ووزارة واحدة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ووزعت باقي الحقائب على إطارات شابة لم يسبق لها أن تشبعت بواحدة من الأيديولوجيات الوطنية (١).
لهذه الأسباب مجتمعة، فإن برنامج طرابلس قد وضع على الرف وراحت الحكومة تطبق سياسة ارتجالية تخضع في مجملها إلى تطور الأحداث وإلى تأثير المحيط وفي كثير من الأحيان إلى مزاج الرجل الأول في الدولة الذي لم يكن هو الأمين العام لجبهة التحرير الوطني ولكن فقط رئيس الحكومة أحمد بن بلة.
إن برنامج طرابلس ينص بصريح العبارة أن جبهة التحرير الوطني ستظل هي مصدر السلطة الوحيد في البلاد لأنها كلفت من طرف المجلس الوطني للثورة الجزائرية بمواصلة مهمتها التاريخية (٢). لكن المكتب الذي تشكل في تلمسان لم يكن شرعياً، بل أتفقت جميع الأطراف على أن يكون هيئة سياسية وتنفيذية تقوم مقام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في توفير الشروط الموضوعية اللازمة لإجراء الانتخابات التشريعية وتحضير المؤتمر الوطني، وفي أثناء توزيع المهام أسندت الأمانة العامة لجبهة التحرير الوطني إلى السيد محمد خيضر في حين تكفل السيد محمد بوضياف بالعلاقة الخارجية والعقيد محمدي السعيد (٣) بالتربية الوطنية والحاج بن علة بالجيش الوطني الشعبي ورابح بيطاط برئاسة الحزب وأحمد بن بلة بمراقبة الهيئة التنفيذية المؤقتة. أما السيد حسن آيت أحمد، فإنه رفض الالتحاق بالمكتب السياسي.
وعلى الرغم من صعوبة العمل في هذه الظروف، فإنه تم تنصيب اتحادية لجبهة التحرير الوطني في كل واحدة من عمالات الوطن (٤) كما تم تنصيب جميع الدوائر والقسمات في ظروف قصيرة جداً ودون أن يقع الحسم فيما يتعلق بالأولوية والسلطة هل تكونان للهيئات السياسية أم للهيئات التنفيذية، ولقد قاد الخلاف حول هذه المسألة إلى استقالة الأمين العام في شهر ماي سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف (٥).
إن رئيس الحكومة لم يكن يجهل أهمية التنظيم السياسي بل إنه كان يدرك
стр. 457
جيداً أن إقامة الدولة لن يكون متأنياً إلا بوجود حزب قوي بمناضليه المهيكلين والمتواجدين على رأس جميع المناصب الحساسة، وإيمانه بهذه الضرورة هو الذي جعله يقول ذات يوم لوزير الدفاع العقيد هواري بومدين: إنك لن تكون كل شيء بفضل الحزب، ولن تكون شيئاً بدونه (١).
لكن هذه الأداة التي يتوقف عليها مصير الحكم لايجب أن تكون بأيادي أخرى وعليه، فإن الرئيس بن بلة لم يتردد في صنع الظروف التي أدت، بالتدريج، إلى استقالة رئيس جبهة التحرير الوطني وأمينها العام وفي نفس الوقت أسندت مسؤولية المنظمات الوطنية إلى السيد الحاج بن عله الذي تم تعيينه وزيراً للدولة حتى يسهل ابتلاعه.
إن الرغبة في جمع كل السلطات قد حجبت عن الرئيس أحمد بن بلة مخاطر ماكان يقوم به. لقد أدت قراراته الارتجالية إلى إبقاء المكتب السياسي محصوراً في شخصيتين اثنتين (٢) لم يسبق لهما أن مارسا مسؤوليات سياسية ودفعت برفاق النضال والمعتقل إلى المعارضة التي سوف تتخذ أشكالاً متعددة، كما أنها همشت نظام الولايات الذي برهن على فعاليته أثناء المعركة (٣) وجعلت من الإدارة منافساً قوياً رغم أن معظم إطاراتها كانوا من نتاج الترقيات الاستعمارية المختلفة وبالتالي فهم أقرب إلى مصالح الاستعمار منهم إلى المصلحة الوطنية.
ففي مثل هذا الجو المكهرب شرع في تجنيد القواعد النضالية لمناقشة مشروع الدستور الذي أعدته الحكومة والذي يعطي لرئيس الجمهورية جميع السلطات بما في ذلك القيادة العليا للجيش. وكانت أربعة أيام كافية للاثراء ولإجراء جميع التعديلات ثم صادقت الإطارات السياسية على المشروع وقدم للتزكية إلى المجلس الوطني مما أثار سخط مجموعة من النواب وقاد إلى استقالة الرئيس فرحات عباس في مستهل شهر أوت (٤).
وبعد أسبوع من الاستفتاء الذي جرى في اليوم الثامن من شهر سبتمبر، استدعى المواطنون من جديد لانتخاب المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية.
هكذا، إذن، استطاع السيد أحمد بن بلة، في ظرف عام واحد، أن يقضي
стр. 458
على كل خصومه وأن ينفرد للحكم، لكنه في نفس الوقت أحدث حوله فراغاً سياسياً وأيديولوجياً مهولاً وشتت الطاقات الحية في البلاد وأرغمها على اللجوء إلى تشكيل معارضات سياسية وأخرى مسلحة، وبذلك يكون قد تسبب من حيث لايدري في إيقاف قطار الثورة وأرسى قواعد الفوضى والاضطراب في الجزائر وفتح فيها الأبواب للانقلابات تتواصل متشابهة إلى أن وقع إجهاض الثورة في اليوم الخامس من شهر أكتوبر سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وألف.
وكان الحزب الشيوعي الجزائري هو المستفيد الوحيد من كل هذه الأوضاع إذ تمكن، رغم عدم الانصهار في الثورة طيلة فترة الكفاح المسلح ورغم معارضته الشديدة لمنطلقاتها الأيديولوجية، أن يظل محتفظاً بوجوده طبقاً لتوجيهات لينين (١). وأن يعود للنشاط العلني كقوة دافعة تقف إلى جانب الرئيس أحمد بن بلة. وحتى عندما منع في اليوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف عن الظهور ولم تتعرض إطاراته لأية ملاحقة أو مكروه، وهو الأمر الذي جعل أمينه العام السيد العربي بوهالي يصرح بأنه لايوجد أي نص رسمي فيما يتعلق بحله أو بمنعه من مواصلة تحركاته السياسية.
لقد كان الحزب الشيوعي الجزائري يدفع إلى التعفن في الجزائر كما صرح بذلك السيد آيت أحمد عندما لاحظ في شهر أكتوبر (٢) أن مواقفه من المعارضة مزدوجة وغير واضحة، وبالفعل، فإنه كان يعلن عن مساندته لجبهة التحرير الوطني وفي نفس الوقت يَعِدْ، سراً، بالوقوف إلى جانب القوات المعارضة لها والعاملة على تغيير نظام الحكم.
وكانت أهم القوات المعارضة وأخطرها متجمعة حول اثنين ويدعو إلى إقامة نظام ديمقراطي وثوري في الجزائر، وكلاهما، أيضاً، عين لعضوية المكتب السياسي.
أما الرفيق الأول فهو السيد محمد بوضياف الذي كان من المفروض أن يشرف على العلاقات الخارجية ضمن تشكيلة المكتب السياسي لكنه لم يلبث أن قدم استقالته وأعلن غداة انتخاب المجلس التأسيسي عن ميلاد حزب الثورة الاشتراكية معللاً إقدامه على ذلك بانتشار الفوضى وانعدام الأمن وإفلاس جبهة التحرير الوطني التي لايمكن أن تكون حزباً ثورياً بسبب تركيبتها البشرية
стр. 459
ونتيجة تحالفها مع الرأسمالية العالمية (١).
لقد ذكر مؤسسوا حزب يناضل من أجل القضاء على استغلال الإنسان ابن بلة مجانب للديمقراطية والشعبية والاشتراكية في آن واحد، ودعا إلى التنكر لاتفاقيات إيفيان باعتبارها مجهضة للثورة الجزائرية. وقد قابل رئيس الحكومة نشر هذا المشروع باعتقال السيد محمد بوضياف في اليوم السادس من شهر جوان ١٩٦٣ ومعه مجموعة من الإطارات السياسية.
وأما الرفيق الثاني فهو السيد آيت أحمد الذي رفض عضوية المكتب السياسي من البداية لكنه قبل المشاركة في أعمال المجلس التأسيسي، وفي إطار هذا الأخير أعرب عن استنكاره للاعتقال المذكور أعلاه وقرر الانسحاب إلى عين الحمام (٢) مسقط رأسه استعداداً للمرحلة المقبلة التي استهلها في اليوم التاسع والعشرين من شهر أوت سنة ١٩٦٣ بالإعلان عن ميلاد جبهة القوى الاشتراكية التي قررت حمل السلاح لإسقاط النظام القائم وبذلك اندلعت حرب أهلية فيما يسمى بمنطقة القبائل، ولم تتوقف إلا بعد إلقاء القبض على آيت أحمد في اليوم الثامن عشر من شهر أكتوبر.
