← История

История · id 123659

تاريخ الجزائر المعاصر

الزبيري، محمد العربي

Полный текст (484 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

ميداني شارك فيه القادة العسكريون والمدنيون إنما وقع في شهر يناير (كانون الثاني) سنة ١٩٤٥. ج - إقدام عامل عمالة قسنطينة السيد لاستراد كربونال (Carbonnel Lestrade) على تكوين فصائل الميليشيا بنواحي برج بوعريريج، وذلك ابتداء من شهر ديسمبر (تشرين ثاني) سنة ١٩٤٤. وعلى إثر فترة التدريب تم تعين القادة ووزعت الأسلحة وأعطيت التعليمات التي كانت تتلخص في العمل من أجل هدف واحد هو إبادة إطارات ومناضلي حزب الشعب الجزائري (٨٥). إن بعض المحللين السياسيين، اليوم، يلقون باللائمة على قيادة حزب الشعب الجزائري متهمين إياها بالتهور وعدم الوعي بالأخطار التي عرضت لها عشرات آلاف الجزائريات والجزائريين. إن هذا الموقف، مهما كانت دوافعه، غير سليم خاصة عندما نعرف أن القيادة المذكورة كانت، فعلاً، مصممة على إشعال فتيل الثورة كإجراء أخير من أجل إرغام فرنسا على التسليم بحق الشعب الجزائري في تقرير مصيره بنفسه؛ لكن الثامن من مايو لم يكن هو اندلاع الثورة بل إنه، على غرار الفاتح من نفس الشهر، كان، فقط استظهاراً لما تتوفر عليه الحركة الوطنية الجزائرية من قدرة على تعبئة الجماهير الشعبية وتجنيدها، ومنبهة للحكومة الفرنسية وللحلفاء على درجة النضج التي بلغها الجزائريون الذين أصبحوا تواقين للحرية والانعتاق. ومما لاشك فيه أن الإدارة الاستعمارية كانت تدرك كل ذلك، كما أنها كانت تعلم أن قيادة حزب الشعب الجزائري التي أمرت بتنظيم المسيرات الشعبية تخليداً لانتصار الديمقراطية في العالم، قد أصدرت في ذات الوقت تعليماتها الصارمة لجميع المناضلين كي لايحملوا معهم أي نوع من أنواع السلاح حتى يظل التظاهر سلمياً وللغرض المشار إليه أعلاه فقط لكن الأهداف الاستعمارية كانت مسطورة من قبل وكانت المسيرة هي المصيدة على حد تعبير السيد فرحات عباس (٨٦). لقد كان الثامن من مايو سنة خمس وأربعين وتسعمائة وألف يوم ثلاثاء، وبحكم تواجد معظم الميليشيات في المحور الرابط بين برج بوعريريج ومدينة سطيف، فإن هذه الأخيرة قد اختيرت من طرف الإدارة الاستعمارية لتكون منطلق المجزرة الرهيبة التي لاشك في أنها كانت من تخطيط وتنفيذ السلطتين المدنية والعسكرية في الجزائر، وبمباركة حكومة باريس التي كانت برئاسة

стр. 72

الجنرال ديغول في ذلك الوقت (٨٧). إن كل المصادر التاريخية بما في ذلك تقرير الجنرال تيبار (Tubert)(٨٨)، يثبت أن نائب عامل الولاية في سطيف قد أبدى موافقته الشفاهية للوفد الذي ذهب إليه يلتمس الإذن لتنظيم مسيرة شعبية تتوج بوضع أكليل من الزهور على قبر الجندي المجهول. وفي مدينة قالمة، أيضاً، حصل فرع حركة أحباب البيان والحرية على ترخيص من نائب عامل العمالة. وللتذكير، نشير إلى أن عامل الولاية هو لاستراد كريونال، المشرف العام على فرق الميليشيا. وبالموازاة مع الترخيص فإن نائبي عامل الولاية قد أمرا محافظي الشرطة وضباطها بخلق الفرص لإطلاق النار قصد تفجير الأوضاع وتمكين الكولون والأجناد من ارتكاب الجريمة. ولم يكن عامل ولاية قسنطينة هو المهندس الوحيد لعمليات القمع الإجرامية رغم أنه كان، بواسطة نائبيه في سطيف وقالمة، معلناً على بداياتها ومسؤولاً على تأجج نيرانها، ولكن مصادر التاريخ فيما بعد، قد أثبتت أن كربونال كان ينشط تحت الإشراف المباشر لسكرتير عام الولاية العامة السيد روني قازان (Rene Gazagne) الذي كان واحداً من دعاة اللجوء إلى العنف لاستئصال الحركة الوطنية في الجزائر (٨٩) والذي كان، إلى جانب غلاة الكولون، قد قام باتصالات واسعة النطاق في فرنسا من أجل ضمان مساندة مجموعة من أصحاب الحل والربط في حكومة باريس. ولقد كان الكولون وأعوانهم يعتقدون أن التقتيل الأعمى سيمكنهم من القضاء نهائياً على قواعد حزب الشعب الجزائري، ومن زرع الرعب في نفوس كل الجزائريين، قصد صدهم عن مجرد التفكير في محاولة العمل على ضرب المصالح الاستعمارية في الجزائر. ومن الغريب أنهم استطاعوا، بكل سهولة، أن يرسخوا ذلك الاعتقاد في أذهان عدد كبير من أصحاب القرارومن القريبين منهم في أوساط الحكم الفرنسي على اختلاف أنواعه. فن هذا الباب كان التخطيط للجريمة محكماً، تبناه الجنرال ديغول في أعلى قمة الهرم، وأشرف على تنفيذه من بعيد وزير الحرب الفرنسي آنذاك، السيد تييون (Tillon) الذي كان من الأعضاء البارزين في قيادة الحزب الشيوعي الفرنسي (٩٠). ومما يدل دلالة قاطعة على أن القمع كان مبيتاً وأن الإدارة الاستعمارية

стр. 73

كانت في أتم الاستعداد له وأن التدخل العسكري جاء سريعاً للغاية حتى في القرى والمداشر النائية. وعلى سبيل المثال، فإن المسيرة التي انطلقت في الأوريسية بالقرب من مدينة سطيف على الساعة الثانية والنصف من زوال اليوم الثامن من شهر مايو قد اصطدمت بفرق من الجيش الفرنسي على الساعة الرابعة أي فقط بعد ساعة ونصف من انطلاقها وهو أمر مستحيل في الظروف العادية. وفي اليوم التاسع من شهر مايو وفي مدينة لافاييت (بوقاعة حالياً) وصل الأجناد إلى مكان المسيرة في ظرف ساعة فقط (٩١). على هذا الأساس، وتنفيذاً للتعليمات الصادرة عن عامل ولاية قسنطينة ومساعديه في كل من سطيف وقالمة، أقدم ضباط الشرطة في هاتين المدينتين الأخيرتين على استفزاز المتظاهرين من أجل إيجاد الظروف التي تسمح بإطلاق النار؛ وفي المدينتين كانت تلك الظروف هي محاولة انتزاع العلم الجزائري من أيدي المناضلين الذين رفضوا الامتثال لأوامر ممثلي السلطة الاستعمارية الذين لم يترددوا في اللجوء إلى أسلحتهم (٩٢). وبسقوط الضحايا الأوائل أخذت المسيرات الشعبية السلمية طابعاً آخر جعلها تتحول بالتدريج إلى حركة ثورية ظلت متواصلة طيلة ماتبقى من شهر مايو سنة ١٩٤٥. وفيما يخص الاستفزازات البوليسية هناك شهود عيان (٩٣) يذكرون أن المسيرة في مدينة سطيف انطلقت هادئة من ناحية المسجد الجديد، وظلت كذلك حتى قطعت حوالي ألف متر ووصلت إلى مقهى فرنسا على الشارع الرئيسي حيث كان يجلس المفتش لافون Laffont مرتدياً الزي المدني. إن هذا الأخير غادر مكانه بسرعة وراح يخرق صفوف المتظاهرين محاولاً افتكاك اللافتات المنادية بحياة الحلفاء وسقوط الامبريالية من حامليها. وأمام رفض المناضلين ومقاومتهم الشديدة أطلق الرصاص عليهم فكان ذلك إيذاناً ببدء المجزرة على أيدي أفراد الشرطة الذين كانوا يؤطرون المسيرة. وإن وزير الداخلية الفرنسي نفسه قد أكد أن جميع التقارير التي وصلته لم تتضمن "أي دليل على أن القادة الوطنيين كانوا يريدون إشعال فتيل الثورة الشاملة يوم ٨/ ٥/١٩٤٥. بل إنها (أي التقارير) شكلت لديه قناعة مطلقة بأنهم فقط كانوا يهدفون إلى استظهار قوتهم وإخراج مناضليهم قصد عدهم ودعم انضباطهم ونشر قوتهم أمام السلطات الفرنسية وحكومات الحلفاء" (٩٤).

стр. 74

رد الفعل الوطني والثورة الشاملة: إن ماأورده السيد أدريان تيكسي هو الحقيقة، وهو الدليل على أن التقارير الواردة إليه كانت صحيحة: لكن الذي ينعدم في شهادة السيد وزير الداخلية هو أن استفزازات الشرطة التي كانت بأمر من مسؤولي الإدارة الاستعمارية هي التي كانت السبب المباشر في إشعال فتيل الثورة الشاملة. وبالفعل، فإن سقوط الضحايا الأوائل قد أحدث في أوساط المتظاهرين ضجة وارتباكاً كبيرين قادا، في غمرة المفاجأة، إلى مجموعة من ردود الفعل منها على سبيل المثال: ١ - ارتفاع الأصوات المنادية ببدء الجهاد في سبيل الله، والداعية إلى العودة إلى المنازل وإخراج مافيها من أسلحة ثم الرجوع إلى الشارع للاقتصاص من الأوروبيين بصفة عامة. ٢ - مغادرة المتظاهرين المدن وأطرافها واللجوء إلى القرى والمداشر، وفي الطريق كانوا يخبرون الناس بأن الجهاد قد أعلن وأن المعارك الطاعنة تدور رحاها في شوارع المدن التي هم منها قادمون. ٣ - اجتماع القيادات المحلية لحزب الشعب الجزائري. وبعد دراسة الأوضاع رفعت التقارير في حينها إلى اللجنة المديرة المؤقتة في العاصمة التي عقدت جلسة عاجلة في تلك الليلة لم ترفعها إلا بعد أن حصل الإجماع على الإجراءات اللازم اتخاذها لحماية الجماهير الشعبية في الشرق الجزائري خاصة من عمليات التقتيل الجماعي التي انتشرت بسرعة فائقة تحت إشراف قائد القوات المسلحة الجنرال ديفال (Le General Duval) وبمشاركة الكولون المسلحين والشرطة ورجال الدرك والأجناد من مختلف الأسلحة. ٤ - سجلت اللجنة المديرة المؤقتة لحزب الشعب الجزائري نبأ اعتقال السيدين عباس وسعدان ثم ناقشت جميع المعطيات المتوفرة لديها وقررت أن تكون بداية الثورة الشاملة عند منتصف الليل بين يومي ٢٣و٢٤ مايو ١٩٤٥، ووزعت المهام على الطريقة التالية: - يتولى الإشراف على العاصمة وضواحيها السيد محمد بلوزداد. - توكل مسؤولية الغرب الجزائري للسيدين محمد محفوظي وعبد الله فيلالي.

