بالإضافة إلى هذا الرسم، تجدر الإشارة إلى أن كل منطقة تشتمل على عدد من النواحي والناحية مقسمة إلى مجموعة من الفرق، والفرقة إلى عدد من الفروع والفرع إلى عدد من الأفواج وكل فوج مقسم إلى ثلاث مجموعات وتتكون المجموعة من ثلاثة مناضلين وقائدهم والفوج من ثلاث مجموعات وقائدهم.
ويتكون الفرع من ثلاثة أفواج وقائدهم والفرقة من ثلاثة فروع وقائدهم أي من واحد وعشرين ومائة مناضل (٩٨). هذا، وقد عرفت قيادة الأركان ثلاثة تعديلات أساسية بفعل تغيير القائد حيث استمر محمد بن الوزداد إلى غاية مايو سنة ١٩٤٨ عندما اشتد به المرض ووجه إلى فرنسا للتشافي بمصحة هناك. وبقي خليفته، السيد حسين آيت أحمد، على رأس المنظمة إلى غاية سبتمبر سنة ١٩٤٩ أما السيد بن بلة، فإنه ظل قائداً للأركان إلى أن ألقي عليه القبض في شهر مارس سنة ١٩٥٠ (٩٩).
ولكي يصبح المناضل عضواً بالمنظمة الخاصة يجب أن ينجح في اجتياز مجموعة من الامتحانات تتعلق بخبرة تكوينه السياسي وشجاعته ومدى استعداده للتضحية في سبيل الله وبسلوكه اليومي وعلاقاته الاجتماعية، وبعد أن يظهر تفوقاً في تلك الامتحانات، يستدعي لتأدية اليمين وتبدأ معه عملية التكوين الميداني مع التركيز على الجانب العسكري.
إن السيد محمد حربي يركز على كون قيادة حزب الشعب الجزائري لم تزود المنظمة الخاصة بالإمكانيات المالية الكافية، ويذكر بهذا الصدد أن ميزانية التسيير حددت في ذلك الوقت المالية بمئة ألف فرنك شهرياً وظلت كذلك إلى غاية شهر ديسمبر سنة ١٩٤٨". (١٠٠) وسار في هذا الاتجاه كل من كتب في الموضوع للتدليل على أن وجود المنظمة الخاصة، سنة ١٩٤٧، لم يكن سوى صوري. لكن النتائج الملموسة التي تميزت بها تلك السنة تفند كل هذه المزاعم، وتدل، بالعكس، على أن السيد محمد بن الوزداد، زيادة على هيكلة التنظيم وتزويده بالنصوص الأساسية، قد جلب للمنظمة كميات كبيرة، نسبياً، من الأسلحة والذخيرة بجميع أنواعها. وكانت الدفعة الأولى المكونة من ثلاثمائة قطعة سلاح اشتريت من ليبيا قد وصلت إلى وادي سوف بمبلغ إجمالي قيمته مليونا فرنك أي ما يعادل عشرين مرة الميزانية الشهرية التي ذكرها السيد محمد حربي. فميزانية التسيير، إذن، لا علاقة لها بميزانية التجهيز التي يمكن اتخاذها
стр. 177
معياراً للتدليل على إمكانيات المنظمة الخاصة المالية. وبديهي أن طابع السرية يحول دون الاطلاع على حقيقة تلك الميزانية.
ومهما يكن من أمر، بالرجوع إلى ما كتبه المعاصرون والمسؤولون في أعلى هرم المنظمة الخاصة، فإن جل الأسلحة التي استعملت ليلة أول نوفمبر ١٩٥٤ قد اشتريت سواء من ليبيا أو من الجزائر سنة ١٩٤٧ وكذلك الشأن بالنسبة للتجهيزات الأولية التي كانت منطلقاً لصناعة المتفجرات.
وعندما تولى السيد حسين آيت أحمد قيادة المنظمة لم يغير شيئاً مما وقع الاتفاق عليه، بل اكتفى بتطويره وإثرائه دون أن يحدث أي انقلاب في مجال التركيبة البشرية. وانطلاقاً مما هو موجود أعد تقريره المطول الذي قدمه في زدين والذي سبقت الإشارة إليه. وبالموازاة مع تحضير التقرير الذي كان موجهاً فقط لأعضاء القيادة السياسية، ودائماً بالتعاون مع مساعديه في قيادة الأركان، وتتمة للتربص الذي أشرف عليه محمد بن الوزداد نفسه، فإن آيت أحمد قد أنجز نشرة خاصة بالتدريب العسكري تشتمل على اثني عشر درساً في كيفية استعمال الأسلحة وخوض حرب العصابات وإعداد الكمائن إلى غير ذلك من فنون الحرب التي يحتاج إليها المناضل في مرحلة الكفاح المسلح. وأعدت قيادة الأركان، كذلك نشرة محدودة التوزيع للتكوين السياسي والإيديولوجي.
وفي عهد السيد آيت أحمد، حرصت قيادة الأركان على ألا يكون التدريب نظرياً فحسب، بل ضبطت مجموعة من العمليات التي تكلف بإنجازها عدد من عناصر المنظمة الخاصة. ومما لا شك فيه أن أهم تلك العمليات هي: الهجوم على بريد وهران (١٠١) والقضاء على أفراد من ميليشيا الباشاغا آيت علي (١٠٢)، وإسناد الثائرين في جبال جرجرة وايدوغ والأوراس (١٠٣)، ونسف تمثال الأمير عبد القادر في كاشرو (١٠٤).
كل هذه العمليات نجحت بدرجات متفاوتة، واتخذت منها قيادة الأركان تجارب يمكن توظيف نتائجها في التخطيط لعمليات المستقبل، لكن ما يسمى بالأزمة البربرية أثرت، سلبياً، على مسار المنظمة الخاصة إذ حرمتها من خدمة عدد من إطاراتها القيادية الذين يأتي السيد حسين آيت أحمد في مقدمتهم.
وإذا كانت تحركات المنظمة الخاصة إلى غاية انتهاء سنة ١٩٤٩ تنم، في معظمها، على أن الاستعداد للثورة التحريرية تجري على أحسن ما يرام، ولم تتسبب للحزب في مشاكل تذكر، فإن عملية تبسة التي أمرت بها قيادة الأركان ليلة التاسع عشر مارس سنة ١٩٥٠ قصد إلقاء القبض على المناضل عبد القادر
стр. 178
خياري المدعو "رحيم" (١٠٥) للتحقيق معه في التهمة الموجهة إليه والقائلة إنه عميل لمصالح الأمن الاستعمارية قد أدت إلى اكتشاف التنظيم السري ومكنت الشرطة الفرنسية من القبض على حوالي خمسمائة من أعضاء المنظمة الخاصة (١٠٦) بما في ذلك قائد الأركان السيد أحمد بن بلة وبعض مساعديه أمثال جيلالي بلحاج وجيلالي رقيمي وحموبوتليليس وأحمد محساس وأمحمد يوسفي.
إن ما يسمى بالأزمة البربرية هي التي، بطريقة أو بأخرى، أضعفت المنظمة الخاصة وحولتها، بالتدريج، من تنظيم صلب اقترب جداً من الكمال الذي يمكنه من إشعال فتيل الثورة إلى كيان هش ينخر السوس أصوله؛ وعلى هذا الأساس نستطيع القول إن الإدارة الاستعمارية التي خططت لتشتيت وحدة الشعب الجزائري قد نجحت إلى أبعد الحدود، إذ لم تكتفِ بتوجيه ضربات قاضية لصفوف حزب الشعب الجزائري ولكنها تمكنت من تحقيق ما هو أخطر، أي زرع بذور الكراهية والحقد بين أبناء شعب واحد ليس له سوى وحدته للخروج من دائرة التخلف وليحتل المكانة اللائقة به في مصاف الشعوب الحرة والمتقدمة.
هكذا، إذن، عاشت المنظمة الخاصة ثلاث سنوات كاملة استطاعت قيادة الأركان في العامين الأول والثاني أن ترسي قواعد آلة حربية قوية قادرة على نقل النضال الوطني إلى مرحلة العنف الثوري، لكن ذلك لم يحدث ليس لأن الظروف الخارجية لم تكن مواتية كما جاء في كتاب السيد ابن يوسف بن خدة (١٠٧) الذي لم يأخذ في الاعتبار أوضاع فرنسا التي لم تكن، هي أيضاً، في نفس القوة التي أصبحت عليها سنة ١٩٥٤، وإنما لأن الإدارة الاستعمارية تمكنت، بشتى الوسائل، من خرق القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري ودس بعض العناصر المترددة فيها، ولأنها، من جهة أخرى، أحكمت التخطيط لما يسمى بالأزمة البربرية التي كان تفجيرها إيذاناً بالشروع في تفجير الحزب.
التصدي لمحاولات التفجير:
بعد فشل عملية تبسة، تمكنت الإدارة الاستعمارية من العثور على الأدلة والبراهين المادية التي تثبت وجود تنظيم عسكري تابع لحزب الشعب الجزائري، وبواسطة شتى أنواع التعذيب التي تعرض لها المعتقلون الأوائل توصلت مصالح البوليس، بالتدريج وفي ظرف شهرين فقط، إلى نتائج فاقت كل
стр. 179
التوقعات وقادت، بالفعل، إلى شل المنظمة الخاصة واعتقال المئات من إطارتها ومن مناضليها كما أشرنا إلى ذلك.
ولمواجهة كل تلك المستجدات وحماية صفوف الحزب من أن تنتقل إليها
حملة الاعتقالات قرر المكتب السياسي التحرك على جبهتين. فمن جهة نظم حملة إعلامية لاتهام السلطات الاستعمارية بأنها تحيك خيوط مؤامرة دنيئة من أجل التنكيل بمناضلي الحركة الوطنية، وتدعيماً لصحافة الحزب، وقع تجنيد سائر منتخبي الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية الذين وظفوا كل المنابر الرسمية للتنديد بالاعتقالات وبعمليات التعذيب. إن هذه الجبهة قد حققت انتصاراً ملموساً إذ تمكنت من أن تعبئ عدداً من الصحف والشخصيات الأوربية التقدمية بالإضافة إلى التشكيلات السياسية الجزائرية التي شاركت بفعالية في التصدي للإجراءات البوليسية التي اتخذتها الإدارةالاستعمارية (١٠٨).
