ولا نشور، ولا حساب، ولا ثواب، ولا عقاب، فالملحد لا يؤمن بهذا، والمؤمنون يقولون: ﴿إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا * وَنَرَاهُ قَرِيبًا﴾ (١)، هكذا قال الله ﷻ ، وبهذا يؤمن المؤمنون بربهم، غير أن إلحاد الملحدين قد وصل إلى قلوب بعض المسلمين، وذلك لما يجده الملاحدة وأعوانهم من التسهيل والتشجيع على نشر إلحادهم، فمال بعض ضعفاء الإيمان من المسلمين إلى ما يقوله الملحد الجاحد، فمن يتأمل هذه الآية القرآنية - وغيرها كثير - يهتدي إلى ما تحيله من تنبيه فيه الكثير من الوعيد، قال الله تعالى: ﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى * فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ (٢) ومن الله نسأل التوفيق والهداية.
الفصل الثاني: الإنسان العصري المتمدن والإيمان بالغيب .
وبهذه المناسبة - إنكار البعث للأجساد، والنشور، والحساب الخ - يليق بنا أن نذكر - ونذكر - ما يتفوه به بعض من سلب منهم الإيمان، أو قل من ليس لهم عقول سليمة ﴿إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا﴾ (٣) ممن يتطاولون إلى مقام الخالق الرحيم، ويبثون هذا في أوساط شباب المسلمين، ويقولون لهم: إنه لا حياة بعد هذه الحياة، ولا بعث للأجساد، ولا نشور ولا حساب ولا جزاء على الأعمال التي وقعت في هذه الحياة، إلى آخره، فأنكروا وجود الله، ووعده ووعيده وشرائعه وكتبه ورسله، كما رأينا ذلك مسطرا ومنشورا في كلمة - الإنسان البعثي العربي الاشتراكي - التي مرت في فصل (محاربة الاشتراكية للإسلام) والتي جاء فيها (الموت، وليس غير الموت، لن يكون هناك نعيم، أو جحيم الخ ...) لأنهم في دعواهم - لا يصدقون بما هو غائب عنهم لا يرونه، هذه هي عقيدة الملاحدة التي بنوا عليها اشتراكيتهم، كما هو معروف من مبادئها، والتي راحوا يبثونها في المجتمعات التي اختارت حكوماتها
стр. 247
اشتراكيتهم، ولا يقبلون المناقشة فيها ولا يفسحون المجال لمن يناقشهم فيها، وهي باطلة - عقلا - لا يؤمن بها إلا غبي لا تمييز له بين الحقائق والأوهام.
وكثيرا ما أنبه إلى هذا وأحذر منه المؤمنين، كي لا ينخدعوا، ولا ينخدع شبابنا - بالخصوص - الموفق بهذه السموم التي تبث في أوساطهم، وأقول لهم لا تصدقوهم بما يقولون، فإنهم مأمورون ومأجورون على ذلك، ولو من الشيطان، بإفساد عقيدة الشباب المسلم، وأزيدهم بيانا بأمثلة واضحة بينة.
من ذلك أني أقول لهم: إن الملاحدة أنكروا وجود الخالق، كما أنكروا ما جاء من عنده، من شرائع وكتب سماوية ورسل الخ ... وآمنوا وصدقوا بما يقوله لهم رؤساؤهم، والإنسان قد يكذب ويقول خلاف الحقيقة، إذا كان له في الكذب منفعة، - ولا يكذب إلا ضعيف النفس الحقير - أما الخالق الحكيم فإنه لا منفعة له في أي شيء سواء آمن العباد أم كفروا، إذ هو الخالق لكل شيء وكفى، فأخباره كلها صادقة، لأنها وفق علمه ومشيئته.
نعلم أن العلم قدم الإنسان في هذا العصر تقدما ملموسا، وخفف عنه الكثير من أنواع العناء والعذاب، تقدم بالإنسان إلى الدوران حول الأرض في دقائق من الزمن معدودات، والصعود به إلى القمر والنزول على سطحه والجولان في بعض جهاته، وقد شاهد الناس ذلك بواسطة النظر البعيد - التلفزة - وهذا غير محال على الإنسان لما ركب فيه الخالق العليم الحكيم من قابلية واستعداد للتطور والرقي.
ومن حادثة الإخبار بنزول الإنسان على سطح القمر نأخذ منها عبرة بليغة تصل بنا إلى الاعتقاد بوجود الله وقدرته على كل شيء، وتسخيره للإنسان كل ما في هذا الكون من موجودات، قال الله ﵎: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ﴾ (١) وقال: ﴿أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي
стр. 248
السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً﴾ (١).
وكثيرا ما كنت أنبه من يحضر الدروس إلى جهل الإنسان وخطئه، من ذلك أن الأمريكان قالوا وأذاعوا: أنهم نزلوا بمركباتهم على سطح القمر، وأنزلوا روادهم عليه وساروا فيه أشواطا، وقد ضاهد الناس ذلك بواسطة "التلفزة"، والنظارة الذين شاهدوا هذا النزول قد صدقوا به واعتقدوه صحيحا لا يتطرق إليه أدق شك، كل ذلك ممكن - عقلا وواقعا - غير أني ألفت النظر - دائما - إلى هذه الحقيقة وهي:
كيف يصدق النظارة المشاهدون الأمريكان في أخبارهم وإخبارهم بنزولهم على سطح القمر، والمشاهدون لم يكونوا - طبعا - مع من في المركبة حتى يصدقوا ذلك بالمشاهدة والمعاينة الحسية؟؟ فالنظارة قد صدقوا بشيء هو غائب عن أعينهم ... يصدقون بهذا ولا يصدقون الله الخالق لكل شيء في إخباره بأنه ستكون حياة بعد هذه الحياة، وسيكون بعث للناس من قبورهم وإعادة الأرواح إلى أجسادها، وسيكون حساب على الأعمال وجزاء عليها، إلى آخر ما جاء في قواعد الإيمان.
نصدق الأمريكان أو الروس المخلوقين، ويمكن عقلا أن يكونوا كاذبين لمصلحة اقتضت ذلك، لأن تلك الصور التي شاهدها الناس لعملية النزول والجولان بواسطة التلفزة يمكن أن تكون مصورة - فقط - من غير نزول ومسجلة ومهيأة لتعرض على النظارة، ليظهر الأمريكان للعالم قدرتهم ومبلغ علوم رجالهم، كيف نصدقهم فيما أخبروا به - وهم بشر كفرة بخالقهم - ولا نصدق رسول الله ﷺ بما أخبر به عن الله - وهو الصادق المصدوق - ولم ينقل عنه الكذب - وحاشاه - بل قامت الأدلة وتواترت الأخبار بصدقه ﷺ .
إن الخالق أخبر بواسطة رسله في جميع الشرائع السماوية عباده بأنه سيحييهم بعد موتهم - كما خلقهم أول مرة - وسيحاسبهم على أعمالهم، وعليها يكون الجزاء، وبهذا ظهر ضلال الإنسان الجحود المنكر للحقائق الثابتة بالبراهين والأدلة، ويصدق المخلوق، بما قال - وقد يكون في أخباره
стр. 249
كاذبا لغرض أراده لنفسه - ولا يصدق الخالق المنزه عن الكذب والغرض والمنفعة، ولكنها الحقيقة التي لا تقبل الجدل والعناد، وأخيرا هذا هو الإيمان وأثره، والله قال: ﴿وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾ (١) ولكنه الضلال البشري يذهب بصاحبه إلى نكران الموجودات وجحود الحقائق الثابتة التي لا ينكرها إلا جاهل أو غبي بليد.
ومن قبيل ما تقدم أخبار علماء الفلك، فإنهم يخبرون - بناء على ما علموه ودرسوه في هذا العلم - بأن الشمس ستكسف ويذهب ضوؤها في يوم كذا من شهر كذا ساعة كذا مع الدقيقة والثانية الخ، فيؤمن الناس بما قالوه، ويصدقونهم في أخبارهم، ويتنقل المهتمون به من قارة إلى قارة مع المعدات العلمية والآلات الحديثة، لمشاهدة ذلك الحدث العظيم، ومثل كسوف الشمس خسوف القمر فيما تقدم في الأخبار والضبط.
نرى هؤلاء الضالين يؤمنون ويصدقون بما أخبر به علماء الفلك - ويمكن أن يخطئوا - ولا يؤمنون بما أخبر به خالق الأفلاك ومدبر سيرها .
نحن - المسلمين - نؤمن بالغيب - وهو ما غاب عن الحس - إذا قامت الأدلة القاطعة على صدق المخبر، وهذا هو سبيل المؤمنين الصادقين.
قال الله القادر الحكيم: ﴿أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾ (٢).
стр. 250
الباب الثاني عشر
стр. 251
الفصل الأول:
هل في الاشتراكية خير للإنسانية؟ ازدياد عدد الفقراء فيها .
أكثر دعاة - الاشتراكية - من الدعاية لها والترغيب فيها حتى أسرفوا في ذلك، وكادوا يقولون للناس: إن الوطن الذي لا إشتراكية فيه وطن شقي لا سعادة لأهله، وجذبوا إليهم حتى من لا يؤمن بها، ولكنه اندفع معها ومعم ومعهن لأغراض خاصة، فهو قد وجد فيها ما تصبو إليه نفسه، وما لا يجده فيما سواها ....
قالو أن الاشتراكية رحمة للضعيف - العامل والفلاح - ولطف به، وقالوا: إنها تنقذ العامل - أو العالم - من سيطرة طبقة معينة عليه، وأنها تجلب الخير والراحة له ولأطفاله وعائلته، وإنها، وإنها، والواقع المحسوس أنها بخلاف ذلك تماما، فقد سيطرت - وتسلطت - بواسطتها طبقة معينة على كل شيء واستغلت ذلك لمصالحها الخاصة بها، قد جلبت النفع المادي وغيره إلى طبقة السادة المشرفين عليها والمسيرين لسفينتها، وتركت العامل والفلاح في شقائهما وتعاستهما، بل ما زادت الفقراء إلا فقرا، ومن خفي عليه هذا فعليه بالبحث والتعمق في داخلها، ولا يكتفي بالظاهر، وسيرى ويسمع ما يقنعه، فبعض الأغنياء اتخذوها ستارا أخفوا وراءه مطمعهم ومطامحهم، فصاروا اشتراكيين ظاهرا أكثر من الاشتراكيين باطنا، كل هذا ليخفوا ما عندهم من نيات مبيتة وهروبا مما يتوقع لهم.