وعلى عكس هاتين التشكيلتين السياسيتين، فإن الحزب الشيوعي الجزائري قد أعلن عن وقوفه إلى جانب الحكومة لكنه ظل متمسكاً بآرائه واستقلاليته ومن الغريب في الأمر أن كل من هذه الأطراف الأربعة يدعي لنفسه الثورية هذه التشكيلات لم تكن سوى منابر مستعملة لأغراض شخصية وبقصد الوصول إلى الحكم أو المحافظة عليه. ولو لم تكن كذلك لاستطاعت أن تجد أرضية للتفاهم فيما بينها من أجل إقامة جبهة وطنية تتضافر جهودها لتجسيد ما يمكن من تحسين برنامج طرابلس على أرض الواقع في انتظار المؤتمر الوطني الذي من حقه التعديل والتغيير.
ولأن الصراع لم يكن سياسياً ولا أيديولوجياً، فإن الشعب ظل ينظر إليه من بعيد، ووظفت الحكومة قوات الجيش الوطني الشعبي، فظهرت جبال القبائل من مراكز التمرد وقررت منع جميع الأحزاب من النشاط، معتمدة على قرارات طرابلس الأخيرة ولكون "الاشتراكية التي تعني انصهار جميع الفئات الاجتماعية في واحدة، تتطلب الحزب الواحد كأداة، وإذا كان هناك معارضون فيكون عليهم
стр. 460
أن يتحركوا في إطار ذلك الحزب، والمطالبة بالتعددية الحزبية جزء من عقلية البرجوازية الليبرالية".
الانزلاق نحو الحكم الفردي:
إن القيادة الجماعية مبدأ في التسيير يحتل مكانة رئيسية في أيديولوجية الحركة الوطنية، ولقد أدى عدم احترامه والتهاون في تطبيقه إلى تمرد اللجنة المركزية لحركة الانتصار والحريات الديمقراطية على زعيم الحركة السيد مصالي الحاج وإلى انقسام جبهة التحرير الوطني.
وإذا كانت جبهة التحرير الوطني قد أحرزت على مجموعة الانتصارات قادت بالتدريج إلى تحقيق الأهداف المسطورة في بيان أول نوفمبر، فلأن القيادة المختلفة قد وقعت في أزمة ووجدت نفسها مضطرة لأن تقدم تضحيات جساماً من أجل تجاوزها (١). إن الزعماء الخمسة لم يستفيدوا من هذه التجربة، ربما لبقائهم مدة طويلة في المعتقل بعيداً عن ممارسة المسؤولية على أرض الواقع وتحت تأثير الإشهار الإعلامي الغربي الذي لم يتأخر عن استعمال شتى الوسائل لتغذية روح الانقسام بينهم. وفي تلك الصائفة من سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف، ضاعفت وسائل الإعلام المذكورة حملاتها المسمومة التي قادت شيئاً فشيئاً، إلى توسيع الهوة بين الأشقاء الذين أصبح كل واحد منهم يبحث عن أنصار يستعين بهم ضد الآخرين حتى ولو كان أولئك الأنصار من بين أعداء الأمس وطلقاء اليوم.
فالتخلي عن مبدأ القيادة الجماعية هو الذي دفع ابن بلة إلى العمل من أجل الانفراد بالمكتب السياسي، وجعل محمد بوضياف يؤسس حزب الثورة الاشتراكية وآيت أحمد يتزعم واحداً من أخطر التمردات المسلحة في الجزائر، وحتم على فرحات عباس الاستقالة من رئاسة المجلس الوطني التأسيسي وأخطر من كل ذلك شتت أفضل الطاقات الحية في البلاد والمتمثلة في إطارات وجنود جيش التحرير الوطني الذين لم يغادروا ولاياتهم طيلة فترة الكفاح المسلح معبرين بذلك عن إخلاصهم للوطن وتفانيهم في الدفاع عنه.
لأجل كل ذلك، فإن انتصار الحكومة برئاسة السيد بن بلة، كان في الواقع،
стр. 461
هزيمة بالنسبة لجبهة التحرير الوطني وللجزائر بصفة عامة، وتتمثل هذه الهزيمة، بالإضافة إلى ماذكرنا أعلاه، في تمكين الإطارات المتشبعة بالفكر الماركسي والبعيدة كل البعد عن واقع الشعب، من اختراق الصفوف والارتقاء إلى مناصب الحل والربط في سائر قطاعات الدولة الجزائرية الفتية، ومع تمكن تلك الإطارات ظهرت قوات سياسية جديدة لاعلاقة لها بأيديولوجية الثورة وهي نفس القوات التي سوف تستولي بالتدريج على زمام السلطة في البلاد.
وهناك وجه آخر للهزيمة التي منيت بها جبهة التحرير الوطني ويتمثل في فتح الأبواب واسعة للانقلابات العسكرية التي سوف تتواصل في جزائر ما بعد إجهاض الثورة. وفي الحقيقة، فإن الإطاحة بالحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية لايوجد له اسم آخر غير الانقلاب العسكري، لأن القيادة العليا الشرعية التي هي المجلس الوطني للثورة الجزائرية لم يسمح لها بالاجتماع للنظر في شأنها قانونياً.
هكذا، إذن، فإن الحكومة المنبثقة عن المجلس الوطني التأسيسي المنتخب في اليوم العشرين من شهر سبتمبر سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف، لايمكن أن نقول عنها أنها حكومة جبهة التحرير الوطني ولايمكن أن تحظى بتأييد المناضلين الحقيقيين الذين يرفضون الصراعات والانقسامات من أجل السلطة. ولأنها لم تكن حكومة جبهة التحرير الوطني، فإنها وضعت برنامج طرابلس على الرفوف وأدارت الظهر لنصوص الثورة الأساسية ثم راحت ترتجل البرامج المتناقضة وتقضي جل الوقت في سد الثغرات ومغازلة المشاكل العويصة التي تكمن حلولها في وحدة الصف وفي الالتزام بأيديولوجية أثبتت، على الميدان، نجاعتها وجدواها.
ومن سوء حظ الجزائر أن هذه الحكومة هي التي استطاعت أن تستولي على السلطة بعد أن ألغت كل من حاول معارضة سياستها. ولم يكن الإلغاء مقصوراً على الشخصيات والتشكيلات السياسية، بل تعداها إلى المنظمات الوطنية التي صيغت، بمختلف الوسائل، من جميع العناصر التي أبدت بطريقة أو بأخرى، مناهضتها لسلوكيات ابن بلة وتصرفاته.
ومن جديد، أقيمت المحتشدات في الجنوب الجزائري لاستقبال المخلصين من أبناء الشعب، وفتحت السجون أبوابها لإيواء المئات من المناضلات والمناضلين، وعادت عمليات القمع والتعذيب ضد الوطنيين بواسطة نفس الجلادين الذين كانوا يعملون في إطار الأجهزة الاستعمارية. ولم يكن ذلك
стр. 462
غريباً، لأن الحكومة الجزائرية أسندت مهمة تكوين ضباط شرطتها لقيادة الشرطة الفرنسية كما أنها في اليوم السادس والعشرين من شهر سبتمبر، أي مباشرة بعد تشكيلها، طلبت من الجنرال الفرنسي قائد الجندرمة أن يسرح جميع الضباط وصف الضباط الجزائريين ليشكلوا النواة الأولى لسلك الدرك الوطني في الجزائر، ثم التمست منه اتخاذ الإجراءات اللازمة لتكوين أعداد كبيرة من الدرك الجزائريين.
وإذا أضفنا إلى تنظيم الشرطة وتكوين ضباطها وإنشاء سلك الدرك الوطني من أوله إلى آخره، واستقدام مجموعة من الضباط السامين في الجيش الفرنسي لاستكمال تكوين ضباط الجيش الوطني الشعبي ومباركة الرئيس أحمد بن بلة لكل ذلك، أصبح جلياً أن الجزائر قد تخلت نهائياً عن خطها الثوري الذي يدعو إلى ضرورة قطع جميع العلاقات مع المستعمر السابق (١)، وصارت تطبق سياسة الاستعمار الجديد التي ترمي إلى إسناد المناصب الأساسية في الدولة إلى إطارات كونتهم المدرسة الاستعمارية من أجل الحفاظ على مصلحة فرنسا.
ففي هذه الأجواء المشحونة بالضغائن والأحقاد والمليئة بالتناقضات ومختلف أنواع اللامعقول، والمتميزة بالفوضى وانعدام الأمن والاستقرار، أعطت الإشارة الخضراء لتكوين اللجنة الوطنية لتحضير المؤتمر الأول لجهة التحرير الوطني، وأطلقت نفس الأيادي الماركسية تعبث من جديد بالنصوص الأساسية للثورة.