стр. 75

- تسند مسؤولية الشرق الجزائري للسيدين مسعود بوقادوم والشاذلي مكي. - يتولى مسؤولية الجنوب الجزائري السيد أمحمد بن مهل. - تسند مسؤولية منطقة القبائل للسيد علي حاليت، ومنطقة شرشال للسيد جيلالي رقيمي بينما يتولى السيد أحمد بوده مسؤولية منطقة الأربعاء وتابلاط. وبدون أدنى تردد أو انتظار شرع في تطبيق القرار الذي وجد كل الترحاب في أوساط القواعد المناضلة، لكن السلطات الاستعمارية لم تتوقف عند الجرائم المرتكبة في ذلك اليوم الرهيب، بل إن القوات الفرنسية المسلحة قد استمرت، خلال الأيام الموالية وبكيفية تصاعدية في ممارسة القمع الأعمى تجاه المداشر والقرى وفي سائر الشرق الجزائري، ولم تترك سلاحاً واحداً بعيداً عن العملية ونظيفاً من دماء الجزائريات والجزائريين الأبرياء. إن المؤرخين الفرنسيين، وتباعاً الغربيين بصفة عامة يتجاهلون الحقيقة عندما يتحدثون عن رد فعل السلطات الاستعمارية، ولو كانوا موضوعيين لكتبوا عن أفعالها الوحشية واللاإنسانية التي أدت إلى رد فعل جماهير الشعب الجزائري بقيادة طلائعه الوطنية. فالجزائريون لم يلجأوا إلى العنف إلا بعد أن بدأت الشرطة الفرنسية تطلق الرصاص على المتظاهرين بدون تمييز. عندها فقط ارتفعت أصواتهم مدوية تدعو إلى الاقتصاص وإلى الانضواء تحت لواء الجهاد في سبيل الله ومن أجل تحرير البلاد والعباد. وأمام عمليات التقتيل المنظمة والمستهدفة إبادة أكبر عدد ممكن من الجزائريين، وتصدياً لتحركات فيالق الجيش الفرنسي المدعمة بوحدات إفريقية (٩٥)، وللقصف المكثف الذي كانت تقوم به أسراب الطائرات وقطع البحرية العسكرية، اضطر الجزائريون إلى الهجوم على المراكز الإدارية الرسمية وعلى ثكنات العدو وحصونه حيثما وجدت مستعملين في ذلك كل ماتوفر لديهم من أسلحة بدءاً من السلاح الأبيض وانتهاءاً بالأسلحة الأوتوماتيكية مروراً ببنادق الصيد والمتفجرات التقليدية. في هذا الإطار، وعلى سبيل المثال فقط، تجدر الإشارة إلى تقرير قائد الدرك الوطني في قرية بني عزيز (شوفراي سابقاً) الذي جاء فيه: "يوم ٩/ ٥/٤٥ في الساعة الثانية صباحاً أطلق الرصاص في القرية وتعرضت المنازل

стр. 76

إلى الرشق بالحجارة. وعند الساعة السابعة قام أكثر من ألف رجل بتطويق الثكنة وأمطروها بوابل من نيران الأسلحة الفردية والأوتوماتيكية. ثم أتلفوا قنوات المياه وخط الكهرباء. وقد كان عملهم يتميز بانضباط عسكري بحت. وفي الساعة العاشرة وعشرين دقيقة تدخلت مجموعتان من الطائرات المطاردة، لكن المهاجمين بادروا إلى إطلاق نيران مكثفة على جميع فتحات الثكنة. وفي نفس الوقت قام حوالي مائة منهم بالدخول إلى الطابق الأرضي مضطرين المدافعين على اللجوء إلى الطابق الأول. وأشعلت النار في الأسطبل وفي المخازن ... وفي يوم ١٠/ ٥/١٩٤٥ تدخلت وحدات عسكرية متنقلة لتشتيت المحاصرين الذين كانوا يستعدون لتفجير الثكنة بواسطة ما اقتنوه من متفجرات" (٩٦). عمليات الإبادة وتشغيل الأفران: كانت عمليات القمع رهيبة. ونحن نعتقد، رغم كل مانشر، أن نتائجها لم تضبط حتى الآن، ولايمكن أن تحصر بصفة دقيقة ونهائية، لكن الذي لايعتريه أدنى شك هو أنها تأتي في مقدمة جرائم الحرب المرتكبة ضد الإنسانية، قبل كل الجرائم التي تحظى اليوم بعناية المؤرخين ورعاية الدول العظمى والمنظمات الدولية وخاصة منها منظمة الأمم المتحدة. فالأفران المحرقة شغلت نواحي مدينة قالمة: ومازال الشعب يذكر، بألم وحسرة، كيف كانت تبتلع بنهم مئات الجثث الطاهرة البريئة. غير أن العالم، اليوم، لايتحدث إلا عن الأفران التي قد يكون الألمان استعملوها لحرق اليهود أثناء الحرب الامبريالية الثانية. كما أن وسائل الإعلام الدولية ترفض أن تتوقف عند الأفران الأولى التي أقامها الجيش الاستعماري في منطقة الضهرة ليحرق قبيلة أولاد رياح مع معظم حيواناتهم الأليفة. إن الوحشية الاستعمارية لم تتغير كثيراً خلال قرن كامل من السيطرة والاضطهاد والاستغلال، ولم تتغير كذلك سلوكات الضباط الفرنسيين وتصرفاتهم إزاء الجزائريين. ويكفي للتدليل على مانقول أن نسوق فيما يلي اعترافات الجنرال كافينياك (Cavaignac) حول مافعله لإبادة قبيلة بني صبيح سنة ١٨٤٤. قال الجنرال: "لقد تولى الأجناد جمع كميات هائلة من أنواع الحطب ثم كدسوها عند مدخل المغارة التي حملنا قبيلة أولاد صبيح على اللجوء إليها بكل ماتملك من متاع وحيوانات. وفي المساء أضرمت النيران وأخذت الاحتياطات كي لايتمكن أي كان من الخروج حياً" (٩٧).

стр. 77

وبالنسبة لبقايا بني صبيح الذين نجوا من فرن كافينياك بسبب وجودهم خارج أراضي القبيلة، فإن العقيد كانروبار (Canrobert) لم يدخر أي جهد للبحث عنهم، ولما تسنى له جمعهم بعد حوالي عام من حرق أهاليهم، فإنه قادهم مقيدين إلى مغارة ثانية ثم أمر ببناء جميع مخارجها ليجعل منها على حد تعبيره "مقبرة واسعة لإيواء جثث أولئك المتزمتين. ولم ينزل أحد إلى تلك المغارة، ولايعرف أحد غيري أنها تضم تحت ركامها خمسمائة من الأشرار الذين لم يقوموا، بعد ذلك، بذبح الفرنسيين". وفي تعليقه على هذه الجريمة قال السيد برار: (Berard) لقد ظلت تلك المقبرة مغلقة وبداخلها جثث رجال ونساء وأطفال وقطعان تتآكل أويأكلها التراب" (٩٨). أما الرائد مونطانياك (Montagnac) الذي كان يقود الجيش الاستعماري بنواحي سكيكدة سنة ١٨٤٣، فإنه لم يكن من هواة الأفران المحرقة أو المقابر الجماعية، لكنه كان عندما يجتاحه القلق يلجأ إلى "قطع رؤوس العرب" لاعتقاده بأن العرب بدءاً من خمس عشرة سنة يجب أن يقتلوا. أما النساء والأطفال فيشحنون إلى جزر المركيز أوغيرها، وبتعبير آخر، يجب أن نبيد كل من يرفض الزحف كالكلاب عند أرجلنا" (٩٩). إن أحفاد يبليسي وكافينياك وكانروبار ومونطانياك وبيجوقد استنطقوا التاريخ وتعلموا من دروسه كيف يتعاملون مع الإنسان العربي في الجزائر؛ فالجنرال ديفال القائد الأعلى للقوات المسلحة في الجزائر والجنرال فايس (Weiss) قائد القوات الجوية والبحرية في ذلك الأسبوع الثاني من شهر مايو ١٩٤٥ قد أصدرا تعليماتهما لتشغيل الأفران المحرقة في نواحي قالمة ولكي تقنبل الدواوير والمداشر حتى في رؤوس الجبال وتطلق أيادي الكولون والأجناد تعبث كيفما شاءت بحياة الجزائريين ومصائرهم. ففي هذا السياق كتب الضابط بارجوري (Bergeret) في مذكراته "لقد كانت قنبلتنا للمداشر المحيطة بخراطة لاتتوقف أثناء الليل وأثناء النهار، ولدفن جثث المسلمين، فإن الأجناد كانوا يأتون بالأسرى الذين، بعد الانتهاء من مهمتهم، توجه إليهم المدافع الرشاشة" (١٠٠). أما "بريد الجزائر" (le courier algerien)، فإنه أورد على أعمدته ما يلي "منذ سنة ١٨٤٢ والمارشال سانتارنو، وحتى في أحلك أيام تاريخها، فإن الجزائر لم تعرف أبداً قمعاً أكثر وحشية ضد شعب أعزل" فعلى الطرقات وعبر الدروب وفي الحقول والوديان والكهوف، لاترى سوى جثث مبتورة تلتهمها الكلاب