إن الإيمان - الشرعي - لا يعتبر إيمانا يعتد به إلا إذا وافق الظاهر العقيدة والباطن، أما إذا لم يوافق الباطن الظاهر فهو النفاق.
стр. 252
حقيقة - لا شك فيها - لم تجعل الاشتراكية الفقراء أغنياء كما يتوهم ذلك بعض البسطاء في التفكير، بل صيرت الأغنياء فقراء، فلم ترفع الفقراء إلى مستوى الأغنياء لتريحهم من ألم الفقر والحاجة، بل نزلت بالأغنياء إلى درك الفقراء - وهذا من أهم مقاصدها وأهدافها - مساواة لأولئك بهؤلاء، وقد صرح بهذا وزير سابق عندنا - هو الآن يعيش خارج تراب الوطن، فارا بعد أن ملأ حقائبه من عرق ودموع العمال والفلاحين - صرح بهذا لبعض العمال والفلاحين والتجار الصغار لما زاروه في مكتبه وقدموا له ملتمسا فيه بعض ما يشكون منه، وقد رجوه لرفع الحيف عنهم، وإنصافهم ممن ظلمهم، فأجابهم على ملتمسهم قائلا: - حسبما قيل لنا - إننا على علم من معالمكم وظالميكم، أولئك الظالمون الذين تركوكم تمشون حفاة بدون أحذية، وإني أعدكم بأننا سننزلهم إليكم - هكذا قال - ونتركهم يمشون حفاة بدون أحذية مثلكم!!!! هذا ما أفصح به هذا الوزير - وزير الشغل في السابق - فقد أبرز مما في ضميره، وكان العمال المساكين يرجون منه أن يرفعهم إلى منازل الأغنياء حتى تصير لهم أحذية، كما للأغنياء أحذية، فإذا بالأمر يظهر على خلاف ما كان يظن، وهو بقاؤهم أو إبقاؤهم في فقرهم كما كانوا، بل سيزاد إليهم فقراء آخرون، وهم من كان عندهم نصيب من المال يتمعشون منه، ويستعملونه في حركة فيها عمال يعملون، ومنها يتمعشون، فمعنى هذا أيضا تجريدهم مما كان عندهم وحشرهم في زمرة الفقراء والعمال الذين هم - دائما - في حاجة إلى طلب العمل للمعيشة، لتبقى الميادين خالية للحذاق الماهرين في تصريف الأمور (حدث ما قلته في سنة ١٩٦٤) والعمال والفلاحون غافلون ساهون يعيشون بالأماني الحلوة كـ (الكمون) الذي قيل إنه يمنى بالسقي كلما عطش، حتى لا ييبس، كما جاء في المثل: (عش بالمنى يا كمون)، فهناك فئة تعيش عيشة البذخ والترف - وهي إشتراكية طبعا - تبدد الأموال - بلا حساب - وكل أفراد الأمة يرون ذلك بأعينهم، وتتنقل على ما ارتفع ثمنه من أفخم وأضخم ما أحدثته مصانع السيارات - وهي إشتراكية طبعا أيضا - وتنزل منازل ذوي الثراء الواسع، سواء في الداخل أو في الخارج - باسم الاشتراكية - إلى جانب فئة تعيش عيشة الفقر والحرمان، وهي صابرة، عاملة، ناصبة،
تسقى من عين آنية، ولكنها لم تفقد أملها في المستقبل وسترى ...
стр. 253
هذه الحقيقة شاهدة في جميع البلدان التي انتحلت (الاشتراكية) مذهبا لها.
ومن أهداف الاشتراكية - أيضا - التأميم، وهو انتزاع الشيء - عقار أو مصنع، أو غيرهما - من مالكه الأصلي، وجعله تحت تصرف الحكومة - النائبة عن الأمة - وهو سلاح يلتجأ إليه وقت الحاجة، فقد رأينا بعض الناس لم يكونوا محل رضى عند بعض الدوائر الحكومية - بل وحتى عند لعض الأشخاص - مع هؤلاء يلتجأ إلى استعمال هذا السلاح - التأميم - فينتزع ما يراد انتزاعه، لأسباب توجد في ذلك الوقت، من غير نظر إلى ماضي هذا الشخص المؤمم رزقه، وكم من ضحية ذهب رزقه لمنافع خاصة وأغراض شخصية دنيئة ... ؟؟ بقي لنا أن نسأل بصفتنا مسلمين: هل في تاريخ الدولة الإسلامية أنها انتزعت الأراضي أو غيرها من أيدي أصحابها المالكين لها ملكا شرعيا قانونيا، من غير أن يصدر منهم شيء يعاقبون عليه؟ ذلك ما لم يكن - فيما أعلم - وإن كان - على قلته - فلربما كان عقوبة، وهذا حديث رسول الله ﷺ وهو المشرع بعد الله - مفصح بذلك، روى ابن ماجة في سننه - في باب المزارعة - عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: كانت لرجال منا فضول أرضين يؤجرونه على الثلث والربع، فقال النبي ﷺ : ((من كانت له فضول أرضين فليزرعها، أو ليزرعها أخاه، فإن أبى فليمسك أرضه)) الحديث رقم ٢٤٥١. ومثل رواية جابر رواية أبي هريرة ﵁ في نفس الكتاب والباب، وذلك قوله ﵊: ((من كانت له أرض فليزرعها، أو ليمنحها أخاه، فإن أبى فليمسك, أرضه)) الحديث رقم ٢٤٥٢. فالرسول "وهو المشرع للمسلمين بعد الله" لم ينتزع ما فضل من الأرض عن أصحابها من أصحابها، إنما أمرهم بالتراحم بينهم والعطف على بعضهم بعضا، إذ أمرهم بأن لا يؤاجروها - يكروها - بل يمنحوها منحة لإخوانهم ينتفعون بها مدة ثم تعود لأصحابها وهذا هو العدل الإسلامي، ذلك العدل الذي تحدث عنه التاريخ بإسهاب.
وفي قصة عدل - كسرى أنوشروان - التي تقدم الكلام عليها عند الكلام على قضائه على المزدكية وعدله بين رعيته ما يكون موعظة للغافلين، ومثل قصته قصة نقلت عن خليفة عباسي ضايقته في قصره بيت لامرأة عجور، وكم حاولها على بيعها له وبذل لها في مقابلة ذلك المال الكثير
стр. 254
فأبت ولم يكرهها على بيعها أو يأخذها منها بالقوة، وقالت له: أردت أن يتحدث الناس بعدلك في الرعية، وذلك خير لك وأولى بك من أن يتحدثوا بجمال قصرك وبهائه وعظمته، وهو موضوع على أساس من الظلم والجور، ولله در حسان بن ثابت ﵁ في مدح العرب بعلو الهمة والشمم في قوله:
بيض الوجوه كريمة أحسابهم ... شم الأنوف من الطراز الأول
هذا هو الرفق بالأمة الذي يتحلى به كبار المسؤولين في الدولة الإسلامية، وهؤلاء الحكام هم الذين قال فيهم الرسول ﷺ : ((اللهم من ولي من أمر أمتي شيئا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئا فرفق بهم فارفق به)) (١) وقال أيضا: ((يا عائشة إن الله رفيق يحب الرفق في الأمر كله)) (٢) وقال كذلك: ((إن الله رفيق يحب الرفق، ويعطي على الرفق ما لا يعطي على العنف وما لا يعطي عما سواه)) (٣) وقال محببا الرفق لأمته: ((ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه)) (٤).
الفصل الثاني: الاشتراكية والمرأة .
كل حركة محدثة تبحث - دائما - عن فئة تعتمد عليها وتتقوى بها، وتجعلها النواة الأولى لها، باسمها تتكلم، وعليها تدافع، ومن أجلها كانت ومن أجل حقوقها - الضائعة - تكونت، هذا شيء معروف في الدنيا كلها، يعرفه من له عقل نقي يتتبع به مما يحدث هنا وهنالك، والحركات المحدثة في حاجة إلى السند الذي يساندها ويقويها وينشرها، فإذا لم يكن موجودا هذا السند في الإبان أوجد من بعد لهذا الغرض فعلا، وصبغ بصبغة المظلوم المهان الذي يجب الدفاع عنه، وإعطاؤه ما يطلبه، ويتطلب تكوينه.
فكما اعتمدت الاشتراكية الماركسية على العمال والفلاحين، فكذلك
стр. 255
اعتمدت الاشتراكية الحديثة على من ذكر، وزادت عنصرا جديدا فيها وهو عنصر المرأة، تلك الاشتراكية التي رأيناها تتسمى بأسماء مختلفة، حسب جو القطر الذي أحدثت فيه وطبقت على أهله، ففي الوطن العربي هناك عدة اشتراكيات ... منها الاشتراكية العربية، واشتراكية عمر بن الخطاب، وفي البلد الذي يتمسك بإسلامه: الاشتراكية الإسلامية، وفي البلد الذي يسيطر عليه الحزب السياسي: إشتراكية الحزب الفلاني، إلى غير هذا من العناوين الكثيرة، فلا الإسلام يرضى بهذه النحلة الإلحادية التي أضيفت إليه، - لأنها مسخ له، ولأنه دين كامل في هيئته وتشريعه - ولا عمر بن الخطاب يرضى ويفرح بإضفاء الاشتراكية الإلحادية على عمله الإسلامي الخالص، وعلى شخصه الكريم وإيمانه القوي، وسيرته العادلة، إنما ذلك تمويه وتدليس على البسطاء من المؤمنين، حتى يقال لهم إن للاشتراكية الحديثة أصلا في الإسلام، وسندا في شريعة رب العالمين، التي أنتم بها مؤمنون، وأن الخليفة الثاني - عمر بن الخطاب ﵁، عمر وما أدراكم من عمر؟ كان اشتراكيا، فلم لا نكون نحن على خطته وطريقته اشتراكيين مثله؟ أليس لكم قدوة به؟
نعم، إن كان للاشتراكية الحديثة سندا وأصلا فما هو إلا في - الاشتراكية المزدكية - فهي أصلها وسندها، وهذه فرع عنها وغصن من شجرتها، ولهذا أثمرت ثمرتها، وأعطت نتائجها، أما الإسلام فهو بعيد عنها بعد السماء عن الأرض، إذ هو شريعة الله جاء لها رسول الله صلى الله عليه رحمة للعالمين كما قال فيه مرسله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ (١) أما الاشتراكية فهي من وضع اليهودي - كارل ماركس - فهي نحلة يهودية: واليهود لا يأتي منهم أي خير للإنسانية، فهم دائما يزيدون الإنسانية عذابا إلى عذابها، وشقاء إلى شقائها، كما أريد من ورائها الاستيلاء على السلطة والحكم، وجعل الناس في قبضتها.