أما الجبهة الثانية التي تحرك عليها المكتب السياسي فتتعلق بالعمل في اتجاه المعتقلين قصد إقناعهم بالتراجع عن تصريحاتهم الأولى وعدم الاعتراف بوجود المنظمة الخاصة. ولقد وجد الحزب صعوبة كبيرة في تمرير هذه الأوامر، لأن عدداً من إطارات المنظمة الخاصة كانوا يرون فيها محاولة من القيادة السياسية للتخلص منهم حتى يخلو لها الجو فتركن إلى الراحة في إطار لعبة المشاركة في الانتخابات. وفي شهر مايو قرر المكتب السياسي حل المنظمة الخاصة على أن يعاد تشكيلها بعد أن تهدأ الأوضاع.
وفي خضم تلك النشاطات السياسية المكثفة تبلور تفسير جديد للأسباب التي قادت إلى تفكيك المنظمة الخاصة بتلك السرعة وتلك السهولة. صاحب هذا التفسير هو السيد حسين لحول الذي نبه قيادة الأركان موجهاً أصابع الاتهام إلى جيلالي بالحاج عبد القادر الذي ألقي عليه القبض في مستهل شهر مارس ثم أطلق سراحه، وأكد لها ضرورة الاحتياط مما يكون قد أدلى به لصالح البوليس الفرنسي. إن مثل هذه المعلومة تخفف من مسؤولية المجموعة التي أنجزت عملية تبسة، لأن جيلالي بالحاج كان مسؤولاً وطنياً والمعلومات التي بحوزته تشمل كافة أنحاء الوطن، ونحن نعرف أن الاعتقالات مست سائر أنحاء البلاد، وأن السيد جيلالي، بعد خروجه من السجن، اعتزل النشاط السياسي، وفي أثناء الثورة تحول إلى عميل للاستعمار وأسس جيشاً لمحاربة جبهة التحرير الوطني لكن الولاية الرابعة استطاعت أن تخرق صفوفه وأن تؤلب عليه أنصاره الذين تمكنوا منه وقتلوه في نواحي الشلف سنة ١٩٥٨.
стр. 180
على الرغم من الانتصارات التي حققها المكتب السياسي على الجبهتين المشار إليهما أعلاه، فإن حزب الشعب الجزائري قد تعرض لكثير من الهزات التي أربكت صفوفه وأضعفت مكانته بسبب اكتشاف المنظمة الخاصة، وكانت أكثر الهزات تأثيراً على مسار الحزب ومستقبله ما يلي:
أ - الامتثال للقضاء الاستعماري: فاكتشاف المنظمة الخاصة وما تبع ذلك من اعتقالات وتعذيب قاد بالضرورة إلى حصول قوات البوليس الفرنسي على معلومات ضافية بشأن العمليات التي أنجزت خلال الأشهر السابقة، ومن جملة ما أكدته تلك المعلومات مشاركة النائب البرلماني السيد محمد خيضر في عملية بريد وهران وهو ما جعل الإدارة الاستعمارية تطالب بتجريده من الحصانة البرلمانية. وبينما كانت الإجراءات في حيز التنفيذ وقع خلاف داخل القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري حول معقولية أو لا معقولية الاستجابة للاستدعاء الذي يوجهه القضاء الاستعماري لكادر قيادي. أما المكتب السياسي فلم يكن يرى مانعاً من أن يمثل السيد محمد خيضر أمام القضاء إذا رفعت عنه الحصانة البرلمانية. لكن السيد الحاج مصالي عارض الرأي لما فيه من اعتراف بالسيادة الفرنسية ودعا إلى دورة طارئة للجنة المركزية في سبتمبر ١٩٥٠ فوافقته بالأغلبية الساحقة. غير أن المكتب السياسي ومباشرة بعد اجتماع اللجنة المركزية، تجاوز قرار القيادة العليا وطلب من السيد محمد خيضر البحث عن الأعذار والحجج، الأمر الذي أثار غضب بعض أعضاء اللجنة المركزية الذين أستأذنوا رئيس الحزب وتولوا تسفير المعني إلى القاهرة حيث سيتولى تمثيل حزب الشعب الجزائري في المشرق العربي.
ب - سراب التحالف الانتخابي:
لقد كان اكتشاف المنظمة الخاصة وما تبع ذلك من اعتقالات سبباً كافياً ليعود دعاة الشرعية في قيادة حزب الشعب الجزائري إلى المطالبة بضرورة التخلي عن كل أنواع العنف. ويعتبر مثل هذه الموقف تنكرا صارخاً لبرنامج الحزب ودعوة صريحة لممارسة سياسة الإصلاح على حساب التوجه الثوري الذي بدأ مع تأسيس نجم شمال إفريقيا، وكان الحاج مصالي بالمرصاد لأصحاب تلك الفكرة واستطاع أن يجر معه أغلبية أعضاء اللجنة المركزية، لكن الصراع ظل قائماً واتخذ منعرجاً خطيراً مع بداية سنة ١٩٥١، خاصة عندما تحركت في هذا الاتجاه بالذات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري. فهاتان التشكيلتان الوطنيتان قد تدخلتا
стр. 181
بقوة لإقناع الثوريين من قيادة حزب الشعب الجزائري على مراجعة سياستهم قصد المشاركة في تكوين تحالف انتخابي (١٠٩).
ولتحقيق التحالف المذكور اشترط ممثلو التشكيلتين المذكورتين على الحاج مصالي "أن يضع حداً لثوريته كي يتحول إلى رجل سياسي" (١١٠). وأن تلتزم الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية بإدانة كل عمل ثوري وإرهابي وقع أو قد يقع والتخلي عن أي مسعى في اتجاه الأمم المتحدة والجامعة العربية وبقطع جميع العلاقات مع حزبي الدستور الجديد والاستقلال بالإضافة إلى الإعلان عن حل حزب الشعب الجزائري.
إن هذه الشروط التي رفضها الحاج مصالي بلا تردد وبدون أدنى مناقشة، قد وجدت قبولاً وتأييداً لدى مجموعة من أعضاء اللجنة المركزية (١١١).يقودها عضو المكتب السياسي السيد: شوقي مصطفاي الذي يذكر السيد أحمد بودة أن رئيس الحزب استدعاه وذكره بمقررات المؤتمر ثم قال له: "إن رفاقنا يحاكمون لقيامهم بأعمال ثورية، ألاتدرك أننا ندينهم ونتخلى عنهم بالاستجابة لشروط جماعتك." (١١٢). وأمام هذا الموقف الصارم قرر مصطفاي ومن معه الخروج من الحزب، وكان ذلك إيذاناً ببدء الصراع في داخل اللجنة المركزية على أساس إيديولوجي وبمرور الوقت وبالتدريج سيصبح واحداً من الأسباب التي تقود الحزب إلى الانفجار. أما النتيجة المباشرة فكانت حل اللجنة المركزية وتعيين مجموعة من الإطارات القيادية ترعى نشاط الحزب وتعد تشكيلة اللجنة المركزية الجديدة (١١٣) التي نصبت في شهر أغسطس آب سنة ١٩٥١.
وبعد التجديد، ظن الحاج مصالي أنه حيد خصوم التوجه الثوري واطمأن على مصير الحزب فتوجه إلى فرنسا يتفقد القواعد النضالية ويجدد الاتصال بالمهاجرين الجزائريين، ومن هناك أخذ طريق المشرق العربي بحثاً عن المساعدات المالية التي تمكن من التعجيل بإشعال فتيل الثورة. وعكس ما يدعيه السيد محمد حربي (١١٤)، فإن زيارة البلدان العربية قد حققت عدداً من النتائج الإيجابية جعلت رئيس الحزب يستدعي السيد حسين آيت أحمد بمجرد عودته إلى باريس ويطلب منه إعداد مخطط لإعادة تنظيم المنظمة الخاصة، وفي نفس الوقت، ودائماً من باريس، اتصل بالسيد ابن يوسف بن خدة وأمره بانتقاء مجموعة من المناضلين قصد إرسالهم إلى القاهرة يتكونون عسكرياً (١١٥)، لقد كان من المفروض أن يزور الحاج مصالي كل الأقطار المستقلة في الوطن العربي لكن الدورة السادسة للأمم المتحدة التي انعقدت في Chantilly من يوم
стр. 182
٠٦ نوفمبر ١٩٥١ إلى يوم ١٠ فبراير/ شباط فرضت عليه العودة إلى فرنسا ليتمكن من التعريف بالقضية الجزائرية في أوساط الوفود المشاركة في تلك الدورة. لم يكن زعيم حزب الشعب الجزائري يدرك أن غيابه كل تلك المدة قد ترك الفراغ لمناهضي العنف الثوري، يجذرون أفكارهم لدى قسم واسع من أعضاء اللجنة
المركزية الذين أصبحوا، بالفعل، يميلون إلى تحقيق التحالف مع التشكيلات الوطنية الأخرى في إطار النشاط السياسي كما تريده قوانين الجمهورية الفرنسية.
هكذا، وفي غياب الحاج مصالي، تأسست الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها (١١٦) بهدف النضال في سبيل حماية الحريات الديموقراطية وإطلاق سراح المعتقلين السياسيين وإلغاء الإجراءات الاستبدادية بجميع أنواعها. تكونت هذه الجبهة من الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين والحزب الشيوعي الجزائري والحركة من أجل انتصارالحريات الديموقراطية. وكان من الممكن أن تقوم هذه الهيأة بدور أساسي في تحقيق تحالف فعلي بين كل أطراف الحركة الوطنية، لكن الأهداف التي ضبطتها لنفسها كانت كلها نظرية مشوبة بكثير من الغموض، كان ذلك، في نظرنا، طبيعياً لأن المنطلقات الإيديولوجية كانت متباعدة وأحياناً متناقضة خاصة بالنسبة لطرفي النقيض: الحزب الشيوعي وحزب الشعب الجزائري ممثلاً في الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية.
