← История

История · id 123659

تاريخ الجزائر المعاصر

الزبيري، محمد العربي

Полный текст (484 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

في إسناد بعض مناصب الحل والربط إلى إطارات تكونت في صفوف أحزاب لا علاقة لها بالتكوين الثوري (١). ويرى المجلس الوطني للثورة الجزائرية أن الطابع للبورجوازية الصغيرة هو روح الفردية والتشبث بالمنفعة الخاصة والسلوك المتكبر إزاء الفلاحين والمناضلين المتواضعين وهي كلها صفات تتنافى مع ما ينبغي أن تتخلى به القيادات الثورية وتعود، عندما لا تستأصل في أساسها، إلى تعميق الهوة الفاصلة بين القمة والقاعدة، وتهيئة الأرضية الهشة التي تنمو فيها وتترعرع البيروقراطية التافهة المعادية للشعب والعاملة على تدعيم مناهضة الثورة. وبالإضافة إلى كل هذه الآفات الفتاكة، توقف المجلس الوطني للثورة الجزائرية عند الآثار السلبية التي تركها في الميدان الإيديولوجي بقاء القيادة العليا للثورة خارج التراب الوطني رغم مقررات وادي الصومام ورغم أنه كان نتيجة لمقتضيات الظروف في ذلك الوقت، فاستمرار القيادة في الخارج منذ السنة الثالثة للثورة قد تسبب في إيجاد قطيعة بينها وبين الواقع الوطني وكان يمكن أن تكون عواقبه وخيمة على الحركة التحريرية كلها، ومما لا شك فيه أن هذه القطيعة هي التي سمحت بميلاد تيارات سياسية متنافرة في داخل جبهة التحرير الوطني كما أنها قادت بالتدريج إلى إعطاء مفهوم خاطئ للدولة وللحزب، الأمر الذي أنجز عنه تداخل المؤسسات فيما بينها وتحول جبهة التحرير الوطني إلى مجرد أداة إدارية للتسيير بدل أن تهتم بالتطهير الإيديولوجي. انطلاقاً من هذه التحاليل تحددت المعالم الكبرى لمشروع، المجتمع الجديد فيما سيعرف ببرنامج طرابلس، وقبل الشروع في تقديمه والتعليق عليه لا بد من إبداء بعض الملاحظات التي من شأنها أن تساعد القارئ على فهم كثير من الخلفيات ومن تسليط الأضواء على مجموعة من النقاط التي ظلت غامضة في إيديولوجية جبهة التحرير الوطني. ١ - إن الحكومة المؤقتة عندما عينت مجموعة العمل التي أسندت لها مهمة تحضير المشروع التمهيدي لها سيعرف ببرنامج طرابلس، لم تراع مقياس التجانس بين أعضائها ولم تأخذ في الإعتبار ضرورة تعيينهم من بين المناضلين المتشبعين بإيديولوجية الحركة المصالية فقط، ولأنها لم تفعل جاءت المجموعة ثلاثة أقسام متباينة، إثنان منها على

