الجزائرية، وكلما كان ذلك ضرورياً، كان يشرح موقف حزبه من الواقع الاستعماري ويدعو إلى تأييد مساعيه الرامية إلى استرجاع سيادة الجزائر واستقلالها كاملين.
ونتيجة كل تلك التحركات المكثفة في تلك المدة القصيرة من الزمن، كتب بعض المؤرخين (١) أن الساسة الفرنسيين، سواء منهم الذين زاروا برازافيل أو الذين اكتفوا بمحادثات باريس، هم الذين اقنعوا زعيم حزب الشعب الجزائري بضرورة المساهمة في الحياة الانتخابية الفرنسية، لكن ذلك، بعد الدراسة المتمعنة، يبدو غير صحيح، لتناقضه مع شهادة السيد بلقاسم راجف (٢) التي ذكرها الدكتور شفيق مصباح والتي تؤكد أن قرار المشاركة في الانتخابات "قد اتخذه الأعضاء القياديون الذين كانوا متواجدين في باريس" (٣) ومهما يكن من أمر، فإن السلطات الفرنسية قد رخصت للسيد مصالي الدخول إلى الجزائر يوم ١٣/ ١٠/١٩٤٦ وهونفس اليوم الذي جرى فيه الاستفتاء حول مشروع الدستور الفرنسي (٤) الذي كان حزب الشعب الجزائري والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري قد أعلنا عن قرارهما بمقاطعته.
وفي الجزائر، وجد الحاج مصالي غلياناً كبيراً في صفوف حزب الشعب خاصة فيما يتعلق بمن يتحمل مسؤولية الأمر باشعال فتيل الثورة (٥) والأمر المضاد الذي وصل بعض المناطق ولم يبلغ لبعضها الآخر. وكذلك فيما يخص الميل إلى الحياة الانتخابية الذي بدأ يتسرب بسرعة إلى الأوساط القيادية. وإلى جانب ذلك الغليان، وجد الزعيم أن مكانته عالية بين المناضلين ولدى جماهير الشعب في آن واحد. لأجل كل ذلك وافق على أن تعقد ندوة وطنية لإطارات الحزب دامت أعمالها ثلاثة أيام برهن خلالها رئيس الحزب على قدرة فائقة في التسيير والإقناع حتى إن الأغلبية الرافضة للدخول في الانتخابات قد تحولت، في آخر جلسة، إلى شبه إجماع على تقديم مرشحين لتمثيل الشعب الجزائري في البرلمان الفرنسي.
وعلى هامش الندوة الوطنية للإطارات، التقى كل من السيدين الحاج مصالي وفرحات عباس واقترح هذا الأخير أن تضع الحركتان الوطنيتان استراتيجية مشتركة لمواجهة الانتخابات التشريعية المزمع إجراؤها يوم ١٠/ ١١/١٩٤٦، غير أن زعيم حزب الشعب رفض الاقتراح بسبب التباعد الإيديولوجي
стр. 144
بين التشكيلتين السياسيتين. ونحن نعتقد أن إثارة التباعد الإيديولوجي في ذلك الظرف بالذات لم يكن في محله لأن المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية تجعل الحزبين في مرتبة واحدة من حيث اعترافهما بسيادة فرنسا على الجزائر.
وعلى أية حال، فإن موافقة الندوة الوطنية للاطارات، على الدخول إلى معركة الانتخابات في ظل الشرعية الفرنسية لم تكن سوى تنازل بمقابل، لأن الرافضين للأسلوب الجديد الذي هو في الواقع نقيض الأسلوب الذي ظلت الحركة المصالية تتمسك به منذ نشأتها والذي هو العنف الثوري أو الكفاح المسلح، قد حصلوا على قرار الندوة بعقد مؤتمر يتولى البت النهائي في التوجهات الأساسية للحزب.
ومما لاشك فيه أن دعاة المشاركة في الانتخابات كانوا يدركون جيداً أن إرسال ممثلين عنهم إلى المجلس الوطني الفرنسي ليس هو الطريق الأسلم إلى شاطئ السيادة الوطنية. كما أنهم كانوا يعلمون أن الحياة البرلمانية عقيمة وأن "الشعب الجزائري يجب أن يعتمد على نفسه لإنجاز ثورته الوطنية" (٦) ومن جهة أخرى، فإن حزب الشعب الجزائري "لا يرى في المشاركة أو في الامتناع عن الانتخاب إلا فرصة إضافية بالنسبة للشعب الجزائري كي يبرهن على دقة تنظيمه وانضباطه ونضجه السياسي". (٧)
وبقدر ما كان الصراع شديداً بين دعاة المشاركة في الانتخابات ودعاة المقاطعة بجميع أنواعها، كان التفاف جميع الأطراف قوياً حول قرار الندوة وذلك طبقاً لمبدأ المركزية الديموقراطية وحفاظاً على وحدة الحزب. وليس أدل على قوة انضباط الإطارات القيادية من امتشاق السيد حسين لحول قلمه السيال لإقناع القواعد المناضلة بسلامة القرار بينما كان هو الوحيد الذي ظل متماسكاً بموقفه الرافض المناهض لفكرة المساهمة باعتبارها تراجعاً خطيراً في سياسة حزب الشعب الجزائري.
وتطبيقاً لقرار الندوة، وبتاريخ ٢٣/ ١٠/١٩٤٦، قدم السيد الحاج مصالي قوائم المرشحين، لكن الإدارة الاستعمارية رفضت ترشيحه شخصياً بالنسبة لدائرة العاصمة باعتباره من المحكوم عليهم قضائياً (٨)، كما أنها رفضت قائمتي وهران وسطيف (٩). وبديهي أن في مثل هذه الإجراءات التعسفية تكذيباً صارخاً للقائلين (١٠) أن الدخول إلى الانتخابات كان نتيجة اتفاق بين رئيس حزب الشعب الجزائري والسلطات الرسمية في فرنسا.
وعلى الرغم من كل المضايقات والمناورات التي لجأ إليها ممثلوا الإدارة
стр. 145
الاستعمارية، فإن مرشحي حزب الشعب الجزائري قد فازوا بنصف المقاعد التي تنافسوا عليها (١١). ذلك أنهم لم يدخلوا الانتخابات إلا في خمس دوائر فازوا فيها بخمسة مقاعد مقابل خمسة لممثلي الإدارة الاستعمارية. أما في دائرتي سطيف ووهران حيث لم يسمح لهم بالمشاركة، فإن المقاعد الخمسة المتبقية قد توزعها الشيوعيون وممثلوا الإدارة (١٢). وللتذكير، نشير إلى أن الذين ذهبوا إلى قصر البربون باسم حزب الشعب الجزائري هم: الدكتور محمد الأمين دباغين، الدكتور جمال دردور والمهندس مسعود بوقدوم عن قسنطينة والسيدان أحمد مزغنة ومحمد خيضر عن الجزائر العاصمة.
ولما أدركت السلطات الاستعمارية أن جماهير الجزائر ملتفة حول حزب الشعب الجزائري فإن وزارة الداخلية قد أصدرت قراراً يغير طريقة انتخاب أعضاء مجلس الجمهورية، وبموجب ذلك القرار ألغيت الإدارة الشعبية وأسندت مسؤولية الاختيار إلى المنتخبين البلديين وأعضاء الجماعات ورؤسائها حيث البلديات المختلطة. ولقد لجأت وزارة الداخلية إلى هذه الطريقة لكون كل أولئك المنتخبين قد وقع اختيارهم على إثر حركة مايو الثورية عندما كان معظم القياديين الوطنيين في السجون، وكان حزب الشعب الجزائري قد دعا جميع الجزائريين إلى مقاطعة الانتخابات "من أجل المحافظة على مستقبل الوطن الجزائري وللتأكيد على التمسك بسياسة التحرير الوطني وعلى الوفاء لأرواح الشهداء وللمناضلين والزعماء المعتقلين" (١٣).
وأمام هذه المناورة الاستعمارية، فضل حزب الشعب الجزائري الامتناع عن المشاركة في انتخابات مجلس الجمهورية تاركاً المكان للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي استطاع أن يفوز بأربعة مقاعد من جملة السبعة المخصصة للمجموعة الانتخابية الثانية كما أشرنا إلى ذلك في غير هذا المكان.
ولم يكن قرار مقاطعة الانتخابات مفيداً للاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري فحسب، بل إنه شكل فرصة ثمينة لقيادة حزب الشعب الجزائري وظفها، إلى أقصى الحدود، من أجل تحضير وثائق المؤتمر وإعداد الترتيبات المادية والأدبية الضرورية لنجاحه. وبالفعل، فإن الفترة الممتدة إلى غاية الخامس عشر من شباط سنة ١٩٤٧ قد تميزت بنشاط سياسي مكثف مكن القواعد المناضلة من التفاعل مع قياداتها في معالجة سائر القضايا المطروحة على الساحة السياسية في الجزائر، كما أنه أوجد أجواء من الحماس الذي كان لابد منه لمواجهة مثل ذلك الحدث الذي دعت إليه جميع التيارات - وكل منها -
стр. 146
يعتقد أن نتائجه سوف تكون لصالحه وحده.
لم يكن المؤتمر تأسيسياً ولا مؤتمراً أول للحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية كما يذهب إلى ذلك جل المؤرخين والمهتمين بتاريخ الحركة الوطنية، لكنه كان المؤتمر الثالث لحزب الشعب الجزائري (١٤) كما تدل على ذلك الكتابات المعاصرة والشهادات التي لجأنا إليها لتسليط الأضواء على تطور الحياة السياسية في الجزائر خلال الفترة ما بين ١٩٣٩ و ١٩٤٧ (١٥).
هذا من ناحية الشكل، أما من حيث الموضوع، فإن المؤتمر كان أخطر مؤتمرات حزب الشعب الجزائري لأنه جاء نتيجة ضغط الإطارات القيادية الواعية التي استنكرت على السيد الحاج مصالي قرار الدخول في المعركة الانتخابية رغم ما في هذا القرار من تناقض مع أيديولوجية الحزب، مع أنه أسفر عن إثراء أيديولوجي سمح بتجاوز الأمة وتجنب الانقسام الذي كاد أن يعصف بالحزب كله.
قبل هذا المؤتمر، لم تشهد الحركة الوطنية معارضة بمثل قوة ما وقع في تلك الأشهر الأخيرة من سنة ١٩٤٦. إطارات شابة مثقفة وواعية تعلن عن رفضها اتباع الزعيم وتشكل لجنة إنقاذ ويقظة توكل إليها مهمة تعبئة القواعد المناضلة ضد التوجه الجديد الذي لم يشارك أحد منهم في تحديده وإقراره.
وقبل هذا المؤتمر، أيضاً، لم يحدث أن استمع المؤتمرون إلى مسؤولين قياديين يناقشون بصراحة، لا تعرف الحدود، برنامج الحزب ويبدون آراءهم بحرية مطلقة حول واقعه ومستقبله.
وعلى الرغم من السرية التي أحاطت الاجتماعات (١٦)، وعلى الرغم من الجو المكهرب الذي سبق انعقاد المؤتمر، فإن هذا الأخير قد استمع إلى تقريرين في منتهى الأهمية.
أما التقرير الأول فقد قدمه السيدان حسين لحول وشوقي مصطفاي وهو يتعلق بموقف الحزب من الانتخابات. فقيادة حزب الشعب الجزائري ظلت، طيلة سنوات الحرب الإمبريالية الثانية، تدعو إلى مقاطعة كل أنواع الاقتراع، وقد كانت، في تشددها، ترفع شعار: "من انتخب كفر". وبالتدريج، انتشرت الفكرة في أوساط القواعد المناضلة التي عممتها، بدورها، في أوساط الجماهير الشعبية. ثم هاهو الزعيم، وبدون سابق إنذار، يقرر المشاركة في المعركة الانتخابية. هنا يطرح السؤال نفسه: كيف يكون إقناع المناضلين بضرورة هذه الردة؟ وكيف يمكن للمناضلين أن يقنعوا جماهير الشعب بجدوى هذا التحول
стр. 147
السريع خاصة وأن الأوضاع السياسية لم تتغير؟ لكل هذه الأسئلة ولغيرها قدم التقرير إجابات اعتبرها السيد أحمد بودة سحرية (١٧) لأنها جعلت أغلبية الأعضاء يصفقون للنشاط السياسي في ظل الشرعية والقانون الاستعماريين.
وكان التقرير الثاني من تقديم السيد حسين آيت أحمد الذي ضمنه آراء وأفكار مجموعة من الشباب المثقف والمتحمس للكفاح المسلح الذي كانت قواعده قد تبلورت في تلك العشيرة الممتدة من سنة ١٩٣٧ إلى سنة ١٩٤٧ بفضل التجارب والخبرات المتراكمة من جراء نشاط اللجنة الخضراء ولجنة شمال إفريقيا للعمل الثوري والجيش الثامن والقوات العربية في الداخل ومنظمتي الشباب في بلكور والقصبة. ومما لا شك فيه أن ذات التقرير الذي امتاز بالدقة في التعبير وبالتركيز الإيديولوجي سوف يكون هو الهيكل الذي سيعتمده السيد آيت أحمد في إعداد تقريره الشهير إلى اللجنة المركزية المنعقد اجتماعها الموسع بزدين والبليدة في الأسبوع الأخير من شهر ديسمبر ١٩٤٨.