اعتمدت الاشتراكية الحديثة - فيمن اعتمدت - على المرأة، والمرأة مخلوق ضعيف في الظاهر قوي في الباطن، له تأثير كبير في المجتمع وفي الفرد، وخاصة على الأشخاص البارزين فيه، من ملوك وأمراء ومن هو في طبقتهم - وهذا أمر معروف ومذكور في أسرار القصور - فقد تنقذ
стр. 256
المرأة أنفسا بريئة من الموت والهلاك، وقد تهلك البرآء من الناس، والشواهد على هذا كثيرة ومتوفرة في التاريخ، منها قصة امرأة العزيز مع سيدنا يوسف ﵇ والمكيدة التي دبرتها له، غير أن الله أبطل مكيدتها ونجاه من كيدها، فلولا عناية الله به لهلك بمكيدتها، وهذه (كاترين) زوجة بطرس (قيصر) روسيا فقد أنقذت حياة طائفة من الرجال المتهمين بمحاولة اغتيال قيصر - بعد أن حكمت عليهم المحكمة بالإعدام - دخلت مكتبه فوجدته يقرأ الأحكام التي صدرت من المحكمة التي حكمت عليهم بالموت شنقا، وأراد أن يصادق عليها بوضع إمضائه عليها بالموافقة لينفذ فيهم الحكم - وكانت امرأة عاقلة - فصاحت به قائلة: قف، ماذا تفعل .. فأعلمها بأن المحكمة حكمت على هؤلاء المجرمين بالموت وحكمها يتوقف تنفيذه على موافقته عليه بإمضائه تحت وثيقة الحكم، فأبت عليه أن يضع إمضاءه ليوافق به على وثائق الحكم الذي حكمت به المحكمة، فقال لها: ماذا أفعل والمحكمة قد حكمت؟ فقالت له: إن المحكمة أدت واجبها حسب القانون، ولكن بقي واجبك أنت، فقال لها: وما هو؟ قالت: العفو ... وليس غير العفو، فقال لها: إنهم أرادوا قتلي، فقالت له: ولكنك لم تمت، إنك مثل الأب لجميع أبناء الشعب، وأظهرت له من حسن التدبير والإشارة ما أقنعه وجعله يعدل عن موافقة المحكمة في حكمها ويبدله بالعفو عنهم، وبهذا ازداد حبه في شعبه، حتى عند خصومه، لما ظهر به من سمو النفس والترفع عن سفك الدماء. ليت لنا مثلها - في عصرنا هذا - حتى لا يشنق العلماء والمفكرون وغيرهم من البرآء الذين يذهبون وتذهب أرواحهم هدرا نتيجة وشايات مغرضة ومكائد مدبرة، وسيلقى شانقوهم ربهم - غدا - بدماء المشنوقين، يطالبون به من شنقهم، بهما تطالب الموءودة وائدها. قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ * بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ﴾ (١) وكما قال الله لرسوله محمد ﷺ مع خصومه: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ * ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ﴾ (٢).
وفي التاريخ البشري القديم قصص تدل على قوة تأثير المرأة، وفي القرآن
стр. 257
مقارنة لطيفة بين كيد الشيطان وكيد المرأة، فوصف كيد الشيطان بالضعف ووصف كيد المرأة بالعظمة، وفي ذلك سر لا يخفى، قال الله تعالى في ذلك: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا﴾ (١) وقال في الآخر وفي التهمة التي حاولت امرأة عزيز مصر أن تلصقها بيوسف ﵇، فبرأه الله منها، حين خاطبها زوجها عزيز مصر بعد أن ظهر له من الشواهد الحسية براءته منها وكذبها هي: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ (٢).
فالمرأة فيها من اللباقة وقوة التأثير على الرجل - بشتى وسائل التأثير - ما لا يوجد عند الرجل.
قيل للمرأة في الدول الاشتراكية الحديثة: إنك مستعبدة فطالبي بتحررك، وقيل لها: إنك مهانة فطالبي بعزك، وقيل لها: إنك سجينة البيت فتمردي واخرجي إلى الشارع، وفكي قيودك بيدك وحطمي السلاسل التي قيدتك، وقيل لها: إنك مظلومة فاعملي على رفع الظلم عنك، وقيل لها، وقيل لها الشيء الكثير وهي حيلة قصد بها الدعاية والتضليل، وبالتالي التأثير على المرأة، لتستغل حسب الظروف والأحوال فتأثرت المرأة بذلك، حتى أنه قال مسؤول كبير عندنا في سابق الأيام في خطاب له أمام جمع كبير من النساء على عادته في جمعه للنساء: (أخرجي إلى الشارع وخذي حقك بيدك، ولا تنتظري من الرجل أن يعطيه لك) ويقول لها آخر كذلك: (أخرجي بنفسك، ولا تنتظري منا أن نفتح لك الباب) فخرجت المرأة إلى الشارع متأثرة بما سمعته، لكن ماذا كانت النتيجة؟ كانت سيئة للغاية القصوى من السوء، كانت خراب البيت، كانت تشتيت العائلة، كانت تحطيم هيكل الأسرة، كانت في كثرة الطلاق والفراق التي لم يسبق لها مثيل في التاريخ الإسلامي، وكان أيضا غير ذلك من كل أمر شنيع، مما نتج عنه فراق الكثيرات من النساء لأزواجهن وبيوتهن، كما كانت هروب الكثيرين من الأزواج عن نسائهم وأطفالهم، كل ذلك نتيجة لدعاية التغرير والخداع والتخريب، ولا يستطيع أحد نكران هذا وما ذكرته قليل من كثير.
стр. 258
قال أنصار هذا المبدأ ما قالوا للمرأة، من غير أن يفكروا في أخلاق المسلمين وتقاليدهم الحسنة، في صون المرأة وحفظها من العبث بها، وكيف يفكرون في هذا والكثير منهم لا يرعى للدين حرمة؟ مع تربيته في مدرسة المستعمر، وقد دربوا المرأة وجرأوها على الاستخفاف بالدين وبالأخلاق الإسلامية، حتى بلغ بطائفة منهن إلى أن ينكرن الأخبار الصحيحة الثابتة عن الرسول ﷺ ، من ذلك ما قالته امرأة في الملتقى الخامس للتعرف على الفكر الإسلامي الذي تدعو إليه وتنظمه وزارة التعليم الأصلي والشؤون الدينية الجزائرية، والذي انعقد في مدينة وهران من ٢٧ جمادى الأولى إلى ١٠ جمادى الآخرة من سنة ١٣٩١ هـ، وقد نشرت كلمة هذه المرأة في سجل المحاضرات التي تعودت الوزارة المذكورة إصداره كل سنة.
هذه المرأة أعطي لها هذا الاسم واللقب (فاطمة الجامعي) وهي زوج الأستاذ الحبابي المغربي، وكلاهما أستاذ في جامعة الجزائر، وتقول إنها من الوفد المغربي، وكلمتها عنونتها بـ "المرأة المسلمة، حقوق وواجبات" ونشرت في السجل ابتداء من صفحة "٣٠٢". قالت هذه المرأة فيما قالت، بعد أن أكثرت وأسرفت من تمجيد المرأة، وحشرت الكثير من الآيات الواردة في ذلك، وهكذا رأيناهم ورأيناهن لا يذكرون القرآن أو الدين الإسلامي إلا عند الاحتجاج والاحتياج إلى آياته ونصوصه، قالت: (وإن الزوجة - ولعلها تقصد المرأة - خلقت من نفس الطين الذي خلق منه الرجل، خلافا لما يروجه الخرافيون من أن المرأة خلقت من الضلع الأعوج، والحقيقة أن الرجل الذي يعتقد هذه الأسطورة - كذا - معوج المخ وكل الأضلع). وبعد أن نقلت الكثير من الآيات القرآنية الدالة على منزلة المرأة قالت: (إذا كانت هذه هي نظرة الإسلام إلى المرأة، لم يبق مجال للقول بأنها أقل قيمة من الرجل، وأنها - ناقصة عقل ودين - فالعقل مقسم بالتساوي بين النساء والرجال الخ ...) وضربت على هذه النغمة الحلوة على الأسماع في كلمتها تلك، وسارت بعيدا في تمجيد المرأة، من غير أن تحض المرأة المسلمة على التمسك والعمل بالشريعة الإسلامية، التي رفعت منزلة المرأة بعد الحطة والهوان اللذين كانت تعاني منهما ما تعاني، فلم تأمرها بتقوى الله وعمل الصالحات والوقوف عند حدود الشريعة الإسلامية، لأن ما نالته المرأة المسلمة من عز ورفعة إنما نالته بشريعة الإسلام، فهي
стр. 259
التي رفعت عنها الحيف والجور، فوجب عليها أن تتبعها ولا تتبع المرأة الغربية فيما لا يليق بشرف المرأة المسلمة، وإلا فما ذلك التنويه إلا من باب الدعاية والاستغلال على حساب الإسلام، لأغراضها الشخصية.
إن هذه المرأة تقصد بقولها - حسب الألفاظ التي استدلت بها - الاعتراض أو الرد لما جاء في القرآن، وهو قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا الخ﴾ الآية الأولى من سورة النساء، فماذا عساها أن تقول في قوله تعالى: ﴿وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾؟ يا سبحان الله كيف تجرأت المرأة هذه الجرأة الكبيرة!!!
وهكذا يفعل الجهل والغرور والتغرير بضعاف الأحلام، حتى يخرجهم أو يخرجهن من الإسلام.