стр. 422

الأقل، وهي الأغلبية متشبعة بالفكر الماركسي وليس لها أية تجربة ميداينة، بالإضافة إلى ذلك كان الأعضاء كلهم متشبعين بالثقافة الغربية ولادراية لهم بالحضارة العربية الإسلامية التي يجب الرجوع إليها عندما يتعلق الأمر بتحديد مصير الشعب الجزائري العربي المسلم. ٢ - إن الحديث عن الإقطاع في الجزائر في غير محله وهو فقط من باب التقليد الأعمى للغير، فالإقطاع كنظام للحكم ظهر في فرنسا ثم انتشر إلى باقي أنحاء أوربا في الفترة ما بين القرنين الحادي عشر والثالث عشر وقد قضي عليه نهائياً بفضل الثورة الفرنسية، وبما أن الجزائر كانت مستعمرة إستيطانية ألحقت إدارياً بفرنسا مع بداية الثلث الثاني من القرن التاسع عشر، ومن جهة ثانية فجزائر ما قبل الاستعمار كانت تمارس النظام الإسلامي في الحكم وهو أبعد ما يكون عن الإقطاع. لأجل ذلك فإن مجموعة العمل عندما اتخذت نظام الإقطاع كمنطلق لها في تحليل الواقع الإقتصادي في الجزائر قد أُخطأت الطريق من البداية، والطريق الخطأ لا يؤدي إلى نتائج إيجابية سليمة. وقد كان على المجموعة، لتكون مصيبة في تحاليلها، أن تنطلق من أن النظام الاستعماري الذي كان مفروضاً بالقوة على الشعب الجزائري والذي كان وحيداً من نوعه سواء فيما يتعلق باستغلال الأرض أو باضطهاد الإنسان. ٣ - إن اعتماد النظريات الماركسية لتقييم المراحل التي قطعتها الثورة الجزائرية، ولإعداد البرنامج المستقبلي لم يكن فعلاً منطقياً، لأن جبهة التحرير الوطني، عندما أعلنت عن بدء الكفاح المسلح، توجهت إلى جماهير الشعب الجزائري وإلى كل الأحزاب السياسية بهدف وتوحيد صفها لخوض المعركة من أجل تقويض أركان النظام الاستعماري. ولقد أثبت التاريخ منذ اللحظات الأولى التي وقع فيها العدوان الفرنسي على الجزائر أن الإسلام وحده هو القادر على تجنيد الطاقات الشعبية في وجه القوات الاستعمارية (١).

стр. 423

وعلى الرغم من تنكر بعض قادة الثورة (١) للدور الأساسي الذي أداه الإسلام في جعل الجزائريات والجزائريين يستجيبون لنداء نوفمبر ويتفاعلون مع مخططات جبهة التحرير الوطني طيلة كل الفترة التي استغرقها الكفاح المسلح، فإن الحقيقة التاريخية تدل، بما لايدع أي مجال للشك، على أن الإسلام ظل دائماً هو القلب النابض للثورة، وأن مفاهيمه ومصطلحاته (٢) هي التي دفعت المواطنات والمواطنين إلى التضحية القصوى. لأجل ذلك فإن من الخطأ الفادح أن يقدم منظرون يجهلون واقع الشعب الجزائري وتاريخه ولايعرفون من الإسلام سوى الاسم للثورة التي عرفت كيف تعيد للجهاد وظيفته. ٤ - على عكس ادعاءات مجموعة العمل، فإن جبهة التحرير الوطني قد نجحت نجاحاً باهراً في أدلجة معظم جماهير الشعب الجزائري وتمكنت، خلال فترة الكفاح المسلح، من إدخال تغيرات جذرية على ذهنية المواطنين ومن وضع نمط للحياة جديد يختلف كلية عن النمط الاستعماري. فالشعب الجزائري الذي كان قبل سنة أربع وخمسين وتسعمائة وألف يرفض في معظمه حتى التصديق بإمكانية الانفصال عن فرنسا ويجهل كل شيء عن هويته، أصبح بفضل نشاط جبهة التحرير الوطني، في الأرياف وفي المدن، يمارس السياسة ويشارك مشاركة فعلية سلبياً أو إيجابياً، فيما يجري في الجزائر، ولايتحدث إلا عن الاستقلال، وجهة أخرى، فإن مجرد الرجوع إلى وثيقة وادي الصومام وماجاء بعدها من نصوص أساسية وضعتها قيادات الثورة المختلفة ليدل، دلالة قاطعة على أن ثمة تطوراً أيديولوجياً ملموساً، وأن جبهة التحرير الوطني كانت تتوقف من حين لآخر تقيم المراحل المقطوعة وعلى ضوء ذلك تقوم بالإجراءات اللازمة. وفي سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف، عندما وقعت الأزمة الداخلية التي كانت تحمل في طياتها بذور الحرب الأهلية وقف الشعب الجزائري موقفاً حكيماً ما كان ليكون لولا نجاح جبهة التحرير في نشر الوعي السياسي داخل صفوفه

