وإرسال المتطوعين لمساعدة جبهة التحرير الوطني على نسف خط موريس الذي صار يشكل سدادة منيعة يخشى أن تتحول إلى مخنقة لجيش التحرير الوطني في الداخل.
••••
стр. 387
الفصل الثاني
من ثورة التحرير إلى الثورة
الديمقراطية الشعبية
- الفعل وردة الفعل قبل التفاوض
- الثورة الجزائرية في مرحلتها الثالثة
- المفاوضات ووقف إطلاق النار
- المجلس الوطني للثورة الجزائرية يقيم إتفاقيات إيفيان
- قراءة متأنية لبرنامج طرابلس
••
стр. 388
الفعل ورد الفعل قبل التفاوض:
بعد إنتهاء أشغال المجلس الوطني في اليوم الثامن عشر من شهر جانفي سنة ستين وتسعمائة وألف. دخلت الثورة الجزائرية مرحلتها المتمثلة في تثوير الجماهير الشعبية ودفعها في اتجاه الانتفاضة الشاملة قصد إرغام العدو على قبول التفاوض كما حدده بيان الفاتح من نوفمبر أي على أساس الإعتراف بالسيادة الوطنية ووحدة التراب الوطني مع إطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين، ولإنجاز هذه المرحلة بنجاح وضع البرنامج الذي أوردنا أهم خطوطه العريضة في نهاية الفصل السابق.
وقبل الإسترسال في الحديث عن المرحلة الثالثة لا بد من الإشارة إلى أن المجلس الوطني، أثناء مداولاته التي دامت أكثر من شهر كامل (١) كان قد أبدى عدداً من الملاحظات حول المرحلة الثانية التي كانت تعني إقامة مناطق محررة على الحدود الجزائرية كمنطلق لإنهاك قوات العدو ولتوفير الإسناد الضروري لجبهة التحرير الوطني في عملية جر الجماهير الشعبية إلى خوض المعركة الحاسمة في شوارع كافة المدن الجزائرية.
إن هذه المناطق قد تأسست بالفعل على الحدود الشرقية والغربية، لكن المجلس لاحظ أن ثمة تقصيراً يتمثل في عدم التركيز على الجزء الداخلي من المنطقة، وقد كان من المفروض أن تمركز القيادات في أرض الوطن بدلاً من الأراضي التونسية والمغربية. ففي هذا الصدد أعطيت التعليمات لقيادة الأركان الجديدة كي تتدارك الوضع بجميع الوسائل. وقد فعلت ذلك بواسطة قرارين أساسين، يتعلق الأول منهما بإعطاء الأوامر الصارمة للضباط بتكوين وحدات طلائعية وتدريبها بطريقة مكثفة من أجل إجتياز خطي موريس وشال الجهنميين. أما القرار الثاني فخاض بتأسيس منطقتين محررتين في الجنوب تمتد إحداهما على الحدود المالية الجزائرية والثانية على الحدود الليبية الجزائرية.
وإذا كانت قيادة الأركان قد لقت صعوبات جمة في تطبيق القرار الأول لأن عدداً قليلاً جداً فقط من الضباط استطاع إجتياز خط موريس بنجاح في حين
стр. 389
فشلت معظم المحاولات رغم أن بعض من قاموا بها كانوا ممن سبقت لهم تجربة الدخول مرات متعددة (١)، فإن القرار الثاني قد تم تطبيقه بسهولة كبيرة، قد يكون ذلك راجعاً لكون الضباط الذين أسندت لهم مهمة الإنجاز ممن أطلق سراحهم حديثاً (٢) فأرادوا الدليل على خطأ سجانيهم، ومن، الممكن أيضاً، أن سبب ذلك يعود لكون الحدود الجنوبية غير محصنة بالأسلاك الشائكة المكهربة وبحقول الألغام المحروسة ليلاً ونهاراً بالرادار والطيران.
فبالنظر إلى هذه الظروف وتقديراً للحملة الواسعة التي تقرر الشروع في القيام بها على الحدودين الشرقية والغربية من أجل إعادة لمّ وحدات وفيالق جيش التحرير الوطني التي كانت قد بدأت تتشتت بفعل الأزمات المتتالية التي تعرضنا إليها في الفصلين السابقين ولكي يعود الإنضباط من جديد إلى صفوف المجاهدين قررت قيادة الأركان المتمركزة بغار الدماء على الحدود التونسية وتأجيل الدخول لأرض الوطن إلى وقت لاحق وبالموازات مع هذا القرار شرعت قيادة الأركان في ربط العلاقات الطبيعية مع الولايات كخطوة أساسية في طريق توحيد جيش التحرير الوطني بفرنسا من أجل التخطيط والتنسيق للعمل الفدائي هناك.
كل هذه القرارات والتحركات التي تدل على وجود خطة مدروسة، لم ترضي اللجنة الوزارية لشؤون الحرب، التي خشيت أن يقود ذلك إلى تهميشها، فسارعت إلى الإتصال بمسؤولي الولايات واللإتحادية تحذرهم من التعامل مباشرة مع قيادة الأركان ثم أصدرت إلى هذه الأخيرة، باسم الحكومة، أمرها بالدخول إلى الأراضي الجزائرية قبل نهاية شهر مارس سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف.
وعندما أثرت هذا الموضوع مع الرئيس الراحل هواري بومدين (٣) أكد لي أن تصرفات اللجنة لم تكن إلا لتحقيق رغبة أعضائها في الإحتفاظ بالسلطة مهما
стр. 390
كان الثمن، وقد كان هؤلاء الأعضاء يعتقدون أن دخول قيادة الأركان إلى الجزائر سيؤدي إلى إلغائها عملياً إما وهي تجتاز الأسلاك المكهربة وحقول الألغام أو بواسطة تكتل الولايات التي لن توافق على الإنضواء تحت لوائها، لأجل ذلك، فإن قيادة الأركان لم تطبق أوامر اللجنة في الموضوع، وراحت تواصل النشاط المكثف في سبيل إنجاز برنامج العمل الذي صادق عليه المجلس الوطني للثورة الجزائرية.
في هذه الأثناء، وبينما كانت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تواصل نشاطها من أجل إيجاد أفضل السبل للدخول في مفاوضات مع حكومة الجنرال ديغول على أساس حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه خاصة بعد أن تبنى ذلك المجلس الوطني للثورة الجزائرية كانت فرنسا تعيش أزمة في جميع المجالات بسبب الإنتصارات التي ما فتئت الثورة الجزائرية تحرز عليها في الميدانين العسكري والسياسي.
فتزايد العمليات في المدن، وإستمرار الجنرال ديغول في طريق التسوية على أساس تقرير المصير أغاظا دعاة الجزائر الفرنسية، إنصارها المدنيين والعسكريين على حد سواء، وقادا إلى ظهور بوادر التمرد على أعلى المستويات وخاصة في الجيش إذ تجرأ الجنرال ماسي على التصريح لإحدى الجرائد الألمانية بأنه يعارض هذه السياسة وهو على إستعداد لمقاومتها بجميع الوسائل عندما يقتضي الحل ذلك (١).
ومما لاشك فيه أن تصريح ماسي لم يكن بريئاً ولا عفوياً ولكنه جاء نتيجة تشاور وتفاهم مع غلاة المعمرين الذين كان النائب لاقيارد يتزعم نشاطهم.
وفي الحقيقة، فإن ديغول لم يكن راضياً عن سياسته المفروضة عليه بواسطة ضغوطات الثورة السياسية العسكرية، نستخلص ذلك من مذكراته عندما يتألم لسياستي، ولكن هل أنا سعيد بممارستها؟ " (٢)
رغم ذلك وحفاظاً على سمعته أمر ديغول بنقل ماسي إلى فرنسا يوم ٢٢/ ٠١/١٩٦٠ وكان الإجراء سبباً مباشراً ليعلن لاقيالارد (LA GAILLARDE) يوم ٢٢/ ٠١/١٩٦٠ عن احتلاله لجامعة الجزائر على رأس مجموعات غفيرة من الأرجل السوداء ووحدات الدفاع المحلي. ووجه نداء إلى السكان الأوربيين ليتظاهروا عشية اليوم الذي بعده وهو يوم أحد للتدليل على تضامنهم مع
стр. 391
المتمردين ولإرغام الحكومة الفرنسية على تغيير سياستها.
وبالفعل، فإن المظاهرات التي جرت صاخبة لكنها لم تمنع ديغول من توجيه أوامره إلى كل من دولوفريي وشال لإستعمال العنف في سبيل إسترجاع الهدوء ثم أخذ الكلمة، عن طريق الإذاعة، في اليوم الثالث للتمرد فوصف الأحداث بالعصيان الذي لا يمكن أن يثنيه عن الطريق التي اختارها لفرنسا في تعاملها مع القضية الجزائرية ولما أحس بأن ثمة تردداً في موقف القائد الأعلى للقوات المسلحة نفسه وخشي أن تسري العدوى إلى فرنسا ذاتها، ارتدى زيه العسكري في اليوم التاسع والعشرين من شهر جانفي ووجه خطاباً متلفزاً إلى الشعب الفرنسي للتأكيد على أن تقرير المصير "قرار حكومي صادق عليه البرلمان ووافقت الأمة الفرنسية على أنه المخرج الوحيد الذي بقي ممكناً" (١). وبعد هذا الخطاب الذي كان شديد اللهجة تدخل الجيش بقوة في اليوم الموالي وقضى على التمرد برفع الحواجز وتنظيف الطرقات وإعتقال رؤوس الفتنة وفي مقدمتهم لاقيارد ودوسيزيني ودو ماركي في حين تمكن أورتيز من الفرار إلى إسبانيا في إنتظار تكوين منظمة الجيش السري (المنظمة السرية المسلحة).
صحيح أن رئيس الدولة الفرنسية قد واجه، بحزم، هذا التمرد منذ بدايته (٢) لكنه لم يفعل ذلك حباً في الجزائر أو رغبة في تمكين شعبها من ممارسة حقه في تقرير مصيره. لقد كان بإمكانه أن يفعل ذلك عندما كان قائد فرنسا بلا منازع خلال الحرب الإمبريالية الثانية، لكن قناعته الإستعمارية ووطنيته الضيقة منعته، في ذلك الوقت من القيام بأعمال العظماء الأحرار، وجعلته، في سنة ستين، يشتت صفوف المتمردين على سلطته ويعمل في ذات الوقت على تلبية مطالبهم لأنها هي نفس مطالبه وهي تتمثل، رغم التظاهر بالجنوح إلى السلم والتصريحات المتتالية الداعية جبهة التحرير الوطني إلى التفاوض، في التعجيل بإعدام أسرى الحرب والمعتقلين السياسيين وفي تكثيف العمل العسكري من أجل القضاء على جيش التحرير الوطني وإبراز قوة ثالثة تقبل بالحلول التي تمليها فرنسا والتي لا تكون متناقضة مع مصالحها في جميع الميادين.
إن الجنرال ديغول الذي يريد الحفاظ، بشتى الوسائل، على السمعة التي أكتسبها عالمياً، يقدم تفسيراً خاصاً لأوامره القاضية بتكثيف العمل العسكري في الوقت الذي كان يدعو فيه إلى السلم عن طريق التفاوض، ففي هذا الصدد يؤكد
стр. 392
في مذكراته أنه مقتنع فعلاً، بضرورة إخراج فرنسا من هذه الحرب لكنه يريد قبل ذلك "أن تتمكن القوات الفرنسية من السيطرة على الميدان وتبقى كذلك إلى أن أرى الوقت مناسباً لأمرها بالإنسحاب (١).
ففي هذا السياق قام بزيارة إلى الجزائر دامت من الثالث إلى السابع من مارس سنة ستين وتسعمائة وألف، تفقد خلالها، معظم المناطق التي تتمركز بها قواته المسلحة ثم جمع الضباط السامين المكونين لقيادات الأركان وخاطبهم قائلاً: "إن المعركة لم تنته، إنها قد تستمر أشهر وأشهراً، ومادامت مستمرة فإن الواجب يدعوكم إلى مغالبة العدو والتغلب عليه (٢).