ومرة أخرى تكونت لجنة صياغة مشروع المجتمع تحت إشراف أهم العناصر الماركسية التي كانت هي أساس الانحرافات الأيديولوجية الأولى. ورغم مقاومة العناصر الوطنية، صادق المؤتمر الذي أنهى أشغاله في اليوم الواحد والعشرين من شهر أبريل سنة أَربع وستين وتسعمائة وألف على ميثاق الجزائر الذي اعتبر تعميقاً لبرنامج طرابلس ومرجعاً أيديولوجياً وحيداً للثورة الجزائرية.
إن المؤتمرين الذين دامت أشغالهم ستة أيام قد حللوا أوضاع البلاد التاريخية والسياسية والاقتصادية والثقافية، ثم صادقوا على عدد من المقررات: تحويل جبهة التحرير الوطني إلى حزب طلائعي في الحكم يسير وفقاً لمبدأ
стр. 463
المركزية الديمقراطية ويهدف إلى بناء الدولة الاشتراكية في الجزائر، وينتهج سياسة عدم الانحياز ويعمل على تدعيم القضايا العادلة ومساندة حركات الشعوب المناضلة في العالم أجمع.
إن تحويل جبهة التحرير إلى حزب طلائعي في مثل هذه الظروف يُعّد انقلاباً سياسياً لامبرر له، خاصة وأن الحزب لايمكن أن يكون في الحكم بإدارة موروثة عن الاستعمار وإطارات مسيِّرين مكوِّنين وفقاً لبرامج استعمارية وبواسطة مكونين لاعلاقة لهم بالأيديولوجية الثورية، وحتى العناصر التي تكونت في صفوف جبهة التحرير الوطني فإنها، في معظمها كي لانقول في مجملها، ترفض بناء الدولة الاشتراكية لأنها لم تنته بعد من إقامة الدولة الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية التي حددها بيان أول نوفمبر كهدف رئيسي.
فالحزب الطلائعي بدون إمكانيات بشرية يظل حبراً على ورق بل يتحول بالتدريج، إلى مجرد جهاز يوظف لخدمة الأغراض الشخصية ولمنع الشرائح الوطنية في المجتمع من التصدي بحزم وجد للقوات المناهضة للثورة.
قراءة فاحصة لميثاق الجزائر:
وعندما نعود، اليوم، إلى ميثاق الجزائر، نلاحظ بكل سهولة أنه مليء بالمغالطات التاريخية والتناقضات السياسية والطموحات اللامشروعة، غير أن كل ذلك لايعني أنه خال من بعض التحاليل الصحيحة والمقررات الموضوعية التي تأخذ في الاعتبار الإمكانيات الحقيقية من أجل تغيير الواقع.
فالجزائر بلد إسلامي، هذه حقيقة تضمنتها كل الوثائق الأساسية لجميع الأيديولوجيات الوطنية. لكن الذي يشكل مغالطة تاريخية هو تأكيد ميثاق الجزائر على أن الجماهير الجزائرية كانت عميقة الإيمان وأنها "قاومت بصلابة لتخليص الإسلام من كل الشوائب والخرافات التي شوهته أو خنقته، كما أنها لم تناهض الدجالين الذين كانوا يريدون أن يجعلوا منه مذهباً للخشوع والتوكل، وتسعى لربطه بإرادتها في إنهاء استغلال الإنسان للإنسان" (١) والواقع، أن الذي قام بهذا الدور هم العلماء سواء كأفراد منذ أن وضعت الحرب الامبريالية
стр. 464
الأولى أوزارها أو كتنظيم بعد أن تأسست جمعية العلماء المسلمين الجزائريين في اليوم الخامس من شهر ماي سنة واحد وثلاثين وتسعمائة وألف. ولم يكن ذلك بالأمر الخفي على الذين صاغوا الميثاق، لكنهم كتبوا بعواطفهم فضيعوا على البلاد فرصة ثمينة كان يمكن أن تكون منطلقاً لتحقيق مصالحة وطنية جديدة تعيد الثقة إلى شريحة واسعة من المجتمع الجزائري في تلك الظروف التي كان أحوج ما يكون فيها إلى وحدة وتجاوز الحزازات السياسية.
فالاعتراف بدور العلماء في تخليص الإسلام من الشوائب التي علقت به وفي تحرير الإنسان الجزائري من المعتقدات الفاسدة كان من شأنه أن يقود إلى تقييم الإصلاح الديني في الجزائر وهو إصلاح يختلف كلية عن الإصلاح الديني في المشرق العربي وفي العالم الإسلامي عامة، وبعد التقييم الموضوعي، كان لإيديولوجية جبهة التحرير الوطني أن تخصص مكانة مرموقة للجانب الروحي الذي يستحيل بدونه التوصل إلى تعبئة جماهير الشعب الجزائري. لكن ميثاق الجزائر تعمد عدم الاعتراف بأهمية ذلك الدور، وراح ينسبه، تعسفاً، لغير أصحابه حتى يهمش الإسلام ويمنع الفكر الإسلامي من الانتشار في جميع الأوساط المؤثرة في عمليات البناء والتشييد، وبذلك تعطى الغلبة للنظام الاشتراكي في بناء الدولة (١).
ولقد أخطأ ميثاق الجزائر في تقديره، لأن تحييد العلماء وتهميش دورهم في إطار منظم، قد جعلهم يجنحون، شيئاً فشيئاً، إلى العمل السري دفاعاً عن العقيدة وحماية لها من الاعتداءات التي تريد محاصرتها في المسجد وإبقائها مقصورة على العلاقة بين الإنسان وربه كما هو الأمر بالنسبة للديانات الأخرى، ووفاء لأرواح الشهداء الذين ضحوا بأنفسهم من أجل إقامة الدولة الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية (٢).
والمغالطة التاريخية الثانية تتمثل بأن الكفاح من أجل انتصار المبادئ الديمقراطية قد تغلغل في أوساط الجماهير الشعبية وحفز عملها وحدد سلوكها وآفاقها (٣). وفي الحقيقة، فإن اندلاع الثورة من نوفمبر إنما كان من أجل
стр. 465
التحرير الوطني الذي يشمل تحرير الإنسان وهو أكثر قيمة من انتصار المبادئ الديمقراطية التي أراد ميثاق الجزائر أن يجعلها منطلقاً أساسياً لبناء الدولة الاشتراكية.
إن جبهة التحرير الوطني لم تقرر الكفاح من أجل انتصار المبادئ الديمقراطية ولكنها أعلنت عن ميلاد حركة جهادية دعت إليها جماهير الشعب من أجل استرجاع السيادة الوطنية المغتصبة، وعلى هذا الأساس يجب على الدارس أن يتوقف عند الملاحظات التالية:
١ - إن جماهير الشعب التي وجه إليها النداء لم تتجاوب معه في اللحظات الأولى، بل كان لابد من مرور وقت يتفاوت من حيث الطول بين منطقة وأخرى وحسب وعي الفئات الاجتماعية المختلفة (١). وهناك شرائح واسعة من الشعب الجزائري قد ظلت موالية للنظام الاستعماري وتتعامل معه بكل ثقة إلى أن تأكد من عجزه عن حمايتها ولاحظت أنه اعترف لجبهة
التحرير الوطني بحق تقرير المصير على أساس الاستقلال الوطني. إن هذه الشرائح الواسعة جزء من الجماهير الشعبية ولايمكن أن نقول أن المبادئ الديمقراطية قد تغلغلت إلى أوساطها أثناء فترة الكفاح المسلح وإلا أصبح الاستعمار هو داعية الحرية والديمقراطية.
٢ - إن الكفاح من أجل انتصار المبادئ الديمقراطية لايكون إلا بعد استرجاع الاستقلال الوطني ولذلك فإن جبهة التحرير الوطني لم تجعله من أهدافها الرئيسية أثناء فترة الكفاح المسلح خاصة وأن متطلبات الحرب كثيراً ماتتناقض مع الممارسة الديمقراطية.
٣ - لقد كانت السيادة الوطنية المغتصبة مبنية على مجموعة من الثوابت أهمها الإسلام ولغة القرآن.
وأن الكفاح من أجل استرجاعها يعني بالدرجة الأولى السعي بجميع الوسائل لإعادة تأهيل تلك الثوابت التي عملت السلطات الاستعمارية على تشويهها أو إلغائها تماماً كما كان الأمر للغة العربية، وبدلاً من أن يهتم ميثاق الجزائر بدين الجزائريين ولغتهم باعتبارهما أفضل وسيلة لتكوين الإنسان، فإنه انطلق من النظرة الماركسية للديانات السماوية وراح يخطط لتهميش الإسلام، ولعزل اللغة العربية عن ميادين الإدارة والعلم والتكنولوجيا.
стр. 466
٤ - إن ميثاق الجزائر لم يزد عن تقليد الحلول النظرية التي أوجدتها الثورة الروسية لمشاكل المجتمع السوفياتي. ولو أن المشرفين على الصياغة لم يكونوا متشبعين بالفكر الماركسي دون غيره، لانطلقوا، في تحليلاتهم، من الفكر السياسي الإسلامي ومن الواقع الجديد الذي أحدثته الثورة في الجزائر ثم أوجدوا نظاماً للحكم مستقلاً ومتطابقاً مع المنطلقات الأيديولوجية لجبهة التحرير الوطني.