وعندما عاد الحاج مصالي إلى أرض الوطن، اجتمعت اللجنة المركزية للحزب في منتصف شهر مارس سنة ١٩٥٢ ولدى تقييمها للنتائج التي حققتها الجبهة الجزائرية وافقت، بأغلبية ساحقة، على أن التحالف الذي لا يهدف إلى استرجاع السيادة الوطنية لا مآل له سوى الفشل وحددت أيام (١٢ - ١٣) ولا (١٤ يوليو/تموز ١٩٥٢)، لانعقاد المؤتمر الرابع لحزب الشعب الجزائري من أجل تقييم المراحل المقطوعة وإثراء برنامج الحزب على ضوء المتغيرات الجديدة ووضع الاستراتيجية الضرورية والملائمة لإنجاز المرحلة الجديدة.
إن السيد ابن يوسف بن خدة الذي كان أميناً عاماً للحزب رأى أن الحاج مصالي، "بدلاً من مشاركة اللجان المختصة التي عينتها اللجنة المركزية لإعداد مشاريع النصوص التي تقدم للمؤتمر، وعوضاً عن الاهتمام بالمشاكل التي يعاني منها الحزب في المجالين المادي والبشري، فإنه قرر القيام بجولة عبر مختلف أنحاء البلاد رغم كل ماكان يمكنه أن ينجر عن ذلك من إجراءات
стр. 183
العسف الإدارية. لكن الحاج مصالي الذي كان يدرك ما للاتصال المباشر بالجماهير الشعبية من بالغ التأثير على التعبئة والتجنيد، فإنه تجاوز رغبة أعضاء المكتب السياسي وشرع منذ الخامس عشر /أفريل/ نيسان سنة ١٩٥٢ في زيارة الشرق الجزائري محدثاً بذلك وضعاً نضالياً جديداً جعل عامل عمالة قسنطينة يتخذ قراراً بطرده بعد أسبوع واحد فقط من بدء الجولة، ولم يبق في بوزريعة طويلاً حتى أخذ طريق الغرب الجزائري عبر الصومعة والبليدة وقصر الشلالة ومليانة والشلف التي وصلها يوم ١٤ مايو سنة ١٩٥٢ وعلى الرغم من أنه في كل محطة كان يحرض الجماهير على الاستعداد لخوض معركة التحرير، فإن الإدارة الاستعمارية قد اختارت المحطة الأخيرة لاختطافه ونفيه إلى فرنسا حيث وضع في الإقامة الجبرية بمدينة نيورت Niort وقد كانت مدينة الشلف هي آخر بقعة في الجزائر تدوسها أقدامه لأنه سيظل منفياً وممنوعاً من العودة إلى أهله وذويه إلى أن وافته المنية سنة ١٩٧٤.
المؤتمر الرابع وبوادر الانقسام:
لقد أدى نفي الحاج مصالي إلى تأجيل تاريخ انعقاد المؤتمر، وبعد كثير من الأخذ والرد ومشاورات بين أعضاء المكتب السياسي ورئيس الحزب وقع الاتفاق على أيام ٤ - ٥ و٦ أفريل سنة ١٩٥٣، وسبق ذلك مؤتمرات جهوية في كل من العاصمة وقسنطينة ووهران وتيزي وزوأشرف عليها السيدان حسين لحول وعبد الحميد سيدعلي. أما أشغال المؤتمر الرابع فقد جرت بمقر الحزب في رقم ٢ شارع عمار القامة (شارتر سابقاً) وشارك فيها حوالي مائة مندوب يمثلون القواعد الحزبية والمنتخبين وسائر المنظمات الجماهيرية.
يذكر السيد ابن يوسف بن خدة (١١٧)، أن المناقشات اتسمت بحرية مطلقة وكانت، في كثير من الأحيان، قاسية على المكتب السياسي الذي تعرض لهجومات متعددة من أجل أعضاء اللجنة المركزية ومن رئيس الحزب ذاته وفي الجلسة الاختتامية صادق المؤتمرون على لائحةعامة (١١٨) أكدت على أن الحزب تعرض، منذ سنة ١٩٤٧، لتأثير عوامل داخلية وخارجية تسببت في ظهور نواقص يتحتم التصدي لها خاصة في الميادين التالية:
١ - في المجال الإيديولوجي حيث لابدمن بلورة التوجهات السياسية والاقتصادية والاجتماعية انطلاقاً من المبادئ الآتية:
стр. 184
أ - الديموقراطية التي تجعل الشعب مصدراً للسيادة وشعارها بالشعب وللشعب.
ب - النظام الجمهوري.
ج - الازدهار الاقتصادي والعدالة الاجتماعية بواسطة إعادة تنظيم الفلاحة
والإصلاح الزراعي وإنشاء صناعة تأخذ في الاعتبار إمكانيات الجزائر الحقيقية وضرورة تأميم وسائل الإنتاج الكبرى والتنسيق والتكامل بين اقتصاديات بلدان المغرب العربي.
د - رفع مستوى المعيشة بواسطة الازدهار الاقتصادي والتوزيع العادل للدخل الوطني وحرية العمل النقابي.
هـ - إجبارية التعليم وترقيته مع محاربة الأمية وجعل الثقافة الوطنية ملتحمة بالثقافة العربية الإسلامية.
٢ - في المجال العقائدي حيث ينبغي تحديد الوطنية والثورية الجزائريتين وضبط وسائل الكفاح ومناهج العمل مع التركيز على بلورة الطابع الدفاعي والتحريري والديموقراطي للوطنية الجزائرية وعلى توضيح مبادئ العمل الثوري التي هي واقعية وليست يسارية.
٣ - في المجال الاستراتيجي والتكتيكي حيث يوجد تحديد الأولويات والتحالفات في التعامل مع جميع القضايا.
٤ - في المجال السياسي حيث لابد من تزويد الحزب بالوسائل المادية والبشرية التي تمكنه من تأدية دور فعال في الميدانين الداخلي والخارجي. أما خارجياً فيجب الالتزام بالحياد اليقظ وتمتين العلاقات الودية مع البلدان العربية والآسيوية وكذلك استئناف العمل في سبيل وحدة شمال إفريقيا. وأما داخلياً. فإن الحزب مطالب بالالتحام بالجماهير الشعبية قصد إشراكها في العمل النضالي وبالسهر أكثر على تربية المناضلين ورفع مستواهم الثقافي بالإضافة إلى انتهاج سياسة حكيمة للكادر. رفعت كل مقررات المؤتمر إلى رئيس الحزب من طرف أعضاء اللجنة (١١٩) التي انتخبها المؤتمر لتتولى تشكيل اللجنة المركزية كما هو المعتاد.
ويذكر السيد ابن يوسف بن خدة أن اللجنة المركزية تشكلت في مستهل شهر مايو ١٩٥٣، ثم ظلت تنتظر اقتراح الرئيس بترشيح الأمين العام الجديد إلى غاية يوم ٠٤/ ٠٧/١٩٥٣ (١٢٠) حيث كلف السيد مولاي مرباح بنقله
стр. 185
وتضمن إمكانية الاختيار بين كل من لحول وابن خدة ومزغنة. وبما أن السيد حسين لحول عبر عن تنازله حتى يبقى منسجماً مع قرار استقالته، فإن التنافس قد وقع بين السيدين مزغنة وابن خدة الذي لم ينتخب إلا في الدور الثاني.
ومباشرة بعد الانتخاب كون الأمين العام الجديد قيادة جماعية اعترف، بعد
أربعين سنة، أنه أخطأ خطأً فادحاً عندما لم يضمنها مولاي مرباح وأحمد مزغنة اللذين كانا يحظيان بثقة الرئيس المطلقة (١٢١)، هذا التصرف الذي لم يكن مقصوداً منه سوى ضمان الفعالية للحزب هو الذي كان السبب المباشر في تفجير الأزمة بين الحاج مصالي وقيادة اللجنة المركزية. فالسيد مصالي رأى في ذلك الإجراء محاولة لعزله خاصة وأن لجنة الترشيحات كانت قبل ذلك، قد استبعدت من عضوية اللجنة المركزية كلاً من السادة: فيلالي، محفوظي، وعبد اللي الذين تبنى هو شخصياً ترشيحهم؛ هذا بالإضافةإلىنه لاحظ في برنامج العمل المقدم إليه من طرف السيد ابن خدة مجموعة من المشاريع التي كانت اللجان المركزية المختلفة قد رفضتها بإيعاز منه مثل المؤتمر الوطني الجزائري وسياسة التعاون بين المجموعتين الأولى والثانية على المستوى البلدي (١٢٢) لأجل ذلك كله تجاوز الأمانة العامة والمكتب السياسي وطلب من اللجنة المركزية السلطة المطلقة قصد تقويم الحزب وإصلاح ماقد تسرب إليه من الفساد؛ لكن اللجنة المركزية رفضت الاستجابة لرغبة الزعيم وبذلك دفعته إلى إعلان الحرب عليها متهماً بعض أعضائها أمثال السيد عبد الرحمن كيوان بالعمالة لجاك شوفالي الذي كان يقود جوق الإدارة الاستعمارية.
لقد قررت اللجنة المركزية رفض السلطة المطلقة لرئيسها في شهر سبتمبر سنة ١٩٥٣، وبعد ذلك بشهرين فقط، كان الحاج مصالي قد جند لصالحه كافة قسمات فدرالية فرنسا ثم كلف رجاله المخلصين وفي مقدمتهم مبارك فيلالي لتعميم مواقفه على القواعد الحزبية في داخل الوطن. وبمناسبة الذكرى السابع عشرة لتأسيس حزب الشعب الجزائري وجه نداء مباشراً إلى المناضلين يدعوهم، من خلاله، إلى التمرد على "الباشاوات" وقد فعل ذلك بعد أن قام في شهر يناير/كانون الثاني سنة ١٩٥٤ بسحب ثقته من الأمين العام ومن المكتب السياسي بأكمله، وبعد أن أسس "لجنة الإنقاذ العمومية"، وأمر كل قسمات الحزب بأن تجمد الأموال وتقطع علاقاتها مع المكتب السياسي وبأن تتعامل فقط مع مولاي مرباح وأحمد مزغنة اللذين يمثلانه شخصياً.
