ويثبت جبهة التحرير الوطني على الساحة الدولية وخاصة في حظيرة الأمم المتحدة.
فبالنسبة للعلاقات المغاربية، لاحظت الدورة أنها أصبحت تشكو نوعاً من الفتور، خاصة بعد أن استرجعت كل من تونس والمغرب الأقصى استقلالها، وانتهت، بعد مناقشات واسعة وثرية، إلى أن قرار وادي الصومام في هذا الشأن، وهو تجسيد لما جاء في بيان أول نوفمبر، قد ظل حبراً على ورق نتيجة عدم وجود التجارب لدى الشقيقين المستقلين حديثاً.
لقد كان وادي الصومام قد دعا إلى تنسيق العمل السياسي وإنشاء لجنة للتنسيق تشارك فيها جميع الأحزاب الوطنية التونسية والمغربية إلى جانب جبهة التحرير الوطني وذلك من أجل إنشاء لجان شعبية تساند الثورة الجزائرية، وإيجاد سبل التضامن والتوحيد بين المنظمات الجماهيرية والنخبوية في الأقطار الثلاثة (١) لكن مشاغل المغرب الأقصى وتونس قد تغيرت وأصبح البلدان يعملان على توطيد سيادتهما في إطار الحدود التي وضعها الاستعمار. ومما لا شك فيه أن، انحرافاً عن البرنامج الأساسي الذي كان يدعو إلى استمرار الكفاح المسلح حتى يتمكن شمال إفريقيا بأكمله من استرجاع سيادته وطرد المغتصب من أراضيه (٢).
أما عن دعم الصف الوطني فلا بد من الذكر بأن الفلاحين الجزائريين هم أول من تحمل عبئ الثورة وشكل عمودها الفقري، وذلك طبيعي عندما نعرف أن سكان الريف في الجزائر كانوا، قبل عام أربعة وخمسين وتسعمائة وألف، يمثلون أكثر من ثلثي الشعب، وعندما قرر مؤتمر وادي الصومام تكثيف العمل الفدائي في الحواضر (٣) أصدر في ذات الوقت، توجيهات واضحة للاهتمام بتنظيم القوى الوطنية الحية، قصد تمكينها من الارتباط، عضوياً بجبهة التحرير الوطني وجعل المدن تقوم بدورها الحقيقي في معركة التحرير، وكانت فئات
стр. 352
العمل والتجار والطلبة في طليعة من حظي بعناية القيادة السياسية التي تمكنت، في وقت قصير جداً، من إبراز تنظيماتها الوطنية وتزويدها بالعناصر المناضلة القادرة على تنشيطها في جميع المجالات، وتوظيفها، عقلانياً، لخدمة الكفاح المسلح.
ففيما يخص العمال الجزائريين الذين كانوا ينشطون نقابياً في مختلف المنظمات الفرنسية (١).
فإن جبهة التحرير الوطني قد توصلت (٢) بعد دراسات ومشاورات، إلى تقديم ملف قانوني كامل تم، بموجبه، إنشاء الاتحاد العام للعمال الجزائريين في اليوم الرابع والعشرين من شهر فيفري شباط سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف وعينت أميناً عاماً له السيد عيسات إيدير (٣) ثم رصدت له الميزانية اللازمة للإنطلاقة بالكيفية التي تمكن من مغالبة وإلغاء منافسيه: الاتحاد النقابي للعمال الجزائريين (٤) والاتحاد العام للنقابات الجزائرية (٥).
وبالفعل، استطاع الاتحاد العام للعمال الجزائريين أن تقطع خطوات جبارة في مجالي التجنيد والعلاقات مع المنظمات المماثلة العاملة خاصة في البلدان الغربية، وبذلك أصبح قادراً على تعبئة الجماهير الشعبية لتلبية نداء جبهة التحرير الوطني كما كان الأمر بالنسبة لإضراب الأسبوع الذي سبقت الإشارة
стр. 353
إليه، وسهلت أمامه مهمة النفاذ إلى الأوساط النقابية الدولية التي لم تعد تخفي تعاطفها مع الثورة الجزائرية.
وبالتدريج، صار الاتحاد يضع الكفاح التحريري في مقدمة نشاطه ويعلن في جميع المناسبات أن أهدافه هي نفس أهداف جبهة التحرير الوطني وهي تتمثل في العمل بجميع الوسائل من أجل تقويض أركان الاستعمار حتى يتسنى للعمال الجزائريين أن يمارسوا الديمقراطية والحرية والعدالة الاجتماعية (١). غير أن وضع الكفاح التحريري في مقدمة الإنشغالات لم يصرف المركزية النقابية الجزائرية عن تأدية مهامها الأساسية في الدفاع عن حقوق العمال وحماية مصالحهم وفي التخطيط للمستقبل بواسطة تكوين الإطارات (٢) إعداد الدراسات التقنية الكفيلة بترقية الاقتصاد الجزائري وتنميته بعد استرجاع السيادة الوطنية (٣).
وأمام هذا النشاط المتزايد لجأت السلطات الاستعمارية إلى اعتقال آلاف المناضلين والإطارات النقابية قبل أن تعمد إلى إصدار قرار بحل الاتحاد رسمياً بحجة ارتباطه بحزب سياسي، وردت الأمانة العامة للاتحاد على هذا الإجراء التعسفي مؤكدة أن جبهة التحرير الوطني "ليست حزباً، ولكنها تجمع وطني يضم
كل القوى الحية في البلاد. وفي جبهة التحرير الوطني تنصهر كل النزاعات السياسية والاجتماعية في سبيل تحقيق التحرير السياسي والاقتصادي والاجتماعي" (٤).
وبالإضافة إلى ذلك استشهدت باللائحة الخامسة والثلاثين الصادرة عن الندوة العالمية للشغل التي تنص على أن "الهدف الأساسي والدائم لكل حركة نقابية هو تحقيق التقدم الاقتصادي والاجتماعي لفائدة العمال، ولبلوغ ذلك، تستطيع النقابات، وفقاً للقوانين الجاري بها العمل، إقامة علاقات مع الأحزاب السياسية" (٥).
وبالدخول إلى السرية، تضاعف نشاط الاتحاد العام للعمال الجزائريين في سبيل تجسيد برامج جبهة التحرير الوطني ولم تلبث صفوفه أن تعززت بانضمام
стр. 354
أغلبية أعضاء بفرنسا في اليوم الثالث عشر من شهر مارس سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف، وصرح أمينه العام المساعد قائلاً: "أن هذا القرار قد جاء نتيجة اقتناعنا بأنه "لا يمكن أن يوجد سوى تمثيل واحد للعمال الجزائريين" (١).
أما الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين الذي تأسس في الفصل الأخير من السنة الأولى للثورة (٢)، فإن نشاطه الفعلي لم يظهر إلاّ في مستهل السنة الثانية بعدما وقع اعتقال الطالبين الشهيدين: بلقاسم زدور وعمارة رشد.
فعلى إثر ذينك الاعتقالين اللذين وقعا في وقت واحد تقريباً (٣) لكن في مدينتي وهران بالنسبة للأول والجزائر بالنسبة للثاني، أصدر الاتحاد منشوراً يندد فيه بأعمال القمع التي تمارسها السلطات الاستعمارية ويطالب بالمصالح الفرنسية المعينة باحترام للإجراءات القانونية خاصة فيما يتعلق بمدة الحبس الاحتياطي الذي لا ينبغي أن تفوق ثمان وأربعين ساعة بمحلات الشرطة، ويندد بعمليات التعذيب الجسماني التي يتعرض لها السجناء الجزائريون (٤).
وكان المنشور كافياً ليثير رد فعل الغلاة من قادة الاتحاد الوطني للطلبة الفرنسيين وفي مقدمتهم السيد جاك لابورت الذي صرح بأن موقف الهيئات القيادية للطلبة المسلمين الجزائريين يعتبر فعلاً سياسي ومن ثم فهو عبارة عن ممارسة غير شرعية ومبادرة من شأنها تشجيع الخارجين عن القانون والمعتدين على العدالة الفرنسية.
لكن الاتحاد، منذ تأسيسه، لم يخف توجهاته الوطنية والتزامه بالعمل من أجل تحقيق أهداف الثورة بقيادة جبهة التحرير الوطني حتى أن رئيسه (٥) صرح رسمياً قائلاً: "فإذا كان المقصود بالمتمردين والخارجين عن القانون هم أولئك الرجال الذين يطالبون بحريتهم وهم لا يطالبون بها مسلحين إلا لأن كل الأبواب الأخرى قد سدت أمامهم، ويكافحون في سبيل كرامتهم وحقهم في الوجود
стр. 355
وخارجون عن القانون" (١).
وفي شهر أفريل سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف عقد الاتحاد مؤتمره الثاني في باريس واعتمد نداء الفاتح من نوفمبر لصياغة وثائقه النهائية، وقد جاء في لائحته السياسية: "أن كفاح الشعب الجزائري لا يمكن أن ينتهي بغير استرجاع السيادة الوطنية، وعليه فإن الطلبة المسلمين الجزائريين يلحون على المطالبة بالتفاوض مع جبهة التحرير الوطني الممثل الوحيد والشرعي للشعب الجزائري" (٢).
وفي أثناء دورته الأولى المنعقدة بالقاهرة، درس المجلس الوطني للثورة الجزائرية مسألة الإضراب اللامحدود، ولما أجمع الأعضاء على أنه أدى المهمة المنتظرة منه، فإنهم قرروا آمر اللجنة المديرة للاتحاد بأن تضع له حداً لمهمة افتتاح السنة الدراسية ٥٧/ ٥٨ (٣)، وقد تم ذلك بالفعل على إثر الاجتماع الذي عقد بباريس في اليوم الرابع عشر من شهر أكتوبر سنة سبع وخمسين وتسعمائة وألف.
