المفيد وغير المفيد، بل وحتى بين الحسن والقبح، فما هو إلا محاكاة للغير لا أكثر ولا أقل. لنأخذ مثلا على ذلك، هذا الخلق الذي فقدناه من أوساط الكثيرين منا، هذا الخلق الإسلامي العظيم، هو خلق (الحياء)، فإن لخلق الحياء سلطانا على النفوس المؤمنة. وله تأثير ظاهر في حياة المسلم، فالرسول ﷺ قال: ((لكل دين خلق وخلق الإسلام الحياء)) (١). والحياء في الإنسان - وخاصة المسلم - ينهاه عن فعل كل مرذول قبيح يلام ويذم فاعله، من ترك واجب أو فعل مخالفة، فإذا انعدم هذا الخلق من المسلم فقد ضاع عنه كل خير وصلاح، فيصير لا يبالي بما يفعل من موبقات، أو ما يترك من واجبات، فلا تحدثه نفسه - ولا يوبخه ضميره - بأنه فعل أمرا شنيعا قبيحا، بل ربما زينته له ورغبته فيه وحببته إليه، فلو كان خلق الحياء متمكنا من النفوس لما رأينا المنكرات تفعل علنا، وبدون وازع ولا رادع ولا رقابة ضمير، وانعدام (الحياء) دليل على انعدام الإيمان، وصدق رسول الله ﷺ في قوله: ((الحياء من الإيمان)) (٢) وفي قوله أيضا: ((الحياء والإيمان قرنا جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر)) (٣). فقد انعدم هذا الخلق العظيم من الكثيرين منا، فلو قدر العالم موقفه بين يدي مولاه للحساب على علمه ماذا فعل فيه - كما ورد في الحديث - لما توانى فيما يجب عليه، ولما داهن مع المداهنين، وتملق مع المتملقين، وما قيل في العالم يقال في الغني، ويقال في المسؤول الكبير والصغير والذكر والأنثى على السواء، لأن الكل سيمر من ذلك الباب، ويقف ذلك الموقف، وسيتلقى من الأسئلة - التي قد يعجز عن الأجوبة عنها - ما يتمنى معها أن لو كان حجرا ملقى على الأرض تدوسه الأقدام، ولم يتحمل أية مسؤولية. إن الدافع إلى عدم الاكتراث بالموقف المنتظر - الذي لا شك فيه - هو ما بثه في أوساطنا الملاحدة، من أنه لا حياة بعد هذه الحياة، ولا بعث

стр. 246

ولا نشور، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فالملحد لا يؤمن بهذا، والمؤمنون يقولون: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (١)، هكذا قال الله ﷻ ، وبهذا يؤمن المؤمنون بربهم، غير أن إلحاد الملحدين قد وصل إلى قلوب بعض المسلمين، وذلك لما يجده الملاحدة وأعوانهم من التسهيل والتشجيع على نشر إلحادهم، فمال بعض ضعفاء الإيمان من المسلمين إلى ما يقوله الملحد الجاحد، فمن يتأمل هذه الآية القرآنية - وغيرها كثير - يهتدي إلى ما تحيله من تنبيه فيه الكثير من الوعيد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (٢) ومن الله نسأل التوفيق والهداية. الفصل الثاني: الإنسان العصري المتمدن والإيمان بالغيب . وبهذه المناسبة - إنكار البعث للأجساد، والنشور، والحساب الخ - يليق بنا أن نذكر - ونذكر - ما يتفوه به بعض من سلب منهم الإيمان، أو قل من ليس لهم عقول سليمة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٣) ممن يتطاولون إلى مقام الخالق الرحيم، ويبثون هذا في أوساط شباب المسلمين، ويقولون لهم: إنه لا حياة بعد هذه الحياة، ولا بعث للأجساد، ولا نشور ولا حساب ولا جزاء على الأعمال التي وقعت في هذه الحياة، إلى آخره، فأنكروا وجود الله، ووعده ووعيده وشرائعه وكتبه ورسله، كما رأينا ذلك مسطرا ومنشورا في كلمة - الإنسان البعثي العربي الاشتراكي - التي مرت في فصل (محاربة الاشتراكية للإسلام) والتي جاء فيها (الموت، وليس غير الموت، لن يكون هناك نعيم، أو جحيم الخ ...) لأنهم في دعواهم - لا يصدقون بما هو غائب عنهم لا يرونه، هذه هي عقيدة الملاحدة التي بنوا عليها اشتراكيتهم، كما هو معروف من مبادئها، والتي راحوا يبثونها في المجتمعات التي اختارت حكوماتها

