وأعمالهم وآثارهم، ولو كانوا آباء أو أجدادا أو إخوة، فالإسلام قد قطع جميع الصلات بين المسلمين المؤمنين بالله الواحد الأحد، وبين المشركين الجاحدين، السابقين منهم واللاحقين، فيحرم على المسلم المؤمن الموحد لله أن يفتخر أو يفاخر أو يعظم المشركين ومعبوداتهم وآثارهم، لأن الفخر بهم إقرار لهم على شركهم، ورضى بكفرهم، ولا يصدر هذا وأمثاله ممن آمن بربه، ودرى أن الشرك باطل وظلم عظيم: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ وأن المشركين كانوا على ضلال مبين.
لمثل هذا نهى الرسول ﷺ من آمن من قومه - قريش - عن الافتخار بآبائهم، لأنهم كانوا مشركين، والشرك لا يستحق التعظيم والفخر به والانتساب إليه.
جاءت الأخبار تذكر أن رسول الله ﷺ وقف عند باب الكعبة - المشرفة - يوم فتح مكة المكرمة - وخاطب قومه قريشا بأن يدعوا مما كانوا عليه من الفخر بآبائهم المشركين الضالين، فبعد أن وحد الله وأثنى عليه بما يليق بجلاله، بين أن الله هو الذي أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، ثم قال:
(يا معشر قريش ... إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية، وتعظمها بالآباء، الناس من آدم، وآدم من تراب، ثم تلا هذه الآية:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ (١).
وأخرج أبو داود في سننه، في كتاب "الأدب" تحت عنوان (التفاخر بالأنساب) بسنده إلى أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ :
((إن الله قد أذهب عنكم عبية (٢) الجاهلية وفخرها بالآباء، مؤمن تقي وفاجر شقي، أنتم بنو آدم، وآدم من تراب، ليدعن
стр. 72
رجال فخرهم بأقوام، إنما هم فحم من فحم جهنم، أو ليكونن أهون على الله من الجعلان التي تدفع بأنفها النتن)) (١).
فالرسول ﵊ خاطب قريشا بهذا الخطاب - في ذلك اليوم - الذي له عواقبه في الطاعة والعصيان، وقريش كانت تذكر دائما مفاخر آبائها وأجدادها وتعتز بها، فهو يقول لهم: إن الله ينهاكم عن الافتخار بعظمة آبائكم وأجدادكم الكفار المشركين، ويأمركم بترك نخوة الجاهلية، حيث أبدلكم بذلك فخر الإسلام وعز التوحيد واتباع سبيل الحق والصواب، بعد أن كنتم وكان آباؤكم وأجدادكم يتخبطون في ظلام الجاهلية الجهلاء، ويسلكون طريق الباطل والظلم والعدوان والفساد في الأرض فليفتخر وليفاخر - من أراد ذلك - بالإسلام والمسلمين الرحماء، لا بالشرك والمشركين القساة، والأحساب الماضية لا تساوي شيئا، ثم أكد عليهم بترك ذلك الفخر، وإلا كانوا أحقر على الله من - الخنافس - التي تدفع القذرة والنجاسات بأنفها، وتشم بذلك الرائحة الكريهة الخبيثة، وهو تمثيل عجيب، فيه معنى دقيق لمن تدبره وفهم ما فيه من معاني الخسة والحقارة والهوان.
ويزيد هذا توضيحا ما رواه الإمام أحمد في مسنده - وانفرد به - عن أبي ريحانة، واسمه سمعون، وقيل شمعون، وقيل غيرهما، ﵁ أن النبي ﷺ قال:
((من انتسب إلى تسعة آباء كفار يريد بهم عزا وفخرا - وفي رواية عزا وكرما - كان عاشرهم في النار)) أو هو عاشرهم في النار كما جاء في بعض طرق الحديث.
فرسول الله ﷺ يحذر المسلمين من الانتساب إلى أجدادهم المشركين، بقصد الفخر والاعتزاز بهم، فالاعتزاز بالرومان أو بالفراعنة
стр. 73
أو غيرهم كالبربر المشركين الكافرين يشمله هذا النهي وهذا الوعيد الشديد، إذ لا عزة إلا بالتوحيد وطاعة الله وتقواه، كما في الآية المتقدمة، وهي قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾ فمن - يا رب - للمسلمين الذين تركوا عز الإسلام والتوحيد والخلق الكريم، وراحوا يبحثون وينقبون في المقابر والآثار عن رفات الجاهليين والمشركين، ليباهوا بها وبهم الأمم الجاحدة لربها المنكرة لخالقها، بأنهم هم - أيضا - كان لهم أصل في الشرك، فها هم يحنون إليه، ويعتزون به .. ؟؟ فاللهم أنقذهم من هذا الضلال المبين، فقوم منهم يفاخرون بآثار الرومان، وآخرون بآثار الفراعنة، وآخرون بآثار البابليين أو الآشوريين أو العمالقة، أو القرطاجنيين، أو البربر ... وتنفق حكوماتهم في سبيل ذلك الأموال الوافرة في سبيل المحافظة على تلك الآثار - لأنها تجلب السواح ومعهم المال، أما العقيدة وأثرها فلا قيمة لها - فهي تذكر بالشرك والمشركين، وما لهم لا تكون لهم أسوة فيما فعله الرسول ﷺ بأصنام المشركين التي كانت في الكعبة المشرفة؟ فقد كسرها جميعها يوم فتح مكة، وهو يتلو قول الله :
﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (١) إذ من هذه التماثيل يدخل الشرك إلى القلوب، ويعود إلى الحفدة، كما ذكر العلماء في سبب عودة الشرك وظهوره إلى الأرض بعد أن طهرت منه بالطوفان، ذلك أن إبليس أخرج الأوثان التي كانت ردمت بالطوفان، وهي المذكورة في سورة نوح ﵇ في الآية (٢٣) وهي: ود، وسواع، ويغوث، ويعوق، ونسر، وهي تماثيل كانت تمثل رجالا صالحين، فجاء إبليس إلى الحفدة ووسوس لهم وحثهم على عبادتها، وقال لهم: هذه آلهة آبائكم فاعبدوها - برورا بهم - كما كانوا يعبدونها فعكفوا على عبادتها، وكما فعل - السامري - ببني إسرائيل - قوم موسى - كما أخبر بذلك القرآن في قوله: ﴿فَكَذَلِكَ
стр. 74
أَلْقَى السَّامِرِيُّ فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ﴾ (١)؛ فالسامري اتخذ من ذهب بني إسرائيل عجلا له خوار - وهو صوت العجل - وحث بني إسرائيل على عبادته، وقد رأينا من تعلق بعض المسلمين بذلك ما يذهل، فشرعوا يسلكون طريق العودة إلى ما كان عليه أولئك الأجداد المشركون، بتعظيمهم والانتساب إليهم والافتخار بهم وبأسمائهم، فمن أنواع ذلك التعظيم وإحياء تلك الآثار الرجوع إلى التسمي بأسمائهم، فقد صاروا يسمون أولادهم بأسماء أولئك الأجداد المشركين، مثل (فرعون) وهو الذي قال - جهلا وغرورا - ﴿أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى﴾، كما قال: ﴿مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي﴾، ومثل هذا من سمى ابنته (الكاهنة) (٢) يقصد ملكة الأوراس البربرية، أو من سمى ولده (يوغرطة) مما رأيناه آخذا في الانتشار إذا لم يرجع المسلمون إلى أصل دينهم النقي من هذه الآثار والأقذار الشركية.
ومن تعظيم آثار المشركين الدعوة إلى العودة للغة البربرية، فقد أخذ البعض ممن أصلهم بربري في وضع حروف للغة البربرية - وهي لغة بلا حروف - يريد من وراء ذلك الاعتزاز بها، ولتكون عوضا عن اللغة العربية - لغة القرآن - في الجهات التي لا زالت مستعملة فيها كلغة للتخاطب في منطقتها فقط، ولسنا ندري ما تحمله الأيام في طياتها، ولعله سيتقدم - في يوم ما - بمشروعه، طالبا من الحكومة موافقتها عليه ليصبح نافذ المفعول والتطبيق، وهي دعوة جاهلية عنصرية يمقتها الإسلام، لأنها تدعو الأمة إلى الانقسام والتفرق، زيادة عن كونها تحارب لغة القرآن. وبهذه المناسبة نذكر ما قام به المستعمر أيام احتلاله للوطن، فقد حاول التفرقة
بين أبناء الدين الواحد والوطن الواحد، من جهة العنصرية والطائفية فلم يفلح، بالرغم مما بذله من مجهود، من ذلك أنه أنشأ محطة إذاعية خاصة باللغة البربرية، تبث برامجها سائر اليوم وطائفة من الليل، واستمر عملها إلى يومنا هذا، ولربما زاد على ما كان في أيام المستعمر، كما استمر عمل محطتي الإذاعة والتلفزة باللغة الفرنسية - لغة المستعمر - إلى الآن أيضا في أرض
стр. 75
الجزائر العربية اللغة، نحن نعرف أن الأمم كلها تذيع برامج بلغات أجنبية، وفي أوقات قليلة لتطلع الأجانب عنها بما يحدث في الداخل والخارج من غير أن تهضم حق لغة الوطن.
كلنا يعرف أن أشرف اللغات إنما هي اللغة العربية، باعتراف جميع العلماء في القديم والحديث، لأن الله أنزل بها القرآن، وهو أشرف الكتب السماوية، فما معنى إبعاد استعمالها من وسط قسم من سكان الجزائر المسلمين؟ واستعمال اللغة البربرية بدلها، وهي اللغة التي لا حروف لها ولا حساب، لو لم يكن المقصود من ذلك إنما هو إحياء النعرات القديمة التي قضى عليها الإسلام، وفي ذلك تشتيت لعناصر الأمة الواحدة التي وحدها الإسلام دين التوحيد.
فمشروع كهذا لا يستحق إلا الرفض والإهمال، لأنه يهدف إلى إحياء العنصريات التي أماتها الإسلام، وسماها الرسول ﷺ دعوة الجاهلية - وقال: ((دعوها فإنها منتنة)) وقد سمعنا البعض ممن ينتسبون إلى العلم والدين لا زالوا يستعملونها في دروسهم، ومخاطبوهم يحسنون العربية.
ولعلهم يظنون أن هذا دليل على وطنيتهم وإخلاصهم للغتهم البربرية.
وقد نهى الرسول ﷺ عن استعمال لغة غير اللغة العربية لمن يحسن التكلم بها، لأنها لغة القرآن والدين والوحدة، فقد أخرج الحاكم في المستدرك ما يفيد ذلك.
١) أخرج الحاكم في المستدرك بسنده عن ابن عمر ﵄ أن رسول الله ﷺ قال: ((من أحسن منكم أن يتكلم بالعربية فلا يتكلم بالفارسية، فإنه يورث النفاق)).
٢) وجاء فيه أيضا: عن يحيى بن كثير عن أنس بن مالك ﵁ قال:
قال رسول الله ﷺ : ((من تكلم بالفارسية زادت في خبثه، ونقصت من مروءته)) فمتن الحديثين وإن لم يبلغ درجة الصحة أو الحسن إلا أن معناهما يوافق دعوة الإسلام إلى الوحدة ونبذ العنصرية. فالتكلم بلغة غير اللغة العربية في وسط إسلامي فيه نوع من النفاق والخبث والبغض للغة العربية، وذلك يعود في الدرجة الأولى إلى مدى تمكن الإسلام من القلب والنبي ﷺ إنما ذكر اللغة الفارسية لأنها اللغة التي كانت مستعملة في زمنه ومثلها الآن الفرنسية والبربرية الخ، نسأل الله الهداية والتوفيق.
стр. 76
الفصل التاسع: افتخار أمراء المسلمين بإسلامهم، واعتزازهم بدينهم .