ومن جهة أخرى، وجه رئيس الدولة الفرنسية اهتمامات بالغة بعملية زرع الشقاق في صفوف الثورة الجزائرية ومحاولة عزل بعض الولايات من أجل التفاهم معها في القوة الثالثة التي كان يعمل على إيجادها من أجل الضغط على جبهة التحرير الوطني. وسوف لن ينسى التاريخ زيارة مجالس الولاية الرابعة إلى فرنسا وإستقباله في قصر الإليزية من قبل الجنرال ديغول نفسه. لقد تم ذلك في سباق ما يسمى بسلام الشجعان وبواسطة المساعدين المقربين للجنرال وفي مقدمتهم الوزير الأول ميشال دويري وبانار تريكو والعقيد ماتهون.
ويذكر السيد فرحات عباس أن المقابلة مع الجنرال ديغول لم تكن من أجل إيجاد حل للقضية الجزائرية بل إن فرنسا كانت تهدف إلى ضرب وحدة الصف الجزائري (٣).
وقد أنتبه الرائد سي محمد بوعمامة إلى الخديعة، ولذلك، وبمجرد الرجوع، إلى الجزائر وتوجه العقيد سي صالح إلى الولاية الثالثة قصد إطلاع قائدها العقيد محمد أو الحاج على ما دار بينه وبين رئيس الدولة الفرنسية، فإنه أقدم على إعتقال جميع أعضاء الوفد ونفذ فيهم حكم الإعدام بتهمة المشاركة في الخيانة العظمى. وبما أن الحكومة المؤقتة هي التي تعين مسؤولي الولايات، فإنه أوفد العقيد سي صالح إلى تونس من أجل المحكمة (٤)، ثم راح يعيد تنظيم ولايته وينشط سائر مناطقها ونواحيها وأقسامها مركزاً على الكمائن والهجومات الخفيفة وعلى العمل الفدائي في المدن والقرى. ومن بين المدن كانت مدينة
стр. 393
الجزائر التي استعادت أنفاسها وراحت تستعد للإنتفاضة الشعبية التي سوف تعم البلاد إبتداء من العاشر من ديسمبر سنة ستين وتسعمائة وألف.
إن هذه الهزيمة التي منيت بها سياسة الجنرال ديغول، مضافة إلى النتائج السلبية. التي توجت الإنتخابات الجهوية التي جرت في شهر ماي والتي كانت السلطات تراهن عليها لإبراز عناصر القوة الثالثة، كل ذلك قد فرض على رئيس الدولة الاستعمارية العودة إلى مبدأ حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره، وقد جاء ذلك في خطاب توجه به إلى الأمة الفرنسية بتاريخ الرابع عشر من شهر جوان قال فيه على الخصوص.
"في السادس عشر من شهر ديسمبر فتحت طريق مستقيمة وواضحة، الطريق الموصلة إلى السلم ... فحق الجزائريين في تقرير مصيرهم هو الوحيد ومن الدوامة المعقدة والمؤلمة ... أنني، مرة أخرى، التفت باسم فرنسا إلى قادة الثورة إننا ننتظرهم هنا لنجد معهم نهاية مشرفة للمعارك التي تتواصل حتى الآن. بعد ذلك، سيتم كل شيء لكي تعطى الكلمة إلى الشعب الجزائري وهو مطمئن البال وسوف لن يكون القرار إلا ما يقرره هو بنفسه. (١)
بعد هذا الخطاب بأقل من أسبوع وصل إلى مولان (٢) وفد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية مكوناً من السيدين أحمد بومنجل (٣) ومحمد الصديق بن يحيى (٤)، غير أن اللقاءات بين الطرفين لم تؤدِ سوى إلى كسر الحواجز النفسية
стр. 394
وفتح الباب واسعة أمام المفاوضات الحقيقية التي سوف تنطلق بعد إستفتاء الشعب الفرنسي بتاريخ الثامن من شهر جانفي سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف.
الثورة الجزائرية في مرحلتها الثالثة:
لقد كان الإستفتاء في الواقع تبريرياً فقط، أراد ديغول بواسطته إضفاء طابع الشرعية على سياسة مافتئ يمارسها بمفرده وبعيداً عن كل ديمقراطية، وقبل ذلك الإستفتاء بأقل من شهر واحد كانت جبهة التحرير الوطني قد أنزلت الجماهير الشعبية الواسعة إلى شوارع ومدن الجزائر وقراها معلنة عن بلوغ المرحلة الثالثة من الثورة أوجها ومؤكدة صحة التخطيط الذي وضعته القيادة التي قررت إشعال الفتيل ليلة أول نوفمبر (١).
فالمجلس الوطني للثورة الجزائرية عندما أمر بالإنتقال إلى المرحلة الثالثة من الكفاح المسلح كان قد أسند إلى اللجنة الوزارية المكلفة بشؤون الحرب مهمة التنسيق بين الولايات من أجل تكوين لجان التحريض وإعداد الأعمال التحضيرية وإعداد فرق التأطير والتدخل السريع التي ستوكل لها مسؤولية تعبئة الجماهير الشعبية وتنظيمها في مظاهرات جبارة أيذانا بانطلاق الإنتفاضة الشعبية العارمة. ودامت الأعمال التحضرية أشهراً كاملة ثم جاءت الفرصة في ذلك اليوم التاسع من شهر ديسمبر سنة ستين وتسعمائة وألف. ففي ذلك التاريخ الذي أختاره رئيس الدولة الفرنسية لبدء زيارة أخرى للجزائر، قررت جبهة الجزائر الفرنسية، (٢) شن إضراب عام في مدينة الجزائر ودعت الأوروبين إلى
стр. 395
التظاهر في الشوارع للتعبير عن رفضهم للجزائر الجزائرية، ويذكر السيد فرحات عباس أن المظاهرات قد وقعت بالفعل وتميزت بمشادات عنيفة بين المتظاهرين والقوات الفرنسية التي لم تستعمل سوى القنابل المسيلة للدموع (١).
وفي مساء ذلك اليوم، أصدرت جبهة الجزائر الفرنسية بياناً وصفت فيه المظاهرات بالإنتصار ودعت إلى الاستمرار في الإضراب العام وإلى مواصلة التظاهر بالنسبة لليوم العاشر من شهر ديسمبر (٢). ولم تكن تلك الجبهة تعرف أن إطارات جبهة التحرير الوطني قد حددت نفس ذلك اليوم لإحتلال الشارع الجزائري في كافة المدن والقرى ووزعت، للمناسبة، آلاف الأعلام الوطنية واللافتات المعبرة عن إلتحام الشعب بثورته وإستعداده للسير وراء القيادة الثورية حتى النصر أو الإستشهاد.
إن الشيوعيين اليوم، يحاولون التقليل من قدرات جبهة التحرير الوطني على التخطيط والتنظيم فيزعمون أن الإنتفاضة الشعبية التي بدأت في اليوم العاشر من شهر ديسمبر إنما كانت تلقائية وهي عبارة عن إنفجار الإحساس لدى الجماهير التي ملت المعاناة وكرهت إستمرار الحرب المدمرة. وهذا الزعم هو نفس إدعاء المؤرخين الفرنسيين وتلامذتهم من الجزائريين أنفسهم.
إنه نتاج العقدة بالنسبة للأولين ونتاج الحقد فيما يخص الأخيرين. فالشيوعيون بقلم دانيال مين، يقولون على سبيل المثال: "وفي ديسمبر سنة ستين وتسعمائة وألف، قامت نساء جزائريات غير منخرطات في جبهة التحرير الوطني بالمساهمة جماعياً في مظاهرات شعبية جاءت للتعبير عن نداء يائس من أجل إنهاء الحرب ولتحقيق الإستقلال ... وفي يوم الإثنين، تواصلت المظاهرات بأهمية أقل.
ويبدو أن كل هذه المظاهرات كانت انفجاراً تلقائياً للإحساس الشعبي حتى ولو حاول مسؤولون محليون من جبهة التحرير الوطني تنظيمها والإشراف عليها" (٣).
أما الفرنسيون فآخذ عينة منهم السيد تريبي وهم أكثرهم إعتدالاً إذ يقول: "ومن جهة أخرى، فإن التجمعات والمظاهرات التي ضمت حشوداً غفيرة من
стр. 396
المسلمين خاصة في العاصمة وفي وهران، قد شكلت مفاجأة بالنسبة للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية التي لم تكن تتوقع ذلك ولم تكن على علم بما في داخل الجزائر ... ونستطيع القول، على أية حال، إن ظاهرة الحرب التي ظلت مستمرة منذ سنوات قد تجلت عن وجود قوة جديدة هي قوة الجماهير المسلمة التي أصبحت قابلة للتنظيم والتي صار يحسب لها ألف حساب" (١).
ومن بين تلامذة المؤرخين الفرنسيين نشير مع الأسف الشديد إلى الرئيس فرحات عباس الذي كتب: "أن بعض ضباط الأقسام الإدارية الحضرية الذين ساءتهم تجاوزات الأوربيين وهجوماتهم على رجال الشرطة والدرك قد أذنوا للمسلمين بالتظاهر لمساندة الجنرال ديغول" (٢).
إن قراءة متمعنة في هذه النماذج الثلاثة من الكتابة حول الإنتفاضة الشعبية التي بدأت، فعلاً، في شهر ديسمبر تقودنا حتماً إلى إبداء الملاحظات التالية:
١ - إن دانيال مين لم تنتبه إلى أنها تكتب إلى جمهور قادر على التفكير وغير مستعد للتلقي دون فحص أو تمحيص، ولذلك فهي تزعم أن الجزائريات لم تكن منخرطات في جبهة التحرير الوطني لكنها لم تتساءل عن كيف وصلت أولئك النساء إلى الشارع ومن دفعهن للخروج وكيف تحصلن على الإعلام الوطنية التي كانت ترفرف بالآلاف النساء إلى الشارع ومن جاء باللافتات ووضع الشعارات المعبرة؟ وفوق كل هذا فإن الحزب الشيوعي الجزائري والحركة الوطنية الجزائرية تشكيلتان سياسيتان تنشطان بالتوازن مع جبهة التحرير الوطني وغير معترفين بتمثلها للشعب الجزائري، فلماذا لم ترفع المشاركات في المظاهرات سوى شعارات جبهة التحرير الوطني ولم يشرن في حماسهن إلى التشكيلتين المذكورتين؟
٢ - تذكر دانيال مين أن المظاهرات الشعبية جاءت للتعبير عن نداء يائس من أجل إنهاء الحرب ولتحقيق الاستقلال، وهي في ذلك تتناقض مع الجنرال ديغول الذي تعرض لموضوع الحرب في ندوة صحفية عقدها شهراً واحد قبل الإنتفاضة فقال: "لقد أنخفضت العمليات وكذلك عدد الضحايا المدنيين شهرياً إلى نصف ما كانت عليه قبل سنتين".
وفي ميدان الإستثمارات التي تمولها الخزينة الفرنسية، فإن الأرقام قد بلغت
стр. 397
هذه السنة مائة مليار فرنك قديم وستكون ثلاثة مليارات في العام القادم.
وفيما يتعلق بتطوير البلاد بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل التمرد، فإن الإنتاج الزراعي قد ازداد بنسبة ٥٠% وتضاعف إستهلاك الكهرباء، وكذلك المبادلات الخارجية والتمدرس، وضرب في أربع عدد السكنات المبنية وفي خمس عدد الطرقات المشقوقة وفي عشر بناء المصانع ثم وصل أنبوب البترول الصحراوي الذي سيضمن مستقبلاً للجزائر مدخولات مالية معتبرة" (١). إن عرض الجنرال هذا يدل على أن الحرب لم تعد ذلك الواقع الذي يدفع إلى اليأس، أما من وجهة النظر الجزائرية، فإن الحرب قد تطورت إيجابياً بفضل تمكن قيادة الأركان من إعادة تنظيم وحدات فيالق جيش التحرير الوطني في الخارج، وفتح جبهة الجنوب التي استطاعت سنة ستين وحدها، قلب الأوضاع في الصحراء وربطت قواعدها بمناطق الولايات المجاورة.
ومن جهة أخرى كيف يمكن أن تكون المظاهرات الشعبية تعبيراً عن نداء يائس لتحقيق هدفين متكاملين، ما في ذلك شك، ولكنهما لا يتحققان إلا بفعل قوي منتصر، لأن نداء اليائس إذا كان يستطيع إيقاف الحرب فإنه لا يستطيع أبداً إسترجاع الحق المغتصب.
