← История

История · id 123659

تاريخ الجزائر المعاصر

الزبيري، محمد العربي

Полный текст (484 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

النور طمزالي وروني فضيل والشيخ الطيب العقبي وعمار أوزقان الأمين الوطني للحزب الشيوعي الجزائري. ٣ - إدلاءات الوطنيين وقد جاءت ضمن ثلاث وثائق هي حسب ترتيبها الزمني: أ - تصريح السيدين فرحات عباس وعبد القادر سائح جاء في هذا التصريح أن مبادرة اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني، المعلن عنها بواسطة رئيسها الجنرال ديغول، ليست إلا إعادة لمشروع فيولات الذي أدت معارضته، في الجزائر وفي فرنسا، إلى إقصائه نهائياً، مع العلم أن الأوضاع اليوم قد تغيرت عما كانت عليه سنة ١٩٣٧. فالأمر لم يعد يتعلق بتوسيع امتيازات طبقة إلى واحدة أو أكثر من فئات الأهالي، وإنما أصبح الهدف هو إلغاء تلك الامتيازات وهدم كل دكتاتورية في الجزائر. لأجل ذلك، فإن الإصلاحات التي يمكن أن تكون في مستوى فرنسا الجديدة يجب أن تتم في إطار المبدأين التاليين: المبدأ الأول: إن الناس يولدون ويعيشون أحراراً وسواسية في الحقوق. المبدأ الثاني: كل شعب حر في تقرير مصيره بنفسه. وبعد التعرض من جديد إلى محتوى بيان الشعب الجزائري، أكد السيدان عباس وسائح أن الاستقلال الداخلي الذي ينبغي أن يحل محل النظام الاستعماري المتوحش يشكل قاعدة التجديد بالنسبة لفرنسا وللجزائر، وعليه يتوقف ميلاد نظام جديد. فالاستقلال الداخلي يضبط العلاقات بين فرنسا والجزائر منطقياً وعقلانياً بحيث تكون علاقات شعب بشعب. إنه يترك لفرنسا حق النظر في عملية تطوير الجزائر. إنه يضع حداً للغموض وللتحليلات التي يلجأ إليها النظام الاستعماري لتأييد سيطرته. إنه يقضي على مصادر الخلاف حول ممارسة المواطنة في الجزائر واحترام العادات والديانة الإسلامية، كما أنه يحول دون مخاطر مغامرة مثل تلك التي يعيشها يهود الجزائر بعد إلغاء مرسوم كريميو (١٣) Dècret Crèmieux الذي يحترم مبدأ اللامركزية الذي هو مصدر حياة أو موت بالنسبة للجزائر ولغيرها من البلدان، وذلك لأن الاستقلال الداخلي يبقي المجالس الجزائرية ويجعلها ديمقراطية، ويحول الولاية العامة إلى حكومة جزائرية.

стр. 37

إنه يعطي إمكانية تكوين فدرالية شمال إفريقيا مع تونس والمغرب، تحت إشراف فرنسا. إنه يرضي كل السكان المسلمين الذين عندما يستشارون بواسطة الاستفتاء، سوف يوافقون عليه بالإجماع. ب - شهادة الشيخ البشير الإبراهيمي. في اليوم الثالث من شهر كانون الثاني سنة ١٩٤٤ وهو نفس اليوم الذي سلم فيه عباس وسائح تصريحهما تقدم الشيخ البشير الإبراهيمي إلى أعضاء اللجنة وعبر لهم، أصالة عن نفسه ونيابة عن العلماء الجزائريين، عن رفض مشروع الإصلاح المقدم من قبل اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني والذي هو فقط محاولة لإحياء مشروع فيولات الذي كانت جمعية العلماء قد وافقت عليه، في حينه، لكن "من الناحية التكتيكية وللتمكن من الوصول إلى ما هو أفضل". وقبل الاستئذان بالخروج سلم الشيخ البشير الإبراهيمي لمكتب اللجنة مذكرة مطولة عالج، من خلالها، نقاطاً ثلاثاً هي صلب برنامج عمل الجمعية التي يرأسها وجاء يتحدث باسمها. ولقد حرص الشيخ، في مقدمة المذكرة، على تأكيد دور الجمعية الإصلاحية الديني مبيناً أن هذا الدور لن يكتمل إلا في جو من إصلاح التعليم والإصلاح السياسي لأجل ذلك، وعلى الرغم من كون العلماء لم يسطروا برنامجاً سياسياً خاصاً بهم، فإنهم لم يخفوا قناعاتهم بخصائص الشعب الجزائري الذي لا تربطه بفرنسا سوى مجموعة من المصالح. وهم إذ يعتبرون أن "الإصلاحات الإسلامية" كل لا يتجزأ وينبغي أن تشمل كافة المجالات السياسية والثقافية والاقتصادية، فإنهم يركزون في مرحلة أولى، على ضرورة الإسراع بإصلاح القضاء الإسلامي والمساجد والأوقاف والتعليم العربي. فبالنسبة للقضاء الإسلامي، ترى مذكرة الشيخ الإبراهيمي أنه في وضع يرثى له من الناحيتين النظرية والعملية، وأن تصريحات الجنرال ديغول فيما يخص الإبقاء على الأحوال الشخصية لا معنى لها، لأن الموضوع أفرغ من محتواه الحقيقي ولم تترك الإدارة الاستعمارية للقاضي المسلم سوى النظر في مسألتي الزواج والطلاق اللتين يمكن للقضاء الاستعماري التدخل فيهما على مستوى الاستئناف. ومن الناحية النظرية، فإن تكوين القضاة مدعاة للتأسف الشديد حيث لا يشتمل "على تعليم الشريعة الإسلامية التي هي أساس القضاء في الإسلام" وهو يفتقر إلى المنهجية السليمة التي من شأنها أن تجعل الطالب قادراً على تأدية

стр. 38

الأغراض المسطورة له، وحائزاً على الكفاءة اللازمة والضرورية للقيام بوظيفة القاضي. وعندما يحصل كل ذلك بواسطة تطوير برامج التعليم وحسن اختيار الأساتذة المقتدرين، فإن الشيخ البشير الإبراهيمي يرى من الضروري تشكيل هيأة يرجع إليها في اختيار القضاة وتعطى لها سلطة مراقبة أحكامهم. وفيما يخص التعليم العربي الحر، فإن الشعب الجزائري ما فتئ يحتج على إجراءات الاضطهاد المسلطة على لغته التي تصله بدينه وتاريخه وثقافته، علماً بأن تعليمها في المدارس الحكومية يكاد يكون بدون معنى وتعليمها في المدارس الحرة معرض للقمع الإداري. فعلى هذا الأساس يجب أن تخصص الإصلاحات مكانة مرموقة للتعليم العربي بحيث "تعطى الحرية المطلقة للشعب الجزائري المسلم لكي يعلم أبناءه لغة الدين والثقافة .. علماً بأن الحكومة الفرنسية لن تتحمل أي مصروف في الموضوع، لأن المسلمين مستعدون للتبرع بالأموال اللازمة لذلك" (١٤). وعن المساجد وأوقافها والعاملين بها، فإن مذكرة الشيخ البشير الإبراهيمي تتوقف عند ممارسات الولاية العامة التي تحتكر تسيير المساجد وتعيين أئمتها ومؤذنيها والإشراف المطلق على أوقافها والتي تسعى بجميع الوسائل لمنع تطبيق القانون الخاص بفصل الدين عن الحكومة طبقاً لمرسوم السابع من سبتمبر سنة سبع وتسعمائة وألف، ليس حباً في الإسلام وعملاً على رعايته كما تزعم الإدارة الاستعمارية، ولكن عملاً على منع المسجد من تأدية الدور الحقيقي الذي وجد من أجله وتهميش الإسلام بعد تزييفه وتحريفه وإغراقه في متاهات الخرافة والشعوذة. من هذا المنطلق، فإن الإصلاحات يجب أن تمكن الشعب المسلم في الجزائر من تولي تسيير مساجده وأوقافه بنفسه "لأنه هو الوحيد المؤهل لذلك، ولأن ذلك يتوقف فقط على السماح له بتشكيل لجنة دينية من الأشخاص الذين يثق في عملهم وسلوكهم تتولى الإشراف على الممتلكات وكذلك اختيار الأئمة والمؤذنين" (١٥). إن ممثلي جميع اللجان الدينية التي تكون قد تشكلت بعيداً عن نفوذ الإدارة الاستعمارية يجتمعون في العاصمة، دورياً، تحت إشراف هيأة عليا يختارونها بأنفسهم، للنظر في جميع القضايا الدينية وبحث كل ما يستعسر من شؤونها مع ممثلي الحكومة الفرنسية. وفيما يتعلق بالإصلاحات السياسية أشارت المذكرة إلى أن "الإعلان الرسمي عن منح المواطنة الفرنسية لبضع عشرات الآلاف من المسلمين

стр. 39

الجزائريين دون الاستشارة المسبقة للشعب المعني مباشرة، قد أعاد إلى الأذهان ذكرى مشروع فيولات الذي ذهب ادراج الرياح لأنه لم يكن صالحاً .. إن الشعب الجزائري المسلم يعتبر أن مثل هذا المسعى يقود إلى الاندماج الذي يرفضه كما يرفض بشدة استبدال هويته وشخصيته الإسلامية" (١٦). وإذا كانت فرنسا ترغب، فعلاً، في إجراء الإصلاحات السياسية فإن عليها أن تأخذ في الاعتبار مصلحة الجزائريين الأولى التي تكمن في العمل على إبعاد الشبح المخيف المتمثل في استعمارهم من طرف جنس آخر واستقلالهم من طرف فئة من الأجانب. وتسهيلاً للوصول إلى هذه النتائج التي لا بد منها لنجاح الإصلاحات الجديدة، يعدد الشيخ الإبراهيمي ما يلي: - إنشاء المواطنة الجزائرية التي تستفيد منها مختلف عناصر سكان هذا البلد بدون تمييز عرقي أو ديني والتي تنشأ معها نفس الحقوق للجميع ونفس الواجبات عليهم. - استبدال الميكنزمات الاستعمارية بنظام حكومي، أي بحكومة جزائرية تكون مسؤولة أمام البرلمان الجزائري. - السماح لجميع الجزائريين بالارتقاء إلى جميع المناصب الوظيفية بدون شرط آخر غير الكفاءة المهنية اللازمة لذلك. - اعتبار اللغة العربية رسمية على قدم المساواة مع اللغة الفرنسية. - حرية التدين، وحرية كل مجموعة دينية في الإشراف على أوقافها ومؤسساتها الدينية. - إخضاع الأحوال الشخصية الإسلامية لقضاء إسلامي محض. ج - تصريح الحاج مصالي كتبه في الشلالة يوم ٧/ ١/١٩٤٤ وسلمه إلى اللجنة بعد ذلك بأسبوع. لقد كان خطاب الجنرال ديغول في نظر الحاج مصالي مجرد تخريجة جديدة لمشروع فيولات الذي حاربه حزب الشعب الجزائري بكل قواه سنة ١٩٣٧ والذي لم يجد أنصاره من الجزائريين إلا بسبب اليأس من الحصول على شيء آخر. لكن ست سنوات من خبرة الاستعمار قد غيرت الأوضاع ومكنت من ظهور تطور ملحوظ على الساحة السياسية في الجزائر، أما فيما يخصنا، فإن موقفنا لم يتبدل:

стр. 40

لقد عارضنا مشروع فيولات ونحن نعارض مشروع ١٩٤٣ للأسباب التالية: - لأنه مناف للديمقراطية إذ يحدث فئة من ذوي الامتيازات ويبقي الأغلبية الساحقة خاضعة للسياسة الاستعمارية. - لأنه يتناقض مع طموحات الشعب الجزائري المسلم الذي هو وَفيٌّ للغته ودينه وماضيه التاريخي. - لأن سياسة الاندماج قد فشلت وأصبح من الضروري استبدالها بسياسة تحررية لحل المشكلة الجزائرية. - لأن المسلمين الجزائريين لم يعودوا يقبلون المعاملة، في بلدهم، كأناس دون الأقليات التي تعيش معهم وهي تتمتع بجميع الامتيازات. - لأن الجزائري المسلم يريد بإلحاح المواطنة الجزائرية التي تضمن له احترام لغته ودينه وحقوقه السياسية والاجتماعية والاقتصادية الضرورية لتقدمه. - لأن الإنسان الجزائري يرى أن الديمقراطية تكمن في حريات الإنسان وفي حرية الشعوب في تقرير مصيرها. - لأنه لا يمكن الاستمرار بواسطة نظام استعماري، في حرمان ثمانية ملايين عربي من تسيير بلادهم وترك ذلك لأقلية تتحكم في كل صغيرة وكبيرة. ولتجاوز هذه الأوضاع اللاطبيعية، قال السيد الحاج مصالي أنه يطالب بممارسة الديمقراطية في جميع المجالس الجزائرية وبتحويل المندوبيات المالية إلى برلمان جزائري ينتخب بواسطة الإقتراع العام من طرف كافة الجزائريين بدون أي تمييز عرقي أو ديني. وقبل الانتهاء من عرضه لفت السيد مصالي انتباه أعضاء اللجنة إلى أمرين اثنين عبر عنهما كالآتي: ١ - أن الأفكار السياسية التي أوردتها أمامكم ليست جديدة، بل دافعت عنها في فرنسا وفي الجزائر أمام المحاكم التي كان لي شرف المثول أمامها من أجل نفس هذه الآراء. معنى ذلك، أيها السادة، أنني لم أنتظر استسلام فرنسا سنة ١٩٤٠ لإبداء عواطفي تجاه المشكل الجزائري. ٢ - أرجو من اللجنة أن تقدم للحكومة مشروع عفو عام على جميع