стр. 78

الجائعة: جثث نتنة تحوم عليها الكواسر .. وفي أماكن متعددة أطلال لقرى مدكوكة" (١٠١). لقد اختلف المؤرخون وشهود العيان حول تقدير الخسائر البشرية. فالقنصل الأمريكي بالجزائر يرى أن عدد القتلى يتراوح مابين أربعين وخمسين ألف، بينما يحدد الجزائريون قتلاهم بخمسة وأربعين ألف وهو الرقم الذي تبنته الجامعة العربية في ذلك الوقت. أما السلطات العسكرية الفرنسية فتجعل عدد القتلى بتراوح مابين ستة وثمانية آلاف يضاف إليهم نفس العدد من الأسرى ... (١٠٢). وإذا كانت سائر الكتابات قد سجلت أرقاماً متباينة من القتلى والجرحى والأسرى، وتحدثت طويلاً عن المحاكمات التي أسفرت عن كثير من الإعدامات والأشغال المؤبدة والنفي خارج الوطن والحرمان من الحقوق المدنية، فإن السكوت كان عاماً ومطلقاً بالنسبة للخسائر وللأضرار المعنوية. ولقد كان من المفروض أن يتعرض المؤرخون وغيرهم ممن عالجوا حركة مايو الثورية إلى كل تلك المداشر والقرى التي نسفت عن آخرها وإلى كل تلك الحيوانات الأليفة والدواجن التي لم يكن يخلو منها بيت ريفي، وإلى كل تلك الغابات التي تلقت آلاف الأطنان من القنابل التي تساقطت عليها من الجو ومن البحر، كما أنهم لم يتعرضوا لآلاف المصابين نفسياً وعقلياً نتيجة عملية القمع والتعذيب وبسبب المطاردات والملاحقات. إن الإدارة الأمريكية، في ذلك الحين، قد نشرت على أعمدة الصحافة أن الطيران الفرنسي نفذ في ظرف أسبوعين ٤٥٠٠ غارة جوية لتدمير ٤٤ مشتى حسب الإحصاء الاستعماري نفسه فإذا كانت كل مشتى تأوي فقط ٥٠٠ ساكن، فإن عدد القتلى بواسطة القصف الجوي لن يكون أقل من ٢٢.٥٠٠ أما عن البحر، ست عشرة سفينة قامت، لمدة أسبوعين كذلك، بقصف الأرياف المجاورة لموانئ بجاية وجيجل والقل وسكيكدة وعنابة، وليس من السهل تقدير الخسائر البشرية والمادية التي ترتبت عن ذلك القصف. إن الدارس المحقق يرفض التسليم بعدد القتلى المتداول اليوم والذي تستبعده المصادر الرسمية الفرنسية التي تجد دعماً لها في منشورات الحزبين الشيوعي والاشتراكي الفرنسي بالإضافة إلى كتابات الشيوعيين الجزائريين. إن استنطاق مختلف التقارير المعاصرة والكتابات المنشورة على أعمدة الصحافة أو المرسلة في طي الكتمان إلى قيادات الجيش الفرنسي أو إلى سائر الجهات الحكومية الفرنسية، وكذلك التمعن في شهادات المعاصرين وفي القصائد الشعرية

стр. 79

والأغاني والأهازيج التي خلدت ماوقع في ذلك الشهر المبارك، كل ذلك يقود إلى تصديق ماجاء في تصريح الدكتور ابن جلول أمام نواب المجلس الوطني التأسيسي الفرنسي بتاريخ ٢٨/ ٢/١٩٤٦ من أن عدد القتلى المسلمين بلغ في ذلك الشهر ثمانين ألفاً (١٠٤). ولقد كان السيد فرحات عباس في مقدمة المحللين لما وقع في شهر مايو ١٩٤٥، ساعده على الارتقاء إلى تلك المكانة ماكان يتمتع به من أفق واسع واطلاع كبير على المعطيات الحقيقية بالإضافة إلى تلك العزلة الطويلة التي فرضت عليه ابتداء من الثامن من مايو ١٩٤٥ إلى السادس عشر من مارس ١٩٤٦. يقول الأمين العام السابق لحركة أحباب البيان والحرية في نداء وجهه إلى الشبيبة الجزائرية والفرنسية: "لقد كانت مغامرة سطيف وقالمة الفظيعة موجهة ضدنا وضد أحباب البيان والحرية، ضد طموحات شعبنا الشرعية .. ضد الديمقراطية الفتية في الجزائر. شرع في تنفيذها بينما كان الوئام يسود العلاقات القائمة بين حركتنا وسائر التنظيمات الديمقراطية. وكان الغرض هو عزلنا وإثارة أوربي الجزائر والشعب الفرنسي ذاته ضد إصلاحاتنا وكان المقصود (أيضاً) هو القضاء علينا وتنظيم الانتخابات بدوننا وتحضير الرجوع إلى الوراء ... إلى عهد الاستعمار. المطلق ... إنها جريمة شنعاء ارتكبتها الإدارة، وبشر بها كثير من المغرضين، خاصة منهم لاستراد كربونال (Lestrade Carbonnel) عامل الولاية الذباح الوصولي الذي صرح يوم ٢٠/ ٤/١٩٤٥ قائلاً: "إن عمليات كبيرة ستحدث ضد حزب سياسي يقع حله فيما بعد". فللقضاء علينا، ذهبوا إلى حد ارتكاب الجريمة. وضد شعب أعزل، سلحوا وجمعوا في شكل مليشيات عصابات من الأوغاد والرجعيين. إن لاستراد كربونال - درناند الجزائر - (١٠٥) وكذلك عملية أشياري (Achiary) وغيرها ممن زرعوا في أريافنا رعباً هتليرياً بشعاً عليهم، اليوم، أن يدفعوا مقابل الجرائم التي ارتكبوها .. إن ملف الثامن من مايو لم يغلق بعد". تراجع القيادة الثورية وموقف التشكيلات السياسية: إن رأي عباس، في هذا الموضوع، هو عين الصواب. وليس ملف الثامن من مايو، وحده، هو الذي لم يغلق ولكن الملف الإجمالي لكامل الحركة الثورية كله لم يزل مفتوحاً، إلى غاية هذا اليوم، وهو ينتظر اهتمام المؤرخين الوطنيين

стр. 80

ورعاية المؤسسات الرسمية في بلادنا لأن جهد الأفراد وحده غير كاف للفصل في كثير من القضايا بكيفية تضمن الوفاء لأرواح شهداء وضحايا القمع الاستعماري في الجزائر. وعندما نقول: إن جهد الأفراد وحده لايكفي، فإننا لانصدر حكماً انطلاقاً من فراغ، ولكننا نعتمد في منطوق حكمنا على أحداث وقعت بالفعل وهي كثيرة وإن كنا نكتفي، هنا، بالإشارة إلى اثنين منها فقط على سبيل المثال. ١ - في شهر مايو ١٩٨٥ ألقيت محاضرة أمام طلبة المدرسة العليا للتجارة بدعوة من مديرها العام صديقي الدكتور سيد علي بوكرامي. ونظراً للمكان والزمان وجدتني مساقاً للتركيز على مسألتي الديون الجزائرية المترتبة على حكومة فرنسا قبل الاحتلال، والتعويض عن جرائم الحرب التي ارتكبتها الإدارة والجيش الاستعماريين في بلادنا خلال الفترة الممتدة من سنة ١٨٣٠ إلى سنة ١٩٦٢، وبعد تحليل الوثائق الرسمية الموجودة بدور المحفوظات، والتوقف طويلاً عند شهادات المعاصرين لعمليات الإبادة التي تعرضت لها جماهير الشعب الجزائري، خلصت إلى توجيه نداء إلى السلطات الجزائرية المعنية كي تنشر أمام محكمة العدل الدولية دعوى من أجل الحكم على حكومة فرنسا بأن تدفع للشعب الجزائري جميع مستحقاته التي قدرتها في ذلك الوقت بمبلغ ١٣٢ ألف مليار فرنك فرنسي. ونشرت أسبوعية الجزائر الأحداث، يومها، ملخصاً عن المحاضرة ترتب عليه احتجاج من السفارة الفرنسية تسبب لي في مجموعة من المشاكل ليس هذا مكان سردها. ٢ - ومن غريب الأمور أن السلطات الفرنسية مازالت، إلى يومنا هذا، تلاحق مجرمي الحرب من الألمان ومن الفرنسيين، وعندما تعثر عليهم في أي مكان من الدنيا، فإنها تلجأ إلى جميع الوسائل والحيل من أجل استقدامهم ومحاكمتهم في جو إعلامي وطني وعالمي رغم مرور أكثر من خمسين سنة على الأفعال المرتكبة ورغم تقدم المتهمين في السن ولجوئهم إلى الاغتراب والتستر بأسماء مستعارة أمثال كلوز باربي ويول توفي وغيرهما. وعلى غرار السلطات الفرنسية، فإن الكيان الصهيوني لم يتوقف، منذ أن وضعت الحرب الامبريالية الثانية أوزارها، عن مطاردة المشتبه في أنهم

стр. 81

شاركوا من قريب أو من بعيد في تعذيب اليهود واضطهادهم، كما أنه يغتنم جميع الفرص لإشعار السلطات الألمانية بالذنب وجعلها لاتتوقف عن تقديم المبالغ الباهظة والمساعدات المختلفة تعويضاً عن الأضرار التي قد يكون الجيش الألماني قد ألحقها بأبسط يهودي في أقصى مكان من أنحاء العالم. وعندما يتعلق الأمر بالجرائم المرتبكة ضد الإنسانية في الجزائر، فإن المسؤول الأول عن وقوعها لايتردد في الحديث عنها بكل استخفاف ولايوجد من الجزائريين من يتجرأ حتى على توجيه التهمة إليه. لقد كان الجنرال دي غول يتابع عن كثب عمليات التقتيل الجماعي التي تعرضت لها الجماهير الشعبية في الشرق الجزائري، وعلى الرغم من ذلك، فإنه كتب إلى الوالي العام بتاريخ ١٢/ ٥/١٩٤٥ يأمره باتخاذ "جميع الإجراءات الضرورية لقمع كل الأعمال المناهضة لفرنسا والتي تقوم بها أقلية من المشاغبين" (١٠٧). وعندما نشرت مذكراته سنة سبعين وتسعمائة وألف جاء فيها بالحرف الواحد: "وفي نواحي القسنطينية وبالتزامن مع اضطرابات شهر مايو الثورية، ظهرت بداية ثورية قضى عليها في المهد الوالي العام شاتينيو" (١٠٨). وعلى أي حال، فإن شدة القمع واتساع عمليات الإبادة بكيفية يصعب على العقل تصويرها قد أجبرا قيادة حزب الشعب الجزائري (١٠٩) على البقاء في اجتماع متواصل تدرس التقارير المرفوعة إليها من سائر أنحاء الشرق الجزائري الذي كان يعيش حالة الحرب الطاحنة، ومن باقي جهات الوطن التي نقلت إليها الأوامر الخاصة بإشعال فتيل الثورة ليلة الرابع والعشرين من شهر مايو كما أشرنا إلى ذلك سابقاً. وفي يوم ١٨/ ٥/١٩٤٥ خلصت القيادة المذكورة إلى أن الاستعدادات اللازمة للكفاح المسلح غير كافية، وأن شروط الانتصار على العدو غير متوفرة، وبالتالي فإن الاستمرار في تعميم الثورة سوف لن يزيد إلا في مضاعفة التقتيل والقمع بجميع أنواعه، ومن ثمة اتخذ القرار بالإجماع على تسيير رسل تحمل لكافة القيادات المحلية في مختلف أنحاء الوطن أوامر الكف عن القتال حيث تدور المعارك وعدم البدء فيه حيث لم تنشب المعارك بعد. ومن المتفق عليه، اليوم، أن الأوامر المضادة قد وصلت في وقتها إلى جميع القيادات المحلية لكن بعض المسؤولين (١١٠) رفضوا تطبيقها ليس عصياناً أو تقصيراً ولكن لأن التحضيرات في مناطقهم أوشكت على الانتهاء، ولأن حماس المناضلين والمواطنين لم يعد ممكناً معه التراجع والعودة إلى