أما المغالطة التاريخية الثالثة فتتعلق بمجموعة من التفسيرات للمراحل التي قطعتها ثورة نوفمبر منذ اندلاعها. وهذه التفسيرات تبدأ من برنامج طرابلس الذي أشار إلى أن وعي الجماهير قد جعل الثورة تتحول من ديمقراطية اجتماعية إلى ديمقراطية شعبية وأن هذه الأخيرة عبارة عن تشييد واع للبلاد في إطار المبادئ الاشتراكية (١).
إن برنامج طرابلس، إذن جعل المبادئ الاشتراكية تحل محل المبادئ الإسلامية، ولقد فعل ذلك خلسة ولم يطلب رأي الجماهير الشعبية التي ما كانت لتوافق لو استشيرت. ثم جاء ميثاق الجزائر ليؤكد أن "الكفاح من أجل تدعيم الاستقلال والكفاح من أجل انتصار الخيار الاشتراكي لا انفصام بينهما، والفصل بينهما يعد تذويباً للدور القيادي لجماهير العمال والفلاحين (٢).
فبهذه الكيفية تجاهل ميثاق الجزائر المكانة التي مافتئ الإسلام يحتلها في مسيرة الجزائر التاريخية، وكذلك الدور الحاسم الذي أداه في تشكيل الشخصية الوطنية أولاً، وصيانتها ضد محاولات المسخ والتشويه ثانياً، وتمكينها في نهاية المطاف من أن تتحرك من جديد لتقويض الأركان الاستعمارية وتؤكد الهوية الوطنية وتطلق العنان لثورة أصيلة إسلامية الروح عربية اللسان وإنسانية المسعى.
إن الربط بين الكفاح من أجل تدعيم الاستقلال والكفاح من أجل انتصار التيار الاشتراكي عمل نظري ينطلق من دوغمائية عميقة ولا يأخذ في الاعتبار بعدين أساسيين لابد منهما لكل حركة تريد أن تصل إلى مداها دون انحراف ولاجمود، وهما بعد الاستمرارية وبعد التجديد والإبداع.
وإذا كانت الاستمرارية تعني المحافظة على خيوط التواصل التي ظلت تنظم مسيرة الشعب الجزائري، فإن التجديد والإبداع يعطيان للمسؤول والمناضل قدرة التحلي بالمرونة اللازمة لتكييف عملية الانتقال من المجال النظري إلى
стр. 467
دائرة الفعل حسب الظروف والإمكانيات التي تتحكم في تشكيل الواقع.
ومغالطة تاريخية رابعة وتتمثل في اعتبار أن البؤس المدقع الذي كانت تعيش فيه الأغلبية الساحقة من الفلاحين والعمال كافة لجعل هذه الأخيرة "تناضل من أجل تحويل المجتمع تحويلاً جذرياً" (١) في اتجاه البناء الاشتراكي. ولو كان هذا الادعاء صحيحاً لما انتظرت الجزائر سنة أربع وخمسين لإشعال فتيل الثورة ولما لاقت في فترتها الأولى تلك الصعوبات الكبيرة في جعل جماهير الشعب تقبل فكرة التغيير وتساهم بأشكال مختلفة في الكفاح المسلح.
ويزعم ميثاق الجزائر، أيضاً، أن التسيير الذاتي الذي لجأت إليه الثورة الجزائرية في العام الأول بعد استرجاع الاستقلال هو تعبير عن إرادة الفئات الكادحة في البلاد في الصعود إلى المسرح السياسي الاقتصادي وفي أن تتشكل كقوة قيادية. وهذا التعبير يدل، مرة أخرى، على أن الذين تولوا صياغة ميثاق
الجزائر لم يكونوا يعرفون الواقع الجزائري، لأن التسيير الذاتي في الواقع لم يكن نتيجة تخطيط مدروس، ولكنه فرض على السلطات الجزائرية الفتية بسبب رحيل الجالية الأوربية التي كانت تمتلك وسائل الانتاج وفي مقدمتها المساحات الشاسعة من الأراضي الخصبة، ولكي لاتبقى تلك الوسائل مهملة، وحتى تتم عمليات الحرث والبذر في خريف تلك السنة والتي أعطيت الإشارة الخضراء إلى الفلاحين والعمال فانتظموا في لجان للتسيير الذاتي ثم جاءت قرارات مارس ثلاث وستين وتسعمائة وألف لتجعل من المبادرة إجراءات رسمية (٢).
إن لجان التسيير الذاتي لم تكن، كما توهم المنظرون الماركسيون، استمرارية للثورة ولا واحدة من الخاصيات الرئيسية للانفتاح نحو الاشتراكية، لكنها كانت حتمية وكانت من البداية مبنية على أسس غير سليمة لأن تركيبتها البشرية لم تكن لتساعد على تحويله إلى أداة ثورية، ذلك أن أعضاء لجان التسيير لم يكونوا سوى نفس العمال والفلاحين الذي ظلوا في معظمهم أوفياء للكلون الذين كانوا يستغلون الجزائر، إذا كانت جبهة التحرير الوطني، لم تتمكن، طيلة سنوات الكفاح المسلح، من فصلهم نهائياً عن مستغليهم ومؤيدي السيطرة الأجنبية في بلادهم، فإن من المستحيل على قرارات مارس المرتجلة أن تحولهم إلى قوة قيادية.
وإلى جانب هذه المغالطات التاريخية وغيرها هناك التناقضات السياسية
стр. 468
التي لم تتفطن إليها لجنة صياغة ميثاق الجزائر والتي سوف تكون هي أساس جزء من الانحرافات التي وقعت فيه أيديولوجية جبهة التحرير الوطني والتي شكلت بالتدريج، واحداً من العراقيل الرئيسية التي منعت الثورة من التقدم في انتظار إجهاضها. ومن جملة هذه التناقضات ما يلي:
١ - إن ميثاق الجزائر، عندما يتحدث عن بنية المجتمع واتجاهه، يذكر أن "نواة برجوازية أكثر أهمية قد تشكلت في نهاية مائة وثلاثين سنة من الاستعمار، من كبار التجار وبالأخص من كبار ومتوسطي ملاك الأراضي، ولم تكن الفئات البرجوازية بمعناها الحقيقي تتجاوز ٢.٥% من عدد السكان العاملين (١) ويرى أن هذه البرجوازية كانت مؤثرة في الميدان الاقتصادي" وكان لها نفوذ أيديولوجي وثقافي وسياسي في أوساط العمال والفلاحين (٢).
إن هذا الكلام يتناقض في جوهره مع ماورد في الباب الخاص بالأسس الإيديولوجية للثورة الجزائرية والذي جاء فيه "إن الكفاح من أجل انتصار المبادئ الديمقراطية قد تغلغل بين الجماهير وحفز عملها وحدد سلوكها وآفاقها ومن خلال المقاومة المسلحة ضد الامبريالية الفرنسية أصبحت الجماهير واعية بقوتها وقدرتها على حل مشاكلها بنفسها (٣). فإذا كان الأمر قد وصل فعلاً إلى هذا الحد، فإن تأثير البرجوازية غير ذي بال خاصة وأن التحليل يتعلق بفترة زمنية واحدة هي نهاية النظام الاستعماري.
٢ - إن ميثاق الجزائر يؤكد على ضرورة إبراز الديمقراطية الاشتراكية بواسطة الإدارة الفعالة التي تراقبها الجماهير، وفي نفس الوقت يعترف أن الدولة الجزائرية "احتفظت بالهياكل الإدارية التي أقامها الاستعمار من أجل تأطير اقتصاد ليبرالي تترك فيه الوظيفة الاقتصادية لمالكي وسائل الإنتاج والمقاولين ومثقفي المهن الحرة (٤).
وإذا كان ميثاق الجزائر يعترف للبرجوازية، على ضآلة نسبتها، بتأثيرها البالغ أيديولوجياً وسياسياً وثقافياً في أوساط الجماهير الشعبية، فكيف يمكن التصديق بأن هذه الأخيرة سوف تتمكن من مراقبة الإدارة التي أنشئت في أساسها لتكوين أداة مناهضة للسياسة الاشتراكية.
стр. 469
٣ - يرى ميثاق الجزائر أن إبراز الديمقراطية الاشتراكية يكون، كذلك "بواسطة هيئات شعبية حميمية تسيّر بلديات ديمقراطية (١). لكن هذه الهيئات الشعبية مدعوة، لتأدية دورها، إلى استعمال البيروقراطية الإدارية التي تشكل أكبر حكر على التكور الاشتراكي والديمقراطي للثورة (٢) وذلك بوصفها قوة اجتماعية سهر الاستعمار على تكوينها لتأييد سيطرته وللقيام بدور اقتصادي يتلاءم فقط مع مصالحه.