كان الحكام المسلمون محل احترام ومحبة وطاعة لأنهم الحماة لهم والمحافظون على أموالهم وأعراضهم، والمدافعون عن حرماتهم، من دين وعقيدة وأعراض وغير ذلك، وقد طبع الإسلام الواحد منهم بطابعه الخاص، ورباه بتربيته الكاملة من حبه الخير للمسلمين، وأمره بالتواضع للكبير والصغير والذكر والأنثى، والغني والفقير، بلا فرق بينهم، ونهاه عن إغلاق بابه دون ذوي الحاجات منهم، كي يصلوا إليه في كل أوقات الحاجة وهو يجتمع معهم في المسجد ومشاهد الخير ولم يرض له أن يكون جارا عنيدا قاهرا لا يصل إليه أحد من ذوي الحاجات إلا إذا كان من المقربين إليه، أو من أصدقاء المقربين إليه، تلك هي تربية الإسلام للحكام المسلمين، نراها ظاهرة جلية في فخر الإسلام والمسلمين، الأمير العادل والخليفة الصالح عمر بن الخطاب ﵁، فقد أفصح عما كان عليه العرب قبل الإسلام من ذلة وهوان وتفرق، وعما وصلوا إليه بعد أن جاءهم الإسلام من عزة وكرامة وقوة واتحاد، فمن أراد العزة والفخر فعليه بالإسلام.
فقد روى الحاكم في المستدرك بسنده إلى طارق بن شهاب قال: (خرج عمر بن الخطاب إلى الشام، ومعنا أبو عبيدة بن الجراح، فأتوا على مخاضة (١) وعمر على ناقة له، فنزل عنها، وخلع خفيه، فوضعهما على عاتقه، وأخذ بزمام ناقته فخاض بها المخاضة، فقال له أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين أأنت تفعل هذا؟ تخلع خفيك، وتضعهما على عاتقك، وتأخذ بزمام ناقتك، وتخوض بها المخاضة؟؟؟ ما يسرني أن أهل البلد استشرفوك (٢) فقال له عمر: أوه ...
لو يقل ذا غيرك أبا عبيدة جعلته نكالا لأمة محمد ﷺ ، إنا كنا أذل قوم فأعزنا الله بالإسلام، فمهما نطلب العز بغير ما أعزنا الله به أذلنا الله)، قال الحاكم هذا حديث صحيح على شرط الشيخين، وفيه أيضا عن طريق آخر عن طارق بن شهاب قال: (لما قدم عمر الشام لقيه الجنود، وعليه إزار وخفان وعمامة، وهو أخذ برأس بعيره يخوض الماء، فقال له يعني قائل (يا أمير المؤمنين تلقاك الجنود وبطارقة الشام وأنت على حالك هذه ... ؟ فقال
стр. 77
عمر: إنا قوم أعزنا الله بالإسلام، فلن نبتغي العز بغيره) (١) نرى من هذا أن عمر بن الخطاب ﵁ لولا مقام قائده عنده أبي عبيدة عامر بن الجراح ﵁ وهو الصحابي الجليل لولا ذلك المقام والمنزلة التي هو فيها لضربه عمر ونكل به حتى يجعله نكالا وعبرة لغيره، لأنه اغتر بالمظاهر، ولم ينظر - كعمر - إلى حقيقة العربي المسلم الذي رفع الله عنه الذل والمهانة بعز الإسلام لا بغيره، فكلمة عمر ردع وتوبيخ لأولئك الذين يحاولون أن يصلوا إلى العزة من غير طريق الإسلام، فالعزة والقوة إنما هما في الإسلام لا غير، ولهذا رأينا ما أصاب العرب والمسلمين من ذلة وهوان حين تركوا الإسلام بما فيه من عبادات ومعاملات وعظمة وتشريع، ولن يرجع إليهم ما فقدوه إلا برجوعهم إلى دينهم، وإلا فلا يطمعون.
ومن إدراك بعض أمراء العرب لحقيقة أنفسهم - كما تقدم في كلمة عمر رض الله عنه - ومقارنة حالتهم وما كانوا عليه قبل الإسلام من الفقر والمذلة والهوان، وما صاروا إليه بعد أن جاءهم الإسلام من الغنى والعزة والكرامة، من أولئك الذين لم تطغهم الإمارة فعرفوا حقيقة أنفسهم: الصحابي الجليل عتبة بن غزوان أمير البصرة من قبل الخليفة الثاني عمر ابن الخطاب ﵄، فلنستمع إلى خطبته القيمة، بل إلى موعظته البليغة أمام ملإ من رعيته.
قال بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
(أما بعد فإن الدنيا قد آذنت بصرم وولت حذاء، وأن ما بقي منها صبابة كصبابة الإناء، وأنتم منتقلون عنها إلى دار لا زوال لها، فانتقلوا بخير ما يحضركم، فإنه ذكر لنا أن الحجر يلقى من شفير جهنم فيهوي سبعين عاما لا يدرك لها قعرا، والله لتملأن، أفعجبتم!؟ ولقد ذكر لنا أن ما بين مصراعين من مصاريع الجنة مسيرة أربعين عاما، وليأتين عليها يوم وللباب كظيظ من الزحام، ولقد رأيتني وأنا سابع سبعة مع رسول الله ﷺ ، وما لنا طعام إلا ورق الشجر، حتى تقرحت أشداقنا، فالتقطت بردة فاشتققتها بيني وبين سعد بن مالك، فاتزرت ببعضها، واتزر هو ببعضها، فما أصبح اليوم منا واحد إلا وهو أمير على مصر
стр. 78
من الأمصار وإني أعوذ بالله أن أكون في نفسي عظيما وعند الناس صغيرا).
ومن هذا القبيل ما ذكره ابن جرير الطبري وابن كثير وغيرهما عند تفسيرهما للآية ٢٦ من سورة الأنفال وهي: ﴿وَاذْكُرُوا إِذْ أَنْتُمْ قَلِيلٌ مُسْتَضْعَفُونَ فِي الْأَرْضِ تَخَافُونَ أَنْ يَتَخَطَّفَكُمُ النَّاسُ فَآوَاكُمْ وَأَيَّدَكُمْ بِنَصْرِهِ وَرَزَقَكُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ فقد رووا عن قتادة ﵁ أنه قال: (كان هذا الحي من العرب أذل الناس ذلا، وأشقاه عيشا، وأجوعه بطونا، وأعزاه جلودا، وأبينه ضلالة، مكعومين (١) على رأس حجر بين الأسدين: فارس والروم، لا والله ما في بلادهم يومئذ من شيء يحسدون عليه، من عاش منهم عاش شقيا، ومن مات ردي في النار، يؤكلون ولا يأكلون، والله ما نعلم قبيلا يومئذ من حاضر الأرض كان أشر منزلا منهم، حتى جاء الله بالإسلام، فمكن به في البلاد، ووسع به في الرزق، وجعلكم به ملوكا على رقاب الناس، وبالإسلام أعطى الله ما رأيتم، فاشكروا لله نعمه، فإن ربكم منعم يحب الشكر، وأهل الشكر في مزيد من الله .
سمعنا من بعض المغرورين من قال: تريدون منا أن نرجع إلى عهد عمر وما كان عليه، فذلك زمان وهذا زمان ... ولولا الغرور بالنفس لما صدر منه هذا القول، ولو تأمل في حياة عمر وفي زمنه لرأى أن تطبيق ما كان عليه عمر هو الآن أيسر، نظرا لما بسط الله من الرزق وتيسير سبل الحياة، والذي ينقصنا الآن عن زمن عمر إنما هو الإيمان بالله وبقضائه والامتثال لما ورد في شرع الله، إن عمر كانت تأتيه الأموال الوافرة، والألبسة الفاخرة من حرير وغيره، فلم يكن ﵁ يقتطع لنفسه ما يعجبه، والباقي يوزعه على رعيته، بل كان يوزعها على الرعية ويبقى هو في عباءته المرقعة وكسرة الشعير، والمميز الوحيد بين حياة اليوم والحياة في زمن عمر إنما هو الإيمان وقوته وسيطرته على النفوس والمشاعر، وتقوى الله والخوف من حسابه وعقابه، وانعدام ذلك منا، وقد أعز الله به الإسلام استجابة لدعوة الرسول صلى الد عليه وسلم، أما أمثال
стр. 79
من صدر عنه ذلك القول فقد أذل الله بهم الإسلام لأنهم أعرضوا عن مادة عزهم واتبعوا الشهوات، فالقرآن ينبه المسلمين إلى أن عزهم واعتزازهم كامن في دينهم، فالله يقول: ﴿وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (١)، نزلت هذه الآية بعد ما قال كبير المنافقين - عبد الله بن أبي بن سلول - قوله الدال على غروره ونفاقه كما حكاه القرآن ليبقى يذكر المؤمنين بأقوال المنافقين، وذلك قوله: ﴿لَئِنْ رَجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ﴾ (٢) فالمنافق يريد بالأعز نفسه، وبالأذل رسول الله ﷺ ، فقد صدق قول الله وخاب المنافق، فأعز الله رسوله والمؤمنين، وأذل الكفر والمنافقين، "قاتل بسعد وإلا فدع".
ومن خلال ما تقدم نرى أن البعض من المتعلمين والمثقفين ثقافة غير عربية إسلامية لم يفيدوا أمتهم بشيء مفيد من ثقافتهم تلك - إلا القليل منهم - بل راحوا يسخرون ويضحكون من أمتهم وثقافتها العربية ومقدساتها الدينية، مثل ذلك الكاتب - كاتب ياسين - الذي سخر واستهزأ بحرمة المسجد وصومعته، وفي الوقت ذاته يفخرون بلسانهم الأعجمي الجديد، ويفخرون بما تعلموه، ومنهم من تنكر لدينه ولغته ووطنه وجنسه فنبذ الدين وحقوقه، والوطن وواجباته، والجنسية وفضائلها التي كان عليها أجداده، فلم يأت لأمته بالمحاسن التي وجدها في اللغة التي تعلمها، كما هو الشأن في كل من تعلم لغة غير لغته الأصلية، يأخذ ما فيما من آداب ومحاسن، وينقلها إلى لغة قومه - من طريق الترجمة - بل رأيناهم بعكس هذا يعملون على الابتعاد من لغتهم وآدابها ساخرين مستهزئين منها ويستعملون في مخاطباتهم لبعضهم اللغة الأجنبية عوضا عن اللغة العربية الشريفة التي شرفها الله بالقرآن، مما عاد بالخسارة عليهم وعلى أمتهم.
فالذي يستعمل في محادثاته ورسائله لغة غير اللغة العربية - وهو يعرف العربية - فذلك دليل على بغضه للعرب، كما هو دليل على نفاقه، فقد جاء في بعض الأحاديث أن النبي ﷺ قال: ((حب العرب إيمان وبغضهم نفاق)) (٣) وقال ﵊ لسلمان الفارسي
стр. 80
رضي الله عنه: ((يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك))، قال سلمان:
فقلت: يا رسول الله وكيف أبغضك وبك هداني الله ؟ قال:
(تبغض العرب فتبغضني) (١).
إن البعض من هؤلاء المتعلمين للغات الأجنبية لو فعلوا ذلك لوسعوا مدارك إخوانهم بما جلبوه لهم من اللغات الأخرى، كما فعل الأولون، فقد أتقنوا اللغات الأجنبية ومنها نقلوا لنا علوم اليونان، من طب وفلسفة وغيرهما مما عاد على الإنسانية كلها بالخير والمنفعة، فلم يفعلوا هذا وأخذوا يسخرون من مقدسات أمتهم وتقاليدها ودينها القويم، مثل ذلك الذي سخر من صومعة الجامع، وهو في الحقيقة سخر من الجامع وما يقع فيه من طاعات لله ومن المؤمنين الذين يؤمونه في كل وقت لتأدية فروضهم الدينية.
فالمئذنة - مثلا - تؤدي واجبها ووظيفتها، فهو يحلو له أن تهدم وتحطم وتطير في الفضاء حتى لا يراها ماثلة أمام عينيه ترمز إلى شعيرة من شعائر الإسلام وهي الصلاة، كما هي دليل على أن البلد بلد إسلامي.