ثم جاءت الخطوة الحاسمة في نهاية نفس السنة إذ عقد الاتحاد مؤتمره الثالث بضواحي باريس في الفترة ما بين الثالث والعشرين والثامن والعشرين من شهر ديسمبر، وصادق بالإجماع على اللائحات السياسية العامة التي لفت فيها انتباه الرأي العام الفرنسي والعالمي إلى ضرورة الضغط على الحكومة الفرنسية كي تحترم مبدأ الحق الطبيعي للشعوب في الاستقلال، وبالإضافة إلى ذلك أكد ما جاء في مقررات المؤتمر الثاني المشار إليها أعلاه (٤).
وتجدر الاشارة، هنا، إلى أن المؤتمر نجح نجاحاً باهراً إذ حضر جلسته الختامية مندوبو اتحادات طلابية غفيرة إلى جانب ممثلي الاتحاد العالمي للطلبة والاتحاد العام لطلبة الولايات المتحدة الأمريكية. وقد تدخل هذان الأخيران بكلمتين قويتين كلفتهما الاستنطاق والطرد من التراب الفرنسي (٥). وبعد شهر
стр. 356
واحد من انتهاء أشغال المؤتمر ونشر نتائجها، أصدرت الحكومة الفرنسية قراراً يحمل تاريخ الثامن والعشرين من شهر جانفي سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف ويقضي بحل الاتحاد بحجة انتمائه لجبهة التحرير الوطني، وبذلك دخل التنظيم الطلابي الجزائري مرحلة السرية إلى جانب باقي المنظمات الجماهيرية العاملة في صفوف الثورة، ويستعمل جميع الوسائل لتجسيد أيديولوجيتها على أرض الواقع.
وإذا كان التنظيمان العمالي والطلابي قد وقعت هيكلتها قبل مؤتمر وادي الصومام، فإن الاتحاد العام للتجار الجزائريين لم يتأسس إلا بعد أن رجعت لجنة التنسيق والتنفيذ إلى العاصمة. وقد انعقد مؤتمر الأول يومي الثالث عشر والرابع عشر من شهر سبتمبر سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف، وقام بدور أساسي في إنجاح إضراب الأسبوع المسطور أعلاه.
قبل ذلك، وبأمر من قيادة الثورة، أعلن الاتحاد عن إضراب تجريبي بمناسبة الذكرى الثانية لانطلاق الكفاح المسلح، ولقد استجاب التجار الجزائريون بالإجماع للإعلان المذكور مما جعل السلطات الاستعمارية ترد بعنف كبير فتأمر بإغلاق المتاجر (١) ولمدد تتراوح ما بين شهر وشهرين وتلقي القبض على عشرة من القيادة المنتخبة حديثاً (٢) وتزج بهم في محتشد البرواقية (٣) وفي نهاية شهر نوفمبر من نفس السنة شارك الاتحاد، بمدينة طرابلس، في أشغال المؤتمر السادس لغرف التجارة والصناعة والفلاحة عن البلدان العربية (٤) وقدم بالمناسبة، عرضاً وافياً عن الإمكانيات الاقتصادية التي تتوفر عليها الجزائر، ومنذ ذلك التاريخ دخل السرية هو أيضاً وراح يعمل بكل ما في وسعه على تعبئة عالم التجارة إلى جانب الكفاح الذي يخوضه الشعب الجزائري بقيادة جبهة التحرير الوطني.
стр. 357
ولم يكتف المغرب الأقصى وتونس بالتوقف عن الكفاح وقبول الحل الفرنسي تاركين جبهة التحرير الوطني وحدها في الميدان، بل إن السلطات الرسمية، في كل من البلدان قد أصبحت، خوفاً من فرنسا، تشد الخناق على الثورة الجزائرية فتعترض سبيل الإمدادات الواردة إليها من مختلف أنحاء العالم وتحاول، بشتى الوسائل، التدخل في شؤون جيش التحرير الوطني المقيم على حدودها، وفي كثير من الأحيان تتحول تلك المحاولات إلى معارك دامية بين الأشقاء.
من هذا المنطلق قررت الدورة تكثيف الاتصال بسلطات البلدان وحددت لذلك مجموعة من الأهداف تندرج كلها في إطار التوجه الوحدوي كما جاء التنصيص عليه في بيان الفاتح من نوفمبر (١)، وفي مقدمة هذه الأهداف يأتي ما يلي:
١ - فتح مفاوضات عسكرية لتسوية أوضاع الأسرى من جميع الأطراف ثم التعرض لنقاط الخلاف والعمل على إزالتها. وفي هذا السياق وقعت في تونس لقاءات متعددة بين ممثلين عن جبهة التحرير الوطني وممثلين عن الجيش التونسي ولقاءات أخرى مماثلة في المغرب الأقصى.
وعلى الرغم من أن تلك اللقاءات قد ساعدت على تلطيف الأجواء وحل بعض المشاكل الثانوية إلا أن التحفظات ظلت قائمة ولم تتمكن الأطراف المتفاوضة من تجاوز عقد الإقليمية التي غرستها فيهم سلطات الاستعمار، ولم تتوقف القوات التونسية والقوات المغربية، كل واحدة على حدودها، عن مهاجمة مراكز جيش التحرير الوطني الجزائري وحجز كميات كبيرة من الأسلحة الموجهة إليه عن طريق البحر، ولم تنج حتى المؤن والأغطية والملابس والأدوية المخصصة للاجئين.
٢ - العمل على إعادة إحياء الاتفاق المبرم بتاريخ الواحد والعشرين من شهر جانفي سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف بين جيش تحرير المغرب وجيش التحرير الوطني الجزائري والذي مفاده أن الطرفين لن يتوقفا عن الكفاح المسلح حتى يسترجع المغرب العربي كله
стр. 358
استقلاله التام. ويؤكد الاتفاق أن قضية شمال إفريقيا قضية شعب واحد "غلب على أمره على يد مستعمر واحد في ظروف واحدة ولو اختلف التاريخ" (١).
٣ - العمل بجميع الوسائل على تحميس الشعب العربي في كل من تونس والمغرب الأقصى حتى يستمر في ضغطه على السلطات الرسمية من أجل إبقائها ملتزمة بمساندة الكفاح المسلح في الجزائر وعدم الرضوخ للتهديدات الصادرة عن الحكومة الفرنسية.
٤ - العمل على إقناع الطرفين المغربي والتونسي بسلامة موقف جبهة التحرير الوطني الذي يطرح الاعتراف بالاستقلال شرطاً مسبقاً للدخول في أي تفاوض مع السلطات الاستعمارية.
٥ - تشجيع المغرب وتونس على مواصلة العمل، الدولي من أجل بلورة الحل المغاربي للقضية الجزائرية وذلك في إطار التوصية التي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ ١١/ ١٢/١٩٥٧ (٢).
أما بالنسبة للعلاقات الخارجية، وفي إطار تدويل القضية الجزائرية كما جاء ذلك في بيان الفاتح من نوفمبر، لاحظت الدورة الأولى للمجلس الوطني أن فرنسا لم تغير سياستها التي تجعل الجزائر مجموعة من العملات الفرنسية لا يحق لأي تنظيم خارجي، بما في ذلك الأمم المتحدة، أن تتدخل في شؤونها.
وعلى الرغم من المناورات الديبلوماسية الهادفة إلى تخدير الرأي العام العالمي بواسطة إبداء الاستعدادات الوهمية للتفاوض مع ممثلي جبهة التحرير الوطني (٣)، فإن الحكومة الفرنسية لم تقطع أية خطوة من شأنها التدليل على نيتها في التوصل إلى حل يأخذ في الاعتبار طموحات الشعب الجزائري في استرجاع
стр. 359
استقلاله، لأجل ذلك، أصدرت الدورة لائحة تدعو، من خلالها، إلى تكثيف النشاط الخارجي الذي أوصت بأن يكون في اتجاهات ثلاثة:
١ - في اتجاه الأمم المتحدة:
لقد أثبت مجلس الأمن أنه قادر على التدخل لتسوية القضايا المعقدة عندما وضع حداً للاحتلال الهولندي في أندونيسيا سنة تسع وأربعين وتسعمائة وألف. لكن فيما يخص الجزائر، فإن فرنسا تملك حق الفيتو، وعليه فإن جبهة التحرير الوطني مضطرة للتركيز على الجمعية العامة معتمد على نص المادة العاشرة من ميثاق الأمم المتحدة الذي يؤكد المسطور في الميثاق المذكور. وإقناع الجمعية العامة للأمم المتحدة بعدالة القضية الجزائرية ليس بالأمر الهين خاصة إذا علمنا أن الولايات المتحدة الأمريكية تقف وراء الدبلوماسية الفرنسية، يكفي للتدليل على ذلك نص الفقرة التالية المقتطفة من الندوة الصحفية التي عقدها السيد جون فوستر دلاس (١) يوم ٤/ ٢/١١٩٥٧ بمناسبة أشغال الدورة الحادية عشر للأمم المتحدة:
"إن الولايات المتحدة الأمريكية مقتنعة بأن الجمعية العامة للأمم المتحدة لا يمكن أن تقدم أية لائحة عملية حول القضية الجزائرية. أتمنى أن لا تحاول ذلك الوضع في الجزائر معقد جداً، ولا أدري إذا كان يمكن التوصل إلى صياغة نص ذي قيمة في الموضوع، بل إني أشك حتى في جدوى العمل على إيجاد مثل ذلك". وأمام اللجنة السياسية التي كانت مجتمعة عشية انعقاد الدورة الموالية. صرح هنري كابت لودج قائلاً: "ينبغي، في الوقت الراهن، إعطاء فرنسا إمكانية إرساء قواعد التطور السياسي الذي يضمن لسكان الجزائر تحقيق طموحاتهم في السلام والاستقرار (٢).