стр. 247

اشتراكيتهم، ولا يقبلون المناقشة فيها ولا يفسحون المجال لمن يناقشهم فيها، وهي باطلة - عقلا - لا يؤمن بها إلا غبي لا تمييز له بين الحقائق والأوهام. وكثيرا ما أنبه إلى هذا وأحذر منه المؤمنين، كي لا ينخدعوا، ولا ينخدع شبابنا - بالخصوص - الموفق بهذه السموم التي تبث في أوساطهم، وأقول لهم لا تصدقوهم بما يقولون، فإنهم مأمورون ومأجورون على ذلك، ولو من الشيطان، بإفساد عقيدة الشباب المسلم، وأزيدهم بيانا بأمثلة واضحة بينة. من ذلك أني أقول لهم: إن الملاحدة أنكروا وجود الخالق، كما أنكروا ما جاء من عنده، من شرائع وكتب سماوية ورسل الخ ... وآمنوا وصدقوا بما يقوله لهم رؤساؤهم، والإنسان قد يكذب ويقول خلاف الحقيقة، إذا كان له في الكذب منفعة، - ولا يكذب إلا ضعيف النفس الحقير - أما الخالق الحكيم فإنه لا منفعة له في أي شيء سواء آمن العباد أم كفروا، إذ هو الخالق لكل شيء وكفى، فأخباره كلها صادقة، لأنها وفق علمه ومشيئته. نعلم أن العلم قدم الإنسان في هذا العصر تقدما ملموسا، وخفف عنه الكثير من أنواع العناء والعذاب، تقدم بالإنسان إلى الدوران حول الأرض في دقائق من الزمن معدودات، والصعود به إلى القمر والنزول على سطحه والجولان في بعض جهاته، وقد شاهد الناس ذلك بواسطة النظر البعيد - التلفزة - وهذا غير محال على الإنسان لما ركب فيه الخالق العليم الحكيم من قابلية واستعداد للتطور والرقي. ومن حادثة الإخبار بنزول الإنسان على سطح القمر نأخذ منها عبرة بليغة تصل بنا إلى الاعتقاد بوجود الله وقدرته على كل شيء، وتسخيره للإنسان كل ما في هذا الكون من موجودات، قال الله ﵎: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١) وقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي

стр. 248

السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (١). وكثيرا ما كنت أنبه من يحضر الدروس إلى جهل الإنسان وخطئه، من ذلك أن الأمريكان قالوا وأذاعوا: أنهم نزلوا بمركباتهم على سطح القمر، وأنزلوا روادهم عليه وساروا فيه أشواطا، وقد ضاهد الناس ذلك بواسطة "التلفزة"، والنظارة الذين شاهدوا هذا النزول قد صدقوا به واعتقدوه صحيحا لا يتطرق إليه أدق شك، كل ذلك ممكن - عقلا وواقعا - غير أني ألفت النظر - دائما - إلى هذه الحقيقة وهي: كيف يصدق النظارة المشاهدون الأمريكان في أخبارهم وإخبارهم بنزولهم على سطح القمر، والمشاهدون لم يكونوا - طبعا - مع من في المركبة حتى يصدقوا ذلك بالمشاهدة والمعاينة الحسية؟؟ فالنظارة قد صدقوا بشيء هو غائب عن أعينهم ... يصدقون بهذا ولا يصدقون الله الخالق لكل شيء في إخباره بأنه ستكون حياة بعد هذه الحياة، وسيكون بعث للناس من قبورهم وإعادة الأرواح إلى أجسادها، وسيكون حساب على الأعمال وجزاء عليها، إلى آخر ما جاء في قواعد الإيمان. نصدق الأمريكان أو الروس المخلوقين، ويمكن عقلا أن يكونوا كاذبين لمصلحة اقتضت ذلك، لأن تلك الصور التي شاهدها الناس لعملية النزول والجولان بواسطة التلفزة يمكن أن تكون مصورة - فقط - من غير نزول ومسجلة ومهيأة لتعرض على النظارة، ليظهر الأمريكان للعالم قدرتهم ومبلغ علوم رجالهم، كيف نصدقهم فيما أخبروا به - وهم بشر كفرة بخالقهم - ولا نصدق رسول الله ﷺ بما أخبر به عن الله - وهو الصادق المصدوق - ولم ينقل عنه الكذب - وحاشاه - بل قامت الأدلة وتواترت الأخبار بصدقه ﷺ . إن الخالق أخبر بواسطة رسله في جميع الشرائع السماوية عباده بأنه سيحييهم بعد موتهم - كما خلقهم أول مرة - وسيحاسبهم على أعمالهم، وعليها يكون الجزاء، وبهذا ظهر ضلال الإنسان الجحود المنكر للحقائق الثابتة بالبراهين والأدلة، ويصدق المخلوق، بما قال - وقد يكون في أخباره

стр. 249

كاذبا لغرض أراده لنفسه - ولا يصدق الخالق المنزه عن الكذب والغرض والمنفعة، ولكنها الحقيقة التي لا تقبل الجدل والعناد، وأخيرا هذا هو الإيمان وأثره، والله قال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (١) ولكنه الضلال البشري يذهب بصاحبه إلى نكران الموجودات وجحود الحقائق الثابتة التي لا ينكرها إلا جاهل أو غبي بليد. ومن قبيل ما تقدم أخبار علماء الفلك، فإنهم يخبرون - بناء على ما علموه ودرسوه في هذا العلم - بأن الشمس ستكسف ويذهب ضوؤها في يوم كذا من شهر كذا ساعة كذا مع الدقيقة والثانية الخ، فيؤمن الناس بما قالوه، ويصدقونهم في أخبارهم، ويتنقل المهتمون به من قارة إلى قارة مع المعدات العلمية والآلات الحديثة، لمشاهدة ذلك الحدث العظيم، ومثل كسوف الشمس خسوف القمر فيما تقدم في الأخبار والضبط. نرى هؤلاء الضالين يؤمنون ويصدقون بما أخبر به علماء الفلك - ويمكن أن يخطئوا - ولا يؤمنون بما أخبر به خالق الأفلاك ومدبر سيرها . نحن - المسلمين - نؤمن بالغيب - وهو ما غاب عن الحس - إذا قامت الأدلة القاطعة على صدق المخبر، وهذا هو سبيل المؤمنين الصادقين. قال الله القادر الحكيم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢).

стр. 250

الباب الثاني عشر
следующие страницы →