ولما جاء في ذلك عن الرسول ﷺ ، ذلك أنها قالت: (خلافا لما يروجه الخرافيون من أن المرأة خلقت من الضلع الأعوج الخ) وبقولها: (لم يبق مجال للقول بأنها أقل قيمة من الرجل، وأنها ناقصة عقل ودين الخ ...).
وهذا منها جرأة كبيرة، ثم على من تعترض يا ترى؟ وما هو قول الخرافيين هذا؟ ومن هم الخرافيون الذين تعنيهم؟ إن ما ذكرته حديث من أحاديث ثابتة نطق بها الرسول ﷺ ، وهو الذي لا ينطق عن الهوى، والاعتراض عليه رد لقوله وعدم إيمان به، وهذا لا يقع إلا من غير المسلمين. وهذا هو نص الحديث. أخرج مسلم في صحيحه والترمذي وغيرهما عن أبى هريرة ﵁ أن رسول الله ﷺ قال: ((إن المرأة خلقت من ضلع لن تسقيم لك على طريقة، فإن استمتعت بها استمتعت بها وبها عوج، وإن ذهبت تقيمها كسرتها، وكسرها طلاقها)) فهل في قول الرسول هذا خرافة؟ الواقع أنه وصية خير وإرشاد للمسلمين كي لا يسيئوا إلى زوجاتهم.
أما قولها: (لم يبق مجال للقول بأنها أقل قيمة من الرجل، وأنها ناقصة عقل ودين) فهو رد لآية قرآنية ولحديث نبوي صحيح. وبيان ذلك، أن الله تعالى عندما ذكر ضبط المال بالإشهاد عليه قال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ
стр. 260
مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ سورة البقرة الآية ٢٨٢. وقد بين الرسول ﷺ مغزى هذا، كما جاء في الحديث الذي أخرجه الإمام البخاري في صحيحه. في باب (ترك الحائض الصوم) أن الرسول ﷺ : (جرح في أضحى أو فطر إلى المصلى فمر على النساء فقال: ((يا معشر النساء تصدقن فإني أريتكن أكثر أهل النار))، قلن: وبم يا رسول الله؟ قال: ((تكثرن اللعن، وتكفرن العشير، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن))، قلن: وما نقصان ديننا وعقلنا يا رسول الله؟ قال: ((أليس شهادة المرأة مثل نصف شهادة الرجل))؟ قلن: بلى، قال: ((فذلك من نقصان عقلها، أليس إذا حاضت لم تصل ولم تصم))؟ قلن: بلى، قال: ((فذلك من نقصان دينها)). رأينا من خلال جواب الرسول للنساء تلطفه معهن من غير تعنيف كعادته ﷺ مع النساء وغيرهن، فهو لم يرد بذلك احتقارهن ولا التنقيص من شأنهن كما يدعي المغرضون، بل ما أراد إلا التنبيه لحالهن فقط، أما نقصان دين المرأة فواضح مما قاله الرسول، وأما نقصان العقل فهو إشارة إلى قول الله: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ وذلك في باب الشهادة، حيث أن المرأة الواحدة قد تنسى فتذكر إحداهما الأخرى كما جاء في الآية، قال ابن حجر في شرح هذا الحديث: فسؤال النساء الرسول عن ذلك دليل على نقصان عقلهن، إذ الأمر معروف لا يحتاج إلى السؤال، فالسيدة المعترضة على هذا الحديث لم تفهمه، ولعلها لم تسمع به، وكثير من النساء مدحن المرأة فوق وأكثر من اللازم، لأغراض لا تخفى على أحد، والأعجب من ذلك أني لم أسمع واحدا من العلماء الحاضرين ردها عن خطئها ذلك لأني سمعت كلمتها تلك بواسطة التلفزة الجزائرية، والملاحظ الذي لا ينكر أن أصل خلقة المرأة وتكوينها أضعف من خلقة وتكوين الرجل، فهل تعترض المرأة على الخالق الذي اقتضت حكمته أن يخلقها هكذا؟
أو هل تنكر هذا أيضا؟ ومن أنكرته فلتتقدم إلى ميدان الرجل وتحمل
الأثقال مثل الرجل ولتكن حينئذ مثله أو فلتسكت عن شقشقة الكلام الفارغ
فقد أسرفت في قيمة نفسها بما لا يقبله العقل، بل وادعت أنها كل شيء
في هذه الحياة.
стр. 261
كونوا للمرأة - في كل البلاد الاشتراكية - اتحادا سموه "الإتحاد النسائي" ومنحوه من القوة ما لم يعط غيره من اتحادات الرجال، بل ما لم تنله أية هيئة، ولو كانت تربوية أخلاقية دينية أو غيرها، وأعطي من المال ما لم يعط غيره كذلك، وبهذه الامتيازات - أو التمييز العنصري إن شئت - صارت للمرأة قوة لا تضاهيها قوة الرجل، فالرجل - مهما علا - لا يساوي قلامة ظفر أمام المرأة - مهما نزلت - لغرض لا يخفى على أحد، فكلما تقدمت المرأة بشكوى ضد الرجل - رجل الحروب والكفاح والأعمال - إلا ونال ما نال من التعذيب والاحتقار والإهانة، وكم من رجل ترك داره وأولاده وفر هاربا بنفسه ودينه وشرفه مما يلقاه، هذا هو الواقع فعلا في كل بلد انتحل الاشتراكية المزدكية.
كما سخرت لها وسائل الإعلام، وجعلت تحت تصرفها، من صحافة، وإذاعة، وتلفزة، فللإتحاد أن ينشر ويذيع ما بدا له، وصارت المرأة المسلمة - وفي هذا الوصف نظر - (عضوة الإتحاد) تسافر وحدها بدون محرم لها يحميها - وهذا ما تنهى عنه الشريعة الإسلامية - تطوف أطراف العالم القريبة والبعيدة بدعوة من الإتحاد الفلاني الخ ...
وجعل للمرأة يوم خاص بها سموه - يوم المرأة - تقول فيه ما تريد، وتعطل فيه - وحدها - عن العمل، ولم يجعل للرجل مثله، فإذا قابلنا النوع بالنوع، وتفضيل صنف على صنف قلنا أليس هذا: هو - التمييز العنصري - الذي تنادي بإبطاله الحكومات والشعوب العالمية ... ؟؟؟
الجواب: أي وربي إنه لهو هو.
وإذا دققنا النظر في أصل الموضوع - موضوع المرأة - فإننا نجد أنفسنا - كمسلمين - قد أنزل الله كل واحد من الصنفين في منزلته، فالرجل له مقامه لا تغني عنه فيه المرأة، كما أن للمرأة منزلتها لا يغني عنها فيها الرجل فنحن في حاجة إلى تطبيق أحكام ديننا فقط، وإذا ظلم رجل مسلم امرأة مسلمة فليس معنى هذا أن الإسلام هو الذي ظلمها، فكم تظالم المسلمون - - وغيرهم - سواء في ذلك الرجال والنساء، كما قال الشاعر المشهور أبو الطيب المتنبي:
والظلم من شيم النفوس فإن تجد ... ذا عفة فلعلة لا يظلم
стр. 262
فكان الواجب على المسؤولين المسلمين أن يرجعوا - إن كانوا مسلمين - إلى قوانين دينهم فيطبقوها لا إلى إلغائها وتعويضها بقوانين بشرية وضعت لأمة غير مسلمة ولا مؤمنة.
إن الكمال البشري كما يكون في الرجال يكون في النساء، غير أنه فيهن قليل كما حكاه التاريخ الإنساني وهذا راجع إلى أصل الخلقة والتكوين، وقد ورد في الحديث الصحيح قول الرسول محمد ﷺ : ((كمل من الرجال كثير، ولم يكمل من النساء إلا آسية امرأة فرعون، ومريم بنت عمران الخ) بلا غرور أو تغرير.
والموضوع - موضوع المرأة - محرج كثيرا - حسبما نرى - ودقيق جدا، والخوض فيه قد يجعل للخائض فيه خصوما وأعداء - إذا تكلم فيه بالحقيقة - قد يفوقون في العدد المؤيدين والأنصار والأصدقاء - وإن كان على الحق - ذلك لاندفاع الناس وراء الشهوات والأغراض والأطماع حتى صاروا يشبهون المزدكيين - تماما - تاركين الشريعة الإسلامية وراء ظهورهم، متأثرين بما يذيعه بينهم إبليس وأعوانه بغوايته ووسوسته، حتى أنساهم ربهم ودينهم:
في كل شيء إذا ضيعته عوض ... وليس في الله إن ضيعته عوض
الفصل الثالث: وصية الإسلام بالرفق بالضعفاء: اليتيم، والمملوك، والمرأة .
إن الإسلام كان - ولن يزال - مصدر نور لبني آدم، بنوره يتجنبون الأخطار والمهالك، وبوصاياه يسعدون ويسعدون.
فالإسلام في تشريعه ووصاياه لم يظلم أحدا، لا المرأة ولا غيرها، بل نجده يوصي الأقوياء ويؤكد عليهم، يوصيهم بأن يعاملوا الضعفاء بالرفق والإحسان، والرحمة والحنان - بالنظر لضعفهم - ولا أضعف من هؤلاء الثلاثة: اليتيم، والعبد المملوك - أو الخادم -، والمرأة، من ذلك قول رسول الله ﷺ ، ((اتقوا الله في الضعيفين: المملوك والمرأة)) (١).
стр. 263
١ - أما اليتيم فقد أوصى الله به خيرا، فإن كان له مال أوصى بالمحافظة عليه، حتى لا يبدد ويذهب سدى، ويبقى له إلى أن يصير رشيدا يحسن التصرف، ويدرك واجباته، ولا يخفى علينا هذا الوعيد الشديد من الخالق العليم: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾ (١) وإن كان فقيرا فقد أوصى بالإحسان إليه، في تربيته، ورعايته، وكفالته، قال ﵊: ((أنا وكافل اليتيم في الجنة)) (٢) وقرن بين أصبعيه السبابة والوسطى كما فعل هذا راوي الحديث لمشاهدته فعل الرسول ذلك، وقال تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ﴾ والوصايا باليتيم كثيرة، كحديث المسح على رأسه وملاطفته وعدم إبكائه، ويبقى عطف المسلين عليه إلى أن يحتلم ويبلغ مبلغ الرجال، ويعتمد على نفسه عند ذلك يزول عنه لقب اليتيم، كما قال ﵊: ((لا يتم بعد احتلام)) (٣) فأي قوانين البشر توصي بمثل هذا؟ ٢ - أما المملوك - أو الخادم - هو الآخر فقد حث الرسول ﷺ أمته على أن تعامله المعاملة الحسنة، كما تعامل أولاد الصلب، تطعمه مما تأكل، وتلبسه مما تلبس، ولا يكلف بما لا طاقة له به، فإن كلف بما يشق عليه أعين عليه، قال ﵊: ((إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم ما يغلبهم، فإن كلفتموهم ما يغلبهم فأعينوهم)) (٤).