стр. 82

الوراء. هكذا، شهد صباح الرابع والعشرين مايو ١٩٤٥ عمليات فدائية استهدفت أعمدة الهاتف والكهرباء وبعض مراكز الشرطة والدرك الوطني والسكة الحديدية في عدد من جهات الوطن، غير أن ذلك ظل مقتصراً على مناطق محدودة ولم يدم سوى أيام معدودة (١١١) تفرقت بعدها جحافل المناضلين وتمكن بعضهم من اللجوء إلى الجبال في نواحي الأوراس والقبائل والنونشريس، في حين وقع في الأسر بعضهم الآخر وعدد من الإطارات القيادية. أما الإدارة الاستعمارية، فإنها لم تتوقف عند حد، ولم يؤثر في مسؤوليها على اختلاف مشاربهم، مابلغه القمع من وحشية؛ بل إن قادة الميليشيا وضباط الأمن والجيش كانوا يتنافسون حول من يتألق أكثر من غيره في ممارسة أنواع التعذيب والإهانات والاعتداء على الحرمات وفي التمثيل بقتلى المسلمين. وأصبحت "مودة" أن يجمع المسؤولون الأوربيون آلاف الجزائريات والجزائيين في الساحات العمومية ثم يأمرونهم بالسجود للعلم الفرنسي بعد أن يكونوا أرغموهم على ترديد عبارات بذيئة مثل: "نحن كلاب .. وفرحات عباس ... كلب" (١١٢). إن السلطات الاستعمارية لم تراع حتى أكثر الجزائريين موالاة لها، ولم ينج من القمع الشديد حتى أكبر عملائها أمثال ذلك الباشاغا الذي صرح لمراسل بريد الجزائر قائلاً: "إنني، ماحييت، لن أنسى تلك الاغتصابات والحرائق وتلك المدافع والمدافع الرشاشة والجيوش المدججة بالسلاح والاعتقالات والإعدامات الجماعية" (١١٣). ومما لاشك فيه أن القمع الأعمى هو الذي جعل الطلقاء من مسيري حركة أحباب البيان والحركة يقدمون، رغم حل الحركة رسمياً يوم ١٤/ ٥/١٩٤٥، على توقيع نشرة بتاريخ ١٨/ ٥/١٩٤٥ يدينون فيها، باسم المكتب المركزي، "كل الذين جاؤوا، من داخل الحركة أو من خارجها، تشويه النوايا الحسنة وفعل وضع لتحقيق أغراض سلمية وجمهورية" (١١٤). لقد كانوا يعتقدون أن مثل ذلك الموقف يكفي لإقناع الإدارة الاستعمارية بعدم مسؤوليتهم عما يجري؛ ولو فكروا قليلاً ورجعوا أسبوعاً واحداً إلى الوراء لفضلوا الصمت لأنهم كانوا سيتأكدون من أن المسؤول الأول عن الجريمة إنما هم أنفسهم الذين وجهت إليهم النشرة وهم ذات الأشخاص الذين كانوا قد استدعوهم بواسطة عامل ولاية الجزائر، يوم ٩/ ٥/١٩٤٥ وحملوهم مسؤولية ماقد يحدث في العاصمة. وكما أن النداء الذي وجهه المكتب المركزي إلى الجزائريين قصد "إدانة العناصر الذين يزرعون الرعب ويرتكبون الأعمال الإجرامية ويلبسون

стр. 83

الجزائر ثوب الحداد" (١١٥)، لم يؤخذ في الاعتبار من أي طرف كان، فإن النشرة قد ظلت على ورق ولم يستفد منها سوى العقيد شون (١١٦) (Schoen) في تقريره إلى وزارة الداخلية. كان يرى الوالي العام، السيد شاتينيو، أن عدم الإكتراث بالمواقف الجديدة الصادرة عن القياديين القدامى لأحباب البيان كان خطأ فادحاً لأنه، إذا أرضى كبار الكولون، فإنه ضيع فرصة ثمنية على الإدارة الاستعمارية التي كان يمكن، بواسطتهم أن تطبق مجموعة من الإصلاحات، بالنسبة للوالي العام، كفيلة بأن "يجعل السكان الأهالي يدخلون بصدق إلى المجموعة الفرنسية. أما حرمانهم من ذلك، فإنه سيدفعهم إلى الانزواء على النفس في انتظار فرصة سانحة لمحاربة التخلص من سادتهم الفرنسيين" (١١٧). ولم يكن موقف الجنرال ديفال، قائد عمليات القمع والإبادة، مختلفاً عن موقف السيد شاتينيو، بل كان فقط، أكثر دقة عندما ذكر في تقريره: "إن وقع سيتكرر بأكثر فظاعة وبكيفية لن تكون قابلة للمعالجة" (١١٨). وسوف يظل موقف الحزب الشيوعي الفرنسي أكثر مواقف التشكيلات السياسية وضوحاً لسببين رئيسيين هما: أ - اشتراكة الفعلي في ارتكاب الجريمة بواسطة إطاراته السامية الذين كانوا يشغلون مجموعة من مناصب الحل والربط في الحكومة الفرنسية المؤقتة. وفي مقدمة تلك الإطارات لابد من التركيز على السيد تيون المشار إليه أعلاه. ب - أيديولوجيته التي ترفض الاعتراف بوجود الشعب الجزائري ككيان مستقل أو قابل للاستقلال عن الشعب الفرنسي، بل أن السيد موريس توريز، الأمين العام، الذي قضى كل سنوات الحرب في موسكو عاد إلى باريس في نهاية عام ١٩٤٤ وهو أكثر تمسكاً برأيه القائل إن الأزمة الجزائرية في طور التكون وإن عدد عناصرها المكونة عشرون كما سبق الحديث عن ذلك في مستهل هذه الدراسة. فمنذ اللحظات الأولى، بادر الحزب الشيوعي الفرنسي إلى المطالبة "بتسليط أشد العقوبات على منظمي التمرد وأعوانهم ممن قادوا المسيرات" (١١٩) كما أنه لم يتردد في اتهام قادة الحركة الوطنية بالعمالة للنازية ولغلاة الكولون لأنهم "خدعوا جماهير المسلمين بسعيهم إلى إحداث القطيعة بين السكان الجزائريين وشعب فرنسا" (١٢٠).

стр. 84

وركب الحزب الشيوعي الجزائري موجة رائده الحزب الشيوعي الفرنسي فراح يكيل الاتهامات لإطارات حزب الشعب الجزائري محملاً إياهم مسؤولية إراقة الدماء ومدعياً أنهم يعملون في ركاب النازية ويطبقون تعليمات هتلر "التي لاتخدم سوى مصالح الاقطاعيين الذين ينادون بالانفصال عن فرنسا" (١٢١). وإذا كان السيد عمار أوزقان، الذي كان أميناً وطنياً للحزب في ذلك الوقت قد كتب في Liberte يصف قادة حزب الشعب الجزائري بالمجرمين عملاء الفاشية والمغامرين الذين أسقطوا قناع المسلمين والوطنيين المزيفين (١٢٢)، "فإن السيد كاباليرو (Caballero) وهو أمين وطني آخر لم يجد مانعاً من اتهام المطالبين باسترجاع الاستقلال الوطني بالعمالة للامبريالية عن وعي أوبكيفية غير واعية" (١٢٣). من هذا المنطلق، فإن قيادة الحزب الشيوعي الجزائري تنكر على حركة مايو ١٩٤٥ طابعها الثوري وتحصرها، فقط، في إطار التظاهر من أجل الخبز، وعليه فهي ترى أن الجرائم المرتكبة من طرف أمثال أشياري نائب عامل العمالة بقالمة إنما هي دفاع عن النفس وحماية لأمن السكان، وتقر أن الميليشيا ومصالح الشرطة والأجناد على اختلاف وحداتهم لم يتجاوزوا حدود ماكان مطلوباً منهم. وحتى بعد مرور الزمن، فإن الشيوعيين ظلوا متمسكين. بموقفهم الخاطئ والقائل: "إن حزبنا كذب وجود ثورية عربية: لاوجود لثورة عربية، ولكنها مؤامرة فاشية، ولقد أشار الحزب يومها، إلى مايجب فعله ليعم الأمن في الجزائر: تزويد السكان المسلمين بالغذاء وتشديد العقاب على المقاتلين الهتليريين الذين ساهموا في أحداث الثامن من مايو، واعتقال المسؤولين الحقيقيين الذين كانوا، بالأمس يزودون "رومل" وطرد الموظفين السامين من مناصبهم" (١٢٤). وعلى الرغم من هذه المواقف المتفرقة، فإن الحزب الشيوعي الجزائري قد تأثر إلى حد بعيد بكل ماجرى في إطار حركة مايو الثورية، وتأكد من خلال التضحيات التي أقدمت عليها جماهير الشعب الجزائري، أن تحليلاته خاطئة بالنسبة لواقع الجزائر ومستقبلها، ولذلك، بادرت قيادته إلى اتخاذ عدد من التدابير الرامية إلى تقليص الهوة الفاصلة بين أيديولوجيتها والأيديولوجية الوطنية .. وتعود بدايات هذا التوجه الجديد إلى مستهل شهر يوليو ١٩٤٥، عندما أصبحت أدبيات الحزب تقتصر على إدانة القادة الوطنيين وتطالب بضرورة العفو عن "الجحافل المغرر بها من الجزائريين"، ثم تطورت تلك الأدبيات مع