ولعل هذا الملحد يتألم أكثر لو تجول في أطراف الوطن الجزائري، وفي مدنه وقراه لرآى ما قام به الشعب الجزائري من بناء المساجد الكثيرة الضخمة والواسعة، ولا زال مستمرا في بنائها، ليعوض بذلك ما هدمه الاستعمار حين دخل إلى هذا الوطن، مما يدل على أن هذا الشعب مسلم عريق في الإسلام، لا يصده عنه صاد أو صدى مهما تنوعت في ذلك الطرق والحيل، وقد أكثر منها - وخاصة بعد الاستقلال - بصفة هائلة أذهلت الملاحدة ومن على شاكلتهم، وهم يتألمون من رؤيتها ولا يتألمون من رؤية صوامع الكنائس التي تحمل في أعاليها الصلبان، فقد كان المستعمر يخطط المدينة أو القرية وبين دورها وأنهجها الكنيسة أولا، وكان يضع في أعلى الصومعة الصليب محاطا بالنور الكهربائي ليراه الداخل إلى البلاد من بعيد فيقول: أن هذا البلد بلد مسيحي، وقد زال هذا بعد الاستقلال - والحمد لله - فهو لم ينظر إلى هذا الصنيع الذي يخالف تقاليد البلاد ووضع أمامه - فقط - صومعة الجامع، ولعله يرى فيها أنها تمثل الانحطاط والتأخر،
стр. 81
في حين يرى نفسه وثقافته الأعجمية في أعلى الطبقات، أنه مغرور - والله - ومخدوع، خدعته نفسه، وغره الشيطان.
ويجب أن نلاحظ أن البعض ممن تألم مما شاهده من انحراف وخروج عن منهج الشرع والصواب - حسب إيمانه - أخذ ينبه المنحرفين إلى عواقب انحرافهم عليهم وعلى الأمة التي يعيشون في وسطها، وينور الطريق الذي أظلمه بعض من لا خلاق لهم، وأخذ يدافع عن الإسلام كيد الظلمة الكائدين للإسلام وأحكامه وأخلاقه، يدافع عن الإسلام - بحق ونزاهة - فلم يعجب هذا بعض الذين لا يرضون بالرجوع إلى الإسلام وآدابه وأحكامه.
إن ما جرى ويجري في بعض الأوطان الإسلامية يدل على ما يلقاه هؤلاء المدافعون عن الإسلام من بعض المسؤولين في حكومات تلك البلاد من التعنيف والتضييق من أجل دفاعهم عن الإسلام المعتدى عليه في بلده ووطنه، يلقون من ذلك الشيء الكثير، كما يجدون فيهم الغضب وعدم الرضى، وفي بعض الأوقات يبعدون إلى الصحراء والأماكن القاصية والقاسية، وتحاك لهم المكائد والحيل الإبليسية، ويتهمون بشتى أنواع التهم المزيفة الباطلة، كتهمة أخذ المال من دولة أجنبية، أو محاولة قلب نظام الحكم القائم في البلاد، أو الاغتيال، أو اتصاله بأسلحة من دولة أجنبية، إلى آخر ما سمعناه ونسمعه دائما مما يضحك الثكلى، كل هذا من أجل أن يجد الحاكم سندا يستند إليه في حكمه ومحاكمتهم والقائهم في غياهب السجون، ليصفو لهم الجو وليخيفوا بهم غيرهم، حتى لا يتجرأ أحد على إنكار المنكر، وتارة يعدمون أو يشنقون.
وفي نفس هذه الأوطان التي أشرنا إليها قد وجد آخرون - من الملاحدة - اتهموا بنفس التهمة من محاولة القتل أو قلب نظام الحكم، أو إدخال الأسلحة أو غيرها، لكن عند المحاكمة كانت الأحكام أشبه شيء باللعب والهزل، وذلك لأن وراءهم قوة الملاحدة والخوف من غضبهم وقوتهم، والرغبة فيما عندهم، فهل هذا تمييز عنصري أم ماذا يسمى ... ؟؟ من يحب الفضيلة ويعمل لها يضيق عليه في السجن أو يعدم، ومن يبث الإلحاد ويحاول إضعاف سلطة الإسلام يلقى التخفيف، والسبب في ذلك ظاهر لمن فكر قليلا، وهو القضاء على الإسلام في أشخاص الذين يدافعون عنه، واستجابة لرغبة الملاحدة في ذلك.
стр. 82
إن الهدامين للعقيدة والشريعة الإسلامية، والمخربين للأخلاق الحسنة، الجانين على الفضيلة والكرامة، إن هؤلاء مرضي عنهم، بل ويشجعون على هدمهم وتخريبهم، مع الكلمة المسموعة والاحترام، وما هذا من بشائر الخير.
إن المدافعين عن الإسلام يكفيهم - جزاء - رضى ربهم عنهم، ويكفيهم أنهم قاموا بواجب مفروض عليهم، أرضوا بعملهم ذلك ربهم، وبيضوا صحائف تاريخهم وتاريخ دينهم، ليس لهم - من وراء ذلك - مطمع دنيوي، ولا غرض دنيء يعملون من أجله، وحسبهم هذا شرفا وذكرا حسنا، ذلك أنهم في زمان قل فيه حماة الفضيلة وأنصار الحق والخير، وكثر فيه أشياع الرذيلة والباطل والشر، ولقد أحسن القائل القديم في قوله:
مررت على الفضيلة وهي تبكي ... فقلت على ما تنتحب الفتاة؟
فقالت: كيف لا أبكي وأهلي ... جميعا دون خلق الله ماتوا؟
إن الرضى النافع إنما هو رضى الله، والسخط المهلك إنما هو سخط الله، ومن أجل هذا يعمل العقلاء على أن ينالوا رضى ربهم ويبتعدوا - ما استطاعوا - عما يسخطه ويغضبه، أما غيرهم فإنهم يعملون مجتهدين لما يرضي المخلوق، وإن أغضبوا الخالق في سبيل ذلك.
ذكروا أن معاوية بن أبي سفيان كتب إلى أم المؤمنين عائشة ﵃ يقول: أن اكتبي إلي كتابا توصيني فيه ولا تكثري علي، فكتبت له:
أما بعد فإني سمعت رسول الله يقول: ((من التمس رضا الله بسخط الناس كفاه الله مؤونة الناس، ومن التمس رضا الناس بسخط الله وكله الله إلى الناس)) والسلام) (١) كما جاء في حديث آخر قوله ﵊:
((من أسخط الله في رضا الناس سخط الله عليه، وأسخط عليه من أرضاه في سخطه، ومن أرضى الله في سخط الناس ﵁، وأرضى عنه من أسخطه في رضاه، حتى يزينه ويزين قوله وعمله في عينيه)) (٢).
стр. 83
ذلك أن العمل على إرضاء المخلوق - كيفما كان ولو كان هذا المخلوق ممن تجب طاعته كالأبوين - بما يغضب الخالق لا يقع إلا ممن لا يخاف الله ويخاف المخلوق، فهو يعمل - جاهدا - على إرضائه بكل الوسائل ولو فارق دينه في سبيل ذلك.
أخرج الحاكم في المستدرك عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((من أرضى سلطانا بما يسخط ربه خرج من دين الله)). هذا وعيد شديد لأولئك الذين لا يخافون الله فيغضبونه من أجل أنهم يعملون ليرضى عنهم ذوو السلطة والحكم، فقد أهلكوا أنفسهم وأهلكوا حكامهم من حيث زينوا لهم ما يفعلون، ولو خالف الشرع والحق، ولو أنصفوهم لنصحوهم حتى يبعدوهم عن الضلالة والخسران.
الفصل العاشر: بين منبر الجمعة وكرسي الحكم (١).
يتولى أمور المسلمين العامة - بالإصلاح والرعاية - صنفان من الناس:
العلماء المرشدون والحكام المسيرون، آمرين بالخير ومحذرين من الشر، وموجهين لإخوانهم، حتى لا يضلوا ولا يزلوا، لهم علماؤهم في توضيح السبيل وإنارة الطريق، وأمراؤهم وحكامهم في رعاية مصالحهم، من جلب خير، أو دفع ضر، فإذا أخلص العلماء في عملهم التوجيهي والإرشادي وإذا صدق الأمراء في إماراتهم وأحكامهم سعدت الحياة واستقامت الأمور، وكان كل واحد من هذين الصنفين في مستوى منصبه، الإخلاص رائده، والصدق قائده، وحب الخير والصلاح غايته، إذا كان ذلك كتب النجاح والفوز لكل واحد من الصنفين، وفاز بلذة نجاحه، وإذا انعدم الإخلاص وجاء الطمع والأنانية وحب الذات والهيمنة ساء الحال وخسرت الأمة المآل.
ومن لطف الله بهذه الأمة - أمة محمد صل الله عليه وسلم - أن فرض عليها صلاة الجمعة المسبوقة بخطبتين، فإذا حان وقتها أسرع المسلمون
стр. 84
إلى المساجد، الأمير والمأمور، والحاكم والمحكوم، والغني والفقير، فهي تجتمع - بعد كل أسبوع - اجتماعا واجبا مؤكدا، تجتمع لتتذكر فيه ما كانت سهت عنه في تلك الأيام الماضية، تستمع إلى أمر الله عباده بالطاعات، من آيات قرآنه، أو من أحاديث رسوله ﷺ ، وإلى نهيه عن مخالفة ما في شرعه، من اقتراف الذنوب والمعاصي، حتى يستقيم المسلمون على نهج الإسلام المستقيم، فيفوزوا بهناء الحياة ولذتها، في كنف الدين الذي اختاره الله لعباده، يسمعون ذلك يتلى عليهم من خطيب واعظ - يشعر بمركزه ومهمته - يعظ المسلمين، فيذكر الناسي، لقول الله تعالى: ﴿وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ وقوله: ﴿فَذَكِّرْ إِنْ نَفَعَتِ الذِّكْرَى * سَيَذَّكَّرُ مَنْ يَخْشَى﴾ فيوقظ الغافل الساهي، ويرشد الحيران، لأن كلمة الواعظ مسموعة من الجميع، لا فرق بين الأمير والمأمور، فلا ينتهي من موعظته إلا والقلوب واجفة، والأبصار خاشعة، فيبقى أثرها في النفوس المؤمنة، فتستقيم على النهج القويم في سلوكها، فلا تتراخى في فروض دينها، ولا تقترف ما يشينها، وهكذا تتجدد الموعظة في كل أسبوع، فيقوى في القلوب الإيمان، وتضعف في النفوس دواعي الشرور والآثام، هذه هي النتيجة المرجوة إذا وجدت أسبابها، وهي تتمثل في حسن سلوك الخطيب الواعظ، فإن كان سلوكه حسنا وإخلاصه كاملا أفاد واستفاد، وإلا كانت الخسارة على المتكلم والسامع، وما هذا من مقاصد الشريعة.
من أجل هذه المقاصد الشريفة فرضت صلاة الجمعة على كل مسلم، فوجب عليه أن يسعى إليها إذا نادى مناديها، لا يشغله عنها بيع ولا شراء، ولا عمل إداري ولا غير ذلك، ولكن مع شديد الأسف رأينا الكثير من المسلمين والكثير من حكامهم - إلا القليل من هؤلاء - زهدوا في أداء هذا الركن الجليل، وفي هذا اليوم الذي هدى الله إليه أمة محمد ﷺ ، وقد ضل عنه اليهود والنصارى كما جاء في الحديث النبوي الشريف، فاشتغلوا فيه بالأعمال الدنيوية - وهي كثيرة لا تنتهي - فلم يعطلوا فيه أعمالهم ساعة الصلاة، وصار من يقصدها منهم قليلا، ولكنه مؤمن صادق الإيمان، فضاعت حكمة هذا اليوم في فلاة شتى الأغراض وحب الكسب، هذا من جانب الموعظة وتأثيرها.
стр. 85
وفي الجانب الآخر من حياة المسلمين، هناك حكام جلسوا فوق كراسي السلطة والحكم، يتولون أمور المسلمين، يحمونهم من كل مكروه ويسوسونهم بالرفق واللين، يوجهونهم وجهة الخير والسعادة، يعطفون عليهم كما يعطفون على أبنائهم أو أشد، يحافظون على حرماتهم، ويسهرون من أجل راحتهم، ويتعبون من أجل سعادتهم، وفي أيديهم كتاب الله وسنة رسوله، بهما - لا بغيرهما - يسوسون أمتهم، لأن الكل مسلمون.