ولم تستسلم جبهة التحرير الوطني لذلك التحيز المعلن، بل إن لجنة التنسيق والتنفيذ قد جندت أكثر الإطارات كفاءة من أجل النفاذ إلى أوساط الطبقات الحاكمة في جميع الدول الغربية وفي مقدمتها بريطانيا، أمريكا، إيطاليا، وألمانيا واستطاعت في بداية الأمر، أن تستميل رجال الأعمال وتجار الأسلحة ثم تمكنت، بالتدريج من ربح ثقة في التشكيلات السياسية التي لم تلبث أن تبنت
стр. 360
القضية الجزائرية وصارت تناضل في سبيل تسويتها على أساس الاستقلال الوطني.
٢ - في اتجاه المنظمة الأفرو آسيوية:
لقد وجدت الثورة الجزائرية، منذ الأسابيع الأولى لاندلاعها، سنداً قوياً في دول إفريقيا وآسيا. ويرجع الفضل في ذلك، بادئ الأمر، إلى روابط العروبة والإسلام التي وظفت إلى أبعد الحدود من أجل تدويل القضية الجزائرية وفتح المجال الديبلوماسي العالمي أمام جبهة التحرير الوطني.
ففي شهر جانفي سنة خمس وخمسين وتسعمائة وألف (١) تحركت المملكة العربية السعودية بواسطة الرسالة إلى مجلس الأمن تطالبه فيها بالتدخل السريع لإيقاف الحملات القمعية التي تمارسها فرنسا الاستعمارية في الجزائر. وبعد ذلك بحوالي ثلاثة أسابيع طلبت مجموعة من الدول الأقرو آسيوية إدراج القضية الجزائرية في جدول أعمال الدورة العاشرة للأمم المتحدة (٢).
وفي سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف. وفي اليوم الثالث عشر من شهر جوان، طلبت ثلاث عشرة دولة إفريقية آسيوية من مجلس الأمن أن يعقد جلسة عاجلة لإنهاء الحرب الدائرة رحاها في الجزائر. رفض ذلك، فإن مجموعة أخرى من البلدان الأقرو آسيوية قد طلبت، في الأول من أكتوبر عام ستة وخمسين وتسعمائة وألف إدراج القضية الجزائرية في جدول أعمالها الحادية عشر (٣).
وفي السادس عشر من شهر جويلية سنة سبع وخمسين وتسعمائة وألف طلبت إدراجها في جدول أعمال الدورة الثانية عشرة.
وفي كل واحدة من هذه المرات كانت الجمعية تتخذ قرارات إجماعية تعرب فيها عن أملها في أن تتوقف الحرب في الجزائر بواسطة التفاوض بين فرنسا وجبهة التحرير الوطني. لكن، في كل مرة، كانت فرنسا تضرب عرض
стр. 361
الحائط بتوصيات الجمعية العامة مستغلة عضويتها في مجلس الأمن وما يتبع ذلك من حق استعمال الفيتو.
ولقد درست الدورة الأولى للمجلس الوطني للثورة الجزائرية هذا الوضع، وإذ ثمنت الجهد المبذول من طرف عدد كبير من الدول الأفرو آسيوية، فإنها قررت تشكيل وفود متعددة تتحرك في جميع المناسبات ولا يبقى العمل مقصوراً على دورات الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن وكان لنشاط تلك الوفود أثر فاعل لم يلبث أن تجسد في مؤتمر التضامن الأفرو آسيوية المنعقد في القاهرة بتاريخ السادس والعشرين من شهر ديسمبر سنة سبع وخمسين وتسعمائة وألف (١).
٣ - في اتجاه الحلف الأطلسي:
تنص المادة الرابعة من ميثاق الحلف الأطلسي على أن المنظمة "تجتمع كلما بدا لواحد من أطرافها أن سلامة ترابه الوطني واستقلاله السياسي أو أمنه مهدد". ولقد تمكنت فرنسا أثناء وضع الميثاق المذكور سنة تسع وأربعين وتسعمائة وألف من أن تجعل المادة السادسة تنص بصريح العبارة على أن الاعتداء على الجزائر يعتبر اعتداء على فرنسا. ولقد استغل بعض السياسيين والبرلمانيين الفرنسيين وجود هذين النصين فراحوا يدفعون حكومتهم إلى المطالبة بتدخل الحلف مباشرة لخنق أنفاس الثورة في الجزائر.
وكان أعضاء المنظمة يعرفون حقيقة ما يجري في الجزائر، ويدركون أنه يتنافى مع روح المادة السابقة من ميثاقهم التي تمنع المساس بالحقوق المنصوص عليها في ميثاق الأمم المتحدة وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها، لكنهم، رغم ذلك، كانوا متعاطفين مع فرنسا بسبب ما يجمع بينهم من منطلقات استعمارية وإمبريالية، ولقد جاء التعاطف المذكور مجسداً في مواقف كل من أمريكا وبريطانيا على مستوى مجلس الأمن وكذلك في غض الطرف عن تحويل فرنسا لقواتها العسكرية من قواعد الحلف الأطلسي إلى داخل التراب الجزائري وهي محملة بأرقى ما أنتجته المصانع الحربية في الولايات المتحدة
стр. 362
الأمريكية وفي إنكلترا.
فأمام هذا الوضع المتحيز الصارخ، قرر المجلس الوطني للثورة الجزائرية تعبئة أقصى ما في حوزة جبهة التحرير الوطني من إمكانيات من أجل النفاذ إلى مختلف مستويات القرار في البلاد الغربية عامة وفي أمريكا وبريطانيا على وجه الخصوص، وبفضل تحركات الكتلة الآفرو آسيوية وبعض مواقف المعسكر الاشتراكي، استطاعت القضية الجزائرية أن تفرض نفسها على الساحة الدولية وبالتدريج أصبحت الشعوب الغربية نفسها تتحدى حكومة فرنسا وتعلن عن مواقفها المساندة لكفاح الشعب الجزائري بقيادة جبهة التحرير الوطني (١).
خلاصة الفصل:
هكذا، إذن، يتضح من خلال هذا الفصل أن جبهة التحرير الوطني حاولت بالتوجيهات الرئيسية الواردة في مشروع المجتمع الذي تضمنته وثيقة وادي الصومام، وعلى الرغم من الصعوبات التي ظهرت في الميدان بالنسبة لجناحيها السياسي والعسكري، وعلى الرغم من أن فرنسا ألقت بكل ثقلها المادي والبشري في ميدان المعركة، فإن الثورة قد تجذرت في أوساط الجماهير الشعبية التي اطمأنت للتنظيم المحكم وللانتصارات الكثيرة والمتنوعة التي اطمأنت لم يعد قادراً على إخفائها.
وأمام ذلك الوضع الجديد، ونظراً لقرار وادي الصومام المتعلق بإمكانية إسناد المناصب القيادية العليا إلى الإطارات القادمة من التشكيلات السياسية التي لم تكن تؤمن بضرورة انتهاج الكفاح المسلح كطريقة وحيدة لاسترجاع السيادة المغتصبة ونظراً، كذلك، للتكوين العالي والخبرة الواسعة التي كان يتمتع بها هؤلاء الإطارات بالمقارنة مع نظرائهم المكونين في صفوف حركة الانتصار للحريات الديمقراطية، فإن نوعاً من الانحراف قد بدأ يتسرب إلى المنطلقات الأيديولوجية نفسها (٢)، وساعد على ذلك ظهور التنافس على المسؤولية في أعلى
стр. 363
هرم السلطة بالإضافة إلى تمكن الثقافة الغربية من ذهنيات عدد كبير من المسؤوليين القياديين في جبهة التحرير الوطني في الخارج لأن الداخل سيظل سليم التوجه بفعل تأثير القواعد التي لا يمكن أن ترضى بأي بديل عن عروبتها وإسلامها.
وبالفعل، فإن أدبيات جبهة التحرير الوطني التي كانت تنشر على أعمدة لسانها المركزي أو في شكل منشورات وكتيبات قد تتلون بألوان مختلفة وتجندت جهتان على الأقل للتأثير في أيديولوجية الثورة الجزائرية، فمن ناحية، هناك ما يسمى بالتيار التحرري في فرنسا، فأصحاب هذا التيار هم الذين أطلقوا على أنفسهم هذه التسمية لإيهام الوطنيين الجزائريين والرأي العام العالمي بأن ثمة، في صفوف الشعب الفرنسي، من يرفض الاستعمار ويناهض ممارساته اللاإنسانية ولذلك فهم يساندون الكفاح الذي يخوضه الشعب الجزائري في سبيل استرجاع استقلاله الوطني، وفي الواقع فإنهم إنما يخططون لمستقبل بلادهم بواسطة العمل بجميع الوسائل على احتواء العناصر الأكثر تأثيراً في قيادات الثورة وجعلهم ينبهرون أمام شعارات جوفاء مثل الديمقراطية واللائكية والمبادئ الجمهورية وحقوق الإنسان وغيرها مما هو مستنبط من التاريخ الأوربي ولا علاقة له بالمجتمع العربي الإسلامي في الجزائر.
أما الجهة الثانية فتتمثل في المعسكر الاشتراكي بزعامة الاتحاد السوفياتي الذي أدرك أن الحزب الشيوعي الجزائري قد أخفق في أن يجد لنفسه مكانة محترمة في قيادة الثورة فراح يجند الديمقراطيات الشعبية التي تدور في فلكه لمواجهة التوسع الرأسمالي في المنطقة.
لقد كان من المفروض، في نظر الاتحاد السوفياتي، أن يكون الحزب الشيوعي الجزائري هو قائد الثورة أو، على الأقل، هو طليعتها التي بيدها التخطيط والتوجيه. لكن الحزب الشيوعي الجزائري عجز عن الإلتحام بالجماهير الشعبية وربح ثقتها وذلك بسبب الفكر الماركسي الذي ينطلق منه والذي يتنافى، في كثير من المواطن، مع الدين الإسلامي الذي هو دين الشعب الجزائري من جهة، وبسبب تبعية الشيوعيين الجزائريين للحزب الشيوعي الفرنسي الذي ينكر وجود الأمة الجزائرية بمفهومها الوطني ويرفض، عن قناعة، استقلال الجزائر عن الإمبراطورية الفرنسية (١).
