← История

История · id 123659

تاريخ الجزائر المعاصر

الزبيري، محمد العربي

Полный текст (484 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

الدكتور: العربي الزبيري تاريخ الجزائر المعاصر (الجزء الأول) - دراسة - من منشورات اتحاد الكتاب العرب ١٩٩٩

стр. 2

تاريخ الجزائر المعاصر

стр. 3

الحقوق كافة محفوظة لاتحاد الكتّاب العرب البريد الالكتروني: E - mail :unecriv@net.sy aru@net.sy موقع اتحاد الكتّاب العرب على شبكة الإنترنت: www.awu - dam.com تصميم الغلاف للفنان: اسمايل نصرة ••

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم قال أبو حاتم الرازي المتوفى سنة ٢٧٧هـ: "إذا كتبت فقمش، وإذ حدثت ففتش". وعندما نرجع إلى طرق البحث المعاصرة نستسمحه لإضافة "وإذا ألفت فهمش". لأن الخائض في علم التاريخ مطالب أكثر من غيره بتقديم الدليل القاطع على صحة ما يورده من معلومات، والإتيان بالحجة الدامغة لتبرير ما يطرحه من أفكار وآراء وما ينشره من قضايا أساسية حول موضوعات قد تتعدد فيها الروايات وتتكاثر الأقلام لقرع أبوابها بحثاً عن الحقيقة أو عملاً على تغييبها لسبب من الأسباب وما أكثرها كما سنرى فيما بعد. وإذا كان التاريخ علماً في تحريه الحقيقة والعمل على تسليط الأضواء عليها وتقديمها، كما هي، فإن الباحث في هذا العلم، مطالب، إضافة إلى تمكنه من العلوم الموصلة، بإعطاء قيمة بالغة الأهمية للأصول التي هي صلته الوحيدة بالموضوع المزمع دراسته والتي هي جميع الآثار التي خلفتها عقول السلف أو أيديهم، وإذا ضاعت ضاع التاريخ معها وفقاً لنص القاعدة العامة. وفي أثناء الاهتمام بتلك الأصول وهو ما يسميه المؤرخون بمرحلة التقميش، فإن الباحث لا يمكنه إلا أن يستفيد من الاسترشاد بما جاء في مقدمة المقدمة حيث يؤكد مؤسس علم التاريخ وموجد علم الاجتماع إن الكتابة في التاريخ تحتاج إلى "مآخذ متعددة ومعارف متنوعة وحسن نظر وتثبيت يفضيان بصاحبهما إلى الحق وينكبان به عن المزلات والمغالط، لأن الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب، فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلة القدم والحيد عن جادة الصدق، وكثيراً ما وقع للمؤرخين والمفسرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرد النقل غثاً أو سميناً، ولم يعرضوها على أصولها ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلوا عن الحق وتاهوا في بيداء

стр. 5

الوهم والغلط. انطلاقاً من هذا التقديم المقتضب واقتناعاً بقول موسى بن سعيد الأندلسي: ما كل ما قيل كما قيل ..... فقد باشر الناس الأباطيل رحت أقرأ تاريخ الجزائر في جميع مراحله قراءة متأنية فاحصة، ولكن أدهشني وأفجعني ما وقفت عليه من تخطيط تضليلي تفنن في إحكامه مؤسسو المدرسة الاستعمارية للتاريخ والمشرفون عليها طيلة الليل المظلم الذي داهم الجزائر سنة ١٨٣٠ وظل، إلى يومنا هذا، يحجب عنها الحقيقة العارية خاصة بالنسبة للعهد العثماني والحركة الوطنية وثورة نوفمبر ١٩٥٤. ففيما يخص القرون الثلاثة التي تمثل واحداً من أمجد عصورنا من حيث التعمير والإنشاء وتنظيم المدن وتخطيط شوارعها ومن حيث الحفاظ على الأمن والاستقرار وتوطيدهما والعناية الفائقة بالعلم والعلماء، إن الكتابات الاستعمارية قد تمكنت، بأساليب مختلفة، من ترسيخها في أذهان الجزائريين أنفسهم، بما في ذلك الأغلبية الساحقة ممن ينعتون بالمثقفين والسياسيين، على أنها عهد الاحتلال وسيطرة تركية وحكم أجنبي، ضاربين عرض الحائط التعليل الحقيقي للحدث التاريخي ومغفلين النظام الهيكلي للدولة الإسلامية ومتجاهلين الإنجازات العظيمة التي حققتها البلاد في تلك الفترة والتي يمكن الاستدلال عليها، بكل بساطة، من خلال المعاهدات السبعين التي أبرمت بين الجزائر وفرنسا فيما بين ١٥٣٥و ١٨٣٠، والتي تتعلق خاصة بما قامت به الأولى نحو الثانية من إنجازات عسكرية بحرية وإسعافات مالية واقتصادية واستراتيجية ومساعدات غذائية، كما أننا نجد دليلاً على عظمة الجزائر، يومها، في ذات الرسائل التي كانت توجه إلى حكامها من طرف ملوك فرنسا وأباطرتها حيث نقرأ في مستهل أغلبها: "إلى السيد الأمجد الأعظم الأفخم Illustre et magnifique seigneur de la ville et du royaume dalger وعلى سبيل المثال نورد فقرة من رسالة نابليون بونابرت إلى مصطفى باشا بتاريخ ٢٠/ ٠٧/١٨٠٠. Illustre et Magnifique seigneur, "LEtat de guerre survenu entre la Rèpublique Francaise et la règence dAlger ne prit point sa source dans les rapports directs des deux Etats. Il est aujourdhui sans motif" Contraire aux intèrets des deux peuples, il le fut toujours aux inclinations du gouvernement Francais, persuadè quil lest pareillement aux votres, je nhèsite point a donner au citoyen du bois Thainvill les relations politiques et commerciales des deux ètats sur le meme pied lordre de se rendre près de vous avec des pleins pouvoirs pour rètablir elles ètaient avant la rupture. jai la

стр. 6

confiance que vous fairez ace nègociateur le meme accueil que jaurais fait a celui de vos sujets que vous auriez auriez chargè dune semblable mission près de moi." فبدلاً من دراسة المعاهدات وغيرها كثير مما أبرم مع إنكلترا وأمريكا وهولندا وروسيا وإلى آخر القائمة، وبدلاً من معالجة تاريخ هذه الحقبة بالموضوعية التي يستعملونها شعاراً لتنويمنا وبالحياد الإيجابي الذي هو مفتاح الباب المؤدية إلى الحقيقة في التاريخ، فإن المؤرخين والقياديين الفرنسيين قد وظفوا كل مالهم من عبقرية لتسوية تاريخ الجزائر وتصويرها - في جميع عصورها - خصوصاً في العصر العثماني - بأقبح الصور في الكتب التي تدرس في المكاتب الفرنسية وتدرس - يا للبلية ويا للحسرة - لأبنائنا على حد تعبير الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس في عدد الشهاب الصادر بتاريخ سبتمبر سنة ١٩٣٧ إن المؤرخين والساسة الفرنسيين لم يكتفوا بإهمال الأصول المذكورة والتنكر لمحتوياتها، بل تجاوزوا ذلك إلى تلفيق الروايات من أجل تثبيت الإلغاء المطلق لوجود الجزائر شعباً ودولة قبل "الفتح الفرنسي المنقذ من الظلام". فهذا GAUTIER يجزم في كتابه "ماضي شمال إفريقيا "ص٩و ١٠ إن التضاريس تتحكم في التاريخ وهي التي يعود إليها عجز المغرب على تكوين دولة دائمة وعلى التوصل إلى إقامة وحدة سياسية. "ويرى شارل أندري جوليان في تاريخ شمال إفريقيا "ص ١٤: أن الدولة المغاربية مثل الفقاع: ينبت في ليلة ويتعفن في صبيحة "وفي مكان آخر يؤكد أن "إفريقيا الشمالية الفرنسية التي تشمل المغرب والجزائر وتونس ليست لها حالة مدنية دقيقة "أما موريس توراز وادقارفور وشارل ديغول فإنهم لم يخجلوا حتى من كتابات أسلافهم واعترافاتهم وراح كل منهم، بطريقته الخاصة، يرفع صوته عالياً ومدوياً يقولون للرأي العام العالمي، في أوقات مختلفة، إن الجزائر لم تكن أبداً أمة ولا دولة في التاريخ". وتبنت دائرة المعارف العالمية الفرنسية هذه المزاعم التي لا أساس لها من الصحة وكتبت في مادة الجزائر: "إن هذا الاسم فرنسي ويرجع تاريخه إلى سنة ١٨٣١، ومن البداية يطرح السؤال المتعلق بالتاريخ الذي وجدت فيه هذه الأرض الصحراوية بالنسبة لتسعة أعشارها "وفيما يتعلق بالحركة الوطنية، فإن التزييف لصيق بالحديث عن ميلادها إذ بذل المؤرخون الفرنسيون كل ما في وسعهم لإقناعنا بأن ظهورها يرجع إلى ما بعد الحرب الإمبريالية الأولى ثم ربطوا ذلك بحركة الأمير خالد، وهم في ذلك يطبقون على تاريخنا المقاييس المعتمدة في الغرب الاستعماري الذي لا علاقة لواقعه بواقعنا. إن الموسوعات العلمية في الغرب الاستعماري نفسه تعرف الحركة

стр. 7

الوطنية بما ينفي مزاعم المؤرخين الفرنسيين ومن حذا حذوهم من الجزائريين. إنها كما جاء في الموسوعات: "حركة الأشخاص الذين يدركون ضرورة تكوين مجموعة أساسها الروابط العرقية واللغوية والثقافية وغيرها. وهي تنطلق من إيديولوجية ترمي إلى تمكين الأمة من حق ممارسة سياسة لا تأخذ في الاعتبار سوى قدراتها الخاصة وترفض كل ما من شأنه الحد من حريتها في العمل". ونحن نعتقد أن هذا التعريف يجعلنا نجزم أن الحركة الوطنية الجزائرية ولدت مع لحظات الغزو الأولى عندما تحركت جحافل الشعب الجزائري وطلائعه تتصدى لقوات الاحتلال بجميع الوسائل والإمكانيات. إن الأمثلة على تشويه المفاهيم والمصطلحات كثيرة، لكن التزييف لم يقتصر عليها بل امتد إلى الوثيقة نفسها أي إلى الأصل الذي يتحكم في معالجة الموضوع، وعلى سبيل المثال فقط نتوقف عند معاهدتي دي ميشال والتافنة. فالمعاهدة الأولى تحمل اسم الجنرال دي ميشال الذي كان قد جاء بقوة عسكرية هائلة لفك الحصار المضروب على وهران من طرف الجيش المحمدي، ولما يئس من تحقيق ذلك جنح إلى السلم ولجأ إلى كثير من الحيل للتوصل إليه. إن هذه الوثيقة موجودة بين أيدينا في الكتابات الرسمية التي تبنتها الدولة الجزائرية بعد استرجاع الاستقلال وهي، مع ذلك، وثيقة مزيفة لأنها لا تحمل توقيع الأمير عبد القادر ولم تعرض عليه في شكلها النهائي، بل إن الأمير عبد القادر قد صادق ووقع على المعاهدة المكونة من جزأين مستقلين أحدهما عن الآخر واللذين جاءت صياغتهما كالآتي: أ - جزء مكتوب بلغة ضعيفة وهو من إعداد الجانب الفرنسي ومقبول من قبل الأمير الذي وقع عليه بخطه، وهو مكون من ست نقاط جاءت على النحو التالي: أولاً: إن العداوة من هذا اليوم، تبطل بين الفرانساوية والعرب. ثانياً: إن الفرانساوية تلتزم بتكريم ديانة الإسلام مع عوائدهم. ثالثاً: إن العرب تلتزم برد الأسرى الفرانساوية. رابعاً: أن تكون السوق حرة. خامساً: إن العرب تلتزم برد من يهرب من الفرانساوية إليهم.