من هذا المنطلق، وخوفاً من أن تؤدي الأزمة إلى القضاء النهائي على
стр. 186
حزب الشعب الجزائري وما يجسده من آمال وطموحات شرعية، قام عدد من الإطارات بتأسيس اللجنة الثورية للوحدة والعمل. وقع ذلك في مدرسة الرشاد في النصف الثاني من شهر مارس (١٢٤)، وتعهد المؤسسون على أن يبذلوا قصارى جهدهم في سبيل الحفاظ على القوى الحية في صفوف الحزب وتوفير الشروط الملائمة لعقد مؤتمر وطني يضع حداً للخلاف ويعيد القطار إلى السكة.
كانت اللجنة الثورية للوحدة والعمل مشكلة من أعضاء من اللجنة المركزية مثل حسين لحول وسيد علي عبد الحميد ومصطفى بن بولعيد وبشير دخلي ومن مسؤولين سابقين في المنظمة الخاصة مثل محمد بوضياف ومراد ديدوش ورابح بيطاط ومحمد العربي بن مهيدي. وبدأت نشاطها في اتجاه القواعد النضالية مستعملة جريدة " Le patriote" لشرح وجهة نظرها ولتعميم الفكرة التي تنوي تحقيقها؛ وعندما ارتفعت أصوات المصاليين متهمة المولود الجديد بالتحيز للجنة المركزية، انفصل أعضاء المنظمة الخاصة وراحوا يحضرون لإشعال فتيل ثورة أول نوفمبر، وكانت بداية التحضير بتأسيس ما قد اصطلح على تسميته بجماعة الاثنين والعشرين.
••
• الهوامش:
стр. 187
هوامش
стр. 188
هوامش
стр. 189
هوامش
стр. 190
هوامش
стр. 191
هوامش
стр. 192
هوامش
стр. 193
هوامش
стр. 194
هوامش
стр. 195
الفصل السادس:
جمعية العلماء المسلمين
стр. 196
على الرغم من أن إطارات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قداستفادوا جميعهم من قرار العفو الشامل الذي أصدرته الحكومة الفرنسية يوم ١٦ مارس سنة ١٩٤٦، فإن الإدارة الاستعمارية لم تطلق سراح البصائر إلى سنة ... ١٩٤٧ (١) ومع ظهور العدد الأول، بدأ الشيخ محمد البشير الإبراهيمي ينشر البرنامج الإجمالي للحركة وذلك بعد أن مهد له بتقييم إضافي للمراحل المقطوعة قبيل الحرب الامبريالية الثانية وبعيدها.
إن أول أهداف الجمعية بلا منازع إنما هو تعليم اللغة العربية "التي لها على الأمة حقان أكيدان كل منهما يقتضي وجوب تعلمها فكيف إذا اجتمعا، حتى من حيث أنها لغة دينها وحق من حيث أنها لغة جنسها" (٢). لأجل ذلك فإن جمعية العلماء تسعى، بشتى الوسائل، لحمل الإدارة الاستعمارية على إلغاء القرارات العسفية التي ظلت تعرقل التعليم العربي واستبدالها بقانون "يكون للأمة رأي فيه" (٣)، ويساعد على إيجاد الظروف الملائمة لنشر اللغة العربية بكل حرية قصد ترقية المجتمع الجزائري.
وبما أن الإعلام وسيلة أساسية لتثقيف المواطن وتكوين الرأي العام، فإن الجمعية قد جعلت من أهدافها، أيضاً الاستماتة في النضال من أجل إلغاء مرسوم شوطان (٣) الذي يجعل اللغة العربية أجنبية في الجزائر، وتباعاً، فإنه يعامل الصحافة الصادرة بها كصحافة غير وطنية تخضع للمضايقات وللرقابة المشددة.
وكتدعيم للمدرسة وترويج لما تنشره الجريدة، اختارت جمعية العلماء الجزائريين إقامة النوادي عبر مختلف أنحاء الوطن، ولتسيير تلك المؤسسات التربوية والترفيهية قررت إدارة الجمعية أن يتولى المشرفون على النادي بيع المشروبات الحلال بأسعار معقولة، لكن الإدارة الاستعمارية حاربت ذلك الإجراء وأصدرت من القرارات مايمنع بيع أي مشروب في النوادي، الأمر الذي جعل الجمعية تدرج ضمن مساعيها الأساسية المطالبة بإلغاء قرار المنع ويجعل تسيير النوادي والإشراف عليها من اختصاص لجانها فقط.
ونظراً لمكانة المساجد وأوقافها بالنسبة للدين الإسلامي، ولأن الاستعمار الفرنسي قام، منذ بداية الاحتلال، بالتركيز على اغتصابها والاستحواذ على معظمها، فإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين قد جعلت من أهدافها المطالبة
стр. 197
بإرجاع المساجد المحولة إلى كنائس أو متاحف وبتحرير الأوقاف من السيطرة الأجنبية وتمكينها من تأدية الدور الاجتماعي والثقافي الذي وجدت من أجله، ففي هذا الإطار ارتأت الجمعية التركيز على النضال في سبيل تطبيق ... القانون (٤) القاضي بفصل الدين عن الحكومة وبالموازاة مع إعادة تأهيل المسجد والأوقاف، يقوم رجالات الجمعية بتطهير الدين من كل ما علق به من شوائب وبمحاربة التشويه والبدع وسائر أنواع الانحراف التي تفننت الإدارة الاستعمارية في تجذيرها على أرض الواقع الجزائري، كما أنها تعمل على تحرير القضاء وإعادة ربطه بالشريعة الإسلامية.
وإذا كانت هذه الأهداف لاتخرج في مجموعها، عن إطار القانون الأساسي الذي تشكلت، بموجبه، جمعيةالعلماء المسلمين الجزائريين يوم ٠٥/ ٠٥/١٩٣١، فإن النشاط السياسي كمحور أساسي في برنامج عمل الجمعية يعتبر تجديداً يدعم الحركة الوطنية وتستنكره الإدارة الاستعمارية، ففي هذا السياق يقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي:"أن وراء السياسة شيئاً اسمه الكياسة، وهي خلق ضروري للسياسي، وأن السياسي الذي يحترم نفسه يحترم غيره مهما خالفه في الرأي، ومهما كان الخلاف جوهرياً، فإذا لزم النقد، فلا يكون الباعث عليه الحقد، وليكن موجهاً إلى الآراء بالتمحيص لا إلى الأشخاص بالتنقيص" (٥).
إن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ترى من واجبها السياسي أن تتصدى للإندماج في جميع مظاهره وتحارب العنصرية التي يغذيها الاستعمار ويستعملها سلاحاً حاداً لقطع أوصال الشعب الجزائري الواحد، وتقف ضد أمرية السابع مارس ١٩٤٤، لما تنطوي عليه من دسائس ولأنها وسيلة إلى الاندماج وبالإضافةإلىذلك، فإن الجمعية تعمل، ضمن برنامجها السياسي، على تحرير المساجد والأوقاف ورجال الدين والقضاء الإسلامي والحج والصيام، وهي، لذلك مستعدة للجهاد بكل مافي وسعها من إمكانيات.
وبمجرد أن تم انتخاب الجمعية الجزائرية واستقبلت في رحابها ستين نائباً جزائرياً مسلماً إلى جانب الستين من الفرنسيين المسيحيين واليهود، وجهت جمعيةالعلماء المسلمين الجزائريين نداء إلى المسلمين ليطلبوا من الحكومة الفرنسيةأحد أمرين: إما أن تدخل الدين المسيحي بكنائسه وأمواله ورجاله، والدين اليهودي ببيعه وأحباره وأوقافه تحت سلطتها بحيث لا يجري شيء إلا بأمرها وعلى ما يرضيها وإما أن تعامل الإسلام كما تعامل الدينين المذكورين خاصة وأن المسلمين ومعابدهم أكثر عدداً، ومن الواجب أن يكونوا هم القاعدة في
стр. 198
المعاملة والأصل في وضع الأحكام" (٦).
وللتصدي إلى هذا المسعى، وخوفاً من أن يجد السند اللازم لدى كل المنتخبين المسلمين، جندت الإدارة الاستعمارية عدداً ممن يسمون برجال الدين (٧) وفي مقدمتهم المفتي الحنفي (٨) فأعدوا تقريراً موجهاً إلى الجمعية الجزائرية يلتمسون فيه عدم الاهتمام بمطالب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ويزعمون أن تسعة ملايين من المسلمين لا يستطيعون المشاركة في انتخاب الجمعيات الدينية التي قد تتولى، بدورها، انتخاب المجلس الإسلامي الأعلى طبقاً للاقتراح الوارد في مذكرة الجمعية المؤرخة في الرابع من شهر أغسطس سنة ١٩٤٤ والتي عالجناها بإسهاب في حديثنا عن فترة الحرب.
ويقول الشيخ محمد البشير الإبراهيمي الذي نشر مقتطفات من التقرير المذكور إن هذا الأخير من وضع أساطين الإدارة الكولونيالية وهوعبارة عن قطعة فنية من التزوير لأنه يحمل تاريخ ٢١/ ٠٣/١٩٤٨ وهو موجه إلى أعضاء الجمعية الجزائرية المنتخبة يوم ٠٤/ ٠٤/١٩٤٨.
أما عن كون انتخاب الجمعيات الدينية والمجلس الإسلامي الأعلى عملية من شأنها أن تجر السياسة إلى المسجد، فإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ردت عليها قائلة: "أن تسلط الإدارة الفرنسية على مساجدنا وأوقافنا - وهي لائكية - هوعين السياسة، وإسناد الوظائف الدينية إلى من تختاره وترتضيه هو رأس السياسة ووضع هذا التقرير باسم العاصمي هو ذنب السياسة، ولولا السياسة ماكان للمفتي الحنفي وجود" (٩).
وفي سنة ١٩٤٩، وجهت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين كتاباً مفتوحاً (١٠) إلى رئيس الجمهورية الفرنسية (١١) جاء فيه على الخصوص:
١ - أن الجزائر وطن تسعةأعشار من فيه رقيق زراعي وخدم صناعي مفروض عليه الحرمان من كل حق، وعشره العاشر سادة مفروضة لهم التمتع بكل حق، وبين الفريقين فريق انفصل عن الأول ولم يصل إلى الثاني وهو الذي ترونه.