على ضوء ذينك التقريرين ناقش المؤتمر واقع الحزب وأعد مخططاً مستقبلياً وظفه، منذ البداية، للفصل في موضوع النزاع القائم بين الأطراف الثلاثة على النحو التالي:
١ - يتواصل نشاط حزب الشعب الجزائري رغم الحظر المضروب عليه ورغم رفض الإدارة الاستعمارية الترخيص له بالعمل في إطار الشرعية السياسية الفرنسية.
٢ - استجابة لإلحاح دعوة الكفاح المسلح يتم تأسيس المنظمة الخاصة أو المنظمة السرية قصد مواصلة العمل الذي قامت به مختلف التنظيمات المشار إليها أعلاه. ومن الجدير بالذكر أن هذه المنظمة بهيكلتها وأعضائها هي التي سوف تكون منطلقاً لبناء جيش التحرير الوطني بعد إشعال فتيل الثورة ليلة الفاتح من نوفمبر ١٩٥٤.
٣ - الإبقاء على الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية كواجهة لممارسة العمل السياسي في إطار الشرعية والقانون الفرنسيين.
وإذا كان المؤتمرون قد ألحوا على أن يختار للمنظمة الخاصة أكثر المناضلين حيوية وصلابة، وعلى أن تزود بأفضل الإطارات وعياً وتكويناً، فإنهم قرروا، بالنسبة للحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، أن تستفيد من المنخرطين الجدد ومن المناضلين والإطارات التي اكتشفت أمرهم المصالح الاستعمارية وأصبحوا غير قادرين على حياة السرية التي يستوجبها العمل في
стр. 148
إطار التنظيمين السياسي والعسكري.
وانتخب المؤتمر بالإجماع السيد الحاج مصالي رئيساً للحزب وزكى السيد حسين لحول للاستمرار في منصب الأمين العام، كما أنه عين لجنة من ستة أعضاء (١٨) أوكل لها مهمة تعيين اللجنة المركزية والمكتب السياسي، ويذكر السيد ابن يوسف بن خدة (١٩) أن اللجوء إلى هذه الطريقة، إنما كان بدافع الحفاظ على أعضاء القيادة السياسية الذين يستدعي واقع الحزب أن تبقى أسماؤهم سرية بقدر الإمكان.
أما من أعضاء المكتب السياسي، فإن السيد حسين آيت أحمد (٢٠) يذكر أن عددهم كان اثني عشر، لكن السيدين مسعود بوقادوم وابن خدة، فإنهما يعددان أربعة عشر عضواً (٢١).
وفيما يتعلق بتوزيع المهام، فإن كل المصادر متفقة على أن مسؤولية المنظمة الخاصة أسندت إلى السيد محمد بلوزداد والتنظيم السياسي إلى السيد أحمد بودة بينما كلف أحمد مزغنة بالحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية وتركت الشؤون الخارجية إلى الدكتور محمد الأمين دباغين.
هكذا ختم المؤتمر أشغاله بقرارات مرضية لجميع الأطراف، وراح كل طرف يسعى بكل ما لديه من إمكانيات للتدليل على أن أسلوبه هو الأنجع وطريقته هي الأمثل لاسترجاع الاستقلال الوطني. ولكي نتمكن من فهم الفترة الفاصلة بين تاريخ ذلك المؤتمر وميلاد جبهة التحرير الوطني فإننا لا نجد بداً من التعرض لجميع المراحل التي قطعها حزب الشعب الجزائري بوسيلتيه العسكرية والسياسية.
١ - الواجهة السياسية أو الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية .
هناك من يطلق على هذه التشكيلة السياسية تسمية: حركة انتصار الحريات الديموقراطية (٢٢)، وهناك من يسميها: حركة الانتصار للحريات الديموقراطية (٢٣) ونحن نعتقد، بعد التأمل في أصل التسمية الفرنسي، أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية هي أفضل ترجمة لعبارة: Mouvement pour le triomphe des libertés démocratiques التي تضمنها الملف الإداري الذي قدمه السيد الحاج مصالي لإضفاء طابع الشرعية على نشاطه السياسي وليتمكن، باسم حزب الشعب الجزائري، من المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية الثانية التي كان قد تقرر إجراؤها يوم ١٠ نوفمبر سنة ١٩٤٦.
стр. 149
وليس الاختلاف حول التسمية، وحده، هو الذي يستدعي التأمل والتفكير ملياً، بل إن المؤرخين لم يتمكنوا، حتى الآن، من الفصل نهائياً، فيما إذا كان يمكن التعامل مع تلك التشكيلة السياسية ككيان مستقل جاء بديلاً لحزب الشعب الجزائري الذي حلته الإدارة الاستعمارية، رسمياً، بتاريخ السادس والعشرين من شهر سبتمبر سنة تسع وثلاثين وتسعمائة وألف (٢٤)، أم هل يجب اعتبار الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية مجرد تسمية يلجأ إليها الحزب، فقط، لإضفاء طابع الشرعية على جزء مما يقوم به من نشاط يومي على مختلف الأصعدة وفي جميع الميادين.
وفيما يخصنا، فإننا نرجح الافتراض الثاني، ونعتقد أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية لا يمكن التأريخ لها في معزل عن حزب الشعب الجزائري الذي لم يختف مثل نجم شمال إفريقيا الذي غادر الساحة السياسية نهائياً، يوم ١١ مارس سنة ١٩٣٧.
فالحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، إذن، وكما سبقت الإشارة إلى ذلك، لم تكن سوى واجهة استعملها حزب الشعب الجزائري لتقديم مرشحية إلى الانتخابات التشريعية الفرنسية ثم أبقاها قناعاً لممارسة النشاط السياسي العلني. وعلى هذا الأساس، فإن اعتبارها حزباً قائماً بذاته يكون مغالطة تاريخية. وحتى عندما يقرن ذكرها بحزب الشعب الجزائري، فإن ذلك غير معقول لأننا، عندها نقول كذلك: حزب الشعب الجزائري/ المنظمة الخاصة (OS/PPA) تماماً مثلما نقول: MTLD/ PPA ومهما يكن من أمر، فإن المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية كانت تجربة فاشلة لأن الإدارة الاستعمارية لم تكن مستعدة لتغيير نظرتها الاستعمارية للجزائر التي أدرجتها المادة ستين من دستور ١٣/ ١٠/١٩٤٦ ضمن العمالات الفرنسية فيما وراء البحار. وطبقاً للمادة المذكورة وضعت السلطات الرسمية مشروعاً حكومياً أول بتاريخ ٢٤ سبتمبر ١٩٤٦ يهدف إلى ضبط القوانين التي تتحكم في تنظيم الجزائر وتسيير شؤونها. لكن المشروع لم يبرح قمطرات وزارة الداخلية بسبب تغيير الحكومة التي وضعته (٢٥) ونظراً لما أبداه غلاة الكولون من معارضة له رغم كل ما تضمنه من تجذير لفكرة الجزائر الفرنسية. وفي التاسع والعشرين من شهر ماي سنة ١٩٤٧ قام وزير الداخلية بإخراج المشروع من جديد إلى حيز الوجود وسلمه إلى اللجنة الدستورية ليأخذ طريقه الطبيعي من أجل أن يكون قانون الجزائر التنظيمي.
стр. 150
لم يكن ذلك المشروع الحكومي خطراً على الوجود الاستعماري في الجزائر، وعلى الرغم من ذلك، فإنه لاقى معارضة شديدة من طرف ممثلي الكولون الذين جندوا لمحاربته كل ما لديهم من إمكانيات. أما ممثلوا حزب الشعب الجزائري، فإنهم رفضوا مناقشته رفضاً مطلقاً لإيمانهم بأن مصير الشعب الجزائري لا يصنعه البرلمان الفرنسي، بل لابد من مجلس تأسيسي جزائري "ينتخب بواسطة الاقتراع العام من طرف كل المواطنين الجزائريين ويكون تعبيراً صادقاً عن إرادة الشعب الجزائري" (٢٦). فمثل هذا المجلس وحده هو الذي يستطيع وضع دستور تحدد بمقتضاه منطلقات وأسس الدولة الجزائرية.
لقد كان هذا هو موقف الحركة المصالية منذ مستهل الربع الثاني من القرن العشرين، ولم يتغير، في أساسه، حتى عندما كانت قيادة نجم شمال إفريقيا أو حزب الشعب الجزائري، فيما بعد تلجأ تكتيكياً، إلى مسايرة بعض التشكيلات الوطنية في دعوتها إلى تغليب الحل السياسي في ظل الشرعية الفرنسية. وكان ذلك الموقف مستمداً من إيمان تلك الحركة بأن الاستعمار لا يفهم سوى لغة العنف وبأنه لا يعطي للمستعمرين (بفتح الميم) إلا ما يؤخذ منه بالقوة.
على الرغم من هذا الموقف الواضح المستمد من تلك القناعة الراسخة، فإن القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري قد وافقت، بالإجماع، على إرسال ممثليها إلى المجلس الوطني الفرنسي حتى تتمكن من إيجاد ظروف جديدة تساعدها على إعادة تنظيم الحزب بشقيه السياسي والعسكري. ولقد استغل نواب الحزب فرصة تواجدهم في البرلمان الفرنسي ليعلنوا من أعلى منبره عن إرادة الشعب الجزائري في استرجاع سيادته وبعث دولته من جديد (٢٦).
لم يكن حزب الشعب الجزائري ينتظر من نشاطه السياسي العلني أن يبلغ حد إقناع غلاة الكولون بالتخلي عن تمسكهم بفكرة الجزائر الفرنسية. فالأوربيون كانوا يؤمنون بأن القوة وحدها هي التي أكسبتهم حق الهيمنة وحق العسف والاستبداد التي استطاع، بالتدريج، أن يهمش جماهير الشعب الجزائري ويجعلها تعيش غريبة في وطنها. ولأنهم كانوا يدركون ذلك جيداً فإنهم لم يكونوا يترددون في توظيف جميع إمكاناتهم المادية والأدبية من أجل الضغط على الأوساط السياسية الفاعلة في فرنسا حتى يسدوا كل المنافذ في وجه عناصر الحركة الوطنية الجزائرية.
هكذا، وفي الوقت الذي ظهر فيه نشاط الوطنيين الجزائريين داخل البرلمان الفرنسي وفي اتجاه التشكيلات السياسية المختلفة قصد إقناع الرأي
стр. 151
العام الفرنسي والرأي العام العالمي بضرورة تمكين الشعب الجزائري من انتخاب مجلس تأسيسي يكون منطلقاً لتسوية القضية الجزائرية التي ظلت قائمة منذ الخامس يوليو/ تموز سنة ١٩٣٠، فإن النواب الكولون قد ضاعفوا من التصريحات المشتملة على كل أنواع الترهيب والتهديد، مؤكدين"أن الأقلية الأوربية قد لا تتردد في الاستنجاد بغير الميتروبول إذا وافق المجلس الوطني على منح الجزائر قانوناً تنظيمياً يتنافى مع مصالح الكولون" (٢٧). وفي نفس السياق صرح السيد جاك جوفالي الذي سيكون فيما بعد رئيس بلدية الجزائر العاصمة: "إن أرض الجزائر هي أرضنا، وفيها نحن بين أهلنا .. إنها أرض فرنسية ومهما كان القول أو الفعل أو القرار من أية جهة كانت، فإن الجزائريين الفرنسيين لن يغادروها" (٢٨).
وكان حزب الشعب الجزائري يدرك، بدوره، أن ممثلي الكولون كانوا يسيطرون بالفعل على مصادر القرار في فرنسا، وعليه، وبالموازاة مع نشاطه السياسي في إطار الشرعية الفرنسية، فإنه خصص سنة ١٩٤٧ لإرساء قواعد المنظمة الخاصة والحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية حتى تتمكن كلاهما من تأدية الدور المحدد لهما من طرف المؤتمر.
وبينما كان الرأي العام منشغلاً بمشروع الحكومة الخاص بقانون الجزائر التنظيمي وبالمشاريع المضادة المقدمة من طرف الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري والحزب الاشتراكي الفرنسي والحزب الشيوعي الجزائري وبمعارضة الكولون المتزمتة لكل هذه المشاريع، كان حزب الشعب الجزائري يعمل على ترسيخ قواعده في أوساط الجماهير الشعبية، وقبل أن يصادق المجلس الوطني الفرنسي على قانون الجزائر التنظيمي استطاع أن يعقد أول مجلس وطني للحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية في الفترة ما بين ٤ و ٧ سبتمبر ١٩٤٧ (٢٩).