٣ - إن دانيال مين تتناقض مع نفسها عندما تدعى أن المظاهرات كانت تلقائية وفي نفس الفقرة تذكر أنها امتدت إلى العديد من المدن والقرى، وتؤكد جميع المصادر (٢) أن الإنتفاضة الشعبية قد تواصلت إلى غاية نهاية شهر جانفي سنة واحد وستين وتسعمائة وألف حيث هدأت لتستأنف من جديد في منتصف السنة وتبلغ أوجها في شهر أكتوبر بالنسبة لفرنسا ونوفمبر بالنسبة للجزائر.
٤ - يزعم السيد فيلب تريبي أن المظاهرات باغتت الحكومة المؤقتة التي كانت تعيش معزولة عن الداخل، وفي نفس الوقت يقرر أن تلك المظاهرات كشفت عن ظاهرة جديدة هي قوة الجماهير المسلمة "التي أصبحت قابلة للتنظيم وصار يحسب لها ألف حساب". ولو كان هذا الإدعاء صحيحاً أو فيه على الأقل جزء من الصحة لما ترك الجنرال ديغول الفرصة تمر دون توظيفها خاصة ونحن نعرف أنه كان، في تلك الفترة، يبحث عن القوة الثالثة التي تمكنه من الضغط على جبهة
стр. 398
التحرير الوطني كي تتنازل عن بعض الشروط التي وضعتها كأساس لبدء المفاوضات.
٥ - إن السيد فرحات عباس، رغم تواجده على رأس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية لم يكن مدركاً لحقيقة الثورة التي كانت تتواصل طبقاً لإيديولوجية كانت غريبة عنه ولم يتمكن من الإرتقاء إليها. ومن جهة أخرى، يبدو أن رئيس الحكومة لم يستفد من التحاقه بجبهة التحرير الوطني للتخلص من التبعية الذهنية التي سوف تظل ملازمة له إلى آخر رمق من حياته وأكبر دليل على ذلك كتابه الأخير الذي ألفه عندما بلغ سن الثمانين (١). فالإنبهار أمام المستعمر هو الذي جعله يكتب دون تحليل، وإلاّ كيف يصف أمر ضباطاً صغاراً يأخذون على عاتقهم مسؤولية الترخيص للمسلمين بالتظاهر لصالح ديغول ولصالح جبهة التحرير الوطني. ألم يكن يعرف أن ثمة إنضباطاً عسكرياً وأن فعلاً من هذا النوع يدخل في إطار الخيانة العظمى؟
إلى جانب كل هذه الملاحظات هناك حقيقة بسيطة يجب التوقف عندها لفهم واقع الإنتفاضة وتفسير كل ما أحاط بها من غموض. وتتمثل هذه الحقيقة في كون المجلس الوطني للثورة الجزائرية، عندما وافق على الإنتقال إلى المرحلة الثالثة من مراحل الكفاح المسلح عين لجنة عليا (٢) وأسند لها مهمة التحضير للإنتفاضة الشعبية التي كان من المفروض أن تبدأ بمناسبة إحياء ذكرى أول نوفمبر.
ولقد اشتغلت اللجنة مع جميع هيئات الثورة بعيداً عن الأضواء كما يتطلب ذلك العمل السري إذا أريد له النجاح. ووضع المخطط أولاً، وكان يشتمل على النقاط التالية:
١ - تشكيل لجان التأطير والشروع، حيناً، في تكوين أعضائها سياسياً وعسكرياً.
٢ - تشكيل لجان الإسناد التي تتولى صناعة الأعلام الوطنية وإعداد اللافتات ثم خزنها في الأماكن القريبة من ساحات التجمع ومراكز الإنطلاق.
وبعد الاتفاق على هذا المخطط جرى الإتصال مع قيادات الولايات في
стр. 399
الداخل وكذلك مع فيدرالية جبهة التحرير الوطني في أوربا وأنطلق العمل بثبات وجدية، وما كاد ينتهي شهر أوت حتى وضعت اللجنة تقريرها الإجمالي الذي ضمنته إستعداد مدن الجزائر وقراها لبدء المظاهرات الشعبية، لكن الإنتفاضة سوف تتأجل بسبب تصريحين صدرا عن الجنرال ديغول، الأول بتاريخ الخامس من شهر سبتمبر عندما قال: "أعتقد أن الجزائريين حينما يستشارون سوف يبدون رغبتهم في أن تكون الجزائر جزائرية. ويبقى فقط أن نعرف هل ستكون تلك الجزائر ضد فرنسا أو متعاونة معها (١). أما التصريح الثاني فكان بتاريخ الرابع من شهر نوفمبر عندما قال في خطاب إلى الأمة الفرنسية: "لقد قررت، باسم فرنسا، أن أواصل الطريق الموصلة ليس إلى الجزائر التي تقودها فرنسا ولكن إلى جزائر جزائرية بحكومتها ومؤسساتها وقوانينها (٢).
المفاوضات ووقف إطلاق النار:
وفي نهاية شهر جوان سنة ستين وتسعمائة وألف فشل اللقاء الذي جرى في مدينة مولان بين وفد الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ووفد الحكومة الفرنسية برئاسة السيد روجي موريس الأمين العام لوزارة الشؤون الخارجية. وعن ذلك الفشل كتب الجنرال ديغول ما يلي: "إن شروط التفاوض التي نقلها الوفد الجزائري تتضمن ضرورة تنظيم محادثة مباشرة بين فرحات عباس والجنرال ديغول، والسماح للمتفاوضين الجزائريين بالإقامة في التراب الفرنسي وإستقبال ومقابلة من يريدون، والإدلاء بجميع التصريحات، وكذلك إطلاق سراح ابن بلة ورفاقه المعتقلين بجزيرة إيكس لينضموا إلى المتفاوضين، بالطبع، قيل للوفد الجزائري إن كل ذلك لن يكون مقبولاً إلا إذا توقفت المعارك والحوادث. وبصفة خاصة، فإن الجنرال ديغول لن يتحدث مع قائد المتمردين مادام الرصاص يطلق على جنوده في الجزائر ومادام المدنيون من مواطنيه يغتالون حتى في شوارع بباريس" (٣).
إن الإنتفاضة الشعبية قد غيرت هذه الغطرسة وجعلت الجنرال ديغول في شهر جانفي سنة واحد وستين وتسعمائة وألف يكتب: "أن الجزائر تكلفنا أكثر مما تدره علينا ... ولذلك فإنني أكرر أن فرنسا تعمل على إيجاد حل يخلصها
стр. 400
منها نهائياً. وسوف لن ترى مانعاً في أن يقرر السكان الجزائريون إقامة دولة تتولى تسيير شؤون بلادهم (١).
لقد كان الجنرال ديغول، قبل هذا التاريخ، يراهن على إمكانية إخماد صوت الثورة بواسطة العمل العسكري حتى يعيد للجيش الفرنسي إعتباره بعد الهزيمة المنكرة التي لحقت به في ديان بيان فو، ولذلك رأيناه يختار الجنرال شال قائداً أعلى للقوات المسلحة ويأتي إلى الجزائر بأكبر عدد ممكن من الجنود تحت قيادة أفضل ما لفرنسا من ضباط سامين. ولتسهيل مهمة الجيش عمل جبهتين سياسيتين لإضعاف جبهة التحرير الوطني وليجعلها تنشغل بموضوعات أخرى غير التي تستلزمها المعركة. فمن جهة، جند كل أنواع المخابرات الفرنسية والمصالح السيكلوجية من أجل التوصل إلى زرع الشقاق في الأوساط القيادية للثورة وزعزعت الثقة السائدة على جميع المستويات. ومن جهة ثانية لم يترك محاولة واحدة دون إستعمالها لإيجاد قوة ثالثة بواسطة تشجيع الحركة الوطنية الجزائرية التي يتزعمها مصالي الحاج أو عن طريق دفع المنتخبين الجزائريين وبعض الشخصيات البارزة إلى تشكيل هيئات يمكن اللجوء إليها لأحكام الضغط على الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
كل هذه المساعي التي قام بها الجنرال ديغول مدة ثلاثين شهراً لم تحقق له ماكان ينتظر من نتائج، بل جعلته يلمس بنفسه أن الإنتصار مستحيل وأن مواصلة الحرب مستحيلة إلى مالا نهاية ستعرض الجيش الفرنسي إلى الإنقسام والوحدة الوطنية إلى الزوال كما أكد بنفسه في مذكراته (٢). وعليه، وخدمة لفرنسا، قرر الإلتفات إلى جهبة التحرير الوطني من أجل التفاوض الجدي وراح يبحث عن مبررات موقفه الجديد، وليلبسه الثوب الذي لا يشين سمعة الجنرال وسمعة فرنسا معاً.
وكانت أول خطوة في الطريق الجديد هي إستفتاء الشعب الفرنسي حول موافقته أو عدم موافقته على تمكين الجزائريين من تقرير مصيرهم، ولم يكن ذلك في الحقيقة سوى تمثيل لأن الإعلان عن حق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه قد تم باسم فرنسا في اليوم السادس عشر من شهر سبتمبر سنة تسع وخمسين وتسعمائة وألف. ويومها أعطى الجنرال ديغول شرحاً وافياً لمعنى تقرير المصير إذ قال: إن الجزائريين بممارستهم لهذا الحق سيفضلون فيما إذا
стр. 401
كانوا يريدون الإنفصال الكلي عن فرنسا التي هي في هذه الحالة ستتوقف عن تزويد الجزائر بالخير العميم وبمليارات الفرنكات وعن فعل أي شيء لتجنيبها الفاقة والفوضى. أو هم يريدون الفرنسة التي يصبحون بموجبها جزءاً لا يتجزأ من الشعب الفرنسي يتمتعون بكامل المساواة في ممارسة الحقوق السياسية والإقتصادية والإجتماعية (١).
وتتمثل الخطوة الثانية في فتح التفاوض مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بعد أن فشلت جميع محاولات الجنرال ديغول الرامية إلى إيجاد مسلك آخر يجنبه ذلك. فمن ناحية التوصيل إلى القضاء عسكرياً على جبهة التحرير الوطني وجد الجنرال نفسه، كما رأينا، مضطراً للإعتراف بالواقع الذي أثبت تجذر جيش التحرير الوطني وإنتشاره في مختلف أنحاء الوطن بحيث لم يعد في مقدور أية قوة التغلب عليه (٢). وفيما يتعلق بتكوين القوة الثالثة.
أيقن الجنرال ديغول أن كل بناء ينجزه في هذا المجال يتحول تلقائياً لفائدة جبهة التحرير الوطني (٣)، ومن ذلك أن البرلمانيين الجزائريين المسلمين الذي شجعوا على تأسيس حزب وطني يكون بديلاً لجبهة التحرير الوطني قد شكلوا، بالفعل، التجمع الديمقراطي الجزائري، ولكن ليطالبوا الحكومة الفرنسية بفتح مفاوضات عاجلة ومباشرة مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية.
أما الخطوة الثالثة فقد قطعها الجنرال ديغول في شهر أفريل (٤) عندما وجه خطاباً للأمة الفرنسية ذكرها فيه بمواقفه الهادفة لإزالة الإستعمار وهي مواقف ظلت تلازمه من أكثر منذ عشرين سنة ولم يكن متمسكاً بها بسبب حركة التحرير التي تولدت عن الحرب العالمية الثانية بل لأنها تخدم مصلحة فرنسا وتساعدها على التخلص من الكوابح التي تمنعها من التقدم والتطور، وعندما تطرق للقضية الجزائرية قال: "وبهذا الصدد، فإن أي تصور أو أي إنتخاب لن يكون واقعياً إلا إذا ساهم فيه، بالمقام الأول، الذين يحاربون من أجل الإستقلال
стр. 402
وذلك لأن الأغلبية الساحقة من الجزائريين، في الوقت الحاضر، يجدون فيهم تعبيراً عن أنفسهم. وعليه أصبح الأمر اليوم، يتعلق بحمل جبهة التحرير الوطني على الإتفاق معنا. وحينما تتوقف المعارك يقترح على مواطني البلدين أن يقرروا، بواسطة الإقتراع، بناء الجزائر المستقلة وتنظيم علاقاتها مع فرنسا (١).