٢ - إن الدين الإسلامي مملوك للإدارة، تحتكر التصرف في مساجده ورجاله وأوقافه وقضائه.
٣ - التعليم في هذا الوطن المسلم معطل بتعطيل المساجد، ومئات الآلاف من شباب المسلمين تتشوق إليه، والتعليم العربي في هذا الوطن العربي جريمة يعاقب مرتكبها بما يعاقب به المجرم من تغريم وتغريب
стр. 199
وسجن، ومدارسه تعاني من التضييق والتعطيل ألواناً متجددة، ورجاله عرضة في كل حين للمحاكمات في المحاكم الجمهورية التي تتسم بوسمتكم.
٤ - إن الشعب الجزائري قد أصبح - من طول ما جرب ومارس - لا يؤمن إلا بأركان حياته الأربعة: ذاتيته الجزائرية، وجنسيته ولغته العربيتين، ودينه الإسلامي، لا يستنزل عنها برقي الخطب والمواعيد، ولا يبغي عنها حولاً، ولا بها بديلاً.
٥ - إن الشعب الجزائري مريض يتطلع للشفاء وجاهل متوثب إلى العلم وبائس متشوق للنعيم، ومنهوك من الظلم مستشرف إلى العدالة، ومستعبد ينشد الحرية، ومهضوم الحق يطلب حقه في الحياة وديموقراطي الفطرة والدين يحن إلى الديموقراطية الطبيعية ولكنه ليس كما يقال عنه: جائع يطلب الخبز فإن وجده سكت.
٦ - لا يسيغ منطق ولا عقل كيف تكون الوحدة بين سيد وبين مسود، وكيف تتصور بين حاكم مزهو بعصبية جنسية تظاهرها عصبية دينية وبين محكوم؟ وكيف تتفق في وطن ساكنوه صنفان وقوانينه صنفان؟ وكيف تتم في بلد كنيسته حرة وبيعته حرة ومسجده مستعبد؟
إن المتمعن في محتوى هذه الوثيقة يدرك، بكل سهولة، أن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تعد تكتفي بالبرنامج المسطور في قانونها الأساسي، بل إن تجربتها الطويلةفي مجالات التربية والتعليم والإصلاح الديني قد جعلتها تدخل عالم السياسة لعلمها بأن الإصلاح لا يستقيم إلا إذا كانت السلطة وراءه، ولا سلطة إلا لمن كان في الحكم، لأجل ذلك، نراها تتعمد توضيح مجموعة من المفاهيم التي يأتي في مقدمتها العدل الذي هو أساس الملك والحق في الحياة الذي نعبر عنه اليوم بحقوق الإنسان، والديموقراطية التي تتنافى مع الممارسات الاستعمارية وتعريف الشيوعيين الجزائريين لها. (١٢).
وإذ تدعو إلى التمسك بهذه المفاهيم بعد توضيحها وإلى التركيز على ما أسمته بالأركان الأربعة لحياة الشعب الجزائري، فإنها لم تتردد في الجهر بمعاداتها للاتحاد الفرنسي الذي يتناقض مع العقل والمنطق إذ لا يمكن للمظلوم المستبد به أن يتحد مع ظالمه والمستبد به. ومما لا ريب فيه أن مناهضة فكرة الاتحاد الفرنسي تعتبر موقفاً سياسياً داعماً لموقف حزب الشعب الجزائري الذي يرى أن الحل الوحيد للمشكل الجزائري إنما يكمن في استرجاع الاستقلال
стр. 200
الوطني كاملاً غير منقوص، فذلك وحده هو الذي يعيد الاعتبار للإنسان الجزائري ويعيد الحرية للمسجد ويعتق الأوقاف التي تضمن حرية الفكر وازدهار الثقافة.
وخصص الشيخ محمد البشير الإبراهيمي سنة ١٩٥٠ كلها لتعميم ايديولوجية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي يمكن تلخيص منطلقاتها في العمل على تحرير المجتمع الجزائري من آثار الغزو الاستعماري الذي جند أربع وسائل لتقويض أركان الدولة الجزائرية التي كانت قائمة قبل اتفاقية الخامس من يوليو سنة ١٨٣٠.
تتمثل الوسيلة الأولى التي عمد إليها الاستعمار لإلغاء الدولة الجزائرية وحذفها من رقعة الخلافة الإسلامية في الجندي الذي يعبر عن القوة العسكرية التي تعتبر "أخف الأسلحة فتكاً وأقصرها مدى". (١٢). أما الوسيلة الثانية فهي الطبيب الاستعماري الذي جيء به إلى الجزائر"، ليداوي علة بعلل، ويقتل جرثومة يخلق جراثيم ويجرب معلوماته في أبناء الجزائر كما يجربها في الأرانب". (١٣). ويمثل المعلم الاستعماري الوسيلة الثالثة التي اعتمدتها فرنسا "لتفسد على أبناء المسلمين عقولهم، وتستنزلهم عن لغتهم وآدابهم وتشوه لهم تاريخهم وتقلّل سلفهم في أعينهم وتزهدهم في دينهم" (١٤) ثم تأتي الوسيلة الرابعة ممثلة في الراهب "يفتن المسلمين عن عقائدهم ويشككهم بتثليثه في توحيدهم". (١٥).
"إن الاستعمار القائم على الجندي والمعلم والطبيب والراهب هيكل حيواني يمشي على أربع ... وأن الاستعمار قد قضى بواسطة هؤلاء الأربعة علىعشرة ملايين من البشر، فرمى مواهبهم بالتعطيل، وعقولهم بالخمود، وأذهانهم بالركود، وأفكارهم بالعقم" (١٦).
ولكي تتصدى جمعية العلماء المسلمين الجزائريين للنتائج المتوخاة من استعمال كل هذه الوسائل، فإنها جندت جميع إمكانياتها المادية والبشرية لتمنع الاستعمار الفرنسي من تكوين الإنسان الجزائري الذي يكون مقطوع الأسباب من جميع المسلمين ومن تكوين سلك للرهابنة يمتهنون لتوظيف الدين من أجل تأبيد الاستعمار. وفي هذا الصدد كتب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي في افتتاحية البصائر الصادرة في عددها الخامس بعد المائة: "واضيعتاه! ... وواذلاه! ... أفي الوقت الذي تتشوق فيه الأمم المتحدة كلها إلى نيل حقوقها السياسية، وحريتها وحقها في الحكم الذاتي والتصرف المطلق، وفي
стр. 201
الوقت الذي يتفق فيه مجلس الأمم المتحدة على تحرير سبعين مليوناً من جزر الهند الشرقية من الاستعمار الهولندي، وعلى تحرير القطر الليبي ... في هذه الظروف التي أصبح فيها طعم الاستعمار المادي الحلو اللذيذ مراً كريهاً حتى في حلوق غلاة الاستعمار، يبقى الدين الإسلامي بمعابده وأوقافه ورجاله مستعمراً مستعبداً في الجزائر وحدها".
هكذا، أصبح نشاط جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ملموساً في مجلسين السياسة والإصلاح بشقيه التربوي والديني، ولقد جندت، لذلك، كل مالديها من إمكانيات بدءاً بأعمدة الصحافة وانتهاءً بالمسجد والنادي والمدرسة مروراً بالمناسبات الاجتماعية والأعياد الدينية والوطنية. وعلى الرغم من كل ذلك، فإنها لم تتمكن من تحقيق أهدافها المنشودة لأن الإدارة الاستعمارية قد تفطنت لما يمثله دور العلماء في توعية الأمة وإعدادها للمعركة الفاصلة، فراحت تسعى، بشتى الوسائل، لسد كل المنافذ في وجه المربين والدعاة.
وحيث أيقنت جمعيةالعلماء المسلمين الجزائريين أن العمل الفردي مهما علا شأنه لا يجدي نفعاً مع تعنت الإدارة الاستعمارية واستماتتها في تهميش الشعب الجزائري وحرمانه من كل وسائل الرقي والتقدم، فإنها لجأت إلى الدعوة لاتحاد سائر الطاقات الحية في البلاد، وبسرعة كبيرة، وجدت الدعوة المذكورة طريقها إلى كل التشكيلات السياسية التي كانت تعاني، بدورها، من عسف الإدارة الاستعمارية وتبحث عن طريقة ناجعة للدفاع عن حق الشعب الجزائري في المشاركة بحرية في تسيير شؤونه بنفسه.
الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها:
في نهاية شهر يوليو/تموز سنة ١٩٥١ نشرت جريدة المنار بلاغاً صادراً عن "العلماء والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري والحزب الشيوعي الجزائري والحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية". (١٧). مفاده أن التشكيلات المذكورة قد أنشأت لجنة تحضيرية لتكوين جبهة جزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها وذلك بهدف الوصول إلى النتائج التالية:
أ - إلغاء الانتخابات التشريعية التي جرت في ١٧/ ٠٦/١٩٥١ والتي تولت الإدارة الاستعمارية خلالها تعيين أشخاص لا يمثلون جماهير الشعب الجزائري.
ب - احترام حرية التصويت في المجموعة الانتخابية الثانية.
стр. 202
ج - احترام الحريات الأساسية أي: حرية الضمير، حرية الفكر، حرية الصحافة وحرية الاجتماع.
د - محاربة القمع بجميع أنواعه والعمل على تحرير المعتقلين السياسيين وإلغاء الإجراءات العسفية المتخذة ضد الحاج مصالي.
هـ - إنهاء تدخل الإدارة الفرنسية في شؤون الدين الإسلامي.