стр. 364
لأن تحرك هذين التيارين من أجل النفاذ بقوة في أوساط الثورة الجزائرية بالخارج قد ولد بالتدريج مجموعة من المصطلحات والمفاهيم الغربية التي سوف تكون منطلقاً لكثير من الغموض الذي سيجعل الانحراف يبلغ أوجه في مؤتمر طرابلس سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف. ومن جملة تلك المصطلحات والمفاهيم التي انتشرت بسرعة كبيرة كان لها مفعول سيئ على مسار الثورة نذكر على سبيل المثال: الباءات الثلاثة، العسكريون، المحافظون، المعتدلون، التقدميون، المتشددون الرجعيون العرب والقبائل (١).
ومما لا شك فيه أن تداول هذه المصطلحات وهذه المفاهيم المزيفة في وسائل الإعلام الفرنسية والغربية بصفة عامة قد رسخها في الأذهان وجعلها، شيئاً فشيئاً، تتحول إلى نوع من المعتقدات التي نخرت جسم الثورة وساعدت على تشتيت قواها الحقيقية بالإضافة إلى فتح أبواب واسعة أمام جحافل المخترقين من الأعداء والانتهازيين. لكن أول خطوة في طريق الانحراف الأيديولوجي القاتل تبقى هي إلغاء مبدأ العمل الجماعي من طرف أقوى عناصر لجنة التنسيق والتنفيذ عندما قرروا ثم نفذوا إعدام رفيقهم الشهيد عبان رمضان دون محاكمة وسبب معلوم وخاصة دون الرجوع إلى المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي هو وحده مؤهل للنظر في مثل هذه القضية. ولم تبق هذه الخطوة يتيمة بل تكررت بالنسبة لقرارين حاسمين في تاريخ الكفاح المسلح وهما: نقل الحرب إلى فرنسا وتأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية (٢).
إن الأمر هنا، لا يتعلق بتقييم القرارين في حدهما إيجابيان ومفيدان للثورة ما في ذلك شك، وقد أثبت التاريخ ذلك، ولكن الطريقة المستعملة في اتخاذهما تشكل انتهاكاً صارخاً لصلاحيات المجلس الوطني للثورة الجزائرية، وسوف
стр. 365
تتحول بالتدريج إلى قاعدة يلجأ إليها الأقوى كلما أراد الانفراد بالسلطة. وعندما نرجع الأمور إلى حقيقتها نقول بكل بساطة، إن الذين استعملوا هذه الطريقة أول مرة (١) هم الذين فتحوا باب الانقلابات العسكرية في تاريخ الثورة الجزائرية وقد كانوا هم أنفسهم ضحية لها سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف ..
•••
стр. 366
الباب الثالث
التحولات الفكرية الكبرى
стр. 367
الفصل الأول
الإثراء الثالث لنصوص جبهة
التحرير الوطني
- الضباط الجزائريون القادمون من الجيش الاستعماري
- مناورات الجنرال ديغول وحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه.
- المجلس الوطني للثورة الجزائرية في دورته الثانية.
••
стр. 368
- الضباط الجزائريون القادمون من
الجيش الاستعماري
خط موريس من أخطاء تجسدت، بالتدريج، في منع الإمدادات المادية والبشرية من الوصول إلى داخل الوطن حيث أصبحت كل الولايات في حاجة ماسة إليها نظراً للعمليات المكثفة (١) التي جند لها الجنرال شارل أكثر من نصف مليون جندي لتمشيط الجزائر من الغرب إلى الشرق.
فهذان المبرران هما اللذان جعلا كريم يفصل لصالح أولئك الضباط في صراعهم مع خصومهم المشار إليهم أعلاه، وقد عبر في تحيزه لهم بواسطة تعيين الرائد مولود ايدير (٢) رئيساً لديوانه العسكري وتكليفه بإعداد مشروع بناء نظامي على الحدود يتولى الإشراف عليه الضباط الجزائريون المكونون في صفوف الجيش الإستعماري.
وعلى الرغم من أن الرائد مولود إيدير قدم مشروعه (٣) إلى لجنة التنسيق والتنفيذ بتاريخ التاسع عشر من تاريخ جويلية سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف، فإن كريم بلقاسم لم يتمكن من تمريره وجعله يحظى بالموافقة الجماعية، بل أن ضباط جيش التحرير الوطني قد وجدوا في ذلك عاملاً أساسياً للتضامن والتوحد اللذين مكنا في إجهاض المشروع وسدّ طريق المسؤولية الحقيقية في وجه الضباط القادمين من الجيش الفرنسي (٤) وسوف يظل هذا الخلاف قائماً إلى
стр. 369
أن يقع الإنقلاب التاسع عشر من شهر جوان سنة خمس وستين وتسعمائة وألف ويقوم العقيد هواري بومدين بترجيح كفة هؤلاء الأخيرين وتمكينهم من السلطة الفعلية التي ستساعدهم بالتدريج على تصفية الإطارات الذين قامت الثورة على أكتافهم (١).
ولقد كان الفصل في الموضوع بالكيفية التي لجأ إليها بلقاسم كريم. قد أفقد هذا الأخير سمعته الطيبة التي يتمتع بها في أوساط مختلف ولايات الوطن بالإضافة إلى أنه حول معظم ضباط جيش التحرير الوطني على الحدود الشرقية والغربية إلى خصوم صاروا يعملون بكل الوسائل على طرده ومن معه من القيادة العليا ودخلت الثورة في الأراضي التونسية خاصة مرحلة حرجة تميزت بالفوضى وعدم الإنضباط وبالاستعداد الفعلي للإنقلاب لكن الباءات الثلاث، وفي جو من التضامن بينهم، سبقوا الأحداث فتمردوا على المجلس الوطني للثورة وأعلنوا، باسم لجنة التنسيق والتنفيذ، عن ميلاد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كما أشرنا إلى ذلك في الفصل السابق.
وعلى الرغم من تمكن الباءات الثلاث من إجهاض المحاولة التصحيحية التي قام بها كل من العقداء محمد (٢) لعموري ومصطفى لكحل، فإن قيادات الداخل قد عقدت ندوة بأراضي الولاية استمرت من اليوم السادس إلى اليوم الثاني عشر من شهر ديسمبر سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف (٣) وصادقت على محضر جلساتها ثم أرسلته إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بواسطة الرائد عمر أو صديق (٤).
ومن الجدير بالذكر أن هذا المحضر قد تضمن نقداً لاذعاً للطريقة التي
стр. 370
تم بها تأسيس الحكومة، واشتمل على توبيخ للقيادة على تقاعسها وتهاونها بالنسبة لعملية التسليح التي توقفت نهائياً بسبب خطي موريس وشال. وورد في المحضر، دعوة إلى العودة للمبادئ التي وضعها مؤتمر وادي الصومام وخاصة منها أولوية الداخل على الخارج والقيادة الجماعية. وفي النهاية أعلن الحاضرون عن تأسيس لجنة التنسيق فيما بين الولايات لأن (الثورة لا يمكن تسيّرها بقيادة أركان مقرها خارج الحدود) (١).
ففي الثاني عشر من شهر مارس سنة تسع وخمسين وتسعمائة وألف تسلمت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية المحضر المذكور واستمعت إلى شروح وافية في الموضوع قدمها كاتب الدولة الرائد عمر أو صديق (٢). بعد ذلك بدأت المهمات في إتجاه عواصم الوطن العربي وآسيا وبعض البلدان الأوربية (٣). وفي التاسع والعشرين من شهر جوان عادت كل الوفود إلى القاهرة حيث اجتمعت الحكومة برئاسة السيد فرحات عباس، وفي أثناء الإجتماع وقع إصطدام حاد بين العقيدين كريم ومحمود شريف (٤) كاد أن يقود إلى استعمال الأسلحة ثم رفعت الجلسة وتقرر إستدعاء المجالس التي أصبحت تعرقل حسن سير الثورة.
مناورات الجنرال ديغول وحق الشعب الجزائري
في تقرير المصير:
لقد مرت الثورة الجزائرية بمرحلة حرجة خلال سنة ثمان وخمسين
стр. 371
وتسعمائة وألف، وبدأ ذلك بالإعتداء على مبادئ التسيير التي وضعها مؤتمر وادي الصومام وخاصة مبدأ القيادة الجماعية عندما قرر ثلاثة من أعضاء لجنة التنسيق والتنفيذ إعدام رفيق لهم دون، الرجوع إلى باقي أعضاء اللجنة ودون تقديم أي مبرر غير الجري وراء السلطة.
إن إغتيال عبان رمضان في شهر ديسمبر عام ١٩٥٧ قد تسبب في تجميد نشاط لجنة التنسيق والتنفيذ لمدة تزيد عن ثلاثة أشهر، وفي زرع بذور الشك في أذهان مختلف العناصر القيادية إلى درجة أن الثقة المتبادلة اختفت نهائياً. وقد إنعكس ذلك سلباً على سائر نشاطات جبهة التحرير الوطني وجعل معظم الطاقات تتصرف إلى الإحتراس من الآخر والتفنن في إيجاد وسائل الأمن الفردية، وفي نفس الوقت كانت السلطات الاستعمارية تقيم حاجز موريس (١) وتعمل على دعمه بخط شال.