إن بعض المؤرخين، على غرار السيد محفوظ قداش (٣٠)، لم يضعوا ذلك الحدث في إطاره الطبيعي، واعتقدوا أن المجلس الوطني مؤتمر تأسيسي وكتبوا: "أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية قد نظمت نفسها كحزب سياسي" معتمدين في ذلك على كون أشغال المجلس قد أسفرت عن تعيين لجنة مديرة (٣١) وتوجت بالمصادقة على مجموعة من اللوائح (٣٢) تماماً مثلما يقع في المؤتمرات. إن مثل هذا التقييم غير سليم لأن المنطق لا يقبل حزباً في حزب، ولأن انتخابات اللجنة المديرة المشار إليها لم تلغ المكتب السياسي لحزب
стр. 152
الشعب الجزائري، بل أن رئيس اللجنة السيد أحمد مزغنة ظل عضواً بالمكتب السياسي المذكور ومسؤولاً عن التنظيم السياسي العلني تماماً مثلما كان السيد محمد بن الوزداد عضواً بنفس المكتب السياسي ومسؤولاً عن المنظمة الخاصة.
وحينما يتوقف الدارس عند اللوائحالمصادق عليها، فإنه يرى، بسهولة، أنها لم تكن سوى انعكاس مبسط للخط السياسي الذي ما فتئ حزب الشعب الجزائري يدعو إلى الالتزام به وللمنطلقات الإيديولوجية التي ظل يعتمدها في وضع سائر برامجه.
فلائحة السياسية العامة ترتكز على كون الإمبريالية الفرنسية التي اعتدت على الأمة الجزائرية لم تتمكن من القضاء على هذه الأخيرة رغم نجاحها في إلغاء الدولة الجزائرية ورغم كل العسف والاستبداد المسلطين على جماهير الشعب الجزائري منذ سنة ١٨٣٠. تعتمد اللائحة أيضاً، على كون الوطن الجزائري لم يستسلم أمام بطش الاستعمار وظل يقاوم بجميع الوسائل من أجل استرجاع الحرية والسيادة والكرامة. لأجل ذلك، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية مطالبة بالعمل في سبيل أهداف ثلاثة هي:
١ - إلغاء السيطرة الإمبريالية واسترجاع سيادة الشعب الجزائري.
٢ - بعث الدولة الوطنية بكل مقتضيات السيادة ومتطلباتها، أي ممارسة السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية.
٣ - تطبيق مبادئ الديموقراطية وفقاً للشعارات التالية: الكلمة للشعب، المجلس التأسيسي الجزائري المنتخب بواسطة الاقتراع العام والمباشر بواسطة هيأة انتخابية واحدة.
وترى لائحة العلاقات مع التشكيلات السياسية الجزائرية أن الاتحاد أداة حاسمة في الكفاح ضد الإمبريالية وضمان أساسي لانتصار القضية الجزائرية. وعلى هذا الأساس، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تلتزم بالترفع فوق كل الاعتبارات، مهما كان نوعها، في سبيل تحقيق الاتحاد الوطني حول الأرضية الأكثر عدلاً والأكثر فائدة للشعب الجزائري، أي حول العمل من أجل مجلس تأسيسي ذي سيادة كاملة.
ومن خلال اللائحة الخاصة بقانون الجزائر التنظيمي، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تذكر بأنها كانت قد حاربته في مستوى البرلمان الفرنسي عندما أنكرت على الأخير حق التشريع للشعب الجزائري.
стр. 153
وبما أن السلطات الاستعمارية لم تأخذ في الاعتبار موقف كل النواب الجزائريين الذين رفضوا مجرد المشاركة في مناقشة القانون المذكور، فإن الحركة قد حددت لمناضليها مجموعة من الأهداف العاجلة في مقدمتها:
أ - تشجيع معاداة الشعب الجزائري للقانون المزعوم الذي صادق عليه المجلس الوطني الفرنسي دون استشارته.
ب - تعبئة الجماهير الشعبية الواسعة ضد سياسة القوة والطغيان التي تمارسها الإمبريالية الفرنسية.
ج - إيجاد اتحاد حقيقي في سبيل المجلس التأسيسي الجزائري.
د - اعتبار محاربة قانون الجزائر التنظيمي مظهراً أساسياً من مظاهر الكفاح في سبيل الأمة الجزائرية ومن أجل الديموقراطية.
وتجسيداً لهذه اللوائح، وجهت قيادة حزب الشعب الجزائري نداء إلى مؤتمر الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري المنعقد بمدينة البليدة في الفترة ما بين ٣ و ٥/ ١٠/١٩٤٧ تدعو من خلاله إلى تحقيق "وحدة متينة مبنية على أسس أيديولوجية وبعيدة عن كل الاعتبارات الانتخابية وذلك من أجل تحرير الشعب الجزائري من الهيمنة الإمبريالية" (٣٣).
وكجواب على هذا الاقتراح ضمن المؤتمر برنامج السياسة العامة فقرة خاصة بقضايا الوحدة النضالية أكد فيها "أن الاتحاد يجب أن يشمل كل الأحزاب الديموقراطية دون تمييز عرقي، وأن تحرير الشعب الجزائري من نير الاستعمار إنما يتم في إطار سياسة ديموقراطية تستهدف الرقي الاجتماعي وإصلاح الهياكل إصلاحاً جذرياً" (٣٤).
وإذا كان هذا الجواب مشوباً بكثير من الغموض والتهرب من المسؤولية، فإن باقي اللائحة قد تضمن ما من شأنه أن يقرب بين التشكيلتين الوطنيتين. وبالفعل، فإن الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري قد أدان بكل صراحة الاتحاد الفرنسي والقانون التنظيمي المفروض على الجزائر، وأكد إيمانه بوحدة شمال إفريقيا وبضرورة إقامة الجمهورية الجزائرية بألوانها الوطنية وبرلمانها وحكومتها المسؤولة أمامه (٣٥).
وعلى الرغم من كل هذا التقارب الإيديولوجي، فإن حزب الشعب الجزائري قد دخل الانتخابات البلدية منفرداً بينما حاول الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري تشكيل قوائم مشتركة بينه وبين الحزب الشيوعي الجزائري في
стр. 154
عدد من المدن وذلك تحت شعار "في سبيل اتحاد وطني وديموقراطي ومن أجل حماية المصالح البلدية" (٣٦).
الانتخابات وعواقبها:
على خلاف التشكيلات السياسية الأخرى، دخلت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية معركة الانتخابات البلدية بهدف توظيفها لتعميم إيديولوجية حزب الشعب الجزائري، لأجل ذلك ضبطت شعارات واضحة وقريبة جداً من فهم سائر الفئات الاجتماعية (٣٧) وراحت تركز، من خلال الاجتماعات والتجمعات، على ضرورة التزام المواطن الجزائري ببرنامجها السياسي إذا كان يريد استرجاع حقوقه المغتصبة والخروج من دائرة التخلف والتهميش والحرمان.
وبفضل وعي المناضلين وحماسهم، استطاع حزب الشعب الجزائري أن يحول المناسبة إلى عرس وطني كبير سادته روح الأخوة والتضامن وتجندت، من خلاله، جماهير الشعب لتقول "لا" لغير العمل من أجل استرجاع الاستقلال الوطني ولتعلن، أمام الملأ، أنها تتبنى في معظمها، مرشحي الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، وأنها بذلك، تتحدى الإدارة الاستعمارية وترفض كل البرامج التي لا تدعو إلى محاربة قانون الجزائر التنظيمي ولا تهدف، أولاً وقبل كل شيء إلى بعث الدولة الجزائرية ذات السيادة المطلقة.
وكانت نتيجة الانتخابات تعبيراً آخر عن تفاعل الجماهير الشعبية مع سياسة حزب الشعب الجزائري، فمرشحوا الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية فازوا بأغلبية المقاعد المتنافس عليها وسيطروا كلية على أكثر من مائة بلدية، ولم يتمكن ما سمي في ذلك الوقت بالتحالف الديموقراطي من الوقوف في وجه التيار الجارف الذي جعل الحزب الشيوعي يعترف على أعمدة ... صحافته بأن جماهير الشعب الجزائري قد اختارت قوائم الحركة في كثير من البلديات (٣٨).
وكان من الممكن أن يكون انتصار حزب الشعب الجزائري في الانتخابات البلدية حافزاً لتحقيق الاتحاد مع الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين غير أن ذلك لم يحدث رغم جميع المحاولات والمساعي التي توقفنا عندها في دراستنا الخاصة بحزب السيد فرحات عباس. ولأن التشكيلات السياسية الوطنية لم تجد طريقها للاتحاد، فإن الإدارة
стр. 155
الاستعمارية قد استطاعت، بكل سهولة، أن تحول انتصار الوطنيين إلى نوع من الهزيمة تمثلت في رفض منتخبي المجموعة الأولى التعامل معهم وتمكينهم من تأدية مهامهم كما هي محددة في القانون.
واستخلص غلاة الكولون الدرس من تلك الانتخابات البلدية فتأكدوا أن معظم الجزائريين يؤيدون حزب الشعب في نشاطه الهادف إلى استرجاع الاستقلال الوطني، ولكي لا تتكرر نتائج الانتخابات البلدية في مستويات أخرى، عملوا بواسطة ممثلهم في حكومة باريس (٣٩) على استبدال الوالي العام السيد ايف شاتينيو بوزير التربية السابق السيد ايدموند نايجلان الاشتراكي المذهب والذي جئ به خصيصاً لسد جميع الطرق وبكل الوسائل في وجه كافة التشكيلات السياسية الوطنية.
ولقد استطاع الوالي العام الجديد، خلال الفترة التي قضاها في الجزائر، أن يربط اسمه بتزييف الانتخابات حتى صارت الطريقة النايجلانية مضرب الأمثال في سائر أنحاء البلاد. وكانت الانتخابات الأولى التي أشرف عليها هي تلك الخاصة بالجمعية الجزائرية التي نص على تأسيسها قانون الجزائر التنظيمي في مادته السادسة (٤٠).
ومرة أخرى لاحت في الأفق آمال الاتحاد بين التشكيلتين السياسيتين الوطنيتين لكن ذلك الأمل سرعان ما تلاشى بسبب موقف الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية التي اشترطت أن تكون الحملة الانتخابية تحت شعار: "الأمة الجزائرية ذات السيادة المطلقة" وأن تكون حصتها من المقاعد الثلثين غير أن ذلك لم يكن هو السبب الوحيد، بل لابد من الإشارة إلى رفض الاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري ثنائية العمل وإلحاحه على ضرورة إشراك الحزب الشيوعي الجزائري في ما يمكن تسميته بالجبهة الديموقراطية التي تكون قادرة على التصدي للمناورات الاستعمارية التي يقوم بها "تجمع الشعب الفرنسي" (٤١) الذي جعل شعاراً له "الجزائر ووهران وقسنطينة عمالات فرنسية وستبقى كذلك" (٤٢).
إن السببين المشار إليهما أعلاه لم يكونا كافيين لإجهاض عملية الاتحاد بين التشكيلتين الوطنيتين لأن اشتراط العمل تحت شعار: "الأمة الجزائرية ذات السيادة المطلقة" يلتقي في الأعماق مع الدعوة إلى تشكيل جبهة وطنية تتصدى لبرنامج تجمع الشعب الفرنسي الذي يهدف إلى الإبقاء على الجزائر الفرنسية. ولو أن قيادتي الحزبين تحاورتا جدياً في الموضوع لوجدتا طريقهما إلى ضبط
стр. 156
إطار تتضافر فيه الجهود الرامية إلى تخليص الجزائر من السيطرة الأجنبية.
إن هذا الافتراض لا يعني أن قيام الاتحاد بين الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري كان قادراً على تغيير نتائج الانتخابات. فهذه الأخيرة خطط لها بدقة كي تكون في غير صالح التوجه الوطني الذي ترى الإدارة الاستعمارية أنه "يهدد أمن الفرنسيين في الجزائر ويقضي على سمعة فرنسا ويؤدي إلى إلغائها نهائياً من شمال ... إفريقيا" (٤٣).
أما الموقف الأسلم بالنسبة للتشكيلتين الوطنيتين فكان هو المقاطعة، لأن الجمعية الجزائرية تتناقض كلية مع مشروع المجتمع الذي تدعو إليه كل واحدة منهما. ولأن الإدارة الاستعمارية كانت تدرك ذلك وتعلم أيضاً، أن انتخاب مرشحيهما سيمنع الجمعية المذكورة من أن تؤدي الدور المحدد لها في القانون التنظيمي ويسعى لتحويلها إلى مجلس تأسيسي يتنافى مع مصالح فرنسا في الجزائر، فإنها اختارت الحل الأسهل والأنجع بالنسبة إليها وهو التزييف بجميع أنواعه حتى يكون أعوانها هم الأغلبية الساحقة من بين ممثلي المجموعة الانتخابية الثانية.