стр. 8

سادساً: من أراد السفر في الداخلية من الفرانساوية يجب أن يكون بيده رخصة مختومة من قنصل الأمير ومن قنصل الجنرال. ب - جزء مكتوب بلغة أرقى وهو من إعداد الأمير عبد القادر وموقع عليه من طرف الجنرال دي مشال قبل تسلمه الجزء الأول، ويتكون هذا الجزء من أربع نقاط فقط جاءت كما يلي: أولاً، يكون للعرب الحرية في أن يبيعوا ويشتروا كل ما يتعلق بالحرب. ثانياً، يكون متجر مراسي أرزيو تحت ولاية الأمير، كما كان قبلاً، بحيث لا يصح شحن شيئ إلا منه وأما وهران ومستغانم فلا يرسل لهما سوى البضائع اللازمة لأهلها. ثالثاً، يلتزم الجنرال بترجيع كل من يهرب إليه من العرب مقيداً، مع أنه لا تكون له سلطة على المسلمين الذين يحضرون عنده برضاء رؤسائهم. رابعاً، لا يمنع مسلم عن الرجوع إلى بيته متى أراد. وهكذا، فإن الذي يقرأ الجزأين يلاحظ بكل سهولة أنهما متكاملان، وما الغموض الذي أحيط بمعاهدة دي مشال وكل ما نسج حولها من مزاعم وإدعاءات، سوى أكاذيب من صنع المؤرخين الفرنسيين الذين أرادوا أن يجدوا للسلطات الفرنسية منفذاً يخول لها التحلل، بنوع من الشرف، من عهد ضرب باسم الأمة الفرنسية جمعاء وليس نكث العهد أمراً جديداً بالنسبة لحكام فرنسا. أن المتفق عليه بالنسبة لهذه المعاهدة والذي يمكن استخلاصه من دراسة وبحوث كل المؤرخين هو أنها كانت نتيجة لرغبة الطرفين في إقامة سلم مؤقت، وخلق جو يساعد على التأمل والتخطيط، قبل مواصلة السير بالنسبة للأمير عبد القادر، وعلى كسب الرأي العام في فرنسا وتدعيم وضعه الاستقلالي عن القيادة العليا في الجزائر بالنسبة لدي ميشال. ولقد عمل كل من الجانبين لتكون بنود المعاهدة لصالحه دون الجانب الآخر. وذلك بالإضافة إلى أن المفاوضات كانت، في أساسها مغشوشة بسبب تدخل اليهود المحتوم، وعملهم على استغلالها للحصول على الاحتكارات التجارية ولتحقيق الفوائد والأرباح الطائلة. ونقول تدخلاً محتوماً لأن المتفاوضين كانوا في حاجة ماسة إلى من ينقل أفكار هذا لذاك لتبحث وتناقش.

стр. 9

وكان مردوخي وبوشناق الوحيدين اللذين يستطيعان ذلك في المنطقة، خاصة وأن سلك المترجمين الذي كان نابليون قد سهر على تكوينه أثناء حملته المشهورة على مصر قد زال ولم يعد له أثر في أوساط الجيش الفرنسي، كما أن الأمير لم يهتم بهذا الجانب عندما أنشأ حكومته نظراً لتركيز جهوده على الكفاح المسلح. والمتفق عليه كذلك، هو أن الصحافة الفرنسية في ذلك الحين، قد رحبت بالمعاهدة نيابة عن الرأي العام بمختلف اتجاهاته ومشاربه، واعتبرتها نصراً حققه ميشال لصالح الأمة الفرنسية التي لم تكن موافقة على إرسال أبنائها: يموتون، ويعطبون من أجل قضية لا ناقة لها فيها ولا جمل، وفي أرض يفصلها عنها كل شيء. لكن أعداء دي ميشال ودعاة الاستمرار في استعمال الجزائر سرعان ما تمكنوا من تحويل ذلك الترحيب وتلك المساندة إلى موجة من السخط والاستنكار، ساعد على نشرها ما يلي: ١) أن دي ميشال لم يطلع حكومته على الجزء الثاني من المعاهدة والمتضمن الشروط الجزائرية، بل أكثر من ذلك، فإنه استعطف الأمير وطلب منه أن يتظاهر بتعيين وكيل له في مدينة أرزيو يكون هو الحاكم الحقيقي كما جاء في الشرط الثاني ولكنه يبدو للعموم في نفس وضع الوكلاء الجزائريين بوهران ومستغانم والعاصمة. ولقد تعهد دي ميشال لوزير الخارجية ابن عراش أنه يسهر بنفسه على تسهيل مهمة الوكيل المذكور، ويمنع الجيش الفرنسي من التدخل في شؤونه مهما كانت الظروف. وحينما استجاب عبد القادر لذلك وعين أحد أعوانه البارزين وكيلا في أرزيو، وبدأ هذا الأخير ينشط وفقاً للشرط الثاني كما ذكرنا، استاء التجار الفرنسيون في كل من مستغانم ووهران وأيدهم شركاؤهم وزملاؤهم على الضفة الأخرى من البحر الأبيض المتوسط ورفعت الشكاوى إلى وزارة الحرب التي اعتبرت ذلك تعدياً من حكومة الأمير وذلك لأنها لم تكن على علم بشروط عبد القادر التي وقع عليها دي ميشال. وسارت الصحافة في نفس التيار. وتألب الرأي العام الذي اعتبر صمت دي ميشال نوعاً من الخيانة لوطنه. ٢) إن النص الموحد الذي نقله دي ميشال إلى حكومته كان مزيفاً في نقطة أساسية من بنده الأول. ذلك، أن وزارة الحرب الفرنسية كانت أمرت [أن

стр. 10

يصرح في المعاهدة عن تبعية الأمير للدولة الفرنسية، وعن تعيينه بايا بنفس الشروط المعروفة قبل الغزو. ونظراً إلى أن دي ميشال كان متؤكداً من رفض الأمير لذلك، فإنه لم يعرض عليه الفكرة إطلاقاً، وتعمد تزييف النص الذي جاء كالآتي: إن قائد الجيش الفرنساوي، المقيم في وهران، الجنرال دي ميشال، والأمير عبد القادر بن محيي الدين اعتمدا واتفقا على ما يأتي ذكره من الأمور: الأول: منذ يوم تحريره يصير ترك الحروب والخصومات بين الفرنساويين والعرب، وكل من الجنرال دي ميشال والأمير عبد القادر يجتهد في إلقاء الألفة بين شعبين اقتضت الإرادة الإلهية أن يكونا تحت سلطة واحدة. إن الجملة الأخيرة تعد نوعاً من الاعتراف بخضوع الشعب الجزائري لفرنسا وهو ما لا يمكن أن يوافق عليه الأمير عبد القادر. وبالفعل فإن كتاب تحفة الزائر يوردها، على العكس من ذلك، بكيفية تدل على اعتراف الجنرال دي ميشال، ومن خلاله فرنسا، باستقلال الحكومة الجزائرية، إذ تقول الجملة: "وكل من الجنرال دي ميشال والأمير عبد القادر يجتهد في إلقاء الألفة بين شعبين اقتضت الإرادة الإلهية، لا يكونا تحت سلطة واحدة. ٣) إن دي ميشال قد أخفى على حكومته توقيعه على شروط الأمير عبد القادر القاضية بإعطاء الاحتكار التجاري لممثلي الحكومة الجزائرية دون غيرهم، ويحصر النشاط التجاري كله في ميناء أرزيو الذي يدخل، وفقاً للشروط، تحت ولاية الأمير وحده. ٤) إن دي ميشال لم يخف الحقيقة عن حكومته فحسب، بل إنه كتب إلى الأمير في شهر ذي الحجة سنة أربعين ومائتين وألف يخبره بأن ملك الفرنسيين لويس فليب قد أطلع على جزأي المعاهدة وصادق عليها. ومن ثمة فإنه لم يعد هناك ما يمكن أن يعرقل حسن سير تنفيذ المعاهدة. وعلى الرغم من ذلك الغموض كله، ومن المناورات الدنيئة، والمشاكل والصعوبات، فإن معاهدة دي ميشال قد دخلت حيز التنفيذ في الوقت المحدد لها، وحسب الشروط المنصوص عليها في الجزائر، ومن واجبنا، كباحثين أن نؤكد هنا، أن الجنرال دي ميشال قد بذل كل ما في وسعه

стр. 11

لكي يرضى في آن واحد الجانب الجزائري الذي وعده بالوفاء، ووزراء الحرب الفرنسية الذين وعدهم بأن يكون السلم لصالح الأمة الفرنسية. وحينما تكاثرت الضغوط على السلطات الرسمية في فرنسا وفي الجزائر، وجد دي ميشال نفسه المدافع الوحيد عن المعاهدة التي لم يبرمها في الواقع إلا بإذن وتشجيع من وزير الحرب آنذاك. أما المعاهدة الثانية فهي معاهدة التافنة التي لا يمكن قبول نصها الموجود بين أيدينا كعمل أصلي وذلك لأسباب عديدة أهمها ما يلي: ١ - إن الوثيقة العربية المتداولة والمجمع على أنها معاهدة التافنة والتي تبنتها وزارة الإعلام والثقافة في الجزائر بدون نقاش، ونشرتها ضمن وثائقها الرسمية لتكون واحداً من المصادر الرئيسية في كتابة تاريخ تلك الفترة، هي مزيفة لأنها جاءت مكتوبة على صفحتين كاملتين بلا ختم ولا توقيع، في حين أننا نعرف أن المعاهدة الحقيقية كتبت باللغتين على الصفحة الواحدة بحيث يقرأ على اليمين نصها العربي وعلى اليسار نصها الفرنسي، ثم إن كلا من الأمير عبد القادر والجنرال بيجو قد وضع ختمه وتوقيعه في نهاية النص المعد بلغته. ٢ - إن الأمير عبد القادر كان قد خابر بيجو وأعلمه أن المسلمين لا يرضون أن يكونوا تحت حكم الأفرنج، ولذلك فمن المستحيل أن يوقع على وثيقة ينص شطرها الأول على الاعتراف "بحكم سلطنة فرنسا في إفريقيا". ٣ - إن الوثيقة مكتوبة بلغة عامية لا يرضى الأمير عبد القادر ونحن نعرف بأنه الطويل في مجال العلم والمعرفة، أن تصدر باسمه، ولا أن يوقع عليها، خاصة وأنه كان يعلم أنها ستوجه للاطلاع عليها إلى ملك فرنسا وإلى فطاحل العلماء. ٤ - إن المعاهدة مشتركة، ومع ذلك فإنها لا تحمل التاريخ الميلادي الموافق للتاريخ الهجري. هذا بالإضافة إلى أنه لم يذكر، في نهاية النص، أسماء وصفات المتفقين على الشروط. ٥ - إن الورق المستعمل لكتابة المعاهدة غير رسمي كما أن ذكر الأمير عبد القادر الوارد في مستهل النص بدون صفة أمير المؤمنين وبدون ذكر اسم والده كما تعودنا أن نرى ذلك في كل مكتوب داخلي أو خارجي، يدل دلالة قاطعة على أن الوثيقة التي بين أيدينا ليست هي