هؤلاء وأولئك هم صفوة هذه الأمة، وهم منارها وكهفها، وقد كان الوفاق تاما شاملا بين من اعتلى منبر الخطبة الجمعية وبين من تربع على كرسي السلطة الزمنية - لا يعلو أحدهما على الآخر علو عتو واستكبار - يأمر الخطيب وينهى، وما أمره ونهيه إلا بما فيه طاعة الله ورضوانه، فيسمع الحاكم والمحكوم، سماع قبول ورضى وطاعة، في قلوب الحكام حب للعلماء واحترام لجانب العلم والدين، وفي قلوب العلماء إخلاص وولاء وطاعة لجانب الحكام، بل كان في الأزمان الزاهرة للإسلام الحاكم هو الإمام وهو الخطيب، ولذلك لقب بالإمام، جمع في يديه السلطة الروحية إلى جانب السلطة الزمنية، يسترشدون العلماء فيرشدونهم، ويستفتونهم فيما يحدث لهم من قضايا ومشكلات فيفتونهم، فيتعاون الجميع على حلها، لا يعادي أحدهما الآخر، إلا إذا اعتدى ذلك الآخر على حرمة الشريعة، فعند هذا يقف الآخر في وجهه، أن قف عند حدك ... ولا تتجاوز الحدود، فيصير كل واحد من الصنفين يرهب الجانب الآخر ويخشى غضبه، فيعمل كل واحد منهما على إصلاح نفسه، حتى لا يكون عرضة لغضب الله والأمة المسلمة، وبصلاحهما تصلح الأمة وبفسادهما تفسد كذلك، كما جاء في الحديث الذي أخرجه أبو نعيم في الحلية عن ابن عباس ﵄، أن رسول الله ﷺ قال: ((صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس، وإذا فسدا فسد الناس: العلماء والأمراء)) والسر في هذا ظاهر، لأنهما محل القدوة ومحط أنظار العامة، إننا في زمان تأله فيه بعض حكام المسلمين وصاروا كالأوثان التي كانت تعبد من دون الله، تقرب لها القرابين، ويقدم قولها على قول الله الخالق العزيز، تطاع ويعصى الله.
إننا رأينا العجائب والغرائب في عصرنا هذا، فقد خرج الكثير من
стр. 86
الصنفين المذكورين عن طوره وخطة عمله المحددة له في الشريعة الإسلامية، فلم تبق تلك الصلة المتينة - صلة الدين - قائمة بين الصنفين، فالوعاظ تركوا ما هم مطالبون به - دينا - والحكام احتقروهم ولم يقيموا لهم وزنا، فكانت الشحناء والبغضاء بينهم، وصار الحكام لا يمتثلون لمواعظ العلماء، بعد أن كانوا يأتمرون بأمرهم، وينتهون لنهيهم، فضعف قول العلماء فيهم لضعفهم، وقويت سلطة الحكام عليهم حتى تجاوزت الحدود، وصاروا هم الكل في الكل، حتى بلغ الأمر ببعضهم إلى أن صار يفرض على الوعاظ خطبة الجمعة، فمنهم من يرسلها مكتوبة إلى الخطباء حسبما يشتهي ويريد، ومنهم من يأمر الوعاظ بأخذ موضوع خطبة الجمعة من خطابه السياسي الذي تعود أن يلقيه كل أسبوع، ومعنى هذا وذاك أن هذا الحاكم أراد أن يخضع خطباء الجمعة إلى سلطته لا إلى سلطة الدين والواجب والضمير، وهذا كما قلنا آت من ضعف العلماء الخطباء - وأسباب ضعفهم كثيرة - وفي بعض البلدان الإسلامية تصدر خطبة الجمعة - كاملة - مكتوبة من وزارة الشؤون الدينية إلى خطباء المساجد، وما على الخطيب إلا أن يصعد إلى المنبر ليلقي خطبة - بل أمرا - ليست من إنشائه ولا من رأيه، تقرأ في الوطن كله، حتى إذا حدثت حادثة في بلد ما وأراد الخطيب أن ينبه عليها - كما هو الواجب - ويلفت النظر إليها لم يجد لها وقتا يبلغها فيه للمصلين، فيكون حال الخطيب كحالة آلة التسجيل، تسجل ما يلقى إليها، أو كالببغاء تعيد من الكلام ما تسمعه، وهذا أحد المواقف التي ضعف فيها العلماء - وما أكثرها - وقد يبعد بعض الخطباء عن المنابر لأنهم لم يرضوا بهذه المعاملة المهينة والبعيدة عن المغزى الديني، وقد يكون موضوع تلك الخطبة في شيء لا صلة له بالحياة الإسلامية.
وهنا ظهر أن الكرسي - وأعني به كرسي الحكم الحزبي - سيطر وتحكم في المنبر وعلى المنبر، لتكون كلمته - النافذة - نافذة يطل منها على الأمة.
ولولا حب الهيمنة والتسلط لكان المنبر حرا محترما من الجميع، كما هو الشأن فيما سلف من الزمن، غير أن الكرسي أراد أن يعتلي على المنبر - منبر خطبة الجمعة - لتكون له السلطة عليه، حتى يملي إرادته كما يشاء ويحب.
وفي هذه الحال نرى أن مقام المنبر مقام جليل - لمن عرف قدره -
стр. 87
فهو أرفع وأعلى منزلة من غيره - من غير احتقار لأحد - نظرا لما يلقى منه.
وفي صنعهما على الهيئة التي نراها عليهما الآن حكمة خفية دقيقة لمن تدبرها، تلك هي أن النجار الذي صمم هيئة المنبر ألهمه الله بأن يجعل درجاته أكثر عددا حتى يرتفع عاليا وليبلغ صوته بعيدا، وأقلها ثلاث درجات كما كان منبر الرسول ﷺ ، بينما الكرسي ليس له درجات كالمنبر، فدل هذا على أنه دونه وأنه خاضع له خضوع استماع وعمل لا خضوع سلطة وهيمنة، وهذا يرجع إلى معرفة والتزام كل واحد من الصنفين المذكورين لمنصبه، واحترامه لمنصب الآخر، فقد قص علينا تاريخ علمائنا وأمرائنا قصصا تصلح لأن تكون مثالا يحتذى من الجانبين، فالأمراء والحكام عليهم أن يعرفوا فضل علمائهم، فيضعونهم في المقام الذي وضعهم فيه منصبهم من غير أن ينتقصوهم حقهم أو يعتدوا عليهم، والعلماء عليهم أن يدركوا منزلة أمرائهم وحكامهم ويكونوا في عونهم على إصلاح الأمة وإرشادها من غير أن ينتقص أحدهما الآخر، وعلى كل واحد منهما المحافظة على مقامه.
وعندما كان كل واحد منهما يعرف منزلة غيره كانت الكلمة الأخيرة للإسلام الذي يمثله العلماء العاملون، وهي الكلمة الفصل في كل شيء، الأمراء والحكام يستمعون إلى نصائح العلماء، ويأخذون برأيهم، لأنه رأي الشرع وعلى الجميع احترام الشرع والخضوع له.
وهذه بعض المواقف التي وقفها بعض العلماء العاملين من بعض أمراء زمانهم عندما رأوا منهم انحرافا عن الصراط المستقيم.
١ - ناظر أبو جعفر المنصور الخليفة العباسي الإمام مالك بن أنس ﵁ في مسجد الرسول ﷺ ، فرفع المنصور صوته عاليا، فقال له الإمام مالك: يا أمير المؤمنين، لا ترفع صوتك في هذا المسجد، فإن الله تعالى أدب قوما فقال: ﴿لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ﴾ الآية، ومدح قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ﴾ الآية، وذم قوما فقال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ﴾ الآية، وأن حرمته ميتا كحرمته حيا، فاستكان أبو جعفر ورضي بما قاله الإمام مالك.
٢ - ذكروا أن الخليفة هارون الرشيد حلف على شيء وحنث، فجمع
стр. 88
العلماء واستفتاهم في كفارة يمينه فأجمعوا على أن عليه عتق رقبة، وسأل مالكا فقال له: عليك صيام ثلاثة أيام كفارة يمينك، فقال له الرشيد: لم أأنا معدم؟ وقد قال الله: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ﴾ فأقمتني مقام المعدم ... فقال له: نعم يا أمير المؤمنين، كل ما في يديك ليس لك، فعليك صيام ثلاثة أيام.
٣ - ولا ننسى كذلك موقفه المشهور عندما طلب منه الرشيد أن يأتي إليه ليقرأ عليه وعلى أولاده كتابه - الموطأ - فأبى مالك وأمره بأن يأتي هو وأولاده ليحضروا مجلس القراءة مع عامة الناس - احتراما للعلم ورجاله - فامتثل الرشيد، وحضر هو وأولاده إلى مجلس العلم حتى لا يميز عن غيره في هذا الباب.
٤ - ومن هذا القبيل موقف تلميذه العالم الفقيه راوي الموطأ يحيى بن يحيى الليثي - عاقل الأندلس كما سماه مالك بن أنس إمامه - فقد استدعى الأمير عبد الرحمن بن الحكم الأموي المعروف بالمرتضي صاحب الأندلس - العلماء عندما ارتكب في نهار رمضان ما أفسد عليه صومه، ذلك أنه عبث بجارية له كان يهواها حتى واقعها، فندم، واستدعى العلماء إلى قصره، فلما أتوه سألهم عن كفارة ما فعله - بعد أن تاب وندم - فأول من تكلم من الحاضرين يحيى بن يحيى اللثي، فقال للأمير: يكفر عنك ذلك صيام شهرين متتابعين، فسكت كل من كان في المجلس من العلماء، ولما خرج الجميع من عند الأمير قال الفقهاء ليحيى بن يحيى - وكان محترما مهابا -: ما لك لم تفته بما في مذهب مالك؟ ففي مذهبه أنه مخير بين العتق، والإطعام، والصيام؟ فقال لهم: لو فتحت له هذا الباب سهل عليه أن يطأ كل يوم ويعتق رقبة فيه، ولكني حملته على أصعب الأمور لئلا يعود.
٥ - ولا يغيب عنا موقف الإمام محمد بن إسماعيل البخاري - أمير المؤمنين في الحديث - مع سلطان بلده - بخارى - خالد بن أحمد الذهلي، فإنه أرسل له رسوله فقال له: إن السلطان يقول لك: أن أحمل إلى كتابيك، "كتاب الجامع" وكتاب "التاريخ" لأسمعهما منك، فقال للرسول: قل له:
إني لا أذل الغلم، ولا أحمله إلى أبواب السلاطين، فإن كانت له حاجة إلى شيء منه فليحضرني في مسجدي أو داري.
٦ - وهذه مواقف العالم المجتهد الشيخ "عز الدين بن عبد السلام" سلطان
стр. 89
العلماء شيخ القرافي وابن دقيق العيد، وهذا الأخير هو الذي لقبه بسلطان العلماء، فقد كانت له مواقف دلت على تقواه وخوفه من ربه وشجاعته، منها أنه لما كان خطيب الجامع الأموي بدمشق - وكان الذي ولاه الإمامة الملك الصالح إسماعيل ابن الملك العادل - حدث أن سلم الملك الصالح إسماعيل إلى الفرنج قلعتي صيدا والشقيف على أن ينجدوه على الملك الصالح نجم الدين أيوب ملك الديار المصرية، فساء ذلك التسليم المسلمين وشق عليهم، فذمه الشيخ ونال منه وأنكر عليه وقوع ذلك منه في خطبة الجمعة - وذلك دأب العلماء العاملين إذا رأوا منكرا فإنهم ينكرونه ولا يسكتون عنه، ولو صدر من أعلى شخص في الأمة - ولم يدع له كالعادة، وبذلك الاتفاق بين الملك إسماعيل وبين الفرنج صار هؤلاء يدخلون دمشق لشراء السلاح ليقاتلوا به عباد الله المؤمنين، فشق هذا أيضا على الشيخ واستفتاه الناس في بيع السلاح للفرنج فقال لهم: يحرم عليكم مبايعتهم السلاح لأنهم سيقاتلون به إخوانكم المسلمين، ولما بلغ السلطان إنكار الشيخ عليه تسليمه حصون المسلمين - بواسطة أعوان الشيطان - إلى الفرنج أمر بعزله من الخطابة واعتقاله فبقي معتقلا إلى أن جاء الملك إسماعيل إلى دمشق فأفرج عنه، فأقام مدة بدمشق ثم تركها وارتحل عنها إلى بيت المقدس.