٤ - يؤكد ميثاق الجزائر أن "الجماهير الكادحة في المدن والأرياف قادرة على قهر الصعوبات الناشئة على مقاومة وتخريب القوى المناهضة للاشتراكية (٣). ومما لاشك فيه أن هذا التأكيد يعبر عن مدى الوعي الذي تتحلى به تلك الجماهير لتكون في مستوى المهمة المسطورة لها. لكن الميثاق يذكر في نفس الصفحة "أن الكفاح من أجل انتصار الاشتراكية لايجري بطريقة منسجمة وأن
التناقضات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية ناجمة عن المستوى المنخفض للقوى الإنتاجية وتأخر الوعي الاجتماعي للعمال والتشويهات البيروقراطية لجهاز الدولة وضعف تمركز النقابات والحزب (٤). فكيف يمكن للجماهير الكادحة أن تقهر الصعوبات وهي تعاني من تأخر الوعي الاجتماعي ومن التشويهات البيروقراطية التي يقوم بها جهاز الدولة.
٥ - إن ميثاق الجزائر يجعل في مرتبة واحدة الحزب والحكم الثوري في الجزائر، وإذا كان الحزب معرفاً بواسطة نظامه الداخلي وقانونه الأساسي ومن خلال مشروع المجتمع الذي يعمل على تجسيده على أرض الواقع، فإن الميثاق اكتفى بالنسبة للحكم الثوري بقوله: "إنه المدافع عن مصالح الفئات الكادحة المشكلة لقواعده الاجتماعية، ولذلك فهو لابد أن يصطدم بالفئات ذات الامتيازات التي تضم من جهة، أولئك الذين يملكون وسائل الإنتاج ومن جهة ثانية البرجوازية البيروقراطية (٥).
فإذا كانت الفئات الكادحة هي القواعد الاجتماعية للحكم الثوري، فما هي القواعد الاجتماعية لحزب جبهة التحرير الوطني الذي تنص المادة الثانية من نظامه الداخلي على أنه "يستمد قوته من الجماهير الفلاحية، والجماهير العاملة
стр. 470
ومن المادة الثانية من نظامه الداخلي على قائد الشعب في المعركة من أجل الاستقلال التام والاشتراكية والديمقراطية ومن أجل السلم الذي هو مربوط بمقتضيات تحرير الشعوب (١).
وبالإضافة إلى هذه المغالطات التاريخية والتناقضات السياسية، فإن ميثاق الجزائر قد عبر عن طموحات غير مشروعة لأنها طموحات لجنة صياغته لاغير. ولأنه يدعو، لتحقيقها إلى اعتماد أداة لم يوفق في تعريفها بالوضوح اللازم.
أما عن الطموحات اللامشروعة فإن الميثاق يذكر أن الشعب الجزائري "وجد نفسه، قبيل الاستقلال وبعد حرب تحريرية طويلة، مدعواً إلى اختيار النظام الأنسب لخصائصه من أجل تنظيم حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. وبما أن ثورتنا كانت، منذ ميلادها، ديمقراطية وشعبية بأوسع معاني الكلمة، فإن الجماهير الكادحة قد فتحت الطريق الموصلة إلى بناء مجتمع قائم على المبادئ
الاشتراكية (٢). فإن هذا المؤتمر الأول للحزب "يجب أن يكون أول نوفمبر جديد، أول نوفمبر الاشتراكية (٣).
كل هذه التنصيصات غير صحيحة، لأن الشعب لم يشترك في عملية اختيار النظام الأنسب لتنظيم حياته الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، ولأن إقرار الثورة الاشتراكية لم ينطلق من تحليل معمق للواقع الذي كان عليه الشعب الجزائري، ولا من تقييم موضوعي لمختلف المراحل التي قطعتها ثورة أول نوفمبر.
وأما عن الأداة التي لابد منها لانتصار الثورة الاشتراكية في الجزائر، فإن ميثاق الجزائر يحصرها في حزب جبهة التحرير الوطني الذي ينبغي أن يكون طلائعياً ومن تركيبة اجتماعية قوامها الفلاحون والعمال والمثقفون الثوريون.
وإذا كان هناك اختلاف في التسمية بين الحزب في برنامج طرابلس وفي ميثاق الجزائر، إذ الأول جماهيري والثاني طلائعي، فإن التركيبة الاجتماعية لم تتغير وفي ذلك أكبر دليل على عدم جدية المنظرين، وسوف نرى أن عدم الحسم في مثل هذه الموضوعات الهامة هو الذي سيمنع حزب جبهة التحرير الوطني من تأدية دوره على الوجه الأكمل وهو الذي سيؤدي به إلى التحول
стр. 471
شيئاً فشيئاً إلى جهاز إداري تابع للإدارة في أحسن الحالات.
وبعد اختتام المؤتمر الأول للحزب ودراسة مختلف اللوائح والمقررات الصادرة عنه، يحق لنا القول: إن الأيديولوجية لجبهة التحرير الوطني قد جمدت عملياً غداة استرجاع البلاد سيادتها الوطنية، وأن الجزائر قد انطلقت، في جمع عملية البناء، بأيديولوجية جديدة هي، نظرياً، الأيديولوجية الاشتراكية.
الخاتمة
إن الذين تعاملوا ويتعاملون مع تاريخ الثورة الجزائرية، حتى الآن، لم يفعلوا ذلك إلا وكأنهم يؤرخون لحرب تحريرية أو لأحداث دموية، أو لشكل من أشكال الحرب الأهلية التي ليست لها منطلقات أيديولوجية واضحة، بل إن معظم من كتب إلى يومنا هذا، لايقرون بوجود ايديولوجية خاصة بجبهة التحرير الوطني، وأكثر من كل ذلك، فإن ثلة من إطارات الدولة الجزائرية أنفسهم وممن تقلدوا مناصب سياسية عليا يسيرون في هذا الاتجاه ويدعمون هذا الادعاء.
وإذا كان يقبل من المؤرخين والمفكرين والسياسيين أن ينكروا على جبهة التحرير الوطني كونها حركة سياسية أصيلة تمتلك مشروع مجتمع متكامل، مغاير، تماماً لصورة المجتمع الذي أقامته فرنسا الاستعمارية، فإن ذلك مرفوض من الجزائريين الذين يفترض فيهم أن يكونوا أكثر إدراكاً لحقيقة مايجري في بلادهم وأقرب إلى فهم غيرهم خاصة إذا كان هؤلاء ينطلقون من موقع المدافع عن المصلحة العليا لوطنهم.
فالمثقفون الفرنسيون وفي مقدمتهم المؤرخون يعرفون في قرارة أنفسهم، إن الحركة الوطنية الجزائرية قبل سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف، كانت تنطلق من أيديولوجيات متقاربة جداً وأنها جميعاً تتناقض مع الواقع الاستعماري، لكن مصلحة فرنسا لاتمكن في العمل على بلورة ذلك التقارب حتى لاتتشكل الوحدة التي تقود إلى تعبئة الجماهير الشعبية من أجل استرجاع السيادة الوطنية، ولذلك، فإنهم كانوا، بكتاباتهم المتنوعة، يهدفون، بدلاً من البلورة، إلغاء ذلك التقارب بإبراز الاختلاف الصارخ الذي يميز الوسائل المعتمدة من طرف كل تشكيلة سياسية وطنية لتقويض أركان الاستعمار، وبالتركيز على توسيع الهوة بين التيارات السياسية الوطنية العاملة على الساحة الجزائرية، لايثنيهم شيء عن العمل من أجل تحقيق ذلك، ونظراً لسيطرتهم على مختلف الكليات التي تستقبل الإطارات الجزائرية في مرحلة ما بعد التدرج
стр. 472
الجامعي، فإنهم قد ضموا استمرارية فكرهم بواسطة الأقلام الوطنية.
ولقد شاهدنا، في الربع الأخير من هذا القرن، تقاسم الأدوار بين العسكريين والسياسيين الفرنسيين، الذين جردوا أقلامهم لتقديم تاريخ فترة الكفاح المسلح في شكل مذكرات وشهادات حية تحاول تجريد الحركة الجهادية في الجزائر من كل مقوماتها، وبين المؤرخين الذين أصبحوا يوظفون تلامذتهم الجزائريين لتقرير آرائهم التي لاتختلف في جوهرها عن آراء العسكريين والسياسيين المذكورين آنفاً.
هكذا وقع غزو المكتبات الجزائرية بمطبوعات تتفق في معظمها على أن ماوقع في الجزائر ابتداء من ليلة الفاتح من نوفمبر سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف لم يكن ثورة بل مجرد حرب تحريرية استهدفت الحصول على الاستقلال الوطني (١). وإذا كان هذا التعبير يبدو بريئاً، في ظاهره، فإنه، في الواقع، يتجاوب مع أهداف المدرسة الاستعمارية التي ترمي إلى إجهاض الثورة التحريرية من جهة وإلى تبرير الغزو الاستعماري من جهة ثانية. وبالفعل. ورغم مقاومة بعض الأقلام الوطنية، فإن التعبير المذكور قد أصبح هو السائد سواء في معظم الأبحاث العلمية أو حتى في أغلبية الوثائق الرسمية، وأكثر من ذلك، فإن استرجاع الاستقلال الوطني، وهو التعبير الصحيح (٢)، لم يتحقق، في منظور تلك الكتابات، بفضل ماقدمه الشعب الجزائي من تضحيات جسام في إطار حركة جهادية شاملة قادتها جبهة التحرير الوطني، لكنه جاء نتيجة حتمية تاريخية وبفضل تفهم الجنرال ديغول، ومن ناحية أخرى، فإن "العروبة والإسلام لا دخل لهما في تحرير الجزائر"، ومن هذا المنطلق فإن الدولة الجزائرية التي تقام بعد "الحصول" على الاستقلال يجب أن تكون لائكية ومتوجهة نحو الغرب المسيحي عبر حضارة البحر الأبيض المتوسط.