стр. 41

المعتقلين السياسيين سواء كانوا محبوسين أو في الإقامة الجبرية، لأن التقاليد الجمهورية، في فرنسا، تقتضي أن يسبق كل إنجاز تحرير الذين سجنوا من أجله. لقد ظلت اللجنة تستمع إلى أعيان الجزائريين وشخصياتهم طيلة الفترة الممتدة ما بين ٢١/ ١٢/١٩٤٣ و ٨/ ٧/١٩٤٤، لكن اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني لم تعر كثير اهتمام لمحاضرها، بل إن الجنرال ديغول لم يحاول حتى تطوير خطابه الذي كان في أساس تشكيل اللجنة المذكورة، وبدلاً من أن يأخذ في الاعتبار التوجه الوطني الجديد الذي أجمع قادته على ضرورة تجاوز الماضي العقيم لفتح آفاق المستقبل الواعد، فإنه لم يجد غير نص أمرية أصدرها على عجل بتاريخ السابع مارس سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف دون أن يجهد نفسه لإزالة ما تميز به من غموض وتناقض. فالمادة الأولى من تلك الأمرية تنص صراحة على أن المسلمين وغير المسلمين في الجزائر فرنسيون، يتمتعون بنفس الحقوق ويخضعون لنفس الواجبات. لكن المادة الثالثة تؤكد أن المواطنة الفرنسية لا تعطى إلا للمسلمين الذكور الذين يتجاوز سنهم واحدة وعشرين حجة والذين ينتمون إلى مجموعة من الفئات الاجتماعية التي تتوفر فيها شروط ذكر مدير الشؤون الأهلية، بعد الإحصاء، أنها تجعل المستفيدين من تلك المواطنة لا يزيد عددهم عن ٦٥.٢٨٥ شخص. أما المادة الرابعة، فإنها تشير إلى بقاء الهيأتين الانتخابيتين وتؤكد تمثيل الجزائريين في المجالس العامة والمندوبيات المالية بنسبة خمسي (٢/ ٥) أعضائها. وتنص المادة السادسة على أن سكان وادي ميزاب وسكان سائر المناطق الصحراوية يخضعون لقانون خاص. إن هذه الأمرية، زيادة على التناقض الحاصل بين موادها، تتناقض من حيث مضمونها مع خطاب الموقع عليها الذي ألقاه بمناسبة انعقاد ندوة برازفيل في الفترة ما بين ٣٠/ ١/ و ٨/ ٢/١٩٤٤ والذي جاء فيه على الخصوص: "إنه لن يكون هناك تقدم بمعنى الكلمة إذا كان أبناء البلد لا يستفيدون منه معنوياً ومادياً" (١٧) وعلى الرغم من ذلك فإنها صدرت باسم اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني وحظيت بمساندة المجلس الاستشاري وجميع الأحزاب المشاركة في المقاومة بما في ذلك الحزب الشيوعي الفرنسي الذي صرح ممثله قائلاً: "إن الجمهورية الفرنسية، الميتروبول وما وراء البحار، واحدة ولا تتجزأ" (١٨).

стр. 42

وإذا كانت وحدة الفرنسيين قد تجلت في تصميمهم على منع شعوب المستعمرات من ممارسة حقها في تقرير مصيرها بنفسها، متجاوزين، في ذلك، كل القناعات الفكرية والتوجهات الأيديولوجية، وضاربين عرض الحائط سائر المثل والمبادئ والشعارات التي كانت، يومها، تشكل أساس الخطاب السياسي في فرنسا وفي العالم أجمع، فإن الطاقات الوطنية الجزائرية، أيضاً، قد وجدت طريقها إلى التوحد حول برنامج سياسي أدنى ألقت به إلى الشارع في إطار تنظيم اتفقت على تسميته "أحباب البيان والحرية". إن السيد فرحات عباس هو الذي صاغ القانون الأساسي للتنظيم الجديد بعد أن أخذ موافقة قطبي الحركة الوطنية في ذلك الوقت: السيد الحاج مصالي والشيخ محمد البشير الإبراهيمي. وفي اليوم الرابع من شهر افريل سنة أربع وأربعين وتسعمائة وألف، قدم الوثيقة إلى المصالح المختصة لدى عمالة قسنطينة من أجل الحصول على الترخيص الرسمي الضروري لانطلاق النشاط الميداني في كافة أنحاء التراب الوطني. إن "أحباب البيان والحرية" تجمع يهدف إلى التعريف ببيان الشعب الجزائري والدفاع عنه أمام الرأي العام الجزائري والفرنسي، كما أنه يرمي إلى المطالبة بحرية التعبير لجميع الجزائريين. ولقد تفنن السيد فرحان عباس أثناء صياغة القانون الأساسي، في اختيار الكلمات والتعابير التي لا تثير حساسية السلطات الفرنسية. وعلى هذا الأساس فإن التجمع الجديد لن يستعمل سوى سلاح القول والكتابة لمحاربة الاستعمار وللتصدي إلى عنف القوات الإمبريالية واعتداءاتها في افريقيا وآسيا ضد الشعوب الضعيفة. وبالنسبة للعمل داخل الجزائر، فإن التجمع قد حصر مجالات نشاطه في مساعدة ضحايا قوانين الاستثناء والقمع الاستعماري، وتعميم فكرة الأمة الجزائرية وتحبيذ إقامة جمهورية مستقلة ذاتياً ومتحدة مع الجمهورية الفرنسية المتجددة والمناهضة للاستعمار والإمبريالية. ويرى التجمع أن هذه الأهداف يمكن تحقيقها بواسطة المحاضرات والندوات في جميع الأوساط والأوساط الفرنسية على وجه الخصوص بغرض محاربة الامتيازات التي تستحوذ عليها الطبقات المسيطرة، والدعوة إلى تحقيق المساواة بين الناس وتمكين الشعب الجزائري من حقه في ممارسة الحياة الوطنية مع التذكير بتاريخه العريق وإسهاماته في إثراء الفكر الإنساني وتضحياته في سبيل تحرير فرنسا ومن أجل انتصار الشعوب الأوروبية وقضايا الديمقراطية (١٩).

стр. 43

وعلى الرغم من أن القانون الأساسي لأحباب البيان والحرية قد اكتفى فقط بملامسة الأفكار الرئيسية التي تضمنها البيان الذي كان في أساس التجمع، فإن هذا الأخير قد عرف إقبالاً منقطع النظير من طرف مختلف الفئات الاجتماعية الجزائرية التي شعرت، لأول مرة، أن ثمة حركة وطنية قادرة على إخراج البلاد من حالة الاستعمار والتبعية. ومما لا شك فيه أن للإقبال المذكور دوافع متعددة لكننا نعتقد أن أهمها ما يلي: ١ - تمكن أكثر الزعماء شهرة في أوساط الجماهير الشعبية من الالتقاء حول الخطوط العريضة لبرنامج واسع جاء، رغم بساطته، معبراً تعبيراً صادقاً عن طموحات أغلبية أفراد الشعب الجزائري. وبالفعل فإن قراءة فاحصة للبيان وملحقة تقودنا، حتماً، إلى التعرف على مختلف التنازلات التي قدمها كل واحد من الأطراف الرئيسية الثلاثة على الأقل. فالسيد فرحات عباس وافق على أن تقبر إلى الأبد قناعاته الخاصة بإمكانية الحصول على المساواة التي يتوقف عليها الارتقاء إلى المواطنة الفرنسية التي كان يعتقد أنها تفتح أبواب الرقي والتقدم لأبناء جلدته ممن كانوا يسمون بالأهالي. وأكثر من ذلك، أصبح يؤمن بضرورة إقامة الجمهورية الجزائرية والبرلمان الجزائري الذي يتم انتخابه بواسطة الاقتراع العام المفتوح لجميع سكان الجزائر بدون أدنى تمييز في أي مجال كان، أما السيد الحاج مصالي فإنه أغمض عينيه عن أنجح وسيلة تمكن الجزائر من استرجاع استقلالها وهي: العنف الثوري كما أنه وافق السيد عباس على العمل من أجل جمهورية جزائرية متحدة مع فرنسا (٢٠). وأما الشيخ البشير الإبراهيمي فإنه أعلن صراحة أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مستعدة لخوض المعارك السياسية على أساس ما ورد في بيان الشعب الجزائري وملحقه وذلك بالإضافة إلى الدور الثقافي والتعليمي والديني المذكور في قانونها الأساسي الصادر بتاريخ الخامس مايو (أيار) سنة واحدة وثلاثين وتسعمائة وألف. ٢ - نشاط مناضلي حزب الشعب المحلول رسمياً والمنتشر فعلياً عبر مختلف أنحاء الوطن. لقد استطاع المناضلون توظيف خبرتهم الواسعة في تعميم الأفكار الجديدة وجعلها في متناول الجماهير الشعبية الواسعة. ٣ - إزالة جميع الحواجز البيروقراطية التي من شأنها الحد من رغبة المواطنين وجعلهم يترددون أو يحجمون عن الالتحاق بالصفوف.

стр. 44

وبالفعل، فإن الانضمام إلى التجمع لم يكن مشروطاً بتقديم أي ملف ما عدا تصريح على ورق عادي يعبر فيه صاحبه البالغ من العمر أكثر من ١٨ سنة، عن إرادته في الالتحاق بأحباب البيان والحرية. ٤ - إنشاء لجان محلية للتجمع في سائر أنحاء الوطن والعمل على ربطها بسرعة بلجان العمالات التابعة مباشرة إلى اللجنة المركزية (٢١). إن هذه الدوافع مجتمعة قد جعلت تجمع أحباب البيان والحرية، يتحول، بسرعة فائقة، إلى أكبر تجمع وطني في الجزائر مقبول من جميع أصناف الشعب ومشتمل في صفوفه على أكثر من نصف مليون منخرط بعد سنة واحد من ميلاده فقط (٢٢). وعلى الرغم من أن تجمع أحباب البيان والحرية لا يذكر إلا مقروناً باسم السيد فرحات عباس والدكتور سعدان بدرجة أقل، فإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وحزب الشعب الجزائري قد شكلا منذ اللحظات الأولى، قلبه النابض، وبدونهما ما كان يمكن له أن يتجذر بتلك السرعة، في أوساط جماهير الشعب الجزائري. فقادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد تحركوا مع حلول شهر أفريل ١٩٤٤، في جميع اتجاهات الوطن يدعون الناس إلى الالتفاف حول المولود الجديد مركزين على ضرورة التمسك بالإسلام وبلغة القرآن ومؤكدين على أن الوقت قد حان لتوحيد الجهد الوطني في سبيل تقويض أركان الاستعمار. وكانت تلك الجولات مناسبة لتحريض المواطنين على الالتزام بمبادئ الإسلام، وعلى التبرع بما يستطيعون من أموال لبناء المدارس الحرة وللمساعدة على توفير الشروط اللازمة لنشر التربية الإسلامية الصحيحة. ولقد كانت لهذا المسعى آثاره الإيجابية يمكن استشفاف بعضها من خلال ارتفاع عدد المصلين وظهور جماعات الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وانتشار نشيد الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس: "الشعب الجزائري" الذي أصبح على ألسنة الأغلبية الساحقة من أبناء الشعب. وعبأ حزب الشعب الجزائري المحظور كل طاقاته النضالية لهيكلة التجمع الجديد ولإعطائه نفسا وطنياً قادراً على سد الطريق في وجه السلطات الاستعمارية التي صارت تسعى بكل الوسائل لاسترجاع ثقة من كانوا يسمون بالمعتدلين ولفصل العلماء عن الحركة المصالية. ومن جهة أخرى، اتخذت قيادة الحزب من أحباب البيان والحرية غطاء للقيام بنشاطها السري في اتجاه الشباب الجزائري المتعلم حيث تمكنت من

стр. 45

تأسيس جمعية التلاميذ المسلمين في الثانوي (٢٣) ورابطة الطلبة المسلمين الجزائريين في الجامعة (٢٤) ومن تعميم الشعارات والمبادئ الثورية في سائر الأوساط الشعبية. وعندما يرجع الدارس، اليوم، إلى نشرية اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني في أعدادها الصادرة ما بين شهري افريل وديسمبر سنة ١٩٤٤ يدرك مدى فعالية التنظيم الذي كان عليه حزب الشعب الجزائري المحلول الذي تمكن، في الفترة المشار إليها، من تحويل حيطان الجزائر إلى لافتات عملاقة يقرأ عليها الصغير والكبير: "حرروا مصالي والمعتقلين السياسيين" "الجزائر أمة حرة" "ليس في الدنيا ما يمكن أن يحول الإنسان العربي إلى إنسان فرنسي" عاش بيان الشعب الجزائري "كلنا فداء الجزائر" وفي النشرية الإعلامية التي أصدرتها الولاية العامة في شهر افريل سنة ١٩٤٤ يجد القارئ إشارات كثيرة إلى وجود "قوات الداخل العربية" التي هي تنظيم سري أوجده الحزب لإشعال فتيل الثورة عندما يحين أوانها وعندما ترفض السلطات الاستعمارية تمكين الشعب الجزائري من ممارسة حقه في تقرير مصيره. وفي نشرتي اللجنة الفرنسية للتحرير الوطني الصادرتين في شهر أكتوبر ونوفمبر سنة ١٩٤٤ تركيز على اشتراك حزب الشعب الجزائري مع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في تنظيم حملة واسعة النطاق لمقاطعة دور سينما الأوربيين ومقاهيهم ومتاجرهم ولمحاربة الخمارات بجميع أنواعها. ولكي يحقق حزب الشعب الجزائري أهدافه البعيدة المتمثلة في الاستعداد للمعركة الكبرى من أجل استرجاع السيادة الوطنية، أسس جريدتين إحداهما بالفرنسية وهي: L,Action Algèrienne" والثانية باللغة العربية وهي: الجزائر الحرة "وقد ظلتا تصدران إلى ما بعد حركة مايو ١٩٤٥ الثورية، دون أن تتمكن السلطات الاستعمارية لا من العثور على مكان طباعتهما ولا من التعرف على أعضاء هيأة تحريرهما وذلك رغم كل ما استعملته من وسائل وما جندته من إمكانيات (٢٥). ولضمان استمرارية التوجه الوطني لأحباب البيان والحرية، يذكر السيد محمد السعيد معزوزي (٢٦) إن الحاج مصالي أصدر تعليمات صارمة إلى مناضلي القواعد الحزبية في كل أنحاء البلاد كي يشغلوا منصبي المالية والسكرتارية في جميع الفروع المحلية. وإضافة إلى ذلك تجدر الإشارة إلى أن مكتب اتحادية عمالة قسنطينة تشكل كله من مسؤولين قياديين في حزب الشعب الجزائري المحلول (هؤلاء المسؤولون هم: الشاذلي مكي، مسعود بوقدوم