وكان حزب الشعب الجزائري يعرف ذلك، ويعرف، أيضاً، أنه لا يستطيع منع الإدارة الاستعمارية من القيام بما يحلو لها، لكنه رغم كل ذلك، أصدر تعليمات واضحة إلى الإطارات والمناضلين في القاعدة يأمرهم، من خلالها، باستعمال جميع الوسائل بما في ذلك العنف بسائر أنواعه، للتعبير عن رفض تلك الإجراءات التعسفية. ومن جملة ما أمر به المناضلون في صفوف المنظمة الخاصة أن يضرموا النيران في الصناديق وفي المكاتب ذاتها عندما تقدم الإدارة الفرنسية على منع المواطنين من ممارسة حريتهم في التصويت على من يريدون. (٤٤)
هكذا خيم على الحملة الانتخابية جو من الرعب، وعم الساحة السياسية كثير من الاضطهاد الذي لجأت إليه الإدارة الاستعمارية قصد ترهيب الوطنيين وحملهم على التخلي عن حزبهم. وقد شمل الاضطهاد جميع المجالات بدءاً من عدم الترخيص بعقد ندوة المنتخبين التي اعتزمت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية عقدها بالعاصمة يوم ٢٥/ ١/١٩٤٨ وانتهاء باعتقال العديد من إطارات ومرشحي حزب الشعب الجزائري، مروراً بوقف "المغرب العربي" وتنظيم حملات التفتيش عبر مختلف أنحاء البلاد. وزيادة على كل ذلك،
стр. 157
أعطيت التعليمات للمسؤولين، على جميع المستويات، كي يمنعوا ممثلي الحركة الوطنية من مراقبة سير الاقتراع ومن المشاركة في عملية الفرز، وأذن لهم، في حالة
ظهور أدنى مقاومة، أن يستعملوا ضدهم مختلف أنواع العنف بما في ذلك الضرب والاعتقال وحتى القتل في الحالات المعقدة.
ففي هذا السياق، وضعت العدالة تهمتين يمكن إلصاقهما بكل من يراد حبسه. فهناك، أولاً، المساس بأمن الدولة وسيادتها إذا كان المتهم مناضلاً بارزاً أو إطاراً في حزب الشعب الجزائري. أما إذا كان مناضلاً بسيطاً أو من المحبين فقط فتهمته الإخلال بالنظام العام، وفي الحالتين يطبق القانون دون إعمال الظرف المخفف.
وبالرجوع إلى "الجمهورية الجزائرية" في عدديها الصادرين بتاريخ ٩ و ١٦/ ٤/١٩٤٨.
يجد الدارس نماذج متعددة من الاعتداء على حرية الانتخاب. فأحياناً تفتح الإدارة المكاتب في بيوتات بعض الأعيان الذين يغلقون أبوابهم إلا على الأصدقاء. (٤٥) وأحياناً أخرى تنقل المكاتب من أماكنها الرسمية دون إشعار المواطنين (٤٦). وفي أثناء الفرز يؤتى بصناديق جديدة مملوءة بأصوات أغلبيتها الساحقة لفائدة مرشحي الإدارة. وبالإضافة إلى كل هذه الإجراءات الاستبدادية كان الأجناد وأفراد الشرطة بأنواعها والجندرمة ورجالات الإدارة يلاحقون المنتخبين ويستعملون شتى الوسائل لإرغامهم على عدم إعطاء أصواتهم لمرشحي الحركة الوطنية الذين هم "عملاء ستالين والشيوعية" (٤٧) والذين لاهمَ لهم سوى "العمل على تحويل الجمعية الجزائرية إلى مجلس تأسيسي يرسي قواعد الدولة الجزائرية المستقلة" (٤٨).
كل هذه الإجراءات العسفية لم تنل من عزم المناضلين على الذهاب إلى أبعد الحدود في العمل من أجل تجسيد تعليمات الحزب على أرض الواقع، كما أنها لم تمنع إراقة الدماء بل إنها ساعدت كثيراً على تعبئة الطاقات الحية في البلاد كرد فعل للتدليل على أن جماهير الشعب في الجزائر تسير وراء حركتها الوطنية وأنها مستعدة للتضحية القصوى من أجل إقامة الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية.
ومن الجدير بالذكر أن المعارك التي طبعت يوم الانتخابات والتي جرت بين أفراد القوات المسلحة الفرنسية وجحافل المواطنين في أماكن عديدة من أنحاء الوطن قد أسفرت عن استشهاد كثير من الجزائريين وجرح أعداد كبيرة
стр. 158
منهم. ولقد عملت الصحافة الاستعمارية على تصوير بعض تلك الأحداث على طريقتها المتميزة بتناقض الأخبار وتزييف الحقائق وعلى سبيل المثال نورد نبأ ما وقع في
قرية أولاد فرحة الكائنة على بعد ١٥ كلم من سور الغزلان نقلاً عن "ليكودلجي" في عددها الصادر بتاريخ ٥/ ٤/١٩٤٨. "اجتاح مكتب الانتخاب ما بين ١٠٠٠ و ١٥٠٠ من مناضلي حزب الشعب الجزائري. فغادرت مجموعة من الحرس المتنقل سور الغزلان قصد استرجاع النظام والأمن، لكن حوالي ٢٠٠٠ متظاهراً استوقفوا شاحنتهم واعتدوا عليها وعلى ركابها مما جعل الحرس الجمهوري يطلق النار محدثاً سبعة قتلى وكثيراً من الجرحى".
وعلى الرغم من يقظة المناضلين واستبسالهم في المقاومة وفي التصدي لاعتداءات الإدارة الاستعمارية، فإن هذه الأخيرة قد سيطرت كلية على عملية الفرز وزيفت النتائج بحيث أعطت لمرشحيها واحداً وأربعين مقعداً من جملة الستين المخصصة للمجموعة الانتخابية الثانية. أما الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية فإنها لم تأخذ سوى تسعة في حين كان ينبغي أن تفوز بالأغلبية الساحقة وذلك بشهادة السيد فرحات عباس نفسه (٤٩).
إن النتائج، في حد ذاتها، لم تكن هي المعنية بالنسبة لحزب الشعب الجزائري الذي لم يغير سياسته الرافضة للقانون التنظيمي نفسه والتي ظلت، منذ تأسيس نجم شمال إفريقيا، تهدف إلى تقويض أركان الاستعمار وبعث الدولة الجزائرية من جديد. أما ما عدا ذلك فوسائل لابد من توظيفها لتحقيق الغرض الأساسي. ومن هذا المنطلق، فإن الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية تكون، رغم قلة المقاعد التي منحت لمرشحيها، قد أحرزت نجاحاً باهراً تمثل خاصة في تعبئة جماهير الشعب حول البرنامج الإجمالي لحزب الشعب الجزائري وفي تأكد القيادة السياسية لهذا الأخير من ربحها ثقة الأغلبية الساحقة من الجزائريين.
ولأن هدف الحزب السياسي لم يكن هو المشاركة في أشغال الجمعية الجزائرية التي كان يدرك جيداً أنها لن تكون سوى أداة طيعة في خدمة مصالح الكولون، فإن منتخبيه قد تلقوا تعليمات صارمة كي يبذلوا كل ما في وسعهم لتحويل جميع جلسات الجمعية المذكورة إلى مناسبات للتذكير بإرادة الشعب الجزائري في مواصلة النضال ضمن إطار الحركة الوطنية من أجل استرجاع السيادة الوطنية المغتصبة وإقامة الجمهورية الجزائرية الديموقراطية الاجتماعية ببرلمانها وحكومتها وألوانها الوطنية.
стр. 159
ولأجل ذلك تجدر الإشارة إلى أن المؤرخين الذين يجعلون تزييف الانتخابات من الأسباب الرئيسية التي أدت إلى إشعال فتيل ثورة نوفمبر ١٩٥٤ مخطئون في
تحليلهم، لأن الانتخابات في جميع مستوياتها إنما كانت تجري، فقط، في إطار السيادة الفرنسية التي هي إلغاء للسيادة الوطنية الجزائرية التي لم تبرح جماهير الشعب تناضل بقيادة الطلائع الواعية من أجل استرجاعها. إن هذه الحقيقة كلما تكررت ازدادت وضوحاً وتجلت الحاجة إلى تكرارها مرات ومرات.
حزب الشعب الجزائري وما يسمى بالأزمة البربرية .
يذكر السيد محفوظ قداش أن "الأمة البربرية ظهرت بعد انتخابات ١٩٤٨ وهي وليدة النقاش الذي دار حول عدم جدوى سياسة المشاركة في البرلمان الفرنسي". (٥٠) إن هذا الطرح لا يختلف في شيء عن رأي السيد روبرت آجرون الذي يزعم مثل السيد قداش، أن الأزمة المذكورة تندرج في إطار الانقسامات الداخلية التي تعرض لها حزب الشعب الجزائري ابتداء من شهر أغسطس سنة ١٩٤٨ (٥١). وفي الواقع فإن الطرحين بعيدان كل البعد عن الحقيقة التي يلامسها كل من السيدين محمد حربي (٥٢). وابن يوسف بن خدة (٥٣) اللذين يرجعان المسألة إلى التناقض الإيديولوجي الذي تبلور، في تلك السنة، بسبب إقدام بعض العناصر المدسوسة في قيادة الحزب بفرنسا على الجهر بمعاداتها للعروبة والإسلام وعلى الدعوة الصريحة لبناء جزائر لائكية بروليتارية.
ومن بين كل الذين عالجوا هذا الموضوع، فإن السيد ابن يوسف بن خدة هو الأكثر وضوحاً في الرؤية والأقرب إلى الحقيقة حيث يرجع المسألة إلى حجمها الطبيعي مؤكداً أن السياسة الاستعمارية هي التي مهدت لتلك الأزمة قصد توظيفها من أجل تقسيم أبناء الشعب الواحد وتعميم بعض المصطلحات المساعدة على تكريس "الأمة الجزائرية في طور التكوين" وهو الشعار الذي كان قد رفعه، في الثلاثينات السيد موريس توريز، الأمين العام للحزب الشيوعي الفرنسي وتبناه، بدون مناقشة، سائر الشيوعيين الجزائريين (٥٤). ولتوضيح فكرته، يضيف السيد ابن خدة قائلاً: "يعود ظهور النزعة البربرية في صفوف الحزب إلى سنتي ١٩٤٦ - ١٩٤٧". وبالرجوع إلى كل هذه المعطيات والتوقف عندها ملياً، نستطيع التأكيد على أن ما يسمى بالأزمة البربرية إنما هي مؤامرة
стр. 160
خططت لها الإدارة الاستعمارية لزرع الشقاق في أوساط حزب الشعب الجزائري قصد منعه من توظيف الدروس المستخلصة من حركة مايو الثورية التي برهنت بما لا يدع أي مجال للشك على أن الشعب الموحد وراء قيادة متنورة قادر على صنع المعجزة. وقد استفاد من مراحل تنفيذ المؤامرة كل من الشيوعيين واللائكيين الذين يهمهم
ضرب الإيديولوجية الوطنية في أعماقها. الشيوعيون وجدوا فيها ضالتهم التي ركبوها للتدليل على أن الأمة الجزائرية لم توجد بعد وما العرب والقبائل إلا بعض العناصر المكونة لها وهي ملزمة بالعمل على أن تتعايش مع بقية العناصر التي من جملتها: اليهود والفرنسيون والإيطاليون والمالطيون والإسبان والأتراك، وأما اللائكيون، فإنهم استغلوا الوضع الجديد للمطالبة بتحييد الإسلام عن كل نشاط سياسي خاصة وأن معظمهم من ضحايا حركة التنصير في الجزائر.
ولقد كان السيد كريم بلقاسم (٥٥) من المسؤولين الأوائل الذين تفطنوا للمؤامرة، وتصدوا لها بكل إمكانياتهم المادية والأدبية، يكفي أنه كان يردد في سائر الاجتماعات التي كان يترأسها عبر مختلف أنحاء ولاية تيزي وزو: إن النزعة البربرية لا يمكن إلا أن تضر مساعينا الوطنية. إنها سلاح فتاك نضعه بأنفسنا بين أيدي عدونا الاستعمار "وفي يوم من الأيام، سوف تقودنا هذه الفكرة إلى التناحر فيما بيننا نحن الذين توحدنا عقيدة واحدة" (٥٦).
لم يكن هذا الموقف الواعي وليد الصدفة ولا من محض تفكير السيد بلقاسم كريم، بل أن إيديولوجية الحزب وسائر برامجه السياسية هي التي فرضت ذلك وهي التي لم تتوقف الإدارة الاستعمارية عن السعي للقضاء عليها بجميع الوسائل. فالعروبة والإسلام يشكلان الأرضية الصلبة التي تتركز عليها مقومات الأمة، وقد كان حزب الشعب الجزائري يتخذ منهما تعبيراً عن الذاتية الجزائرية ويأتي بهما في مقدمة مقومات الأمة التي تترابط بها أجزاؤها وتتوحد ميولات أبنائها من أجل الاستماتة في سبيل استرجاع السيادة المغتصبة والكرامة المهدورة وبعث الدولة المغيبة. كل هذا، كان المناضلون يعرفونه ويؤمنون به ويعملون لنشره في أوساط الجماهير الشعبية، وكان القياديون، أكثر من غيرهم، يجهدون النفس في سبيل ذلك ويرفضون أن يعتدى عليه من أي كان.