стр. 12

الأصلية التي صادق عليها الطرفان. أما عن تاريخنا المعاصر وعن ثورة نوفمبر بالذات فإن عمليات التشويه والتزييف والتحريف فيه قد اتخذت أشكالاً وأنواعاً متعددة حتى إننا أصبحنا مكتوفي الأيدي أمام كثرة ما نشر بلغات متعددة وحسب نظريات مختلفة. وإذا كان من الصعب حصر كل المجالات وكل الموضوعات التي تعرضت للتشويه في هذه العجالة، فإننا لا نجد مفراً من ذكر بعض المحاور التي ركز عليها قادة الاستعمار ومؤرخوه ووظفوا كل إمكانياتهم الاعلامية والتربوية والثقافية لتعميمها وإضفاء طابع المصداقية عليها. هكذا، إذن، فإن المدرسة الاستعمارية للتاريخ قد استعملت كل الأساليب لتشويه التاريخ الجزائري وإفراغه من محتوياته الإيجابية وذلك لتتمكن السلطات الفرنسية، في مرحلة أولى، من فصل المجتمع الجزائري عن قاعدته المتينة التي يرتكز عليها والمتمثلة في ثقافتنا الوطنية وما تشتمل عليه من ثروات هائلة هي دروع واقية وأسلحة فتاكة عندما يحين الأوان، ولتتوصل في مرحلة ثانية، إلى فرض حلولها الكثيرة التي من بينها الاندماج المزيف والمسخ والتذويب. ففي هذا الإطار هدمت الأوابد وأزيلت الآثار، وضاعت الوثائق الأصلية لتحل محها كتابات تتماشى مع أفعال وتصرفات المستعمر وتخدم في نفس الوقت، أغراضه وأهدافه. وفي هذا الإطار أيضاً، جُرِّد تاريخنا من أبطاله ومآثره النبيلة الخالدة، مما كان حافلاً به من بطولات ومكارم وأخلاق، وإسهامات حضارية ومواقف إنسانية تشهد كلها على العظمة والعز والقدرة الفائقة على الأخذ والعطاء اللذين هما مقياس البقاء والخلود. وبعد هذا وذاك، جاء الاستعمار بالمرحلة الثالثة التي مازلنا نعاني منها إلى يومنا هذا، وتمتاز تلك المرحلة بظهور من يوصفون ظلماً وبهتاناً، بالتحرر والتقدمية: مؤرخون ومفكرون من الدرجة الأولى، ما في ذلك شك، ولكنهم غير مجردين من عواطفهم الوطنية فاشرفوا على دراسة العديد من أبناء الجزائر الذين بهرتهم التعابير الرنانة الجوفاء، وخدعتهم المفاهيم السطحية والمصطلحات الشكلية والسلوكات المظهرية إلى درجة أن معلومات الأساتذة صارت قرآناً لا تقبل شكاً ولا تكذيباً. وانطلاقاً من هذه المعطيات أصبح الجزائريون يزيفون تاريخهم بأنفسهم أو يحافظون على واقعه المشوه ويعملون ما لا يستطيع المستعمر فعله لإقناع المواطنين البسطاء بموضوعية ذلك الواقع، بل أكثر،

стр. 13

لقد اتخذوا من أساتذة الاستعمار أئمة وأغلقوا، بأيديهم أبواب الاجتهاد فلم تعد ذهنياتهم قابلة للثورة على الجمود والرجوع إلى الشك في كل شيء للتوصل إلى الحقيقة الضائعة. ولأجل ذلك كله، فإن المركز الوطني للدراسات والبحث في الحركة الوطنية وثورة أول نوفمبر، بالطريقة التي وجد عليها والرعاية التي يحظى بها خاصة من معالي وزير المجاهدين، إنما يعتبر فتحاً مبيناً وخطوة ثاتبة في الطريق المؤدية إلى تكوين المدرسة الجزائرية للتاريخ، تلكم المدرسة التي نأمل أن تستقطب جميع الطاقات الوطنية المؤهلة لإعادة كتابة تاريخ الجزائر بعد تخليصه علمياً وأكاديمياً، ومن كل ما علق به من تشويه وتحريف وتزييف؛ وإنما تشكل لمهمة شاقة لا تكتفي بصبر الباحثين وإرادة السياسيين ولكنها تتطلب فوق كل شيء وزيادة على الثقة في النفس، إيماناً صادقاً بالمسؤولية وقدرة فائقة على كسر الحواجز الوهمية التي أقامها المستعمر بيننا وبين ماضينا التليد الذي ما أحوجنا إلى توظيف جوانبه الإيجابية والسلبية على حد سواء. وبهذه المناسبة أستسمحكم لحظة واحدة للترحم على روح صديقنا الباحث العلامة مولود قاسم الذي نفض الغبار عن شخصية الجزائر الدولية وهيبتها العالمية قبل سنة ١٨٣٠م. وفي الختام، أشكر مرة أخرى مديرية المركز وكافة العاملين به وأتمنى من جديد أن يتواصل هذا الجهد الذي أرى من خلاله نوراً هو الذي سيهدي خطانا في طريق إعادة كتابة التاريخ التي يتوقف عليها استرجاع الجزائر سيادتها واستقلالها كاملين. ••••

стр. 14

الفصل الأول: الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والثقافية في الجزائر قبيل نوفمبر ١٩٥٤

стр. 15

الجزائر بلد زراعي، هذه حقيقة قديمة، لا تحتاج إلى تدعيم، ولكن الجديد في الأمر هو أن مؤرخي الاستعمار يدعون بأن المعمرين الفرنسيين هم الذين استصلحوا الأراضي، وصيروا ترتبها طيبة (١). إن هؤلاء المؤرخين يتناسون أو يتجاهلون ما ورد في تقرير السيد "تادنة" الذي قدمه لسلطات الإمبراطورية الفرنسية في أيام عزها، والذي جاء فيه: "إن مناخ الجزائر جميل وأرضها طيبة، توجد بها مراع شاسعة، وسهول فسيحة: تكثر فيها منتوجات أمريكا والهند، بالإضافة إلى ما ينبت في أراضي أوربا، كما أنها تنتج كميات هائلة من القمح والشعير والصوف والجلود والشموع. أما مراعيها فتزخر بأنواع الحيوانات المختلفة مثل الأبقار والأغنام والماعز والبغال والحمير الممتازة" (٢) ويبدو كذلك أن هؤلاء المؤرخين لم يطلعوا على ما أورده السيد (شالر) في كتابه "لمحة تاريخية عن الدولة الجزائرية" إذ يؤكد بأن سهول متيجة تعتبر من أحسن الأراضي وأوسعها في العالم، وذلك نظراً لمناخها وخصوبتها وموقعها، وهي تمتد على مساحة قدرها بالتقريب ٣٣٠ ميلاً مربعاً (٣). صحيح أن سلطات الاحتلال قد استصلحت بعض المستنقعات القريبة من العاصمة لكنها لاتمثل شيئاً بالمقارنة مع ملايين الهكتارات من الأراضي الخصبة التي اغتصبتها سواء من أملاك الدولة الجزائرية أو من أملاك الأعراش والخواص ثم وزعتها على الكولون المرحين من الجيش أو المرافقين له وعلى عدد من الشركات الفلاحية التابعة لمختلف المؤسسات الفرنسية في "المتروبول" (٤). وكانت معظم الأراضي في الجزائر، قبل الاحتلال الفرنسي، ملكاً مشاعاً للأعراش (٥) التي كانت تستثمرها جماعياً لتحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي وتصدير الفائض من الإنتاج إلى المشرق وإفريقيا السمراء وإلى بلاد جنوب أوربا على وجه الخصوص (٦) ثم جاءت قرارات القادة العسكريين االفرنسيين ومراسيم السلطات الاستعمارية فأباحت اغتصاب تلك الأراضي بسبب مشاركة أصحابها في الانتفاضات الشعبية المختلفة (٧) وتسليمها بالمجان إلى المعمرين الأوربيين. وبفعل عمليات الاغتصاب تلك تحول الفلاحون الجزائريون الذين كانوا، قبل الاحتلال، يمثلون الأغلبية الساحقة من السكان، إلى مجرد خماسين أو أوأجراء موسميين أو إلى أناس عاطلين تماماً عن العمل يعيشون من التسول أو

стр. 16

من الأعشاب والنباتات التي تجود بها الطبيعة. وما كاد يحل الاحتفال بمرور قرن على الاحتلال حتى فقدت الجزائر قدرتها على تحقيق الاكتفاء الغذائي الذاتي وتحولت من منتج للحبوب ومصدر لها إلى بلد مضطر لاستيراد المواد الغذائية الضرورية لحاجات سكانه (٨). مثل هذه الحقائق تفرض علينا طرح أسئلة كثيرة، وفي مقدمتها: كيف انقلبت الأوضاع بهذه الصورة وبتلك السرعة؟ والجواب يكون سهلاً ومعقولاً، إلا على الفرنسيين، ويكمن في التالي: إن المهاجرين الأوربيين كانوا يجهلون طريقة الاعتناء بالفلاحة، ولم يكونوا يهدفون لغير الإثراء بأية طريقة كانت، لأجل ذلك، ركزوا مجهوداتهم على استنزاف الثروات، وتسخير الأرض بدون حساب، كما أنهم لم يهتموا باستصلاح الأراضي البور، أو الأراضي الموات الممتدة على ملايين الهكتارات جنوب التل شرقاً وغرباً. وبالإضافة إلى إهمال العمليات الاستصلاحية التي كان من الممكن أن تقلب الجنوب الجزائري جنة خضراء، قادرة على تغذية عشرات الملايين من البشر، فإن المستعمرين قد وجهوا ضربة قاسية ما زالت بصماتها واضحة المعالم على فلاحتنا، وتتمثل في تخصيص حوالي نصف مليون هكتار من أحسن الأراضي لغراسة الكروم المنتجة لعنب الخمور، مع العلم أن الجزائريين مسلمون ولا يستهلكون المشروبات الكحولية (٩). وعلى حساب الحبوب أيضاً اهتم الكولون بالحوامض التي كانت تدر عليهم أضعاف أضعاف ما كانوا يجنونه من القمح والشعير (١٠). ولقد تطور منتوجها من سبعمائة ألف قنطار سنة ١٩٣١م إلى مليونين وسبعمائة وستة عشر ألف قنطار سنة ١٩٥٠م (١١) وأصبح بذلك يحتل المرتبة الثانية في قائمة الصادرات بعد الخمور التي كانت تنتج بمعدل ١٦ مليون هكتار سنوياً عندما اندلعت الثورة الجزائرية. ولصالح الكروم والحوامض قضي، في ضواحي معسكر، على زراعة الأرز (١٢) وكذلك الأمر في شمال شرقي الجزائر، حيث أهملت زراعة القمح وسائر أنواع الحبوب الغذائية والفول والعدس وغيرها. وإذا كانت مغارس الكروم والحوامض قد أنشئت على حساب زراعة القمح والشعير، فإن اقتصار المعمرين على استغلال المساحات التي وجدها عند الغزو، وعدم التفاتهم إلى الجنوب حيث تتكاثر المياه الجوفية، قد أديا، بسبب ارتفاع عدد السكان وبالتالي تزايد الحاجيات، إلى تحويل الجزائر من بلد مزدهر إلى مستعمرة لا يستفيد منها سوى الكولون الذين اجتمعت بين أيديهم حوالي