стр. 424

وبدون تمكنها من إعداد الإطارات والمناضلين إعداداً إيديولوجياً كافياً، لكن هناك ملاحظة لابد منها وهي واقع الجماهير الشعبية في داخل الوطن كان يختلف اختلافاً مطلقاً عن واقع الإطارات والمغتربين الذي قد يكون أعضاء مجموعة العمل اعتمدوا عليه في تقييمهم الذي أخذوا منه لإعداد برنامج طرابلس. ٥ - إن اعتماد النصوص الأساسية للثورة واستنطاق تاريخ غير التاريخ الجزائري (١) وتوظيف ثقافة غير الثقافة العربية الإسلامية حتى لانقول الثقافة الاستعمارية وعدم الرجوع إلى الواقع الحقيقي للشعب الجزائري في داخل البلاد، كل ذلك جعل مجموعة العمل تقدم للمجلس الوطني للثورة الجزائرية نصوصاً نظرية غير قادرة للتنفيذ وبعيدة كل البعد عن مشروع المجتمع الذي مافتئت الحركة الوطنية تدعو إلى إقامته. بعد هذه الصورة المجملة يعود برنامج طرابلس إلى التأكيد على "أن حرب التحرير التي قام بها الشعب الجزائري قد أعادت للجزائر سيادتها الوطنية واستقلالها، لكن المعركة لم تنته، بل العكس، يجب أن تستمر لتوسيع ودعم الانتصارات (٢) وذلك بواسطة الثورة الديمقراطية الشعبية التي هي تشييد واع للبلاد في إطار المبادئ الاشتراكية والسلطة للشعب (٣). فالثورة الديمقراطية الشعبية مصطلح جديد وكذلك الأهداف المحددة لها. لأن الفاتح من نوفمبر وغيره من النصوص الأساسية لجبهة التحرير الوطني تتحدث، (عن) الثورة الجزائرية كحركة جهادية ترمي إلى بناء دولة ديمقراطية اجتماعية في إطار (غايته) الإسلامية. وعلى هذا الأساس، فإن تحولاً خطيراً قد وقع في إيديولوجية جبهة التحرير الوطني وهو ماجعل السي فرحات عباس يقول عن برنامج طرابلس بأكمله "إنه تعبير غير مهضوم" (٤). وعلى الرغم من كون الأغلبية الساحقة من أعضاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية، ترفض الشيوعية ولاتحبذ المبادئ الاشتراكية، فإن مشروع برنامج