فهل في قوانين البشر ما يشبه هذا؟ لا نعلم شيئا من ذلك، خصوصا ونحن نعلم أن العبيد كانوا يعاملون قبل وقت مجيء الإسلام معاملة دون معاملة الحيوانات ... والتاريخ شاهد عدل على هذا ... فالخوف من مخالفة شرع الله - والله عالم بما يقع - والشعور بمراقبة الله فوق الخوف من القانون البشري.
стр. 264
٣ - أما المرأة فقد رفع الإسلام قدرها، وأعلى منزلتها، في حدود وظيفتها، وأوصى بها خيرا، بالإحسان إليها كيفما كانت، أما، أو بنتا، أو زوجة، بعد أن كانت قبله محتقرة لا تذكر ولا تستشار في أي شيء حتى فيما يعود إليها شأنه، وقد خولها الإسلام ما تستحقه، فإن كانت أما فحقها على ولدها عظيم، فعليه رعايتها ونفقتها إذا كانت فقيرة، فلها عليه حقوق ثلاثة ولأبيه عليه حق واحد، كما نبه على هذا أشرف الخلق ﷺ ، فقد أخرج الشيخان - البخاري ومسلم - وغيرهما عن أبي هريرة ﵁ قال: جاء رجل إلى رسول الله ﷺ فقال: (يا رسول الله من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من؟ قال: ((أمك))، قال: ثم من.؟ قال ((أبوك))) وأعظم من هذا فإن رضى ربه موقوف على رضاها، وفي قول الرسول ﷺ : (الجنة تحت أقدام الأمهات) (١) كفاية.
وإن كانت بنتا فقد أوصى الإسلام أباها بتربيتها وتعليمها حتى تستقل بنفسها في بيتها، وسيرة السلف فيها الكثير من هذا الإرشاد الديني الذي جهله الخلف، فأصابه الانحراف والتلف.
أما إن كانت زوجا فالله جل وعلا أوصى الرجال بحسن معاشرة الزوجات، كما قال: ﴿وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ﴾ (٢) وفي هذا الأمر ما فيه من شتى الوصايا.
وفي حجة الوداع خطب الرسول ﷺ خطبته المشهورة - في يوم عرفة - في المشهد الحافل، تلك الخطبة التي جمعت الشيء الكثير من حسن التوجيه وأصول الدين وفروعه، وهي في الحقيقة خطبة رسمها الرسول ﷺ للمسلمين كي يسيروا عليها، في هذه الوقفة المشهورة في التاريخ الإسلامي لم ينس الرسول الرحيم المرأة المسلمة، فاهتم بها، فقد أوصى واستوصى بالنساء خيرا، بل وحتى في اللحظة الأخيرة من حياته، وقبل مفارقته لهذا العالم، فقد أوصى بالصلاة وبالنساء خيرا.
стр. 265
فكذلك المرأة في محيط الحياة التي تحياها - كمسلمة - تحترم دينها، فتؤدي فروضه وتبتعد عن منهياته، فإنها لم تهمل أو تهن، فالله يقول: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى - وَهُوَ مُؤْمِنٌ - فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ (١).
فهل بعد هذه العناية والاهتمام بالمرأة المسلمة - طبعا - ومكانتها في الشريعة الإسلامية المحمدية - وما لم أذكره كثير - ينعق الناعقون - دعاة الإلحاد - اتباع كل ناعق، كما قال علي كرم الله وجهه - وأعوان إبليس، بأن الإسلام لم ينصف المرأة ... ؟؟؟ وهل هم أرحم بالمرأة من خالقها الرحيم العالم بتكوينها ووظيفتها في المجتمع الذي تعيش فيه .. ؟ نقول ونؤكد بأن الإسلام أوصى خيرا بالمرأة المسلمة حقيقة لا بالمتشبهة بالمرأة الأروبية. إن الإسلام لم يجحف المرأة حقها، بل ساوى بينها وبين الرجل في كل شيء إلا فيما هو من اختصاصه أو من اختصاصها، من غير تزاحم بينهما فيه، بل وفضلها عليه - بالنظر لضعفها - في بعض الأمور كالنفقة - مثلا - فإنه أوجبها عليه، ولم يكلفها بشيء منها في جميع حالاتها - صونا لها وحفظا لكرامتها من الابتذال والتذلل في سبيل التحصيل على لقمة العيش - وكالحضانة فإنه خصها بها دون الرجل لمزاياها في هذا الشأن، وفضله عليها في الإرث نظرا لما عليه من واجبات النفقة على زوجته وأطفاله، وهي معفوة منها، هذا بعض فقه حكمة التشريع التي تعامى عنها المغرضون الهدامون، في حق المرأة المسلمة.
الفصل الرابع: صون الإسلام للمرأة، وابتذال غيره لها .
أراد الإسلام للمرأة الصيانة، والعفة، والطهارة، والكرامة، والشرف، وأراد لها إبليس وجنوده وأنصاره خلاف هذه الأوصاف، فهم يريدون لها أن تحوم حول حمأة الحياة المنتنة القذرة، ليسهل عليهم جرها إلى الحمأة وإدخالها فيها، واقتناصها وصيدها منها، لأغراض إبليس الملعون، ولا يستطيعون أن ينكروا ذلك، فالمشاهدة لا تنكر، وهي أقوى دليل على ما يخفون.
стр. 266
والإسلام يحب لها أن تبتعد عن كل هذه القاذورات والأوساخ التي تصادفها في الطريق، وتلقاها أينما توجهت وحلت، فكل من دعا أو عمل على الزج بالمرأة في وسط المجتمع الفاسد السيء الخلق، هو داخل في قول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ (١).
وصدق الله في قوله الحكيم.
قالوا للمرأة المسلمة: إنهضي وطالبي بحقك في المساواة - التامة - حتى تكوني مثل الرجل في كل شيء.
وهل هي في خلقتها وتكوينها مثل الرجل ... ؟؟
استجابت المرأة المسلمة - في بعض الأقطار الإسلامية - للرغبة الملحة عليها، فقامت ورفعت صوتها: أريد حقي .... في السياسة، والوزارة، والإدارة، والاقتصاد، وفي تسيير دفة الحكم ومقاليد الأمور، وفي غشيان المجتمعات العامة بلا حدود توقفني أو تحد من نشاطي، إلى غير ذلك من المطالب - المحترمة والمعقولة جدا - وقالت: أريد المساواة - التامة - وإزالة الفروق بيننا حتى في فروق اللغة العربية، تلك اللغة التي تفرق بين الرجل والمرأة ... وهذه الفروق التي تعنيها سيدة الزمان - المرأة المسلمة - هي من حسنات اللغة العربية الدالة على سعة مفرداتها وأساليبها في الخطاب، والغيبة، والافراد، والتثنية، والجمع، ليسهل على السامع فهم المراد من الكلام.
فمن الفروق - مثلا - تاء التأنيث، ونون النسوة، وكسر التاء، والكاف في خطاب المؤنث، فالمرأة العربية المتحررة - كما تزعم - قد طالبت - فعلا - بأن تزال وتحذف من اللغة العربية تاء التأنيث ونون النسوة وكاف الخطاب المكسورة، لأن في المذكورات فرقا أو تفريقا بين الفعل المسند إلى المذكر والفعل المسند إلى المؤنث، فعوضا من أن تقول: - قامت زينب - يجب أن تقول: - قام زينب - بإسقاط التاء كما تقول في المذكر: قام صالح، وبدلا من قولنا: النسوة قمن، يجب أن نقول: النسوة قاموا، مثلما نقول: الرجال قاموا، وبهذا الاقتراح السديد - أو الأعرج - تكون
стр. 267
المساواة - تامة - بين الرجل والمرأة في اللغة العربية، التي ظلمت المرأة حين ميزت بينها وبين الرجل - كما ظلمها الإسلام حين ميز بينهما في الإرث - كي لا يختلط الفعل المسند للرجل بالفعل المسند للأنثى، وهو اقتراح يدل على الجهل والغرور والغباوة.
حقا ... إننا في زمن الخلط، والتخليط ... والاختلاط ...
هذا الذي ذكرته مطلب قدمته - أو قدمه - إحدى - أو أحد - الجمعيات النسائية إلى بعض مجامع اللغة العربية، طالبة - أو طالبا - منه أن يقرر حذف تاء التأنيث ونون النسوة، وبينما المجمع اللغوي - الأمين على اللغة العربية - يناقش الاقتراح الجريء بل العجيب في نوعه، إذا بأحد أعضائه الأذكياء يفاجئ المجمع برأي سديد - أو نكتة - فيلقي بين أعضائه في وسط المجمع قنبلة - ذرية عربية - نسفت الاقتراح من أساسه وقاعدته، فبعثت بالاقتراح الغريب إلى سلة المهملات الحقيرة، وتلك القنبلة هي قول هذا العضو الذكي: (للمجمع أن يقرر ما يشاء، ولكنه لن يستطيع أن يحذف النون التي خلقها الله ...).
ولعل المرأة - ومن ورائها من يدفعها، أو يجرها - ستطالب في يوم - ما - بمساواتها بالرجل في إبطال - العدة - عنها كالرجل - كما أشار إلى هذا بعض النبهاء - ذلك أن المرأة إذا طلقت أو مات عنها زوجها، أوجبت عليها الشريعة الإسلامية أن تعتد - وتتربص - المدة المعروفة حتى يظهر أمرها، هل هي ذات حمل من زوجها المطلق أو المتوفي أو لا؟ والحكمة في إيجاب العدة على المرأة دون الرجل ظاهرة، وهي اختبار براءة الرحم، حتى لا تختلط الأنساب والأولاد، لأن المرأة هي المنجبة للأولاد، فلعلها تطالب في يوم من الأيام بإلغاء العدة، وتقول: يجب أن تجعلوا قانونا وضعيا يبطل العدة الشرعية على المرأة ويبيح لها أن تتزوج من يوم طلاقها أو موت زوجها أو ما يقرب منه بدون انتظار أمد العدة الذي قد يطول، فهي تريد أن تكون كالمرأة الأمريكية.