стр. 46

وجمال دردور). أما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فإنها هي الأخرى، قد استعملت غطاء أحباب البيان لتقييم مسيرتها وبلورة أفكارها وآرائها من خلال مذكرة مفصلة وجهتها بتاريخ ١٥/ ٨/١٩٤٤ إلى السلطات الفرنسية. إن جمعية العلماء، تقول المذكرة، ترى أن تسيير المساجد وسائر المؤسسات الإسلامية يجب أن يكون من اختصاص الجماعة الإسلامية، وأن الأوقاف ينبغي أن تخرج من قبضة الإدارة الاستعمارية حتى يتسنى للمشرفين عليها أن ينفقوا مدخولاتها في سد الحاجات الدينية والاجتماعية بعيداً عن كل تدخل أجنبي مهما كان نوعه - والشعب المسلم في الجزائر أولى من غيره باختيار أئمته ودعاته وأساتذته وقضاته وبما أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مسؤولة على رسالتها أمام الله وأمام كافة أفراد الشعب، فإنها ترفع إلى السلطات الفرنسية، فيما يلي، موقفها من الموضوعات الحيوية الثلاثة التالية: ١ - تطبيق مبدأ فصل الدين الإسلامي عن الإدارة . في مرحلة الاستعمار الأولى قامت الحكومة الفرنسية باتخاذ عدد من الإجراءات والتدابير استحوذت، بموجبها، على المساجد والأوقاف التابعة لها، موهمة الناس بأنها تسعى إلى توفير الشروط اللازمة ليكون الإسلام محترماً طبقاً لمعاهدة الاستسلام، غير أن التاريخ بين عكس ذلك وأثبت أن الإدارة الفرنسية لم تترك أي مجال لتنفس المسلمين وحينما جاءت الجمهورية الثالثة ورفعت شعار فصل الدين عن الدولة، فإن المؤسسات الإسلامية لم تستفد من ذلك، وحتى عندما صدر مرسوم ٢٧ سبتمبر ١٩٠٧، فإن الإدارة الاستعمارية لم ترفع يدها عن تلك المؤسسات بل إنها صارت تتفنن في إذلال المسلمين وإهانتهم إلى درجة أنها لم تعد تستحي من تشكيل الجمعيات الدينية وتعيين المشرفين عليها من بين المسيحيين والأميين. وعلى إثر الحرب الإمبريالية الأولى أصبحت المناصب المالية في المساجد خاصة. تسند إلى قدماء المحاربين بقطع النظر عن تكوينهم وانتماءاتهم ثم جاء بيان الجنرال كاترو المؤرخ بيوم ٤/ ٨/١٩٤٤ والمبشر بتطبيق المرسوم المذكور أعلاه، فاستبشر المسلمون خيراً لكنهم سرعان ما خاب ظنهم عندما أقدمت الإدارة في نفس الإسبوع على تعيين مفتي الجزائر بالطريقة القديمة ووفقاً للمعايير الاستعمارية المعهودة.

стр. 47

إن التمعن في مختلف هذه المراحل هو الذي جعل جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تقترح على الحكومة الفرنسية برنامج عمل من شأن تطبيقه أن يقود إلى تحرير الإسلام وتمكين المسلمين، في الجزائر، من ممارسة دينهم كما ينبغي ويتكون البرنامج المذكور من المراحل الأساسية الآتية: أ - يؤسس في الجزائر العاصمة مجلس إسلامي أعلى مؤقت يكون مكوناً من عناصر ثلاثة هي: - بعض العلماء الأحرار المعروفين في الأوساط الإسلامية. - بعض الأعيان المسلمين المعروفين بتدينهم وبعدم تقلدهم لأية وظيفة رسمية. - بعض الموظفين المسلمين شريطة ألا يتجاوز عددهم نصف أعضاء المجلس. ب - يتولى المجلس المذكور تكوين الجمعيات الدينية عبر مختلف أنحاء البلاد على أساس المقدرة والكفاءة وحيث تكون هذه الجمعيات موجودة مع توفر المعايير المطلوبة، فإنه يرسمها. ج - بعد تنصيب مكاتب الجمعيات ينظم مؤتمر يحضره، زيادة على أعضاء المجلس الإسلامي الأعلى المؤقت، رؤساء الجمعيات الدينية وبعض الأعضاء البارزين. د - تكون قرارات المؤتمر ملزمة وتظل كذلك إلى أن يفسخها مؤتمر لاحق، علماً بأن المؤتمر ينعقد سنوياً طبقاً لقانونه الأساسي ونظامه الداخلي. هـ - مع انعقاد المؤتمر الأول، يحل المجلس الإسلامي الأعلى المؤقت ويترك مكانه للمؤتمرين الذين ينتخبون مجلساً إسلامياً أعلى تسند له مهمة تطبيق القرارات المصادق عليها. ٢ - تعليم اللغة العربية، المدارس والمعلمون الأحرار . قبل الحرب الإمبريالية الأولى، كانت الإدارة الاستعمارية تبدي نوعاً من التسامح إزاء وجود الكتاتيب القرآنية لأن التعليم فيها لا يؤثر على المحيط، وعندما شرع العلماء في تعليم اللغة العربية التي لا بد منها لفهم الدين، وتأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لتقود عملية الإصلاح ولتطور التعليم المذكور، فإن السلطات الفرنسية قد قابلت ذلك باتخاذ مجموعة من الإجراءات

стр. 48

والقوانين التعسفية الرامية كلها إلى إجهاض الحركة الإصلاحية وتهميش لغة القرآن باعتبارها وسيلة أساسية للتبحر في الدين ولإحداث النهضة الفكرية التي تسبق كل ثورة. ومن جملة القوانين المزرية ذلك الذي يجعل اللغة العربية لغة أجنبية في الجزائر، الأمر الذي ترتب عليه ملاحقة معلميها وتغريمهم وحبسهم بعد غلق مدارسها. لأجل ذلك، فإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تطالب، اليوم، بما يلي: أ - إلغاء جميع الإجراءات والتدابير القمعية إدارية كانت أم وزارية. ب - إصدار نص يضمن حرية تعليم اللغة العربية في المدارس، ويكون ذلك على النحو التالي: - يحق لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ولسائر الجمعيات الدينية إنشاء المدارس حيث يكون لهم ذلك ممكناً ودون استرخاص الإدارة. يكفي فقط أن يقدم طلب يكون متضمناً اسم المدرسة وعنوانها. - يتضمن النص المطلوب إصداره ضمانات تكفل للمدارس الحرة حماية من تعسف الإدارة وللمعلمين الأحرار عدم الملاحقة والمتابعات القضائية الظالمة. - لا يكون للإدارة الاستعمارية حق لا في اختيار المعلمين ولا في وضع برامج التعليم أو تعيين الكتاب المدرسي. - تخضع جمعية العلماء المسلمين الجزائريين وسائر الجمعيات الثقافية الأخرى إلى ما تتطلبه الرقابة الصحية وتقبل في مدارسها التفتيش الرسمي الذي يقوم به موظفو التعليم العمومي. ٣ - القضاء الإسلامي ترى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين أن القضاء في الجزائر يجب أن يكون صادراً عن الكتاب والسنة. وحيث أن السلطات الفرنسية تمكنت على مر السنين من تهميش القضاء الإسلامي، وحيث أن أمر إعادة تأهيل هذا الأخير لن يكون إلا تدريجياً، فإن الجمعية تقترح الإجراءات التالية: أ - إعادة النظر في برنامج تكوين القضاة بحيث تعطى مكانة واسعة للغة العربية وللشريعة الإسلامية وعلم النفس وتاريخ القضاء في الإسلام، هذا من جهة، ومن جهة ثانية يتحتم فتح مؤسسات تكوين القضاة إلى

стр. 49

المعلمين الأحرار خريجي الزيتونة وغيرها من الجامعات الإسلامية وألا يكون هناك معيار آخر في الاختيار غير مقياس الكفاءة والمقدرة. ب - إنشاء مجلس أعلى للقضاء يكون مشكلاً فقط من القضاة وتكون مهمته تعيين القضاة ومراقبتهم، ويكون مستقلاً عن أجهزة القضاء الفرنسي. ج - إنشاء محاكم الاستئناف الإسلامية بحيث لا يؤيد ولا يلغى الحكم الصادر عن القاضي المسلم إلا من طرف قضاة مسلمين. وبالإضافة إلى هذه الموضوعات الرئيسية الثلاثة، تلفت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين انتباه الحكومة الفرنسية إلى ضرورة تسهيل مهمة الدعاة وعدم مضايقتهم أثناء تأديتهم لمهمة الوعظ والإرشاد عبر مختلف أنحاء البلاد، وإلى رفع الحصار المضروب على النوادي التي هي، في واقع الأمر، مؤسسات مكملة للمدرسة وللمسجد. وفي هذا الإطار، فإن الجمعية تطالب بإلغاء المرسوم الصادر بتاريخ الثامن من مارس (آذار) سنة ثمان وثلاثين وتسعمائة وألف. لكن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تكتف بالمواقف المكتوبة للتعبير عن التزامها بما ورد في البيان وملحقه بل إن دعاتها كانوا، حيثما يحلون، يرفعون نفس الشعارات ويؤكدون للناس أن الالتحاق بأحباب البيان والحربة "واجب كل مسلم" حتى يشرق فجر الخلاص من ربقة الاستعمار، وكانت آذان الشعب صافية خاصة وأن الحاج مصالي وجه، هو الآخر، من منفاه، وبصياغة أخرى نفس الدعوة لتعزيز صفوف المولود الوطني الجديد. واستمعت جحافل مناضلي حزب الشعب لنداء الزعيم وتعانق لأول مرة، في تاريخ الجزائر، تيار العلماء وتيار المصاليين فتغير وجه الجزائر السياسي وفاض الشارع حماساً، كان على فرحات عباس أن يبذل جهوداً جبارة للتمكن من توظيفه لإقناع الحلفاء والسلطات الفرنسية بأن الجماهير الشعبية قد اختارت طريق الجمهورية الجزائرية المستقلة. وفي إطار هذا الجو الجديد الذي وجد امتداداً له وغذاء نافعاً في المبادئ الجديدة التي شاعت في مختلف أنحاء المعمورة والتي تدعو إلى تمكين سائر الشعوب من حقها في تقرير مصيرها بنفسها، عرف برنامج أحباب البيان والحرية تطوراً سريعاً وملحوظاً. ففي فترة لا تتجاوز شهرين، تشكلت اتحادية عمالة قسنطينية وعقدت مؤتمرها الأول يوم ٢٢/ ٥/١٩٤٤، وقد توجت أشغال هذا الأخير بلائحة كان التركيز فيها على المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم الحاج مصالي، وكذلك رفع الحصار المضروب على الشيخ البشير الإبراهيمي

стр. 50

والتنديد بعملية الاندماج التي بشرت بها أمرية الجنرال ديغول لأنها تتناقض مع طموحات الجزائريين. وفي انتظار الحلول النهائية المنتظرة للمشكل الجزائري بعد أن تضع الحرب أوزارها، طالب المؤتمرون بحرية الرأي وحرية الصحافة وحرية العبادة وحرية تعليم اللغة العربية، وبذلك يكونون قد تجاوزوا كثيراً فحوى بنود القانون الأساسي لأحباب البيان والحرية المشار إليه آنفاً. لكن التحول الجذري في برنامج التجمع الجديد لم يظهر إلا من خلال اللوائح التي صادق عليها أول مؤتمر وطني جرت أشغاله بالجزائر العاصمة أيام ٢ - ٣ - ٤ مارس (آذار) سنة ١٩٤٥ أي بعد تاريخ التأسيس بأقل من عام. لقد استعمل المؤتمرون أسلوباً مباشراً حيث جددوا قناعتهم بأن بيان الشعب الجزائري هو الوثيقة الوحيدة التي يمكن اعتمادها في كل عمل يكون الهدف منه تسوية المشكل الجزائري بكيفية جدية. أما تجاهلها بعد قبولها كما فعلت الحكومة الفرنسية، فإنه لا يقود سوى إلى التمادي في الخطأ وإلى محاولة فرض سياسة تتناقض كلية مع طموحات الشعب الجزائري. ومن جهة ثانية، أكد المؤتمرون أن السياسة الواقعية الوحيدة هي التي تأخذ في الاعتبار الإرادة الشعبية وتنطلق من كون بناء مستقبل شعب لا يمكن أن يتم بدون استشارته. ولأجل ذلك، فإن المؤتمر طالب بأن تنجز حينا الإجراءات التالية: ١ - استبدال الجمعيات الجزائرية ببرلمان منتخب. ٢ - استبدال الولاية العامة بحكومة جزائرية ٣ - الاعتراف بالألوان الوطنية وإذا كانت حركة أحباب البيان والحرية ترى أن مستقبل الشعب الجزائري يكمن في استرجاع سيادته وإقامة جمهورية جزائرية مستقلة، فإن الحزب الشيوعي الجزائري على غرار نظيره الفرنسي، يرفض الاعتراف بوجود الشعب الجزائري الذي تزعم أدبياته أنه ما زال في طور التكوين، وهو، وفي تلك المرحلة، عبارة عن تلاحم عدد من العناصر أهمها: العربي والقبائلي والميزابي والشاوي واليهودي والأوربي الخ .. لأجل ذلك فإن القيادة قد أبدت، منذ اللحظات الأولى، مناهضتها للحركة الوطنية الفتية، ولتجسيد تلك المناهضة على أرض الواقع قررت تأسيس حركة منافسة أسمتها: "أحباب الديمقراطية". إن بيان أحباب الديمقراطية يدعو الجزائريين إلى المساهمة في مجهود