ثم جاء الصالح إسماعيل ومعه ملوك الفرنج إلى بيت المقدس قاصدين الديار المصرية، فسير الملك إسماعيل بعض خواصه إلى الشيخ، وأوعز إليه بأن يصلح بينهما ويعود الشيخ إلى مناصبه، بشرط أن يذهب الشيخ إلى السلطان إسماعيل وينكسر له ويقبل يده، فأجابه الشيخ سلطان العلماء بهذا الجواب الذي دل على همته العالية ونفسه العظيمة وأنه فوق هذه السفاسف .. (والله يا مسكين ما أرضاه أن يقبل يدي، فضلا عن أن أقبل يده، يا قوم أنتم في واد وأنا في واد، والحمد لله الذي عافاني مما ابتلاكم به)، فقال له الرسول:
إنه رسم لي إن لم توافق على ما طلب منك أن أعتقلك، فقال له: افعلوا ما بدا لكم، فأخذه واعتقله في خيمة إلى جانب خيمة السلطان.
وكان الشيخ عز الدين يقرأ القرآن والسلطان إسماعيل يسمعه، فقال يوما لملوك الفرنج: تسمعون الشيخ الذي يقرأ القرآن؟ قالوا نعم، قال هذا أكبر قسوس المسلمين، وقد حبسته لإنكاره على تسليمي لكم حصون المسلمين وعزلته عن الخطابة بدمشق وعن مناصبه، ثم أخرجته، فجاء إلى القدس،
стр. 90
وقد جددت حبسه واعتقاله لأجلكم ... فقال له ملوك الفرنج: لو كان هذا قسيسنا لغسلنا رجليه وشربنا مرقتهما ...) (١).
ثم أفرج عنه فهاجر إلى القاهرة، فولاه ملكها نجم الدين أيوب خطة القضاء في مصر فأعطى للقضاء حرمته وهيبته، حيث أراد أن يجعل القضاء مستقلا عن تدخلات الأمراء.
ومن مواقفه أنه أراد بيع الأمراء المماليك، وقال لهم أنكم مملوكون للأمة أبيعكم في الأسواق أمام الملأ بالمزاد وأجعل ثمنكم في بيت مال المسلمين، فشق ذلك عليهم - وهم الأمراء - ولما حضرت العامة لتبايع الملك الظاهر ركن الدين أبا الفتح بيبرس أبى أن يبايعه - وهو القاضي - فقال له: يا ركن الدين أنا أعرف أنك مملوك "البندقدارى". ولم يبايعه حتى جاء من شهد له بالخروج عن ملك البندقدارى إلى الملك نجم الدين أيوب وهذا أعتقه، ولما قامت عنده هذه البينة العادلة بايعه، وفي مدة توليه القضاء بمصر بني بعض الأمراء بيتا فوق سطح مسجد بمصر أعده لغير مصلحة المسجد، فأنكر ذلك عليه سلطان العلماء واعتبره إهانة لبيت، من بيوت الله، وحكم بفسق من فعل ذلك وجاء بجماعة إلى ذلك البيت وهدمه، ثم أقال نفسه من منصب القضاء ولزم بيته إلى أن توفي في جمادى الأولى سنة (٦٦٠) هـ عن ثلاث وثمانين سنة قضاها في خدمة العلم والدين، أمارا بالمعروف نهاءا عن المنكر ﵀ ورضي عنه.
هذه مواقف وقفها بعض العلماء الأعلام في وجه من حاول من الحكام إهانة الدين والعلم، وفي بعضها توقير بعض الأمراء للعلماء واحترامهم والأخذ برأيهم والامتثال لنصائحهم، وفق الله العلماء لإعزاز الإسلام، وهدى الأمراء والحكام لنصرة الحق والدين، وفي هذا وذلك خير الجميع.
ويعجبني في العلماء العاملين اعتزازهم بعلمهم، وشحهم بدينهم، وحفظهم لكرامتهم من الابتذال.
وتجمع هذه المعاني أبيات من قصيدة القاضي الشيخ أبى الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني ﵀ وهي:
стр. 91
يقولون لي فيك انقباض وإنما ... رأوا رجلا عن موقفه الذل احجما
أرى الناس من داناهم هان عندهم ... ومن أكرمته عزة النفس أكرما
وما زلت منحازا بعرضي جانبا ... من الذم اعتد الصيانة مغنما
ولم أقض حق العلم إن كان كلما ... بدا طمع صيرته لي سلما
وما كل برق لاح لي يستفزني ... ولا كل من لاقيت أرضاه منعما
إذا قيل هذا منهل قلت قد أرى ... ولكن نفس الحر تحتمل الظما
انهينها عن بعض ما لا يشينها ... مخافة أقوال العدا فيم؟ أو لما؟
ولم ابتذل في خدمة العلم مهجتي ... لأخدم من لاقيت لكن لأخدما
أأشقى به غرسا وأجنيه ذلة؟ ... إذن فاتباع الجهل قد كان احزما
ولو أن أهل العلم صانوه صانهم ... ولو عظموه في النفوس لعظما
ولكن أهانوه فهانوا ودنسوا ... محياه بالأطماع حتى تجهما
стр. 92
الباب السادس
стр. 93
الفصل الأول:
المال في نظر (مزدك) واشتراكيته .
إن العنصر الثاني في اشتراكية مزدك هو المال، المال الذي جعلته اشتراكيته أحد هدفيها، فالهدف الأول والغرض المقصود هو النساء، والهدف والغرض الثاني هو المال، والمال به قوام الأعمال، والمال هو المادة المهمة والمعتبرة في حياة الأفراد والشعوب والحكومات، وبه تقوى الأمم أو تستعبد، فلننظر إلى المال بالنظرة المزدكية، ثم ننظر إليه بالنظرة الإسلامية التي يجب علينا - كمسلمين - ألا نتخطاها إلى غيرها.
تقدم ما نقلناه عن المؤرخ الطبري أن مزدك قال: (أن الله إنما جعل الأرزاق في الأرض ليقسمها العباد فيما بينهم بالتآسي، لكن الناس تظالموا فيها، وزعموا - يعني مزدك وأصحابه - أنهم يأخذون للفقراء من الأغنياء، ويردون من المكثرين على المقلين، وأنه من كان عنده فضل من الأموال، والنساء، والأمتعة، فليس هو بأولى به من غيره) فقوله هذا هو نفس إشتراكية اليوم، وإن اختلفت الأسماء، فمدلولهما واحد، ونتيجتهما واحدة.
هذا نظر مزدك إلى المال، وهو نظر فاسد بناه على أساس فاسد من أصله، وفساده ظاهر جلي حيث أنه يبعث في الأمة التواكل والكسل والطمع فقد شاهدنا - عيانا لا خفاء فيه - قلة الإنتاج والإهمال المتعمد ممن جعلوهم مستفيدين من الأراضي والنخيل التي انتزعت من أربابها وأعطيت لهم، زيادة عما فيه من أخذ أموال الناس بالباطل، وهو ظلم فادح وشر عظيم، وتعطيل للمواهب الإنسانية التي أودعها الله الخالق وركبها في الإنسان، والإنسان - ابن سعيه - كما يقولون.
فليكن نظرنا إلى المال نظر المسلم المؤمن بشريعته الإسلامية المبنية على الحب
стр. 94
والعدل والحرية والمساواة وكرامة النفس، فنظر الإسلام إلى المال يخالف نظر الاشتراكية المزدكية غيرها إليه.
إذا نظرنا إلى المال وجدنا أن الإسلام قد حكم فيه بحكمه العادل، وشرع فيه تشريعا محكما، اعتبره الكثيرون من المفكرين والمقننين والباحثين - مسلمين وغير مسلمين - تشريعا عادلا رفع كثيرا من الأحمال والأثقال التي كانت ترزح تحت وطأتها الإنسانية المعذبة، ولم يوجد إلى الآن قانون من القوانين الوضعية أتى على المشاكل المالية العصرية فحلها حلا لا ظلم فيه، حلها بقوانين فيها الرحمة واللطف والعطف على البشرية المهانة بقوة المال والطغيان، رغم الطبول التي دقها مقننوها، والمزامير التي زمروا بها، ورغم ما نشروا من دعايات ملفقة، وما أذاعوا من الكتب والنشرات والحسابات، إلى غير ذلك من وسائل الإشهار والاشتهار، فالفرق عظيم بين ما شرعه الحكيم العليم بما يصلح مخلوقاته كما قال: ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ (١) وبين ما شرعه المخلوق مهما كان اجتهاده وحرصه ومعرفته بطرق الإصلاح واسعة.
الفصل الثاني: بالكد والعمل ندرك المآرب .
أباح الإسلام للفرد أن يملك ما شاء - ولم يقيد حريته - إذا كان ذلك بالوسائل المشروعة فيه، والعمل الشريف، وأوجب عليه - في نفس الوقت - في ماله حقوقا وواجبات يؤديها إلى أهلها، وحبب إليه فعل الخير وتقديم المساعدات والإعانات إلى المحاويج من الفقراء واليتامى والأيامى وغير ذلك من سبل الخير الكثيرة، كبناء المساجد ومراكز العجزة والأوقاف على سبل الخير والإحسان، فعليه - مثلا - أن يخرج زكاة ماله، ويدفعها لأصناف ثمانية ذكرهم الله في آية صرف الزكاة وهي قوله تعالى:
﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ (٢).
كما رغبه في مديد المعونة إلى كل ما فيه النفع والمصلحة لبني الإنسان وغيره
стр. 95
من باقي المخلوقات، فإذا كان تملكه له وقع بسعي شريف تبيحه الشريعة الإسلامية وقوانينها، فلم يكن مغتصبا بالقوة، أو مستولي عليه بالحيل والطرق الغير الشرعية، فهو مباح له، حلال تملكه، يتصرف فيه كما يريد فلو جمع ما جمع وكنز وادخر ما أراد واستطاع، فلا يعتبر - شرعا معتديا ولا ظالما، ولا يسمى ماله كنزا، والأدلة على هذا كثيرة، وهي ما أوضحته السنة النبوية في أحاديث ثابتة عن الرسول المبلغ عن رب العباد، بما يصلح العباد.
ما هو الكنز ... ؟
كان الصحابي العالم عبد الله بن عمر ﵄ يقول: (ما أدي زكاته فليس بكنز) وهذا ليس من رأيه لو لم يسمعه من صاحب الشرع ﷺ ، وقد جاء مصرحا به في كتب الحديث.
جاء في موطأ الإمام مالك ﵁ من كتاب الزكاة بعنوان (باب
ما جاء في الكنز) قال: (حدثني يحيى عن مالك عن عبد الله بن دينار أنه قال: سمعت عبد الله بن عمر وهو يسأل عن الكنز ما هو؟ فقال:
(هو المال الذي لا تؤدى منه الزكاة) وجعله الإمام البخاري في صحيحه عنوان باب، فقال في كتاب الزكاة: (باب ما أدي زكاته فليس بكنز).
وأخرج ابن عدي والخطيب عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : ((أي مال أديت زكاته فليس بكنز))، ومن المعلوم أن معنى الكنز هو جمع المال وادخاره من غير أن تخرج منه الزكاة، هذا ما صرحت به أحاديث صاحب الشرع الأعظم محمد ﷺ ، ونقله وفهمه من تلقاه عنه مباشرة، وهم أصحابه الذين عاشوا معه وأخذوا منه شريعة الله كما جاءت، بلا تبديل ولا تحريف ولا تزييف رضوان الله عنهم، وكان سلف هذه الأمة حريصا على الامتثال للشريعة، شغوفا بدراستها وتطبيق نصوصها، عاملا على إعزازها واحترامها، لأنه يعلم أن المسلم لا يكون مسلما إلا إذا عمل بشريعة الله، وطبقها كلها بأوامرها ونواهيها، يحل ما أحلته شريعة الله ويحرم ما حرمته، فهي كل لا تتجزأ.