وإبتداء من الفصل الأول لسنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف أصبح الحاجز مستحيل الإجتياز إلا إذا وافقت وحدات جيش التحرير الوطني على ترك ثلاثة أرباعها في الميدان مقابل ربع قد يصل إلى الأراضي الجزائرية، ورغم كل ذلك فإن السيد كريم بلقاسم ظل يوهم القيادة بأن الأسلاك المكهربة لا تشكل صعوبة تذكر في وجه قواتنا المقاتلة. (٢)
لكن ذلك لم يكن هو رأي مسؤول التسليح العقيد وأعمران الذي وجه إلى لجنة التنسيق والتنفيذ تقريراً يحمل تاريخ الثامن من شهر جويلية سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف جاء فيه: "أن جيش التحرير الوطني الذي بلغ أوجه قوته من حيث العدد والسلاح يصاب حالياً بخسائر فادحة، إذ فقد في ظرف شهرين فقط أكثر من ستة آلاف مجاهد في منطقة عنابة وحدها. وإذا كنا في العام الماضي قد أوصلنا إلى الداخل أسلحة كثيرة، فإن تجديدها وتزويدها بالذخيرة قد أصبح الآن صعباً جدّاً بسبب الأسلاك المكهربة وما تتضمنه
стр. 372
فجواتها من حقول الألغام" (١).
وإلى جانب خط موريس كانت هناك الظاهرة الديغولية التي عم مفعولها البسيكولوجي مختلف أنحاء الجزائر ابتداءً من الثالث عشر من ماي سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف. فالدعاية الإستعمارية إستطاعت في ظرف قصير جداً أن تثبت في أذهان المواطنين الجزائريين عظمة الجنرال ديغول وقدرته على تسوية المشكل الجزائري واستعداده لتحقيق السلم في ربوع البلاد، ولم ينجوا من تأثير هذه الغاية حتى بعض كبار المسؤولين في جبهة التحرير الوطني وفي التنسيق والتنفيذ بالذات (٢).
إن الجنرال ديغول يعدّ من أعظم الرؤوساء الذين عرفتهم فرنسا، ما في ذلك شك، وعظمته هي بالضبط ما يكذب الدعاية الاستعمارية المذكورة، وقد أورد هو نفسه في مذكراته ما يدعم قولنا هذا عندما توقف طويلاً عند المسألة الجزائية مؤكداً ((رجالاً تاريخيين أمثال دويرمون (٣) وبيجو (٤) وكلوزيل (٥) وهم الذين بذلوا جهوداً جبارة من أجل إلحاق الجزائر بفرنسا. وليس من المعقول أن تضيع هذه المستعمرة في عهد حكومتنا)) (٦). لأجل ذلك فإنه فكر وقدر ثم وضع بنفسه خطة للقضاء على الثورة ترتكز على دعائم أساسية هي:
أ- التنمية الإقتصادية قصد تشغيل المواطنين وعزلهم عن جبهة التحرير الوطني وقد وظف لذلك أرصدة مالية كبيرة في إطار مايسمى بمشروع قسنطينة الذي أعلن عن ميلاده والشروع في تجسيده يوم الثالث من شهر أكتوبر سنة ثمان وخمسين وتسعمائة وألف.
стр. 373
ب- إيهام الرأي الفرنسي والعالمي بالجنوح إلى السلم قصد الحد من الإنتصارات التي حققتها وتحققها جبهة التحرير الوطني في حظيرة الأمم المتحدة ولدى منظمات الجمهورية المختلفة.
ففي هذا الإطار أعلن، في اليوم الرابع من أكتوبر من نفس السنة أنه يأمر العسكريين بمغادرة لجان السلامة العامة (١) وفي اليوم الثالث والعشرين من ذات الشهر عرض على جيش التحرير الوطني ما يسمى بسلام الشجعان.
ج- إعادة تنظيم الجيش وتزويده بأحدث أنواع الأسلحة مع أمره بتكثيف العمليات العسكرية الهجومية، وبهذا الصدد استدعى الجنرال صالان إلى باريس واستبدله في اليوم الثاني من شهر ديسمبر بالجنرال شال كقائد عام للقوات المسلحة وبول دولوفريبي كمندوب عام لفرنسا في الجزائر.
وإذا كان الجنرال ديغول في العلانية يبدي نفس الإهتمام بالدعائم الثلاث المذكورة، فإنه في الواقع، كان يراهن فقط على الدعامة الثالثة معتقداً أن الإستراتيجية الجديدة (٢) التي بشربها الجنرال شال قادرة على إنهاء الثورة في أجل قريب.
وبالفعل، لقد وضع تحت تصرف قائد القوات المسلحة الجديد إمكانيات ضخمة في المجالين المادي والبشري، ولمساعدته تم تعيين وترقية مجموعة من الجنرالات والعقداء الذين تخرجوا من المدارس العسكرية العليا أو الذين اكتسبوا في
стр. 374
الميدان، خبرة واسعة في حرب الفيتنام وفي الجزائر نفسها (١).
ولم تكن استراتيجية شال مجرد حبر على ورق، بل أن كل المصادر تؤكد على أن كل العمليات العسكرية التي انطلقت مع بداية العام الجديد قد شكلت خطراً كبيراً على جبهة التحرير الوطني خاصة في الولايتين الثالثة والرابعة. أن هذه العمليات قد تواصلت إلى غاية عام ستين وتسعمائة وألف ملحقة اضراراً بالمدنيين وخسائر بجيش التحرير الوطني لم يعرف لها مثيل لا من قبل ولا من بعد (٢)، وهو الأمر الذي جعل فرحات عباس يقول في كتابه ((تشريح حرب)) ((إن الجزائر لم تعرف ثقل الحرب مثل ما عرفت ذلك في عهد الجنرال ديغول)) (٣) لكن، على الرغم من كل هذه الجهود، فإن الجنرال شال لم يحقق الإنتصارات العسكرية التي طلبها منه رئيس الدولة الفرنسية الذي اضطره الواقع إلى الحل المبني على التفاوض وهو الحل الذي شرع في تطبيقه منذ ١٦/ ٠٥/١٩٥٩ عندما صرح، باسم فرنسا، أنه يعترف للشعب الجزائري بحقه في تقرير مصيره.
سياسة ديغول للقضاء على الثورة (عسكرياً) وقبل ذلك، كان الجنرال ديغول، في اليوم السابع عشر من شهر أفريل، أي بعد المعركة التي استشهد فيها قائد الولاية الثالثة والولاية السادسة بحوالي أسبوعين فقط، قد وجه رسالة تهنئة إلى الجنرال شال جدد له فيها ثقته المطلقة في نجاح برنامجه الذي قال عنه إنه يستحق التهنئة الكاملة في الجزائر، (٤) وزادت هذه التهاني من غرور الجنرال شال الذي أدلى بعدها بأيام فقط إلى جريدة لومند الفرنسية بحديث أكد فيه أنه "آخذ بزمام الأمور وأن الإنتصار العسكري لا شك فيه وهو قريب" (٥).
стр. 375
ولم يلجأ الجنرال ديغول إلى تقرير المصير إلا عندما تأكد بنفسه من أن مخطط شال استهلك ولم يعد قادراً على التوصيل بسبب المقاومة غير المنتظرة التي أبدتها وحدات جيش التحرير الوطني التي عرفت كيف تتكيف مع الوضع الجديد من جهة (١) ونتيجة ظهور معارضة شديدة للمخطط المذكور في صفوف الضباط السامين في الجيش الفرنسي نفسه من جهة ثانية (٢) فمن المعلوم أن شال أسس مخططه على النتائج المستخلصة من تجربة الجيش الاستعماري في الهند الصينية، محاولاً توظيف أساليب الحرب الثورية والدعاية النفسية التي طبقها القائد "هوشي منه" بعد أن اقتبسها من الزعيم الصيني "ماوتسي تونغ". لكنه لم يأخذ في الاعتبار شيئاً أساسياً هو أن تلك الأساليب الثورية والدعاية النفسية ما كانت لتنجح في تقويض أركان الاستعمار الفرنسي بالهند الصينية لولانبل الهدف المقصود وطبيعة التيار التحريري وتفاعل الشعب مع قيادته كلها عوامل لا يمكن للجنرال شال أن يتوفر عليها لإنجاز مخططه الذي لم يكن مصيره أحسن من مصير مخطط الجنرال نافار (٣) في الهند الصينية.
دوافع رضوخ ديغول للتفاوض مع G.P.R.A
وفي مذكراته التي نشرت مطبوعة سنة سبعين وتسعمائة وألف، تعرض
стр. 376
الجنرال ديغول إلى الأسباب الحقيقية التي جعلته يختار تقرير المصير كحل نهائي للمسألة الجزائرية فقال: "كما هي العادة، فإن الاتصال المباشر مع الناس في مواطن نشاطهم قد وضع في ذهني معطيات ما كانت جميع التقارير لتستطيع تبيانها، لقد تأكدت الآن أن الثورة قادرة وستبقى قادرة إلى ما نهاية على إبقاء المقاومة في المناطق خاصة وذلك بمساعدة السكان. ففي هذا الصدد لفتت انتباهي مجموعة من المؤشرات منها أنني، حينما حللت بالأرياف، فإن الفلاحين الذين يسوقهم العسكر للتحية، يقفون باحترام على حافتي الطريق لكنهم يفعلون ذلك في صمت رهيب. أما في تيزي وزو، مثلاً، حيث كثافة السكان لا تسمح للجيش بإجبار الناس على التجمع، فإنهم لم يأتوا للقائي رغم مكبرات الصوت التي كانت تعلن عن مقدمي، وفي قرية من قرى منطقة القبائل حاولت السلطات أن يكون الإستقبال نموذجياً، فحييت بحرارة عند مدخل البلدية واستمعت للأطفال ينشدون النشيد الوطني الفرنسي. لكن، عندما هممت بالخروج، تقدم مني كاتب البلدية المسلم منحنياً، مرتعشاً وقال لي: أيها الجنرال، لا تنخدعوا أن الجميع هنا يريدون الإستقلال، وفي مدينة سعيدة (١) حيث قدم لي البطل بيجار فرقة جورة "المكونة من الفلاقة المعتقلين والمستسلمين، وكان من بينهم طبيب عربي فسألته: "مارأيكم يا طبيب أجابني قائلاً وعيناه مغروقتان بالدموع: أن ما نريده، وما نحن بحاجة إليه هو أن نكون مسؤولين عن أنفسنا وأن لا يسأل عنا أحداً". إذن، أصبحت متأكداً أكثر من أي وقت مضى ورغم أننا نضيع الرجال والمال سدى في محاولتنا فرض الجزائر الفرنسية، وإن السلم لن يأتي إلا بمبادرات سياسية في اتجاه آخر وعلى فرنسا أن تفعل ذلك".