هكذا، إذن، جعل الجنرال ديغول اللجوء إلى التفاوض مطلباً حيوياً لم تفرضه عليه الثورة الجزائرية، ولكنه يندرج ضمن مبادئ التحرر والإنعتاق التي زعم أنها ظلت دائماً ملازمة له، وفي إطار تلبية رغبة السكان الجزائريين وتمشياً مع إرادة الشعب الفرنسي التي عبر عنها بواسطة استفتاء الثامن من شهر جانفي سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف.
ولقد وجد من بين المؤرخين ورجال السياسة من صدق هذا الإدعاء نسي الجميع مختلف التصريحات التي كان الجنرال يدلي بها والتي كان ينكر فيها على جبهة التحرير الوطني حق التفاوض باسم الشعب الجزائري ويلوح بضرورة إشراك أطراف أخرى لتسوية المشكل الجزائري على أساس "التهدئة والتحول الإقتصادي والعمل من أجل تكوين الشخصية الجزائرية الجديدة (٢). أما مسألة إسترجاع الإستقلال الوطني فلم تكن مطروحة على الإطلاق. ففي اليوم التاسع والعشرين من شهر جانفي سنة ستين وتسعمائة وألف قال ديغول: "إن منظمة المتمردين تزعم أنها لا توقف القتال إلا إذا تحادثت معها حول مصير الجزائر، وذلك يعني أننا نعترف بها المنظمة الوحيدة التي تمثل الشعب الجزائري، ونعترف بها مسبقاً كحكومة للجزائر. وهذا ما لن أفعله أبداً". وقبل الإنتفاضة الشعبية بحوالي شهر فقط (٣) كرر ذلك بصيغة أخرى إذ صرح: "إنهم يزعمون أن وقف القتال لن يتم إلا إذا ضبطوا معنا شروط الإستفتاء كأنهم يمثلون الجزائر جميعها".
ومهما يكن من أمر، فإن الإتصالات السرية قد أستؤنفت جدية بين الطرفين مباشرة بعد إستفتاء الثامن من جانفي سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف ثم تعثرت بسبب محاولة الحكومة الفرنسية من جديد إقحام أطراف أخرى في المحادثات (٤) وبسبب الانقلاب (٥) العسكري الفاشل الذي وقع ليلة الثاني
стр. 403
والعشرين من شهر ماي سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف ثم تعثرت بسبب محاولة الحكومة الفرنسية من جديد اقحام أطراف أخرى في المحادثات وبسبب الانقلاب العسكري الفاشل الذي وقع ليلة الثاني والعشرين من شهر ماي سنة واحد وستين وتسعمائة وألف، إنما كان ذلك بالنسبة لجبهة التحرير الوطني على أساس الشروط الواردة في نداء الفاتح من نوفمبر عام أربعة وخمسين وتسعمائة وألف وهي حرفياً كما يلي (١):
١ - الإعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية، ملغية بذلك كل الأقاويل والقرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضاً فرنسية رغم التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري.
٢ - فتح مفاوضات مع الممثلين المفاوضين من طرف الشعب الجزائري على أساس الإعتراف بالسيادة الجزائرية للشعب واحدة لا تتجزأ.
٣ - خلق جو من الثقة وذلك بإطلاق سراح جميع المعتقلين السياسيين ورفع كل الإجراءات الخاصة وإيقاف كل مطاردة ضد القوات المكافحة.
من هذا المنطلق، وفي نفس اليوم الذي بدأت فيه المفاوضات أعلنت الحكومة الفرنسية عن إطلاق سراح ستة آلاف معتقل سياسي ونقل القياديين الخمسة إلى قصر توركان وعن هدنة عسكرية من طرف واحد لأن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية اعتبرت ذلك في غير أوانه، ولأنها لو فعلت لوقعت في الفخ المنصوب لها وتم وقف إطلاق النار قبل كل تسوية سياسية وهو ما ظلت تدعو إليه الحكومات الفرنسية منذ سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف.
وكان التفاوض صعباً. فالجانب الفرنسي رغم الضمانات الشكلية المذكورة أعلاه لم يغير موقفه الأساسي المتناقض تماماً مع جبهة التحرير الوطني. لم يكن الجانب الجزائري، فيما يخصه، قادراً على تجاوز الشروط الوارد ذكرها ضمن
стр. 404
النصوص الأساسية للثورة. وبقيت المحادثات تدور في حلقة مفرغة مدة خمسة وعشرين يوماً وقد توقفت بطلب من الحكومة الفرنسية في اليوم الثالث عشر من شهر جوان سنة واحد وستين وتسعمائة وألف.
وعلى الرغم من تمسك كل طرف بموقفه، فإن الوفدين قررا مواصلة الإتصال فيما بينهما ولم يكن من السهل، في ذلك الوقت، التكهن بإمكانات التوصل بسرعة إلى تقريب وجهات النظر.
فالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تريد من فرنسا أن تعترف للجزائر بالسيادة المطلقة وبسلامة التراب الوطني وبوحدة الشعب ذي الثقافة العربية والإسلامية إلى جانب أقلية أوروبية وبجبهة التحرير الوطني كممثل وحيد للشعب الجزائري. أما فرنسا فتزيد حسب الترتيب الإستقلال الداخلي، وفصل الصحراء عن الجزائر وتجزئة الشعب على أساس عرقي وتنظيم طاولة مستديرة تشارك فيها أطراف أخرى وهدنة فقط، وأدى تواصل الإتصالات السرية بين الطرفين إلى تنظيم لقاء جديد في مدينة لوقران الفرنسية دام أسبوعاً كاملاً ولم تدرس فيه سوى مسألة الصحراء التي أقترح الوفد الفرنسي تسويتها بواسطة ندوة مشتركة بين جميع البلدان المجاورة لها. وأمام الوفد الجزائري علقت المفاوضات من جديد وكان ذلك في اليوم الثامن والعشرين من شهر جويلية سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف.
في كل هذه الأثناء كانت الساحة الجزائرية قد عرفت تطورات خطيرة تتمثل خاصة في ظهور المنظمة السرية المسلحة (١) إبتداء من مستهل شهر مارس وشروعها في العمل التخريبي بواسطة التقتيل ونسف المؤسسات الإقتصادية، وقد توج ذلك بإنقلاب الجنرالات الأربعة صبيحة اليوم الثاني والعشرين من شهر أفريل. وفي داخل قيادة الثورة توترت العلاقات بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وبين قيادة الأركان التي قدمت إستقالتها بواسطة رسالة تحمل تاريخ الخامس عشر من شهر جويلية، ضمنتها مآخذ كثيرة في مقدمتها التهاون والفوضى والرشوة.
стр. 405
وأمام هذه الأوضاع كلها، ونظراً لكون المجلس الوطني للثورة الجزائرية لم يجتمع في دورته العادية فإنه إستدعى لذلك، وأنطلقت إشغاله بطرابلس في اليوم الخامس من شهر أوت سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف.
تواصلت أشغال المجلس مدة بين أعضاء قيادة الأركان وأعضاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية وخاصة منهم السيدين فرحات عباس وكريم بلقاسم، فبالنسبة للأول، يرى قادة الجيش أنه غير متشبع بإيديولوجية الثورة وأنه معتدل أكثر مما ينبغي وغير قادر على مواجهة الحكومة الفرنسية، ويرون بالنسبة للثاني أنه لم يحسن الدفاع عن الملف الجزائري في مختلف اللقاءات مع الجانب الفرنسي، وأنه قدم كثيراً من التنازلات بدون فائدة تذكر. ورداً على هذه الإتهامات التي لا تستند على دليل مادي، وزعت على المشاركين في الدورة محاضر جلسات التفاوض، وعمل رئيس الحكومة ونائبه على التشهير بقيادة الأركان التي "اتصلت بكل الأموال التي طلبتها وجلبنا لها كميات هائلة من الأسلحة المتطورة والذخيرة. وبدلاً من إمداد الداخل بما يحتاج إليه راحت تشغل نفسها بأمور سياسية لاناقة لها فيها ولا جمل (١).
ويبدو للوهلة الأولى أن المجلس الوطني للثورة الجزائرية إنتصر لقيادة الأركان إذ صادق بالإجماع على إستبدال السيد ابن يوسف بن خدة الذي كان واحداً من القادة الأساسيين للحركة الثورية وواحداً من المساعدين الرئيسيين للشهيد العربي بن المهدي أثناء توليه إعادة تنظيم المنطقة الرابعة (٢) والإعداد لمؤتمر وادي الصومام. وتجدر الإشارة إلى أن الرئيس ابن خدة الذي عين عضواً بأول لجنة التنسيق والتنفيذ قد ظل وفياً للخط الإيديولوجي ولم يفتأ ينادي بضرورة عودة القيادة العليا للثورة إلى أرض الوطن، عملاً بأولوية الداخل على الخارج. لكن السيد فرحات عباس لم ينظر إلى عملية إستبداله بهذا المنظار، بل رأى في الأمر إنحرافاً خطيراً لجبهة التحرير الوطني التي بعد هذا التعديل الجديد، قد أصبحت حكراً على عناصر حركة الإنتصار للحريات الديمقراطية يقول: "يظهر جلياً، بعد التحليل أن الحكومة المؤقتة الجديدة لم تعد تمثل جبهة التحرير الوطني في مجموعها، بل حركة الإنتصار للحريات الديمقراطية وحدها، فالمؤامرات التي حيكت في تونس قد أدت إلى إبعاد ممثلي الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وجمعية العلماء المسلمين الجزائريين. ومع إقتراب
стр. 406
موعد الإستقلال تجمع المركزون (١) واعتلوا الصدارة متهمين إيانا بالإنتهازيين والمتطفلين في حين أن الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد إنضم قبلهم إلى جبهة التحرير الوطني (٢). إن فرحات عباس، في تحليله هذا، لم يكن واقعياً ولا منطقياً، فمن جهة يؤكد إنضمام الإتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري إلى جبهة التحرير الوطني سنة ست وخمسين وتسعمائة وألف وطبقاً للشروط المعمول بها في ذلك الوقت أي حل التنظيم والإلتحاق الفردي والتخلي عن الإيديولوجية السابقة، ومن جهة أخرى يعلل إبعاده عن رئاسة الحكومة بكونه فقط من الإتحاد الديموقراطي للبيان الجزائري، أما جمعية العلماء المسلمين الجزائريين، فإن ممثلهم، أن صح هذا التعبير، قد أزيح عن التشكيلة الثانية التي كان يرأسها عباس نفسه، ولم ير داعياً يومها، للتعليق على الإجراء الذي اعتبر عملاً طبيعياً.
وبالنسبة للسيد كريم بلقاسم، فإن المجلس الوطني للثورة الجزائرية قد أبقاه نائباً للرئيس وعوضه عن الخارجية بوزارة الداخلية التي تركها، لخضر بن طوبال ليتولى، من منصب وزير الدولة، مهمة إعادة تنظيم جبهة التحرير الوطني وتحضيرها لقيادة الشعب بعد إسترجاع الإستقلال الوطني. وقد أسندت وزارة الشؤون الخارجية إلى السيد دحلب وهو الوزير الوحيد الذي يعين لأول مرة رغم عضويته للجنة التنسيق والتنفيذ منذ أشهرها الأولى (٣).
وإلى جانب تعديل الحكومة، قام المجلس الوطني للثورة الجزائرية بدراسة أوضاع جيش التحرير الوطني في الخارج وفي الداخل وأمر قيادة الأركان بالتراجع عن إستقالتها وأوصاها بمضاعفة الجهود من أجل تزويد الولايات بكل ما تحتاج إليه قصد تمكينها من الإستجابة لمتطلبات المرحلة الثالثة من مراحل الثورة، كما أنه ناقش الرسالة التي وجهها له القياديون المعتقلون الخمسة وتوقف، ملياً، عند مختلف المراحل التي قطعتها المفاوضات وأصدر تعليمات لمواجهة المراحل المقبلة.