والذي نعرفه أن المرأة الأمريكية قد تتزوج مرتين أو أكثر في الشهر الواحد، وتفارق كذلك، وأمريكا هي بلاد العجائب، كما يقال ...
стр. 268
ولعل المرأة المسلمة تجد من أصحاب القانون - الوضعي - من يلبي طلبها ويقول: إن المرأة المسلمة مظلومة ظلمها الإسلام، حيث لم يسو بينها وبين الرجل، مثلما سمعناها تطالب بتسويتها معه في الوظيف وتحمل مسؤولية شؤون البلاد، وفعلا فقد تم لها بعض ما طلبت، والعاقل يسأل هذا السؤال ويقول: هل للمرأة من الاستعداد والقدرة ما يجعلها كالرجل في تحمل المسؤولية في هذه المهمة الصعبة ... ؟؟؟
إن الواقع قد كشف عجزها عن تسيير الشؤون العامة في غير ما بلاد، وهذا هو السر في قول الرسول الأعظم ﷺ في الحديث الصحيح: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) (١) وليس هذا من الرسول ﷺ قدحا في المرأة، أو تنقيصا من شأنها - كما توهمه بعض الجاهلين - إنما ذلك راجع بالذات إلى طبيعة خلقتها وتكوينها، و ((كل ميسر لما خلق له)) (٢) كما ورد في الحديث.
فالإسلام - دين الله الحكيم العليم - قد راعى في المرأة مزاجها وذاتها، فكلفها بما هو من خصائصها، فمنحها إنجاب الأولاد، وتكوين الرجال والأجيال، وتهيئتهم للمستقبل وللبلاد - وليس هذا بالأمر الهين - فإذا زج بها في وسط المجتمع المختلط، للخدمة وغيرها، فقد ضاعت المهمة التي كلفتها بها الفطرة وساء حال الأمة، وفعلا وقع هذا ولا يستطيع أحد نكرانه ...
لنفرض - جدلا - أن طبيبا حاذقا لصنعته يعالج المرضى في المستشفى أو في المصحة، والأمة في أمس الحاجة إلى خدماته فيما هو من خصائصه، فإذا أخرجناه من محل عمله - المستشفى أو المصحة - وأوليناه عملا آخر لا صلة بينه وبين عمل ما هو خاص به، كمحافظ للشرطة أو غيره من الأعمال، هل يعتبر هذا العمل إصلاحا - في المجتمع - قمنا به وتوفيقا ورعاية للمصلحة العامة ... ؟؟؟ اللهم لا يقول بهذا الإصلاح إلا المجنون ... وبالعكس من هذا لو نقلنا محافظ الشرطة من عمله إلى عمل الطبيب في المصحة أو في المستشفى، لو فعلنا هذا لذهبت البلاد إلى الهاوية السحيقة، نتيجة لسوء التصرف وتصريف
стр. 269
الأمور، ولقال العقلاء لنا: إنكم قوم مجانين جهلة لا ذوق لكم، فأنتم والحيوانات العجماوات سواء، كما هو واقع - فعلا - الآن ...
إن الشريعة الإسلامية - العادلة - قد وزعت الأعمال والأدوار - حسب الفطرة - على صنفي بني آدم وحواء - الذكر والأنثى - فلكل منهما عمل يؤديه، ودور يقوم به في هذه الحياة، فإذا قام كل واحد منهما بعمله أحسن القيام، وأتقن دوره صلحت الحياة، وعمها البشر والسرور والطمأنينة، وكانا شريكين صادقين أمينين فيه، أما إذا أخل أحدهما بما أسند إليه فتركه وراح يعمل عمل غيره، فإن الحالة تنعكس إلى ضدها - وهذا مما هو مشاهد - وتهلك البلاد.
ولنفرض - ثانيا - أن بلادا - ما - هاجمت بلادا أخرى، فإن النظام المتبع أن الجيش هو الذي يتولى الدفاع عن البلاد، والعمل على صد العدوان بكل وسيلة هي في الإمكان.
هذا الجيش الذي يذهب إلى الواجهة يحمل معه السلاح ليقوم بواجب الدفاع عن تراب الوطن، هو في حاجة إلى من يحضر له جميع ما يحتاج إليه، من طعام ولباس وذخيرة حربية وغير ذلك من الضروريات اللازمة للموقف، فلا يقبل عقلا - وعرفا - أن نقول: يجب على كل فرق الجيش أن تتوجه إلى الواجهة حتى الفرقة التي كانت تهيئ له المعدات الضرورية وغيرها، من غير أن تبقى فرقة لتهيئة ما يلزم من الضروريات، فإذا ذهبت - على هذا الفرض - كل فرق الجيش إلى ميدان المعركة، فإنها لا تقوى على الثبات في وجه العدو الذي يحاربها، فإذا أصابها الجوع أو العطش، أو نفدت لها الذخيرة، أو لم يكن لديها طعام وشراب وذخيرة، أصابها الضعف وتقهقرت إلى الوراء وخسرت المعركة وغلبت على أمرها، لأن قواها ضعفت، ولم تبق لها قوة للدفاع عن نفسها وبلادها، وانهزم الجيش في هذه المعركة، فإن كل فرق وأفراد الجيش شركاء في الهزيمة.
أما على النظام المتبع الذي جرت به العادة - لدى جيوش جميع دول العالم - فإن طائفة تحمل السلاح وتسير إلى ميدان المعركة لمحاربة الأعداء، وهي مطمئنة على قوتها وضرورياتها، لأنها تعرف أن طائفة أخرى من الجيش بقيت وراءها لتحضر لها طعامها وشرابها وضرورياتها من لباس ومعدات وغيرهما.
стр. 270
فإذا انتصر هذا الجيش الذي حارب عدوه بنظامه المعروف، فإن النصر الذي ناله يشمل جميع فرق الجيش، - كما أن الهزيمة تشمل الجميع - لا فرق بين من حمل السلاح، وبين من بقي في المؤخرة يهيئ الطعام أو يحرس الذخيرة الخ ...
فإذا تطاول حاملو السلاح في الواجهة على الطباخين - مثلا - وقالوا لهم - مفتخرين - نحن اللذين جئنا بالنصر، والفضل لنا، أجابهم طباخو الطعام: نحن شركاء لكم، إذ لنا سلاحنا كما لكم سلاحكم، ولولانا لما قدرتم على الوقوف في الواجهة، والحق إلى جانبهم، وكل العقلاء يوافقونهم على قولهم، ويحكمون لهم بأنهم شركاء في النصر، فهم ومن حمل السلاح سواء.
هذا هو الواقع، وهو ظاهر فلا يمكن تغطيته بكلمات فارغة جوفاء لا معنى لها، وخطب تطرز وتحشى بألفاظ العطف والشفقة ورعاية المصلحة إلى غير هذا، ولكنها في الحقيقة تضليل ومخادعة وتضييع للمصلحة العامة، كل ما فيها هو إفساد للمجتمع بإفساد عضوه العامل في دائرة عمله، وتعطيله عن العمل الخاص به، من أجل إرضاء رغبات شيطانية ألبست لباس العدل ودفع الحيف والإجحاف، ولا ينبئك مثل خبير، فإن الأخبار بفساد المجتمع - الاشتراكي - في كل مكان - متواترة - والتواتر يفيد القطع كما هو معلوم.
فالمرأة المسلمة أكرمها الله، وأسبل عليها ستره، وحفظها بحفظه، غير أن البعض منهن - أو منهم - أراد أن يكشفها، فكشفها - فعلا - ورمى بها وسط مجتمع لا تربية إسلامية له، ولا آداب ولا أخلاق حسنة فيه، فذهبت ضحية الأغراض السيئة، فالمرأة المسلمة أعزها الله في شرعه، وأراد إخوة إبليس إذلالها وإهانتها وشقاءها، فكثيرا ما غبطتها المرأة الأروبية القديمة والحديثة، وتمنت أن لو كانت مثلها - في كرامتها وتكريمها - وفي هذه القصة التي أذكرها الآن نوع من ذلك التمني. ذكر لي أحد الأصدقاء من الذين قضوا مدة في فرنسا - كعامل فيها - هذه القصة قال:
في يوم من الأيام قمت لعملي مبكرا، وركبت القطار الذي يسير تحت الأرض المسمى - ميترو - وكان - بالطبع - مختلطا بالعاملين والعاملات،
стр. 271
وكان إلى جنبي امرأة أروبية عاملة هي الأخرى وكانت تتأفف من - الحياة وأتعابها، ولما عرفتني أنني مسلم جزائري قالت لي: كم أتمنى أن لو كنت امرأة مسلمة أقيم في بيتي، أربي أطفالي، وأقوم بشؤون بيتي، وزوجي يعمل خارج البيت، كي نعيش مع أطفالنا عيشة هنية سعيدة، قال محدثي: فقلت لها: وما الذي أسخطك وأغضبك من هذه الحياة؟ قالت: ها أنت ترى حالي، إنني أفارق بيتي كل صباح في الساعة السادسة ولا أعود إليه إلا ليلا، وأنا فيها بين رئيسين اثنين: رئيس المعمل، فهو يطالبني بالعمل في المصنع، ولا يسمح لي بالتأخر لحظة، وإذا تأخرت فهناك الزجر والتقريع والتهديد بالطرد من المصنع، ورئيس البيت - زوجي - يطالبني بحقه علي، فأنا في أشد الاضطراب والحيرة من حياتي التعسة، ثم تنفست وقالت: آه لو كنت امرأة مسلمة لكنت في راحة تامة من كل هذا العناء الذي أعانيه والتعب والشقاء الذي أنا فيه ... قال: فقلت لها: اصبري وتحملي هذه هي حياة مجتمعكم ...