стр. 51

الحرب وفي بناء فرنسا الجديدة التي سوف يترتب على قيامها تخليص الجزائر من النظام الاستعماري وأعوانه المرتشين والرجعيين والقواد (٣٢). أما المطالب التي ينبغي أن يناضل المسلمون من أجل تحقيقها في القريب العاجل فتتعلق جميعها بتحقيق المساواة مع الأوربيين في مجالات التموين والكساء والتنظيم الإداري، وقد وضع لبلوغ هذه الأهداف برنامج من تسع نقاط هي: ١ - تمكين كل الجزائريين من تموين عادي، أي ٣٠٠ غ خبز يومياً أو ١٠كغ قمح شهرياً مع مضاعفة الكمية بالنسبة للعمال اليدويين أمثال عمال السكة الحديدية والمواني والفلاحة. ٢ - تطبيق الأجر الأدنى المحدد من طرف الولاية العامة، أي ١٠ ....................... ........................ (*) ٧ - إلغاء البلديات المختلطة بواسطة إرجاع مراكز الدواوير البلدية التي علقت في عهد فيشي. ٨ - إعادة فتح جميع المدارس الموجودة وإيجاد أخرى جديدة في محلات تؤمم للضرورة وتزود بمعلم يقدم للأطفال مبادئ التعليم بالفرنسية والعربية في انتظار حل شامل لمليون من الأطفال غير المتمدرسين. ٩ - الاعتراف باللغة العربية لغة رسمية إلى جانب اللغة الفرنسية. كان الشيوعيون، بهذه المطالب البسيطة، يعتقدون أنهم وجدوا أفضل الوسائل لتعبئة الجماهير الشعبية بقصد سد الطريق في وجه أحباب البيان والحرية، لكن التربة الجزائرية كانت ترفض الغرس الشيوعي ولذلك فإن الإقبال على حركة أحباب الديمقراطية كان معدوماً. وأمام ما كان لأحباب البيان والحرية من شعبية ومن إبداء الجزائريين استعداداتهم المطلقة للانخراط فيها ولتبني برنامجها الذي ما فتئ يتطور إيجابياً، كما سبقت الإشارة إلى ذلك، وعلى الرغم من المساعي المختلفة التي قامت بها السلطات الاستعمارية لدعم الشيوعيين من أجل تثبيت حركتهم الجديدة فإن هذه الأخيرة لم تعمر طويلاً وسرعان ما تركت المجال للحزب الشيوعي الجزائري فراح يستعمل كل الوسائل لإيقاف الزحف الوطني الذي وجد في محاربة

стр. 52

الشيوعيين له قوة مكنته من التجذر بسهولة في أوساط سائر فئات الشعب الجزائري. إن الحزب الشيوعي الجزائري في مصارعته لأحباب البيان والحرية كان يعتقد أن وصف القياديين الوطنيين بدعاة الانفصال عن الميتروبول سوف يقلل من شأنهم لدى مواطنيهم، زاعماً أن الاستقلال أمر مستحيل "أنه لا يخدم الجزائر ولكنه يكون في صالح غلاة الكولون والإمبرياليات الأجنبية الأخرى التي ليس لها من هم سوى آبار البترول (٣٣). لقد كان الحزب الشيوعي الجزائري يرى أن الذين يعملون على استرجاع الاستقلال الوطني "هم عصابة من المفسدين في ركاب الفاشية، يتسترون بالدين لمحاربة المشروبات الكحولية" (٣٤) إنهم "وطنيون مزيفون يسعون بدافع إمبريالي أجنبي، لفصل الجزائر عن فرنسا الجديدة" وعلى الرغم من هذه المواقف العدوانية ومن قناعة السيد فرحات عباس بأن "أحباب الديمقراطية صنيعة للشيوعية المقصود منها هو خلط الأوراق وذبذبة الضمائر (٣٦)، فإن المكتب المركزي لأحباب البيان والحرية قد وجه نداء إلى أحباب الديمقراطية من أجل التعاون على أساس شرط واحد هو أن يدرج الشيوعيون ضمن مطالبهم إطلاق سراح المعتقلين السياسيين وحرية الصحافة بالنسبة لجميع الأحزاب والمنظمات الجزائرية، لأن برنامج أحباب الديمقراطية بجميع نقاطه المسطورة أعلاه لا يشتمل على أي عنصر جدي يمكن الأخذ به لتعبئة جماهير الشعب الجزائري، لكن الشيوعيين، من خلال قيادة أحباب الديمقراطية، رفضوا عرض الوطنيين لسبب أيديولوجي واضح هو: عدم إيمانهم بالوطن الجزائري ككيان واحد ومستقل عن فرنسا. ولم يتوقفوا عند رفض العرض، بل إنهم جندوا كل آلياتهم واستنجدوا بالسلطات الاستعمارية لإقامة العراقيل في طريق أحباب البيان والحرية. هكذا، إذن لم تمض سوى ستة أشهر على تأسيس أحباب البيان والحرية حتى وجد هذا التجمع الوطني الجديد نفسه أمام عدد من الصعوبات والمخاطر كان أهمها ما يلي: ١ - رفض الإدارة الفرنسية لبيان الشعب الجزائري بعد أن كان الوالي العام السيد بايروتون قد أفهم السيد فرحات عباس أن الاقتراحات الواردة ضمنه مقبولة لكنها تتطلب قليلاً من المراجعة وهوما تم بموجب الملحق الذي سبقت الإشارة إليه. وجاء الرفض مصحوباً بإجراءات بعضها قمعي والآخر يتعلق بدس أعوان مقنعين في صفوف المناضلين ينشطون لفائدة مصالح

стр. 53

المخابرات والاستعلامات العسكرية. ٢ - حرب بلا هوادة يغذيها الشيوعيون الجزائريون بدعم من الحزب الشيوعي الفرنسي من أجل إفشال الجبهة الوطنية التي استطاعت أن تعبئ الجماهير الشعبية حول مطلبي الجمهورية والبرلمان الجزائريين، أي تجنيد مختلف فئات الشعب لفائدة الانفصال عن فرنسا. ولقد كانت الحرب تجري نيرانها على ثلاث جبهات هي: أ - الجبهة الخاصة بإبراز نواقص الحركة المصالية التي يتمثل انحرافها وتزمتها، حسب المنطق الشيوعي، في رفعها لراية الاستقلال. ففي هذه الجبهة يسعى الشيوعيون إلى محاولة إقناع قواعد حزب الشعب الجزائري بالتخلي عن قيادتها وضمها، بشتى الوسائل (٣٧) إلى أحباب الديمقراطية. وطبيعي أن في ذلك إضعاف لأحباب البيان والحرية. ب - الجبهة المخصصة لتهميش المثقفين الإسلاميين الذين يستعملون العاطفة الدينية لحمل الجماهير الشعبية على الالتحاق بصفوف أحباب البيان والحرية، ومما لا شك فيه أن تحييد هؤلاء العناصر سيفسح المجال لأحباب الديمقراطية من أجل التحرك بحرية في أوساط الجماهير الإسلامية. ج - الجبهة المخصصة للتنديد بالمنتخبين وأعضاء النخبة الذين تخلوا عن فكرة الاندماج وتحولوا إلى "وطنيين مزيفين" ومناهضين للفرنسة وللفرنسيين. ٣ - وجود الفارق الكبير في أسلوب العمل الذي تمارسه اطارات ومناضلو أحباب البيان والحرية من أجل تحقيق الأهداف الوارد تعدادها في بيان الشعب الجزائري، فبينما يكتفي المنتخبون والعلماء بالقلم والكلمة، فإن عناصر الحركة المصالية ينادون بالعنف الثوري انطلاقاً من كون ما أخذ بالقوة لا يسترجع إلا بالقوة. ولتجاوز هذه الأوضاع الصعبة، ولتعميم الفكر السياسي الجديد وتمكين الجماهير الشعبية من التفاعل مع برنامجها فإن جمعية أحباب البيان والحرية قد أصدرت لساناً مركزياً بعنوان Egalitè وظفت له كثيراً من الإمكانيات المادية والأقلام الوطنية بحيث استطاع، في فترة وجيزة جداً، أن يحتل مكانة مرموقة بين نشريات ذلك الوقت وأصبح رغم كل المنافسات، الجريدة المحببة التي تنتظرها بلهفة أعداد غفيرة من الجزائريين في مختلف البلاد. غير أن ذلك لا

стр. 54

يعني أن سحبها كان مرتفعاً، بل ضعيفاً لم يتجاوز ثلاثين ألف نسخة بسبب أزمة الورق. (٣٩). وعندما نعود اليوم، إلى مختلف أعداد الجريدة، فإننا نلاحظ بكل سهولة الدور الإيجابي الذي أدته سواء بالنسبة لإنجاح عملية التعبئة الشاملة حول برنامج الحركة أو فيما يتعلق بمحاورة الأوربيين الذين كانوا متخوفين من فكرتي الأمة الجزائرية والبرلمان المنتخب بواسطة الاقتراع العام، أو فيما يخص تعرية أمرية الجنرال ديغول التي قال عنها السيد فرحات عباس: أنها لم تأخذ في الاعتبار تاريخ الجزائر وتطور ذهنيات أبنائها" (٤٠). وبالإضافة إلى الدور الإعلامي الذي كانت الجريدة تقوم به على أحسن وجه فإن أعمدتها كانت مفتوحة لبرامج التوجيه والتكوين الأيديولوجيين وللتحقيقات التي كانت تعالج موضوعات أساسية في مجالات الدين والتربية وحول أوضاع المرأة والطفل المسلمين إلى غير ذلك مما له علاقة بتطوير المجتمع وإعداده لمستقبل أفضل. ولم يكن نشاط الجريدة ليرضي الإدارة الاستعمارية ولا ليطمئن الحزب الشيوعي الجزائري. فأما الأولى فإنها راحت تقابله بتقليص كمية الورق المخصصة للحركة وبعرقلة عملية التوزيع التي كانت تعتمد أساساً على مبادرات المناضلين، وأما الثاني فإنه جعل من صحافته منبراً للتنديد بمحرري الجريدة والمشرفين عليها مع التركيز على رئيس التحرير السيد عبد العزيز كسوس. وفي مجال آخر، ورغم ظروف الحرب الصعبة، كان السيد فرحات عباس ينتقل من مكان لآخر عبر مختلف أنحاء الوطن: يخطب ويحاضر تارة ويحاور ويناقش مرة. وفي جميع الحالات، كان يسهم بفعالية في شق طريق الحركة نحو التجذر والانتشار. ومما يستحق الذكر أن تلك الاتصالات المباشرة والمكثفة، وبقدر ما أفادت أحباب البيان والحرية، فإنها سمحت للرجل أن يثبت أقدامه في عالم الوطنية الجزائرية وأن يتخلى نهائياً، عن قناعات ظل بها متمسكاً إلى أن كانت صياغة البيان. وإذا كانت الحركة المصالية قد هللت لهذا التحول الإيجابي لدى أهم أقطاب المنتخبين الجزائريين، فإن الإدارة الاستعمارية لم تخف استياءها وراحت تعبر عنه بالعمل ميدانياً وبشتى الوسائل، على إحداث التصدع في البناء الجديد وزرع الشقاق بين سائر الأطراف المكونة له. لكن حزب الشعب الجزائري المحظور فوت عليها الفرصة بفضل ما أصدره من تعليمات لإطارته ومناضليه يدعوهم من خلالها إلى إحاطة السيد فرحات عباس بكل أنواع الرعاية والعناية وإشعاره

стр. 55

بأنه قائد أساسي إلى جانب الزعيم الذي كان يحرك الخيوط من إقامته الجبرية. وبينما كانت حركة أحباب البيان والحرية تواصل العمل الهادف إلى تطبيق برنامجها، كان حزب الشعب الجزائري ينشط في السرية وفقاً لإيديولوجيته المعبر عنها رسمياً سنة ثلاث وثلاثين وتسعمائة وألف وكما سبقت الإشارة لذلك في بداية هذه الدراسة. كان حزب الشعب الجزائري، في مؤتمره المنعقد بالجزائر يوم ٢٤/ ٧/١٩٣٨ قد قرر باجماع المؤتمرين تأسيس هيأة أسماها "اللجنة الخضراء" وأسند لها مهمة التكوين العسكري استعداداً للكفاح المسلح في سبيل استرجاع الاستقلال الوطني، وقبل نهاية نفس الشهر قامت الهيأة المذكورة بتكوين لجنة شمال افريقيا للعمل الثوري" (٤١) التي اختارت من بين أعضائها مجموعة سيرتها إلى برلين قصد التدرب على استعمال الأسلحة وممارسة النشاط السري. صحيح أن السلطات الألمانية قد استقبلت المجموعة التي كان يرأسها السيد محمد طالب (٤٢) وصحيح، أيضاً، أنها أولت عناية كبيرة بتدريب أفرادها، لكنها أرجأت البت في موضوع الاستعمار إلى ما بعد نهاية الحرب ولم تبد كثير استعداد عندما نشرت أمامها قضية التسليح. لأجل ذلك، فإن لجنة شمال افريقيا للعمل الثوري قد فضلت إنهاء العلاقة معها وولت وجهها نحو إيطاليا التي لم يكن موقفها أكثر التزاماً مع مسألة تحرير الشعب الجزائري. غير أن كل ذلك لم يمنع بعض أعضاء اللجنة وبعض المسؤولين الآخرين أمثال بلقاسم راجف وسي جيلاني (٤٣) من الاستمرار في محاولة الاستفادة من دول المحور بصفة عامة. وعلى الرغم من معارضة الحاج مصالي لفكرة التعاون مع الألمان وإقدامه، وهو سجين، على فصل أعضاء لجنة شمال افريقيا للعمل الثوري من صفوف حزب الشعب الجزائري بسبب اتصالاتهم ببرلين وتعاونهم مع مصالح الجيش الألماني، فإن محاولات التقارب مع دول المحور لم تنقطع طيلة سنوات الحرب. ومن الجدير بالذكر أن بعض مساعي الوطنيين قد أثمرت خاصة في مجال الاستفادة من تقنيات التنظيم السري واستعماله الأسلحة بجميع أنواعها. انطلاقاً من كل ما تقدم، وعندما نريد ضبط الأوضاع التي كان عليها حزب الشعب الجزائري، فإننا نخلص إلى ما يلي: ١ - كان الحزب ينشط في السرية نتيجة حله بموجب قرار إداري صدر بتاريخ ٢٦/ ٧/١٩٣٩.