стр. 85

حلول شهر أغسطس (آب) الذي شاهد، في يومه الثاني عشر، صدور بيان عن اللجنة المركزية تضمن على وجه الخصوص المطالبة بإطلاق سراح ضحايا القمع الأعمى وإعادة النظر في الأحكام الصادرة عن المحاكم الاستثنائية وبإلغاء المندوبيات المالية واستبدالها بمجلس جزائري (١٢٥). لكن الإشارة إلى ذلك التطور الذي يمكن اعتباره إيجابياً بالمقارنة مع المواقف الشيوعية السابقة لاتعني، أبداً، أن قيادة الحزب الشيوعي الجزائري قد ابتعدت، كلية، عن المحاور الأساسية التي تبنى عليها توجهات الحزب الرئيسية، بل أن بيان شهر أغسطس المذكور نفسه قد استلهم في جل عناصره فكرة "الأمة الجزائرية التي في طور التكوين" وتوقف، طويلاً، عند ضرورة اتحاد الأوربيين والمسلمين واليهود، لمواصلة السير الحثيث في الطريق المؤدى إلى تشكيل مجموعة وطنية جزائرية تكون قادرة على أن تعيش حياتها الخاصة" (١٢٦). لا يهم أن تكون تلك "المجموعة الوطنية" مكونة من الكولون المتوسطين والصغار (العنصر الأوربي) والفلاحين والخماسين (العنصر الإسلامي) والموظفين والتجار (العنصر اليهودي) مادام الهدف ليس هو استرجاع السيادة المغتصبة وإقامة الجمهورية الجزائرية المستقلة، وإنما هو "دعم التحالف المثمر مع الشعب الفرنسي في كفاحه من أجل إقامة جمهورية حقيقية" (١٢٧). •• • الهوامش:

стр. 86

هوامش

стр. 87

هوامش

стр. 88

هوامش

стр. 89

هوامش

стр. 90

هوامش

стр. 91

هوامش

стр. 92

هوامش

стр. 93

هوامش

стр. 94

ـ[تخطيط]ـ

стр. 95

ـ[تخطيط]ـ

стр. 96

تطور التشكيلات السياسية الجزائرية في الفترة ما بين ١٩٤٦و١٩٥٤ يرى معظم المؤرخين وجميع الذين كتبوا في تاريخ الجزائر المعاصر، حتى اليوم، أن حركة مايو ١٩٤٥ هي التي أنضجت فكرة الكفاح المسلح في أواسط الحركة المصالية وشكلت القاعدة الأساس لانطلاق ثورة نوفمبر ١٩٥٤. إن هذا الرأي - المنقول والمتناقل - بعيد كل البعد عن أن يكون هو الصواب، بل أن إخضاعه للمقاييس العلمية التي تتحكم عادة في البحوث الجادة، سوف يبين بكل سهولة أن فيه إجحافاً كبيراً لجهد الرواد من المناضلين الذين آمنوا مبكرين، بفكرة الكفاح المسلح كأفضل وسيلة لاسترجاع الاستقلال الوطني، وبذلوا كل مافي وسعهم من أجل تجسيدها على أرض الواقع. فالقرن التاسع عشر، في ثلثيه الأخيرين، قد شاهد مقاومة شعبية مسلحة في أماكن متعددة من البلاد وفي فترات زمنية مختلفة، وإذا كنا، هنا، في غير حاجة إلى تعداد تلك المقاومة، فإننا، بالمقابل، نعتقد مفيداً الإشارة إلى أنها كانت تندلع، دائماً، تحت إشراف وبقيادة الطلائع المثقفة، الأمر الذي جعل الإدارة الاستعمارية تبذل كل ما في وسعها من وسائل القمع والإبادة من أجل القضاء على مصادر الثقافة الوطنية التي كانت تتولى نشر الوعي في أوساط الجماهير، وتؤمن للإنسان الجزائري مناعة تحميه من إصابات الاعتداءات العقائدية والفكرية التي كانت جزءاً مهماً من مخطط الغزو الاستعماري. لقد كان الجيش الفرنسي، كلما خرج منتصراً من معركة، وكلما تمكن من إخماد مقاومة، يوجه آلته التدميرية إلى المدرسة الجزائرية بجميع أنواعها وإلى المسجد الجامع خاصة، بعد أن يتولى قادته نهب المكتبات وإتلاف ماتعذر حمله من نفائس المخطوطات والكتب، وفي ذات الوقت، تشن حملة واسعة النطاق قصد التنكيل بالأحياء من المثقفين الذين كثيراً مايرغمون على الهجرة إلى البلاد العربية الإسلامية أويساقون إلى سجون فرنسا في سائر مستعمراتها النائية إلى جانب كل ذلك، تؤمم الأوقاف، في جميع المستويات ثم توزع الغنائم على الغزاة وعلى من تميز بالعمالة من أعوانهم.

стр. 97

ومما لاريب فيه تلك الأعمال التخريبية التي كانت تبدو، في الظاهر، موجهة ضد أعداد معلومة من الأفراد أو ضد أشياء تكاد تكون غير ملموسة، إنما هي في الواقع أخطر من العمل العسكري الذي كان يأتي على الأخضر واليابس بالإضافة إلى مايتسبب فيه من قتلى ومعطوبين وأرامل وأيتام. وتكمن تلك الخطورة في القضاء على المصادر الثقافية وإلغاء المثقفين بشتى الوسائل إنما تظهر نتائجه في الأمد البعيد وهي تتمثل في حرمان البلاد من الإنتاج الفكري الأصيل الذي يكون في أساس تكوين المواطن الصالح الذي لابد منه لبناء المجتمع القادر على بناء الدولة القوية وحمايتها. هكذا، تمكن التخطيط الاستعماري، بالتدريج وطيلة عشرات السنين، من تغييب المثقف الجزائري وتهميشه، وبالموازاة مع ذلك راح يصنع مصادر جديدة لثقافة غربية لاعلاقة لها بواقع المجتمع، وهي الثقافة التي شرع في توظيفها ابتداء من مطلع القرن العشرين قصد تكوين من سوف يطلق عليهم تسمية النخبة التي ستؤدي دوراً أساسياً في محاولة ترسيخ قواعد الاستعمار وإعداد الأرضية الملائمة لنشر منظومة الأفكار التي أوصلت البلاد إلى ماهي عليه اليوم. فالفكر والثقافة الاستعماريان قد استطاعا التغلب على الأصالة في الجزائر، وبفضلهما تخلصت الإدارة الفرنسية من بقايا الحراس أمثال الدكتور محمد بن العريبي الشرشالي، وتمكنت، من غرس المفاهيم والمصطلحات التي سوف تكون في أساس تكوين الإنسان الجزائري القابل للأمر الواقع والمستعد للتكيف معه بدون عقدة. وشيئاً فشيئاً ظهر على الساحة السياسية خاصة عدد من الأقطاب الذين لم يترددوا، نتيجة جهلهم، في التنكر لتاريخهم، متحمسين لتاريخ الآخرين وعاملين بجد على الذوبان في صفوف الشعب الفرنسي الذي لم يكن مستعداً لذلك، ولامرتاحاً حتى لمجرد السماح لهم بممارسة بعض الحريات التي قد تجعل منهم أناساً قد يطمحون إلى المطالبة بالمواطنة ومايتبع ذلك من حقوق في المساواة بجميع أنواعها. وإذا كان هذا النهج الاستعماري قد حقق كثيراً من النتائج التي خططت لها فرنسا قصد التوصل إلى استئصال الشعب الجزائري، فإنه لم يتمكن من القضاء، نهائياً، على المقاومات الأساسية للشخصية الوطنية التي ظلّت رغم كل الإصابات، ثابتة في جزئها الشكلي على الأقل، وقادرة على تأجيج روح المقاومة لدى عدد لايستهان به من الإطارات الطلائعية الذين استطاعوا التموقع

стр. 98

في المجالين السياسي والثقافي ثم راحوا يعملون بشتى الوسائل على استنهاض الهمم ونشر الوعي في أوساط الجماهير الشعبية الواسعة. ومما لاشك فيه أن أولئك الطلائعيين قد نجحوا في جل مساعيهم، واستطاعوا، رغم العنف والإرهاب الاستعماريين، أن يحافظوا على تقاليد النضال بسائر أنواعه وأن يضمنوا تواصل حلقات المقاومة المسلحة التي يزعم تلاميذ المدرسة الفرنسية للتاريخ أنها انتهت مع نهاية القرن التاسع عشر، واضعين في طي النسيان دماء الشهداء الذين سقطوا في الأوراس والهقار سنة ١٩١٦ وفي الأوراس والشمال القسنطيني سنتي ١٩٣٤ و ١٩٣٥. على هذا الأساس، ومن هذا المنطلق نؤكد أن فكرة الكفاح المسلح في الجزائر ليست وليدة مابعد الحرب الامبريالية الثانية بل وجدت منذ اللحظات الأولى للعدوان الفرنسي وظلت طوال الفترة الاستعمارية هي الوسيلة المفضلة لاسترجاع السيادة الوطنية المغتصبة؛ ولم تكن حركة مايو الثورية إلا واحدة من حلقات المسلسل الطويل الذي يروي للعالم جهاد شعب لم يتوقف عن دفع قوافل الشهداء إلى أن استرجع استقلاله سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف. وعندما يتوقف الدارس عند تلك الحلقات يجد أن كل واحدة منها متميزة عن الأخرى لكنها تلتقي جميعها حول الوسيلة والهدف؛ وكلما مرت حلقة استفادت التالية من إيجابياتها وسلبياتها. وظل الأمر كذلك إلى أن كان نوفمبر عام أربعة وخمسين وتستعمائة وألف. ويعنينا في هذا الفصل، أن نمسح الفترة الممتدة من شهر مارس سنة ست وأربعين وتسعمائة وألف إلى شهر نوفمبر سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف. وسوف نركز على تاريخ سائر التشكيلات السياسية وتطورها في جميع الميادين. ••••