وعندما قل العمل بالشريعة الإسلامية، أو تعطل في الكثير من أحكامها ونصوصها الصريحة، حاول خصوم الإسلام وأعداء الدين أن يظهروها بمظهر العاجز عن حل مشاكل الساعة والعصر، أو مسايرة هذا الوقت
стр. 96
المادي البحت، وقالوا فيها إن قوانينها - وقولهم كذب وبهتان - رجعية، غير موافقة لعلم الذي تكشفت فيه عناصر جديدة في حياة البشر، وأخذ أعداء الإسلام يفتنون بهذا بعض ضعاف الإيمان من المسلمين الذين لم تكن لديهم دراية كافية، ومعرفة وافية بما في الإسلام من تشريع حكيم، وعدالة اجتماعية لا توجد في غيره، وتوجيه صالح لم يكن في سواه إلى يومنا هذا، بل وإلى يوم الناس.
وما ذلك في الحقيقة وواقع الأمر إلا دسيسة وخديعة قدموها لمن ذكرنا، بقصد فتنتهم عن دينهم، والقضاء على النظم والقوانين الإسلامية العادلة، ولا يخفى على ذوي الألباب أن الإسلام في حرب مع خصومته من يوم ظهوره إلى الآن، فما هو قول الخصم - غير الشريف - في خصمه ... ؟
ففي الشريعة الإسلامية التي وضع قوانينها رب العالمين، وهو العالم بما يصلح عباده، ما يضمن لعباده الحياة الشريفة بدون ميز ولا محاباة، ولا ظلم ولا عدوان، لكن المسلمين أعرضوا عن دواء أمراض مجتمعهم الذي وصفه لهم الطبيب العارف بأمراضهم، وأخذوا يعالجون أمراض أمتهم بأدوية الجهلة والعجائز، فازدادت عللهم، وتمكن منهم المرض الذي لا شفاء منه إلا بالرجوع إلى استعمال دواء الطبيب العارف بالأمراض وعلاجها، شأنهم في هذا شأن المريض الذي أهمل دواء طبيبه الحاذق وأعرض عنه إلى العلاج بغيره.
وما هو ذنب الطبيب الذي عرف المرض ووصفه، وأعطى الدواء للمريض، وهذا أهمله ورمى به جانبا، واستشفى بغيره، فهل من فعل هذا تزول علته ... ؟؟؟ وهل يلام الطبيب - في هذه الحالة - أو يرمى بالجهل وعدم المعرفة والمريض لم يستعمل دواءه؟ الواقع يقول ... لا، كما قيل:
كالعيس في البيداء يقتلها الظما ... والماء فوق ظهورها محمول
فلا بد إذن من العودة إلى منبع الإسلام الصافي، ودوائه الشافي - بإذن الله - وإلا فلا نطمع - ما دمنا على هذه الحال - في تكوين مجتمع صالح قوي ومتماسك، سليم من أمراض الخلافات والعداوات التي تؤدي إلى التخاصم والتباغض والتقاتل على كراسي الحكم وغيرها، وإرادة الشر لبعضنا بعضا.
стр. 97
علمنا أن ما أذاعه خصوم الإسلام عن الإسلام إنما هو دسيسة ومكيدة ميتة، وإن ستروا وجهها بستار التقدم والرقي ومسايرة الوقت، وما هذه في الحقيقة إلا بقية من بقايا الحروب الصليبية، ولكنها بسلاح آخر، وبأسلوب مغاير لأساليب الحروب الصليبية القديمة المعروفة.
كل من عرف الإسلام يعرف أنه لم يمنع المسلمين من التقدم والرقي في حدود الحق والعدل والفضيلة، إنما يمنع الإسلام أتباعه من الظلم والجور والإباحية والرذيلة وجميع أنواع الشرور والمفاسد، والتاريخ شاهد عدل، فقد قص علينا أن الإسلام جعل المسلمين يسبقون غيرهم من الأمم مهما تقدمت هذه الأمم وارتقت.
الفصل الثالث: هل هذه بوادر المزدكية تلوح في الأفق ..... ؟؟؟؟
يتساءل ذوو الرأي المسلمون قائلين: هل ما نشاهده في بعض الأوطان الإسلامية بوادر تنذر بعودة المزدكية ... ؟ سؤال يفرض نفسه أما جوابه فيأتي من واقع حياة الحكام والشعوب الإسلامية في هذه الأزمنة الأخيرة، وخاصة بعد استقلال هذه الشعوب وتولي حكام تربوا في أحضان المستعمرين، والكثير منهم اغتصبوا الحكم إما بقوة الجند وإما بالاحتيال والخديعة، ففعلوا ما أرادوا وخنقوا حريات الشعوب ولم يتركوا لها حريتها لتعبر عما في ضمائرها عن نوع الحكم الذي تريده وترغب فيه، والذي ظهر من تصرفات هؤلاء الحكام أنذر برجوع المذهب المزدكي، وهو ظاهر لا خفاء فيه، وذلك بسعي حثيث من خصوم الإسلام، فهم يحاولون جادين تأييد المزدكية - العصرية - الملعونة، والتي عرفنا فيما سبق أهدافها وغاياتها من قبل النساء والأموال، ونزيد هنا هذا العنصر الأخير - المال - من عنصري المزدكية بيانا وتوضيحا.
تعمل المزدكية على انتزاع الأموال من أربابها الذين تعبوا في اكتسابها بوسائل شريفة ونزيهة وعادلة، وبطرق شرعية وقانونية، في حين أن الإسلام يقر الناس على ما اكتسبوه، ويترك لهم أموالهم ليتملكوها إذا أدوا ما عليهم من فروض، فالدين الإسلامي الخالد يأمر بالعدل وينهى عن الظلم، كما قال علام الغيوب: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى
стр. 98
وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ (١). وقد حاول البعض أن يلبس المزدكية العمرية لباس الإسلام، ويجد لها في التشريع الإسلامي سندا، وكل ذلك تمويه وتضليل، فالإسلام في نظامه الخاص المستقل بريء منها ولا يأمر بها.
فإذا أرادوا بذلك تصرف عمر بن الخطاب ﵁ في الأرض التي استولى عليها المسلمون في حربهم مع الفرس، وأبى عمر أن يوزعها بين المحاربين، ويملكها لهم كما هو الشأن فيما غنموه من الأموال، نقول لهم لم يوزعها عليهم ورأى أن يبقيها لجميع المسلمين نظرا لمن سيأتي من بعد، وهو اجتهاد من عمر ﵁، ظهرت فائدته فيما بعد.
وهنا ننبه إلى استغلال آراء بعض قادة المسلمين وعلمائهم، إذا وافقت في النفس هوى صاحب الدعوة، أما إذا خالفت الهوى فإنه لا التفات إليها.
قد سمعنا - كثيرا - بعض الحكام في البلدان الإسلامية يحتجون بعمل عمر هذا لأنه يتفق مع أهدافهم، وما لهم لا يعملون بأعمال عمر في غير هذا؟ ما لهم عن ورعه؟ وعدله؟ وزهده؟ وتقواه لربه؟ وسهره على راحة أمته؟ فهل أباح عمر الخمور والفجور والفسوق؟؟؟ وهل أخرج عمر الحرائر المقصورات في بيوتهن ورمى بهن في الشوارع مع الفسقة الفجرة؟؟؟ فليتدبروا قليلا في أقوالهم وأعمالهم، فإن للناس آذانا تسمع وعيونا تبصر، وعقولا تدرك، بل وليسوا من الغافلين.
كنا نسمع - كثيرا - من الإذاعة الجزائرية - قبل انقلاب "١٩" جوان ١٩٦٣ - كلمة الصحابي الجليل الزاهد (أبي ذر الغفاري) ﵁ وهي قوله: (يا معشر الأغنياء واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار، تكوى بها جباههم وجنوبهم. الخ) وكانت تكرر من المذيع في غالب الأوقات، لتكون دليلا على الدعوى، ذلك أن أحد كبار الصحابة نادى بسوء عاقبة الذين يدخرون الأموال ولا يدفعونها للفقراء، ترى من هم هؤلاء الفقراء الذين تدفع إليهم هذه الأموال المدخرة في نظرهم؟ ومن هم المستحقون
стр. 99
لهذه الأموال المكنوزة؟ ولعلهم الفقراء المساكين القابعون في الحانات ومحال الفجور ... ليستعينوا بها على ما هم فيه، غير أننا لم نعد نسمع كلمة أبي ذر بعد ١٩ جوان ١٩٦٥ فتكون قد ذهبت مع من ذهب من أصحاب الأطماع.
تلك كلمة أبي ذر التي نقلت عنه - وحفظت - وجيء بها لتكون عونا على انتزاع الأموال من أهلها، والاستيلاء عليها، تطبيقا لرأي أبي ذر ﵁ في الظاهر، أما في الباطن فالله يعلم ما هو المقصود.
الفصل الرابع: من هو أبو ذر هذا ؟
المعروف من كتب السير والتراجم أن أبا ذر الغفاري ﵁ كان من السابقين الأولين إلى الدخول في الإسلام، فهو رابع أربعة أو خامس خمسة كما جاء عنه، كما أنه من عظماء أصحاب رسول الله ﷺ الشجعان، نطق بكلمة الشهادة - أعلن إسلامه - أمام عظماء قريش الطغاة، وناله من العذاب في سبيل إسلامه ما ناله، وكان زاهدا في ملك الدنيا ورعا رقيق القلب كثير الخشوع لله، كما كان أكثر الصحابة طاعة وامتثالا لولي أمر المسلمين، ولو كان الوالي عبدا حبشيا كما قال هذا هو نفسه، لا رغبة له في المال ولا في جمعه، ولم يكن الكثير من الصحابة مثله في هذا، فكل مال دخل يديه أنفقه في سبيل الله والخير، أو أنفقه على المحتاجين، فيصرفه إليهم من غير أن يبقي منه تحت يده شيئا لنفسه، ويبقى هو كواحد من الفقراء، ولم يعرف عنه أنه أنفق ماله في سبيل الشيطان، كما ينفقه من أرادوا أن يستغلوا كلمته لمصالحهم الخاصة، قال فيه الحافظ الذهبي: (وكان رأسا في الزهد والصدق، والعلم والعمل، قوالا بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم، على حدة فيه) (١).
وفي القصص التالية أمثلة من زهده في الدنيا وإعراضه عنها، وقد أتت إليه عفوا من غير تعب ولا طلب.
ذكر ابن سعد في طبقاته الكبرى في ترجمة أبي ذر قال: إن أبا ذر كان عطاؤه أربعة آلاف، وذكر في ترجمته من طريق آخر، عن عبد الله ابن الصامت، أنه كان مع أبي ذر فخرج عطاؤه ومعه جارية له، قال:
стр. 100
فجعلت تقضي حوائجه، قال ففضل معها سلع، قال: فأمرها أن تشتري به فلوسا، قال: قلت: لو اذخرته للحاجة تبوء بك، أو للضيف ينزل بك، فقال: (إن خليلي عهد إلي إن أي مال - ذهب أو فضة - أوكي عليه فهو جمر على صاحبه حتى يفرغه في سبيل الله).
وأخرج أبو نعيم في الحلية - بسنده - عند الكلام على أبي ذر في ترجمته قال: بعث حبيب بن سلمة - وهو أمير الشام - إلى أبي ذر بثلاثمائة دينار وقال استعن بها على حاجتك، فقال أبو ذر لمن جاءه بها: ارجع بها إليه، أما وجد أحدا أغر بالله منا؟ ما لنا إلا ظل نتوارى به، وثلة من غنم تروح علينا، ومولاة تصدقت علينا بخدمتها، ثم إني لأتخوف الفضل. وقال أبو نعيم أيضا من طريق آخر عن أبي ذر: إني لأقربكم مجلسا من رسول الله ﷺ يوم القيامة، وذلك أني سمعت رسول الله ﷺ يقول: ((إن أقربكم مني مجلسا يوم القيامة من خرج من الدنيا كهيئة ما تركته فيها)) وإنه والله ما منكم من أحد إلا وقد تشبث بشيء منها غيري.