وبينما كان المجلس الوطني للثورة الجزائرية يراجع إمكانياته، ويعيد ترتيب صفوفه، كان الجنرال ديغول يستمع إلى مستشاريه وفي مقدمتهم السيد
стр. 407
بارنادر تريكو (١) الذي تجرأ على مصارحته بما يجري في الجزائر وما ترتب عنه من عواقب وخيمة بالنسبة للشعب الفرنسي، أما عن الجزائر، فقد توقف تريكو طويلاً عند المظاهرات الشعبية التي نظمتها جبهة التحرير الوطني بمناسبتي الفاتح والخامس من شهر جويلية سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف، وقدم شروحاً وافية عن اللافتات والشعارات التي كانت كلها تنادي بوحدة الشعب ووحدة التراب الوطني، وتعبر عن مساندة الجماهير لسياسة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وتطالب بالتفاوض معها على أساس الإستقلال لكامل الوطن بما في ذلك الصحراء. ولم ينس المستشار تذكير الجنرال بأن تلك المظاهرات قد كلفت الشعب الجزائري حوالي مئة قتيل وأزيد من أربعمائة جريح (٢)، كما أنهى إلى مسامعه تصاعد العمل العسكري والفدائي الذي تقوم به جبهة التحرير الوطني التي أصبحت بالفعل تسيطر على كافة التراب الجزائري.
ومن جهة أخرى، فإنه لم يخف عليه تزايد النشاط التخريبي الذي تقوم به منظمة الجيش السري (المنظمة السرية المسلحة) وأما عن فرنسا، فإن التقارير كلها أجمعت على أن أغلبية الشعب فيها أصبحت لا تخفي تذمرها من سياسة الجنرال ديغول التي طغت عليها حرب الجزائر بما فيها من تقتيل وتعذيب وتمرد الجنرالات ومن إدانات صادرة عن الأمم المتحدة وعن غيرها من المنظمات الدولية، كل ذلك في الوقت الذي تزيد فيه الأوضاع تدهوراً في المجالين الإقتصادي والإجتماعي خاصة.
لم يكن الجنرال متعوداً على سماع مثل هذه الحقائق المزعجة التي تجب إضافتها إلى الإنفجارات التي تستهدف، يومياً حياة الفرنسيين وممتلكاتهم في العاصمة الفرنسية نفسها ثم تلك الحادثة التي كادت تذهب بحياته ليلة التاسع من شهر سبتمبر سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف (٣) وما كان قبلها موجها ضد شخصيات فكرية وسياسية بارزة مثل أندري مالرو (٤) وكنيل بلان رئيس بلدية
стр. 408
إيفيان (١). وتتويجاً للكل، تناقلت وكالات الأنباء في اليوم السابع والعشرين من شهر أوت تعيين السيد ابن يوسف بن خدة "الإرهابي" على رئاسة الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية خلفاً للسيد فرحات عباس المعتدل".
لقد قضى الجنرال ديغول أربعين شهراً في الحكم الذي ماكان يحلم بالعودة إليه لو لم تكن هناك ثورة الجزائر.
وخلال كل هذه الفترة لجأ إلى سائر الحيل، وإستعمل جميع الوسائل للقضاء، بقوة السلاح، على جبهة التحرير الوطني. عزز خط موريس بخط شال وأقام بينهما حقول الألغام، وعين الجنرال شال قائد أعلى للقوات المسلحة ووضع تحت تصرفه جميع إمكانيات الجيش الفرنسي لتطبيق مخططه المشتمل على العديد من العمليات التي قيل إنها ستمسح جبال الجزائر مسحاً لا يبقي ولا يذر، وإستعمل سلام الشجعان وحاول تكوين قوة ثالثة بواسطة مجموعة من المنتخبين الجزائريين وبعض التشكيلات السياسية، لكنه في النهاية إكتشف أن كل هذه المساعي لم تمكنه من إيجاد السبيل إلى الإحتفاظ بالجزائر الفرنسية، وأيقن أن الحال الوحيد للأزمة القاتلة التي تتخبط فيها فرنسا يكمن في التفاوض مع قيادة الثورة الجزائرية على أساس الشروط المسطورة في بيان الفاتح من نوفمبر.
فعلى هذا الأساس، ورغبة منه في طمأنة الحكومة الجزائرية الجديدة ودعوتها إلى إستئناف المفاوضات، شرع الجنرال ديغول في سلسلة من الزيارات إلى مختلف قطاعات فرنسا وفي كل مناسبة كان يتطرق إلى الحوار. وفي مستهل شهر سبتمبر عقد ندوة صحفية تعرض فيها لمسألة الصحراء بكيفية لم تكن متوقعة إذا أعترف، علنا، بسيادة الجزائر عليها، واعتبر ذلك من البديهيات التي لاتقبل المناقشة. ومما جاء في تلك الندوة الصحفية" أن سياستنا لن تكون إلا إستغلال البترول والغاز اللذين اكتشفناهما، وفي أن تكون لنا مطارات وحقوق للتنقل، وأما الواقع فإنه لا يوجد جزائري واحد لا يفكر في كون الصحراء جزء لا يتجزأ من الجزائر ... معنى ذلك أن مسألة السيادة على الصحراء أمر مفروغ منه" (٢).
стр. 409
هكذا، إذن، لم يعد هناك ما يحول دون تقديم المفاوضات ولما يمنع إستئنافها خاصة وأن ديغول أكد في نفس الندوة الصحفية "ان الإستفتاء سيقود إلى تأسيس الدولة الجزائرية، بعد ذلك الإنتخابات التي ستنبثق عنها الحكومة النهائية ... ومن الممكن أن تتولى سلطة جزائرية مؤقتة تسيير البلاد إلى أن يتحقق تقرير المصير وتتم الإنتخابات المذكورة" (١).
ولقد درست الحكومة المؤقتة جيمع تصريحات الجنرال ديغول، وحينما لمست فيها جدية ورغبة في وضع حد للحرب، قدمت له إقتراحاً عملياً يهدف إلى تحقيق ذلك مع إختصار الطريق.
وبالفعل فإن الرئيس ابن يوسف بن خدة أعلن في اليوم الرابع والعشرين من شهر أكتوبر "أن جبهة التحرير الوطني مستعدة لوقف إطلاق النار فوراً مقابل تخلي فرنسا عن فكرة تقرير المصير وإعلانها عن إستقلال الجزائر. وتحال القضايا المختلفة مثل وضع الأقلية الأوروبية وإجلاء القوات الفرنسية والتعاون الإقتصادي والتقني والثقافي على الحكومة الجزائرية المستقلة" (٢).
وبعد هذا الإقتراح بأربعة أيام فقط وقع اللقاء بين الوفدين (٣) في مدينة بال السويسرية ودام يومي الثامن والتاسع والعشرين من شهر أكتوبر درست خلالهما ورقة عمل صادرة عن الحكومة الفرنسية تتضمن مجموعة من النقاط الأساسية تتمثل في الآتي:
- إحتفاظ فرنسا بمنشآت عسكرية تمكنها من الإبقاء على إتصالها بإفريقيا ومن مواصلة تجاربها الفضائية والنووية
- إنشاء هيآت مشتركة لإستغلال الثروات الطبيعية الجزائرية مع تأكيد الحقوق المكتسبة في مجال التنقيب عن البترول والغاز.
- بالنسبة للأقلية الأوروبية: مبدأ إزداوجية الجنسية، إحترام دينهم ولغتهم وحالتهم الشخصية، حق تأسيس الجمعيات، مساهمتهم في المجالس السياسية بنسبة ١٠% وكذلك في المجالس البلدية والمهنية، حق تأسيس البعثات الثقافية وتحويل رؤوس الأموال لمدة معينة.
- الضمانات التقنية المتعلقة بتقرير المصير تتولاها الهيئات التنفيذية
стр. 410
المؤقتة التي كانت تكلف بوضع قوائم المنتخبين وتشرف على سير الإنتخابات بواسطة لجان للرقابة.
- ضمان إستثمار الفرنسيين وملكياتهم.
- وضع المرسى الكبير لمدة غير محددة تحت تصرف الجيش الفرنسي وكذلك قاعدة رقان.
- عدم متابعة الجزائريين الذين تعاونوا مع السلطات الفرنسية.
بعد هذا اللقاء استمرت الإتصالات بين الطرفين إلى أن تم الإتفاق على أهم النقاط ثم إلتقى الوفدان في ليروس (١) من اليوم الحادي عشر إلى اليوم التاسع عشر من شهر فيفري سنة إثنتين وستين وتسعمائة وألف، حيث نوقشت جميع المواضيع وحررت الوثيقة المشتركة التي تقدم لمصادقة الحكومة الفرنسية والمجلس الوطني للثورة الجزائرية قبل التوقيع عليها (٢).
وفي إيفيان الثانية التقى الوفدان في اليوم السابع من شهر مارس، ويقول السيد ابن خدة: أن المناقشات كانت حادة ومتواصلة إلى اليوم الثامن عشر من نفس الشهر حيث تم التوقيع على الوثيقة النهائية، وفي ذات اليوم وباسم الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية المفوضة من طرف المجلس الوطني للثورة الجزائرية، أعلنت عن وقف إطلاق النار بالنسبة لكامل التراب الجزائري ابتداء من يوم الإثنين التاسع عشر من مارس سنة إثنتين وستين تسعمائة وألف" (٣). وقبل ذلك كان الجنرال ديغول قد وجه نفس الأوامر إلى جميع القوات الفرنسية.
وفي الخامس والعشرين من شهر ماي، إجتمع المجلس الوطني للثورة الجزائرية بطرابلس لتقييم المرحلة المقطوعة ولتوظيف التجربة من أجل التخطيط للمستقبل إعتماداً على الإمكانيات الوطنية ودون إهمال طموحات الجماهير الشعبية. واستهل المؤتمر أشغالهم بقراءة متأنية لإتفاقيات إيفيان التي كانت قيادة الأركان قد شنت عليها حملة واسعة النطاق واصفة إياها بالعمل الخياني الذي قدم للإستعمار تنازلات بدون مقابل. وبعد تمحيص وتدقيق، وبعد الرجوع إلى بيان أول نوفمبر ووثيقة وادي الصومام، وقع الإجماع على
стр. 411
الملاحظات التالية:
١ - إن إتفاقيات إيفيان قد وضعت حداً لحرب إبادية لما عرف التاريخ مثلها.
٢ - إن هذه الإتفاقيات قد مكنت الشعب الجزائري من إسترداد سيادته كاملة مع الحفاظ على وحدته وسلامة التراب الوطني رغم كل المناورات التي لجأت إليها الحكومة الفرنسية لتقسيم البلاد أو فصل الصحراء عنها.
٣ - إن هذه الإتفاقيات قد شكلت بالنسبة للشعب الجزائري، إنتصاراً سياسياً
أهم نتائجه تقويض أركان النظام الإستعماري والتخلص من الهيمنة الأجنبية التي دامت مدة إثنتين وثلاثين ومائة سنة.
وعلى الرغم من الإشادة بهذه النقاط وإعتبارها مكسباً عظيماً تطلب تحقيقه ثمناً غالياً، فإن المؤتمرين قد أكدوا، بما فيه الكفاية، على أن التعاون المنصوص عليه في إتفاقيات إيفيان يستلزم إبقاء قيود التبعية في الميدانين الإقتصادي والثقافي وهو بذلك "يكرس سياسة الإستعمار الجديد التي تتوخاها فرنسا" (١).
ومن جهة أخرى أعرب المؤتمرون عن قلقهم إزاء الضمانات التي أعطيت للمستوطنين الفرنسيين وجعلت منهم أقلية محظوظة يجب على الدولة الجزائرية الفتية "أن تحفظ أمنهم وتحافظ على ممتلكاتهم وتمكنهم من المشاركة في الحياة السياسية على جميع المستويات" (٢). وذلك للإعتقاد بأن بقائهم في الجزائر ضروري لإستمرار الحياة الإقتصادية الإدارية وتطورها.
المؤتمرون كذلك عددّوا الأخطار التي يشكلها بقاء القوات الفرنسية في المرسى الكبير وفي بعض المطارات العسكرية والقواعد المخصصة للتجارب النووية في أقصى جنوب البلاد، ورأوا في ذلك إحتلالاً سيحُّد من حرية الدولة الجزائرية ويعرض سيادتها الوطنية لكثير من الأخطار.