لقد تأسست الجبهة، رسمياً، يوم ٠٥/ ٠٨/١٩٥١. تم الإعلان عن ذلك في قاعة سينما دنيازاد بالعاصمة. بتلك المناسبة ألقى رئيسها الشيخ العربي التبسي خطاباً جاء فيه على الخصوص: "هذه جبهة لا تسأل أحداً إن كان مسلماً أو مسيحياً أو يهودياً، إنما تسأله هل هو مناضل في سبيل الحق، مكافح في سبيل الحرية ... ولو كانت لنا حكومة إسلامية بقطر الجزائر لما وجدت بيننا فروق ولما وقع التباين بين أحمد وموريس ولا بين فاطمة وماري". (١٨) وبديهي أن الدارس يستشف من خلال هذه الجمل السبب الرئيسي الذي جعل ظهور الجبهة يبدو للرأي العام وكأنه مفاجئ. فالمؤسسون للجبهة كلهم معنيون بالأهداف الخمسة المذكورة أعلاه. وبالتالي فإن استجابتهم لنداء التأسيس لم تتطلب أي جهد ولم تفرض على أحد التنازل عن أي شيء، بل إن الجميع قد وقع، بدرجات متفاوتة، ضحية استبداد الإدارة الاستعمارية وتزييف الانتخابات على جميع المستويات.
وبعد أسبوعين من تاريخ التأسيس، دعت رئاسة الجبهة إلى مهرجان شعبي انعقد في الملعب البلدي بحسين داي يوم ١٩/ ٠٨/١٩٥١ وحضره آلاف الجزائريين. (١٩). وبتلك المناسبة ركز الشيخ العربي التبسي وهو يخاطب الجماهير الشعبية، على ضرورة فصل الدين عن الحكومة واستنكر على الإدارة الاستعمارية معاملتها الشاذة للإسلام والمسلمين. ومما جاء في خطابه: "أيها الملأ الكريم! مضى قرن وبعض قرن والحكومة معتدية على الديموقراطية في شخص الديانة الإسلامية، ساخرة بأصولها، عابثة بمقدساتها، مستخفة بأصولها وفروعها" (٢٠).
وفي إطار نشاط الجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها، ساهمت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في تعبئة جماهير الشعب حول مطلب تقرير المصير، وشاركت في كثير من المهام التي لها علاقة مباشرة بحماية حقوق المواطنين ومصالحهم، ويأتي في مقدمة تلك المهام العمل الجماعي الذي أنجزه وفد الجبهة الذي انتقل إلى ناحية أريس من أجل التحقيق في أعمال العنف
стр. 203
والإرهاب التي تعرض لها سكان القرى المكونة للناحية بسبب معارضتهم لمحاولات التزييف التي قامت بها الإدارة الاستعمارية بمناسبة انتخابات ١٧/ ٠٦/١٩٥١. (٢١).
وفي يوم ٣٠/ ٠٩/١٩٥١ عقدت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين مؤتمرها الثاني بعد انتهاء الحرب الامبريالية الثانية، وقد كان التقرير الأدبي الذي قدمه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي مشتملاً على ثلاثة محاور هي: المشروعات والمواقف والنصائح، أما البيان الختامي فقد ألقاه الشيخ العربي التبسي وجاء فيه على الخصوص:"إن جمعية العلماء لجميع الجزائريين المسلمين الذين تجمعهم لغة واحدة وعقائد واحدة. وهي تتمتع بعطف جميع الديموقراطيين لأنها تعترف بالديموقراطية وحقوق الإنسان. إذ الإسلام يقر العدالة الاجتماعية .. إننا مستعدون للمشاركة في النهضات السياسية، لأن السياسة تدخلت في الدين ولأننا نشاهد أن موقف فرنسا مع الإسلام في الجزائر موقف شاذ" (٢٢).
لم تغير جمعية العلماء المسلمين الجزائريين موقفها الأساسي، بل ظلت متمسكة بدورها في التربية والتعليم وفي الإصلاح الديني، واستطاعت، بعد الحرب الامبريالية الثانية، أن توسع نشاطها إلى التراب الفرنسي نفسه حيث يعيش مايقرب من ربع مليون جزائري، وحيث حوالي عشرين ألف طفل في أمس الحاجة إلى الارتباط بدينهم ولغتهم. وكما أنها جندت جماهير الشعب لبناء المدارس الحرة ولبعث معهد الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس وفتح العديد من النوادي في مختلف أنحاء الوطن، فإنها استطاعت أن تنشر نفس الفكرة في أوساط المغتربين الجزائريين في فرنسا، لكن الإدارة الاستعمارية كانت لها بالمرصادومنعتها من تجسيد برنامجها على أرض الواقع خاصة فيما يتعلق بتمكينها، قانونياً، من شراء المحلات أو كرائها للتدريس أو للوعظ والإرشاد.
وفي المجال السياسي، انتقل الشيخ البشير الإبراهيمي إلى باريس في مستهل شهر ديسمبر ١٩٥١ للمشاركة مع قادة التشكيلات الوطنية في الاتصال بالوفود العربية والإسلامية التي تحضر أعمال هيئة الأمم المتحدة (٢٣) ولقد كان لوجود رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين تأثير بالغ الأهمية في تحسيس كثير من الشخصيات العربية والإسلامية كما أنه اغتنم فرصة تواجده بالعاصمة الفرنسية ليكثف الاتصالات مع أبناء الجالية الجزائرية. وكان لوفد جمعية العلماء المسلمين الجزائريين نشاط حثيث في المساعي الرامية إلى إقامة حفلة كبيرة احتفاء بالوفود العربية والإسلامية في يوم ٠٨/ ١٢/١٩٥١. ولقد كان
стр. 204
في الحسبان أن يحضر هذه الحفلة مايربو على خمسين ألف جزائري" (٢٤). لكن الحكومة الفرنسية قررت منع الحفل وأمرت بإلقاء القبض على ما يزيد عن ستة آلاف من الجزائريين، وهو الأمر الذي جعل الشيخ العربي التبسي - بصفته رئيساً للجبهة الجزائرية للدفاع عن الحرية واحترامها - يرسل برقية استنكار إلى "رئيس الوزارة الفرنسية" جاء فيها خاصة: "إن الجبهة تستنكر بشدة منع الحكومة الفرنسية للحفلة ... وتحتج ضد القرار الجائر الذي يمس من كرامة الدبلوماسيين العرب والمسلمين وتبدي عواطفها نحو هذه الوفود التي أثبتت تضامنها مع الشعب الجزائري" (٢٥).
عودة إلى فصل الدين عن الحكومة:
أمام إلحاح جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، ورغبة من الحاكم العام في إضفاء طابع الشرعية على سيطرة الإدارة الاستعمارية على الدين الإسلامي، بواسطة من وصفهم أوغستين بارك مدير الشؤون الأهلية" موظفين دينيين يسيطر عليهم الجهل المركب والطمع وعدم التهذيب ولا حد لرغباتهم في أن يحمدوا بما لم يفعلوا ... فعدم الكفاءة والمبالغة في الخضوع والانقياد هي الشهادات الوحيدة التي يمكن لهم أن يعتزوا بها" (٢٦)، أحيلت مسألة فصل الدين عن الحكومة أمام الجمعية الجزائرية في تشكيلتها الجديدة التي أسفرت عنها انتخابات ١/ ٠٦/١٩٥١.
ولقد توجهت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين إلىعضاء الجمعية الجزائرية تحذرهم من أن يكونوا وسيلة في يد الحاكمية العامة التي تريد أن يكون رفض الفصل صادراً عن المنتخبين المسلمين أنفسهم. وعلى الرغم من أن الشيخ البشير الإبراهيمي لم يكن يعترف لأولئك المنتخبين بحقهم في تمثيل الشعب الجزائري بسبب ما كانت تمتاز به الانتخابات من تزييف وتزوير، فإن النداء الموجه إليهم قد كان صريحاً وواضحاً، جاء في ختامه"إن أقواماً قبلكم وصلوا إلى ما وصلتم إليه، وارتقوا على أكتاف الأمة إلى كراسي النيابة ولكنهم خانوا العهد وأضاعوا الحقوق، فسجل عليهم التاريخ خزي الأبد. فحذار، حذار أن تكونوا مثلهم (٢٧).
ولتذكيرهم بالطريقة التي وصلوا بها إلى ما وصلوا إليه، جاء في النداء: "إن من المناظر التي تثير العبر وتسيل العبرات في هذه الانتخابات أنكم كنتم ترون كما يرى الناس صندوقين للانتخاب في قرية واحدة أو شارع واحد يدخل
стр. 205
الأوربي إلى أحدهما منشرح الصدر، باسم الثغر، حرّ التصرف مطلق الإدارة والاختيار، فيعطي ورقته لمن يشاء، معتقداً أنه أدّى شهادة خالصة للحق لم يراع فيها إلا مصلحة جنسه ورضى ضميره ... ويدخل العربي إلى الآخر خائفاً وجلا منزعجاً،
مسلوب الإرادة والحرية، لا يرى حوله إلا إرهاباً وسلاحاً وألسنة تتوعد، وأيديا تتهدد وأعينا ترمي بالشرر، فيعطي ورقته لمن يراد منه لا لمن يريد .. إن من يرى هذا المنظر لا يعجب إذا رأى بعد ذلك أن الفائزين في الصندوق الأول نواب وإن اختلفوا في المبادئ، وأن الفائزين في الصندوق الثاني نوائب وإن سموا أنفسهم مستقلين" (٢٨).
لكن الأعضاء المسلمين في الجمعية الجزائرية لم يكونوا مؤهلين للنظر في المسألة بغير المنظار الذي يريده الاستعمار، وبالإضافة إلى ذلك، فإن وجود الجمعية الجزائرية نفسه يتناقض مع فصل الدين عن الحكومة لأنه مؤسس على ضرورة تأبيد الواقع الاستعماري. لأجل ذلك، وعلى الرغم من نداء جمعية العلماء المسلمين الجزائريين ومن المقالات المنشورة على أعمدة المنار بأقلام مختلفة المشارب السياسية والمنطلقات الإيديولوجية، والداعية جميعها إلى وجوب تحرير الدين الإسلامي وتمكينه من استرجاع أوقافه ومساجده، فإن لجنة الديانة قد لجأت إلى المماطلة زاعمة على لسان رئيسها أن "التريث فيه مصلحة للقضية". (٢٩).