стр. 17

ثلاثة ملايين هكتار من أخصب الأراضي (١٣). وعلى هذا الأساس فإن سنة ١٩٥٤، قد وجدت الفلاحة الجزائرية متقهقرة بالنسبة لما كانت عليه قبل الغزو: وإن تعسفات الاستعمار، وعمليات الاغتصاب التي قام بها، والتي تعرضت لها كافة أنحاء الوطن، وكذلك روح المستعمرين الانتهازية الاستغلالية، كل ذلك ترتب عنه إبعاد الفلاحين الجزائريين عن التسيير في مجال الزراعة، لتحويل معظمهم إلى آلات تسخر لخدمة المستغليين الأوربيين من جهة، ولتزويد الفلاحين الفرنسيين بما يحتاجون إليه لتحسين منتوجاتهم (١٤)، ولتنمية طاقاتهم الإنتاجية من جهة ثانية. وتجمع الإحصائيات بالنسبة للعشرية التي سبقت الثورة، أن الأراضي الصالحة للفلاحة، تبلغ مساحتها أحد عشر مليون هكتار: منها ثمانية بيد الجزائريين الذين يمثلون تسعة أعشار السكان، وثلاثة ملايين هكتار بيد حوالي خمسة وعشرين ألف مستعمر، لأن الباقي يحتكرون التجارة الخارجية والصناعة الهامة ويشغلون مناصب القيادة على اختلاف أنواعها في جميع الميادين. ولئن كان ممكناً الحديث بإسهاب عن الفلاحة الجزائرية قبل اندلاع الثورة، والإيفاء بذلك الحديث يتطلب عشرات المجلدات، خاصة إذا أردنا التعرض للتفاصيل، فإن الأمر ليس كذلك بالنسبة للتجارة الخارجية والصناعة لأنهما تكادان تكونان وقفاً على المعمرين الذين يحتكرون كما ذكرنا، عمليات التصدير والتوريد، واستغلال المناجم على اختلاف أنواعها. فالصناعة (١٥)، قبل الاحتلال، كانت أكثر تقدماً وأحسن تنظيماً، تشهد بذلك مختلف المصادر التي تجمع أن الحرفيين، في الجزائر، كانوا يجمعون في نقابات حسب التخصص بحيث تجد النجارين في شارع، والحدادين في آخر، والشواشين (١٦) في ثالث، والصباغين في رابع، والدباغين في خامس، إلخ ... وكانت كل نقابة تسير من قبل أمين ينتخب بديمقراطية ويختار لما له من خبرة وحكمة وحسن سلوك، وللأمناء مجتمعين مكانة مرموقة لدى الحكومة المركزية، أما أمين الأمناء، فإنه يحضر الاجتماعات مع السلطات العليا، ويشارك، فعلياً، في اتخاذ القرارات، سواء منها الاقتصادية أو السياسية (١٧). وإلى جانب هذه الصناعة التقليدية، كانت الدولة الجزائرية تهتم كثيراً بمناجم المعادن المختلفة، وتولي رعاية خاصة لصناعتين كانتا أساسيتين في ذلك الحين، وهما صناعة الأسلحة والذخيرة الحربية، وصناعة السفن (١٨). وبعد الغزو، وبالتدريج، أهملت الصناعة في الجزائر، لتتخصص البلاد شأن جميع بلدان العالم الثالث، في تصدير المواد الأولية وقد نجحت السطات

стр. 18

الاستعمارية في مهمتها، إذ ما كادت الثورة تندلع حتى اختفت صناعتنا التقليدية، وصارت الجزائر تستورد كل شيء تقريباً، واختفت مصانع الأسلحة والبارود، وورشات البحرية الخاصة بصناعة السفن. وبالمقابل تضاعفت كميات المعادن المنجمية المستخرجة، والتي أصبحت سنة ١٩٥٤، حوالي ستمائة ألف طن من الفوسفات، وثلاثة ملايين ونصف مليون طن من الحديد، وأربعمائة ألف طن من الفحم، إلخ ... (١٩). وبقدر ما أنهك الاستعمار صناعتنا، قبل أن يقضي عليها، فإنه خنق التجارة الخارجية التي كانت، هي الأخرى، مزدهرة قبل الغزو الفرنسي. قد يبدو أن قولنا هذا مجرد إدعاء، ولكن المصادر، على اختلاف لغاتها، تثبت بأن الجزائر، قبل الاحتلال كانت تقيم علاقات تجارية مكثفة مع افريقيا جنوب الصحراء، ومع البلاد العربية وأوربا الغربية خاصة (٢٠)، وبأن تجارتها تلك كانت مخططة وتدر على البلاد أرباحاً كثيرة، تستثمر في سائر الميادين. ثم جاءت آفة الاستعمار، وما كادت تمر السنوات الأولى من الغزو حتى أصبح ميزان التجارة الخارجية الجزائرية خاسراً لأن كل عمليات التصدير والتوريد صارت مقصورة على فرنسا. وفي العشرية التي سبقت ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤، لم يعد في استطاعة أي عاقل الحديث عن تجارة الجزائر الخارجية، بل كل ما هناك عمليات احتكارية تقوم بها كمشة من المستعمرين، يجمعون الأرباح لأنفسهم على حساب فرنسا والجزائر في آن واحد (٢١). وفي المجال الثقافي، فإن الثورة قد اندلعت عندما كان الاستعمار قد انتهى تقريباً من مهمته الأساسية، الخاصة بالمسخ والتشويه والتجهيل (٢٢). ففي السنوات الأولى من الاحتلال وبالتوازي مع ما كان به من نهب للثروات الوطنية واستيلاء على الأراضي الخصبة الشاسعة، يوزعها على الكولون الجدد وعلى المؤسسات الاستعمارية المختلفة، راح يوظف كل ما لديه من قوة، ظاهرة أو باطنة، للقضاء على مصادر الثقافة الوطنية. فهدم كثيراً من المساجد (٢٣)، وحول أعداداً كثيرة منها إلى كنائس أو ثكنات أومستوصفات (٢٤) وحتى إلى ملاهي لأجناده وماخورات عمومية. وفي نفس السياق وجه ضربات قاسية للمثقفين الجزائريين فقتل من قتل ونفى من نفى وزج في السجون بمن شاء وظل يطارد ويضطهد كل من بقي طليقاً قصد منعه من القيام بواجبه نحو المجتمع وبذلك صارت الإحصائيات تشير قبل اندلاع ثورة نوفمبر إلى أن حوالي ١٩% فقط، من الجزائريين متعلمون، يدخل في هذه النسبة المئوية من

стр. 19

يحسن القراءة والكتابة سواء بالعربية أو بالفرنسية، وكانت جامعة الجزائر التي تعد، نظرياً، من أكبر جامعات فرنسا تجمع في مدرجاتها حوالي ستة آلاف طالب، لا يزيد عدد الجزائريين منهم عن خمسمائة طالب، معظمهم من أبناء الطبقات التي صنعها الاستعمار لخدمة مصالحه (٢٥). ولكن ماذكرنا، أعلاه ليس هو وجهة نظر المؤرخين الغربيين الذين على غرار السيد هورن (٢٦) يشيدون بما حققته فرنسا، في الجزائر، من منجزات تتمثل في: "شبكة الطرقات والسكك الحديدية والمطارات والمدن الكبرى والمواني، إلى جانب الغاز والكهرباء والمواصلات السلكية واللاسلكية والمنشآت الصحية والخدمات الطبية المتعددة" (٢٧) والحقيقة، أن ذلك ليس مجرد ادعاء، لقد أنجزت فرنسا، ولا يمكن للمؤرخ النزيه أن ينكر ذلك، لكن كل الإنجازات كانت موجهة لخدمة مصالح الأوربيين. وحيث لا وجود للمستعمر، فإن تلك الإنجازات لم تصل ولم تتحقق. ففي مجال التعليم الابتدائي، مثلاً، نجد أن الأطفال الفرنسيين الذين هم في سن الدراسة كلهم يقبلون في المدارس التي تطبق البرامج السارية المفعول في "الوطن الأم"، وبواسطة معلمين أكفاء تعطى لهم كافة الوسائل الضرورية لأداء رسالتهم على أحسن وجه. أما الأطفال الجزائريون، فإن المصادر المتزمتة نفسها تذكر بأنهم عندما يبلغون سن الدراسة، لا يجدون سوى مقعد واحد لكل خمسة ذكور، ومقعد آخر لعدد يتراوح ما بين ست عشرة وست وسبعين فتاة (٢٨)، معنى ذلك أن طفلين جزائريين فقط من جملة حوالي ثلاثين كان يمكن لهما أن يدخلا المدرسة في سنة ١٩٥٤ (٢٩)، الأمر الذي يسمح لنا أن نؤكد بأن حوالي ٧% فقط من أبناء الجزائر كانت لهم فرصة التعليم، أضف إلى ذلك نسب الفشل والعجز عن مواصلة الدراسة نتيجة الفقر والاحتجاج خاصة. ولم تكتف السلطات الاستعمارية بسد أبواب التعليم الفرنسي في وجه الجزائريين، بل إنها بذلت كل ما في وسعها لمحاربة اللغة العربية سواء في المدارس أو في الكتاتيب (٣٠). ولقد نجحت في ذلك إلى أقصى الحدود حتى إن الجزائر التي كانت قبل الاحتلال، توفر لكافة أبنائها جميع الشروط اللازمة للحصول على نصيبهم في العلم والمعرفة، قد أصبح شعبها أمياً بنسبة حوالي ثمانين بالمائة سنة اندلاع الثورة (٣١). وهكذا، فبقدر ما كانت الجالية الأوربية تستفيد من بناء المدارس ونشر المعرفة، كان الجزائريون يعانون من سياسة التجهيل التي نجح الاستعمار نجاحاً

стр. 20

باهراً في تطبيقها على سائر الفئات الاجتماعية. إن الإحصائيات الرسمية (٢٣) تنص بكل بساطة على أن الجزائر كانت سنة ١٩٤٤ تشتمل على ٦.٥٠٠ قسم مدرسي في الابتدائي نصيب المسلمين منها حوالي ١٠٠٠ لاستقبال ١٠٨.٠٠٠ تلميذ أي بمعدل ١٠٨مدرس للقسم الواحد. وفي المقابل فإن عدد التلاميذ الأوربيين قد بلغ بالنسبة لنفس السنة ١١٨٠٠٠ موزعة على ٥.٥٠٠ قسم أي بمعدل ٢٢ مدرساً للقسم الواحد. أما في التعليم الثانوي، فإن عدد التلاميذ الجزائريين سنة ١٩٥١ لم يكن يمثل سوى ٦و١١% من مجموع المسجلين في الثانويات. وفي سنة ١٩٥٤ بلغ عدد الثانويين الجزائريين ٦.٢٦٠ من جملة ٣٥.٠٠٠ تلميذ، علماً بأن عدد السكان الأوربيين كان في ذلك الوقت أقل من عشر العدد الإجمالي للسكان. وفي التعليم العالي، كان عدد الطلبة الجزائريين سنة ١٩٤٨ لا يزيد عن ٦ من بين حوالي٦٠٠ أوربي. ومع اندلاع الثورة ارتفع ذلك العدد ليصل إلى ٥٨٩ طالباً من بينهم ٥١ طالبة. أما الطلبة الأوربيون فقد كان عددهم ٧٨٠٠. إن هذه الاحصائيات لا تكون كاملة إلا إذا أضفنا لها عدد الأطفال الجزائريين الذين كانوا يتعلمون بالمدارس الحرة والكتاتيب والتي كانت تستقبل منهم سنة ١٩٥٤ حوالي ٢٠٠٠٠٠ تلميذ. أما جامعات الزيتونة في تونس والقرويين في المغرب الأقصى والأزهر في مصر فإن عدد الطلبة الجزائريين بها في تلك السنة قد يكون وصل إلى ١٢٧٠ رحلوا إليها من مختلف جهات الوطن (٣٣). ويدعي بعض المحللين السياسيين (٣٤) أن الانفجار الديمغرافي واستفحال الأزمات الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر، خاصة في الربع الثاني من القرن العشرين، هما اللذان كانا في أساس اندلاع ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤. ويذهب أحدهم وهو السيد فريديريكس الذي يعتبره السيد أوبرمان (٣٥) واحداً من كبار العارفين بقضايا شمال افريقيا إلى حد القول: "إن الوطنية هي بالنسبة للجماهير الجزائرية رد فعل شعب ينجب من الأطفال أكثر مما يستطيع بلده أن ينتج لهم من الغذاء (٣٦). صحيح أن الجزائر عرفت في الفترة المذكورة، تطوراً ديمغرافياً خطيراً ومرت أزمات اقتصادية تسببت في مجاعة السكان الجزائريين مرات عديدة، لكن ذلك كله لا يشكل سوى عامل مساعد على توعية الجماهير الشعبية بالواقع الذي فرضه عليها الاستعمار. أما الوطنية كما نستخلصها من النصوص