وبعد أن عبر أعضاء المجلس عن أملهم في أن تتولى سلطات الجزائر المستقلة بحث كل هذه القضايا من جديد نظراً لما لها من تأثير على عملية البناء والتشييد، خصصوا وقتاً كافياً لتقسيم الأوضاع التي آلت إليها الجزائر بعد إثنين وتسعين شهراً من الكفاح المسلح، وفي هذا الإطار تجدر الملاحظة إلى ما يلي:
١ - إن الجراحات التي تثخن جسم الشعب الجزائري عميقة ولا يمكن أن تلتئم
стр. 412
إلا بعد عشرات السنين، ومن بين هذه الجراح ماهو خطير جداً وقد يتسبب في عرقلة المجتمع من السير إلى أمام، وعلى سبيل المثال، توقف المؤتمرون عند الآتي:
أ- أن الجزائر لم تعد تدفع مقابل إسترجاع السيادة الوطنية مليوناً ونصف مليون شهيد فحسب، بل لقد ترتب عن ذلك وجود مئات آلاف الأرامل والأيتام والمعطويين والمصابين بأمراض نفسية وعقلية مختلفة، ومما لا شك فيه أن وضع هؤلاء جميعاً يتطلب عناية خاصة من الحكومة الجزائرية الجديدة.
ب- أن جيش الإستعمار لم يكتف بمحاربة جيش التحرير الوطني وأعضاء المنظمة المدنية لجبهة التحرير الوطني، بل أنه أقام في سائر أنحاء البلاد معسكرات ومحتشدات حبس فيها، بدون محاكمة، أكثر من مليونين من الجزائريات والجزائريين. وبالإضافة إلى ذلك هناك عشرات آلاف المعتقلات والمعتقلين المحكوم عليهم بأحكام تتراوح ما بين الإعدام والسجن المؤبد والسنة الواحدة، فتسريح كل هؤلاء دفعة واحدة سيؤدي إلى خلق العديد من المشاكل الإقتصادية والإجتماعية التي يجب على الحكومة الجديدة أن تبحث لها عن الحلول الناجحة.
ج- إن الجيش الإستعماري، بعد تهجير المواطنات والمواطنين من الأرياف ونقلهم إلى المحتشدات، قد أقدم على تهديم مئات القرى وحرق آلاف الهكتارات بالنابالم. أما وقد توقف إطلاق النار وفتحت أبواب المعتقلات والمحتشدات، فإن الحكومة الجزائرية الجديدة مطالبة بتوفير إمكانيات إعادة التعمير والبناء.
د- إن سنوات الكفاح المسلح قد قادت إلى هجرة مئات آلاف الجزائريات والجزائريين الذين تمركزوا خاصة على الشريط الحدودي في تونس والمغرب الأقصى، بعد أن تركوا أموالهم وجيمع ممتلكاتهم، ومما لا ريب فيه أن عودة هؤلاء اللاجئين تتطلب إمكانيات مادية كبيرة وقدرة على التوزيع والتنظيم لأن جل النواحي التي هجروها قد أحرقت وزرعت بالألغام.
هـ- أن المناطق الشرقية والغربية، وعلى شريط عرضه يزيد عن كيلو مترين، لم تعد قابلة للشغل بجميع أنواعه نظراً لما فيها من أسلاك شائكة وحقول ألغام فردية ونظراً لما يتطلب مسحها من إمكانيات
стр. 413
تقنية وبشرية.
و- إن الإستعمار، إضافة إلى المحتشدات والمعتقلات، قد جمع أكثر من ثلاثة ملايين من الجزائريين في أحياء قصديرية قريبة من المدن والقرى الكبيرة حتى يتمكن من عزلها عن جبهة التحرير الوطني ومنعها من الإسهام في سائر نشاطات الثورة. فهؤلاء السكان طردوا من أراضيهم وجردوا من ممتلكاتهم وثرواتهم الحيوانية، مع وقف إطلاق النار أصبح من الضروري على الحكومة الجزائرية الجديدة مساعدتهم على إعادة
مرافق الحياة إلى المناطق التي هجروا منها قبل سنوات.
ز- أن كل هذه الأوضاع قد ولدت مشاكل إقتصادية وإجتماعية وثقافية كثيرة مثل البطالة والأمية والمرض وضرورة مواجهة موسمين حيويين بالنسبة لمستقبل البلاد وهما: الموسم الزراعي والموسم الدراسي.
٢ - إن الإدارة الإستعمارية قائمة في الجزائر ومسؤولوها هم نفس مسؤولي منظمة الجيش السري، أما الجزائريون المتواجدون بها، على جميع المحتويات، فمعظم ممن كان الفرنسيون يسمونهم "أبناء العائلات" أي القابلين للسيطرة الأجنبية، الرافضين للعنف وغير المستعدين للإلتحاق بصفوف الثورة. وإذا كانت أقليتهم من المناضلين، فإن أغلبية هذه الأقلية لا تشغل سوى مناصب ثانوية، وبالإضافة إلى ذلك، فإن إتفاقيات إيفيان قد تضمنت بنداً ينص على إلتزام سلطات الجزائر المستقلة بعدم محاسبة أو ملاحقة جميع الذين تعاونوا مع العدو وكذلك عدم التعرض لهم في الطريق أو أماكن شغلهم.
وعلى الرغم من كل ذلك، فإن جبهة التحرير الوطني مطالبة بتطهير الإدارة وإعادة تنظيمها بالكيفية التي تضمن للثورة حيويتها وإستمرارها وقد لاحظ المؤتمرون أن هذه المهمة دقيقة جداً نظراً لإتساع رقعة البلاد وحدة المشاكل اليومية وقلة الإطارات الجزائرية من المناضلين الأكفاء (١).
٣ - إن منظمة الجيش السري تمارس منذ تأسيسها، عملاً تخربياً أدى، شيئاً فشيئاً، إلى شل الحياة الإقتصادية بواسطة تهديم مئات المحلات التجارية
стр. 414
وحرق الوحدات الإنتاجية وكثير من المعامل والورشات خاصة في العاصمة وفي كبريات المدن.
٤ - إن الحكومة الفرنسية، بعد أن أستنفذت كل إمكانياتها المادية والبشرية لخنق الثورة الجزائرية لم تنجح ولم تتمكن من الحفاظ على الجزائر الفرنسية، وقد قررت العمل بجميع الوسائل على إفراغ الثورة من محتواها الحقيقي (١) وذلك انطلاقاً من إتفاقيات إيفيان التي ضمنتها مجموعة من الفقرات أقل ما يقال عنها أنها ألغام قوية المفعول في الطريق المؤدية إلى إسترجاع الإستقلال الكامل كما جاء التنصيص عليه في مواثيق جبهة التحرير الوطني.
وبالفعل، لقد جاء في الفصل الثاني من البيان العام: "أنه لا يمكن لأي كان أن يتعرض لإجراءات بوليسية أو متابعات عن طريق العدالة، أو أن تسلط عليه عقوبات إنضباطية أو غيرها بسبب ما أبداه من أراء حول الحوادث التي جرت في الجزائر قبل يوم الإستفتاء حول تقرير المصير، أو بسبب ما قام به من أعمال الحوادث المذكورة قبل وقف إطلاق النار (٢).
ومن الواضح أن هذه الفقرة تهدف بالدرجة الأولى إلى حماية نوعين من الناس: المعمرين الذين شاركوا في أعمال التخريب التي قامت بها منظمة الجيش السري أو عملوا كمسلحين في صفوف جيش الإستعمار بشكل أو بآخر من أجل إبقاء السيطرة الأجنبية ومنع جبهة التحرير الوطني من إسترجاع السيادة الوطنية، علماً بأن هذين الصنفين كانا حوالي خمس السكان.
وكان الوفد الفرنسي، عندما أدرج هذه الفقرة، يعتقد أن كثيراً من المعمرين سيبقون في الجزائر لحمل لواء الإستعمار الجديد بمساعدة الأهالي الذين خانوا وطنهم أثناء حرب التحرير والذين تجعلهم الفقرة المذكورة في مأمن من القصاص ومن غضب الجماهير.
وعلى الرغم من إحترام جبهة التحرير الوطني لهذا الشرط التعسفي، فإن جميع المعمرين الذي أظهروا العداء للثورة قد فرّوا، وفرّ معهم معظم من حمل السلاح ضدها من الجزائريين.
ولكن الجماهير الشعبية التي لم يندمل جرحها، لم ترض بهذا الفرار،
стр. 415
واتهمت قيادتها بالتواطؤ، وبدأت تفقد الثقة التي لابد منها لإستمرارية الثورة. وهكذا وجهت الضربة الأولى للثورة بعد وقف إطلاق النار مباشرة.
ودائماً في الفصل الثاني من البيان العام، ورد أن كلا من فرنسا والجزائر تستطيعان إنشاء مراكز جامعية وثقافية في تراب الثانية تكون مفتوحة لجميع الراغبين في ذلك، ومن جهة أخرى تقدم مساعدة لتكوين التقنيين الجزائريين (١).
هكذا، جعل الوفد الفرنسي وفد جبهة التحرير الوطني يبارك سياسة الإستعمار الثقافي التي ستكون عائقاً يمنع بناء الدولة المستقلة في الجزائر، ولمزيد من التوضيح نشير إلى أن فرنسا كانت تدرك بأن الجزائر المستقلة حديثاً لا يمكن أن تسمح لنفسها ببناء مراكز جامعية خارج ترابها، وحتى لو فرضنا أنها أقدمت على ذلك، فإن المراكز لن يقبل عليها غير المغتربين من أبنائها، في حين أن جميع الإمكانيات متوفرة لدى فرنسا لفتح عدد من المراكز الجامعية والثقافية يكون روداها كثيرون من الأهالي الذي نهلوا من ينبوع الثقافة الفرنسية أثناء وجود الإستعمار، وهم عادة من أنصاره ومحبيه رغم الإنسان الذي يتشبع بثقافته يصبح لا ينظر إلا من خلال النوافذ التي تفتحها لها الثقافة.
ولايمكن للسلطات الجزائرية الفتية أن تنتقي رواد هذه المراكز لأن ذلك يتنافى مع النص الصريح الذي يؤكد أنها مفتوحة لجميع الراغبين في أمها.
أما تكوين التقنين في المدارس الفرنسية بواسطة أساتذة فرنسيين تختارهم الدولة الفرنسية، فمعناه تكوين إطارات مشبعة بمبادئ الإستعمار الجديد لتطبيق سياسة جبهة التحرير الوطني الرامية إلى تجسيد إيديولوجيتها على أرض الواقع.
واستفادت فرنسا من محتوى هذه الفقرة إذ ما يزال مركزها الثقافي مفتوحاً للشباب الجزائري إلى يومنا هذا. بالإضافة إلى أن مدارسها وثانوياتها في العاصمة وفي كبريات المدن ظلت تستقبل أبناء الموظفين السامين في الدولة إلى غاية عام ١٩٧٥، يدرسون فيها البرامج الفرنسية على يد أساتذة معظمهم من غلاة الإستعماريين. وبديهي أن معظم المتخرجين من هذه المدارس والثانويات سيكونون -بحكم وضعهم الإجتماعي- إطارات المستقبل الذين يأخذون بيد
стр. 416
العامل والفلاح لتحقيق أهداف الثورة في جميع الميادين. وليس هذا من الأمور السهلة في نظري، ولا يمكن على تدعيم موقف (١) الرفض الذي يستحيل تحقيق الإستقلال الكامل بدونه.
وبالإضافة إلى هذه السيطرة الثقافية التي شرعها البيان العام الموقع عليه من الطرفين، فإن الجانب الفرنسي قد أدرج في البيان الخاص بالضمانات في بعض الفقرات التي تسمح لفرنسا بالتدخل مباشرة أو بوسيط في شؤون البلاد الداخلية والخارجية. مع ذلك فإن الجزائريين الذين يغادرون التراب الوطني قصد الإستيطان في بلد آخر، يسمح لهم بإخراج جميع منقولاتهم، وأن الفرنسيين والأهالي، في مرحلة التفكير قبل إختيار الجنسية، يمثلون جميع المجالس السياسية والإدارية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية يجب أن يأخذ بعين الإعتبار مصالحها المادية
والأدبية" (٢).
أما البند الثامن والتاسع، فإنهما يشكلان تدخلاً صريحاً في الشؤون القضائية، وذلك بالتنصيص على أنه يحق للمتمردين الآنفي الذكر أن يرفضوا القانون الإسلامي، وأن يمتثلوا فقط للقانون الفرنسي إلى أن يصدر القانون المدني الجزائري الذي "يجب أن يساهموا في وضعه" (٣).
وفي نفس البيان، البند الثالث من الجزء الثالث، فإن للمتمردين الحق في إستعمال اللغة الفرنسية، في علاقاتهم مع العدالة ومع سائر الإدارات، كما أن لهم الحق في فتح مدارس خاصة لتعليم الفرنسية وللقيام بالبحوث وفقاً للبيان الخاص بالتعاون الثقافي.