стр. 99

الفصل الرابع: الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري

стр. 100

في إطار العفو الشامل، الذي قررته الإدارة الاستعمارية، تم الإفراج عن السيد فرحات عباس يوم ١٦/ ٣/١٩٤٦ وقد كانت الفترة التي قضاها بالسجن والتي دامت واحداً وأربعين أسبوعاً كافية ليعيد النظر في تجربة حركة أحباب البيان والحرية وليتوقف، ملياً، عند مقررات مؤتمره الأول والوحيد. وإذا كان الاعتقال التعسفي قد ساهم في حد الانطلاقة الثورية لدى ذلك الزعيم الذي ارتبط اسمه ببيان الشعب الجزائري، فإنه، بالمقابل، قد رسخ قناعته بضرورة بعث الجمهورية الجزائرية المستقلة استقلالاً داخلياً في إطار الاتحاد الفرنسي. وبمجرد خروجه من السجن راح يكثف الاتصالات بالإطارات القريبة منه سياسياً يطرح أمامهم أفكاره الجديدة ويسترشدهم من أجل ضبط الخطوط العريضة لكيفية إنشاء حزب جديد ووضع برنامجه السياسي الذي يجب أن يكون قادراً على تعبئة جزء كبير من الطاقات الحية في أوساط المجموعتين الفرنسية والإسلامية على حد سواء. ولكي يعطي لنشاطه إطاراً قانونياً، رحل إلى فرنسا يطلب رأي ذائع الصيت Achille Mestre مدرس الحقوق بكليتي تولوز وباريس (١) حول موقف دستور الجمهورية الرابعة من إمكانية تحويل ولايات الجزائر إلى دولة تحتفظ فيها فرنسا بشؤون السيادة. وعلى الرغم من قناعات الأستاذ أشيل اليمينية، فإنه اعترف، بعد فحص دقيق لنصوص الدستور الجديد، بعدم مخالفة الفكرة لروح النص. وكان ذلك أيضاً هو رأي السيد Charlier، أستاذ القانون العام بجامعة الجزائر (٢). هكذا، إذن، أخذ السيد فرحات عباس جميع الاحتياطات السياسية والفنية قبل أن يقوم بصياغة ذلك النداء الذي وجهه إلى الشبان المسلمين والفرنسيين بمناسبة عيد الطبقة الشغيلة في فاتح مايو سنة ١٩٤٦ أي بعد خروجه من السجن بستة أسابيع فقط. لقد كان النداء، في مقدمته، تدليلاً على براءة عباس وسعدان مما وقع في شهر مايو ١٩٤٥ حيث أن الرجلين لم يطلعا على حقيقة ماحدث في شهر سبتمبر بعد أن قضيا كل ذلك الوقت في عزلة مطلقة. وتوسعا في المقدمة، قدم صاحب النداء لمحة سريعة وموجزة عن حياته السياسية التي يقول حولها: "إنه خصصها لتجسيد روح التعاون الفرنسي الإسلامي ولنشر الثقافة العصرية باعتبارها القاعدة الأساسية لذلك؛ ثم يؤكد عدم تمييزه بين المسلمين واليهود

стр. 101

والمسيحيين لأن عقيدته السياسية كانت تأمره بذلك وتدعوه إلى النضال المتواصل في سبيل الوحدة ضمن الديمقراطية والأخوة في إطار العدالة. إن هذه العقيدة السياسية نفسها التي ظلت تقود خطاه منذ ثلاثينات هذا القرن. ويرى أنه استطاع، بفضل صدقه في العمل وإخلاصه للمبادئ والمثل العليا، أن يحقق الكثير في مجال تقريب وجهات النظر وميادين الترقية الاجتماعية وتهدئة الخواطر وتوحيد معظم ذوي الإرادة الخيرة في البلاد، لكن الإدارة الاستعمارية بتآمرها مع الرجعية والامبريالية حالت دون تواصل المسعى واتخذت من مايو ١٩٤٥ وسيلة لتوسيع الهوة بين المجموعتين الإسلامية والفرنسية، وذريعة للقضاء على حركة أحباب البيان والحرية التي أجمع قضاة التحقيق على أنها بالإضافة إلى كونها لم تنظم أية مظاهرة، قد اكتفت بالدعوة إلى الهدوء والانضباط في إطار الشرعية الجمهورية" (٣). ولئن كانت سياسة التوحيد قد انهارت ومعها جهود المصالحة الوطنية، ووقع حل حركة أحباب البيان والحرية، فإن روح البيان، يقول عباس، لم تمت وبفضلها اتضحت الرؤية وأصبحنا قادرين على التمييز بين ما كان عليه من حالة القبول الإمعي المعمي ومايجب أن نرقى إليه وصولاً إلى الوطن الجزائري الذي تتوفر فيه شروط المساواة والحرية للجميع (٤). والوصول إلى الوطن الجزائري يستلزم سياسة ترتكز على برنامج جعل في مقدمته: لا للاندماج، لا لسادة جدد ولا للانفصال، وعلى الرغم من أن هذه اللاءات لا تتضمن الشحنة الثورية اللازمة لاسترجاع الاستقلال الوطني، إلا أن تبنيها، في ذلك الوقت، من طرف السيد فرحات عباس كان يعتبر انتصاراً كبيراً بالنسبة للحركة الوطنية خاصة وأن حزب الشعب الجزائري كان عند تأسيسه، قد رفع نفس الشعار من أجل استمالة من كانوا يسمون بالمعتدلين، علماً بأن ذلك اعتبر في وقته، انحرافاً وقاد إلى استقالة السيد عمار عيمش الذي كان مساعداً للسيد الحاج مصالي (٥). أما تبني السيد عباس لذات الشعار، فإن المقصود منه لم يكن سوى مراعاة الرأي العام الفرنسي، كان مناهضاً لفكرة الكفاح المسلح كوسيلة وحيدة لتقويض أركان الاستعمار. ومن جهة أخرى تضمن البرنامج المذكور مجموعة من المحاور ارتأى عباس أنها ضرورية لتشييد الجزائر "على أسس واقعية وتاريخية تكون كفيلة بأن تعبد لها طريق الديمقراطية العالمية" (٦). ومن أهم تلك المحاور ما يلي: ١ - المساواة المطلقة: ويكون ذلك بواسطة القضاء على الاختلافات العرقية

стр. 102

وعلى الأحقاد التي تنخر في جسم المجتمع، وعلى واقع التحقير الذي كان مسلطاً على الجزائريين. والمقصود من واقع التحقير تلك القوانين والمراسيم والإجراءات العسفية التي كانت تحمل أسماء متعددة لكنها ترمي في مجملها إلى تهميش الشعب الجزائري وإبقائه في حالة التبعية الدائمة. ٢ - التربية التي تستهدف الإنسان من أجل تكوين مواطن حر يكون متشبعاً بالواجب الاجتماعي ومدركاً لمهمته الحضارية. وفي هذا المجال يكون التركيز على تعميم الفكرة القائلة: "إن أبناء الوطن الواحد لايكونون بالضرورة على دين واحد" (٧). ٣ - العلم والتكنولوجيا اللذان لايمكن، بدونهما، أن ترقى الجزائر إلى مصاف الأمم المتقدمة، لأجل ذلك، فإن أبوابهما يجب أن تفتح واسعة لجميع أبناء الجزائريين بدون أي تمييز عرقي أو ديني كما ينبغي أن يعاد للغة العربية اعتبارها كلغة وطنية ورسمية في البلاد. ويرى السيد فرحات عباس أن تجسيد برنامجه السياسي على أرض الواقع ممكن تحقيقه بدون عوائق تذكر شريطة أن يكون منطلق النشاط هو بيان الشعب الجزائري وأن توظف التجارب التي خاضتها حركة أحباب البيان والحرية. ولقد كان السيد فرحات عباس، قبل نشر النداء وتوزيعه، في سائر أنحاء البلاد قد تمكن من أن يجمع حوله كوكبة من الإطارات المؤمنة بأفكاره والمستعدة للنضال في سبيلها (٨)، واتفق معهم على بعث حزب جديد أسماه "الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري" وقدم قانونه الأساسي إلى المصالح المختصة في النصف الثاني من شهر أبريل قصد الاعتماد والحصول على الترخيص القانوني. ومباشرة بعد الاعتماد قررت قيادة الحزب المشاركة في الانتخابات التشريعية الفرنسية التي تحدد إجراؤها يوم ٢/ ٦/١٩٤٦ لتعيين المجلس التأسيسي الثاني الذي خصص فيه للجزائريين ثلاثة عشر مقعداً. في نفس تلك الفترة، كان حزب الشعب الجزائري الذي ينشط في السرية التامة، قد أصدر أوامره إلى القواعد المناضلة كي تتحرك في اتجاه مقاطعة الانتخابات (٩). حول هذه الفترة من تاريخ الحركة الوطنية نشرت بعض المعلومات المتناقضة في أساسها لكنها وجدت مكانها في كتابات المعاصرين الفرنسيين والجزائريين على حد سواء. فالسيد محفوظ قداش ينقل على سبيل المثال أن

стр. 103

تأسيس الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري إنما جاء نتيجة تخطيط الإدارة الاستعمارية التي "أعدت عشية العفو الشامل عملية واسعة لتقسيم حركة أحباب البيان والحرية إلى كتلتين متعارضتين الأمر الذي جعل حزب الشعب الجزائري يكلف فرقة خاصة يرأسها السيد حسين عسله (١٠) من أجل خرق مصالح الولاية العامة والتصدي لمناورة الإدارة الفرنسية. غير أن هذه الفرقة لم تتمكن من تغيير وجهة نظر عباس ورفاقه" (١١). فمثل هذا الادعاء باطل في أساسه ولايمكن إخضاعه لأي معيار علمي خاصة في الصيغة التي ورد بها، ذلك أن حركة أحباب البيان والحرية قد وقع حلها رسمياً بموجب قرار حكومي يحمل تاريخ ١٤/ ٥/١٩٤٥ وإلى جانب قرار الحل حجبت Egalite وتم حجز سائر أملاك الحركة وسحب الاعتماد من "مدينة الأطفال" التي كانت قد أنشئت لتسوية مشاكل الطفولة المشردة والمتسكعة في شوارع المدن الكبرى خاصة، بعد كل هذا، كيف يمكن الحديث عن تآمر الإدارة الاستعمارية لتقسيم قيادة حركة ليس لها وجود رسمي ولا فعلي لأن المنتخبين ومن كانوا يسمون بالإطارات المعتدلة قد انسحبوا، تلقائياً، على إثر ما اصطلحنا على تسميته بحركة مايو الثورية. ومهما يكن من أمر، فإن عباس ورفاقه قد حصلوا على اعتماد الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وتحت عنوانه وضعوا قوائم المرشحين لانتخابات المجلس التأسيسي الثاني في التاريخ المشار إليه أعلاه. عن مشروع الدستور الجزائري: لقد تعود المؤرخون، عند الكتابة عن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، أن يقولوا عن السيد فرحات عباس وأتباعه أنهم يمثلون التيار البورجوازي الإصلاحي في الجزائر (٢١). ونحن نعتقد في ذلك خلطاً وتمويهاً يتطلبان وقفة جدية فاحصة؛ ذلك أن البورجوازية بمفهومها التاريخي، لم تكن موجودة في الوسط الجزائري بجميع ميولاته السياسية والثقافية، لأن الحديث عنها لايكون إلا في إطار المجتمع الفرنسي الذي يعيش الجزائريون على هامشه في أحسن الحالات. وعلى فرض أن جل الأعضاء القياديين وجزءاً كبيراً من المناضلين يمارسون مهناً حرة أوهم من المتعلمين الذين يشتغلون خاصة بسلك التدريس، فإن ذلك لايعني أنهم اندمجوا في شرائح المجتمع الفرنسي الذي ظل، في أغلبيته