فلدحض كل هذه المزاعم الزائفة، شرعنا في إنجاز هذه الدراسة التي قادتنا بالتدريج إلى تسليط الأضواء على العديد من المواضع الغامضة وإلى الخروج للقراء بمجموعة من الاستنتاجات التي لاتثبت وجود مشروع مجتمع خاص
стр. 473
بجبهة التحرير الوطني فحسب ولكنها تكشف، أيضاً، عن وجود مؤامرة كبرى شرع في تنفيذها منذ ماقبل وقف إطلاق النار قصد إجهاض الثورة وإفراغها من محتواها الحقيقي، وفيما يلي نوجز أهم هذه الاستنتاجات:
١ - أن جبهة التحرير الوطني بنت شرعية لنجم شمال أفريقيا (١)، ولم تكن أيديولوجيتها، عشية بدء الكفاح المسلح سوى نفس أيديولوجية النجم التي راجعتها وآثرتها مؤتمرات حزب الشعب الجزائري وحركة الانتصار للحريات الديمقراطية.
ولقد كانت هذه الأيديولوجية، منذ صياغتها الأولى، بينة، واضحة المعالم تنطلق من واقع الشعب الجزائري فتضبطه بدقة ثم تحدد سبل تغييره وتضع الخطوط العريضة للمجتمع الجديد المزمع بناؤه بعد التخلص من الهيمنة الأجنبية.
أما واقع الشعب الجزائري المشار إليه فتميزه أوضاع الظلم والتعسف والاستبداد والاستغلال المفروضة على الجماهير الشعبية بواسطة قوانين وأوامر لاتخضع لأي منطق (٢)، بل همها فقط خدمة مصلحة غلاة المعمرين الذين يجمعون بين أيديهم الأراضي الخصبة والأموال الطائلة والسلطة المطلقة، ويتميز ذلك الواقع، أيضاً، بوجود أصناف من الجزائريين فطموا على حب الاستعمار، وتشبع جزء منهم بأفكاره فصاروا يطالبون بالمساواة الموهومة مع الأوربيين تارة أخرى، ولإبقاء هذه الأصناف تعيش على الأوهام وتجري وراء الأحلام، كانت السلطات الاستعمارية تصدر من حين لآخر قانوناً إصلاحياً يبقى حبراً على ورق بسبب معارضة الكولون له.
وزيادة على كل ماتقدم، فإن واقع الشعب الجزائري يعني كذلك أمية أكثر من ٩٠% من السكان، وتجهيلاً منظماً من أجل فصل المجتمع الجزائري عن أسسه التاريخية ومنطلقاته الحضارية، وبطالة فعلية بالنسبة للأغلبية الساحقة من المواطنات والمواطنين، واغتصاباً متواصلاً لملكية الأعراش والأفراد.
وإذا كان هذا هو الواقع، فإن سبل تغييره تمر حتماً بضرورة العمل على تقويض أركان الاستعمار الذي يؤبد حالة التبعية ويسد طريق التطور والتقدم في وجه الشعب الجزائري، وفي هذا المجال، فإن توجه نجم شمال أفريقيا واضح للغاية إذ تدعو إلى استعمال جميع الوسائل الممكنة للقضاء على النظام
стр. 474
الاستعماري، ويرى أن الكفاح المسلح يأتي في مقدمة هذه الوسائل، لأن التاريخ القريب أثبت أن غلاة المعمرين لايفهمون سوى لغة العنف لكن الكفاح المسلح وحده لايكفي، ولذلك يجب أن يكون مشفوعاً بعمليات واسعة النطاق لتوعية الجماهير الشعبية بحقيقة الواقع المفروض عليها ولتكوينها سياسياً بحيث تسهل تعبئتها في الوقت المناسب ففي هذا الإطار، تجدر الإشارة إلى فتح المدارس الحرة لاستقبال ماأمكن من أبناء المواطنين قصد تعليمهم مبادئ اللغة العربية والتاريخ والجغرافيا ومن أجل غرس الروح الوطنية في نفوسهم (١)، وإلى تكوين فروع الكشافة الإسلامية في مختلف أنحاء الوطن وإنشاء الجمعيات الخيرية لمواساة الفقراء والمساكين ولتكوين قنوات مفتوحة في اتجاه الجماهير الشعبية الواسعة، أما أكبر إنجاز فيبقى هو تأسيس المنظمة الخاصة التي أسندت لها مهمة تكوين المناضلين الشباب تكويناً عسكرياً وأيديولوجياً استعداداً لخوض المعركة الحاسمة.
وعلى إثر استرجاع الاستقلال الوطني وإجلاء قوات الاحتلال، فإن الجزائر تشكل حكومة ثورية وتنشئ جيشاً وطنياً مباشرة بعد انتخاب المجلس التأسيسي بواسطة الاقتراع العام، وفي الجزائر المستقلة تكون اللغة العربية هي اللغة
الرسمية وتستعيد الدولة جميع البنوك والمناجم والسكك الحديدية والموانئ والمصالح العمومية التي كانت مغتصبة من طرف الغزاة، كما أنها تصادر الملكيات الكبيرة التي استحوذ عليها الإقطاعيون والمعمرون والجمعيات المالية، وتوزعها على الفلاحين الصغار مع احترام الملكية الصغيرة، والمتوسطة واسترجاع الأراضي والغابات التي استولت عليها الدولة الفرنسية، وفي مجال آخر، يكون التعليم مجانياً وإجبارياً وعربياً في جميع المراحل، وتعترف الدولة الجزائرية لمواطنيها بالحقوق النقابية وتكوين التنظيمات العمالية وتنظيم الإضرابات وتسن القوانين الاجتماعية، وتقدم المساعدات الفورية للفلاحين وذلك في شكل قروض معفاة من دفع الفوائد تخصص لشراء الآلات والبذور والأسمدة ولتنظيم الري وتحسين المواصلات إلى غير ما تحتاج إليه الزراعة العصرية لأن الجزائر بلد زراعي بالدرجة الأولى.
وخلاصة القول، فإن مشروع المجتمع الذي وضعه نجم شمال أفريقيا والذي جاءت جبهة التحرير الوطني لتجسيده على أرض الواقع، يحمل في طياته دعوة إلى العمل من أجل القضاء على واقع يثقل كاهل الشعب الجزائري
стр. 475
وذلك دون التوقف عندما يسمى بالقواعد الأخلاقية أو الشرعية الوسائل أو عند أية حقيقة غير حقيقة العمل، وإلى استرجاع الاستقلال الوطني ليس كحادث متوقع ومرغوب فيه وكاف ولكن كحادث أكيد وضروري يندرج في إطار تسلسل تاريخي من أجل إنجاز ثورة شاملة تؤدي إلى تغيير الجزائر تغييراً جذرياً في هياكلها وهيآتها وفي ثرواتها الطبيعية والبشرية، وتستهدف تحرير الأرض وتحرير الإنسان باعتبار العمليتين متكاملتين ولايمكن لإحداهما أن تتم بدون الأخرى.
٢ - إن أيديولوجية الحركة المصالية تلتقي في خطوطها العريضة مع باقي الأيديولوجيات الوطنية التي كانت سائدة في الجزائر قبل سنة أربع وخمسين وتسع مائة وألف، لكنها تختلف معها حول مجموعة من النقاط الجوهرية التي يأتي في مقدمتها الكفاح المسلح كوسيلة لابد منها لاسترجاع السيادة الوطنية.
٣ - إن الحزب الشيوعي الجزائري لم يكن حركة وطنية، بل تنظيماً تابعاً للحزب الشيوعي الفرنسي وحريصاً على تطبيق تعاليم الذين تدعو الأممية الشيوعية إلى عدم الانضمام إلى الحركات الثورية في المستعمرات. وعلى هذا الأساس، ظل محافظاً على كيانه المستقل ورافضاً الذوبان في جبهة التحرير الوطني حتى كان وقف إطلاق النار.
ومما لاشك فيه أن ثمة عوامل كثيرة منعت الحزب الشيوعي الجزائري من أن
يصبح تشكيلة سياسية وطنية وفي مقدمتها سيطرة العنصر الأوروبي على الهيئات القيادية ثم أيديولوجيته التي ترفض الاعتراف بثورية الفلاحين الجزائريين وتؤمن باستحالة تحرير الجزائر قبل انتصار البروليتاريا في فرنسا.