وفي المجال الإقتصادي، فإن البيان يفتح الباب على مصراعيه للسيطرة الأجنبية إذ ينص في البنود التاسع والعاشر والحادي عشر من الجزء الثالث على أن الشركات المدنية والتجارية الفرنسية التي يكون مقرها الإجتماعي في فرنسا، ولها أن يكون لها في المستقبل نشاط إقتصادي في الجزائر، تتمتع بجميع الحقوق الواردة في سائر البيانات الحكومية المتعلقة بوقف إطلاق النار.
أما في الميدان العسكري، فإن البيان الخاص بالقضايا العسكرية يترك لفرنسا، ولمدة تتراوح ما بين ثلاث وخمس عشرة سنة، عدداً من القواعد الهامة
стр. 417
مثل المرسى الكبير وعين إكرورقان ومجموعة "بشارهما غير" وبعض الأماكن في بلديات "العنصر" و "بوتليليس وميسرغين إلخ ... ويخضع البيان هذه المناطق لإجراءات تعسفية تذكرنا بتلك التي كانت تطبق على سكان ما كان يسمى قبيل الإحتلال بالمؤسسات الفرنسية في الجزائر (١).
ولم يفطن المواطنون إلى أخطار التعاون التقني والثقافي على كثرتها نظراً لكونها لم تظهر إلا بعد مدة، ولأنها تحدث بدون ضجيج تحت جناح الحضارة وفي ظلمة الجهل والأمية، وعلى العكس من ذلك، فإن وجود القواعد الإستعمارية، بعد الإعلان عن الإستقلال، قد أحدث سخطاً كبيراً في أوساط الجماهير، خاصة
عندما بدرت بعض التصرفات السيئة من الجنود الفرنسيين وعدد من قادتهم، ثم تحول السخط إلى ضغط صامت أدى إلى الإسراع بالجلاء الذي تم قبل الموعد المحدد بكثير.
ولو كان هؤلاء السكان يدركون أن التعاون المشروط يصبح على مر السنين، كابحاً يمنع الثورة من مواصلة سيرها الطبيعي، وخطراً يهدد شخصيتهم بالمسخ والذوبان، لو كانوا يدركون ذلك لما سكتوا، ولا يبدوا لهذا التيار الجارف مقامتهم التي سبق أن برهنت على نجاحها.
وكلفنا عدم التغظن هذا ثمناً باهظاً، فغزت المدارس الفرنسية قرانا ومدارسنا في حين أغلقت المدارس الحرة التي كانت تعلم اللغة العربية بحجة العمل على التوحيد والرغبة في إعداد جيل العلم والتكنولوجيا، لأن الإستعمار الجديد يؤكد بأن اللغات الوطنية عاجزة عن نقل المعارف العصرية (٢)، وأن لغة "الوطن الأم" وحدها هي التي يمكن أن تشكل النافذة التي يطل منها الإنسان المتخلف على دنيا الإختراع والإبداع.
واقتحمت اللغة والعقلية الفرنسيتان منازل الجزائريين والشخصيات منهم على وجه الخصوص، وصارت اللغة الأجنبية في الإدارة وفي سائر دواليب الدولة حتى أصبح ذو الثقافة الوطنية يشعر بالعزلة وينعت بالأصبع على أنه
стр. 418
ممثل للتخلف والرجعية.
والغريب أن هذه النتيجة التي تحققت في فترة وجيزة بعد إسترجاع الإستقلال الوطني، لم تتمكن سلطات الإحتلال من تحقيق ولو جزء بسيط منها خلال مائة وإثنين وثلاثين سنة من الظلم والإضطهاد، وتجربة العديد من السياسات الرامية إلى جعل الجزائر جزء لا يتجزأ من فرنسا.
كل هذه المشاكل زادت مع الإستقلال السياسي، ووجدت اطاراً قانونياً لها في البيانات الحكومية المتعلقة بوقف إطلاق النار، وكان على السلطات الوطنية الفتية أن تتحداها لتتمكن من سلوك الرفض الذي يستطيع وحده سد المنافذ في وجه الإستعمار الجديد.
لقد توقف المؤتمرون، ملياً، عند كل هذه الملاحظات، وبعد أن درسوها دراسة وافية عبروا عن موقفهم منها بدقة بواسطة المقتطفات التالية من برنامج طرابلس: "إن الحكومة الفرنسية تحاول توجيه استقلال بلادنا حسب مقتضيات سياستها الإستعمارية ... وتمثل إتفاقيات إيفيان قاعدة للإستعمار الجديد تريد فرنسا إستعمالها لِتُمَكِّن هيمنتها وتنظيمها في شكل جديد، إن المستعمرين الفرنسيين يحاولون أن يجعلوا من قبولنا التكتيكي لإتفاقيات إيفيان نكسة إيديولوجية تنتهي إلى التخلي عن أهداف الثورة".
"والحكومة الفرنسية لا تعتمد فقط على قواتها العسكرية وعلى الأقلية الفرنسية لتخريب تطور الجزائر بل إنها تستغل التناقضات السياسية والإجتماعية داخل جبهة التحرير الوطني الجزائرية، وتحاول أن تجد ضمنها حلفاء موضوعيين قد ينسلخون عن الثورة وينقلبون ضدها، وهذا التكتيك الإستعماري يمكن تلخيصه كما يلي: بعث قوة ثالثة في صفوف جبهة التحرير الوطني تتكون من الوطنيين المعتدلين الذين يقتنعون بالإستقلال ولكنهم يعارضون كل عمل ثوري حقيقي ثم ترك عناصر القوة الثالثة تتصارع مع المناضلين والإطارات التي تبقى وفية للمصالح الشعبية ولمقاومة الإستعمار ... إن رغبة الحكومة الفرنسية هي أن تتغلب النزعة المعتدلة على القوى الثورية وهذا ما يجعل ممكناً قيام تجربة تشترك فيها فرنسا مع جبهة التحرير الوطني في نطاق الإستعمار الجديد".
"وإننا نكون بعيدين عن الواقع إذا ظننا أن الثورة سوف تتواصل بدون عائق لأن القاعدة الاستعمارية الجديدة التي تدعونا إليها، فرنسا هي في الواقع ملتقى جميع القوات المعادية للثورة ... إن فرنسا تريد أن تجذب إليها، بواسطة
стр. 419
المليارات، فئة كاملة من الناس الذين يوحدهم الجشع والطموح الشخصي أي الذين تربوا على المنافع القذرة المنجرة لهم من الحرب الاستعمارية".
إن فرنسا ستحاول استغلال نقائصنا وأخطائنا لقلب تيار الثورة وتنظيم القوى المعارضة، وإن توضيح أهدافنا والتحليل السليم والدقيق لنواقصنا وما بقي غامضاً من مطامحنا وأفكارنا هو الذي سوف يجعل قوى الشعب الجزائري الثورية حقيقة واعية منظمة ومتفتحة على المستقبل". (١).
ولمواجهة التخطيط الإستعماري الجديد، رأت قيادة الثورة أن من الضروري تجاوز الهدف الرئيسي الذي كانت الحركة الوطنية ترمي إلى تحقيقه، فالإستقلال لم يعد كافياً لأن الكفاح المسلح قد ولد مستلزمات وتطورات في الوعي الشعبي وفي داخل التركيبة البشرية نفسها، وتباعاً، أصبح حتماً على جبهة التحرير
الوطني أن تتكيف مع الوضع الجديد فتهيء الظروف الملائمة لمواصلة الثورة في جميع الميادين.
إن جبهة التحرير الوطني، حسب تحاليل المجلس الوطني، عندما أعلنت عن بدء الكفاح المسلح، لم تكن تتوقع حدوث كل ذلك الإنقلاب الإيجابي الذي أصاب الريف والمدينة على حد سواء، كما أنها لم تضع في حسبانها إنزلاق الجالية الأوروبية في الطريق الذي اختطته لها منظمة الجيش السري والذي قادها مباشرة للهجرة الجماعية إلى فرنسا، لأجل ذلك فإنها لم تفكر في صياغة مشروع المجتمع الذي يأخذ في الإعتبار كل هذه المعطيات الجديدة.
لقد كان نداء الفاتح من نوفمبر الذي أكده ميثاق وادي الصومام يدعو جبهة التحرير الوطني إلى أن تظل هي المرشد الوحيد للثورة الجزائرية، ولكي يتسنى لها ذلك، يجب أن تكون قوية بتجذرها في أوساط جميع فئات الشعب وأن تسعى بجميع الوسائل إلى نشر الوعي السياسي في صفوف الجماهير الشعبية الواسعة وتكوين الإطارات والمناضلين إيديولوجياً وسياسياً. لكن المجلس الوطني للثورة الجزائرية المنعقد بطرابلس في شهر جوان سنة إثنتين وستين وتسعمائة وألف، يرى أن الوعي الجماعي قد نضج نتيجة الإحتكاك بالواقع بينما تقهقرت ممارسات جبهة التحرير الوطني في جميع المستويات، وينسب ذلك إلى أن قيادة الثورة لم تتمكن من تجاوز هدف استرجاع الاستقلال إلى فكرة الثورة الشاملة التي لا تتوقف والتي أصبحت مطلباً لا يمكن فصله عن التحرير الوطني.
стр. 420
ويرى المجلس الوطني للثورة الجزائرية كذلك، من خلال تحليله، أن المرحلة الموالية لوقف إطلاق النار تتطلب ضبطاً دقيقاً للمفاهيم والمصطلحات التي سوف تكون في أساس التحرك من أجل إنجاح الثورة.
وفي هذا السياق، يؤكد أن جبهة التحرير الوطني التي هي في جوهرها حركة مناهضة للإقطاع ومحاربة له لم تنج من تأثيره على بعض جوانب نظامها لأنها أهملت الثقافة السياسية التي من شأنها التصدي للروح الإقطاعية أو لبعثها من جديد. والروح الإقطاعية في نظر المجلس، لا تتعلق فقط بطبقة اجتماعية معينة "ذات سيطرة تقليدية تستمدها من ملكية الأراضي واستغلال الغير، بل أنها أشكال مختلفة قد نجدها حتى في الثورات الشعبية التي ينقصها الوعي العقائدي" (١)
وإذا كان الناس يعرفون الإقطاعية الزراعية ويقدرون مساوئها ومضارها
فيعملون على إزالتها بكل ما يمكن من وسائل، فإن الإقطاعية السياسية تكاد تكون مجهولة رغم ما تمثله من خطورة على حسن سير الثورة فيما يتعلق بالجزائر لأنها بما تخلقه من تكتلات وتحيزات ودكاكين مرتبطة بمصالح شخصية وآنية، تقضي على الديمقراطية في صفوف المناضلين وفي أوساط الجماهير الشعبية بصفة عامة.
إن جبهة التحرير الوطني، حسب تقييم المجلس، قد بذلت جهداً كبيراً للتخلص من هذه الروح الهدامة، لكنها لم تتمكن من إجتثاث جذورها فبقيت سائدة في الميادين الاقتصادية والإجتماعية والثقافية والدينية (٢)، وتولدت عنها آفة أخرى هي ما يمكن تسميته بالروح المبادرة الخلاقة عند المناضل والمواطن (٣).
وإلى جانب الروح الإقطاعية بالمفهوم المشار إليه أعلاه. ندد المجلس بآفة أخرى أعقب أنها أضرت المجتمع الجزائري في الماضي، وإذا لم يقض عليها فإنها سوف تتمكن بالتدريج من إجهاض الثورة. هذه الآفة هي الروح البورجوازية الصغيرة التي يؤكد المؤتمرون أنها "تفشت وانتشرت بسبب التجمع الإيديولوجي الناتج عن الإنحراف الأول الذي كرسه وادي الصومام والمتمثل
стр. 421
في إسناد بعض مناصب الحل والربط إلى إطارات تكونت في صفوف أحزاب لا علاقة لها بالتكوين الثوري (١).
ويرى المجلس الوطني للثورة الجزائرية أن الطابع للبورجوازية الصغيرة هو روح الفردية والتشبث بالمنفعة الخاصة والسلوك المتكبر إزاء الفلاحين والمناضلين المتواضعين وهي كلها صفات تتنافى مع ما ينبغي أن تتخلى به القيادات الثورية وتعود، عندما لا تستأصل في أساسها، إلى تعميق الهوة الفاصلة بين القمة والقاعدة، وتهيئة الأرضية الهشة التي تنمو فيها وتترعرع البيروقراطية التافهة المعادية للشعب والعاملة على تدعيم مناهضة الثورة.