والمعروف أيضا أن أبا ذر عندما كان في الشام كان يبث في الناس مبدأ الزهد في الدنيا، وينهاهم عن كنز المال وادخاره، وحاول أن يحمل الناس على رأيه ومذهبه فلم يستطع، وأحرج بعمله هذا موقف العامل فيها - أي في الشام - وهو معاوية بن أبي سفيان ﵄، ووقع بينهما خلاف في فهم الآيتين الكريمتين من كتاب الله وهما قوله تعالى:
﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ * يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ هَذَا مَا كَنَزْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فَذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْنِزُونَ﴾ (١).
فاختلف الصحابيان - أبو ذر ومعاوية - في فهمهما، فمعاوية رآى أنهما نزلتا في حق أهل الكتاب خاصة، خصوصا وذلك بعد قوله تعالى:
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ
стр. 101
النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ (١) وأبو ذر رأى أنهما نزلتا فيهم وفينا معاشر المسلمين، هذا هو منشأ الخلاف بينهما كما ذكره المفسرون، والذي اتفق عليه علماء المسلمين أنهما نزلتا في الجميع - كتابيين ومسلمين - غير أن المسلم إذا أخرج زكاة ماله ودفعها إلى بيت مال المسلمين لتصرف في أوجهها المبينة في آية: ﴿إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِالخ ...﴾ أو دفعها منه مباشرة إلى الفقراء ومن ذكر معهم من الأصناف الثمانية المستحقين لها فيما إذا لم توجد بيت مال المسلمين، فإذا دفع المسلم زكاة ماله فلا يسمى ما جمعه واذخره كنزا المتوعد عليه في الآية الآنفة الذكر، وبالخصوص إذا علمنا أن آية الزكاة لمستحقيها نزلت بعد هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَالخ ...﴾، ففرضت الزكاة تطهيرا للمال ولصاحبه من الشح والبخل كما ورد في آية: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَاالخ﴾ (٢) وكما ورد ذلك أيضا عن الرسول ﷺ .
من أجل هذا الخلاف في فهم الآيتين، ومن أجل ما يقوم به أبو ذر - حسب زهده في الدنيا - من عتاب على جامعي الأموال ومدخريها من أجل ذلك شكا معاوية إلى أمير المؤمنين الخليفة الثالث - عثمان بن عفان ﵁ ما يلقاه من أبي ذر ودعوته إلى تزهيد الناس في الدنيا، وحملاته الشديدة على جامعي الأموال ومدخريها، فكتب معاوية إلى عثمان:
(إذا كان لك حاجة بالشام فأقدم أبا ذر إليك)، فاستقدمه عثمان إلى المدينة المنورة وأسكنه الربذة - بفتح الراء والباء والذال - باختيار أبي ذر لها، وهي قرية خارج المدينة اختارها لتكون مقرا له من غير إلزام ولا جبر عليه.
وهنا نسأل أصحاب هذه الدعاية - وغيرهم - الذين استعملوا ويستعملون كلمة أبي ذر تلك كحجة لهم على دعواهم، فنقول لهم: لماذا لم تأخذوا من أقوال أبي ذر غير هذا ... ؟؟؟ أللتزهيد في جمع المال وادخاره؟ والكل يعلم أن أرباب هذه الدعاية عملوا - جادين - على كسب المال وادخاره، أو لكون كلمة أبي ذر فيها دعاية وترغيب لمبدأ (مزدك) المجوسي؟ إن وراء هذه الدعاية سرا مكتوما يعلمه الراسخون في العلم.
стр. 102
إن أبا ذر ﵁ معروف بفكرته تلك، وأول من عرفه رسول الله ﷺ ، ذلك أن أبا ذر طلب ذات يوم من رسول الله ﷺ أن يستعمله على بعض الولايات، فكان جواب الرسول الكريم الحكيم الرحيم بأمته ﵊ لصاحبه الذي طلب منه أن يوليه عملا من الأعمال، كان جوابه ما عرفه فيه من أنه لا يصلح للولاية، لا لتهمة وجهت إليه، ولا لخيانة ربما تصدر منه، ولا لجهل بالأعمال والأحكام، ولا، ولا، فالجواب ما ذكره أبو ذر نفسه كما جاء في صحيح مسلم (عن أبي ذر ﵁ قال: قلت: يا رسول الله ألا تستعملني؟ قال: فضرب بيده على منكبي ثم قال: يا أبا ذر إنك ضعيف، وإنها - الولاية - أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها وأدى الذي عليه فيها) (١).
فالولاية وهي الحكم بين الناس ورعاية مصالحهم، تتطلب من الوالي أن يكون حازما شجاعا يقظا لكل ما يطرأ عارفا بسياسة الحكم يداري الناس في سبيل المصلحة العامة الخ، فالرسول صلى الله عيه وسلم عرف أن صاحبه أبا ذر لا يصلح للولاية والحكم، ولهذا قال له ما قال - شفقة عليه من تبعات الولاية - ولم يعطه أية ولاية لضعفه عنها، ولا يسمى هذا نقصا أو تنقيصا في مرتبة أبي ذر، فالرسول ﷺ قال:
((اعملوا فكل ميسر لما خلق له)) (٢)، وأيضا فقد كان الرسول ﷺ لا يعطي الولاية من يطلبها أو يحرص عليها.
ونذكر هنا قول الرسول ﵊ في أبي ذر ﵁: ((رحم الله أبا ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)) (٣) قال فيه هذا عندما خرج الرسول ﵊ في جيشه قاصدا تبوك، وخلف أبا ذر بعيره الهزيل الذي لم يستطع مسايرة الجيش، فتخلف عنه، ولما تفقده الرسول لم يجده فسأل عنه، وبينما الناس ينظرون إلى الطريق رأوا رجلا راجلا قادما إليهم من بعيد، فقالوا: يا رسول الله هذا رجل
стр. 103
قادم من بعيد، فقال الرسول: ((كن أبا ذر)) فكان هو نفسه، ولما وصل قال له الرسول ﷺ : ((ما أخرك إلى الآن؟))، قال:
بعيري الهزيل، ولما أبطأ بي حملت متاعي وجئت أمشي وتركته، فقال فيه الرسول كلمته تلك.
وقال الرسول ﷺ يوما مخاطبا أصحابه: ((أيكم يلقاني - يعني يوم القيامة - على الحال الذي أفارقه عليها؟ فقال أبو ذر: أنا، فقال له النبي ﷺ : ((صدقت)، ثم قال: ((ما أظلت الخضراء، ولا أقلت الغبراء من ذي لهجة أصدق ولا أوفى من أبي ذر شبه عيسى ابن مريم)) (١) وفي رواية أخرى ((من سره أن ينظر إلى زهد عيسى بن مريم فلينظر إلى أبي ذر)).
هذه نظرة الرسول ﷺ إلى صاحبه أبي ذر ﵁، وهي شهادته فيه، وقد تحقق كل ما أخبر به الرسول ﷺ في أبي ذر.
وقد كان من علماء الصحابة، في درجة عبد الله بن مسعود في العلم، سئل علي بن أبي طالب ﵁ عن أبي ذر فقال: (وعى علما عجز فيه، وكان شحيحا حريصا، شحيحا على دينه حريصا على العلم) (٢).
وقد اختار أبو ذر الربذة مقرا له كما سلف، وكان يعيش مع زوجته وغلامه فيها فلما حضرته الوفاة أوصى امرأته وغلامه فقال: إذا أنا مت فاغسلاني وكفناني وضعاني على الطريق، فأول ركب يمرون بكم فقولوا هذا أبو ذر، فلما مات فعلا به ذلك، فاطلع ركب، فما علموا حتى كادت ركائبهم تطأ السرير الذي عليه الميت، فإذا عبد الله بن مسعود في رهط من أهل الكوفة، فقال ما هذا؟ قيل جنازة أبي ذر، فاستهل ابن مسعود يبكي وقال: صدق رسول الله ﷺ حين قال: ((يرحم الله أبا ذر، يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده)) فنزل وتولى هو بنفسه دفنه، هذه رواية وهناك رواية أخرى تثبت أن الركب وجده لا زال حيا فحضر وفاته ودفنه، وقال لهم: قد أصبحت اليوم حيث ترون ولو أن ثوبا من ثيابي
стр. 104
يسعني لم أكفن إلا فيه، أنشدكم الله ألا يكفنني رجل منكم كان أميرا، أو عريفا، أو بريدا، فكل القوم كان نال من ذلك شيئا إلا فتى من الأنصار كان مع القوم قال: أنا صاحبك ثوبان في عيبتي - حقيبتي - من غزل أمي وأحد ثوبي هذا الذي علي، قال: أنت صاحبي، فكفني (١).
هذه نبذة مختصرة من ترجمة هذا الصحابي العظيم، الذي استغل زهده وتقواه بعض من يريدون أن يجمعوا الأموال باسم الزهد فيها، وهو من السابقين الأولين في الإسلام كما تقدم، وهو من الذين وحدوا الله على الفطرة، وعبد الله قبل ظهور النبي ﷺ ، فلما سمع بمبعثه سارع إلى مكة واجتمع بالنبي ﷺ وآمن به، ولحقه في سبيل ذلك من عذاب المشركين والجوع الشيء الكثير، ثم رجع إلى قومه - غفار - يدعوهم إلى الإسلام وترك الشرك والخرافات، ومما يدل على فضله أنه أول من حيا رسول الله ﷺ بتحية الإسلام، فقال له: (السلام عليك).
الفصل الخامس: من مكائد اليهود للإسلام، واغترار المسلمين بالمظاهر .
والذي يجب أن يعلم هنا وبهذه المناسبة، وبالخصوص استعمال كلمة أبي ذر السالفة الذكر، كدليل على دعوى ترك ادخار المال، والمقصود منها - تدعيم الغرض لا غير - إن أصلها ومصدرها من يهودي فنشير إلى أن كتب التاريخ سجلت والسير أوضحت ونصت على محاربة اليهود للإسلام، ودعوته من أول ظهوره إلى يومنا هذا، بل وإلى ما بعد يومنا هذا، واليهود لا يكفون عن عداوتهم ومحاربتهم للإسلام، فكم دسوا ودلسوا وزوروا على الإسلام ورسول الإسلام من أقوال وأحاديث نسبوها إليه - زورا وبهتانا - قاصدين من وراء ذلك فتنة المسلمين وتخليط الإسلام على المسلمين، وتشويه وجهه المشرق الجميل الطاهر، بأكاذيب وقصص ملفقة، فقد حفظ لهم التاريخ مكائد كادوها للإسلام ولرسول الإسلام، كإرادة تسميمه بواسطة لحم الشاة المعروفة ليموت بالسم - بواسطة امرأة يهودية - وكمحاولة قتله - غدرا - بإلقاء صخرة رحا عظيمة عليه وهو تحت حائط من حيطان ديارهم لتكون القاضية عليه، وكسحره على يد اليهودي لبيد بن الأعصم، وغير ما
стр. 105
ذكر من أنواع المكر والكيد المعروفة فيهم - إلى اليوم - والمذكورة في كتب التاريخ والسير، لكن الله الذي أرسله رحمة للعالمين حفظه ونجاه من جميع المكائد اليهودية، كما نجاه من مكائد المشركين، ﴿وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ﴾ (١) فكم لليهود من دسائس منكرة كشف عنها أولوا البصر الثاقب من علماء الإسلام الأجلاء الذين يغارون على دينهم، ولا يرضون أبدا أن ينال منه أحد أو ينتقصه منتقص - كائنا من كان - وغيرهم يسمع ويبصر ولا يتحرك للدفاع عنه، كمكيدة الاشتراكية اليهودية التي ارتمى في أحضانها بعض حكامهم الذين لا يخافون الله والتاريخ فرحم الله علماء الإسلام وجزاهم عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي به العاملين المخلصين.