стр. 104

الساحقة، ينظر إليهم نظرته إلى سائر أبناء المستعمرات؛ ولو كانوا بورجوازيين بالفعل، لوجدوا مكانتهم في صفوف الطبقة البورجوازية الفرنسية التي كانت أسسها ثابتة في أوساط المجتمع الفرنسي (١٣). إن المتتبع لمختلف المراحل التي مر بها الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري خلال عشر سنوات من الوجود الفعلي يكتشف بكل سهولة، أن أعضاءه لم يكونوا سوى جزء لايتجزأ من أولئك الذين كانوا يسمون بالأهالي الذين تتحكم فيهم فقط إرادة الكولون والحاكم العام؛ ولأنهم أدركوا ذلك، وعز عليهم أن تتواصل حالة الاضطهاد والتهميش والتبعية، فإنهم سلكوا طريق النضال في سبيل التصدي للهيمنة الاستعمارية ومحاربة النظام الاجتماعي وقوانين العسف والاستبداد المفروضة على الشعب الجزائري بأكمله ومن أجل إقامة جمهورية جزائرية متحدة مع فرنسا بمحض إرادتها، لها ألوانها الوطنية وتسيرها حكومة مستقلة. وهذا الطريق المعبر عنه بكل وضوح خاصة في مشروع الدستور الذي قدم للمجلس التأسيسي الثاني بتاريخ ٩/ ٨/١٩٤٦ لم يتم الوصول إليه هكذا صدفة، بل تطلب الأمر أكثر من عشر سنوات قضاها السيد فرحات عباس في خبرة سائر توجهات الحركة الوطنية وفي محاولة إيجاد ثغرة تمكنه من الوصول إلى إقناع السلطات الاستعمارية بضرورة الاهتمام بمصائر أبناء الشعب الجزائري الذين أثقلت كواهلهم إجراءات الاستغلال والتهميش. وعندما يجرأ الدارس، اليوم، على العودة إلى تلك الفترة والتأمل بموضوعية في مختلف القناعات التي مر بها زعيم الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، فإنه يلحظ أهمية الجهد المبذول ويعترف بأن الطرح الجديد الذي اهتدى إليه عباس وأتباعه إنما هو انتصار كبير بالنسبة للحركة الوطنية وذلك رغم كل ماتضمنه من هنات ومواطن ضعف ورغم مايبدو للمحلل، اليوم، من أنه كان من دون مستوى التضحيات التي قدمها الشعب الجزائري من خلال سلسلة المقاومات التي لم تتوقف أبداً. وكان دخول الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري معركة الانتخابات التشريعية قراراً وجد معارضة لاجدال فيها من طرف حزب الشعب الجزائري ومناضليه الذين رفعوا شعار: من انتخب كفر، ثم راحوا ينعتون كل من خالفهم الرأي بالغدر والخيانة؛ وسوف يشكل ذلك عقبة كأداة في طريق السيد الحاج مصالي عندما يخرج من السجن ويقرر لأسباب متعددة، المشاركة في انتخابات

стр. 105

المجلس الوطني الفرنسي التي كان قد تحدد إجراؤها بتاريخ ١٠/ ١١/١٩٤٦. وإذا كان تأثير حزب الشعب الجزائري قد بلغ أقصى مايمكن أن يبلغه تأثير حزب محظور وملاحق، إذ امتنع عن التصويت حوالي نصف عدد الناخبين من المجموعة الثانية، فإن الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري قد فاز بحصة الأسد بالأصوات المعبر عنها إذ نال أحد عشر مقعداً من جملة ثلاثة عشر كانت هي نصيب الشعب الجزائري بأكمله. ومن ثمة نستطيع القول: إن هاتين التشكيلتين السياسيتين تمثلان، بالفعل، الرأي العام الجزائري حتى ولو أن الإحصائيات تدل على أن الحركة المصالية هي الأكثر تجذراً في أوساط الشعب وأن أعداداً كبيرة من مناضليها لم يلتزموا بأوامر قياداتهم وصوتوا إلى جانب مرشحي الاتحاد. وسواء كان الاختلاف أو الاتفاق بين تلك التشكيلتين الوطنيتين، فإن السيد فرحات عباس ورفاقه النواب قد أحدثوا المفاجأة الكبرى بمشروع الدستور الآنف الذكر (١٤) خاصة وأن الرأي العام الفرنسي قد تعود على سماع "المعتدلين الجزائريين" يدعون إلى تحقيق المساواة وبعض الحقوق الاجتماعية والسياسية. فالمادة الأولى من مشروع القانون تنص على أن فرنسا تعترف بالجمهورية الجزائرية وحكومتها وألوانها الوطنية، وذلك على الرغم من أن المادة الثانية تجعل السياسة الخارجية والدفاع مشتركين مع فرنسا. أما المادتان الثالثة والرابعة فتنصان على أن للجمهورية الجزائرية كامل السيادة على ترابها الوطني وأن هذه السيادة يمارسها النواب الذين تنتخبهم الأمة الجزائرية بواسطة الاقتراع العام والذين يشكلون البرلمان الجزائري. إن مجرد تقديم مثل هذه الوثيقة إلى مكتب المجلس التأسيسي الفرنسي يعتبر انتصاراً ثانياً بالنسبة للحركة الوطنية الجزائرية. وتعد انتصاراً كذلك، استماتة منتخبي الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري في الدفاع عن مشروعهم الذي استبعد، في النهاية، لفائدة مايسمى بالقانون الأساسي الذي تمت المصادقة عليه من طرف البرلمان الفرنسي يوم ٢٠/ ٩/١٩٤٧ والذي سنعود إليه فيما بعد. - الاتحاد والعمل الميداني: إن هذه الوقفة الخاطفة مع مشروع الدستور الجزائري لم تكن لتنسينا الحديث عن بدايات الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري الذي شرع منذ تأسيسه

стр. 106

ينشط على ثلاث جبهات متكاملة هي على التوالي: ١ - جبهة التنظيم الحزبي حيث شرعت القيادة مباشرة إثر الحصول على الاعتماد، في تنصيب الخلايا والقسمات والاتحادات مستثمرة رصيد حركة أحباب البيان والحرية ومستغلة حالة السرية التي كان يمر بها حزب الشعب الجزائري. وفي يوم ١٣ أكتوبر سنة ١٩٤٦ عقد الاتحاد مؤتمراً تحضيرياً (١٥) قيم فيه سير الانتخابات ونتائجها ثم حدد استراتيجية المستقبل على ضوء الأفكار الأساسية الواردة في مشروع الدستور، وعين لجنة مديرة مكونة من السادة: عباس، فرانسيس، طالب، بويجر، وابن خداش. ٢ - الجبهة الأيديولوجية قصد ضبط منظومة الأفكار التي كانت تشكل مشروع المجتمع الجزائري كما كان يتصوره قادة الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري وفي مقدمتهم السيد فرحات عباس. لقد استفاد السيد فرحات عباس من تجربته النضالية الخاصة واقتنع، بعد لأي، أن فكرة دمج الشعب الجزائري في الشعب الفرنسي غير قابلة للتنفيذ لأنها لم تأخذ في الاعتبار واقع الشعبين ولأن الكولون يرفضونها دفاعاً عن مصالحهم الخاصة، ويحاربها الوطنيون الجزائريون لأنها تتنافى مع مقومات الأمة وثوابتها. واستفاد، أيضاً، من تجربة العلماء والمصاليين في مجالي الفكر والنضال، واستطاع، بذكاء فائق، أن يحوصل ناتج التجربتين مركزاً على محاور أساسية هي: أ - تحرير الجزائر من النظام القديم للسيطرة الاستعمارية أي كان نوعها، مع احترام مبدأ الجنسيات، وبتعبير آخر، بناء مستقبل البلاد على أسس الواقع والتاريخ (١٦). ب - إقامة جمهورية جزائرية مستقلة استقلالاً ذاتياً ومتوحدة مع الجمهورية الفرنسية المتجددة، والمناهضة للاستعمار وللامبريالية. وكان يرى السيد فرحات عباس أن ذلك يأتي نتيجة منطقية لتطور التاريخ إذ يقول: "لقد استعمرت الجزائر وهذه حقيقة وفي أوساطنا زرع الاستعمار مليون أوروبي مسيحي وهذه حقيقة ثانية. وتعايش المسلمون والمسيحيون مدة أكثر من قرن وهي حقيقة ثالثة وكل هذه المعطيات هي التي أسست الجمهورية الجزائرية التي فرضت وتفرض نفسها على جميع الملاحظين" (١٧). ج - الدولة الجزائرية يجب أن تكون متعددة المجموعات لأن السيد فرحات

стр. 107

عباس لايرى لزاماً على جميع أبناء الوطن الواحد أن يكونوا على دين واحد، وأن الجزائري المسيحي أو اليهودي يجب أن يكون أخاً للجزائري المسلم بعيداً عن كل عمليات الاستغلال والإقصاء والاستعباد (١٨). د - التعليم الإجباري والمجاني بالنسبة لجميع أطفال الجزائر، والنضال من أجل ترقية اللغة العربية باعتبارها اللغة الوطنية والرسمية ولأنها بالنسبة للإسلام "مثل الكنيسة بالنسبة للمسيحية فالمسجد، يقول السيد فرحات عباس، لايعني شيئاً عندنا ولكن تلاوة القرآن هي كل شيء" (١٩) لأجل ذلك، يرى الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري أن الاهتمام باللغة العربية أساسي لأنه يشكل قاعدة الإيمان. هـ - تخليص الإسلام من الواقع الذي آل إليه بفعل اعتداءات الإدارة الاستعمارية عليه، وهو واقع يصفه السيد Lechatelier مدير مجلة العالم الإسلامي بقوله: "لقد أوجدنا، في الجزائر، إسلاماً وحيداً من نوعه: الأوقاف منعدمة والمساجد خاضعة للإدارة بواسطة أئمة مأجورين، والقضاة موظفون والحج بإذن والقانون عبارة عن نتاج هجين لالتقاء الشريعة الإسلامية بالعرف الفرنسي" (٢٠). و- إلغاء الملكية الإقطاعية والتركيز على إصلاح زراعي واسع لفائدة الخماسين المعدمين من سكان الريف ومما لاريب فيه أن هذه الفكرة مقتبسة مباشرة من البرنامج السياسي الذي كان نجم شمال أفريقيا قد صادق عليه سنة ١٩٣٣، هذا في الظاهر لكن الواقع غير ذلك لأن نصوص الاتحاد الرسمية تؤكد بما لايدع أي مجال للشك أن "الحكومة الجزائرية تضمن الملكية العقارية الإسلامية والفرنسية على حد سواء، ولايمكن أن يلجأ إلى التأميم إلا إذا كان للصالح العام في إطار القانون وبعد تعويض عادل" (٢١). ١ - الجمهورية الجزائرية علمانية، وعلى هذا الأساس فإن موقفها حيادي من جميع الأديان، وهي إذ تضمن حرية العبادة لكل مواطنيها، فإنها تخضع النظر في منازعاتهم إلى المحاكم المدنية التي تطبق القانون الفرنسي. إن هذه النقطة تتناقض مع موقف الاتحاد من الإسلام لكننا نعتقد أنها مستمدة من الرغبة في الالتزام بما جاء في النقطة الثالثة. ٢ - نبذ العنف كوسيلة لتقويض أركان الاستعمار، وحمل فرنسا على تلبية مطلب