هذه شهادة امرأة أروبية - تقدمية بلا شك - عرفت أن هناءها وسعادتها في بيتها، ووسط زوجها وأطفالها، لا في المصنع ولا في - الإدارة - وكم من امرأة أروبية قالت وتمنت مثل هذه السيدة، ذلك أن المرأة أدركت - بعد التجربة - أن قسمة العمل بين الرجل والمرأة أولى وأفضل بها، فهي عاملة في البيت، وهو عامل خارجه، ليقتسما أتعاب الحياة، وليخف الحمل على المرأة الضعيفة، وبهذا تكون الحياة خفيفة - نوعا ما - وسعيدة عليهما، إذ هي شركة بينهما.
ولعل في كلمة الفيلسوف الإنكليزي - المعاصر - والمتوفى أخيرا - بيرتراند راسل - درسا بليغا لمن أراد أن يفهم حقيقة الحياة والواقع - من حمقى المتزعمين - حقيقة عمل المرأة خارج بيتها ومملكتها وإدارتها.
هذا العمل المخالف لما أوصت به الشريعة الإسلامية من صون المرأة المسلمة عن الاختلاط بالرجال، حتى في أوقات العبادة كالصلاة والطواف بالبيت وغيرهما مما قد يحدث فيه اجتماع في وقت واحد، وقد علمنا أن الشريعة الإسلامية وزعت الأعمال بين الذكر والأنثى، فالفيلسوف الإنكليزي (بيرتراند راسل) غير رجعي، وغير تقدمي أيضا ... ولكنه فيلسوف أدرك الحقيقة بفكره الصافي النير، كتب هذا الفيلسوف يقول تحت عنوان:
стр. 272
(المرأة الغربية العاملة)
قال: (لقد انحلت الأسرة باستخدام المرأة في الأعمال العامة، وتبين أن كثرة الجرائم في - أمريكا - وسبب الأزمات العائلية فيها، هو أن الزوجة تركت بيتها لتضاعف دخل الأسرة، فزاد الدخل، ولكن انخفض مستوى الخلق. كما أن انطلاق المرأة نحو العمل أورث الحضارة الغربية مشكلات عميقة، وأفقد المرأة نفسها الكثير مما اختصت به، فقد أنهكتها المهنة، وتدبير المنزل والأطفال. وأصبحت مخلوقا جديدا، لا هو رجل ولا هو امرأة ...)
الفصل الخامس: مثال من حصافة رأي المرأة العربية المسلمة .
ومثلما فهمته تلك السيدة الأروبية من حياة المرأة، وكذلك ما أدركه الفيلسوف الإنكليزي "بيرتراند راسل" في كلمتيهما السابقتين، مثل ذلك أرشد إليه الإسلام في تشريعه، ونبه إليه الرسول ﷺ في حديثه، وقد أجاب به سيدة عربية مسلمة - مبعوثة - النساء إليه، حين جاءته موفدة من قبل النساء الصحابيات رضوان الله عليهن.
وردت قصة هذه المرأة الموفدة إلى الرسول ﷺ في كتب الحديث والسير، قالوا: ان (أسماء بنت يزيد بن السكن الأشهلية الأنصارية) جاءت إلى الرسول ﷺ موفدة إليه من جماعة النساء يسألنه عن الأعمال التي يقوم بها أزواجهن خارج البيت، وعن الأعمال التي تؤديها زوجاتهم داخل البيت، فهل بين عمل الزوج وزوجته صلة وارتباط واشتراك أو لا؟ وهل الجميع شركاء فيه؟
وأسماء هذه من العربيات المسلمات المبايعات للرسول ﷺ ، الوارد خبرهن في الآية الكريمة، وهي قوله تعالى وتقدس: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَادَهُنَّ وَلَا يَأْتِينَ بِبُهْتَانٍ يَفْتَرِينَهُ
стр. 273
بَيْنَ أَيْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَاسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ (١).
كانت هذه السيدة الفاضلة - أسماء بنت يزيد - تلقب بـ "خطيبة النساء" ويكفي دليلا على تصديق هذا اللقب فيها هذه الأسئلة العجيبة التي تقدمت بها إلى رسول الله ﷺ ، مما دل على حصافة رأيها وجيد عقلها، وفصاحة لسانها وشجاعتها في الموقف الذي وقفته بين يدي الرسول وهو مع أصحابه، وقد أعجب بها وبفصاحة لسانها، حتى لفت أنظار وانتباه أصحابه إلى بلاغتها في عرض ما جاءت من أجله عليه.
وهذه قصتها وأسئلتها، وهي عبرة للمعتبرين والمعتبرات منا، قالوا: (إن أسماء أتت النبي ﷺ ، وهو بين أصحابه فقالت: بأبي وأمي أنت يا رسول الله، أنا وافدة النساء إليك، إن الله بعثك إلى الرجال والنساء كافة، فآمنا بك وبإلهك، وإنا - معشر النساء - محصورات مقصورات، قواعد بيوتكم ومقضى شهواتكم، وحاملات أولادكم، وإنكم - معاشر الرجال - فضلتم علينا بالجمع والجماعات، وعيادة المرضى، وشهود الجنائز، والحج بعد الحج، وأفضل من ذلك الجهاد في سبيل الله، وأن أحدكم إذا خرج حاجا أو معتمرا أو مجاهدا، حفظنا لكم أموالكم، وغزلنا أثوابكم، وربينا لكم أولادكم، أفنشارككم في هذا الأجر والخير ... ؟؟ فالتفت النبي ﷺ إلى أصحابه بوجهه كله، ثم قال لهم: ((هل سمعتم مقالة امرأة قط أحسن من مسألتها في أمر دينها من هذه ..))؟؟ فقالوا: يا رسول الله، ما ظننا أن امرأة تهتدي إلى مثل هذا ... فالتفت النبي ﷺ إليها فقال: ((افهمي أيتها المرأة واعلمي من خلفك من النساء، أن حسن تبعل المرأة لزوجها، وطلبها مرضاته، واتباعها موافقته يعدل ذلك كله)) (٢).
فانصرفت المرأة - عائدة - من لدن الرسول الأعظم ﷺ بعدما سمعت منه هذا الإرشاد النبوي الكريم، والتوجيه القويم، وبعدما اسمعته رغبات النساء اللائي بعثن بها إليه، انصرفت مسرورة مستبشرة وهي
стр. 274
تهلل، ورجعت إلى جماعة النسوة تحمل معها إجابة رغباتهن، عادت إليهن وهي تحمل معها فوق وأكثر ما كانت المرأة تتخيله في خيالها، فهي مأجورة - من الله - بأجر يعادل ويماثل أجر زوجها الرجل في الجهاد، وفي الصلاة، وفي الحج، وفي العمرة الخ، وهي شريكة للرجل في أجر جهاده، وحجه وصلاته، وعيادة المريض، وغير هذا بشرط أن تحسن عشرته - ليتفرغ لأعماله المذكورة - وتعمل من أجل مرضاته، وأن تكون له زوجة صالحة، وفية، أمينة، تعمل على موافقته، وأن تتجنب معاكسته ومخالفته، وهذا هو حسن التبعل.
فبمثل ما ذكر تحصل السعادة الزوجية الحقيقية، فتكون بتقسيم الأعمال، فنظام الأسرة شبيه بنظام الحكومة، فوزير الخارجية في الحكومة مكلف بالاتصالات الخارجية - وهو هنا الزوج - ووزير الداخلية مكلف بتنظيم البلد وأمنه ورفاهيته ونظافته إلى آخر ما يتطلبه وظيفه ومركزه - ويمثل وزير الداخلية هنا الزوجة - فإذا لم يقم كل وزير بما أنيط بعهدته ساء الحال، وتراكمت الأعمال، وتطرق الخلل إلى أجهزة الحكومة، وهذا ما يكون سببا في ضعفها وانقضاء أيامها.
فماضي المرأة المسلمة القديمة ماض مشرق نير، وحاضرها حاضر مظلم، مملوء بالمتناقضات والمخازي، بالرغم مما حف به من هالة التمجيد والتعظيم المزور ليزداد غرورها وخداعها، والحقيقة تكذب دعاة الشيطان ورسله، وأنصار الرذيلة وحماتها.
فالمرأة المسلمة في هذا الوقت تركت مهمتها التي خلقت لها - ولها فقط خلقت - وأرادت أن تترجل - أو أريد لها ذلك - لتكون ألعوبة وملهاة - كلعب الصبيان - في يد إبليس - بعد أن أنقذها الله منه بالإسلام - فضاعت المهمة التي كانت لها، فخربت البيت التي كانت عامرة بها، وانتشرت الفوضى في المجتمع الإسلامي - وهو المجتمع المنظم بنظام الإسلام - فكثر بسبب ذلك الطلاق بين الأزواج كثرة مهولة، وعم النزاع والخلاف، واستحكم بينهما، وساءت العشرة، وذهبت الثقة بينهما بسبب كثرة الخيانة منهما - إلا من قل - والسبب ظاهر غير خاف، فالمرأة تركت مركزها في البيت وإدارتها في الأسرة، ومصنعها في وسط العائلة، إلى إدارة غريبة عنها وعن تكوينها، إلى إدارة أو مصنع لا قدرة لها عليهما، فاستحوذت
стр. 275
- بدفع إبليس وأعوانه - على مركز الرجل وأخرجته منه، وتركته عاطلا بلا عمل، فزادت في مشاكل البطالة مشاكل أخرى، فكثرت السرقات والجرائم، وأبعدت الرجل والشاب عن محل عملهما، ذلك العمل الذي استحقاه بفضل تكوينهما العقلي والجسدي، ودفعت بهما إلى ما وراء البحار، باحثين عن عمل يقوم بهما وبحياتهما، وتربعت السيدة المحترمة، أو الأنسة المهذبة على كرسيهما في الإدارة المغصوبة، فتعطلت بهذا الأعمال وتراكمت القضايا، والزمن يمر مسرعا، والإنجاز قليل.