ولقد كانت الإدارة الاستعمارية تدرك جيداً الدور الإيجابي الذي تؤديه العروبة والإسلام في عملية التوعية والتجنيد الضرورية لتنظيم الشعب الجزائري وإعداده لخوض المعركة الحاسمة، ولأنها كانت تدرك ذلك، فإنها
стр. 161
ومباشرة بعد حركة مايو الثورية قد لجأت إلى اختيار عدد من العناصر (٥٧) المتشبعة بالثقافة الغربية والمتنكرة بجهلها للحضارة العربية الإسلامية، فدفعت بها إلى صفوف حزب الشعب الجزائري تفجرها من الداخل، وساعدت على إنجاز تلك المهمة مجموعة من العوامل أهمها ما يلي:
١ - خيبة الأمل التي أصابت القواعد المناضلة في حزب الشعب الجزائري من جراء الأوامر المضادة التي منعت الثورة من الانتشار وفقاً للمخطط الذي وضع لها والذي تعرضنا له بالتفصيل في معالجتنا لحركة مايو الثورية.
٢ - ملل الإطارات القيادية الشابة والمتعلمة منها على وجه الخصوص من الرتابة، وجنوحها إلى كل ما من شأنه أن يحدث الانقلاب الجذري في مناهج التسيير الحزبي التي طغى عليها القرار الفردي بحجة الالتزام بمبدأ الانضباط واحترام السلم التصاعدي.
٣ - ضعف التكوين الأيديولوجي في أوساط القواعد المناضلة وذلك نتيجة اكتفاء القيادات، على جميع المستويات، باجترار بعض المبادئ والأهداف دون اللجوء، من حين لآخر، إلى عمليات الإثراء التي تأخذ في الاعتبار تطور واقع المجتمع وإمكانيات العمل من أجل تحسينه.
٤ - تخاذل الأنظمة العربية أمام الهجوم المنظم الذي شنه الصهاينة على فلسطين، وتلاحق الهزائم العسكرية التي عزتها الدعاية الإمبريالية إلى تخلف الإسلام وعجزه عن مواكبة العصر وتمكين المسلمين من النفاذ إلى ميادين العلم والتكنولوجيا.
وكان أكثر العناصر المدسوسة حقداً على العروبة والإسلام الطالب رشيد علي يحيى الذي لم يكن مناضلاً معروفاً، بل أن صلة الرحم هي التي جعلت عضو اللجنة المركزية واعلي بناي (٥٨) يتدخل، من سجنه، لدى مسؤول التنظيم السيد أحمد بوده ملتمساً مساعدته على الالتحاق بصفوف فدرالية الحزب بفرنسا وهو ما وقع بالفعل.
ربما أن المساعدة كانت مصحوبة بتوصية، فإن علي يحيى قد تمكن من المشاركة في الندوة الفدرالية التي انعقدت إثر وصوله إلى فرنسا في شهر نوفمبر سنة ١٩٤٨، وليس ذلك فقط، بل أن التوصية قد فتحت له كذلك باب المسؤولية فعين من بين أعضاء اللجنة المديرة وأسندت له رئاسة تحرير جريدة النجم التي سارع إلى توظيف أعمدتها لنشر النظرية الاستعمارية كما وردت في
стр. 162
أدبيات الحزب الشيوعي. "فالجزائر ليست عربية .. وعروبتها ادعاء باطل يتنكر لوجود العناصر البربرية والتركية وغيرها .. وليس صحيحاً ما ينسب للإسلام من دور أساسي في تحديد الهوية السياسية الجزائرية .. ولأجل ذلك يجب أن تكون اللائكية هي السائدة في برنامج حزب الشعب الجزائري". (٥٩).
والحقيقة أن منظري الاستعمار الفرنسي يلتقون مع الشيوعيين الفرنسيين والجزائريين حول مكونات الأمة الجزائرية. فالأوائل يعتبرون شمال إفريقيا مهداً للكنيسة والبربر حماة لهم وهم، أي البربر يختلفون كلية عن العرب كما جاء ذلك في "رسالة الجزائر" التي كتبها Alexis de Tocqueville(٦٠) يوم ٢٣/ ٦/١٨٣٧. أما جول فيري Jules Ferry(٦١) فقد أمر الحاكم العام بضرورة الإسراع في فتح أكبر عدد ممكن من المدارس في منطقة القبائل الكبرى لأنها "الأكثر استعداداً للاندماج نظراً لطبع السكان وعاداتهم وتقاليدهم" (٦٢) وبتاريخ ٢٣/ ٨/١٨٩٨، عندما أنشئت المندوبيات المالية، قررت الإدارة الاستعمارية أن يكون هناك فرعان: عربي وقبائلي للتدليل على أن ثمة جنسين متعايشان في الجزائر. وأما الشيوعيون، فإنهم ظلوا، إلى نهاية الأربعينات من هذا القرن، متشبثين بنظرية أمينهم العام السيد موريس توريز التي سبقت الإشارة إليها ولا داعي إلى التوقف عندها هنا.
من هذا المنطلق، نستطيع القول إن ما يسمى بالأزمة البربرية إنما هي تعبير، بأسلوب مغاير، عن موقف اللائكيين والشيوعيين المنادي بمحاربة العروبة والإسلام، ومما لا شك فيه أن ذلك الموقف ناتج أساساً عن تأثير الثقافة الغربية في أصحابه الذين زاد في تعصبهم جهلهم المطلق للدين الإسلامي.
إن السيد محمد حربي في معالجته لهذا الموضوع يذكر أن من العوامل التي أنتجت "الأزمة البربرية" فشل حزب الشعب الجزائري والحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية في وضع إيديولوجية تتلاءم مع التنوع الجزائري، وخيبة الانتظار أمام التعبئة السياسية التي عرفتها سنوات ١٩٤٥/ ١٩٤٩ (٦٣) فهذا الحكم غير صحيح لأنه يعتمد على واقع مزيف أوجده الاستعمار، في الأساس، لضرب دعائم المجتمع الجزائري، إذ أن التنوع الذي يتحدث عنه السيد محمد حربي ليس طبيعياً بل هو مصطنع والمقصود منه كما يعترف بذلك السيد Emil Masquray مدير مدرسة الآداب في الجزائر "وهو محاربة الإسلام عدونا الأبدي" (٦٤) ولتجسيد التمايز في أوساط جماهير الشعب الجزائري، بادرت الإدارة الاستعمارية منذ سنة ١٨٥٧ إلى ترسيم "العرف
стр. 163
القبائلي" كمصدر للتشريع في "القبائل الكبرى" عوضاً عن القرآن والسنة (٦٥). مع العلم بأن مصطلحات "القبائل" و"القبائلي" و"القبائل الصغرى" و"القبائل الكبرى" كلها لم تكن معروفة قبل سنة ١٨٣٠ حيث كان المجتمع في أغلبيته الساحقة قبلياً.
فإذا كان هذا التنوع مصطنعاً وهو في أساسه من اختراع منظري الاستعمار الذين استهدفوا توظيفه لمنع الطاقات الوطنية الحية في الجزائر من أن تسلك
طريق الوحدة النضالية في سبيل استرجاع الاستقلال المغتصب، فكيف يطلب من حزب الشعب الجزائري أن يكيف أيديولوجيته معه؟ ولو فعل، فإنه، إذن، يكون قد وقع في فخ الإدارة الكولونيالية.
أما عن خيبة الانتظار التي جعل منها السيد محمد حربي العامل الثاني الذي أنتج "الأزمة البربرية" فإنها لم تكن خاصة بمناضلي منطقة دون أخرى، وإذا كانت فيما يسمى بمنطقة القبائل، قد أنتجت "الأزمة البربرية"، فماذا تكون قد أنتجت في المناطق الأخرى من البلاد؟ وبالإضافة إلى ذلك، فإن المدة المذكورة لم تكن فترة انتظار، بل كانت، على العكس، كلها إعداد واستعداد كما ذكرنا ذلك في الجزء المتعلق بالمنظمة الخاصة. وإذا كان لابد من تحديد فترة للانتظار الممل، فإنها تكون تلك الممتدة من سنة ١٩٤٩ إلى غاية اندلاع ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤. صحيح أن حزب الشعب الجزائري، مثل سائر التشكيلات السياسية في العالم، قد عرف، في بعض مراحل حياته صراعات داخلية حول موضوعات مختلفة، لكن ما يسمى بالأزمة البربرية لم يكن واحداً من تلك الصراعات التي هي ضرورية لتحقيق النمو والتطور، بل أن أدلة كثيرة تبرهن على أن التخطيط لها كان من خارج الصفوف وهو يهدف، بالدرجة الأولى، إلى خلق المشاكل المصطنعة التي تكون قادرة على عرقلة المسار النضالي الذي يتوقف نجاحه على وحدة التوجه ووحدة الهدف. وإذا كنا لا نستطيع، هنا، سرد جميع الأدلة، فإننا نرى ضرورياً التوقف عند ما يلي:
١ - إن الذين تصدوا للمؤامرة بشتى الوسائل كلهم من أبناء ما يسمى بمنطقة القبائل الذين لا يستطيع المزايدة عليهم أحد. فالسيد بلقاسم راجف، الذي قام بالدور الحاسم في تلك المواجهة، كان يحظى باحترام كبير في أوساط المغتربين الذين كان رشيد علي يحيى وجماعته يعتقدون أنهم يشكلون قاعدة متينة لحركتهم، لأجل ذلك فإن العملية سرعان ما خبت نيرانها ولم ينجح المتآمرون في إرساء قواعد ما أسموه يومها بحزب
стр. 164
الشعب القبائلي (٦٦).
٢ - إن إطارات حزب الشعب الذين وجدوا أنفسهم، لسبب أو لآخر، متورطين في العملية قد سارعوا إلى التراجع معبرين، على أعمدة الصحافة وبواسطة المنشورات، عن إدانتهم للمتطرفين ومؤكدين "إن حزب الشعب القبائلي لا وجود له ولا يمكن أن يرى النور لسبب واضح وهو عدم وجود غير شعب جزائري واحد" (٦٧).
٣ - إن المؤامرة لم تتجاوز ما يسمى بمنطقة القبائل وفي، فرنسا، ظلت محصورة في أوساط المغتربين منها دون أن تتمكن من الانتشار في صفوف المغتربين الآخرين وخاصة منهم القادمين من المناطق التي بقيت محافظة على الطابع البربري الأصيل مثل الأوراس النمامشة والهقار ووادي ميزاب. ولو كانت هناك قضية بربرية، كما يزعمون، لكانت المناطق المذكورة هي المهد لها والمنطلق.
٤ - إن الذين أخبروا قيادة الحزب بما تدبره العناصر المتآمرة كلهم من أبناء ما يسمى بمنطقة القبائل، ولم يفعلوا ذلك إلا لتشبعهم بإيديولوجية الحركة المصالية التي لم تتوقف، أبداً، عن اعتبار العروبة والإسلام مقوماً حيوياً للشعب الجزائري. يكفي هنا، الإشارة إلى اندهاش السيد بلقاسم راجف عندما بلغه نبأ المؤامرة وقوله لمسؤول التنظيم السيد أحمد بوده: "إنني أرفض أن أتصور مجموعة من مناضلي حزب الشعب الجزائري يثمنون التمايز العرقي ويدعون إلى تشتيت جماهير الشعب" (٦٨).
وبمجرد انتشار نبأ تمرد فدرالية الحزب في باريس وظهور نزعة تساند ذلك داخل العاصمة خاصة، قررت القيادة إرسال السيدين شوقي مصطفاي والصادق سعيدي إلى فرنسا من أجل اجتثاث المرض. وكان اختيار الرجلين مقصوداً لانتمائهما معاً إلى ما يسمى بمنطقة القبائل. وقد كان الأول نائباً ثانياً لرئيس الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية، بينما كان الثاني عضواً بالمكتب السياسي المنتخب على إثر مؤتمر فيفري سنة ١٩٤٧.
وعلى الرغم من كل تلك المواصفات، فإن مبعوثي المكتب السياسي لم ينجحا في مهمتهما، الأمر الذي جعل الحاج مصالي يلجأ إلى السيد بلقاسم راجف الذي وظف كل الوسائل بما في ذلك العنف واستطاع أن يسترجع فدرالية الحزب في فرنسا على إثر مجلس اتحادي عقد في شهر أفريل سنة ١٩٤٩
стр. 165
واختتم أشغاله بطرد المنشقين وبالمصادقة على لائحة تؤكد "التمسك بأيديولوجية حزب الشعب الجزائري وبالحاج مصالي" (٦٩).
وإذا كانت مهمة القضاء على حركة التمرد صعبة في فرنسا حيث تطلب ذلك استعمال العنف واللجوء إلى شتى وسائل الإقناع، فإن الأمر، في داخل البلاد، قد اقتصر على فصل العناصر المتورطة في العملية التي لم تتأثر بها "سوى قسمة عين الحمام من جملة القسمات الثلاث عشرة التي تشتمل عليها بلاد زواوة" (٧٠).