* ومن جهة أخرى، استطعت أن تحقق من مواصلة حرب مستحيلة إلى ما لانهاية ستعرض جيشنا ومن خلال وحدتنا الوطنية إلى خطر، لأن طبيعة العمليات تؤدي حتماً إلى انقسام قواتنا".
"لأجل ذلك، فإنني تعمدت مخاطبة الضباط المسؤولين عن العمليات قائلاً: إذا كان نجاح العمليات الجارية أساسي، فإن المشكل الجزائري لن يجد حله إلا إذا حصلنا على موافقة الجزائريين ... وأن عهد الإدارة بواسطة الأوربيين قد انقضى ... وإننا نواجه هذه الدراما في "الوقت الذي يتم فيه تحرير جميع
стр. 377
الشعوب المستعمرة ... أما أنتم، فاسمعوني جيداً إنكم لستم الجيش من أجل الجيش. إنكم جيش فرنسا. لا وجود لكم إلا بها ولها وأنتم في خدمتها. وإن المسؤولية التي أتقلدها لتوجب على الجيش طاعتي لتحيا فرنسا. وأني لمتأكد من أنكم تفعلون ذلك وباسم فرنسا فإنني أشكركم عليه" (١).
أن اعتراف فرنسا بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه يعد إنتصاراً كبيراً بالنسبة لجبهة التحرير الوطني، لأنه يسحب ورقة أساسية من أيدي الديبلوماسية الفرنسية التي ما فتئت تشهر في وجه الجمعية العامة لمنظمة الأمم المتحدة واقع الجزائر كجزء لا يتجزأ من الجمهورية الفرنسية، أما الآن وقد اعترف رئيس الدولة الفرنسية بتمايز الشعب الجزائري عن الشعب الفرنسي، فإن الأمر قد تغير، وسهلت مهمة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية قصد تحقيق المزيد من الإنتصارات في المجال الديبلوماسي، بل أن طريق التفاوض قد أصبح مفتوحاً وخالياً من كل العراقيل.
ولقد كان هذا هو رأي جبهة التحرير الوطني نفسها إذ في افتتاحية لسانها المركزي، العدد السادس والخمسين: "إن القضية التي حاربنا من أجلها خمس سنوات والتي سجلها أول بيان للثورة وهي قضية تقرير المصير قد حلت بموقفين متكاملين اتخذ أحدهما يوم ١٦ سبتمبر عندما أعلن رئيس الجمهورية الفرنسية، لأول مرة، عن اعتراف فرنسا بحق تقرير المصير للشعب الجزائري، واتخذ ثانيهما يوم ٢٨ من نفس الشهر عندما أعلنت الحكومة الجزائرية قبولها لهذا المبدأ كأساس لتسوية المشكلة" (٢).
لكن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كانت، في هذه الأثناء، تعاني أزمة السلطة والنفوذ نتيجة الأحداث التي سبق أن تعرضنا لها في بداية هذا الفصل وبسبب موقف، كريم بلقاسم الذي أصبح، أكثر من أي وقت مضى، يعمل على الإنفراد بالقيادة العليا شاهراً في وجه الجميع كونه الوحيد المتبقي طليقاً وعلى قيد الحياة من بين أعضاء القيادة التي أشعلت فتيل الثورة (٣) ويذكر السيد
стр. 378
فرحات عباس أن هذا الشعور بالتعالي الذي كان يحرك بلقاسم كريم قد قوبل بآخر لا يختلف عنه من طرف العقيدين بو الصوف وابن طوبال اللذين" لم يترددا في التذكر بأنهما شاركا في إجتماع الإثنين والعشرين عندما كان كريم ما يزال متعلقاً باهداب مصالي" وخوفاً من أن يشتد الصراع ويتحول إلى مالا يحمد عقباه يتحمل رئيس الحكومة. (١) مسؤولياته ووجه إستدعاء إلى مجلس الولايات للإجتماع من أجل الحلول اللازمة للمشاكل التي تراكمت ولكي تضع حداً للنزاعات الشخصية القائمة ليس بين الباءات الثلاثة فقط ولكن بينهم فرادى ومجتمعين وبين عدد آخر من الأعضاء الأساسين في القيادة (٢).
وعندما ألقى الرئيس خطابه التاريخي في اليوم السادس عشر من شهر سبتمبر، كان بعض قادة الولايات قد وصلوا إلى تونس التي حددت كمرحلة أولى قبل الذهاب إلى طرابلس (٣) ولم يكن بالإمكان تنقل مجالس الولايات لأسباب أمنية وعملية، ولذلك تم الإتفاق على أن تسند المهمة المحددة من طرف رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية إلى خمس عقداء الولايات بالإضافة إلى العقيدين المسؤولين عن قيادة الأركان والباءات الثلاث. (٤)
المجلس الوطني للثورة الجزائرية في دورته الثانية:
كان الإجتماع ماراتونيا ومطبوعاً بكثير من الحدة والصراحة (٥)، أثيرت أثناءه جميع القضايا الأساسية مثل تمرير الأسلحة والذخيرة عبر خطي موريس
стр. 379
وشال وضرورة دخول جيش الحدود وقيادته لتعزيز الولايات وكذلك رجوع القيادة العليا
للثورة إلى أرض الوطن كما تقتضي ذلك المبادئ التنظيمية المنصوص عليها في وثيقة وادي الصومام. وعلى الرغم من أن أعضاء الحكومة كلهم في المجلس الوطني للثورة الجزائرية إلا أنه لم يسمح لهم بحضور الإجتماع الذي أعتبر عسكرياً بحتاً. ويذكر السيد فرحات عباس أن العقيد لطفي لم يرض، في بداية الأمر، حتى بمشاركة من يسمون بالباءات الثلاث (١) نظراً لكونهم طرف في النزاعات القائمة ولكونهم أعضاء في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
وبعد كثير من الأخذ والرد وتدخل العديد من الأوساط (٢) لإصلاح ذات البين ولتقريب وجهات النظر، وبعد توقف الاجتماع مرات متعددة، توصل المجتمعون إلى الإتفاق على تركيبة جديدة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية وحددوا له اليوم السادس عشر من شهر ديسمبر كبداية لأعماله في طرابلس.
أستمع المجلس الوطني للثورة الجزائرية إلى البيانات المتعلقة بنشاط الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ثم انصرف إلى بحث عميق ومستفيض للوضعية العسكرية، وأتخذ مجموعة من القرارات الرامية إلى جعل الأجهزة النظامية للثورة تتلاءم مع الأوضاع الجديدة كما أجري تعديلاً خفيفاً على تركيبة الحكومة وأوصى بتكوين لجنة وزارية، داخلها، تكون مسؤولة عن شؤون الحرب وتشرف مباشرة على هيئات الأركان (٣).
ولئن كانت أشغال المجلس قد مكنت من التغلب على كل المشاكل الداخلية واتسمت بالحكمة التي ساعدت على تجاوز الحساسيات الشخصية وتحقيق المصالح بين سائر النزعات وإقناع السيد كريم على التخلي، بمحض إرادته،
стр. 380
عن مشروعه الخاص بقيادة الثورة (١)، فإن كل ذلك يبقى بسيطاً بالمقارنة مع الأهمية البالغة التي يكتسبها النصان الأساسيان اللذان تمت المصادقة عليهما بالإجماع واللذان يعتبران مكسباً إيديولوجياً جديداً (٢) لقد وضع مشروع الوثيقتين من قبل لجنة ترأسها السيد ابن يوسف بن خده اشتغلت مدة أسبوعين بعضوية السادة عمر أو صديق (٣) وفرانتز فانون (أو عمر فانون كما كان يسمى نفسه) ومحمد الصديق بن يحيى وعبد الرزاق شنتوف، منطلقة من بيان أول نوفمبر ووثيقة وادي الصومام وموظفة التجربة الواسعة المكتسبة خلال خمس سنوات من ممارسة الكفاح المسلح والنضال السياسي والنشاط الديبلوماسي. (٤)
أما الوثيقة الأولى فتتعلق بمؤسسات الدولة الجزائرية أثناء فترة الكفاح المسلح وبعد استرجاع السيادة الوطنية، ولمن يقرأ بتمعن، فإنه لا يجد مفراً من التوقف عند مجموعة من الملاحظات يمكن حصر أهمها بالأتي:
١ - إن تراجعاً جوهرياً قد وقع بالنسبة لمفهوم الدولة الجزائرية التي تتعهد جبهة التحرير الوطني بإقامتها بعد وقف إطلاق النار واسترجاع الإستقلال الوطني للثورة الجزائرية قد صادق، من خلال الوثيقة المذكورة، على أن تكون الدولة الجزائرية ديمقراطية وإجتماعية وأن لا تكون مؤسساتها متناقضة مع المبادئ الإسلامية، أما بيان الفاتح من نوفمبر فيذكر بصريح العبارة إن إقامة الدولة الجزائرية الديمقراطية الإجتماعية ستكون "ضمن إطار المبادئ الإسلامية".