стр. 108

الشعب الجزائري كما هو مسطور في نصوص الاتحاد، والاكتفاء، فقط، بالنضال السياسي في إطار ما يسمح به القانون الفرنسي. في هذا الإطار كتب السيد فرحات عباس يوم أول مايو ١٩٤٦: "على الرغم من جرائم الاستعمار وعلى الرغم من تجافي بعض النفوس الكريمة والتي ماتزال مكدورة، وعلى الرغم من الانتفاضات الأخيرة لنظام يحتضر، فإن الجزائر الجديدة، المتحدة بحرية مع فرنسا الجديدة، سوف ترى النور بفضل تضافر جهود الديمقراطيين الفرنسيين والمسلمين" (٢٢). ٣ - جبهة النشاط السياسي وتتميز خاصة بعمل القيادة الحثيث على إعادة الربط مع الشركاء في حركة أحباب البيان والحرية من جهة، وعلى محاولة إقناع الرأي العام الفرنسي بسلامة توجه الحزب الجديد من جهة ثانية. وإذا كانت قيادة الاتحاد لم تجد أدنى صعوبة لاستمالة جمعية العلماء المسلمين الجزائريين خاصة بعد أن تبنت أهم مطالبها وثبتت عدداً من أهدافها في النصوص الأساسية للحزب (٢٣)، فإن الأمر لم يكن كذلك بالنسبة للعلاقة مع حزب الشعب الجزائري وسيلته الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية. وعلى الرغم من أن السيد الحاج مصالي بادر، أثناء أول مهرجان شعبي حضره في باريس مباشرة بعد إطلاق سراحه يوم ١١/ ٨/١٩٤٦ إلى الدعوة للاتحاد حول حزب الشعب الجزائري، فإنه لم يقدم أي اقتراح ملموس للسيدين سعدان وبومنجل اللذين قصداه في نفس المناسبة ملتمسين توضيح الفكرة (٢٤). وكان إحجام السيد مصالي مدفوعاً برغبته في عدم تجاوز موقف القيادة المؤقتة التي كانت تشرف على أجهزة الحزب أثناء غيابه والتي سبق لها أن عابت على السيد فرحات عباس وجماعته عدم التزامهم بمحتوى بيان الشعب الجزائري وبروح النشرة التي صادق عليها مؤتمر مارس سنة ١٩٤٥. لكن الاتحاد لم يقف مكتوف الأيدي أمام ذلك التردد، واغتنم السيد فرحات عباس فرصة انعقاد المؤتمر التأسيسي في نفس اليوم الذي وصل فيه السيد مصالي إلى الجزائر فجعل المؤتمرين يصادقون على نشرة يدعون فيها إلى الاتحاد مع حزب الشعب الجزائري وأخرى يرحبون فيها بعودة الزعيم إلى أرض الوطن ويطالبون بتمكين حزبه من العودة إلى الحياة العلنية في إطار النضال الشرعي (٢٥). وكان من الممكن أن يساعد ذلك المسعى على تقريب وجهات النظر وفتح طريق التعاون من جديد بين الجناحين الرئيسيين في الحركة الوطنية الجزائرية،

стр. 109

لكن الاستقبالات الشعبية التي لاقاها السيد الحاج مصالي حالت دون ذلك بطريقة غير مباشرة إذ جعلت الزعيم يعتقد أن حزبه هو الأقوى وأنه، والحال هذه، ليس في حاجة إلى الاتحاد مع أية قوة سياسية أخرى لربح معركة الانتخابات التشريعية التي كان قد تقرر إجراؤها بتاريخ ١٠/ ١١/١٩٤٦. وعندما يعود الدارس اليوم إلى الحجج الذي تذرع بها حزب الشعب في ذلك الوقت ليفرض عرض الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، فإنه لا يجد لها أساساً سليماً لأن الاختلاف الإيديولوجي الذي قيل، يومها، إنه يحول دون اتحاد التشكيلتين السياسيتين لم يكن مطروحاً بفعل قبول الطرفين المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي. ومعلوم أن مجرد المشاركة في تلك الانتخابات تعتبر اعترافاً بالسيادة الفرنسية على الجزائر. وعلى الرغم من أننا لا نريد مناقشة هذا الموقف ولانرغب في التوقف عند الذرائع التي يستظهر بها كل جانب لتبرير إقدامه على المشاركة في الانتخابات، فإننا لا نرى بداً من التأكيد على أن رفض مصالي عرض عباس لم يكن بدافع إيديولوجي. ولم يكتفِ الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري بتسجيل ذلك الرفض، بل إنه قرر الامتناع عن المشاركة في انتخابات المجلس الوطني الفرنسي ليس لتوجه إيديولوجي ولكن، فقط، ليترك المجال فسيحاً أمام الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية وحتى يتجنب الصراع بين قوتين سياسيتين هدفهما الأساسي هو تحرير الشعب الجزائري. في هذا الصدد كتبت " Egalité" تحت عنوان: "لن يكون هناك تنافس بين مصالي وعباس". إن مصالي ورفاقه قد أبدوا رغبتهم في خوض المعركة دون الاشتراك مع أي حزب سياسي آخر. وقد رأينا أنه ليس من حقنا الاعتراض على هذه التجربة أو الإنقاص منها خاصة وأنها شرعية تماماً ومليئة بالعبر للجميع". (٢٦). أما فيما يتعلق بمحاولة إقناع الرأي العام الفرنسي بسلامة توجه الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، فإن السيد فرحات عباس قد جند لها وسيلتين كانتا، يومها، في منتهى الأهمية وهما: الصحافة ومنبر كل من المجلس التأسيسي ومجلس الجمهورية. ولقد كانت المهمة شاقة وتحتاج إلى كثير من المهارة السياسية والثقافية الواسعة والإيمان الراسخ بالقضية العادلة. وعلى الرغم من ذلك، فإن ممثلي الاتحاد لم يهنوا واستطاعوا، في مناسبات عديدة، أن يقوموا بأكثر مما كان ينتظر منهم. فعلى مستوى الصحافة، وظفت أعمدة اللسان المركزي للحزب من أجل

стр. 110

التعريف بمشروع الدستور الجزائري والدفاع عنه والعمل على تعميمه، فكرة وهدفاً، في أوساط الجماهير الشعبية ولدى الرأي العام الفرنسي بجميع مكوناته، هذا من جهة، ومن جهة ثانية، فإن الأعضاء القياديين كانوا يلجأون إلى علاقاتهم الشخصية قصد النفاذ إلى ميادين الإعلام الفرنسي. وفيما يخص منبر المجلس التأسيسي، فإن الصراع كان مريراً بسبب نشاط غلاة الكولون الذين تمكنوا، بفضل إمكانياتهم المادية، من تعبئة جميع الأوساط السياسية الفرنسية كي تغلق جميع الأبواب في وجه نواب الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري، وأن إطلالة سريعة على فحوى المداولات المنشورة على أعمدة الجريدة الرسمية للجمهورية الفرنسية خلال السداسي الأخير من سنة ١٩٤٦ والسداسي الأول من عام ١٩٤٧، تكفي وحدها للتدليل على ماكان يلقاه عباس ورفاقه من معاناة للتعبير عن آرائهم المجسدة لفكرة الجمهورية الجزائرية المستقلة. فعلى سبيل المثال، فقط، نذكر أن الدكتور سعدان، في جلسة المجلس التأسيسي الثاني المنعقدة بتاريخ ٢٢/ ٠٨/١٩٤٦، قد حاول الحديث مطولاً عن الظاهرة الوطنية في الجزائر لكنه منع من ذلك بواسطة المقاطعات ووسائل الإزعاج المختلفة. وفي اليوم الموالي تدخل رئيس الجمهورية المؤقتة السيد جورج بيدو (٢٧) Georges Bidault وختم مداخلته قائلاً: "إن فرنسا ستبقى في الجزائر، لأنها فرنسا ولأنها إنسانية" (٢٨). وبعد انتخابات المجلس الوطني الفرنسي وما تخللها من عمليات التزييف والتحليل في تفسير القوانين ابتكرت الإدارة الاستعمارية أسلوباً جديداً في التعامل مع الحركة الوطنية التي أصبحت، بالفعل، تحظى بتأييد أغلبية الشعب الجزائري، وقد تميز ذلك الأسلوب بقرار اتخذته وزارة الداخلية يلغي انتخاب أعضاء مجلس الجمهورية بواسطة الاقتراع العام، ويسند تلك المهمة الخطيرة إلى المستشارين في البلديات كاملة الصلاحيات ورؤساء الجماعات في البلديات المختلطة الذين كانوا قد انتخبوا في شهري يوليو وأغسطس (تموز/يوليو/آب/)، سنة ١٩٤٥ (٢٩). وبما أن الحركة من أجل انتصار الحريات الديمقراطية كانت تعرف أن أولئك المنتخبين موالون، في أغلبهم للإدارة الاستعمارية، فإنها فضلت عدم تقديم مرشحين عنها للمجلس الجمهوري، الأمر الذي فسح المجال للسيد فرحات عباس فبادر إلى دخول المعركة وخرج منها منتصراً حيث انتزع حزبه أربعة مقاعد من جملة السبعة المخصصة للمجموعة الثانية. (٣٠).
следующие страницы →