стр. 21

الأساسية وفي مقدمتها بيان أول نوفمبر سنة ١٩٥٤ فهي النضال بجميع الوسائل وبلا هواده من أجل هدم النظام الاستعماري واسترجاع السيادة الوطنية المغتصبة بواسطة تحرير الأرض وتحرير الإنسان بأتم ما في كلمة تحرير من معنى. أما إذا رجع الدارس إلى المسألة الاجتماعية والاقتصادية في الجزائر قبل سنة ١٩٥٤ وأخضعها للبحث الموضوعي فإنه يكون مضطراً للتوقف عند مجموعة من الملاحظات أهمها ما يلي: أ - إن الإحصائيات الخاصة بعدد السكان الجزائريين غير قابلة للتوظيف رغم كل العمليات الرسمية التي قامت بها الإدارة الاستعمارية والتي كانت دائماً تتوج بنشر أرقام تدعي أنها تعبر بصدق عن الواقع الديمغرافي (٣٧). ويرجع عدم قابليتها للتوظيف إلى كونها كانت تقريبية فقط بحكم عدم توفر الهياكل اللازمة لإجراء عمليات الإحصاء وبسب فقدان مصالح الحالة المدنية في كثير من أنحاء الجزائر في ذلك النصف الأول من القرن العشرين. ب - إن الحديث عن طبقة الشغيلة في الجزائر قبل ثورة نوفمبر ١٩٥٤ في غير محله لأن أربعة أخماس اليد العاملة التي لها شغل دائم أو مؤقت مرتبطة بالأرض. أما عمال الصناعة والتجارة الذين يمثلون الخمس الباقي فأغلبيتهم من الأوربيين. وإذا أردنا الحديث عن العمال الجزائريين كقوة سياسية فينبغي التفتيش عنهم في فرنسا ذاتها حيث وصل عددهم سنة ١٩٥٤ إلى حوالي ٣٠٠ ألف أغلبيتهم في عز الشباب. ج - إن الحديث عن الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في الجزائر لا يكون جدياً إلا إذا فصلنا بين مجتمعين متمايزين: المجتمع الأوربي الذي يمثل حوالي عشر السكان ويملك تسعة أعشار الإنتاج الإجمالي والمجتمع الجزائري الذي يمثل تسعة أعشار السكان ولا يملك سوى عشر الإنتاج الإجمالي، وعندما تؤخذ هذه الحقيقة في الاعتبار فإن كل الإحصائيات المقدمة من طرف السلطات الاستعمارية تصبح غير قابلة للتوظيف. د - إن الأرقام المتعلقة بالبطالة في الجزئر قبل سنة ١٩٥٤م تحتاج إلى مراجع كلية. فمذكرات الدراسات الوثائقية رقم: ١٩٦٣ (٢٤. ١٢. ١٩٥٤) تشير إلى أن الجزائريين البالغين سن الشغل كان عددهم ٣.٥٠٠.٠٠٠سنة ١٩٤٨م ومن بين هذا العدد هناك ٢.٨٠٠.٠٠٠ يشتغلون في الزارعة

стр. 22

والغابات والصيد البحري والباقي موزع على قطاعي الصناعة والتجارة. معنى ذلك أن الجزائر لم تكن فيها بطالة وهذا غير صحيح وإلا فقدت الهجرة إلى فرنسا أحد مبرراتها الأساسية ولم يعد للمحللين السياسيين ما يركزون عليه ادعاءاتهم الآنفة الذكر. فالجزائر، فعلاً، كانت في نظر السلطات الاستعمارية قسمان: قسم الأوروبيين ويعتبرون رغم اختلاف أجناسهم، فرنسيين لهم وعليهم ما للمواطن في فرنسا. وما عليه ولهم، زيادة على ذلك، حق استغلال "الأهالي" واضطهادهم قانونياً. هؤلاء الأوربيون جاء أجدادهم إلى الجزائر بطرق مختلفة، فقلة منهم صاحبت عملية العدوان سنة ١٨٣٠م كتجار وأصحاب مهن حرة ورهبان في خدمة الغزاة أو لتنصير الجزائريين. وبعد الاستحواذ على خزينة الدولة الجزائرية والاطلاع على خصوبة سهل المتيجة المحيط بالعاصمة شرع الجنرال كلوزيل في تسريح بعض الأجناد وتمكينهم من مزارع البايلك يستغلونها لحسابه في شكل شركة سميت: مزرعة إفريقيا التجريبية (٣٨) وحذا حذو كلوزيل ضباط سامون آخرون حتى إن كل الساحل والمتيجة تحول إلى الأوربيين في ظرف عشر سنوات فقط (٣٩). وتمركزت مجموعة الكولون الأولى التي وصل عددها حوالي خمسين ألف نسمة بالنسبة لتلك الفترة (٤٠) وبعد إلحاق الجزائر بفرنسا وتناقلت وسائل الإعلام أخبار المستعمرة الجديدة وما تزخر به من ثروات، وبعد أن أعلن الجيش الاستعماري عن استعداده لاستقبال كل الراغبين في تجسيد فكرة الاستعمار الاستيطاني، بدأ الكولون يصلون من مختلف أنحاء أوربا حتى أن جاليتهم أصبحت تتكون من حوالي١٥٠.٠٠٠ في ظرف عشرين سنة فقط (٤١). ثم راحت تتكاثر بنفس الوتيرة إلى أن قاربت المليون نسمة عشية اندلاع ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤م وأصبحت تملك أخصب ما في الجزائر من أراضٍ صالحة للزراعة وتسيطر، فعلياً، على إدارة البلاد وصناعتها وتجارتها بجميع أنواعها. أما القسم الثاني فهم أبناء الوطن الذين تسميهم الإدارة الاستعمارية بأسماء متعددة غير الاسم الصحيح. فهم أحياناً: الأهالي الذين يحكمهم قانون تعسفي يسمى قانون الأهالي الذي يكاد يحرمهم من حق التنفس، وهم العرب في نظر الكولون، والمسلمون في نظر المؤرخين أمثال روبرت آجرون، وهم يمثلون عشرة أضعاف الجالية الأوربية لكنهم لا يملكون شيئاً بالمقارنة مع ما هو في حوزة الكولون وليس لهم حقوق المواطنة ولا يتمتعون بأي نوع من أنواع الحرية.

стр. 23

إن هذا القسم، في مأساته، يشتمل على فتئتين اجتماعيتين. تتشكل الأولى من العائلات المقربة من السلطات الاستعمارية نتيجة ما تقدمه لها من خدمات في مجال تسيير شؤون "الأهالي" وهي رغم ما تحظى به من امتيازات وما تملكه من متاع لا ترقى إلى مستوى أحط الأوربيين شأناً وأقلهم ثروة. ومن الناحية العددية، فإن هذه الفئة قليلة جداً حتى عندما تضم إليها من كانوا يسمون بالنخبة ولذلك، ولأنها غير متجانسة، فإنها لا تُكِّون طبقة مستقلة بذاتها، أما الفئة الاجتماعية الثانية فتتشكل من باقي السكان الذين يعيشون أوضاعاً متقاربة جداً ويتعرضون لنفس أنواع الاستغلال والاضطهاد والعسف. انطلاقاً من هذه الحقائق، نستطيع القول إن الحديث عن تطور الجزائر وما عرفته من انجازات اقتصادية واجتماعية وثقافية لا يكون صحيحاً إلا إذا ظل مقصوراً على الأوربيين فقط، وعلى سبيل المثال نتوقف عند القرار الذي سن المنح العائلية سنة ١٩٤١ وتضمن في مادته الأخيرة أن تطبيقه يمتد أيضاً إلى الجزائر. إن ذلك التمديد قد وقع بالفعل ولكنه لم يتعد الجالية الأوربية ولم يستفد منه، كما ينبغي، حتى أبناء الجزائريين المغتربين في فرنسا (٤٢). وعندما نريد تقييم الإنسان الجزائري، تقييماً مطلقاً، فإننا نجد أن قيمته عشية اندلاع الثورة لم تكن أفضل من قيمة البهائم (٤٣). فالإدارة الاستعمارية لا توليه أي اهتمام إلا عندما يتعلق الأمر بفرض مختلف أنواع الضرائب عليه. ونقول مختلف أنواع الضرائب لأن "الأهالي" في الجزائر، لم يكونوا يحكمون بقانون، بل أن حياتهم اليومية تسير وفقاً لمشيئة المستعمر الذي يخطط للمداخيل والمصاريف، والذي يوزع المهام ويخلق الأوضاع حسب إرادته وتماشياً مع مصالحه الخاصة. إن الشرطة، في المدن، والحراس والشواش، في الأرياف، وكذلك القواد والباشغوات كلهم يأتمرون بأوامر غلاة المعمرين الذين لهم اليد الطولى في التعيين والترقية والعزل، لأجل ذلك، كثيراً ما نرى فلاحاً جزائرياً يُغرَّم لأنه ركب حماره، أو وُجِدَ يأكل الخبز والعنب في الغابة، أو أن أخباراً أفادت بأنه ذبح خروفاً أو ديكاً دون رخصة خاصة (٤٤). إن هذا التعسف، وعدم وجود السلطة المستقلة التي يحتكم إليها هما اللذان جعلا معظم أبناء الجزائر يفضلون العزلة والعيش على الهامش موكلين كل ما يتعلق بمصيرهم للقضاء والقدر، راضين بحياة البهائم المفروضة عليهم. وكانت المرأة، بالإضافة إلى ما يعاني منه الرجل، تخضع لظروف قاسية نتيجة التأويل الخاطئ لمبادئ الإسلام السمحة (٤٥).

стр. 24

ولقد كانت وظيفتها تكاد تكون منحصرة في الطبخ والإنجاب، لذلك فإنها لم تكن في حاجة إلى العلم والمعرفة اللذين كان الرجل يعتبرهما معرة بالنسبة إليها، بل سُبَّة حتى بالنسبة للواحد منهم، إذ الرجل الحقيقي، في ذلك الحين، هو الفلاح والتاجر وكل من هو قادر على جلب قوته، وسد حاجيات عياله بواسطة عضلاته. أما "الطالب" أو المتعلم فيحترم حقاً، ولكنه يعيش دائماً في احتياج، وعالة على غيره (٤٦). ومن الجزائريين، رغم كل شيء، من يوفر لبناته تعليماً قرآنياً وقلة قليلة جداً منهم من يرضى بإرسالهن إلى المدرسة الفرنسية. وسواء تعلمت الجزائرية في هذه أو في تلك من المدرستين، فإنها تلازم البيت، نزولاً عند رغبة العائلة ووفقاً لما تنص عليه عادات البلاد وتقاليدها (٤٧). إن هذا التجهيل المخطط له، في الواقع، قد أدى إلى خلق مجتمع ساذج في أغلبيته، له نحو المستعمر شعور مزدوج بالإعجاب والكراهية: أما الإعجاب ففيما توصل إليه الأجنبي من معرفة، وما حققه من تقدم وازدهار، وما حاز عليه من ثروة ورفاهية وسيطرة على التقنيات العصرية، وأما الكراهية فناتجة عن الإحساس بكون ذلك الأجنبي يمتص خيرات البلاد، وينهب أهلها دون أن يجد من يقف له بالمرصاد، وما من شك أن هذا الشعور المزدوج هو الذي ساعد، مع مر الأيام، على ميلاد ثم تطوير وتدعيم الحركة الوطنية في الجزائر. ولكن الغريب في الأمر، أن المؤرخين الفرنسيين لم يعيروا الاهتمام لذلك الواقع الصارخ، وضربوا عرض الحائط بكل حقيقة يمكن أن تنقص من قيمة الأمة الفرنسية المتحضرة التي حملت نفسها، ظاهرياً، رسالة تمدين الجزائريين وإخراجهم من طور التوحش والهمجية. وفي ميدان النقل والمواصلات، فإن فرنسا لم تزد على كونها وسعت وعبدت بعض الطرقات الرابطة بين أهم مراكز الإنتاج والمدن الكبرى أو الموانئ، لتسهيل عمليات التصدير والتوريد، وإن كتب الرحالة ودراسات المؤرخين التي عالجت أوضاع الجزائر قبل الاحتلال كلها تثبت بأن الشبكة البرية الموجودة سنة ١٩٥٤ لا تختلف كثيراً في أساسها عن الشبكة التي كانت الأيالة تتوفر عليها عندما بدأت عمليات الغزو الفرنسي (٤٨). وإن الذين كانت لهم فرصة التجول، وزيارة مختلف مناطق البلاد، وكذلك المناضلين الذين كان إيمانهم بالوطن يدفعهم للتنقل، راجلين أو على متن حيوان إلى كل مكان تشتم فيه رائحة السكان، إن هؤلاء وأولئك ما زالوا يذكرون اليوم، بأن السيارة لم تكن قبل اندلاع الثورة بقليل، ذات فائدة كبرى في التوجه إلى