من الواضح أن التعبيرين متناقضان ولا يمكن إيعاز ذلك إلى مجرد خطأ في الصياغة، عندما نعرف أن المجموعة التي أشرفت على التحرير مكونة، رغم قلة عددها، من أفضل ما في صفوف جبهة
стр. 381
التحرير الوطني من فرسان القلم المسلم لها، في ذلك الوقت، بالقدرة الفائقة على ممارسة الكتابة باللغة الفرنسية، والمعروفين بكونهم الدماغ المفكر والمسؤول عملياً عن إعلام الثورة. وإذا كان جمهور المناضلين لا يعرفون عنهم سوى صفة الجهاد التي اكتسبوها بفضل مواقعهم في دواليب الثورة وبواسطة بعض السلوكات الفردية، فإن معظم المسؤولين السامين لم يكونوا يجهلون النزعة اليسارية والميولات الماركسية بالنسبة لأغلبيتهم، وكان من المفروض أن تكون هناك يقظة في إنشغال المؤتمرين بتسوية المشاكل الميدانية التي كانت تهدد الثورة بالإنفجار.
ومما لا شك فيه أن تلك الغفلة أو تلك الثقة التي لم تكن في محلها قد أدت إلى تجسيد واحد من الإنحرافات الخطيرة التي ستكون أساساً للإنزلاقات التي سوف تقود بالتدريج إلى الخروج نهائياً عن الخط الأيديولوجي الذي سطرته جبهة التحرير الوطني ليلة الفاتح من نوفمبر.
٢ - إن الوثيقة، قد أهملت، في عرضها للمبادئ الأساسية، التوقيف عند إبعاد الثورة المغربية والعربية والإسلامية طبقاً لما جاء في بيان أول نوفمبر، ومن أجل تجاوز النقص الذي تضمنته في المجال، وثيقة وادي الصومام والذي نددت به مجموعة كبيرة من أعضاء القيادة في مقدمتهم الرئيس أحمد بن بلة.
هنا، أيضاً، نلحظ لمسات عمر أو صديق وفرانتز ومحمد الصديق بن يحيى الذين يرون أن مستقبل الجزائر لن يكون زاهراً في دائرة العروبة والإسلام التي تمثل، في نظرهم، بؤرة الرجعية والعصور المظلمة، وحتى المغرب العربي الذي ظل مركزاً إهتمامات الرواد من المناضلين، فإنه لا يؤمنون به إلا عندما نجرده من صفة العروبة ونحصره في إطار شمال إفريقيا الذي يربط بين أقطاره قاسم اللغة الفرنسية والثقافة الغربية اللتين أعتمد عليهما الاستعمار لتأييد حالة الإنسلاخ عن الذات الضرورية لديمومته.
٣ - إن التطهير السياسي، في منظور جبهة التحرير الوطني، يعني إعادة الحركة الوطنية إلى نهجها الحقيقي بواسطة القضاء على مخلفات الفساد وروح الإصلاح التي تتناقض مع الروح الثورية وبواسطة إلغاء الروح
стр. 382
الحزبية التي تقود فقط إلى التعصب وإلى تكريس التقسيم الذي يعمل الإستعمار على تحقيقه بجميع الوسائل. وبهذا المفهوم، فإن الجماعة المذكورة لا يمكن أن تكون راضية عن التطهير السياسي لأن الحزب الشيوعي الجزائري لا يعد من الحركة الوطنية نتيجة تبعية العضوية للحزب الشيوعي الفرنسي وانضوائه، إيديولوجياً، تحت لواء الشيوعية الأممية، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فلأن الحزب الشيوعي الجزائري ظل دائماً يرفض حل نفسه لصالح جبهة التحرير الوطني، ويعتبر بقاءه كتنظيم سياسي مستقل مسألة أساسية مازال يدافع عنها إلى يومنا هذا (١).
إن هذه الملاحظات الثلاث تدل بما لا يدع أي مجال للشك على أن المباشرين لصياغة هذه الوثيقة لم يطبقوا توجيهات المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي ألزمهم بعدم الخروج عن الخطوط العريضة التي حددها نداء الفاتح من نوفمبر مع الأخذ في الإعتبار للتطورات التي عرفتها وتعرفها القضية الجزائرية في الداخل وفي الخارج. ويقول السيد ابن يوسف بن خده الذي سألناه في الموضوع (٢) أنه لم ينتبه في حين إلى "هذه الأخطاء الفادحة "لأنه كان يعرف كفاءة أعضاء اللجنة ويعتقد أنهم تخلوا عن معتقداتهم الأيديولوجية بعد إلتحاقهم طوعاً بجبهة التحرير الوطني ولأنه هو الأهم في نظره كان مركزاً كل طاقاته الفكرية وموظفاً جميع إمكانياته المادية والأدبية من أجل إقناع أعضاء المجلس بضرورة تبني إقتراحه القاضي بحتمية رجوع القيادة العليا للثورة إلى أرض الوطن وهو الإقتراح الذي لم يتوقف عن الدفاع عنه منذ أكثر من ستة أشهر أي منذ الصراعات الشخصية على السلطة والتي بدأت تطغى على العمل في سبيل تطوير المعركة الوطنية وتوفير أسباب نجاحها.
وأما الوثيقة الثانية فتتعلق بالقانون الأساسي لجبهة التحرير الوطني وهي مكونة من مدخل وثمانية فصول اشتملت على أربعين مادة ومن خلال القراءة الأولى يستطيع الباحث أن يستخرج مجموعة من الملاحظات أهمها.
стр. 383
١ - أن المشرفين على الصياغة قد اجتهدوا لبلورة الإنسجام بين الوثيقتين فيما يتعلق بمفهوم الدولة الجزائرية المنتظر إقامتها بعد إسترجاع الإستقلال الوطني. فهي طبقاً للمادة الثانية من القانون الأساسي "جمهورية ديمقراطية وإجتماعية لا تكون في تناقض مع المبادئ الإسلامية" (١) تماماً مثلما جاء التنصيص على ذلك في الوثيقة الأولى كما رأينا.
٢ - إن المشرفين على الصياغة قد اضطروا لتكريس هذا الإنجراف في الوثيقتين إلى السكوت عن تثبيت مبدأ أساسي تألق بغيابه في الوثيقة الأولى وجاء في مدخل القانون الأساسي: "إن الجزائر جزء من المغرب العربي وهي تنتمي إلى الوطن العربي الذي تربطها به أربعة عشر قرناً من التاريخ والثقافة العربية الإسلامية وكذلك الكفاح ضد الظلم الإستعماري والامبريالية" (٢).
ومن الجدير بالذكر أن هذا التعبير سيبقى كما هو ملازماً لجميع مواثيق الثورة الجزائرية إلى غاية أكتوبر سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وألف.
٥ - إن الوثيقة قد تضمنت، لأول مرة منذ إندلاع الثورة، تأكيداً بصريح العبارة على أن جبهة التحرير الوطني لا تكافح من أَجل إسترجاع الإستقلال الوطني فحسب بل أنها ستواصل مهمتها التاريخية بعد ذلك، كقائد ومنظم للأمة الجزائرية من أجل بناء الديمقراطية الحقة وتحقيق الإزدهار الإقتصادي والعدالة الاجتماعية" (٣) إن هذا التنصيص الذي جاء ضمن المبادئ العامة يعتبر بداية القواعد الثابتة لما سيسمى فيما بعد بالمجتمع الاشتراكي، وسوف نرى أن المؤدلجين سوف لن يستقروا على صفة واحدة للديمقراطية (٤) وذلك نظراً لعجزهم عن تبليغ مفهومها الصحيح للجماهير الشعبية الواسعة إن الوثيقة، ولأول مرة، أيضاً، لم
стр. 384
تخف استعمال جبهة التحرير الوطني للأدبيات الماركسية. فالجماعية ومحاربة عبادة الشخصية ورفض الحكم الفردي كلها تجسدت في مبدأ المركزية الديمقراطية (١) الذي صارت جبهة التحرير الوطني تعتمد عليه في التسيير والتنظيم.
وبالإضافة إلى هذين النصين، الذين حظيا بإجماع المشاركين في أشغال المجلس الوطني للثورة الجزائرية، فإن هذا الأخير قد أعاد النظر في تشكيل الحكومة للجمهورية الجزائرية وضبط الخطوط العريضة، لبرنامج عملها بالنسبة للفترة المقبلة.
ففيما يتعلق بالحكومة رفض المجلس مشروع السيد بلقاسم كريم الرامي إلى إستبدالها بقيادة ثلاثية على غرار ماهو موجود في الإتحاد السوفياتي، ولم يكن الرفض وحده كافياً، بل أن أعضاء المجلس قد جددوا ثقتهم للرئيس فرحات عباس (٢) وزحزحوا صاحب المشروع من وزارة الحربية بعد أن عبروا له عن لجنة مكونة من ثلاثة وزراء (٣) على أن تتولى تسيير جيش التحرير الوطني بواسطة قيادة للأركان (٤) تعينها الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية على هذا الأساس، فإن المجلس قد أثر وثيقة وادي الصومام التي نظمَّت جيش التحرير الوطني إلى غاية الولاية لكنها لم تزوده بقيادة عليا. ولم يبق إلا وضع هذه الوثيقة ولذلك، فإن العلاقة سرعان ما تدهورت بين قيادة الأركان واللجنة الوزارية.
إن اللجنة الوزارية هي التي اقترحت، للتعيين، رئيس قيادة الأركان، وقد كان الباءات يعتقدون أن العقيد هواري بومدين المعروف بإنغلاقه على نفسه لن يخرج عن طاعتهم وسيكون مجرد منفذ لقراراتهم (٥) أما أعضاء القيادة فقد روعيت في تعينهم مسألة التمثيل الجمهوري بحيث جاء الرائد أحمد قائد عن الغرب والرائد على منجلي عن الشرق والرائد رابح زراري "عز الدين" عن الوسط ولم يعين أحد عن الجنوب لأن الولاية السادسة لم تكن ممثلة على أعلى
стр. 385
مستوى في جيش الحدود.
وبمجرد التعيين والتنصيب تحركت قيادة الأركان لإعادة تنظيم الجيش على الحدود الشرقية والغربية، وكان أول إجراء لها إستدعاء الضباط القدامى وتسريح المعتقلين على إثر حركة العقيد محمد لعموري واستبعاد الضباط القادمين من الجيش الفرنسي عن الوحدات القتالية وقيادة الفيالق (١). وحزت هذه التدابير في نفس الباءات الذين اعتبروا ذلك تحدياً لهم فلجأوا إلى المناورة واستصدروا من الحكومة أمراً لقيادة الأركان بالدخول إلى أرض الوطن للأشراف، هناك، على سير المعركة (٢).