فالمرأة المسلمة كانت - مقصورة - في بيتها قصر صيانة، وحفظ، وتكريم، لا قصر إهانة وسجن واحتقار، كما يقال في ذلك، وفي هذا كرامتها وصونها وحفظها من كل قبيح ومكروه، وقد أجاد كثير عزة في قوله:
وأنت التي حببت كل قصيرة (١) ... إلي وما تدري بذاك القصائر
عنيت (قصيرات الحجال (٢) ولم أرد ... قصار الخطا شر النساء البحاتر (٣)
فكثير يقول - مادحا عزة - ان "عزة" القصيرة - بمعنى المقصورة - في بيتها هي التي حببت إلي كل امرأة تلازم حجلتها - بيتها - صونا لعرضها وشرفها، وإن كن لا يشعرن بأنهن محبوبات عندي بهذا الوصف يقول هذا هو ما أردته، ولم أرد من النساء قصيرات الخطا اللائي هن شر وأقبح النساء وهن البحاتر، فالقصيرة هي: المقصورة والملازمة لبيتها، لا تطوف في الطرقات وعلى المنازل، والنساء عند العرب يمدحن - فيما مضى من الزمن - بملازمتهن البيوت لدلالة ذلك على صيانتهن عن كل شيء مرذول لا يليق بالعفة والشرف.
كلمة ختامية:
إن الدافع - الوحيد - الذي دفعني إلى طرق باب هذا الموضوع الشائك
стр. 276
والخطير على حياة المتكلم فيه - لانعدام حرية الرأي والقول - في هذا الوقت - كما طرقه غيري من قبل - هو العمل على ما يعزز جانب الإسلام وعقيدته، فقد كثرت التهجمات والإهانات والدعاوي الباطلة على الإسلام، وعلى كل ما هو من الدين، وخصوم الإسلام من بين سائر الأديان - بالخصوص - يزداد هذا منهم يوما بعد يوم، والمقصود من وراء عملهم هذا ظاهر غير خاف، وهو العمل على القضاء على الإسلام - في زعمهم - وعقيدته، وإحلال الإلحاد والزندقة محله.
وقديما كانت فرق الضلالة والغواية تعمل عملا متواصلا لهذا الغرض نفسه، غير أن علماء الدين الغيورين عليه تصدوا لها وواجهوها بنقضها وإظهار تزييفها وخداعها، فأبطلوا مفعولها كما يبطل الخبراء الفنيون مفعول القنابل والمتفجرات - في هذا العصر - التي يريد واضعوها من وراء تفجيرها نسف وتخريب ما وضعت فيه، فيذهب صنعها ووضعها والأمل فيها أدراج الرياح، فيستريح الناس المقصودون بها من شرها وضررها، فتكون الخسارة على من حاولوا التخريب والدمار، فيدمرهم الله ويقضي عليهم، فلا يبقى من بعدهم إلا اسم إجرامهم، يجلب لهم السخط والغضب واللعنات.
والتاريخ يذكر أن هذه الفرق - الخاسرة - التي أريد منها أن تكون معاول هدم وآلات تخريب وفساد، تحارب الأديان والعقائد - لا غير - هذه الفرق لم تأت بمفيد لبني الإنسان، بل ما جاءتهم إلا بما يهلكهم ويجلب لهم الشقاوة الأبدية، وهذا ما يضرهم، ولا ينفعهم.
وتعجبني في هذا الموضوع كلمة - بل هي نصيحة وتحذير أولى - للإمام أبي محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري، جاءت في آخر الجزء الرابع من كتابه المفيد (الفصل في الملل والأهواء والنحل) جعلها كخاتمة له، قال بعد أن ذكر أقوال وأفعال بعض فرق الضلالة ما يلي:
(واعلموا - رحمكم الله - أن جميع فرق الضلالة لم يجر الله على أيديهم خيرا، ولا فتح بهم من بلاد الكفر قرية، ولا رفع للإسلام بهم راية، وما زالوا يسعون في قلب نظام المسلمين، ويفرقون كلمة المؤمنين،
стр. 277
ويسلون السيف على أهل الدين، ويسعون في الأرض مفسدين، ... ثم قال: فالله الله أيها المسلمون، تحفظوا بدينكم).
فهذه الكلمة - أو النصيحة الغالية - كأنها قيلت في عصرنا هذا، ونحن نعلم أن الإمام ابن حزم الظاهري توفي سنة "٤٥٦" هـ ﵀ ورضي عنه.
ففرق الضلالة يشبه بعضها بعضا، سواء ما كان منها في القرون الخالية، أو ما كان منها في العصور الأخيرة، فكلها متفقة في وجهة واحدة، وهي محاربة الشرائع السماوية، لتبقى للناس شريعة إبليس، وهذا هو المقصود منها في القديم والحديث، فالقائمون بها أعوان لإبليس ودعاة له ولتضليله، وكل العقلاء يعرفون من هو إبليس وما هي أهدافه ومقاصده. فقد وجد في الاشتراكية العصرية أكبر عون له على محاربة الشرائع الإلهية، لتبقى شريعته فقط.
ذكرت في الباب الثامن: (الاشتراكية والدين) في الفصل الثاني منه: (محاربة الشيوعية الاشتراكية للإسلام) ما كتبه المدعو (أ. جاكو فينسكي) في صحيفة "برافدا فوستوكا" الشيوعية، فيما يخص صيام شهر رمضان، محاولا بذلك التنقيص من قيمة الإسلام الذي فرض على المسلمين صوم شهر رمضان، وهو كلام جاهل غير عارف لمغزى الدين وحكمة التشريع، وما قاله هذا الشيوعي قال مثله بعض المسؤولين في الشعوب الإسلامية، وقد وقفت - أخيرا - على كلمة كتبها عالم صوفياتي يمدح فيها الصوم، ويظهر ما فيه من أنواع العلاج للمرضى، فأحببت نقلها في خاتمة الكتاب: لنقارن بها بين ما يقوله جهلة الروس الشيوعيون وما يقوله علماؤهم وحكماؤهم في خصوص الصوم.
نشرت جريدة "الشعب" اليومية الجزائرية في العدد (٣١٤٩) بتاريخ ١٤
ذي الحجة ١٣٩٣ هـ الموافق لـ ٨ جانفي - يناير - ١٩٧٤ م في الصفحة الثامنة
ما يلي تحت عنوان:
(العلاج بالصوم)
(أعلن العالم السوفياتي "بيرتر انوخين" أن الصوم عن الطعام لفترة طويلة، وتحت إشراف الأطباء يكون علاجا لبعض الأمراض المزمنة، مثل القرحة
стр. 278
المعدية، والربو، ومرض السكر، وقال العالم السوفياتي الخبير في - فيزيولوجيا الأعصاب -: إن الجسم البشري يتحمل الصوم المتواصل عن الطعام لمدة - ٤٠ - يوما، على أن يستهلك الصائم خلال هذه الفترة كمية غير محدودة من السوائل، وقال "انوخين" في حديثه لوكالة "تاس": إن الصوم يعد أحد أنواع العلاج القائم على تنشيط الجهاز العصبي، وذلك من وجهة نظر علم - فيزيولوجيا - الإنسان، وأضاف: إن التجارب العلمية التي أجريت على الحيوانات أثبتت أن الجوع يحدث تغييرات كبيرة في قشرة الدماغ، ابتداء من اليوم الثالث للصوم عن الطعام وأن هذه التغييرات تثير النشاط الدفاعي للجسم مما يؤثر بدوره على التركيب المرضي للشخص الذي لا يستجيب للعلاج العادي بالأدوية).
هذا كلام عالم طبيب من أطباء الأجساد في الصوم ومنافعه الجسدية - ولم يهتد فيه إلى المنافع الروحية - فماذا أبقى للجهلة الذين ينظرون إلى الإنسان وكأنه حمار أو بغل يأكل ليقوى على حمل الأثقال، كما مرت الإشارة إلى ذلك في الموضوع المذكور سابقا .. ؟
نقلت هذه الكلمة لنرى من خلالها هذا التناقض العجيب بين العلماء والجهلة من الروس السوفيات الذين يحاربون بجهلهم المطبق الشرائع الدينية التي فرضت الصوم على المؤمنين بها.
إن السعادة الروحية التي يشعر بها المؤمنون الصائمون، والأثر الكبير الذي يتركه الصيام في نفوس المسلمين لا يتذوقهما الملاحدة وأعداء الدين، في الصيام لذة تفوق لذة أطيب الأطعمة وأشهى الأشربة، لهذا فهم محرومون منها، وهو حرمان ما بعده حرمان، ولا تظاهيه لذة الطعام الذي لا يصبر عنه أمثال الحيوانات العجماوات ... فما أشبههم بالحيوانات التي لم يركب فيها خالقها العقول المدركة لمنافعها الروحية والبدنية، فهؤلاء قد ركب الخالق فيهم عقولا، ولكنهم أهملوها في جانب الدين والروح، فصاروا أشباه الأنعام التي همها الوحيد هو الأكل والشرب والملذات البدنية، وفي أمثالهم قال الله تعالى في القرآن: ﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ﴾ (١). لهذا تصدوا لمحاربة الأديان - من جهل
стр. 279
شيئا عاداه - وهم في هذا من المنهزمين الخاسرين، ومن حالفهم على ضلالهم وإضلالهم كان خاسرا مثلهم، والتوفيق من الله وحده. إن الحق سينتصر على الباطل - إن شاء الله - طال الزمان أو قصر، وإن الباطل سيهزم ويولي الأدبار - بحول الله كذلك - في الحاضر كما هزم في الماضي، وما رفع الباطل رأسه إلا في غفلة الحق عنه، والحق أحق أن يتبع.
(اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة) (اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني وزدني علما، والحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من أهل النار) (ربنا عليك توكلنا، وإليك أنبنا، وإليك المصير، ربنا لا تجعلنا فتنة للذين كفروا، واغفر لنا ربنا، إنك أنت العزيز الحكيم).
يقول الفقير إلى ربه الغني: عبد اللطيف بن علي بن أحمد بن السلطاني القنطري: إلى هنا انتهى ما أردت جمعه وتحريره من هذا الكتاب الذي عنونته بـ "المزدكية هي أصل الاشتراكية" بعون الله وتوفيقه مع كثرة شغول النفس، ومطالب الحياة، وكان الفراغ من تبييضه في منتصف يوم الخميس العشرين من شهر جمادى الأولى، سنة ١٣٩٤ هـ أربع وتسعين وثلاثمائة وألف من هجرة خير البرية، الموافق للثالث عشر جوان سنة ١٩٧٤ م أربع وسبعين وتسعمائة وألف ميلادية.
اللهم واجعل عملي خالصا لوجهك الكريم، وارحمنا برحمتك يا أرحم الراحين، وسلام على المرسلين، والحمد لله رب العالمين، (والسلام على من اتبع الهدى).