стр. 25

الأرياف وفي قطع أكثر المسافات الرابطة بين بعض المدن والقرى في داخل البلاد. هناك إنجاز واحد جديد في ميدان النقل ويتمثل في خط السكة الحديدية الذي بلغ طوله عشية اندلاع الثورة: ٤٥٠٠ كلم يربط أهم مدن الشمال بعضها ببعض (٤٩). وبالنسبة للخدمات الطبية والمنشآت الصحية، أيضاً فإن السلطات الاستعمارية لم تهتم بها إلا في المراكز الآهلة بالمستعمرين. لذلك اندلعت ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤ والأغلبية الساحقة من الجزائريين لا تعرف الطبيب أو المستشفى أو المستوصف، ولا تستعمل الأدوية، بل إن التداوي، في أريافنا، مع العلم أن معظم الأهالي في الأرياف وفي القرى، إنما كان يتم بالطرق التقليدية، مثل استعمال العشب باختلاف أنواعه وسائر الحبوب النشوية، واللجوء في كثير من الأحيان، إلى الرقيا والنار والتمائم. ولن أكون مغالياً إذا قلت: إن المواطنين الجزائريين صاروا، نتيجة ذلك، يؤمنون بتلك الطرق أكثر من إيمانهم بفعالية الطب الحديث. وإلى يومنا هذا، مازال هناك، وهم كثرة، ومن مختلف الفئات الاجتماعية، من يفضل زيارة قبر مهجور أو شجرة متآكلة، أو تعليقاً لتمائم على المثول أمام أشهر الأخصائيين في جميع مجالات الطب. وبإيجاز، فإن سنة ١٩٥٤، عندما تطل على الجزائر سوف تجد الطليعة فيها مشمرة على سواعدها قصد التصدي للفتور الذي أصاب الأمة، ونفض الغبار الذي حجب الرؤية، والعمل من أجل إزالة التشويه ومحاربة التزييف والانحراف وسائر الأمراض التي نفثها المستعمر داخل مختلف فئات المجتمع. وبفضل مجهودات تلك الطليعة، صار الأطفال الجزائريون يستنكرون أن يكون أجدادهم الغال (٥٠) ويفتخرون بانتسابهم للعروبة والإسلام، وصار الأهالي، في معظمهم، يدركون التمايز بينهم وبين المستعمرين وأبناء ما يسمى بالوطن الأم، وبعبارة أوضح، صار الوضع مناسباً والظروف ملائمة لإشعال فتيل الثورة التي سيكون لها الفضل في تقويض أركان الاستعمار الفرنسي. •• • الهوامش:

стр. 26

هوامش

стр. 27

هوامش

стр. 28

هوامش

стр. 29

الفصل الثاني: الحركة الوطنية الجزائرية في مرحلة النضج

стр. 30

الحدث التاريخي يلد الحدث التاريخي، ولا يمكن للدارس الجاد أن يحيط بأي حدث تاريخي مالم يهتد إلى الحدث أو الأحداث التي كانت في أساسه والتي انطلقت منها بوادره. إن الحدث التاريخي المعزول عن غيره لا وجود له في تاريخ الإنسانية جمعاء. ومن هذا المنطلق سوف نحاول من خلال هذه الدراسة، إيجاد الخيط الرابط بين مختلف المحطات التاريخية التي ساعدت على تطوير الحركة الوطنية الجزائرية خاصة في الأربعينات من هذا القرن، ومباشرة قبل اندلاع ثورة الفاتح من نوفمبر سنة ١٩٥٤. إن أبرز حدث تاريخي يجب الرجوع إليه لفهم هذه الفترة وما عرفته من تحركات سياسية إنما يتمثل في إنزال الحلفاء قواتهم على الساحل الجزائري ابتداء من الثامن من نوفمبر سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة وألف. إن ذلك الحدث قد حتم على قادة الساحة السياسية الوطنية الجزائرية الإسراع في التلاقي من أجل التشاور حول ما ينبغي القيام به لحماية الشعب الجزائري وتمكينه من تقرير مصيره بنفسه واسترجاع سيادته التي كانت قد اغتصبت سنة ١٨٣٠. وعلى الرغم من الظروف الصعبة التي أوجدتها الحرب الإمبريالية الثانية (١) التي لم يكن من شأنها المساعدة على تسهيل الاتصالات بين أولئك القادة الذين كان منهم من يعيش في الإقامة الجبرية (٢) ومنهم من كان متخفياً ويعيش حياة سرية (٣) في حين كان بعضهم يتحايل للبقاء طليقاً (٤) ليكون همزة الوصل التي لا بد منها لتبادل الأراء والأفكار ولمحاولة إيجاد الأرضية الملائمة لتوحيد الجهود النضالية وتقريب وجهات النظر حول كيفية التصدي للغزو الأجنبي بجميع أنواعه؛ على الرغم من تلك الظروف الاستثنائية، وفي واقع الأمر، فإن الطاقات الفكرية الوطنية قد وجدت طريقها إلى صياغة ما سوف يصطلح على تعريفه ببيان الشعب الجزائري الذي، رغم توقيعه فقط من طرف مجموعة من المنتخبين الجزائريين، فقد كان تعبيراً عاماً عن كثير من المواقف السياسية والإيديولوجية والفكرية التي كانت حتى ذلك التاريخ حكراً على مناضلي الحركة المصالية في الجزائر. لقد جاء البيان تقييماً موضوعياً لمختلف المراحل التي قطعها الاستعمار الفرنسي في الجزائر والتي جعلت غلاة الغزاة يقولون "لقد سيطرنا على البلاد بالقوة، لأن الاحتلال لا يكون إلا كذلك، وهو يستلزم غالبين ومغلوبين، وعندما

стр. 31

تم ترويض هؤلاء الأخرين تمكنا من تنظيم البلاد بالكيفية التي تشهد بتفوق الغالب لا المغلوب، والمتحضر على الرجل الأدنى، إننا نحن المالكون الشرعيون للبلاد) مجلة إفريقيا اللاتينية الصادرة بتاريخ مايو (أيار) ١٩٢٢. وبعد تقييم مراحل الاستعمار، توقف البيان عند أهم المقاومات الشعبية وما ترتب عنها من تصميم وعزم في صفوف الجزائريين ومن إفقار وتهميش لهم بسبب اغتصاب أراضيهم وانتزاع سائر ممتلكاتهم قبل إخضاعهم لقوانين الاضطهاد والاستبداد (٦) التي يعتبر قانون الأنديجينا واحداً من أفضلها وأكثرها رحمة. ولم ينس البيان مجموعة مشاريع الإصلاح والوعود الرامية إلى تمكين الجزائري من أسباب الرقي والتقدم، بدءاً من اقتراح المارشال بيجو الموجه لحكومته سنة ١٨٤٤ والقائل: "إننا أبدينا قوتنا وعظمتنا للقبائل الإفريقية، وأصبح علينا الآن، أن نظهر لها طيبتنا وعدلنا"، ومروراً باقتراح ميشلان وقوتي Michelin et Gautier سنة ١٨٨٧ حول إمكانية منح صفة المواطنة الفرنسية لمسلمي الجزائر، ومشاريع مارتينو Martineau سنة ١٨٩٠ وجان جوريس سنة ١٨٩٨ وكليما نسوسنة ١٩١٥، وانتهاء بمشروع فيوليت Violette الذي يعطي حق المواطنة الفرنسية لحوالي ثلاثين ألف جزائري. وبعد التأكيد على أن كل تلك المشاريع وتلك الوعود لم تجد طريقها إلى التنفيذ وظلت حبرا على ورق بسبب تعنت الكولون الذين كانوا يتعاملون مع القضية الجزائرية على أساس عرقي قومي وديني، خلص البيان إلى القول: "لقد فات الآوان الذي كان المسلم الجزائري يطلب فيه أن يكون شيئاً آخر غير جزائري مسلم، وبعد إلغاء مرسوم كريمو Grèmieux خاصة، فإن الجنسية والمواطنة الجزائرييين قد أصبحتا ملاذه الأفضل باعتبارهما تتضمنان الحل الأكثر وضوحاً ومنطقية لمسألة تطوره وتحرره". إنطلاقاً من كل ما تقدم وتماشياً مع الواقع الجديد الذي أوجده ذلك البيان الذي أصدره الرئيس روزفلت Roosevelt باسم الحلفاء والذي يضمن احترام حقوق كافة الشعوب الصغيرة والكبيرة، فإن بيان الشعب الجزائري قد حدد الأهداف الأساسية في خمس نقاط هي: ١ - إدانة الاستعمار وإلغائه؛ ومعنى الاستعمار هو إلحاق واستغلال شعب من طرف شعب آخر، وهو شكل جماعي للاستبداد الذي كان يمارس على الأفراد في العصور الوسطى، وعلاوة على ذلك، فهو واحد من الأسباب الرئيسية للتنافس والتطاحن بين الدول العظمى.

стр. 32

٢ - تطبيق جميع البلدان الصغيرة والكبيرة لحق الشعوب في تقرير مصيرها بنفسها. ٣ - تزويد الجزائر بدستور خاص بها يضمن: أ - الحرية والمساواة المطلقة بين سائر سكانها دون أي تمييز عنصري أو ديني. ب - إلغاء الملكية الاقطاعية وذلك بواسطة إصلاح زراعي واسع وتمكين أغلبية الفلاحين المعدمين من حقهم في العيش الرغيد. ج - الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية على غرار اللغة الفرنسية. د - حرية الصحافة وحق إنشاء الجمعيات. هـ - مجانية التعليم وإجباريته لجميع الأطفال من الجنسين. و- حرية التدين بالنسبة لجميع السكان وتطبيق مبدأ فصل الدين عن الدولة فيما يخص جميع الأديان. ٤ - مساهمة جميع الجزائريين المسلمين مساهمة فورية وفاعلة في تسيير بلادهم اقتداء بما فعلته حكومة الجلالة البريطانية والجنرال كاترو Catroux في سوريا، وحكومة المارشال بيتان pètain والألمان في تونس. إن هذه الحكومة الجزائرية وحدها هي التي تستطيع تحقيق اشتراك الشعب الجزائري في الكفاح المشترك وذلك في جو من الوحدة المطلقة. ٥ - إطلاق سراح جميع المحكوم عليهم والمعتقلين السياسيين على اختلاف أحزابهم. إن هذا البيان، في الظاهر، من وضع السيد فرحات عباس الذي يجمع المؤرخون الغربيون خاصة، أنه هو الذي أقنع المنتخبين بمعقولية ما ورد فيه من آراء وأفكار، ثم جعلهم يتحملون مسؤولياتهم في التوقيع عليه وفي تقديمه إلى الحلفاء وإلى ممثل السلطات الاستعمارية في الجزائر. لكن قراءة فاحصة ومتأنية تقودنا حتماً إلى ضبط المواطن المعبرة عن تأثير سائر التشكيلات الوطنية وإلى كشف بصمات أمثال الدكتور محمد الأمين دباغين وحسين عسلة اللذين شاركا مشاركة فعلية في الصياغة كي تكون مقبولة من طرف القواعد المناضلة في صفوف الحركة المصالية ومن طرف المعتدلين في باقي التشكيلات السياسية والاجتماعية العاملة بالجزائر. وعندما يتوقف القارئ عند سائر الأفكار الرئيسية التي تضمنها البيان فإنه