стр. 56

٢ - كان معظم قادته وفي مقدمتهم الحاج مصالي (٤٤) محبوسين بمقتضى أحكام تتراوح ما بين ١٦ و٣ سنوات، صدر معظمها يوم ٢٨/ ٣/١٩٤١. ٣ - فرضت طبيعة النضال السري ومقتضيات تلك المرحلة الصعبة ظهور قيادة جديدة من الشباب (٤٥) معظمهم من المثقفين، في مقدمتهم الدكتور محمد الأمين دباغين (٤٦). ٤ - تبلور النشاط السري خاصة في مجالين: التنظيمي حيث أعيدت هيكلة الحزب بكيفية تتلاءم مع الأوضاع الجديدة، والإعلامي الذي تميز بالكتابات الحائطية وحملات التوعية والتربية الدينية (٤٧) وبصدور جريدتي L,Action Algèrienne والجزائر الحرة. ٥ - ظهور "منظمة الشباب" (٤٨) "ومنظمة الجيش الثامن" (٤٩) اللتين كانتا تدعوان إلى عدم الالتحاق بصفوف الجيش الفرنسي قبل أن تتضافر جهودها لتأسيس منظمة عسكرية تكون "قادرة على رفع لواء الكفاح المسلح عندما تفتح الجبهة الثانية أو يتم إنزال قوات الحلفاء، وتكون هي الممثل الشرعي للشعب الجزائري عند اقتضاء الحاجة" (٥٠). ٦ - إطلاق سراح الحاج مصالي يوم ٢٤/ ٤/١٩٤٣ ووضعه في الإقامة الجبرية بالشلالة. ومن هناك صار يوجه نشاط الحزب المحظور رسمياً، ومما يستحق الذكر أنه قرر السماح لأعضاء لجنة شمال افريقيا للعمل الثوري المفصولين بالعودة إلى صفوف الحزب كما أنه قرر عدم إبقاء أي تنظيم خارج الإطار النظامي. ٧ - إن الحزب، نتيجة كل هذه العوامل، قد أصبح تنظيماً سياسياً أكثر قدرة على تعبئة الجماهير وتوعيتها، وأكثر دقة في العمليات التي يقوم بها من أجل تجسيد إيديولوجيته على أرض الواقع. وفي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى أن هياكل الحزب العادية قد تعززت، عبر مختلف أنحاء الوطن، بآليات متخصصة في التوثيق والإحصاء والنشاط السري والعمل السيكولوجي، كما أنها تدعمت بتنظيمين أساسيين أحدهما مسؤول عن الأمن والمراقبة بجميع أنواعها والثاني مكلف بالدراسات ومتابعة الأحداث وتوظيفها لفائدة الحزب. وكان التنظيمان، على غرار الآليات الأخرى، ممثلين في جميع مستويات الهيكلة الحزبية، لكن نشاطهما كان يتم في سرية مطلقة. ٨ - استطاع الحزب، بفضل مساعي تنظيماته المختلفة، أن يجمع كمية معتبرة من

стр. 57

الأسلحة والذخيرة اشترى بعضها من جيوش الحلفاء ووصله بعضها الآخر عن طريق مناضليه ومحبيه العاملين في صفوف الجيش الفرنسي. وزعت كل المعدات الحربية على سائر الاتحاديات والدوائر ووقع خزنها في انتظار يوم المعركة الذي أصبح متداولاً لدى العام والخاص أنه سيحل مع نهاية الحرب الامبريالية الدائرة رحاها في أوربا وشمال افريقيا وبعض مناطق آسيا. ٩ - استطاع الحزب، بفضل تجربة مناضليه الواسعة، أن يسيطر بكيفية شبه كلية على حركة أحباب البيان والحرية، وتمكن، في ظرف قصير جداً، من إدخال تغييرات جذرية على برنامجها السياسي كما أشرنا إلى ذلك آنفاً. ١٠ - إن فكرة الكفاح المسلح قد نضجت بما فيه الكفاية، ووجد في داخل الحزب تيار قوي من المناضلين الشباب الذين التحق معظمهم بالصفوف فقط في الفترة ما بين ١٩٣٩ - ١٩٤٤، لكنهم يرفضون تكتيك القيادة الذي كان الحاج مصالي قد لجأ لمحاولة التقرب من باقي أطراف التيار الوطني، والذي جعل الحزب يتنازل عن هدف الانفصال عن فرنسا ويعوضه بالشعار الغريب "لا اندماج ولا انفصال، ولكن ترشيد وتحرر" (٥١). إن أولئك الشباب الذين اكتسبوا خبرة واسعة من خلال نشاطهم السري ضمن "منظمة الشباب" و"الجيش الثامن" قد أصحبوا على كامل الاستعداد لإشعال فتيل الثورة والانتقال إلى المرحلة الحاسمة من الكفاح التحريري. ••••

стр. 58

الفصل الثالث: حركة مايو الثورية

стр. 59

هناك كتابات كثيرة عالجت هذا الموضوع لكنها لم تشبعه بحثاً، وحتى الآن، فإن الآراء لم تنفق حول المسائل الأساسية التي تتحكم في كل دراسة علمية والتي بدون الفصل فيها لا يمكن التوصل إلى حقيقة ما وقع في ذينك الاسبوعين الأول والثاني من شهر مايو (أيار) سنة ١٩٤٥. فالمؤرخون الفرنسيون والمتأثرون بهم من الجزائريين يتجنبون الحديث عن الثورة ويركزون على مصطلح الأحداث او المظاهرات، بعد ذلك يتعمدون الضبابية حتى يظل المصدر مجهولاً وتبقى الأهداف المسطورة من طرفه غير واضحة وقابلة للتفسيرات المغرضة والتآويل المختلفة. وزيادة في التعتيم، يؤكد أولئك المؤرخون أن "حوادث مايو" كانت عفوية ولا يوجد أي تنظيم. وإذا كانت السلطات الاستعمارية قد اتهمت أحباب البيان والحرية معتمدة على كون العديد من القتلى والمعتقلين الجزائريين كانوا يحملون بطاقات العضوية في تلك الحركة (٥٢)، فإن الحزب الشيوعي الجزائري، فيما يخصه، قد وجه أصابع الاتهام إلى من أسماهم بالوطنيين المزيفين الذين يعملون في ركاب "الفاشية الهتلرية" و"الفاشية الإيطالية" وإلى الأوربين الاقطاعيين والمسؤولين الإداريين تحت سلطة حكومة فيشي. ونحن عندما نعود إلى تلك الفترة الزمنية نستنطقها، وإلى النصوص المعاصرة نحللها ونفحص المعلومات الواردة فيها، وحينما نتوقف عند الشهادات التي أدلى بها المسؤولون السياسيون الذين كانوا يصنعون الحدث التاريخي في ذلك الوقت، وعندما نعيد قراءة الجرائد والمجلات التي عالجت الموضوع في وقته، فإننا لا نستطيع سوى الاعتراف بأن ما وقع في شهر مايو سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف إنما هو حركة ثورية أعدت لها قيادة حزب الشعب الجزائري التي كانت قد أخذت كل الاحتياطات لتكون النتيجة الحتمية هي إقامة الجمهورية الجزائرية وما يتبعها من مؤسسات وطنية. إن ما وقع في شهر مايو سنة ١٩٤٥ يجب البحث عن أسبابه القريبة في شهر مارس (آذار) من نفس السنة. ففي اليوم الثالث من ذاك الشهر، وبينما كان طريح الفراش، أرسل السيد فرحات عباس لائحة إلى مؤتمر أحباب البيان والحرية، غير أنها لم تلق قبولاً ورفض المؤتمرون المصادقة عليها، رغم ما كان لعباس من مكانة، لأنها تدعو إلى إدراج الجزائر في نظام اتحادي مع

стр. 60

فرنسا. وفي نفس الفترة صرح الشيخ البشير الإبراهيمي، في تلمسان، أن الرئيس روزفالت وعد باستقلال الجزائر عن طريق ندوة سان فرانسيسكو (San Francisco) المزمع عقدها في نهاية أفريل (نيسان) سنة ١٩٤٥) (٥٤). وإذا كنا في غير حاجة إلى التذكير "بمنظمة الشباب" والجيش الثامن وما كان يجري فيهما من إعدادات واستعدادات، فإننا لا نستطيع إغفال بعض الأحداث المعبرة التي وقعت في شهر أفريل وهي تحمل في طياتها دليلاً قاطعاً على أن الجانبين الجزائري والاستعماري كانا يعملان: الأول من أجل خرق الموانع التي تحول بينه وبين سيادته المغتصبة، والثاني من أجل تأبيد حالة السيطرة والاضطهاد والتبعية حتى ولو كان ثمن ذلك هو إبادة الشعب الجزائري بأكمله، ومن جملة تلك الأحداث المعبرة نذكر ما يلي: ١ - إن المكتب المركزي لأحباب البيان والحرية قد أصدر نشرة بتاريخ ٢/ ٤/١٩٤٥ دعا من خلالها إلى التمسك بالمطالب الواردة في بيان الشعب الجزائري وإلى العمل بجميع الوسائل في سبيل تحرير المعتقلين السياسيين وحمل الحكومة الفرنسية على الاستجابة لطموحات الجزائريين في تحقيق الأهداف المسطورة في الوثائق المرفوعة إليها عن طريق الوالي العام السيد بايروتون. ٢ - في شهر افريل أيضاً، قامت الجماهير الشعبية في قصر الشلالة بمنع السلطات الفرنسية من اعتقال أربعة مناضلين مسؤولين في صفوف حزب الشعب الجزائري المحظور وتصدت لعامل ولاية الجزائر ومرافقيه بالرجم والشتم، هاتفة باستقلال الجزائر وحياة زعيمها الحاج مصالي مما استدعى تدخل القوات العسكرية. ٣ - في يوم ٢٤/ ٤/١٩٤٥ قام ستة مندوبين عامين أوروبيين (٥٥) بتوجيه بيان إلى عامل ولاية قسنطينة دعوه فيه إلى اتخاذ إجراءات صارمة تمنع ما قد يقع من أحداث نتيجة ما لاحظوه لدى الأهالي من سلوكات حاقدة على فرنسا والفرنسيين. ومما جاء في ذلك البيان "إن ذهنية الأهالي قد تغيرت، وصار الموظفون والتجار المسلمون متجبرين، ويعلنون لمن يريد السماع أنهم عازمون على البقاء، وحدهم، في أرض أجدادهم وأنهم سوف يسترجعون استقلالهم الكامل .. أما العمال، فإنهم أصبحوا يرفضون الاشتغال في الحظائر الخاصة وفي ملكيات الفرنسيين" (٥٦).