وكم من يهودي ادعى الإسلام - ظاهرا - من غير أن يسلم في باطنه وواقعه وحقيقة أمره، بل أسر الكفر بالإسلام وبرسوله، ليتمكن من محاربة الإسلام وهو آمن لا خوف عليه.
والذي جعل اليهود يتظاهرون بالإسلام - بلا إسلام - إلا القليل منهم - هو تأمين حياتهم في الوسط الإسلامي الذي كانوا يعيشون فيه، مع أنهم أهل ذمة لهم الأمن والحفظ على المسلمين في أنفسهم وأموالهم وأعراضهم - حسبما أوصى بذلك الإسلام - ففي وسط هذه المعاملة الحسنة لهم عملوا على جلب عدد من المسلمين إلى آرائهم وأفكارهم، حتى يأنس المسلمون إليهم ويثقوا فيهم، فيكونون بهذا الاختفاء والتستر بالإسلام قد قضوا أوطارهم، من إفساد دين المسلمين على المسلمين، مع التأمين على حياتهم.
فكثيرا ما اغتر المسلمون بالمظاهر، مكتفين بها من غير تعمق واستقصاء في البحث إلى دواخل الأمور: وذلك راجع إلى طهارة قلوبهم وحسن نياتهم، ونظرهم إلى الناس بمنظار الإيمان الصافي، لهذا ينخدعون سريعا بالمظاهر، وفي تاريخ الإسلام والمسلمين - القديم والحديث - أمثلة شاهدة على ما قلت إلى يومنا هذا.
وفي الجزائر - مثلا - وقعت أمور من هذا النوع، والأمثلة كثيرة - منها قصة بوشناق وبوخريص - باكري - اليهوديين الجزائريين الذين كانت لهما
стр. 106
ديون على (فرنسا) فاتفقا معها - سرا - على خيانة الجزائر، وهما أحد أسباب احتلال (فرنسا) للجزائر عام ١٨٣٠ م.
ومن أمثلة انخداع المسلمين بالمظاهر قصة ذلك الجاسوس الفرنسي "ليون روش" الذي أوفدته حكومته (فرنسا) ليكون عينا لها وجاسوسا على "الأمير عبد القادر" ﵀ وعفا عنه عندما كان يخوض حرب الدفاع عن الجزائر إبان غزو فرنسا لها، عندما وطئت أقدام جندها تراب الجزائر سنة ١٨٣٠ م - والوقت وقت حذر - فتقدم هذا الجاسوس - ليون روش - الفرنسي إلى الأمير مظهرا إسلامه، وأنه من المسلمين، وأن حكومته - فرنسا - اضطهدته من أجل إسلامه، والمثل العربي القديم يقول - لأَمْرٍ مَّا جَدَعَ قَصِيرٌ أَنْفَهُ - فخصه الأمير بالعطف عليه، وجعله ضمن خاصته وحاشيته، وأخذ يتقرب إليه شيئا فشيئا مظهرا إخلاصه له حتى جعله كاتبه الخاص، فاطلع على كل شيء في محيط الأمير عبد القادر ﵀ وعفا عنه، فقام بالمهمة التي جاء من أجلها وأسلم لها - ظاهرا - ولما غلب الأمير على أمره في النهاية واستسلم - بعد قتال مرير - لفرنسا كما هو معروف، رجع هذا المسلم الكاذب إلى دينه الأول كما كان، وترك دينه الثاني - الإسلام - لأنه لم يسلم حبا في الإسلام وإيمانا به، بل هو كما قيل: (صلى وصام لأمر كان يقضيه) وقد كتب كتابا ضمنه عمله هذا الذي قام به، والدور الذي لعبه في ذلك، وسمى كتابه هذا (ثلاثون عاما في الإسلام)، وقد طبع الكتاب بالفرنسية وبيع وإن كانت نسخه الآن قليلة، وسنأتي فيما بعد - إن شاء الله - بشيء مما كتبه عن مهمته، وعن الأمير عبد القادر، وعن الإسلام والمسلمين، وما فهمه من الإسلام، وثنائه على ما فيه من حلول للمشاكل الحاضرة لو وجد في المسلمين من يعمل به، وقد عرفت حكومته - فرنسا - منزلته، فأمست عليه نهجا في الجزائر تخليدا لاسمه واعترافا بخدماته لدولته، في سبيل احتلالها للجزائر، حتى لا ينساه أبناؤها.
ذكرت هذه القصة لأن الكثير منا لم يطلع عليها، ولنقارن بينهما وبين الوقائع الكثيرة من مثيلاتها، إذ لعل ما وقع لأبي ذر الغفاري ﵁ من هذا النوع، جاءه من يهودي أسلم، يلقب بابن السوداء - واسمه:
عبد الله بن سبأ، كما يأتي بيانه قريبا - بحول الله - وكان ابن السوداء هذا منافقا، ذلك أن هذا اليهودي - المسلم ظاهرا - قد اندس في صفوف المسلمين يفتنهم عن دينهم، ويفسد عليهم ذات بينهم، وقصته مشهورة أيام كان في الشام.
стр. 107
وحيث كانت قصته متصلة بابي ذر وكلمته تلك التي استغلت للدعاية يجمل بنا أن نوردها هنا - للاعتبار - منقولة عن المؤرخ القديم القدير الثقة ابن جرير الطبري والمذكورة في كتابه المشهور (تاريخ الرسل والملوك) قال:
(وقام أبو ذر بالشام وجعل يقول: يا معشر الأغنياء، واسوا الفقراء، بشر الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله بمكاو من نار، تكوى بها جباههم، وجنوبهم، وظهورهم، فما زال يرددها حتى ولع الفقراء بمثل ذلك، وأوجبوه على الأغنياء، وحتى شكا الأغنياء ما يلقونه من الناس) (١) ثم بعث معاوية بأبي ذر إلى عثمان بن عفان بالمدينة حتى لا يفسد عليه أهل الشام، ولما دخل على عثمان قال له: (يا أبا ذر ما لأهل الشام يشكون ذربك (٢)؟ فأخبره بأنه لا ينبغي أن يقال: مال الله، ولا ينبغي للأغنياء أن يقتنوا مالا) (٣).
ويوضح لنا الطبري كيف كان اتصال عبد الله بن سبأ اليهودي بأبي ذر الغفاري الذي وجد فيه ضالته، وكيف لم يجدها في الصحابيين: أبي الدرداء، وعبادة بن الصامت، فيقول الطبري: (عن يزيد الفقسعي قال: لما ورد ابن السوداء الشام لقي أبا ذر فقال: يا أبا ذر ألا تعجب إلى معاوية!!! يقول: المال مال الله؟ ألا إن كل شيء لله، كأنه يريد أن يحتجنه دون المسلمين، ويمحو اسم المسلمين، هذا كلام اليهودي لأبي ذر، وهو يرمي إلى إشعال نار الفتنة بين المسلمين، فذهب أبو ذر إلى معاوية بعد أن سمع كلام اليهودي فقال له: ما يدعوك إلى أن تسمي مال المسلمين مال الله؟ قال - يقصد معاوية -: يرحمك الله يا أبا ذر، ألسنا عباد الله؟ والمال ماله، والخلق خلقه، والأمر أمره؟ قال: فلا تقله، قال: فإني لا أقول إنه ليس لله، ولكن سأقول مال المسلمين.
قال: وأتى ابن السوداء أبا الدرداء فقال له: من أنت؟ أظنك والله يهوديا. فأتى عبادة بن الصامت فتعلق به فأتى به معاوية فقال: (هذا والله الذي بعث عليك أبا ذر) (٤). فظهر مما تقدم أن هذا اليهودي المنافق لعب
стр. 108
دورا هاما في هذه القضية غير أنه صادف في أبي ذر بغيته، وخاب سعيه مع أبي الدرداء وعبادة بن الصامت.
وقال المرحوم أحمد أمين بعد أن نقل كلام الطبري المذكور: (ونلمح وجه شبه بين رأي أبي ذر الغفاري، وبين رأي (مزدك) في الأموال فقط) (١) وزاد أحمد أمين قائلا: (فترى من هذا أن رأيه - يعني أبا ذر - قريب جدا من رأي مزدك في الأموال، ولكن من أين أتاه هذا الرأي؟ ثم ذكر كلام الطبري المتقدم) (٢).
وأضاف أحمد أمين إلى ما سلف هذا البيان فقال: (ونحن نعلم أن ابن السوداء هذا لقب لقب به عبد الله بن سبأ، وكان يهوديا من صنعاء أظهر الإسلام في عهد عثمان، وأنه حاول أن يفسد على المسلمين دينهم، وبث في البلاد عقائد كثيرة ضارة قد نعرض لها فيما بعد) (٣) وزاد على ما تقدم فقال: (فمن المحتمل القريب أن يكون - يقصد ابن السوداء - قد تلقى هذه الفكرة من مزدكية العراق أو اليمن، واعتنقها أبو ذر حسن النية في اعتقاده، وصبغها بصبغة الزهد التي كانت تجنح إليها نفسه، فقد كان - يريد أبا ذر - من أتقى الناس وأورعهم وأزهدهم في الدنيا، وكان من الشخصيات المحبوبة التي أثرت في الصوفية). ومما تقدم ندرك يقظة بعض الصحابة وحذرهم، فلم ينخدعوا بقول اليهودي - ابن سبأ - كأبي الدرداء وعبادة بن الصامت ومال إلى قوله أبو ذر الغفاري ﵃ كلهم، لأن قول اليهودي وافق مذهبه في الزهد في الدنيا، وترك زينتها، فقد ظهر من هذه الأقوال والآراء سر هذه الدعوة ومغزاها التي دعا إليها الصحابي الزاهد أبو ذر الغفاري عن حسن نية، كما ظهر من ذلك أيضا منشؤها ومصدرها، وهم اليهود الذين لم يفتأوا يحاربون الإسلام بشتى أنواع الحروب والأسلحة، من أول ظهوره إلى الآن، حتى ولو ألزمهم ذلك الدخول فيه ظاهرا.
ويزيدنا يقينا فيما قلناه تلك الدعاية المسمومة بسم اليهود، وهي قول اليهودي لأبي ذر: (لماذا يقول معاوية: المال مال الله؟) وما قال هذا
стр. 109
إلا ليستحوذ على المال ويفعل به ما يريد، وكان الواجب عليه أن يقول:
المال مال المسلمين، فنرى هنا فطنة معاوية - المعهودة فيه - لهذه الكلمة المسمومة، ولهذا أجاب رغبة أبي ذر بجواب الحكيم والسياسي الخبير، من غير أن ينفي المال عن الله - كما هو الواقع - ومن غير أن يغضب أبا ذر - - لله دره من سياسي حاذق - فقال: لا أقول إنه ليس لله، ولكن سأقول مال المسلمين، فجوابه هذا إرضاء لأبي ذر - في الظاهر - وإن كان المال مال الله كما قال أول مرة، وهذه حيلة ودسيسة دسها اليهودي ليتوصل بها إلى الفتنة بين الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين، فهذه إحدى دسائس اليهود الماكرين ومكائدهم للمسلمين.
ومثل ذلك في عصرنا الحاضر هذه النحلة الماركسية اليهودية الاشتراكية والشيوعية الملحدة التي أخذت مبادؤها الهدامة للعقيدة الإسلامية والأخلاق الكريمة الفاضلة تظهر وتنتشر في الأوطان الإسلامية في وقتنا هذا مستعملة كل وسائل الخداع والتمويه والتضليل في أوساط المسلمين الضعفاء في دينهم وأخلاقهم وعقيدتهم، وقد ألبسوها لباس التقدم والتقدمية، وأطلقوا على أنفسهم - التقدميين - وعلى من خالفهم في كفرهم بربهم - الرجعيين - ليجلبوا ضعفاء الإيمان إليهم، فيكونون ناجحين بإخراج طائفة من المسلمين من دينهم وكفرهم بدين الله وبالرسول ﷺ ، وفعلا فقد انخدع بها البعض منهم كما انخدع أبو ذر بعبد الله بن سبأ اليهودي فيما دعاه إليه، كما مر آنفا. غير أن حقيقة الخداع والتمويه ستنكشف وتظهر الحقائق فيما بعد: ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾ (١).