стр. 33

لا يجد بداً من الاعتراف بأنها في معظمها، مستوحاة من البرنامج السياسي الذي وضعه نجم شمال إفريقيا سنة ١٩٣٣، لأن السيد فرحات عباس لم يكن متعوداً على مجموعة المفاهيم والمصطلحات التي بني البيان على أساسها والتي كان مناضلو حزب الشعب الجزائري يحملون وحدهم لواء نشرها في أوساط الجماهير الشعبية والعمل على جعل هذه الأخيرة تتبناها عن وعي وتتجند قصد الإسهام في إدخالها حيز التنفيذ، ونذكر من جملة تلك المفاهيم والمصطلحات، "البرلمان الوطني الجزائري المنتخب بواسطة الاقتراع العام" و "إلغاء الملكية الاقطاعية بواسطة الإصلاح الزراعي الواسع" ومجانية التعليم وإجباريته بالنسبة لأبناء الجزائر"و "المواطنة والجنسية الجزائريتان". ومهما يكن من أمر، فإن البيان قد شكل، في وقته، همزة وصل ثابتة بين طموحات مختلف التيارات السياسية الوطنية في الجزائر وكان كما قال السيد أحمد بومنجل: "تعبيراً عن مصالحة أملتها التجربة والظروف "أما السلطات الاستعمارية، في الجزائر وفرنسا على حد سواء، فإنها قد ارتاعت للحدث وساءها خاصة أن يكون كل الموقعين من غير المعروفين بميولهم الوطنية، بل كان جميعهم من المنتخبين الذين اشتهروا بموالاتهم لفرنسا وحبهم لها وإذا كان السيد بايورتون peyourthon قد استقبل السيد فرحات عباس وأبدى له استعدادات فرنسا المبدئية للتعامل مع البيان حيث التمس إجراء بعض التعديلات التي من شأنها صيانة الشرف الفرنسي، فإن الجنرال كاترو Catroux قد أدار الظهر لموقف سلفه، وعندما زاره السيدان عباس وطمزالي يوم ١١/ ٠٦/١٩٤٣ قصد تسليمه ملحق البيان الذي وقعت صياغته استجابة لرغبة الوالي العام السابق، أعلن لهما عن رفضه للوثيقتين مدعياً أن متطلبات الحرب تقتضي السكوت عن المطالب أي كان نوعها. إن كاترو، الاشتراكي المذهب (٧)، لم يتمكن من تجاوز عواطفه الوطنية للاعتراف بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، بل إنه فضل نكث عهد الحاكم العام المستقيل وراح يضاعف المساعي الرامية إلى إيجاد الشروط اللازمة لتمكين بعض آلاف الجزائريين من المواطنة الفرنسية ولمحاربة بعض أنواع العسف والاستبداد المسلطة على أبناء المستعمرة. لكن فرحات عباس لم ينخدع لتلك الإجراءات الصبيانية، واستطاع تعبئة الأغلبية الساحقة من المنتخبين الجزائريين الذين رفضوا معه المشاركة في اجتماعات المندوبيات المالية ثم وجهوا نداء إلى الجنرالين ديغول وكاترو ويؤكدون، من خلاله، التزامهم المطلق بما ورد في البيان وفي ملحقه.

стр. 34

وكان رد فعل الجنرال كاتروا عنيفاً، لجأ إليه من أجل الضغط على المنتخبين الذين كان يعرف أن عدداً ممن وقع منهم مع عباس لم يفعلوا ذلك عن قناعة ولكنهم تبعوا الحركة آلياً حتى لا يقال، مستقبلاً، إنهم تخلفوا. وتمثل رد الفعل ذاك في الإعلان يوم ٢٣/ ٠٩/١٩٤٣ عن حل الفرعين الجزائريين للمندوبيات المالية وفي فرض الإقامة الجبرية على السيدين فرحات عباس وعبد القادر سائح متهماً إياهما بتحريض المنتخبين على العصيان في وقت الحرب. وكجواب على هذه الاجراءات التعسفية، نظم حزب الشعب الجزائري، المحلول رسمياً، مظاهرات شعبية في مدن الجزائر وبسكرة وسكيكدة وقسنطينة رفعت فيها اللافتات المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم مصالي وعباس وسائح، لكن مدير الشؤون الإسلامية في الولايات العامة (٨)، استطاع بمساعدة الدكتور طمزالي أن يقنع المنتخبين بالتراجع عن توقيعاتهم. ففي الخامس عشر من شهر أكتوبر استقبل الجنرال كاترو مجموعة من المندوبين الماليين مكونة من اثني عشر شخصاً، وفي اليوم الموالي أصدرت اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني بياناً جاء فيه أن اللقاء حضره إلى جانب الجنرال كل من السيدين قونون Gonon الأمين العام للولاية العامة وأوغستين بارك مدير الشؤون الإسلامية، وناب عن مجموعة المندوبين الرئيس عبد النور طمزالي فوضح أن زملاءه يتأسفون عما حدث يوم ٢٢/ ٠٩/١٩٤٣ ويؤكدون رغبتهم في أن تتم الإصلاحات بسرعة وفي إطار الشرعية والاستقرار داخل المجموعة الفرنسية ووفقاً لمثل فرنسا الديمقراطية، كما أنهم يعربون بكل صدق عن وطنيتهم ووفائهم لفرنسا التي يتمنون لها تحريراً عاجلاً وكاملاً، وللجنة التحرير الوطني وللجنرال كاترو، فإنهم يعلنون عن ولائهم الشديد وإراداتهم في المساهمة في مجهود الحرب من أجل تحرير الوطن وانتصار الديمقراطيات (٩). وعلى إثر هذا التراجع المزري والمخطط له في آن واحد، أعلن الجنرال كاترو بتاريخ ٣٠/ ١٠/١٩٤٣ أنه سيسمح للمندوبيات المالية باستئناف نشاطها لكنه لم يفرج عن السيدين عباس وسائح إلا في يوم ٠٢/ ١٢/١٩٤٣. هكذا، جعل كاترو قرار الإرجاع مربوطاً بإعلان المندوبين عن توبتهم والتزامهم بعدم الخروج عن الصف ثانية، لكن الحقيقة لم تكن كذلك، فالمظاهرات الشعبية المشار إليها أعلاه مضافة إلى ريح التحرر التي بدأت تجتاح مختلف العالم المتخلف قد شكلت نوعاً من الضغط على لجنة التحرير الوطني التي أعلنت، بواسطة خطاب ألقاه ديغول في قسنطينة يوم ٠٢/ ١٩٤٣، أنها تمنح، حيناً، حقوق

стр. 35

المواطنة الفرنسية كاملة لعدة عشرات الآلاف من المسلمين الفرنسيين في الجزائر .. وفي نفس الوقت سوف ترتفع نسبة المسلمين الفرنسيين في الجزائر داخل سائر الجمعيات التي تنظر في القضايا المحلية" (١٠) وإذا كان عدد من المنتخبين وممن يسمون بالنخبة قد ابتهج لخطاب قسنطينة واعتبره بداية طيبة في طريق الإصلاحات المطلوبة والمنتظرة منذ عقود بأكملها، فإن فرحات عباس والعلماء والمصاليين قد رأوا في ذلك طبعة جديدة لمشروع فيولات، وراحوا يؤكدون من جديد أن الحل الوحيد يكمن فقط في إعادة إقامة الدولة الجزائرية المستقلة وما يصحب ذلك من برلمان ومواطنة وألوان وطنية. وتطبيقاً لما جاء في خطاب الجنرال ديغول، أصدرت اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني يوم ١٤/ ١٢/ ١٩٤٣ (١١) قراراً، كلفت بموجبه المندوب السامي الجنرال كاترو بتشكيل لجنة تسند لها مهمة وضع برنامج للإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية لفائدة المسلمين الفرنسيين. ولقد تكونت اللجنة المذكورة بالفعل (١٢) وشرعت في عملها يوم ٢١/ ١٢/ ١٩٤٣ ولم تتوقف عن سماع آراء الزعماء السياسيين والأعيان الجزائريين إلا يوم ٠٨/ ٠٧/ ١٩٤٤، ثم جمعت كل محاضرها في مجلدين يمكن الرجوع إليهما اليوم في أرشيف آكس آن بروفانس Aix En Provence. إن المطلع على ما تضمنته تلك المحاضر يستطيع تصنيفها إلى ثلاثة أنواع هي: ١ - إدلاءات الأوربيين الذين كانوا جميعهم رافضين لتوحيد هيئة المنتخبين لكنهم غير متفقين فيما يخص منح المواطنة الفرنسية للمسلمين الجزائريين. ومن بين أولئك الأوربيين تجدر الإشارة إلى رئيس فيدرالية رؤساء البلديات السيد عبو (Abbo) وعامل عمالة وهران السيد باتيستيني Battistini ورئيس بلدية تلم السيد فالور (Valleur) وقد أشار كلهم على اللجنة بعدم تجاوز خمسين ألف مواطن جديد، ويبدو أن أمرية الجنرال ديغول قد أخذت ذلك في الاعتبار. ٢ - إدلاءات الجزائريين الموالين لفرنسا والمدافعين عن حق المواطنة الفرنسية دون التخلي عن الإطار الإسلامي للأحوال الشخصية. ومن بين هؤلاء، تجدر الإشارة إلى السادة: شيخ العرب ابن قانة والشيخ ابن تكوك شيخ الزاوية السنوسية، والشيخ الساحلي أمقران الناطق باسم أعيان منطقة القبائل والآغا سليمان رئيس الفرع العربي للمندوبييات المالية، وكذلك الدكاترة عبد السلام طالب وابن جلول وخضري وعبد

стр. 36

النور طمزالي وروني فضيل والشيخ الطيب العقبي وعمار أوزقان الأمين الوطني للحزب الشيوعي الجزائري. ٣ - إدلاءات الوطنيين وقد جاءت ضمن ثلاث وثائق هي حسب ترتيبها الزمني: أ - تصريح السيدين فرحات عباس وعبد القادر سائح جاء في هذا التصريح أن مبادرة اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني، المعلن عنها بواسطة رئيسها الجنرال ديغول، ليست إلا إعادة لمشروع فيولات الذي أدت معارضته، في الجزائر وفي فرنسا، إلى إقصائه نهائياً، مع العلم أن الأوضاع اليوم قد تغيرت عما كانت عليه سنة ١٩٣٧. فالأمر لم يعد يتعلق بتوسيع امتيازات طبقة إلى واحدة أو أكثر من فئات الأهالي، وإنما أصبح الهدف هو إلغاء تلك الامتيازات وهدم كل دكتاتورية في الجزائر. لأجل ذلك، فإن الإصلاحات التي يمكن أن تكون في مستوى فرنسا الجديدة يجب أن تتم في إطار المبدأين التاليين: المبدأ الأول: إن الناس يولدون ويعيشون أحراراً وسواسية في الحقوق. المبدأ الثاني: كل شعب حر في تقرير مصيره بنفسه. وبعد التعرض من جديد إلى محتوى بيان الشعب الجزائري، أكد السيدان عباس وسائح أن الاستقلال الداخلي الذي ينبغي أن يحل محل النظام الاستعماري المتوحش يشكل قاعدة التجديد بالنسبة لفرنسا وللجزائر، وعليه يتوقف ميلاد نظام جديد. فالاستقلال الداخلي يضبط العلاقات بين فرنسا والجزائر منطقياً وعقلانياً بحيث تكون علاقات شعب بشعب. إنه يترك لفرنسا حق النظر في عملية تطوير الجزائر. إنه يضع حداً للغموض وللتحليلات التي يلجأ إليها النظام الاستعماري لتأييد سيطرته. إنه يقضي على مصادر الخلاف حول ممارسة المواطنة في الجزائر واحترام العادات والديانة الإسلامية، كما أنه يحول دون مخاطر مغامرة مثل تلك التي يعيشها يهود الجزائر بعد إلغاء مرسوم كريميو (١٣) Dècret Crèmieux الذي يحترم مبدأ اللامركزية الذي هو مصدر حياة أو موت بالنسبة للجزائر ولغيرها من البلدان، وذلك لأن الاستقلال الداخلي يبقي المجالس الجزائرية ويجعلها ديمقراطية، ويحول الولاية العامة إلى حكومة جزائرية.