стр. 61

٤ - في يوم ٢٦/ ٤/١٩٤٥ قال عامل عمالة قسنطينة للدكتور سعدان" اضطرابات سوف تقع، وعلى إثرها يحل حزب عتيد" (٥٧) وفي نفس اليوم أعلن رئيس بلدية abbo (سيدي داوود حالياً) إن أحداثاً لآتية ومعها ستضطر الحكومة للتراجع على أمرية السابع مارس" (٥٨). ٥ - في نفس شهر أفريل استقبل الحاج مصالي كلاً من الدكتور محمد الأمين دباغين وحسين عسلة فاطلعاه على مشروع إشعال فتيل الثورة مباشرة بعد أن تضع الحرب أوزارها. ووافق زعيم حزب الشعب الجزائري على المشروع كما وافق على أن يهرب إلى ناحية سطيف حيث يعلن عن تأسيس الحكومة الجزائرية المؤقتة التي يكون مقرها بمزرعة المناضل الأستاذ معيزة. (٥٩). لكن الإدارة الاستعمارية كانت أسرع فبادرت إلى نقل الحاج مصالي إلى المنيعة يوم ٢٣/ ٤/١٩٤٥ قبل أن تنفيه في نهاية الشهر، إلى برازافيل. ٦ - في شهر افريل نفسه كتب الجنرال Henry Martin (هنري مارتان) بات مؤكداً نقلاً عن مصادر مختلفة في سطيف، أن حزب الشعب الجزائري يعمل على تنظيم الثورة الشاملة" (٦٠). ٧ - إن الأمين العام للولاية العامة السيد Gazagne قد وجه إلى باريس تقريراً مفصلاً يحمل تاريخ أفريل ١٩٤٥ جاء فيه على الخصوص" يجب علينا اتخاذ الإجراءات الملائمة لإيقاف الحركة، ولكي تعلم الجماهير أننا غير مستعدين لغض الطرف .. ولقد علمنا من جهات مختلفة أن عملية ما، يجري تنظيمها بمناسبة انتهاء الحرب، وسوف تكون عامة. أما مناطقها الحساسة فكثيرة ومنها: سطيف، تبسة، بسكرة، الأوراس، الجزائر، تلمسان، وهران، ومعسكر" (٦١). ٨ - إن الحركة الوطنية الجزائرية التي وجدت طريقها إلى التوحد حول عدد من المحاور الرئيسية في إطار" أحباب البيان والحرية"، لم تتوقف عن إرسال الوفود الواحد بعد الآخر، إلى ممثلي الحلفاء قصد إطلاعهم على حقيقة الواقع الاستعماري في البلاد وتحميسهم لمساعدة الشعب الجزائري على ممارسة حقه في تقرير مصيره. وإذا كان السيد فرحات عباس، في لقاءاته المتعددة مع السيد روبرت مرفي (Robert Murphy) قد حصل على وعد صريح من هذا الأخير مفاده أن أميريكا ستعمل، في الوقت المناسب، على جعل فرنسا

стр. 62

تنهي حالة الاستعمار في الجزائر، فإن ممثلي حزب الشعب الجزائري الذين قاموا بنفس المهمة قد قوبلوا ببرودة من طرف نفس المسؤول الأمريكي الذي قال لهم: "إن المعلومات المستقاة من مصادر مختلفة تدل على أن حركتكم لا تمثل أغلبية الشعب الجزائري، وإن هذا الأخير لن يتبعكم ولن يعطيكم ثقته في حالة استشارته (٦٢). فأمام هذه اللغة المزدوجة، أصبح على قادة الحركة الوطنية أن يقوموا بنشاط علني يثبتون، من خلاله، سوء تقدير الحلفاء، ويبرهنون به على أنهم الناطق الشرعي باسم جماهير الشعب الجزائري الذي صار هدفه الأسمى هو استرجاع السيادة الوطنية وإقامة الجمهورية الجزائرية بجميع مؤسساتها. ٩ - إن أخباراً متواترة قد بدأت تصل إلى أسماع قادة الحركة الوطنية مفادها أن اللجنة الفرنسية للتحرير قد تمكنت من إقناع الحلفاء بأن الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا، وبأن دعاة الانفصال لا يمثلون إلا أنفسهم، وهم منبوذون من الشعب الحقيقي ونتيجة ذلك الإقناع صرح السيد مرفي أن" السلطات الأمريكية لن تتدخل في الشؤون التي هي من اختصاص الإدارة الوطنية أو التي لها علاقة بالسيادة الفرنسية" ((٦٣). ١٠ - إن حزب الشعب الجزائري المحظور قد تمكن بالموازاة مع نشاط اطاراته ومناضليه داخل صفوف أحباب البيان والحرية، من تحقيق نتائج باهرة في مجالات التنظيم والتكوين والتسليح، وأصبح واضحاً للعيان أن تلك النتائج تؤهله لجر الحركة الوطنية إلى ثورة شعبية مسلحة من أجل استرجاع الاستقلال الوطني كاملاً وبالشروط الواردة في برنامج نجم شمال افريقيا المشار إليه سابقاً. ولقد أدركت قيادة أحباب البيان والحرية من غير عناصر حزب الشعب الجزائري ذلك الواقع وارتاعت لما يمكن أن تكون عواقبه، خاصة وأنها لا تؤمن بالكفاح المسلح كوسيلة لحمل فرنسا على الاستجابة لطموحات الشعب الجزائري. لأجل ذلك فإن السيد فرحات عباس قد جعل المكتب المركزي للحركة يتوج اجتماعه المنعقد بنداء إلى المواطنين جاء فيه" أن أحباب البيان والحركة لن تتحمل أية مسؤولية فيما تقوم به بعض العناصر المشبوهة من أحداث .. وبالتالي فهي تدعو كافة المناضلين إلى تسليمها كل مشاغب تشتم فيه رائحة العمل في غير الإطار المعلوم" (٦٤).

стр. 63

إن التمعن في كل هذه النقاط، والتوقف ملياً عند سائر جزئياتها يدعون الدارس بالضرورة إلى إعادة النظر في كيفية تعامل المؤرخين الفرنسيين وتلامذتهم من الجزائريين مع ما وقع في شهر مايو ١٩٤٥ هل كان بالفعل مظاهرات استفزازية وعفوية؟ أم هي أحداث دامية تسبب فيها المتطرفون الجزائريون والفرنسيون على حد سواء؟ أم هي تمردات عشوائية سببها الجوع والحرمان فقط؟ أم هي انتفاضة شعبية فشلت بسبب عدم وجود القائد والمخطط؟ وهل يمكن التحدث عن فاتح مايو بمعزل عن ثامنه؟ وهل إن ما جرى قد اقتصر على يومي الفاتح والثامن مايو سنة ١٩٤٥؟ وهل يمكن القول: إن مايو ١٩٤٥ هو أساس ثورة ١٩٥٤؟ كل هذه الأسئلة طرحناها بإلحاح على عدد كبير من مسؤولي الحركة الوطنية ممن كان بيدهم الحل والربط في ذلك الوقت (٦٥)، ثم عدنا بها إلى مختلف النصوص المعاصرة بقطع النظر عن الجهات الصادرة عنها، وانتهينا، بعد بحث وتمحيص إلى أن ماجرى في شهر مايو ١٩٤٥ كان حركة ثورية جاءت تتويجاً لعمل نضالي تواصل بدون انقطاع طول المدة التي دامتها الحرب الامبريالية الثانية. وإذا كان يوما الفاتح والثامن من مايو يرمزان إلى محطتين رئيسيتين في مسار تلك الحركة، فإن الشهر كله قد تميز بالنشاط الثوري الذي فتحت له الجماهير الشعبية أحضانها المتينة والذي تطور بسرعة فائقة عبر مختلف أنحاء شمال شرقي البلاد وكان من الممكن أن يمتد إلى سائر أرجاء الوطن لولا إحجام القيادة وترددها أمام عمليات القمع الأعمى التي قامت بها سلطات الاستعمار على مسمع ومرأى ممثلي الحلفاء المنتصرين الذين كان سكوتهم دليلاً قاطعاً على تبنيهم للجريمة الفرنسية وارتياحهم لوقوعها. أحداث الفاتح من مايو ١٩٤٥: إن اللجنة المديرة لحزب الشعب المحلول هي التي قررت بالإجماع تنظيم مظاهرات شعبية بمناسبة الاحتفالات بعيد الطبقة الشغيلة، ولقد اتخذت قرارها ذلك عشية الفاتح من مايو نفسه ووجهت تعليماتها في تلك الليلة إلى كافة الهيآت الحزبية وهي تهدف من وراء ذلك، إلى التدليل على نفاذها المحكم في أوساط الجماهير الشعبية، وعلى أنها محل ثقة الشعب الجزائري الذي تتحدث باسمه وتعمل من أجل تحريره وتمكينه من ممارسة حقه في تقرير مصيره بنفسه.

стр. 64

ويذكر المسؤولون السياسيون (٦٦) الذين باشروا الأعمال التحضيرية وأشرفوا على سير الأحداث فيما بعد، أن المدن الجزائرية الكبرى ومدينة العاصمة على وجه الخصوص قد عاشت ليلة بيضاء وتحولت إلى ورشات كبيرة للإنجاز، وما كاد الصباح يلوح حتى وجدت الأعلام الوطنية بالمئات، وكتبت اللافتات باللغتين العربية والفرنسية، وتم تعيين فرق التأطير والإسعاف والإسناد والتحريض، وضبطت مراكز انطلاق المتظاهرين، وحددت نقاط التقاط الروافد الشعبية والمحطات النهائية. كل ذلك في سرية تامة تدل، بما لا يدع أي مجال للشك، على قدرة فائقة في التخطيط والتسيير، وعلى سيطرة القيادة على قواعدها وتفاعلها مع إطاراتها ومناضليها. لم تكن قيادة حزب الشعب الجزائري تريد، فقط، المشاركة في احتفالات أول مايو بل إنها كانت ترمي إلى توظيف تلك المناسبة من جهة لتختبر مدى قدرتها على تعبئة الجماهير وتجنيدها، ولتعلم إلى أي حد تستطيع هذه الأخيرة أن تسير وراءها بكل الثقة التي لا بد منها لنجاح المشاريع الحيوية، ومن جهة أخرى، فإن اللجنة المديرة كانت تسعى إلى اجتياح الشارع بقوتها الحقيقية حتى يتغير رأي الحلفاء ويتأكدوا من التفاف أغلبية الشعب الجزائري حول الحركة المصالية في نضالها من أجل استرجاع السيادة الوطنية وإقامة الجمهورية الجزائرية المستقلة عن فرنسا. على هذا الأساس، سهرت قيادة الحزب السرية على أن تكون المظاهرات التي تنظمها مغايرة تماماً، شكلاً ومضموناً، للمظاهرات التي تعودت النقابات تنظيمها بتلك المناسبة. أما من حيث الشكل فإنها قررت أن تجعل منها نموذجاً للعلم المتقن وللجدية والانضباط اللذين ينمان عن وعي المشاركين بخطورة الموقف وقدرتهم الفائقة على تطبيق التعليمات، وأما فيما يخص المضمون، فإنها، رغم احترامها للمطالب العادية التي ينادي بها العمال في مثل تلك التجمعات، قد قررت أن يرفع المتظاهرون شعارات وطنية فيها مطالبة بإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفي مقدمتهم زعيم الشعب الجزائري السيد الحاج مصالي، وبحق الجزائر في تقرير مصيرها بنفسها وفي استرجاع سيادتها وإقامة المؤسسات الوطنية المستقلة. ولإعطاء كل تلك الشعارات وزناً أثقل وقيمة أعظم كان لا بد من رفع الأعلام الوطنية التي صدرت تعليمات صارمة برعايتها وحماية رافعيها والاستماتة في الدفاع عنها كي لا تقع في أسر الشرطة الاستعمارية.

стр. 65

وتمهيداً للمظاهرات، وفي نفس ليلة الفاتح من مايو، تم توزيع آلاف المنشورات عبر مختلف أنحاء الوطن لتكون مرشداً سياسياً بما تضمنته من تذكير بالمطالب التي يجب التركيز عليها أثناء المسيرات الشعبية وبالشعارات التي ينبغي رفعها حتى يضفي على المظاهرات، في جميع المدن والقرى الجزائرية، طابع الشمولية والوحدة، وليدرك الملاحظ، الأجنبي خاصة، أن المنطلق أيديولوجي ولا علاقة له بالخبز ولا بالوضعين الاقتصادي والاجتماعي المترديين. لقد كانت تلك المنشورات مصاغة بأسلوب تلغرافي حتى يسهل توظيفها والاستفادة من محتواها إلى أقصى الحدود، وإذا كان كل ما جاء فيها من شعارات ومطالب لا يتجاوز ما هو معمم بالفعل في أوساط الجماهير الشعبية الواعية، فإن ثمة جديداً لا بد من التوقف عنده لما له من دلالة سياسية، ويتمثل ذلك في كون تلك المنشورات لم تكتب فقط باللغتين العربية والفرنسية ولكن جزءاً منها جاء مكتوباً باللغة الانكليزية وهي دعوة صريحة للحلفاء كي يعيدوا النظر في مواقفهم الأخيرة التي حادت عن الوعود المشار إليها أعلاه. إن كل من كتبوا حول هذا الموضوع يتفقون على أن تعليمات اللجنة المديرة لحزب الشعب الجزائري قد اتبعت بدقة شديدة، وخرج المتظاهرون في هدوء ونظام مثاليين سواء كان ذلك في سائر مدن الشرق الجزائري أو في مدن تلمسان والجزائر العاصمة ووهران. وفي كل مدينة كانت المواكب تضم أعداداً من المواطنين تفوق بكثير الأعداد التي تمكنت النقابات المختلفة من جمعها للاحتفال بعيد الطبقة الشغيلة. وتنفيذاً لما جاء في المنشورات رفع المتظاهرون لافتات كتبت عليها سائر الشعارات المحددة من طرف قيادة الحزب، وكانت الأعلام الوطنية تتقدم الأمواج البشرية التي كانت تهتف بحياة الجزائر وتنادي باسترجاع سيادتها وإقامة مؤسساتها المستقلة وإطلاق سراح معتقليها السياسيين وفي مقدمتهم الزعيم الحاج مصالي. وعلى الرغم من أن القمع الاستعماري كان وحشياً ضد المشاركين في جميع المسيرات التي وقعت في كافة أنحاء البلاد، وعلى الرغم من أن الشرطة أطلقت النار على المتظاهرين في كثير من المدن الجزائرية وخاصة منها وهران حيث استشهد مواطنان وجرح أكثر من عشرين شخصاً، (٦٧) فإن مظاهرات العاصمة هي التي، أكثر من غيرها، قد استوقفت الكتاب والمؤرخين. انطلقت مظاهرات العاصمة من محطات ثلاث هي: بلكور، القصبة وباب