إن هذه الحقيقة لم تمنع بعض الشيوعيين الجزائريين من، الالتحاق فرادى بصفوف جبهة التحرير الوطني، قد جاء في وثيقة وادي الصومام أن ذلك الالتحاق لم يكن بريئاً في غالب الأحيان، إذ كانت القيادة الوطنية تهدف إلى توظيف أولئك العناصر في فترة ما بعد استرجاع الاستقلال الوطني، ولقد تبين، بعد اتفاقيات أيفيان، أن تحليل مؤتمري وادي الصومام كان صحيحاً، لأن الشيوعيين الذين شاركوا في الثورة سرعان ما انفصلوا عن جبهة التحرير الوطني وراحوا يعملون مع رفاقهم على التآمر ضدها مما جعل الرئيس أحمد بن بلة يصرح قائلاً "إننا لانريد اتخاذ إجراءات المنع ضد الحزب الشيوعي الجزائري لكننا نرى أن نشاطه يتناقض مع مصلحة البلاد ولايعتمد إلا على الديماغوجية" إننا لانعترف للشيوعيين بحق التقييم لأنهم لم يقوموا بشيء يذكر
стр. 476
في سبيل تحريرنا" (١).
وعلى الرغم من عدم المشاركة الفعلية في ثورة التحرير، فإن الحزب الشيوعي الجزائري قد تمكن، بواسطة مجموعة من إطاراته المندسين في صفوف جبهة التحرير الوطني في الخارج، من العبث بالنصوص الأساسية وجعل الانحراف الأيديولوجي يصبح حقيقة ملموسة ابتداء من الدورة الثانية للمجلس الوطني للثورة الجزائرية (٢).
٤ - إن مؤتمر وادي الصومام لم يكن انحراف كما يدعي البعض، بل كان منعطفاً حاسماً في تاريخ الثورة. وقد تمكن بحكمة وذكاء كبيرين من إثراء أيديولوجية جبهة التحرير الوطني انطلاقاً من تقييم واقعي للمرحلة المقطوعة منذ أول نوفمبر عام أربعة وخمسين وتسعمائة وألف، واعتماداً على الإمكانيات الوطنية بالدرجة الأولى. وكانت أهم عناصر الإثراء هي:
أ-إقرار مبادئ القيادة الجماعية وأولوية الداخل على الخارج والسياسي على العسكري.
ب-تزويد الثورة بهيآت قيادية عليا وموحدة.
جـ-فتح المجال أمام الإطارات المتشبعة بأيديولوجيات وطنية أخرى غير أيديولوجية جبهة التحرير الوطني لتولي مسؤوليات قيادية على جميع المستويات، وذلك حتى يحال بينها وبين السلطات الاستعمارية التي قد تلجأ إلى توظيفها ضد الثورة. ولكي يتحقق الإجماع الوطني حول مبدأ الكفاح المسلح من أجل استرجاع السيادة الوطنية المغتصبة.
د-توحيد النظام العسكري بالنسبة لجميع الولايات.
هـ-وضع الخطوط العريضة لهيكلة جميع شرائح المجتمع الجزائري قصد ضمان مشاركتها الفعلية في العمل الثوري بجميع أنواعه وعلى كافة مستوياته.
و-ضبط السياسة الخارجية للثورة.
ز-تأكيد شروط التفاوض مع العدو، وهي نفس الشروط المنصوص عليها في بيان أول نوفمبر مع توضيحات بالنسبة لتعيين المفاوضين الذين
стр. 477
لا يمكن أن يكونوا من غير جبهة التحرير الوطني الممثل الوحيد الشرعي للشعب الجزائري، وبالنسبة لوحدة التراب الوطني التي تحتفظ بالحدود المسطورة عشية اندلاع الثورة بما في ذلك الصحراء.
٥ - إن الحكومة الفرنسية المتتالية قد حاولت، بجميع الوسائل، إرغام جبهة التحرير الوطني على تعديل مواقفها الأساسية لكنها لم تفلح. وبهذا الصدد تجدر الإشارة إلى مساعي قيمولي وإدكارفور وأخيراً الجنرال ديغول.
٦ - إن جزءاً هاماً من أيديولوجية جبهة التحرير الوطني قد تجسد على أرض الواقع خلال فترة الكفاح المسلح ويتمثل ذلك في الانقلاب الجذري الذي حصل في ذهنية المواطنين والمواطنات وفي التمكن من توعية الجماهير الشعبية وتعبئتها من أجل تحقيق الأهداف المسطورة في النصوص الأساسية للثورة.
٧ - إن جبهة التحرير الوطني قد تمكنت من تزويد الشعب الجزائري بمؤسسات قارة وهياكل اقتصادية ثابتة وإدارة وطنية وتسيرها مجالس شعبية منتخبة ديمقراطياً كما أنها أنشأت مجالس القضاء والصحة والتعليم بالطريقة التي تضمن الثورة لكن اتفاقيات إيفيان حملت في طياتها بذور الإجهاض لكل ذلك.
٨ - إن الانحرافات الأيديولوجية قد ظهرت عندما أعطيت لمجموعة من المثقفين المعروفين بنزعتهم الماركسية فرصة التجمع بتونس في إطار أسرة تحرير اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني،، فراحوا يفلسفون الثورة انطلاقاً من
مشاربهم الفكرية والثقافية غير آبهين بواقع الشعب العربي المسلم في الجزائر.
وإذا كانت تلك الانحرافات قد ظهرت بكيفية محتشمة سنة ستين وتسعمائة وألف من خلال النصوص التي صادق عليها المجلس الوطني للثورة الجزائرية خلال الدورة التي دامت أشغالها في طرابلس من يوم ١٦/ ١٢/١٩٥٩ إلى يوم ١٨/ ١/١٩٦٠، فإنها تجذرت بواسطة برنامج طرابلس الذي أعلن على الورق انتقال الثورة الجزائرية من ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ العربية الإسلامية إلى ديمقراطية شعبية لاتكون متناقضة مع المبادئ الإسلامية.
٩ - إن برنامج طرابلس قد حافظ على كثير من الخطوط العريضة لأيديولوجية جبهة التحرير الوطني، لكنه وضع إلى جانبها مفاهيم ومصطلحات جديدة منقولة عن الأيديولوجية الماركسية ولا علاقة لها بحقيقة الثورة وواقعها
стр. 478
في الجزائر. ولقد أدى ذلك بالتدريج لجعل الجماهير الشعبية تتخلى شيئاً فشيئاً عن التزاماتها تجاه جبهة التحرير الوطني إذ لم تعد تجد نفسها في مشروع المجتمع المعبر عنه بواسطة البرنامج المذكور.
١٠ - إن انتقال الثورة الجزائرية من ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ العربية الإسلامية إلى ديمقراطية شعبية اشتراكية لم يحصل إلا على الورق ولم يأخذ في الاعتبار ضرورة أولوية الجماهير الشعبية الواسعة واشتراكها في اتخاذ القرار حتى تشعر بمسوؤليتها على الإسهام بفعالية في تطبيقه.
١١ - إن ميثاق الجزائر، بدلاً من أن يضع حداً للانحراف، فإنه عمل على تعميقه بواسطة ما أضافه من مغالطات تاريخية وفكرية وانطلاقه، في إثراء برنامج طرابلس من تقييم سطحي للواقع الجزائري غداة استرجاع الاستقلال الوطني، ومن اعتماد دراسات نظرية لاعلاقة لها بطموحات الشعب العربي المسلم في الجزائر.
فالقرار المتعلق ببعث الثورة الاشتراكية في الجزائر والذي صادق عليه المؤتمر الأول لحزب جبهة التحرير الوطني المنعقد في فترة مابين السادس عشر والواحد والعشرين من شهر أبريل سنة أربع وستين وتسعمائة وألف لم يكن متوقعاً من طرف المناضلين ولامنتظراً من قبل الجماهير الشعبية الواسعة، لقد كان، فقط، استجابة لرغبة بعض المثقفين المتشبعين بالفكر الماركسي والبعيدين كل البعد عن واقع الشعب.
١٢ - إن ترسيخ الانحراف الأيديولوجي قد ترتب عليه تجميد القواعد المناضلة وتحييد الجماهير الشعبية. ولقد كان على القيادة السياسية لجبهة التحرير الوطني
أن تعتمد قبل كل شيء، إلى تكوين الإطارات والمناضلين فكرياً وثقافياً ثم تسند إليهم مهمة رفع مستوى الوعي لدى الإنسان الجزائري قصد إعداده للدخول إلى مرحلة جديدة من مراحل البناء ذلك أن المواطن لايعرف نوع وطبيعة البناء المطلوب منه المساهمة في تشييده فإنه يكون عاجزاً عن القيام بدوره وغير مهتم بما يجري من تغيير حوله.