стр. 37

إنه يعطي إمكانية تكوين فدرالية شمال إفريقيا مع تونس والمغرب، تحت إشراف فرنسا. إنه يرضي كل السكان المسلمين الذين عندما يستشارون بواسطة الاستفتاء، سوف يوافقون عليه بالإجماع. ب - شهادة الشيخ البشير الإبراهيمي. في اليوم الثالث من شهر كانون الثاني سنة ١٩٤٤ وهو نفس اليوم الذي سلم فيه عباس وسائح تصريحهما تقدم الشيخ البشير الإبراهيمي إلى أعضاء اللجنة وعبر لهم، أصالة عن نفسه ونيابة عن العلماء الجزائريين، عن رفض مشروع الإصلاح المقدم من قبل اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني والذي هو فقط محاولة لإحياء مشروع فيولات الذي كانت جمعية العلماء قد وافقت عليه، في حينه، لكن "من الناحية التكتيكية وللتمكن من الوصول إلى ما هو أفضل". وقبل الاستئذان بالخروج سلم الشيخ البشير الإبراهيمي لمكتب اللجنة مذكرة مطولة عالج، من خلالها، نقاطاً ثلاثاً هي صلب برنامج عمل الجمعية التي يرأسها وجاء يتحدث باسمها. ولقد حرص الشيخ، في مقدمة المذكرة، على تأكيد دور الجمعية الإصلاحية الديني مبيناً أن هذا الدور لن يكتمل إلا في جو من إصلاح التعليم والإصلاح السياسي لأجل ذلك، وعلى الرغم من كون العلماء لم يسطروا برنامجاً سياسياً خاصاً بهم، فإنهم لم يخفوا قناعاتهم بخصائص الشعب الجزائري الذي لا تربطه بفرنسا سوى مجموعة من المصالح. وهم إذ يعتبرون أن "الإصلاحات الإسلامية" كل لا يتجزأ وينبغي أن تشمل كافة المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، فإنهم يركزون في مرحلة أولى، على ضرورة الإسراع بإصلاح القضاء الإسلامي والمساجد والأوقاف والتعليم العربي. فبالنسبة للقضاء الإسلامي، ترى مذكرة الشيخ الإبراهيمي أنه في وضع يرثى له من الناحيتين النظرية والعملية، وأن تصريحات الجنرال ديغول فيما يخص الإبقاء على الأحوال الشخصية لا معنى لها، لأن الموضوع أفرغ من محتواه الحقيقي ولم تترك الإدارة الاستعمارية للقاضي المسلم سوى النظر في مسألتي الزواج والطلاق اللتين يمكن للقضاء الاستعماري التدخل فيهما على مستوى الاستئناف. ومن الناحية النظرية، فإن تكوين القضاة مدعاة للتأسف الشديد حيث لا يشتمل "على تعليم الشريعة الإسلامية التي هي أساس القضاء في الإسلام" وهو يفتقر إلى المنهجية السليمة التي من شأنها أن تجعل الطالب قادراً على تأدية

стр. 38

الأغراض المسطورة له، وحائزاً على الكفاءة اللازمة والضرورية للقيام بوظيفة القاضي. وعندما يحصل كل ذلك بواسطة تطوير برامج التعليم وحسن اختيار الأساتذة المقتدرين، فإن الشيخ البشير الإبراهيمي يرى من الضروري تشكيل هيأة يرجع إليها في اختيار القضاة وتعطى لها سلطة مراقبة أحكامهم. وفيما يخص التعليم العربي الحر، فإن الشعب الجزائري ما فتئ يحتج على إجراءات الاضطهاد المسلطة على لغته التي تصله بدينه وتاريخه وثقافته، علماً بأن تعليمها في المدارس الحكومية يكاد يكون بدون معنى وتعليمها في المدارس الحرة معرض للقمع الإداري. فعلى هذا الأساس يجب أن تخصص الإصلاحات مكانة مرموقة للتعليم العربي بحيث "تعطى الحرية المطلقة للشعب الجزائري المسلم لكي يعلم أبناءه لغة الدين والثقافة .. علماً بأن الحكومة الفرنسية لن تتحمل أي مصروف في الموضوع، لأن المسلمين مستعدون للتبرع بالأموال اللازمة لذلك" (١٤). وعن المساجد وأوقافها والعاملين بها، فإن مذكرة الشيخ البشير الإبراهيمي تتوقف عند ممارسات الولاية العامة التي تحتكر تسيير المساجد وتعيين أئمتها ومؤذنيها والإشراف المطلق على أوقافها والتي تسعى بجميع الوسائل لمنع تطبيق القانون الخاص بفصل الدين عن الحكومة طبقاً لمرسوم السابع من سبتمبر سنة سبع وتسعمائة وألف، ليس حباً في الإسلام وعملاً على رعايته كما تزعم الإدارة الاستعمارية، ولكن عملاً على منع المسجد من تأدية الدور الحقيقي الذي وجد من أجله وتهميش الإسلام بعد تزييفه وتحريفه وإغراقه في متاهات الخرافة والشعوذة. من هذا المنطلق، فإن الإصلاحات يجب أن تمكن الشعب المسلم في الجزائر من تولي تسيير مساجده وأوقافه بنفسه "لأنه هو الوحيد المؤهل لذلك، ولأن ذلك يتوقف فقط على السماح له بتشكيل لجنة دينية من الأشخاص الذين يثق في عملهم وسلوكهم تتولى الإشراف على الممتلكات وكذلك اختيار الأئمة والمؤذنين" (١٥). إن ممثلي جميع اللجان الدينية التي تكون قد تشكلت بعيداً عن نفوذ الإدارة الاستعمارية يجتمعون في العاصمة، دورياً، تحت إشراف هيأة عليا يختارونها بأنفسهم، للنظر في جميع القضايا الدينية وبحث كل ما يستعسر من شؤونها مع ممثلي الحكومة الفرنسية. وفيما يتعلق بالإصلاحات السياسية أشارت المذكرة إلى أن "الإعلان الرسمي عن منح المواطنة الفرنسية لبضع عشرات الآلاف من المسلمين

стр. 39

الجزائريين دون الاستشارة المسبقة للشعب المعني مباشرة، قد أعاد إلى الأذهان ذكرى مشروع فيولات الذي ذهب ادراج الرياح لأنه لم يكن صالحاً .. إن الشعب الجزائري المسلم يعتبر أن مثل هذا المسعى يقود إلى الاندماج الذي يرفضه كما يرفض بشدة استبدال هويته وشخصيته الإسلامية" (١٦). وإذا كانت فرنسا ترغب، فعلاً، في إجراء الإصلاحات السياسية فإن عليها أن تأخذ في الاعتبار مصلحة الجزائريين الأولى التي تكمن في العمل على إبعاد الشبح المخيف المتمثل في استعمارهم من طرف جنس آخر واستقلالهم من طرف فئة من الأجانب. وتسهيلاً للوصول إلى هذه النتائج التي لا بد منها لنجاح الإصلاحات الجديدة، يعدد الشيخ الإبراهيمي ما يلي: - إنشاء المواطنة الجزائرية التي تستفيد منها مختلف عناصر سكان هذا البلد بدون تمييز عرقي أو ديني والتي تنشأ معها نفس الحقوق للجميع ونفس الواجبات عليهم. - استبدال الميكنزمات الاستعمارية بنظام حكومي، أي بحكومة جزائرية تكون مسؤولة أمام البرلمان الجزائري. - السماح لجميع الجزائريين بالارتقاء إلى جميع المناصب الوظيفية بدون شرط آخر غير الكفاءة المهنية اللازمة لذلك. - اعتبار اللغة العربية رسمية على قدم المساواة مع اللغة الفرنسية. - حرية التدين، وحرية كل مجموعة دينية في الإشراف على أوقافها ومؤسساتها الدينية. - إخضاع الأحوال الشخصية الإسلامية لقضاء إسلامي محض. ج - تصريح الحاج مصالي كتبه في الشلالة يوم ٧/ ١/١٩٤٤ وسلمه إلى اللجنة بعد ذلك بأسبوع. لقد كان خطاب الجنرال ديغول في نظر الحاج مصالي مجرد تخريجة جديدة لمشروع فيولات الذي حاربه حزب الشعب الجزائري بكل قواه سنة ١٩٣٧ والذي لم يجد أنصاره من الجزائريين إلا بسبب اليأس من الحصول على شيء آخر. لكن ست سنوات من خبرة الاستعمار قد غيرت الأوضاع ومكنت من ظهور تطور ملحوظ على الساحة السياسية في الجزائر، أما فيما يخصنا، فإن موقفنا لم يتبدل:

стр. 40

لقد عارضنا مشروع فيولات ونحن نعارض مشروع ١٩٤٣ للأسباب التالية: - لأنه مناف للديمقراطية إذ يحدث فئة من ذوي الامتيازات ويبقي الأغلبية الساحقة خاضعة للسياسة الاستعمارية. - لأنه يتناقض مع طموحات الشعب الجزائري المسلم الذي هو وَفيٌّ للغته ودينه وماضيه التاريخي. - لأن سياسة الاندماج قد فشلت وأصبح من الضروري استبدالها بسياسة تحررية لحل المشكلة الجزائرية. - لأن المسلمين الجزائريين لم يعودوا يقبلون المعاملة، في بلدهم، كأناس دون الأقليات التي تعيش معهم وهي تتمتع بجميع الامتيازات. - لأن الجزائري المسلم يريد بإلحاح المواطنة الجزائرية التي تضمن له احترام لغته ودينه وحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية الضرورية لتقدمه. - لأن الإنسان الجزائري يرى أن الديمقراطية تكمن في حريات الإنسان وفي حرية الشعوب في تقرير مصيرها. - لأنه لا يمكن الاستمرار بواسطة نظام استعماري، في حرمان ثمانية ملايين عربي من تسيير بلادهم وترك ذلك لأقلية تتحكم في كل صغيرة وكبيرة. ولتجاوز هذه الأوضاع اللاطبيعية، قال السيد الحاج مصالي أنه يطالب بممارسة الديمقراطية في جميع المجالس الجزائرية وبتحويل المندوبيات المالية إلى برلمان جزائري ينتخب بواسطة الإقتراع العام من طرف كافة الجزائريين بدون أي تمييز عرقي أو ديني. وقبل الانتهاء من عرضه لفت السيد مصالي انتباه أعضاء اللجنة إلى أمرين اثنين عبر عنهما كالآتي: ١ - أن الأفكار السياسية التي أوردتها أمامكم ليست جديدة، بل دافعت عنها في فرنسا وفي الجزائر أمام المحاكم التي كان لي شرف المثول أمامها من أجل نفس هذه الآراء. معنى ذلك، أيها السادة، أنني لم أنتظر استسلام فرنسا سنة ١٩٤٠ لإبداء عواطفي تجاه المشكل الجزائري. ٢ - أرجو من اللجنة أن تقدم للحكومة مشروع عفو عام على جميع
следующие страницы →