ومن خلال شهادات الأحياء من المسؤولين وبالرجوع إلى ما هو متوفر لدينا من وثائق، نستطيع القول إن الحاج مصالي قد وظف ما يسمى بالأزمة البربرية ليتخلص من منافسه الأول الدكتور محمد الأمين دباغين وعدد من أنصاره الفاعلين.
وإذا كان صحيحاً أن حزب الشعب الجزائري قد تغلب بسهولة على محاولة التفجير التي أرادتها له الإدارة الاستعمارية، وإذا كان صحيحاً، أيضاً، أن الحاج مصالي قد حقق، بتلك المناسبة، انتصاراً شخصياً فإن صفوف الحزب قد أصيبت في أعماقها وخسرت، في ظرف قصير جداً، عدداً هائلاً من المناضلين الأكفاء الذين ينتمون، فعلاً، إلى ما يسمى بمنطقة القبائل لكنهم لم يكونوا، في ذلك الوقت، يحملون الفكرة البربرية المناهضة للعروبة والإسلام. وفي نظرنا، فإن السيد حسين آيت أحمد كان أكبر المتضررين شخصياً ووطنياً، لأنه أقصي عن مسؤولية المنظمة الخاصة قبل أن ينجز برنامجه الثوري الذي كان يطمح أن ينتهي به إلى إشعال فتيل الثورة، هذا من جهة، ولأنه، من جهة ثانية، تعرض إلى تقزيم عسفي مازال يلاحقه إلى يومنا هذا.
لقد كان في استطاعة قيادة حزب الشعب الجزائري أن تتعامل مع الموضوع بأسلوب مغاير يمكن من اكتشاف المتسللين إلى الصفوف بغرض والمنحرفين عن الخط الإيديولوجي لسبب أو لآخر ومعاقبة كل منهم العقاب الذي يستحقه. وفي المقابل، كان ينبغي أن يفتح الحوار مع المناضلين الذين كانوا قد أبدوا كل الاستعداد للتعاون مع المكتب السياسي من أجل تصفية الأجواء ويأتي السيد حسين آيت أحمد في مقدمة أولئك المناضلين. ولأن قيادة الحزب لم تفعل ذلك، فإنها، رغم ما حققته من نتائج آنية، قد ساهمت في حرمان الحركة الوطنية، من طاقات ثورية برهنت على نجاعتها في الميدان، ودفعت، من حيث لا تدري، بكثير من الإطارات في أحضان الحزب الشيوعي
стр. 166
الجزائري الذي فتح لهم ذراعيه ورقاهم إلى كثير من مناصب الحل والربط في صفوفه. (٧١).
الحزب وسائر الفئات الاجتماعية:
كانت الحركة المصالية، في أساسها، تركز كل آمالها على فئة العمال والمعدمين من أبناء الشعب الجزائري، ثم جاءت حركة مايو الثورية فعززت قناعة قيادة حزب الشعب الجزائري بضرورة تنظيم كل الفئات الاجتماعية حتى تجعل
منها امتداداً طبيعياً للتنظيم السياسي، ولكي يسهل تجنيدها وتأطيرها عند الحاجة.
هكذا ومباشرة بعد مؤتمر شباط سنة ١٩٤٧، شرع حزب الشعب الجزائري في إنشاء هيآت نقابية للحرفيين أسماها الاتحاديات مستفيداً، في ذلك، من التجارب السابقة التي حاول، من خلالها، تأسيس نقابة وطنية على غرار الاتحاد العام للعمال التونسيين والتي كانت في كل مرة، تصطدم بمعارضة النقابات الفرنسية التي كانت تعتبر الجزائر جزءاً لا يتجزأ من فرنسا. وبسرعة فائقة ظهرت إلى الوجود، وفي نفس الوقت تقريباً، اتحاد الخبازين واتحاد الخضارين واتحاد التجار الصغار واتحاد أصحاب المطاعم واتحاد الحلاقين وغيرها. وقد كانت كلها تسير من طرف مناضلين محنكين. وفي داخل الاتحاد العام للعمال نفسه زرع الحزب خلايا قوية أسند إليها مهمة تكوين المناضلين النقابيين. وقد برزت أسماء كثيرة قامت بأدوار ريادية في مجال التنظيم النقابي خاصة بعد إشعال فتيل ثورة نوفمبر سنة ١٩٥٤ (٧٢).
وفي شهر حزيران (يوليو) سنة ١٩٤٧، أسس الحزب جمعية النساء المسلمات الجزائريات بتنشيط ورئاسة السيدة مامية شنتوف (٧٣) وعضوية كل من نفسية حمود (٧٤) وسليمة بلحاف (٧٥) ومليكة مفتي (٧٦) وباية نوار (٧٧) بالإضافة إلى السيدتين شرشالي وبومعزة (٧٨). وعلى الرغم من أن هذا التنظيم النسوي لم يتجاوز نشاطه دائرة الجزائر العاصمة، فإن أهم عضواته قد تميزن بنفس نضالي طويل وبرهن على قدرة فائقة في تعبئة أعداد كبيرة من النساء وتوعيتهن بمتطلبات الكفاح التحريري. وبعد استرجاع الاستقلال الوطني كانت نفس السيدات شنتوب وحمود وبلحاف على رأس الاتحاد العام للنساء الجزائريات وذلك بعد أن قامت كل منهن بدورها في إطار جبهة وجيش التحرير الوطني.
стр. 167
وفيما يتعلق بالطلبة، فإن حزب الشعب الجزائري الذي كان قد تغلغل في أوساط جمعية طلبة شمال إفريقيا المسلمين بواسطة المناضل الطالب محمد يزيد (٧٩) سنة ١٩٤٤، وأنشأ، بواسطة خلاياه النشطة بالجزائر، عدداً من جمعيات التلاميذ في كثير من ثانويات الوطن (٨٠)، فإنه التفت بحزم وعزم إلى جامع الزيتونة واستطاع، في شهر نوفمبر سنة ١٩٤٧، أن يفوز بقيادة جمعية الطلبة الجزائريين التي كانت قد تأسست سنة ١٩٣٤، وظلت حتى تلك السنة تنشط تحت إشراف ورعاية جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
وفي نفس سنة ١٩٤٧، تمكن حزب الشعب الجزائري من السيطرة على منظمة الكشافة الإسلامية الجزائرية التي كانت قد تأسست بمناسبة مرور قرن
على احتلال الجزائر، وظلت تنشط في إطار قريب جداً من جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. أما في تلك السنة، فإن الجمعية العامة التي انعقدت بسيدي فرج في شهر سبتمبر، قد انتخبت قيادة جديدة كلها من مناضلي أو محبي الحركة المصالية (٨١).
وإلى جانب هذه المنظمات الوطنية، فإن حزب الشعب الجزائري قد بذل جهوداً كبيرة لتأسيس جمعيات رياضية (٨٢) ومراكز ثقافية ومجموعة من المدارس الحرة على غرار مدارس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
كل هذا النشاط التنظيمي قد مكن حزب الشعب الجزائري من الانتشار بقوة في أوساط سائر فئات المجتمع، مما دفع الإدارة الاستعمارية إلى تزييف الانتخابات على جميع مستوياتها وبالتالي من استعمال كل الوسائل لسد طريق السلطة في وجه كافة التشكيلات السياسية الوطنية، ولقد أدركت قيادة الحزب هذه الحقيقة وتيقنت القواعد الحزبية من أن مسلك ما يسمى بالشرعية السياسية لا يمكن أن يقود إلى تسوية القضية الجزائرية التي هي قضية استعمارية ليس لها حل غير الكفاح المسلح، لأجل ذلك فإن أنصار هذا الأخير قد عادوا، بقوة، للمطالبة بالتراجع عن السياسة التي أقرها مؤتمر فبراير سنة ١٩٤٧.
اجتماع زدين والبليدة ونتائجه:
هكذا تعود المؤرخون والمهتمون بالحركة الوطنية الجزائرية أن يسمو الدورة الموسعة التي عقدتها اللجنة المركزية لحزب الشعب الجزائري في نهاية شهر ديسمبر سنة ١٩٤٨. وكما يستنتج بسهولة من التسمية، فإن المجتمعين قد بدأوا أشغالهم بزدين (٨٣) حيث مزرعة السيد جيلالي عبد القادر بلحاج (٨٤)
стр. 168
المفتش العام للمنظمة الخاصة، وأنهوها بمدينة البليدة.
كانت الدورة من أهم اللقاءات التي جمعت قيادة حزب الشعب الجزائري فمن خلال أشغالها تبين أن النشاط السياسي في إطار الشرعية الفرنسية ضرب من الأوهام، ولم يعد أمام الحزب سوى التركيز على تدعيم وتطوير المنظمة الخاصة التي تستطيع وحدها تقديم الحل الجذري للقضية الجزائرية والمتمثل حسب السيد حسين آيت أحمد في "تعميم فكرة الكفاح المسلح والعمل على إقناع جماهير الشعب بأن الأراضي المغتصبة بحد السلاح لن تسترجع إلا بالسلاح" (٨٥).
وعليه، أكد نفس المسؤول "أنه ينبغي الدخول، فوراً، في حرب عصابات
تخوضها الطلائع التي تم تكوينها عسكرياً وجماهير الشعب التي وقعت تعبئتها سياسياً وتم تأطيرها على أحسن وجه" (٨٦).
وعلى الرغم من أن التقرير المطول والمركز الذي قدمه مسؤول المنظمة الخاصة لم يحظ بإجماع المشاركين في الدورة، فإن اللائحة الختامية التي صادقت عليها اللجنة المركزية قد أكدت ضرورة تزويد المنظمة الخاصة بكل الإطارات والمناضلين الذين تتوفر فيهم الشروط السياسية والعسكرية لخوض معركة التحرير التي "سوف تكون صعبة وطويلة" كما جاء في ختام التقرير المذكور. ولقد اعتبر السيد علي محساس اللائحة الختامية للجنة المركزية "تعبيراً واضحاً عن فشل تجربة النشاط السياسي في إطار الشرعية ... الفرنسية" (٨٧).
ودائماً في إطار هذا المسعى الثوري اقترح عضو اللجنة المركزية السيد عمار ولد حمودة (٨٨) على الدورة أن تعطي السلطة المطلقة للدكتور محمد الأمين دباغين لتسيير سياسة الحزب الخارجية لكن أعضاء المكتب السياسي رفضوا ذلك وفضلوا الحل الذي جاء به الرئيس مصالي والقاضي بتعيين السيد حسين لحول أمينا عاماً. ورأى الدكتور دباغين في ذلك التعيين إدانة مقنعة للمشاريع التي كان يلوح بها من أجل تقويم الحزب وتطويره في جميع الميادين. لكن مسؤول التنظيم السري، السيد أحمد بودة في ذلك الوقت، يعطي تفسيراً مغايراً ويؤكد أنه كان أول من عارض منح الثقة المطلقة للدكتور رغم ما كان بينهما من صداقة متينة وتفاهم كبير حول أمهات القضايا. أما في تلك الأثناء، "فإن الوضع كان خطيراً وكان ينبغي الاهتمام، أولاً، بتصفية ما يسمى بالأزمة البربرية التي كان أبرز عناصرها من أقرب المقربين للدكتور وفي مقدمتهم
стр. 169
يأتي السادة عمار ولد حمودة وواعلي بناي وعمر أو صديق الذين كانوا من أكثر أعضاء اللجنة المركزية نشاطاً وحيوية والذين كانت الإدارة الاستعمارية تعتقد أنهم قادرون على تحقيق الانفصال وتشكيل حزب الشعب البربري الذي استطعنا أن نقضي عليه في المهد نظراً لما فيه من خطورة على وحدة الشعب الجزائرية" (٨٩).
فالدكتور محمد الأمين دباغين لم يدرك أن أعضاء المكتب السياسي إنما عارضوا اقتراح ولد حمودة لحمايته من أن يتحول إلى أداة مفجرة للحزب من الداخل، ولذلك فإنه غادر الاجتماع واعتزل النشاط السياسي ورفض الاستجابة لكل المحاولات التي قام بها رفاقه على اختلاف ميولاتهم، من أجل حمله على العودة إلى ممارسة مهامه. ولما لم تنجح كل المساعي، فإن اللجنة المركزية قد اتخذت، بالإجماع في جلسة يوم ١٠/ ٨/١٩٤٩ قراراً بطرده من الصفوف (٩٠).
وعلى الرغم من ذلك الحادث المؤلم الذي كان نتيجة سوء تفاهم، فإن دورة اللجنة المركزية لحزب الشعب الجزائري المنعقدة بزدين قد كانت إيجابية بالنسبة للتوجه الثوري وفسحت المجال للمنظمة الخاصة بتوظيف سائر إمكانيات الحزب من أجل الإعداد والاستعداد لمرحلة الكفاح المسلح، وقد كان قرارها ذلك بسبب ما لاحظه المشاركون من عدم جدوى الاستمرار في طريق ما يسمى بالشرعية السياسية.