ومرت الدورة العادية ودار لقمان على حالها. وكتب الشيخ العربي التبسي بصفته النائب الأول لرئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين على أعمدة المنار في عددها الثالث عشر الصادر بتاريخ ١٢/ ١٢/١٩٥٢، لو كان هؤلاء السادة من علماء الفقه الإسلامي لأسمعونا حكم الله في تأخير هذه المسألة وفي العبادات المعطلة انتظاراً لهذا الفصل، ولأسمعونا، أيضاً، حكم الله في الصلوات التي تؤدى في هذه المساجد قبل الفصل ... إن هذا التأخير اعتداء صريح متعمد على الشريعة الإسلامية وعلى معابدها".
وإلى جانب كل هذا النشاط السياسي، فإن جمعية العلماء المسلمين الجزائريين لم تتوقف عن أعمالها التربوية، بل ماكاد يطلق سراح الشيخ محمد البشير الإبراهيمي على إثر العفو الشامل، بتاريخ ١٦/ ٠٣/١٩٤٦،حتى عادت المدارس التي كانت معطلة بقرار حكومي ونشطت النوادي وعمرت المساجد ومن جديد بعثت جريدة البصائر التي كان تعطيلها مع بداية الحرب بأمر من الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس نفسه.
стр. 206
وفي ظرف خمس سنوات فقط ارتفع عدد المدارس الابتدائية إلى حوالي أربعمائة يجلس على مقاعدها مايزيد عن مائة ألف تلميذ وتلميذة وهوعدد قياسي بالنسبة لإمكانيات الجمعية ونظراً لمضايقات الإدارة الاستعمارية.
وفي سنة ١٩٥٢ كلفت جمعيةالعلماء المسلمين الجزائريين رئيسها الشيخ
محمد البشير الإبراهيمي السفر إلى المشرق يلتمس من الحكومات العربية منحا لبعثات الطلبة الجزائريين وإعانات مالية لتمكين الجمعية من مضاعفة نشاطها خاصة في مجالي التعليم والإصلاح الديني. وفي هذا السياق تجدر الإشارةإلىن الشيخ الإبراهيمي نفسه قد تحدث عن هذه المهمة أمام أعضاء ندوة الأصفياء (٣٠) ولخصها على النحو التالي:
أ - تمكين جمعية العلماء المسلمين الجزائريين من إضافة مائة وخمسين مدرسة ابتدائية على الأقل كل خمس سنوات حتى يصل العدد إلى ألف كاملة.
ب - بناء ثلاثة معاهد ثانوية للذكور واثنان للبنات كل خمس سنوات حتى تغطي الحاجة إلى استقبال خريجي المدارس الابتدائية.
ج - معهدان كبيران على الأقل للمعلمين وواحد للمعلمات حتى تسد حاجة المدارس الابتدائية جميعها.
قضية الاتحاد في الجزائر .
وفي مستهل سنة ١٩٥٣ عندما نظمت جريدة المنار استفتاءً واسعاً حول مسألة الاتحاد ولماذا لم يتحقق بين كافة القوى الوطنية في الجزائر رغم إيمان الجميع بضرورته من أجل جبهة واحدة ترمي إلى غاية واحدة بوسائل مختلفة، قامت جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، من خلال أعضائها البارزين، بدور أساسي في تغذية العملية وتوفير أسباب نجاحها.
أما الشيخ العربي التبسي فقد اغتنم تلك الفرصة ليقول: "إن الحالة بالجزائر لا تبرر تعدد الأحزاب فبقاء الأحزاب فيها إطالة لعمر الاستعمار. والاتحاد الشعبي هو الذي يستطيع أن يغير الحال في البلاد ... " (٣١) وأما الشيخ أحمد رضا حوحو فإنه سار في نفس الاتجاه، لكنه يضفي على الاقتراح طابع العلمية والمنهجية الصحيحة إذ يخلص، بعد تحليل مطول إلى أن الاتحاد الحقيقي هو الذي يبني على أساس شعبي متين تتقدمه دعاية واسعة يعتبر الاستفتاء فاتحتها، بعد ذلك يعقد مؤتمر شعبي يعيد الأحزاب إلى جادة الصواب الذي يعبّر عنه
стр. 207
قائلاً: "لقد أنشئت المبادئ لخدمة الأحزاب، وأنشئت الأحزاب لخدمة الوطن. لكن القضية انعكست عندنا. فالأحزاب أسست لخدمة مبادئها، والوطن يستغل لخدمة هذه الأحزاب. لقد أردنا أن تكون هذه الأحزاب وسائل فأصبحت غايات، وأردناها
خادمة فأصبحت مخدومة. فضيق المبادئ الحزبية في ضيق النفوس كونت، كلها، أكبر العراقيل في سبيل الاتحاد" (٣٢).
وبينما كانت عملية الاستفتاء حول الاتحاد ووسائل تحقيقه في الجزائر تشغل بال أعداد كبيرة من المثقفين والمناضلين، عقدت اللجنة السياسية للجامعة العربية اجتماعاً خاصاً استمعت فيه إلى تقارير مندوبي المغرب الأقصى وتونس والجزائر عن الأحوال في كل قطر من الأقطار الثلاثة، وبتلك المناسبة طلب الشيخ محمد البشير الإبراهيمي من الجامعة العربية أن: "تعنى عناية خاصة بالقضية الجزائرية وتساعد الشعب الجزائري على الحصول على حقه في تقرير مصيره بنفسه". (٣٣)
••
• الهوامش:
стр. 208
هوامش
стр. 209
هوامش
стр. 210
الفصل السابع:
موقف الشيوعيين من الحركة الوطنية
الجزائرية وثورة نوفمبر ١٩٥٤
стр. 211
في البداية، كان الحزب الشيوعي الفرنسي يضم في صفوفه كل الشيوعيين العاملين عبر مختلف أنحاء "الإمبراطورية" التي كانت مجزاة إلى اتحاديات أو فدراليات. وكانت أهم الفدراليات في الجزائر تلك التي يوجد مقرها بمدينة بلعباس الكائنة جنوب مدينة وهران على بعد حوالي أربعمائة كلم من العاصمة.
ومن غرائب الصدف أن "سيدي بلعباس" هي في نفس الوقت مقر اللفيف الأجنبي الذي كان يضم جيشاً من المتطوعين الأجانب تأسس سنة ١٨٣١ لخدمة فرنسا وهو مكون أساساً من المشاة والمظليين ولم يغادر المدينة إلا عندما غادر الجزائر نهائياً سنة ١٩٦٢.
لقد كان الشيوعيون الجزائريون يسمون مدينة سيدي بلعباس: "مكة الحمراء"، وحينما قامت الأممية يوم ٢٠/ ٥/١٩٢٢ بتوجيه نداء لتحرير الجزائر وتونس من أجل تقويض أركان الإمبريالية الفرنسية وضربها في الأعماق"، فإن اتحادية بلعباس قد نشرت لائحة صادقت عليها بالإجماع تعتبر فيها النداء" جنوناً خطيراً" وتدعو من خلالها إلى معارضة استقلال الجزائر لأن "سيادة آكلي لحوم البشر غير مرغوب فيها".
وعلى الرغم من أن الكومنترن، على لسان تروتسكي، لم يتردد في إدانة اللائحة المذكورة ووصف الشيوعيين في بلعباس بتجار الرقيق، فإن قيادة هؤلاء قد ظلت متمسكة بآرائها القائلة "بأن تحرير البروليتاريا في شمال افريقيا لا يمكن أن يتم إلا بالثورة في الوطن الأم". ولم يكن موقف قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي أفضل من ذلك، فهي ترى، على غرار الإدارة الاستعمارية، أن الجزائريين الأصليين (الأهالي كما كانوا يسمونهم) عاجزون عن تسيير شؤونهم بأنفسهم وغير أهل للاستقلال.
ولم يحدث التغيير في استراتيجية الحزب الشيوعي الفرنسي إلا سنة ١٩٣٥ وذلك من خلال الدورية التي وقع عليها السيد Jean Chaintron المدعو ... بارتيل (Barthel(١)) والتي تعرضت بصراحة للجبهة الفرنسية اليهودية ضد "الشعب العربي" ودعت إلى تكوين جبهة مضادة تفتح صفوفها لمن كان يطلق عليهم تسمية "الإصلاحيون الوطنيون" (يعني التيار الوطني بتشكيلتيه
стр. 212
المعروفتين).
فالدعوة إلى تكوين جبهة مضادة بالكيفية المشار إليها أعلاه قد أحدثت خلافاً كبيراً في أوساط المثقفين الذين كانوا يعبرون عن التيارات السياسية السائدة في قيادة الحزب الشيوعي الجزائري الذي أسندت له مهمة "تعريب القواعد المناضلة" أي فتح باب الانخراط أمام العرب وهي التسمية التي كانت تطلق على الجزائريين الأصليين (٢) ونتيجة لذلك أيضاً، نشر السيد نشمان ليست Nechman List كتاباً تحت عنوان "القضية الجزائرية" (٣) يدعو من خلال صفحاته القليلة إلى "أنجاز الثورة الزراعية المناهضة للامبريالية والكفيلة وحدها بإعطاء الجزائر استقلالها وبتمكينها من تنمية قواها الإنتاجية التي كبلها الاستعمار".
ففي تلك الأجواء التي تميزت بكثير من التردد حول الموقف الذي ينبغي اتخاذه حيال الجزائر المستعمرة وشعبها المضطهد، برزت أسماء مجموعة من القياديين الشيوعيين الذين يأتي في مقدمتهم السادة عمار أوزقان وابن علي بوقرط وقدور بلقاسم الذين نزلوا إلى ميادين العمل النضالي متشبعين بالأيديولوجية الشيوعية ومركزين على تحقيق هدفين أساسيين هما:
السعي لإنجاح الجبهة الشعبية في إنجاز اصلاحاتها وخاصة منها مشروع بلوم فيوليت، والإسهام بفعالية في عقد المؤتمر الإسلامي وتمكينه من تحقيق أغراضه.