١٣ - إن عدم التصدي للانحراف الأيديولوجي وعدم التفطن إلى ضرورة تزويد إطارات جبهة التحرير الوطني ومناضليها بالتكوين الفكري والسياسي اللازم لتأدية مهامهم في ميادين التوجيه والتخطيط والرقابة والتوعية هما اللذان أديا بالتدريج إلى تهميش الجماهير الشعبية وإلى إجهاض ثورة نوفمبر بواسطة الأحداث التي وقعت في اليوم الخامس من شهر أكتوبر سنة ثمان وثمانين
стр. 479
وتسعمائة وألف.
١٤ - على الرغم من انعقاد المؤتمر الأول للحزب وانتخاب اللجنة المركزية والمكتب السياسي، والمصادقة على القانون الأساسي والداخلي، وعلى كثير من المقررات واللوائح القيمة: وعلى الرغم كذلك، من إيجاد برنامج عمل دقيق وواسع، وتسليط كثير من الأضواء على بعض المفاهيم الغامضة، ومحاولة وضع سلّم إجمالي لتوضيح العلاقات بين مختلف هيئات الدولة وأجهزتها، رغم كل ذلك فإن الوضع لم يتغير، إطلاقاً، بل إن انفضاض المؤتمر كان منطلقاً جديداً لمزيد من التناقضات والمشاكل الوطنية التي ترجع في أساسها إلى مجموعة من الأسباب التي يمكن تلخيصها كالآتي:
أ-إن التشكيلة البشرية للهيئات المنبثقة عن المؤتمر لم تكن قادرة على التغيير، فكرياً خاصة، عن مطامح الجماهير الشعبية، بالإضافة إلى كونها، رغم كل ماوقع، لم تتخلص من تناقضات الماضي وسلبياته التي كانت من الأسباب الرئيسية التي فجرت الأزمة السياسية التي عرفتها البلاد بعد الاستقلال مباشرة.
فالتشكيلة على هذا الأساس، تحملت مسؤولية قيادة الثورة قبل أن تتمكن من حلّ مشاكلها الخاصة، التي لها صلة متينة بالقضايا الوطنية، وزيادة على هذا الداء العضال فإن الأمين العام للحزب كان ضعيفاً جداً أمام جاذبية الزعامة والحكم الفردي، لأجل ذلك، وبمجرد أن تم تنصيب الهيئات المنتخبة، راح يدير المبادئ ويتعسف في تصرفاته مع المؤسسات والإطارات، فاتحاً المجال من جديد لأشباح الخوف وعدم
الاستقرار ومستحوذاً على صلاحيات الحزب والدولة من القاعدة إلى القمة، الأمر الذي انتهى، بدون إطالة ومن جديد إلى تكريس سياسة الارتجال في جميع الميادين، وإلى تمييع نتائج المؤتمر وإيجاد كافة المبررات للتغيير بجميع الوسائل.
ب-إن المعارضة، رغم مشاركتها فعلياً في المؤتمر، ورغم كل ماقامت به من مناورات على جميع الأصعدة، وعندما لم تحرز على ما كانت تتأمله من مكاسب في جميع الميادين، وعوضاً عن أن تخضع لمبدأ المركزية الديمقراطية الذي يخضع الأقلية لرأي الأغلبية، فتتخلى عن النزاع لتناضل داخل الأطر الشرعية التي حدّدها المؤتمر، بدلاً من كل ذلك، فإنها لم تلق السلاح وستظل المعارك المتقطعة تهدّد بنشوب الحرب
стр. 480
الأهلية إلى نهاية عام ١٩٦٤م حيث تمكن الجيش الوطني الشعبي من السيطرة على المناطق المشوّشة.
ج-إن تمكين بعض الماركسيين من الاستيلاء على مناصب حساسة في الحزب وفي الدولة لم يكن من شأنه أن يحدث الثقة والاطمئنان في نفوس مناضلي حزب جبهة التحرير الوطني الذين بدأوا يتذمرون من الوضع وينادون بالتغيير منذ الساعات الأولى التي تلت اختتام أشغال المؤتمر.
د- إن المنظمات الجماهيرية، على الرغم من التغيير، لم تتحول نهائياً، إلى هيئات تستجب فقط للخاصيات المميزة لكل فئة من السكان، ولضرورة مضاعفة إمكانيات حركة الحزب في عمله الهادف لتعبئة الجماهير من أجل إنجاح الثورة الاشتراكية في الجزائر.
فبدلاً من ذلك، استمرت تلك المنظمات في اعتبار نفسها كياناً سياسياً يمكن أن يستقل بذاته، ومن حين لآخر، صارت تقوم كثيراً ما تخدم أغراض المعارضة، مساهمة بذلك في عملية كبح إدارة المناضلين في التصدي لكل التناقضات المشار إليها أعلاه.
هـ-تعرض العديد من الشخصيات السياسية إلى أنواع من الظلم والاضطهاد، ابتداء من المضايقات والملاحقات وانتهاءً بالوضع تحت الرقابة الجبرية والسجن أو النفي إلى الصحراء، وتدهور الحالة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، الأمر الذي أدى إلى تكاثر البطالة وانتشار الفوضى والفساد في جميع المجالات، وانعدام الأمن والاستقرار.
وخلاصة القول، فإن أيديولوجية جبهة التحرير الوطني قد أثريت مرات عديدة خلال الفترة التي حددناها لهذه الدراسة لكنها، تعرضت إلى مجموعة من الاعتداءات التي قادت إلى انحرافها بالتدريج وإلى تجميدها الفعلي من طرف المؤتمر الأول للحزب الذي انعقد بالجزائر في الفترة مابين ١٦ و ٢١ أبريل سنة ١٩٦٤م، وكما لايخفى على أحد، ليس هناك مثل التجميد خنقاً للإبداع وإجهاضاً للتجربة وإفراغاً للنصوص من مضامينها الإيجابية.
وعلى الرغم من كل ذلك، وبعد كل الوقت الذي قضيناه مع النصوص الأساسية لجبهة التحرير الوطني، ونؤكد أن المشروع الذي وضعته ثم أثرته هذه الأخيرة مازال صالحاً لتحقيق المستقبل الأفضل بالنسبة للجزائر، وأن الأهداف
стр. 481
الرئيسية المسطورة فيه لم تتحقق بعد رغم مرور أكثر من ثلاثين سنة على استرجاع الاستقلال الوطني. وبالفعل، فإن الثورة الجزائرية قد استهدفت "محو النظام الاستعماري في الجزائر" بواسطة تحرير الأرض وتحرير الإنسان. ولأن الإنسان الجزائري لم يتحرر بعد، ولأن الأرض في الجزائر مازالت تشكو آثار العدوان الاستعماري عليها، فإننا نعتبر أن نظام الاستعمار الجديد قد وظف عناصره في مجالات التربية والإعلام والثقافة من أجل تكوين إنسان جزائري تابع وعاجز عن الارتقاء إلى مستوى أيديولوجية جبهة التحرير الوطني التي أدار لها ظهره في أول فرصة أتيحت له، وكان ذلك بمناسبة أحداث الخامس من شهر أكتوبر سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وألف
•••
стр. 482
الفهرس
стр. 483
_________
الباب الثالث ................................................................ ١٢٣
التحولات الفكرية الكبرى .................................................... ١٢٣
الفصل الأول: الإثراء الثالث لنصوص جبهة التحرير الوطني ............... ١٢٤
- الضباط الجزائريون القادمون من الجيش الاستعماري ..................... ١٢٥
مناورات الجنرال ديغول وحق الشعب الجزائري في تقرير المصير: .......... ١٢٧
دوافع رضوخ ديغول للتفاوض مع ١٣٢ .............................. G.P.R.A
المجلس الوطني للثورة الجزائرية في دورته الثانية: ........................... ١٣٥
الفصل الثاني: من ثورة التحرير إلى الثورة الديمقراطية الشعبية .............. ١٤٤
الفعل ورد الفعل قبل التفاوض: ........................................... ١٤٥
الثورة الجزائرية في مرحلتها الثالثة: ....................................... ١٥١
المفاوضات ووقف إطلاق النار: ........................................ ١٥٦
الحزب والمنظمات الجماهيرية: ........................................ ١٨٩
الفصل الثالث: أوضاع الجزائر غداة استرجاع السيادة الوطنية .......... ١٩٤
المنافذ الاستعمارية: ................................................... ١٩٥
التسابق إلى السلطة: .................................................. ٢٠٠
مواجهة الأوضاع الموروثة عن الاستعمار: ............................. ٢٠٩
الانزلاق نحو الحكم الفردي: ........................................... ٢١٧
قراءة فاحصة لميثاق الجزائر: ......................................... ٢٢٠
الخاتمة .............................................................. ٢٢٨
•••
стр. 484
رقم الإيداع في مكتبة الأسد الوطنية
تاريخ الجزائر المعاصر: دراسة/ محمد العربي الزبيري- دمشق:
اتحاد الكتاب العرب، ١٩٩٩ - ج (١)، ج (٢)؛ ٢٤سم.
١ - ٩٦١.٥ ز ب ي ت ... ٢ - العنوان
٣ - الزبيري
ع- ١٣٣٨/ ٨/ ٢٠٠٠ - ... مكتبة الأسد
••