غير أن الإقرار بأولوية المنظمة الخاصة لم يمنع حزب الشعب الجزائري من مواصلة هيكلة صفوف الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية طبقاً لمقررات مؤتمر شباط سنة ١٩٤٧، ونشر التكوين السياسي والأيديولوجي في أوساط المناضلين المكلفين بتنفيذ البرامج المختلفة. ففي هذا السياق، تجدر الإشارة إلى أن الحزب تخلى نهائياً عن بعض التسميات مثل الفدرالية والجهة والقطاع والفرع التي حلت محلها على التوالي: الولاية والدائرة والقسمة والخلية. وفي المستوى الوطني، استحدث اللجان المختصة وحدد أعضاء اللجنة المركزية ما بين ثلاثين وأربعين وأعضاء المكتب السياسي ما بين ثمانية واثني عشر بالإضافة إلى الرئيس والأمين العام، وعندما نريد الاختصار نقول أن تنظيم الحزب ابتداء من سنة ١٩٤٨ قد أصبح مطابقاً للرسم التالي، وهو الشكل الذي سوف يلازمه إلى غاية اندلاع الثورة في أول نوفمبر سنة ١٩٥٤ (٩١).
стр. 170
ـ[تخطيط]ـ
стр. 171
ولم تقتصر التغييرات على الهيكل، بل أن عملية انتقاء المناضلين وإعدادهم هي الأخرى قد سجلت تحسناً ملحوظاً. وإذا كانت خلايا المحبين لا تخضع لأي نوع من أنواع الانضباط ولا يفرض على أعضائها دفع الاشتراك أو القيام بأدوار أساسية في أوساط الجماهير الشعبية، فإن خلايا المنخرطين تكون محاطة بكثير من العناية المتمثلة في رقابة اجتماعاتها التي تعقد بانتظام والتي توظف لخبرة أعضائها باستمرار وبكيفية تشبه الامتحانات المتواصلة. وعندما يرى المناضلون المسؤولون عن التكوين والمراقبة أن المنخرط أصبح أهلاً للتمتع بصفة المناضل، فإنهم يستدعونه لتأدية القسم الذي يقرأه أو يردد عباراته ويده اليمنى على المصحف (٩٢). بعد ذلك تحدد له الخلية التي يناضل في إطارها.
أ - التوجهات السياسية ووسائل العمل:
على الرغم من كل ما قيل وكتب حول حزب الشعب الجزائري، فإن توجهاته السياسية والأيديولوجية لم تحد عن مشروع المجتمع الذي ورد بإيجاز في الوثيقة التي صادقت عليها بالإجماع قيادة نجم شمال إفريقيا وتلاها، نيابة عنها، السيد الحاج مصالي أمام المشاركين في مؤتمر بروكسل سنة ١٩٢٧.
"فالإمبريالية الفرنسية قد استعملت السلاح للقضاء على الدولة الجزائرية ومن أجل السيطرة على الثروات الطبيعية وعلى الأرض بواسطة النهب والاغتصاب. ونتيجة ذلك، فإن السكان الذين كانوا في أوضاع مزدهرة قد تحولوا إلى عبيد جياع معدمين .. وباسم الحضارة المزعومة، انتهكت العادات والتقاليد وتم القضاء على طموحات جماهير الشعب التي صار مصيرها المحتوم معاناة الاستغلال البشع والخضوع للاستبداد السياسي الرجعي الذي يحرمها كل حق في الحرية بجميع أنواعها ويمنعها من المشاركة في النشاط السياسي والتشريعي. "من هذا المنطلق، فإن نضالات الشعب الجزائري موجهة إلى تحقيق الأهداف الرئيسية التالية:
- استرجاع الاستقلال الوطني.
стр. 172
- سحب قوات الاحتلال الفرنسية وتكوين جيش وطني.
- استرجاع الملكيات الزراعية الكبرى التي استولى عليها الإقطاعيون من عملاء الإمبريالية والكولون والشركات الرأسمالية الخاصة، وتسليم كل تلك الأراضي إلى الفلاحين الذين اغتصبت منهم.
- احترام الملكيات الصغيرة والمتوسطة.
- استرجاع الدولة الجزائرية للأراضي والغابات التي استولت عليها الدولة الفرنسية. (٩٣).
من هذا المنطلق، فإن الدكتور محمد الأمين دباغين قد صرح من أعلى منبر البرلمان الفرنسي يوم ١٠/ ٩/١٩٤٧، قائلاً: "لقد كلفنا الشعب الجزائري، نحن المنتخبين الوطنيين، بأن نعلن للشعب الفرنسي وللعالم أجمع أن الجزائر لا تعترف بالأمر الواقع الذي أحدثه احتلال سنة ١٨٣٠، وأن أي حل لن يكون مقبولاً ما لم يشتمل على الضمان المطلق لاسترجاع السيادة الوطنية". (٩٤) وفي نفس السياق وبنفس المكان صرح السيد مسعود بوقادوم "أن الحل الوحيد المنطقي والإنساني إنما يكمن في السماح للشعب الجزائري بأن يعبر بحرية عن رأيه ويختار النظام الذي يحلوله، وذلك بواسطة مجلس تأسيسي منتخب". (٩٥)
لكن ثبات التوجهات الإيديولوجية لا يعني أن خط الحزب السياسي ظل مستقيماً بدون انحراف خلال فترات النضال، بل أن قيادة الحزب قد اضطرت، مرات عديدة، لتغيير مواقفها، سواء لضرورة التكيف مع الواقع أو من أجل تقديم تنازلات لأطراف وطنية أخرى أبدت استعدادها للتقارب أو لتحقيق الوحدة النضالية الرامية إلى تقويض أركان الاستعمار في الجزائر.
هكذا، كان الحزب قد اضطر، سنة ١٩٣٧، إلى رفع شعار "لا اندماج ولا انفصال ولكن دعوة إلى التحرر والتطور" وذلك رغم أن برنامج نجم شمال إفريقيا كان، منذ البداية، دعوة إلى النضال من أجل استرجاع الاستقلال الوطني الكامل والانفصال المطلق عن فرنسا، وفي سنة ١٩٤٦ تخلت قيادة الحزب عن قناعتها بضرورة مقاطعة الانتخابات ودفعت قواعدها إلى قبول النشاط في إطار ما يسمى بالشرعية الجمهورية.
وسواء كان الحزب في حالة الاضطرار التي يأتي معها التغيير التكتيكي والانحراف أو في حالة الاستقامة التي يتجلى فيها التشبث بالمبادئ والالتزام
стр. 173
بالعمل من أجل تحقيق الأهداف المسطورة في النصوص الأساسية، فإن اللجوء إلى الكفاح المسلح قد ظل الملجأ الأفضل لاسترجاع السيادة المغتصبة. وفي جميع الحالات، كانت القيادة العليا تعمل، بوسائل مختلفة، للإعداد والاستعداد.
ب - الواجهة العسكرية أو المنظمة الخاصة
إن المنظمة السرية، كما يسميها بعضهم، لم تظهر إلى الوجود صدفة بل إن جذورها تضرب في أعمق من المؤتمر الثالث لحزب الشعب الجزائري، تغذت من مقررات المؤتمر الثاني ومن الوثيقة التي صادقت عليها بالإجماع قيادة نجم شمال إفريقيا بالإجماع سنة ١٩٢٧ والتي أشرنا إليها آنفاً. ولقد تعرضنا بإيجاز إلى مراحل إعداد الكفاح المسلح في معالجتنا لفترة الحرب الإمبريالية الثانية.
وعلى إثر أشغال المؤتمر الثالث لحزب الشعب الجزائري، أسندت رئاسة المنظمة الخاصة إلى عضو المكتب السياسي السيد محمد بن الوزداد الذي لم يكن عمره، يومها، قد تجاوز ثلاثة وعشرين عاماً. كان حاصلاً على شهادة البكالوريا وهي شهادة عليا بالنسبة للجزائريين في ذلك الوقت، ويشهد له قادة الحزب ومناضلوه بالذكاء الخارق وبالشجاعة الهادئة والقدرة الفائقة على التنظيم السري وهي صفات كانت قد مكنته، وهو في مستهل الشباب، من أن يكون أحد الإطارات القيادية البارزة التي أعدت لمحاولات الثورة في شهر مايو سنة ١٩٤٥.
ولئن كانت الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية قد وجدت صعوبات كثيرة في أعمال الهيكلة والتعبئة، فإن المنظمة الخاصة قد تمكنت، في ظرف عام واحد، من تجنيد حوالي ألفي مناضل (٩٦) كلهم من الشباب المؤمن بالعنف الثوري والمخلص لوطنه إخلاصاً لا تشوبه شائبة، ثم زودتهم بتعليم عسكري في إطار حرب العصابات ودربتهم على استعمال الأسلحة الكائنة في سائر المخابئ والمتفجرات بمختلف أنواعها وبعبارة أخرى نستطيع القول "أنها أعدت جيشاً كاملاً ووفرت له جميع الشروط الضرورية للدخول في المعركة. وكان من الممكن أن تندلع الثورة سنة تسع وأربعين لو لم يقعد مرض السل الخبيث محمد بن الوزداد ولو لم تقع ما يسمى بالأزمة البربرية التي ما كانت لتظهر لو لم يكن محمد طريح الفراش في مصحة بوبيني بباريس.
стр. 174
لقد وهب ابن الوزداد حياته كلها للوطن وعاش في سبيل إنجاح العمل الثوري. كان موظفاً بارزاً (٩٧)، عندما انخرط في النظام السري لحزب الشعب الجزائري ثم ترك كل شيء ليصبح واحداً من المحركات الأساسية لحركة مايو الثورية وليتولى، بعدها، مسؤولية إعادة تنظيم الحزب في كامل الشرق الجزائري. وعندما تقرر إنشاء المنظمة الخاصة، أشرف بنفسه على إعداد هيكلتها وتشكيل قيادة أركانها بالتعاون مع بعض أعضاء المكتب السياسي أمثال الدكتور محمد الأمين دباغين الذي نصحه بتجنيد السيد أحمد بن بلة وحسين آيت أحمد الذي اقترح السيد جيلالي بإلحاح.
ومن الوهلة الأولى، استطاع ابن الوزداد أن يضفي على المنظمة الخاصة طابع السرية والجدية والانضباط، وزودها بقانون داخلي ضمنه جميع الضوابط التي تتحكم في مقومات جيش قوي ومقتدر، بعد ذلك وزع المهام بحيث جاءت قيادة الأركان على النحو التالي:
стр. 175
ـ[تخطيط]ـ
стр. 176
بالإضافة إلى هذا الرسم، تجدر الإشارة إلى أن كل منطقة تشتمل على عدد من النواحي والناحية مقسمة إلى مجموعة من الفرق، والفرقة إلى عدد من الفروع والفرع إلى عدد من الأفواج وكل فوج مقسم إلى ثلاث مجموعات وتتكون المجموعة من ثلاثة مناضلين وقائدهم والفوج من ثلاث مجموعات وقائدهم.
ويتكون الفرع من ثلاثة أفواج وقائدهم والفرقة من ثلاثة فروع وقائدهم أي من واحد وعشرين ومائة مناضل (٩٨). هذا، وقد عرفت قيادة الأركان ثلاثة تعديلات أساسية بفعل تغيير القائد حيث استمر محمد بن الوزداد إلى غاية مايو سنة ١٩٤٨ عندما اشتد به المرض ووجه إلى فرنسا للتشافي بمصحة هناك. وبقي خليفته، السيد حسين آيت أحمد، على رأس المنظمة إلى غاية سبتمبر سنة ١٩٤٩ أما السيد بن بلة، فإنه ظل قائداً للأركان إلى أن ألقي عليه القبض في شهر مارس سنة ١٩٥٠ (٩٩).
ولكي يصبح المناضل عضواً بالمنظمة الخاصة يجب أن ينجح في اجتياز مجموعة من الامتحانات تتعلق بخبرة تكوينه السياسي وشجاعته ومدى استعداده للتضحية في سبيل الله وبسلوكه اليومي وعلاقاته الاجتماعية، وبعد أن يظهر تفوقاً في تلك الامتحانات، يستدعي لتأدية اليمين وتبدأ معه عملية التكوين الميداني مع التركيز على الجانب العسكري.