стр. 66

الوادي (٦٨)، على أن تكون ساحة البريد المركزي هي نقطة التجمع العام الذي كان من المقرر أن يتناول فيه الكلمة عدد من أعضاء اللجنة المديرة لحزب الشعب الجزائري المحظور (٦٩). وبالفعل اجتمعت جماهير غفيرة في باب الوادي ثم تكاثرت أعدادها بانضمام المتجمعين في ساحة الحكومة (ساحة الشهداء حالياً) إليها، وسلك الموكب نهج باب عزون ليمر أمام مبنى المسرح الوطني قبل أن يدخل إلى نهج علي بومنجل حيث يلتقي في نهايته مع الموكب الذي انطلق من جامع سيدي عبد الرحمن ومر جزء منه بنهجي عمار القامة وذبيح الشريف حالياً. أما الجزء الثاني فإنه سلك نهج ذبيح الشريف صعوداً وتبع نهج موقادور) (Mogador ليصل إلى ساحة الأمير عبد القادر حالياً ومنها التحق بالبريد المركزي. أما الموكبان الملتحمان في نهاية نهج علي بومنجل (ديمون ديرفيل سابقاً) فإنهما دخلا في مظاهرة صاخبة إلى شارع العربي بن مهدي (إيزلي سابقاً) وراحا يتقدمان بنظام وانتظام في اتجاه البريد المركزي. غير أن سكان الشارع كانوا كلهم أوروبيين فاستنجدوا بالشرطة التي وصل رجالها بسرعة كبيرة وبدأ الرصاص يطلق على المتظاهرين من شرفات المنازل ومن قبل عناصر الشرطة. وفي مستوى الكازينو. سقط الشهيدان غزالي الحفاف وعبد القادر زياد. (٧٠). لقد كان أول مايو سنة ١٩٤٥ امتحاناً عسيراً بالنسبة لجميع القرى والمدن الجزائرية التي أقدم فيها حزب الشعب المحظور على تنظيم مسيراته الاستظهارية، وفي نهاية اليوم، عندما اجتمعت القيادات الحزبية محلياً ووطنياً، كانت النتيجة إيجابية إذ ثبت أن الجماهير الشعبية في الجزائر حينما يطلب منها الإقدام على التضحيات القصوى فإنها لا تتأخر وهي على استعداد لاتباع الحركة الوطنية في طريق النضال بجميع الوسائل من أجل استرجاع السيادة الوطنية المغتصبة. وبالنسبة للأوروبيين، فإن أول مايو ١٩٤٥ كان يوماً مرعباً، ليس لما وقع فيه من مظاهرات شعبية وقمع وحشي، ولكن لأنه كان تعبيراً قوياً على المستوى العالي من النضج السياسي الذي وصلت إليه أغلبية جماهير الشعب الجزائري، لأجل ذلك فإنهم بجميع مشاربهم السياسية وانتماءاتهم الفكرية والأيديولوجية، راحوا يطالبون السلطات الحاكمة باتخاذ جميع الإجراءات لإقامة سد منيع بين الحركة الوطنية في الجزائر وأهدافها الخاصة باسترجاع الاستقلال

стр. 67

الوطني، ولكي لا يتكرر مثل ذلك اليوم في حياة البلاد التي يريدونها، فقط، حقلاً واسعاً وهادئاً للاستغلال بسائر أنواعه. وأما بالنسبة للإدارة الاستعمارية ذاتها، فإن أول مايو ١٩٤٥ كان دليلاً قاطعاً على أن أعداداً كبيرة ممن كانوا يسمون بالمعتدلين والموالين لفرنسا قد قطعوا الحبال التي كانت تشدهم إلى "الميتروبول" والتحقوا رغم كل شيء بصفوف الوطنيين العاملين على استرجاع السيادة الوطنية بجميع الوسائل ومهما كان الثمن. معنى ذلك، أن الحلول الاستعمارية الجاهزة مثل الاندماج والالحاق والمساواة كلها أصبحت معرضة للاختفاء والزوال. لأجل ذلك، فإن المشرفين على تلك الإدارة قد أرهفوا السمع لأصوات الكولون والشيوعيين المطالبة بإحكام التصدي للحركة الوطنية الجزائرية باعتبارها وكراً لمناهضي الديمقراطية وكابحاً قوياً يمنع قطار الحرية والسلام من التقدم. من هذا المنطلق، وعلى هذا الأساس، ألقي القبض على مجموعة كبيرة من الإطارات القيادية في حزب الشعب الجزائري المحظور (٧١)، بينما لجأت مجموعة أخرى منهم إلى الحياة السرية في المدن والقرى الجزائرية أو إلى الجبال تحتمي بقممها ووديانها وشعابها. واغتنم الحزب الشيوعي الجزائري هذه الفرصة فوزع منشوراً (٧٢)، يتهم فيه الحركة المصالية بأنها "لوثت انتصارات الطبقة الشغيلة بدماء الأبرياء "في حين كان يجب أن تتحد جهود المحرومين من أجل تحقيق انتصارات جديدة. وفي اليوم الموالي جاء جواب حزب الشعب الجزائري بواسطة منشور يحمل تاريخ ٤/ ٥/١٩٤٥ وهو موجه إلى جميع الفرنسيين وخاصة منهم إلى العمال المنخرطين في صفوف الكنفدرالية العامة للشغيلين وإلى الحزبين الاشتراكي والشيوعي الفرنسيين وكذلك إلى منظمة فرنسا المكافحة. ومما جاء في ذلك المنشور: "أن الهتليريين الحقيقيين إنما هم أولئك الذين سلحوا الشرطة لتقتل إخوان وآباء وأقارب الأجناد الذين ساهموا لتحرير فرنسا وحاربوا في ألمانيا جحافل الفاشية والنازية" (٧٣). واجتمع المكتب المركزي لحركة أحباب البيان والحرية برئاسة السيد فرحات عباس في نفس اليوم الذي وزع فيه منشور حزب الشعب الجزائري، وصادق بالإجماع على نشرة موجهة إلى جميع الفرنسيين (٧٤) فيها تنديد بالقمع الذي تعرض له المشاركون في مظاهرات فاتح مايو ١٩٤٥، واحتجاج على حملات الاعتقال الموجهة ضد الوطنيين الجزائريين ومطالبة بإطلاق سراح

стр. 68

الحاج مصالي وسائر المعتقلين السياسيين وفي اليوم الموالي للاجتماع، أصدر المكتب المركزي بياناً ندد فيه بالاتهامات القائلة إن منظمي مظاهرات أول مايو في مختلف مدن الجزائر وقراها كانوا هتليريين يهدفون إلى إفساد الاحتفالات بعيد الشغل العالمي. (٧٥). أحداث ثامن مايو: وفي نهاية الإسبوع الأول من شهر مايو سنة ١٩٤٥ استسلمت ألمانيا أمام ضغط الحلفاء والاتحاد السوفياتي وتقرر أن يكون اليوم الثامن من الشهر المذكور موعداً للاحتفال بالنصر المبين، وإذا كانت قيادة حزب الشعب الجزائري قد قررت المشاركة الفعلية في تلك الاحتفالات من أجل تأكيد رغبة .............. ................ (*) العسكرية التي قادت الأول إلى السجن ووجهت الثاني إلى مستشفى "مايو" للعلاج" (٧٨). والحرية قد أقدمت، في الشرق الجزائري خاصة، على تنظيم مسيرات مستقلة عن المظاهرات الرسمية، وتمكنت في بعض المدن والقرى من إنجاز ذلك في إطار قانوني بعد أن حصلت على ترخيص من السلطات المعنية (٧٩). لكن ذلك لم يحل دون القمع البوليسي وإراقة دماء الأبرياء. أما فيما يخص قرار المشاركة الذي اتخذته قيادة حزب الشعب الجزائري، فإن السيدين أحمد بوده وعبدون يزعمان، من خلال الشهادات التي أعطياها لعدد من الكتاب والجامعيين (٨٠)، أنه نقل بدون تعليق إلى القواعد الحزبية ثم تركت المبادرة إلى المناضلين ينفذونه كيفما شاؤوا وطبقاً لإمكانياتهم وحسبما تمليه الظروف المحلية، ويضيف المسؤولان أن الأمر بالتظاهر قد صدر، فقط، عن قيادة حركة أحباب البيان والحرية. إن هذا الإقرار غير صحيح، لأن السيد شوقي مصطفى، الذي كان من القياديين الوطنيين الأساسيين، يذكر أنه تولى بنفسه صياغة التعليمات التي أرسلت إلى القواعد من أجل تجسيده قرار القيادة على أرض الواقع (٨١). وأن القارئ ليجد تأكيداً لذلك في شهادة السيد السعيد عمراني التي قدمها إلى الرئيس

стр. 69

ابن يوسف بن خدة والتي جاء فيها أن التعليمات المذكورة تضمنت أمر المناضلين برفع الأعلام الوطنية وكذلك أعلام الحلفاء بما في ذلك العلم الفرنسي (٨٢)، ومهما يكن من أمر، فإن كل المسؤولين والمناضلين يؤكدون أن حزب الشعب الجزائري قد أعد منشوراً في الموضوع ووزعه يوم ٦/ ٥/١٩٤٥ في الجزائر العاصمة وفي أهم مدن البلاد وقراها. ولقد تضمن المنشور المذكور دعوة جميع المناضلين إلى رفع الأعلام الوطنية وكذلك عدداً من اللافتات التي تعبر عن المطالبة بتحرير الشعب الجزائري وإطلاق سراح الحاج مصالي وسائر المعتقلين السياسيين، وعن التنديد بالاستعمار والامبريالية بجميع أشكالها. وفي الواقع، فإن جميع المسيرات الشعبية بما في ذلك تلك التي أشرفت على تنظيمها فروع حركة أحباب البيان والحرية، قد وظفت نفس الشعارات لأن مناضلي حزب الشعب الجزائري كانوا، في كل الحالات، هم المحرك الرئيسي للمظاهرات. على هذا الأساس، ومن هذا المنطلق، نستطيع الجزم بأن قيادة حزب الشعب الجزائري السرية هي مصدر الأمر بتنظيم المسيرات الشعبية والمشاركة فيها بمناسبة الاحتفالات بعيد الانتصار على النازية، وإذا كانت القيادات المحلية لحركة أحباب البيان والحرية، في جل الأماكن، هي التي أشرفت مباشرة على العملية، فلأنها كانت، في معظمها، مكونة من إطارات قيادية من الحزب المذكور وهي، في تحركها، إنما كانت تطبق التعليمات الصادرة عن قيادتها الأساسية، لأن القيادة العليا لحركة أحباب البيان والحرية لم تتلق موافقة السلطات الاستعمارية ولم تكن مستعدة لخرق القانون. ولقد كان حزب الشعب الجزائري يهدف، من خلال تنظيم المسيرات الشعبية، إلى لفت انتباه الحلفاء عامة وحكومة الجنيرال ديغول بصفة خاصة، إلى الواقع الجديد الذي آل إليه الشعب الجزائري وهو واقع الاستعداد المطلق لتحمل مسؤولياته كاملة في تسيير شؤونه بنفسه. ومن الجدير بالذكر، أن ذلك الواقع الجديد لم يتشكل دفعة واحدة بل هو حصيلة كل الأحداث والتطورات التي وقعت خاصة أثناء الحرب الامبريالية الثانية، والتي تعرضنا إليها بإيجاز كبير في الصفحات السابقة، ويمكننا، بعد التدقيق والتمحيص، أن نقول عنها إنها ممهدات الثورة من أجل استرجاع السيادة الوطنية.

стр. 70

المؤامرة الاستعمارية: ولقد كانت السلطات الاستعمارية التي عايشت عن كثب تلك الأحداث والتطورات، تعرف أنها أمام حركة سياسية نوعية استطاعت أن تنفذ بسرعة وبحكمة إلى جميع الأوساط الشعبية، وتمكنت من نشر الوعي اللازم لجر الجماهير الواسعة إلى العمل الثوري بجميع أنواعه ومن إقناعها بالإقدام على التضحية القصوى في سبيل استرجاع الاستقلال الوطني الكامل. لأجل ذلك، فإنها لم تبق مكتوفة الأيدي. وبقدر ما كانت تعمل على خرق الصفوف الوطنية ومضايقة الإطارات القيادية وملاحقتهم، فإنها كانت تستعد الاستعداد اللازم لاقتلاع جذور الحركة الاستقلالية في أول فرصة تتاح لها. ويتمثل استعداد تلك السلطات الاستعمارية في العمل على جبهتين أساسيتين هما: ١ - الجبهة السياسية التي خصصتها لزرع بذور الشقاق في صفوف حركة أحباب البيان والحرية بقصد فصل من كانوا يسمون بالمعتدلين والمنتخبين عن مناضلي الحركة المصالية. وقد استعملت الإدارة الفرنسية في هذه الجبهة، جميع مالديها من وسائل الترغيب والترهيب (٨٣) كما أنها لم تتردد في اللجوء إلى توظيف الجهوية والعشائرية والانتماءات الفكرية والثقافية. ٢ - الجبهة المادية التي خصصتها لإعداد وسائل القمع الضرورية لإنجاز مهمة الاستئصال ولتوفير الإمكانيات العسكرية والأمنية اللازمة لخنق بوادر الثورة في الوقت المناسب. ومن جملة الإجراءات التي اتخذتها الإدارة الاستعمارية بهذا الصدد نذكر على سبيل المثال: أ - حصر المناطق التي تجمع التقارير المخابراتية على أنها أوكار للحركة المصالية العاملة على تحقيق الانفصال عن فرنسا بواسطة استرجاع السيادة الوطنية المغتصبة سنة ١٨٣٠. وحسب تلك التقارير، فإن المناطق الأكثر خطورة هي: الجزائر العاصمة، الشمال القسنطيني، القبائل الكبرى والقبائل الصغرى، وهران، تلمسان والأوراس. ب - تدريب قوات الجيش الفرنسي المرابطة بالمناطق المذكورة على التصدي لحرب العصابات. ويذكر بايا (٨٤) (Paillat) إن تلك القوات كان تعدادها يزيد عن ستين ألف جندي وضابط، وأن أول تدريب