أما عن برنامج عمل الحكومة الذي ضبطه المجلس الوطني للثورة الجزائرية فيشتمل على مجموعة من النقاط أهمها ما يلي: (٣)
- تكثيف العمليات العسكرية على الحدود الشرقية والغربية من أجل تخفيف الضغط على الولايات وتدويل الحرب، وبالموازات مع ذلك، أوصى المجلس بتصعيد العمل العسكري في فرنسا وباستهداف المؤسسات الإقتصادية الحساسة.
- تخفيف الجهاز الإداري ووضع الإطارات المُسرّحة تحت تصرف جيش التحرير الوطني.
- إنشاء لجنة للمحاسبة من أجل السهر على حسن سير مالية جبهة التحرير الوطني وعلى تطبيق توجيهات المجلس المتعلقة بالتقشف في مستوى المصالح الإدارية والديبلوماسية ورفع ميزانية التسيير بالنسبة للولايات.
- العمل على تجسيد مبدأ تقرير المصير تحت رقابة الأمم المتحدة مع مواصلة المساعي من أجل إنجاح التفاوض مع فرنسا طبقاً لما جاء في نداء الفاتح من نوفمبر.
- مواصلة العمل من أجل تحقيق الوحدة المغاربية وتجسيد التضامن الإفريقي وإقناع الصين والإتحاد السوفياتي بضرورة تقديم المعونة التقنية
стр. 386
وإرسال المتطوعين لمساعدة جبهة التحرير الوطني على نسف خط موريس الذي صار يشكل سدادة منيعة يخشى أن تتحول إلى مخنقة لجيش التحرير الوطني في الداخل.
••••
стр. 387
الفصل الثاني
من ثورة التحرير إلى الثورة
الديمقراطية الشعبية
- الفعل وردة الفعل قبل التفاوض
- الثورة الجزائرية في مرحلتها الثالثة
- المفاوضات ووقف إطلاق النار
- المجلس الوطني للثورة الجزائرية يقيم إتفاقيات إيفيان
- قراءة متأنية لبرنامج طرابلس
••
стр. 388
الفعل ورد الفعل قبل التفاوض:
بعد إنتهاء أشغال المجلس الوطني في اليوم الثامن عشر من شهر جانفي سنة ستين وتسعمائة وألف. دخلت الثورة الجزائرية مرحلتها المتمثلة في تثوير الجماهير الشعبية ودفعها في اتجاه الانتفاضة الشاملة قصد إرغام العدو على قبول التفاوض كما حدده بيان الفاتح من نوفمبر أي على أساس الإعتراف بالسيادة الوطنية ووحدة التراب الوطني مع إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ولإنجاز هذه المرحلة بنجاح وضع البرنامج الذي أوردنا أهم خطوطه العريضة في نهاية الفصل السابق.
وقبل الإسترسال في الحديث عن المرحلة الثالثة لا بد من الإشارة إلى أن المجلس الوطني، أثناء مداولاته التي دامت أكثر من شهر كامل (١) كان قد أبدى عدداً من الملاحظات حول المرحلة الثانية التي كانت تعني إقامة مناطق محررة على الحدود الجزائرية كمنطلق لإنهاك قوات العدو ولتوفير الإسناد الضروري لجبهة التحرير الوطني في عملية جر الجماهير الشعبية إلى خوض المعركة الحاسمة في شوارع كافة المدن الجزائرية.
إن هذه المناطق قد تأسست بالفعل على الحدود الشرقية والغربية، لكن المجلس لاحظ أن ثمة تقصيراً يتمثل في عدم التركيز على الجزء الداخلي من المنطقة، وقد كان من المفروض أن تمركز القيادات في أرض الوطن بدلاً من الأراضي التونسية والمغربية. ففي هذا الصدد أعطيت التعليمات لقيادة الأركان الجديدة كي تتدارك الوضع بجميع الوسائل. وقد فعلت ذلك بواسطة قرارين أساسين، يتعلق الأول منهما بإعطاء الأوامر الصارمة للضباط بتكوين وحدات طلائعية وتدريبها بطريقة مكثفة من أجل إجتياز خطي موريس وشال الجهنميين. أما القرار الثاني فخاض بتأسيس منطقتين محررتين في الجنوب تمتد إحداهما على الحدود المالية الجزائرية والثانية على الحدود الليبية الجزائرية.
وإذا كانت قيادة الأركان قد لقت صعوبات جمة في تطبيق القرار الأول لأن عدداً قليلاً جداً فقط من الضباط استطاع إجتياز خط موريس بنجاح في حين
стр. 389
فشلت معظم المحاولات رغم أن بعض من قاموا بها كانوا ممن سبقت لهم تجربة الدخول مرات متعددة (١)، فإن القرار الثاني قد تم تطبيقه بسهولة كبيرة، قد يكون ذلك راجعاً لكون الضباط الذين أسندت لهم مهمة الإنجاز ممن أطلق سراحهم حديثاً (٢) فأرادوا الدليل على خطأ سجانيهم، ومن، الممكن أيضاً، أن سبب ذلك يعود لكون الحدود الجنوبية غير محصنة بالأسلاك الشائكة المكهربة وبحقول الألغام المحروسة ليلاً ونهاراً بالرادار والطيران.
فبالنظر إلى هذه الظروف وتقديراً للحملة الواسعة التي تقرر الشروع في القيام بها على الحدودين الشرقية والغربية من أجل إعادة لمّ وحدات وفيالق جيش التحرير الوطني التي كانت قد بدأت تتشتت بفعل الأزمات المتتالية التي تعرضنا إليها في الفصلين السابقين ولكي يعود الإنضباط من جديد إلى صفوف المجاهدين قررت قيادة الأركان المتمركزة بغار الدماء على الحدود التونسية وتأجيل الدخول لأرض الوطن إلى وقت لاحق وبالموازات مع هذا القرار شرعت قيادة الأركان في ربط العلاقات الطبيعية مع الولايات كخطوة أساسية في طريق توحيد جيش التحرير الوطني بفرنسا من أجل التخطيط والتنسيق للعمل الفدائي هناك.
كل هذه القرارات والتحركات التي تدل على وجود خطة مدروسة، لم ترضي اللجنة الوزارية لشؤون الحرب، التي خشيت أن يقود ذلك إلى تهميشها، فسارعت إلى الإتصال بمسؤولي الولايات واللإتحادية تحذرهم من التعامل مباشرة مع قيادة الأركان ثم أصدرت إلى هذه الأخيرة، باسم الحكومة، أمرها بالدخول إلى الأراضي الجزائرية قبل نهاية شهر مارس سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف.
وعندما أثرت هذا الموضوع مع الرئيس الراحل هواري بومدين (٣) أكد لي أن تصرفات اللجنة لم تكن إلا لتحقيق رغبة أعضائها في الإحتفاظ بالسلطة مهما
стр. 390
كان الثمن، وقد كان هؤلاء الأعضاء يعتقدون أن دخول قيادة الأركان إلى الجزائر سيؤدي إلى إلغائها عملياً إما وهي تجتاز الأسلاك المكهربة وحقول الألغام أو بواسطة تكتل الولايات التي لن توافق على الإنضواء تحت لوائها، لأجل ذلك، فإن قيادة الأركان لم تطبق أوامر اللجنة في الموضوع، وراحت تواصل النشاط المكثف في سبيل إنجاز برنامج العمل الذي صادق عليه المجلس الوطني للثورة الجزائرية.
في هذه الأثناء، وبينما كانت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تواصل نشاطها من أجل إيجاد أفضل السبل للدخول في مفاوضات مع حكومة الجنرال ديغول على أساس حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه خاصة بعد أن تبنى ذلك المجلس الوطني للثورة الجزائرية كانت فرنسا تعيش أزمة في جميع المجالات بسبب الإنتصارات التي ما فتئت الثورة الجزائرية تحرز عليها في الميدانين العسكري والسياسي.
فتزايد العمليات في المدن، وإستمرار الجنرال ديغول في طريق التسوية على أساس تقرير المصير أغاظا دعاة الجزائر الفرنسية، إنصارها المدنيين والعسكريين على حد سواء، وقادا إلى ظهور بوادر التمرد على أعلى المستويات وخاصة في الجيش إذ تجرأ الجنرال ماسي على التصريح لإحدى الجرائد الألمانية بأنه يعارض هذه السياسة وهو على إستعداد لمقاومتها بجميع الوسائل عندما يقتضي الحل ذلك (١).
ومما لاشك فيه أن تصريح ماسي لم يكن بريئاً ولا عفوياً ولكنه جاء نتيجة تشاور وتفاهم مع غلاة المعمرين الذين كان النائب لاقيارد يتزعم نشاطهم.
وفي الحقيقة، فإن ديغول لم يكن راضياً عن سياسته المفروضة عليه بواسطة ضغوطات الثورة السياسية العسكرية، نستخلص ذلك من مذكراته عندما يتألم لسياستي، ولكن هل أنا سعيد بممارستها؟ " (٢)
رغم ذلك وحفاظاً على سمعته أمر ديغول بنقل ماسي إلى فرنسا يوم ٢٢/ ٠١/١٩٦٠ وكان الإجراء سبباً مباشراً ليعلن لاقيالارد (LA GAILLARDE) يوم ٢٢/ ٠١/١٩٦٠ عن احتلاله لجامعة الجزائر على رأس مجموعات غفيرة من الأرجل السوداء ووحدات الدفاع المحلي. ووجه نداء إلى السكان الأوربيين ليتظاهروا عشية اليوم الذي بعده وهو يوم أحد للتدليل على تضامنهم مع