وبالإضافة إلى كل هذه الآفات الفتاكة، توقف المجلس الوطني للثورة الجزائرية عند الآثار السلبية التي تركها في الميدان الإيديولوجي بقاء القيادة العليا للثورة خارج التراب الوطني رغم مقررات وادي الصومام ورغم أنه كان نتيجة لمقتضيات الظروف في ذلك الوقت، فاستمرار القيادة في الخارج منذ السنة الثالثة
للثورة قد تسبب في إيجاد قطيعة بينها وبين الواقع الوطني وكان يمكن أن تكون عواقبه وخيمة على الحركة التحريرية كلها، ومما لا شك فيه أن هذه القطيعة هي التي سمحت بميلاد تيارات سياسية متنافرة في داخل جبهة التحرير الوطني كما أنها قادت بالتدريج إلى إعطاء مفهوم خاطئ للدولة وللحزب، الأمر الذي أنجز عنه تداخل المؤسسات فيما بينها وتحول جبهة التحرير الوطني إلى مجرد أداة إدارية للتسيير بدل أن تهتم بالتطهير الإيديولوجي.
انطلاقاً من هذه التحاليل تحددت المعالم الكبرى لمشروع، المجتمع الجديد فيما سيعرف ببرنامج طرابلس، وقبل الشروع في تقديمه والتعليق عليه لا بد من إبداء بعض الملاحظات التي من شأنها أن تساعد القارئ على فهم كثير من الخلفيات ومن تسليط الأضواء على مجموعة من النقاط التي ظلت غامضة في إيديولوجية جبهة التحرير الوطني.
١ - إن الحكومة المؤقتة عندما عينت مجموعة العمل التي أسندت لها مهمة تحضير المشروع التمهيدي لها سيعرف ببرنامج طرابلس، لم تراع مقياس التجانس بين أعضائها ولم تأخذ في الإعتبار ضرورة تعيينهم من بين المناضلين المتشبعين بإيديولوجية الحركة المصالية فقط، ولأنها لم تفعل جاءت المجموعة ثلاثة أقسام متباينة، إثنان منها على
стр. 422
الأقل، وهي الأغلبية متشبعة بالفكر الماركسي وليس لها أية تجربة ميداينة، بالإضافة إلى ذلك كان الأعضاء كلهم متشبعين بالثقافة الغربية ولادراية لهم بالحضارة العربية الإسلامية التي يجب الرجوع إليها عندما يتعلق الأمر بتحديد مصير الشعب الجزائري العربي المسلم.
٢ - إن الحديث عن الإقطاع في الجزائر في غير محله وهو فقط من باب التقليد الأعمى للغير، فالإقطاع كنظام للحكم ظهر في فرنسا ثم انتشر إلى باقي أنحاء أوربا في الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر وقد قضي عليه نهائياً بفضل الثورة الفرنسية، وبما أن الجزائر كانت مستعمرة إستيطانية ألحقت إدارياً بفرنسا مع بداية الثلث الثاني من القرن التاسع عشر، ومن جهة ثانية فجزائر ما قبل الاستعمار كانت تمارس النظام الإسلامي في الحكم وهو أبعد ما يكون عن الإقطاع. لأجل ذلك فإن مجموعة العمل عندما اتخذت نظام الإقطاع كمنطلق لها في تحليل الواقع الإقتصادي في الجزائر قد أُخطأت الطريق من البداية، والطريق الخطأ لا يؤدي إلى نتائج إيجابية سليمة.
وقد كان على المجموعة، لتكون مصيبة في تحاليلها، أن تنطلق من أن النظام الاستعماري الذي كان مفروضاً بالقوة على الشعب الجزائري والذي كان وحيداً من نوعه سواء فيما يتعلق باستغلال الأرض أو باضطهاد الإنسان.
٣ - إن اعتماد النظريات الماركسية لتقييم المراحل التي قطعتها الثورة الجزائرية، ولإعداد البرنامج المستقبلي لم يكن فعلاً منطقياً، لأن جبهة التحرير الوطني، عندما أعلنت عن بدء الكفاح المسلح، توجهت إلى جماهير الشعب الجزائري وإلى كل الأحزاب السياسية بهدف وتوحيد صفها لخوض المعركة من أجل تقويض أركان النظام الاستعماري. ولقد أثبت التاريخ منذ اللحظات الأولى التي وقع فيها العدوان الفرنسي على الجزائر أن الإسلام وحده هو القادر على تجنيد الطاقات الشعبية في وجه القوات الاستعمارية (١).
стр. 423
وعلى الرغم من تنكر بعض قادة الثورة (١) للدور الأساسي الذي أداه الإسلام في جعل الجزائريات والجزائريين يستجيبون لنداء نوفمبر ويتفاعلون مع مخططات جبهة التحرير الوطني طيلة كل الفترة التي استغرقها الكفاح المسلح، فإن الحقيقة التاريخية تدل، بما لايدع أي مجال للشك، على أن الإسلام ظل دائماً هو القلب النابض للثورة، وأن مفاهيمه ومصطلحاته (٢) هي التي دفعت المواطنات والمواطنين إلى التضحية القصوى. لأجل ذلك فإن من الخطأ الفادح أن يقدم منظرون يجهلون واقع الشعب الجزائري وتاريخه ولايعرفون من الإسلام سوى الاسم للثورة التي عرفت كيف تعيد للجهاد وظيفته.
٤ - على عكس ادعاءات مجموعة العمل، فإن جبهة التحرير الوطني قد نجحت نجاحاً باهراً في أدلجة معظم جماهير الشعب الجزائري وتمكنت، خلال فترة الكفاح المسلح، من إدخال تغيرات جذرية على ذهنية المواطنين ومن وضع نمط للحياة جديد يختلف كلية عن النمط الاستعماري.
فالشعب الجزائري الذي كان قبل سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف يرفض في معظمه حتى التصديق بإمكانية الانفصال عن فرنسا ويجهل كل شيء عن هويته، أصبح بفضل نشاط جبهة التحرير الوطني، في الأرياف وفي المدن، يمارس السياسة ويشارك مشاركة فعلية سلبياً أو إيجابياً، فيما يجري في الجزائر، ولايتحدث إلا عن الاستقلال، وجهة أخرى، فإن مجرد الرجوع إلى وثيقة وادي الصومام وماجاء بعدها من نصوص أساسية وضعتها قيادات الثورة المختلفة ليدل، دلالة قاطعة على أن ثمة تطوراً أيديولوجياً ملموساً، وأن جبهة التحرير الوطني كانت تتوقف من حين لآخر تقيم المراحل المقطوعة وعلى ضوء ذلك تقوم بالإجراءات اللازمة.
وفي سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف، عندما وقعت الأزمة الداخلية التي كانت تحمل في طياتها بذور الحرب الأهلية وقف الشعب الجزائري موقفاً حكيماً ما كان ليكون لولا نجاح جبهة التحرير في نشر الوعي السياسي داخل صفوفه
стр. 424
وبدون تمكنها من إعداد الإطارات والمناضلين إعداداً إيديولوجياً كافياً، لكن هناك ملاحظة لابد منها وهي واقع الجماهير الشعبية في داخل الوطن كان يختلف اختلافاً مطلقاً عن واقع الإطارات والمغتربين الذي قد يكون أعضاء مجموعة العمل اعتمدوا عليه في تقييمهم الذي أخذوا منه لإعداد برنامج طرابلس.
٥ - إن اعتماد النصوص الأساسية للثورة واستنطاق تاريخ غير التاريخ الجزائري (١) وتوظيف ثقافة غير الثقافة العربية الإسلامية حتى لانقول الثقافة الاستعمارية وعدم الرجوع إلى الواقع الحقيقي للشعب الجزائري في داخل البلاد، كل ذلك جعل مجموعة العمل تقدم للمجلس الوطني للثورة الجزائرية نصوصاً نظرية غير قادرة للتنفيذ وبعيدة كل البعد عن مشروع المجتمع الذي مافتئت الحركة الوطنية تدعو إلى إقامته.
بعد هذه الصورة المجملة يعود برنامج طرابلس إلى التأكيد على "أن حرب التحرير التي قام بها الشعب الجزائري قد أعادت للجزائر سيادتها الوطنية واستقلالها، لكن المعركة لم تنته، بل العكس، يجب أن تستمر لتوسيع ودعم الانتصارات (٢) وذلك بواسطة الثورة الديمقراطية الشعبية التي هي تشييد واع للبلاد
في إطار المبادئ الاشتراكية والسلطة للشعب (٣).
فالثورة الديمقراطية الشعبية مصطلح جديد وكذلك الأهداف المحددة لها. لأن الفاتح من نوفمبر وغيره من النصوص الأساسية لجبهة التحرير الوطني تتحدث، (عن) الثورة الجزائرية كحركة جهادية ترمي إلى بناء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار (غايته) الإسلامية.
وعلى هذا الأساس، فإن تحولاً خطيراً قد وقع في إيديولوجية جبهة التحرير الوطني وهو ماجعل السي فرحات عباس يقول عن برنامج طرابلس بأكمله "إنه تعبير غير مهضوم" (٤).
وعلى الرغم من كون الأغلبية الساحقة من أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية، ترفض الشيوعية ولاتحبذ المبادئ الاشتراكية، فإن مشروع برنامج
стр. 425
طرابلس لم يناقش بل تمت المصادقة عليه بالإجماع لأن اهتمام المؤتمرين كان منصرفاً إلى مسألة تشكيل المكتب السياسي، ولقد كان ذلك خطأ فادحاً جعل الثورة الجزائرية، تدخل مرحلة ما بعد الكفاح المسلح بمشروع مجتمع بعيد كل البعد عن واقع الشعب الجزائري، ومستحيل التنفيذ بسبب عدم تهيئة الظروف الموضوعية والمتمثلة خاصة في تثقيف الجماهير الشعبية الواسعة ثقافة اشتراكية.
لقد كان واضعو المشروع يعرفون جيداً أن الشعب الجزائري مسلم، وأن نسبة الأمية فيه تزيد عن ثمانين بالمائة، وأن تمسك أفراده بمبدأ الملكية الخاصة لا جدال حوله، ومع ذلك فإنهم تبنوا تحليل الدكتور فرانتزفانون الذي قال: "إن الثورة الجزائرية لايمكن إلا أن تكون ثورة اشتراكية يشكل الفلاحون قواها المسيَّرة، وترتكز استراتيجيتها على دور الإسلام الذي هو حصن الفقراء ضد الأغنياء والذي يعطي للأصالة الجزائرية طابعها المتميز" (١) ولكي لايستعملوا نفس المصطلحات الماركسية (٢) اخترعوا تسمية جديدة هي الثورة الديمقراطية الشعبية وحددوا مهامها الأساسية كالآتي:
١ - إقامة الدولة الجزائرية على أساس مناهضة الامبريالية ومعاداة الإقطاع، وذلك يتطلب بالضرورة تحلي الطاقات الحية في البلاد بروح المبادرة واليقظة وممارسة الرقابة المباشرة في جميع الميادين، بإلغاء أشكال
الذاتية المتمثلة في الارتجال وسوء التقدير وعدم الوضوح الفكري والنظرة المثالية للواقع وفي القيم الأخلاقية الفردية التي لايمكن أن تكون حاسمة في بناء المجتمع.
٢ - إلغاء الهياكل الاقتصادية والاجتماعية التي أوجدها الإقطاع واستبدالها بهياكل جديدة ومؤسسات يكون هدفها الأول هو تحرير الإنسان وتمكينه من ممارسة حرياته، وتوفير الشروط اللازمة لضمانها. وحتى تكون التنمية الشاملة سريعة ومنسجمة وقادرة على الاستجابة لحاجيات الجميع يجب أن تصاغ في منظار اشتراكي بالضرورة.
٣ - استرجاع القيم المكبوتة أو تلك التي قضى عليها الاستعمار، والعمل على صياغتها وتنظيمها وفقاً للحداثة والعصرنة، وفي نفس الوقت إدراج الفكر الديمقراطي وترسيخه في سائر مؤسسات الدولة والعمل على نشر