أما مشروع بلوم فيوليت (٤) فنوع من التنويم المغناطيسي الذي قدمته الإدارة الاستعمارية في شكل إصلاح سياسي يرمي إلى ترقية شريحة محدودة من المجتمع المسلم في الجزائر، لكنه، في الحقيقة، لم يكن سوى وثيقة تعطي حق الانتخاب فقط للجزائريين الذين يتوفر فيهم واحد من تسعة شروط (٥) لا يمكن العثور عليها في أكثر من خمسة وعشرين ألف جزائري. وعلى الرغم من ذلك، ومن أن المشروع حظي بقبول أغلب التيارات السياسية بما في ذلك الشيوعيين الجزائريين والمنتخبين والعلماء المسلمين الجزائريين، فإن الكولون قد رفضوه رفضاً مطلقاً وتمكنوا في النهاية من تجميده وإفشاله.
وأما المؤتمر الإسلامي فلا علاقة له بالمؤسسات الإسلامية كما قد يتبادر إلى الذهن، بل سمي كذلك لأنه دعي إلى الانعقاد للنظر في شؤون المسلمين أي سكان الجزائر الأصليين لأن مصطلح "الجزائريين" كان في ذلك الوقت مقصوراً على الأوربيين والمتجنسين بالجنسية الفرنسية. وفي مفهوم الإدارة الاستعمارية،
стр. 213
فإن الشعب الجزائري قد ولد فقط سنة ١٨٨٩ عندما صدر القانون الذي يعطي الجنسية الفرنسية آلياً، لكل من يولد في الجزائر من أبوين أوربيين.
ولقد انعقد المؤتمر في نفس الشهر والسنة اللذين تولى فيهما السيد بلوم رئاسة الحكومة الفرنسية، أي في الشهر السادس من عام ١٩٣٦، وكانت أهم مطالبه إلحاق الجزائر بفرنسا وبالتالي إلغاء القوانين الاستثنائية والولاية العامة والمندوبيات المالية والمجموعات الانتخابية المزدوجة وذلك بالإضافة إلى تمكين كل الجزائريين من حق الانتخاب والترشح لجميع المناصب ومن التمثيل البرلماني كل ذلك مع الاحتفاظ بالأحوال الشخصية والاستفادة من قانون فصل الدين عن الدولة وحرية التعبير وتعليم اللغة العربية.
وعلى إثر انتهاء أشغال المؤتمر رحل إلى باريس وفد رفيع المستوى من أجل تسليم لائحة المطالب المسطورة إلى الحكومة الفرنسية لكن وزير الدفاع السيد دالادي في ذلك الوقت قابل أعضاء الوفد بكثير من الاستخفاف ودعاهم لزيارة بعض مستودعات الأسلحة الثقيلة وعلى إثر ذلك قال لهم: "إن لفرنسا كل هذه المدافع وغيرها، وهي عازمة على استعمالها للدفاع عن نفسها في الجزائر" وكان لهذا التهديد أثره البالغ في نفس الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس فكتب بعد عودته مقالاً بعنوان: "مدافع ربي أقوى من مدافع فرنسا".
ومن الجدير بالذكر أن نجم شمال افريقيا كانت هي التشكيلة السياسية الوحيدة التي رفضت المشاركة في المؤتمر الإسلامي، وأكثر من ذلك، فإنها جندت كل وسائلها الإعلامية لمحاربته وللتنديد بمطالبه التي وصفها السيد الحاج مصالي في ذلك الوقت بالاستعمارية والإمبريالية وهو ما جعل قادة الحزب الشيوعي الجزائري يتهمونه بالفاشية والتطرف خاصة عندما ألقى خطابه أثناء المهرجان الشعبي الذي انعقد يوم ٢/ ٨/١٩٣٦ بالملعب البلدي في العاصمة لتمكين أعضاء الوفد العائد من فرنسا من تقديم عرض حال عن مهمته لأبناء الشعب الجزائري. ففي ذلك الخطاب دعا زعيم الحركة الوطنية الجزائرية إلى اعتبار مطالب المؤتمر عملاً مناقضاً للطبيعة وأكد على أن أرض الجزائر ليست للبيع وأن محاولة إلحاقها بفرنسا أمر مستحيل لن يكتب له النجاح لأن التربة ما زالت مبللة بدماء قوافل الشهداء.
كان لخطاب الحاج مصالي وقع كبير في نفوس الحاضرين واستطاعت أفكاره الرئيسية أن تشق طريقها بقوة في ثلاث اتجاهات هي:
ا - قيادة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين التي تفطنت إلى أن الإلحاق لا
стр. 214
يختلف عن الإدماج، وأن الحكومة الفرنسية لن توافق على ذلك لأسباب عرقية ووطنية وحتى لو وافقت، فإن الشعب الجزائري لا يمكن أن يكون فرنسياً. وللتعبير عن هذا الموقف الجديد كتب الإمام الشيخ عبد الحميد بن باديس قصيده المشهور الذي تحول بسرعة فائقة إلى نشيد وطني تردده سائر الشرائح الاجتماعية الرافضة للاستعمار، وللتذكير نورد الأبيات التالية:
شعب الجزائر مسلم ... وإلى العروبة ينتسب
من قال حاد عن أصله ... أو قال مات فقد كذب
أو رام إدماجا له ... رام المحال من الطلب
ب - المثقفون الوطنيون الذين كان محمد الذيب في مقدمتهم والذين راحوا يوظفون تلك الأفكار في كتاباتهم النثرية والشعرية.
ج - الحزب الشيوعي الجزائري الذي اعتبرت قيادته الخطاب كله استفزازاً وتحريضاً على الانفصال الذي هو عمل فاشي ولا يخدم، من نظرها، سوى مصالح الإمبرياليين". وبالإضافة إلى ذلك، فإن السيد قدور بلقاسم الأمين الوطني للحزب كان يصرح في مناسبات عديدة: إن دعاة الانفصال أقلية وهم لا يمثلون سوى أنفسهم أو سادتهم كبار الكولون. أما المسلمون (يعني الجزائريين) فإنهم لا يريدون تطليق فرنسا خاصة بعد أن حققوا مبتغاهم واليوم، أكثر من أي وقت مضى، فإن وحدة الشعب في الجزائر وفي فرنسا ضرورية وستبقى كذلك (٦).
هكذا، ابتعد الحزب الشيوعي الجزائري عن توصيات الأممية التي كانت ترى أن تحرير الجزائر وتونس من شأنه أن يضرب الإمبريالية الفرنسية في الأعماق، ولن يتوقف الكفاح من أجل تحرير الجزائر إلا بعد انتصار العبيد" (٧). وألغى من أدبياته "استقلال الجزائر" و"البرلمان الجزائري" وحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه"، ليتمسك فقط بضرورة العمل على "اتحاد الشعب الجزائري مع شقيقه الأكبر الشعب الفرنسي"، وليبذل كل ما في وسعه لإنجاح برنامج حكومة الجبهة الشعبية من جهة ولتعميم مطالب المؤتمر الإسلامي من جهة ثانية. وقد جاء كل ذلك مجسداً في الشعار التالي "ليس أمامنا سوى طريق واحد يضمن الاتحاد في إطار المؤتمر الإسلامي الشعبي والتحالف مع الجبهة الشعبية، أي مع الشعب في فرنسا".
في هذا السياق، وتطبيقاً لهذه السياسة، شرع قادة الحزب الشيوعي
стр. 215
الجزائري في شن حملة واسعة النطاق ضد نجم شمال افريقيا ولم يهدأ لهم بال حتى أقدمت حكومة الجبهة الشعبية على حلها في شهر يناير ١٩٣٧ بتهمة "الدعوة إلى الانفصال والعمل على مناهضة فرنسا". وعندما استبدل النجم بحزب الشعب الجزائري يوم ١١/ ٣/١٩٣٧، فإن الحملة العدائية قد وجهت ضد هذا الأخير الذي قالت عنه جريدة La Lutte Sociale إنه يخدم الفاشية العالمية بدعوته إلى استقلال الجزائر".
ويفسر السيد الحاج مصالي عداء الشيوعيين بخيبة "الأمل التي أصابتهم نتيجة فشل مشروع بلوم /فيوليت وهو الأمر الذي أفقد حزبهم ثقة العمال الجزائريين وساعد، في نفس الوقت على انتشار مبادئ حزب البعث الجزائري والتفاف جماهير الشعب حول أكثرها وضوحاً وهو العمل على استرجاع الاستقلال الوطني" (٨) لكن الحقيقة تكمن في كون الحزب الشيوعي الجزائري كان، فقط، مجرد بوق للحزب الشيوعي الفرنسي الذي كان يرفض عن قناعة كل عمل من شأنه أن يؤدي إلى انفصال الجزائر عما كان يسمى بالوطن الأم، وبعبارة أخرى، فإن وطنية الحزب الشيوعي الفرنسي لم تكن تسمح بتجسيد الفكر اللينيني فيما يتعلق بمستقبل الجزائر المستعمرة.
لقد كان الشيوعيون الجزائريون، على غرار الشيوعيين الفرنسيين، يؤمنون بأن موسكو هي الشمس التي تسطع على عالم المستضعفين، لكنهم كانوا، في نفس الوقت، يرفضون عروبة الجزائر وإسلامها ويناهضون حزب الشعب الجزائري لأنهم لا يعترفون بوجود شعب واحد في الجزائر، ولأن برنامجهم السياسي يهدف بالدرجة الأولى إلى تحقيق الاندماج كحل جذري لقضية الاستعمار في الجزائر.
وحتى في هذا التفكير الغريب، فإن الشيوعيين الجزائريين لم يكونوا سوى أمعيين ومعمعيين لأن السيد موريس توريز الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي هو الذي جاء بفكرة الأمة الجزائرية في طور التكوين، وهو الذي قرر أن في الجزائر شعوباً متعددة وأجناساً مختلفة عدد منها: "البربر" والقرطاجنيين والرومان والعرب والأتراك واليهود واليونانيين والمالطين والألبانيين والإيطاليين والفرنسيين "ثم أكد أن العدد يصل إلى عشرين وأن "الجميع هم أبناء الثورة الكبرى التي لا تميز بين الأجناس والأديان والتي جعلت الجمهورية الفرنسية واحدة لا تتجزأ" (٩).
بهذه النظرة الجديدة للجزائر وبكل ما تتطلبه من مناهضة للحركة الوطنية