إن السيد محمد حربي يركز على كون قيادة حزب الشعب الجزائري لم تزود المنظمة الخاصة بالإمكانيات المالية الكافية، ويذكر بهذا الصدد أن ميزانية التسيير حددت في ذلك الوقت المالية بمئة ألف فرنك شهرياً وظلت كذلك إلى غاية شهر ديسمبر سنة ١٩٤٨". (١٠٠) وسار في هذا الاتجاه كل من كتب في الموضوع للتدليل على أن وجود المنظمة الخاصة، سنة ١٩٤٧، لم يكن سوى صوري. لكن النتائج الملموسة التي تميزت بها تلك السنة تفند كل هذه المزاعم، وتدل، بالعكس، على أن السيد محمد بن الوزداد، زيادة على هيكلة التنظيم وتزويده بالنصوص الأساسية، قد جلب للمنظمة كميات كبيرة، نسبياً، من الأسلحة والذخيرة بجميع أنواعها. وكانت الدفعة الأولى المكونة من ثلاثمائة قطعة سلاح اشتريت من ليبيا قد وصلت إلى وادي سوف بمبلغ إجمالي قيمته مليونا فرنك أي ما يعادل عشرين مرة الميزانية الشهرية التي ذكرها السيد محمد حربي. فميزانية التسيير، إذن، لا علاقة لها بميزانية التجهيز التي يمكن اتخاذها
стр. 177
معياراً للتدليل على إمكانيات المنظمة الخاصة المالية. وبديهي أن طابع السرية يحول دون الاطلاع على حقيقة تلك الميزانية.
ومهما يكن من أمر، بالرجوع إلى ما كتبه المعاصرون والمسؤولون في أعلى هرم المنظمة الخاصة، فإن جل الأسلحة التي استعملت ليلة أول نوفمبر ١٩٥٤ قد اشتريت سواء من ليبيا أو من الجزائر سنة ١٩٤٧ وكذلك الشأن بالنسبة للتجهيزات الأولية التي كانت منطلقاً لصناعة المتفجرات.
وعندما تولى السيد حسين آيت أحمد قيادة المنظمة لم يغير شيئاً مما وقع الاتفاق عليه، بل اكتفى بتطويره وإثرائه دون أن يحدث أي انقلاب في مجال التركيبة البشرية. وانطلاقاً مما هو موجود أعد تقريره المطول الذي قدمه في زدين والذي سبقت الإشارة إليه. وبالموازاة مع تحضير التقرير الذي كان موجهاً فقط لأعضاء القيادة السياسية، ودائماً بالتعاون مع مساعديه في قيادة الأركان، وتتمة للتربص الذي أشرف عليه محمد بن الوزداد نفسه، فإن آيت أحمد قد أنجز نشرة خاصة بالتدريب العسكري تشتمل على اثني عشر درساً في كيفية استعمال الأسلحة وخوض حرب العصابات وإعداد الكمائن إلى غير ذلك من فنون الحرب التي يحتاج إليها المناضل في مرحلة الكفاح المسلح. وأعدت قيادة الأركان، كذلك نشرة محدودة التوزيع للتكوين السياسي والإيديولوجي.
وفي عهد السيد آيت أحمد، حرصت قيادة الأركان على ألا يكون التدريب نظرياً فحسب، بل ضبطت مجموعة من العمليات التي تكلف بإنجازها عدد من عناصر المنظمة الخاصة. ومما لا شك فيه أن أهم تلك العمليات هي: الهجوم على بريد وهران (١٠١) والقضاء على أفراد من ميليشيا الباشاغا آيت علي (١٠٢)، وإسناد الثائرين في جبال جرجرة وايدوغ والأوراس (١٠٣)، ونسف تمثال الأمير عبد القادر في كاشرو (١٠٤).
كل هذه العمليات نجحت بدرجات متفاوتة، واتخذت منها قيادة الأركان تجارب يمكن توظيف نتائجها في التخطيط لعمليات المستقبل، لكن ما يسمى بالأزمة البربرية أثرت، سلبياً، على مسار المنظمة الخاصة إذ حرمتها من خدمة عدد من إطاراتها القيادية الذين يأتي السيد حسين آيت أحمد في مقدمتهم.
وإذا كانت تحركات المنظمة الخاصة إلى غاية انتهاء سنة ١٩٤٩ تنم، في معظمها، على أن الاستعداد للثورة التحريرية تجري على أحسن ما يرام، ولم تتسبب للحزب في مشاكل تذكر، فإن عملية تبسة التي أمرت بها قيادة الأركان ليلة التاسع عشر مارس سنة ١٩٥٠ قصد إلقاء القبض على المناضل عبد القادر
стр. 178
خياري المدعو "رحيم" (١٠٥) للتحقيق معه في التهمة الموجهة إليه والقائلة إنه عميل لمصالح الأمن الاستعمارية قد أدت إلى اكتشاف التنظيم السري ومكنت الشرطة الفرنسية من القبض على حوالي خمسمائة من أعضاء المنظمة الخاصة (١٠٦) بما في ذلك قائد الأركان السيد أحمد بن بلة وبعض مساعديه أمثال جيلالي بلحاج وجيلالي رقيمي وحموبوتليليس وأحمد محساس وأمحمد يوسفي.
إن ما يسمى بالأزمة البربرية هي التي، بطريقة أو بأخرى، أضعفت المنظمة الخاصة وحولتها، بالتدريج، من تنظيم صلب اقترب جداً من الكمال الذي يمكنه من إشعال فتيل الثورة إلى كيان هش ينخر السوس أصوله؛ وعلى هذا الأساس نستطيع القول إن الإدارة الاستعمارية التي خططت لتشتيت وحدة الشعب الجزائري قد نجحت إلى أبعد الحدود، إذ لم تكتفِ بتوجيه ضربات قاضية لصفوف حزب الشعب الجزائري ولكنها تمكنت من تحقيق ما هو أخطر، أي زرع بذور الكراهية والحقد بين أبناء شعب واحد ليس له سوى وحدته للخروج من دائرة التخلف وليحتل المكانة اللائقة به في مصاف الشعوب الحرة والمتقدمة.
هكذا، إذن، عاشت المنظمة الخاصة ثلاث سنوات كاملة استطاعت قيادة الأركان في العامين الأول والثاني أن ترسي قواعد آلة حربية قوية قادرة على نقل النضال الوطني إلى مرحلة العنف الثوري، لكن ذلك لم يحدث ليس لأن الظروف الخارجية لم تكن مواتية كما جاء في كتاب السيد ابن يوسف بن خدة (١٠٧) الذي لم يأخذ في الاعتبار أوضاع فرنسا التي لم تكن، هي أيضاً، في نفس القوة التي أصبحت عليها سنة ١٩٥٤، وإنما لأن الإدارة الاستعمارية تمكنت، بشتى الوسائل، من خرق القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري ودس بعض العناصر المترددة فيها، ولأنها، من جهة أخرى، أحكمت التخطيط لما يسمى بالأزمة البربرية التي كان تفجيرها إيذاناً بالشروع في تفجير الحزب.
التصدي لمحاولات التفجير:
بعد فشل عملية تبسة، تمكنت الإدارة الاستعمارية من العثور على الأدلة والبراهين المادية التي تثبت وجود تنظيم عسكري تابع لحزب الشعب الجزائري، وبواسطة شتى أنواع التعذيب التي تعرض لها المعتقلون الأوائل توصلت مصالح البوليس، بالتدريج وفي ظرف شهرين فقط، إلى نتائج فاقت كل
стр. 179
التوقعات وقادت، بالفعل، إلى شل المنظمة الخاصة واعتقال المئات من إطارتها ومن مناضليها كما أشرنا إلى ذلك.
ولمواجهة كل تلك المستجدات وحماية صفوف الحزب من أن تنتقل إليها
حملة الاعتقالات قرر المكتب السياسي التحرك على جبهتين. فمن جهة نظم حملة إعلامية لاتهام السلطات الاستعمارية بأنها تحيك خيوط مؤامرة دنيئة من أجل التنكيل بمناضلي الحركة الوطنية، وتدعيماً لصحافة الحزب، وقع تجنيد سائر منتخبي الحركة من أجل انتصار الحريات الديموقراطية الذين وظفوا كل المنابر الرسمية للتنديد بالاعتقالات وبعمليات التعذيب. إن هذه الجبهة قد حققت انتصاراً ملموساً إذ تمكنت من أن تعبئ عدداً من الصحف والشخصيات الأوربية التقدمية بالإضافة إلى التشكيلات السياسية الجزائرية التي شاركت بفعالية في التصدي للإجراءات البوليسية التي اتخذتها الإدارةالاستعمارية (١٠٨).
أما الجبهة الثانية التي تحرك عليها المكتب السياسي فتتعلق بالعمل في اتجاه المعتقلين قصد إقناعهم بالتراجع عن تصريحاتهم الأولى وعدم الاعتراف بوجود المنظمة الخاصة. ولقد وجد الحزب صعوبة كبيرة في تمرير هذه الأوامر، لأن عدداً من إطارات المنظمة الخاصة كانوا يرون فيها محاولة من القيادة السياسية للتخلص منهم حتى يخلو لها الجو فتركن إلى الراحة في إطار لعبة المشاركة في الانتخابات. وفي شهر مايو قرر المكتب السياسي حل المنظمة الخاصة على أن يعاد تشكيلها بعد أن تهدأ الأوضاع.
وفي خضم تلك النشاطات السياسية المكثفة تبلور تفسير جديد للأسباب التي قادت إلى تفكيك المنظمة الخاصة بتلك السرعة وتلك السهولة. صاحب هذا التفسير هو السيد حسين لحول الذي نبه قيادة الأركان موجهاً أصابع الاتهام إلى جيلالي بالحاج عبد القادر الذي ألقي عليه القبض في مستهل شهر مارس ثم أطلق سراحه، وأكد لها ضرورة الاحتياط مما يكون قد أدلى به لصالح البوليس الفرنسي. إن مثل هذه المعلومة تخفف من مسؤولية المجموعة التي أنجزت عملية تبسة، لأن جيلالي بالحاج كان مسؤولاً وطنياً والمعلومات التي بحوزته تشمل كافة أنحاء الوطن، ونحن نعرف أن الاعتقالات مست سائر أنحاء البلاد، وأن السيد جيلالي، بعد خروجه من السجن، اعتزل النشاط السياسي، وفي أثناء الثورة تحول إلى عميل للاستعمار وأسس جيشاً لمحاربة جبهة التحرير الوطني لكن الولاية الرابعة استطاعت أن تخرق صفوفه وأن تؤلب عليه أنصاره الذين تمكنوا منه وقتلوه في نواحي الشلف سنة ١٩٥٨.
стр. 180
على الرغم من الانتصارات التي حققها المكتب السياسي على الجبهتين المشار إليهما أعلاه، فإن حزب الشعب الجزائري قد تعرض لكثير من الهزات التي أربكت صفوفه وأضعفت مكانته بسبب اكتشاف المنظمة الخاصة، وكانت أكثر الهزات تأثيراً على مسار الحزب ومستقبله ما يلي:
أ - الامتثال للقضاء الاستعماري: فاكتشاف المنظمة الخاصة وما تبع ذلك من اعتقالات وتعذيب قاد بالضرورة إلى حصول قوات البوليس الفرنسي على معلومات ضافية بشأن العمليات التي أنجزت خلال الأشهر السابقة، ومن جملة ما أكدته تلك المعلومات مشاركة النائب البرلماني السيد محمد خيضر في عملية بريد وهران وهو ما جعل الإدارة الاستعمارية تطالب بتجريده من الحصانة البرلمانية. وبينما كانت الإجراءات في حيز التنفيذ وقع خلاف داخل القيادة السياسية لحزب الشعب الجزائري حول معقولية أو لا معقولية الاستجابة للاستدعاء الذي يوجهه القضاء الاستعماري لكادر قيادي. أما المكتب السياسي فلم يكن يرى مانعاً من أن يمثل السيد محمد خيضر أمام القضاء إذا رفعت عنه الحصانة البرلمانية. لكن السيد الحاج مصالي عارض الرأي لما فيه من اعتراف بالسيادة الفرنسية ودعا إلى دورة طارئة للجنة المركزية في سبتمبر ١٩٥٠ فوافقته بالأغلبية الساحقة. غير أن المكتب السياسي ومباشرة بعد اجتماع اللجنة المركزية، تجاوز قرار القيادة العليا وطلب من السيد محمد خيضر البحث عن الأعذار والحجج، الأمر الذي أثار غضب بعض أعضاء اللجنة المركزية الذين أستأذنوا رئيس الحزب وتولوا تسفير المعني إلى القاهرة حيث سيتولى تمثيل حزب الشعب الجزائري في المشرق العربي.
ب - سراب التحالف الانتخابي:
لقد كان اكتشاف المنظمة الخاصة وما تبع ذلك من اعتقالات سبباً كافياً ليعود دعاة الشرعية في قيادة حزب الشعب الجزائري إلى المطالبة بضرورة التخلي عن كل أنواع العنف. ويعتبر مثل هذه الموقف تنكرا صارخاً لبرنامج الحزب ودعوة صريحة لممارسة سياسة الإصلاح على حساب التوجه الثوري الذي بدأ مع تأسيس نجم شمال إفريقيا، وكان الحاج مصالي بالمرصاد لأصحاب تلك الفكرة واستطاع أن يجر معه أغلبية أعضاء اللجنة المركزية، لكن الصراع ظل قائماً واتخذ منعرجاً خطيراً مع بداية سنة ١٩٥١، خاصة عندما تحركت في هذا الاتجاه بالذات جمعية العلماء المسلمين الجزائريين والاتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري. فهاتان التشكيلتان الوطنيتان قد تدخلتا