стр. 71

ميداني شارك فيه القادة العسكريون والمدنيون إنما وقع في شهر يناير (كانون الثاني) سنة ١٩٤٥. ج - إقدام عامل عمالة قسنطينة السيد لاستراد كربونال (Carbonnel Lestrade) على تكوين فصائل الميليشيا بنواحي برج بوعريريج، وذلك ابتداء من شهر ديسمبر (تشرين ثاني) سنة ١٩٤٤. وعلى إثر فترة التدريب تم تعين القادة ووزعت الأسلحة وأعطيت التعليمات التي كانت تتلخص في العمل من أجل هدف واحد هو إبادة إطارات ومناضلي حزب الشعب الجزائري (٨٥). إن بعض المحللين السياسيين، اليوم، يلقون باللائمة على قيادة حزب الشعب الجزائري متهمين إياها بالتهور وعدم الوعي بالأخطار التي عرضت لها عشرات آلاف الجزائريات والجزائريين. إن هذا الموقف، مهما كانت دوافعه، غير سليم خاصة عندما نعرف أن القيادة المذكورة كانت، فعلاً، مصممة على إشعال فتيل الثورة كإجراء أخير من أجل إرغام فرنسا على التسليم بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه؛ لكن الثامن من مايو لم يكن هو اندلاع الثورة بل إنه، على غرار الفاتح من نفس الشهر، كان، فقط استظهاراً لما تتوفر عليه الحركة الوطنية الجزائرية من قدرة على تعبئة الجماهير الشعبية وتجنيدها، ومنبهة للحكومة الفرنسية وللحلفاء على درجة النضج التي بلغها الجزائريون الذين أصبحوا تواقين للحرية والانعتاق. ومما لاشك فيه أن الإدارة الاستعمارية كانت تدرك كل ذلك، كما أنها كانت تعلم أن قيادة حزب الشعب الجزائري التي أمرت بتنظيم المسيرات الشعبية تخليداً لانتصار الديمقراطية في العالم، قد أصدرت في ذات الوقت تعليماتها الصارمة لجميع المناضلين كي لايحملوا معهم أي نوع من أنواع السلاح حتى يظل التظاهر سلمياً وللغرض المشار إليه أعلاه فقط لكن الأهداف الاستعمارية كانت مسطورة من قبل وكانت المسيرة هي المصيدة على حد تعبير السيد فرحات عباس (٨٦). لقد كان الثامن من مايو سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف يوم ثلاثاء، وبحكم تواجد معظم الميليشيات في المحور الرابط بين برج بوعريريج ومدينة سطيف، فإن هذه الأخيرة قد اختيرت من طرف الإدارة الاستعمارية لتكون منطلق المجزرة الرهيبة التي لاشك في أنها كانت من تخطيط وتنفيذ السلطتين المدنية والعسكرية في الجزائر، وبمباركة حكومة باريس التي كانت برئاسة

стр. 72

الجنرال ديغول في ذلك الوقت (٨٧). إن كل المصادر التاريخية بما في ذلك تقرير الجنرال تيبار (Tubert)(٨٨)، يثبت أن نائب عامل الولاية في سطيف قد أبدى موافقته الشفاهية للوفد الذي ذهب إليه يلتمس الإذن لتنظيم مسيرة شعبية تتوج بوضع أكليل من الزهور على قبر الجندي المجهول. وفي مدينة قالمة، أيضاً، حصل فرع حركة أحباب البيان والحرية على ترخيص من نائب عامل العمالة. وللتذكير، نشير إلى أن عامل الولاية هو لاستراد كريونال، المشرف العام على فرق الميليشيا. وبالموازاة مع الترخيص فإن نائبي عامل الولاية قد أمرا محافظي الشرطة وضباطها بخلق الفرص لإطلاق النار قصد تفجير الأوضاع وتمكين الكولون والأجناد من ارتكاب الجريمة. ولم يكن عامل ولاية قسنطينة هو المهندس الوحيد لعمليات القمع الإجرامية رغم أنه كان، بواسطة نائبيه في سطيف وقالمة، معلناً على بداياتها ومسؤولاً على تأجج نيرانها، ولكن مصادر التاريخ فيما بعد، قد أثبتت أن كربونال كان ينشط تحت الإشراف المباشر لسكرتير عام الولاية العامة السيد روني قازان (Rene Gazagne) الذي كان واحداً من دعاة اللجوء إلى العنف لاستئصال الحركة الوطنية في الجزائر (٨٩) والذي كان، إلى جانب غلاة الكولون، قد قام باتصالات واسعة النطاق في فرنسا من أجل ضمان مساندة مجموعة من أصحاب الحل والربط في حكومة باريس. ولقد كان الكولون وأعوانهم يعتقدون أن التقتيل الأعمى سيمكنهم من القضاء نهائياً على قواعد حزب الشعب الجزائري، ومن زرع الرعب في نفوس كل الجزائريين، قصد صدهم عن مجرد التفكير في محاولة العمل على ضرب المصالح الاستعمارية في الجزائر. ومن الغريب أنهم استطاعوا، بكل سهولة، أن يرسخوا ذلك الاعتقاد في أذهان عدد كبير من أصحاب القرارومن القريبين منهم في أوساط الحكم الفرنسي على اختلاف أنواعه. فن هذا الباب كان التخطيط للجريمة محكماً، تبناه الجنرال ديغول في أعلى قمة الهرم، وأشرف على تنفيذه من بعيد وزير الحرب الفرنسي آنذاك، السيد تييون (Tillon) الذي كان من الأعضاء البارزين في قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي (٩٠). ومما يدل دلالة قاطعة على أن القمع كان مبيتاً وأن الإدارة الاستعمارية

стр. 73

كانت في أتم الاستعداد له وأن التدخل العسكري جاء سريعاً للغاية حتى في القرى والمداشر النائية. وعلى سبيل المثال، فإن المسيرة التي انطلقت في الأوريسية بالقرب من مدينة سطيف على الساعة الثانية والنصف من زوال اليوم الثامن من شهر مايو قد اصطدمت بفرق من الجيش الفرنسي على الساعة الرابعة أي فقط بعد ساعة ونصف من انطلاقها وهو أمر مستحيل في الظروف العادية. وفي اليوم التاسع من شهر مايو وفي مدينة لافاييت (بوقاعة حالياً) وصل الأجناد إلى مكان المسيرة في ظرف ساعة فقط (٩١). على هذا الأساس، وتنفيذاً للتعليمات الصادرة عن عامل ولاية قسنطينة ومساعديه في كل من سطيف وقالمة، أقدم ضباط الشرطة في هاتين المدينتين الأخيرتين على استفزاز المتظاهرين من أجل إيجاد الظروف التي تسمح بإطلاق النار؛ وفي المدينتين كانت تلك الظروف هي محاولة انتزاع العلم الجزائري من أيدي المناضلين الذين رفضوا الامتثال لأوامر ممثلي السلطة الاستعمارية الذين لم يترددوا في اللجوء إلى أسلحتهم (٩٢). وبسقوط الضحايا الأوائل أخذت المسيرات الشعبية السلمية طابعاً آخر جعلها تتحول بالتدريج إلى حركة ثورية ظلت متواصلة طيلة ماتبقى من شهر مايو سنة ١٩٤٥. وفيما يخص الاستفزازات البوليسية هناك شهود عيان (٩٣) يذكرون أن المسيرة في مدينة سطيف انطلقت هادئة من ناحية المسجد الجديد، وظلت كذلك حتى قطعت حوالي ألف متر ووصلت إلى مقهى فرنسا على الشارع الرئيسي حيث كان يجلس المفتش لافون Laffont مرتدياً الزي المدني. إن هذا الأخير غادر مكانه بسرعة وراح يخرق صفوف المتظاهرين محاولاً افتكاك اللافتات المنادية بحياة الحلفاء وسقوط الامبريالية من حامليها. وأمام رفض المناضلين ومقاومتهم الشديدة أطلق الرصاص عليهم فكان ذلك إيذاناً ببدء المجزرة على أيدي أفراد الشرطة الذين كانوا يؤطرون المسيرة. وإن وزير الداخلية الفرنسي نفسه قد أكد أن جميع التقارير التي وصلته لم تتضمن "أي دليل على أن القادة الوطنيين كانوا يريدون إشعال فتيل الثورة الشاملة يوم ٨/ ٥/١٩٤٥. بل إنها (أي التقارير) شكلت لديه قناعة مطلقة بأنهم فقط كانوا يهدفون إلى استظهار قوتهم وإخراج مناضليهم قصد عدهم ودعم انضباطهم ونشر قوتهم أمام السلطات الفرنسية وحكومات الحلفاء" (٩٤).

стр. 74

رد الفعل الوطني والثورة الشاملة: إن ماأورده السيد أدريان تيكسي هو الحقيقة، وهو الدليل على أن التقارير الواردة إليه كانت صحيحة: لكن الذي ينعدم في شهادة السيد وزير الداخلية هو أن استفزازات الشرطة التي كانت بأمر من مسؤولي الإدارة الاستعمارية هي التي كانت السبب المباشر في إشعال فتيل الثورة الشاملة. وبالفعل، فإن سقوط الضحايا الأوائل قد أحدث في أوساط المتظاهرين ضجة وارتباكاً كبيرين قادا، في غمرة المفاجأة، إلى مجموعة من ردود الفعل منها على سبيل المثال: ١ - ارتفاع الأصوات المنادية ببدء الجهاد في سبيل الله، والداعية إلى العودة إلى المنازل وإخراج مافيها من أسلحة ثم الرجوع إلى الشارع للاقتصاص من الأوروبيين بصفة عامة. ٢ - مغادرة المتظاهرين المدن وأطرافها واللجوء إلى القرى والمداشر، وفي الطريق كانوا يخبرون الناس بأن الجهاد قد أعلن وأن المعارك الطاعنة تدور رحاها في شوارع المدن التي هم منها قادمون. ٣ - اجتماع القيادات المحلية لحزب الشعب الجزائري. وبعد دراسة الأوضاع رفعت التقارير في حينها إلى اللجنة المديرة المؤقتة في العاصمة التي عقدت جلسة عاجلة في تلك الليلة لم ترفعها إلا بعد أن حصل الإجماع على الإجراءات اللازم اتخاذها لحماية الجماهير الشعبية في الشرق الجزائري خاصة من عمليات التقتيل الجماعي التي انتشرت بسرعة فائقة تحت إشراف قائد القوات المسلحة الجنرال ديفال (Le General Duval) وبمشاركة الكولون المسلحين والشرطة ورجال الدرك والأجناد من مختلف الأسلحة. ٤ - سجلت اللجنة المديرة المؤقتة لحزب الشعب الجزائري نبأ اعتقال السيدين عباس وسعدان ثم ناقشت جميع المعطيات المتوفرة لديها وقررت أن تكون بداية الثورة الشاملة عند منتصف الليل بين يومي ٢٣و٢٤ مايو ١٩٤٥، ووزعت المهام على الطريقة التالية: - يتولى الإشراف على العاصمة وضواحيها السيد محمد بلوزداد. - توكل مسؤولية الغرب الجزائري للسيدين محمد محفوظي وعبد الله فيلالي.

стр. 75

- تسند مسؤولية الشرق الجزائري للسيدين مسعود بوقادوم والشاذلي مكي. - يتولى مسؤولية الجنوب الجزائري السيد أمحمد بن مهل. - تسند مسؤولية منطقة القبائل للسيد علي حاليت، ومنطقة شرشال للسيد جيلالي رقيمي بينما يتولى السيد أحمد بوده مسؤولية منطقة الأربعاء وتابلاط. وبدون أدنى تردد أو انتظار شرع في تطبيق القرار الذي وجد كل الترحاب في أوساط القواعد المناضلة، لكن السلطات الاستعمارية لم تتوقف عند الجرائم المرتكبة في ذلك اليوم الرهيب، بل إن القوات الفرنسية المسلحة قد استمرت، خلال الأيام الموالية وبكيفية تصاعدية في ممارسة القمع الأعمى تجاه المداشر والقرى وفي سائر الشرق الجزائري، ولم تترك سلاحاً واحداً بعيداً عن العملية ونظيفاً من دماء الجزائريات والجزائريين الأبرياء. إن المؤرخين الفرنسيين، وتباعاً الغربيين بصفة عامة يتجاهلون الحقيقة عندما يتحدثون عن رد فعل السلطات الاستعمارية، ولو كانوا موضوعيين لكتبوا عن أفعالها الوحشية واللاإنسانية التي أدت إلى رد فعل جماهير الشعب الجزائري بقيادة طلائعه الوطنية. فالجزائريون لم يلجأوا إلى العنف إلا بعد أن بدأت الشرطة الفرنسية تطلق الرصاص على المتظاهرين بدون تمييز. عندها فقط ارتفعت أصواتهم مدوية تدعو إلى الاقتصاص وإلى الانضواء تحت لواء الجهاد في سبيل الله ومن أجل تحرير البلاد والعباد. وأمام عمليات التقتيل المنظمة والمستهدفة إبادة أكبر عدد ممكن من الجزائريين، وتصدياً لتحركات فيالق الجيش الفرنسي المدعمة بوحدات إفريقية (٩٥)، وللقصف المكثف الذي كانت تقوم به أسراب الطائرات وقطع البحرية العسكرية، اضطر الجزائريون إلى الهجوم على المراكز الإدارية الرسمية وعلى ثكنات العدو وحصونه حيثما وجدت مستعملين في ذلك كل ماتوفر لديهم من أسلحة بدءاً من السلاح الأبيض وانتهاءاً بالأسلحة الأوتوماتيكية مروراً ببنادق الصيد والمتفجرات التقليدية. في هذا الإطار، وعلى سبيل المثال فقط، تجدر الإشارة إلى تقرير قائد الدرك الوطني في قرية بني عزيز (شوفراي سابقاً) الذي جاء فيه: "يوم ٩/ ٥/٤٥ في الساعة الثانية صباحاً أطلق الرصاص في القرية وتعرضت المنازل
следующие страницы →