стр. 425

طرابلس لم يناقش بل تمت المصادقة عليه بالإجماع لأن اهتمام المؤتمرين كان منصرفاً إلى مسألة تشكيل المكتب السياسي، ولقد كان ذلك خطأ فادحاً جعل الثورة الجزائرية، تدخل مرحلة ما بعد الكفاح المسلح بمشروع مجتمع بعيد كل البعد عن واقع الشعب الجزائري، ومستحيل التنفيذ بسبب عدم تهيئة الظروف الموضوعية والمتمثلة خاصة في تثقيف الجماهير الشعبية الواسعة ثقافة اشتراكية. لقد كان واضعو المشروع يعرفون جيداً أن الشعب الجزائري مسلم، وأن نسبة الأمية فيه تزيد عن ثمانين بالمائة، وأن تمسك أفراده بمبدأ الملكية الخاصة لا جدال حوله، ومع ذلك فإنهم تبنوا تحليل الدكتور فرانتزفانون الذي قال: "إن الثورة الجزائرية لايمكن إلا أن تكون ثورة اشتراكية يشكل الفلاحون قواها المسيَّرة، وترتكز استراتيجيتها على دور الإسلام الذي هو حصن الفقراء ضد الأغنياء والذي يعطي للأصالة الجزائرية طابعها المتميز" (١) ولكي لايستعملوا نفس المصطلحات الماركسية (٢) اخترعوا تسمية جديدة هي الثورة الديمقراطية الشعبية وحددوا مهامها الأساسية كالآتي: ١ - إقامة الدولة الجزائرية على أساس مناهضة الامبريالية ومعاداة الإقطاع، وذلك يتطلب بالضرورة تحلي الطاقات الحية في البلاد بروح المبادرة واليقظة وممارسة الرقابة المباشرة في جميع الميادين، بإلغاء أشكال الذاتية المتمثلة في الارتجال وسوء التقدير وعدم الوضوح الفكري والنظرة المثالية للواقع وفي القيم الأخلاقية الفردية التي لايمكن أن تكون حاسمة في بناء المجتمع. ٢ - إلغاء الهياكل الاقتصادية والاجتماعية التي أوجدها الإقطاع واستبدالها بهياكل جديدة ومؤسسات يكون هدفها الأول هو تحرير الإنسان وتمكينه من ممارسة حرياته، وتوفير الشروط اللازمة لضمانها. وحتى تكون التنمية الشاملة سريعة ومنسجمة وقادرة على الاستجابة لحاجيات الجميع يجب أن تصاغ في منظار اشتراكي بالضرورة. ٣ - استرجاع القيم المكبوتة أو تلك التي قضى عليها الاستعمار، والعمل على صياغتها وتنظيمها وفقاً للحداثة والعصرنة، وفي نفس الوقت إدراج الفكر الديمقراطي وترسيخه في سائر مؤسسات الدولة والعمل على نشر

стр. 426

روح المسؤولية وجعلها تحل محل مبدأ السلطة الذي هو في جوهره إقطاعي وتسلطي. ولايجب أن تتوقف الديمقراطية عند تفتح الحريات الفردية بل ينبغي أن تكون تعبيراً جماعياً عن المسؤولية الشعبية. ٤ - حمل الطبقة البرجوازية على أن تخضع مصالحها الخاصة بوحدة الشعب، تعدل عن إدارة التحكم في مصير البلاد، وتتخلص من ميزاتها الأساسية التي تدفعها إلى الارتباط بالاستعمار الجديد والتي هي: الانهزامية والديماغوجية وروح التهويل والاستخفاف بالمبادئ، وضعف الإيمان الثوري. ٥ - نشر الوعي في أوساط الجماهير الشعبية الواسعة التي يجب أن تدرك بأن عملية البناء والتشييد لايمكن إنجازها بواسطة طبقة اجتماعية واحدة مهما كانت درجة قوتها واستنارتها، بل لابد من إسناد هذه المهمة إلى الشعب نفسه، والشعب هو: الفلاحون والعمال والشباب والمثقفون الثوريون. ٦ - وضع فكر سياسي واجتماعي يعكس بوفاء مطامح الجماهير، وذلك بواسطة طليعة واعية تتكون من عناصر تنحدر من الفلاحين والعمال والشباب والمثقفين الثوريين. فهذا الفكر الجديد هو الذي سوف يكون في أساس بناء الدولة العصرية وتنظيم المجتمع الثوري في الجزائر، وهو يتطلب روح بحث منهجي متطورة، ومجهودات معتبرة في مجال التنقيب، لأن الإيديولوجية الجاهزة غير موجودة، بل هناك فقط المجهود الإيديولوجية المتواصل والخلاق. ٧ - إحداث تصور جديد للثقافة التي يجب أن تكون وطنية وثورية وعلمية. فدورها كثقافة وطنية يتمثل في إعطاء اللغة العربية كرامتها كلغة حضارة وكمعبِّر حقيقي عن قيم الشعب الجزائري، ويرمي كذلك إلى إعادة بناء التراث الوطني وتقييمه والتعريف بإنسانيته، وإلى محاربة الهيمنة الثقافية والتأثير الغربي اللذين ساهما في تلقين الكثير من الجزائريين احتقارهم لغتهم وقيمهم الوطنية. وبصفتها ثقافة ثورية، فإنها ستساهم في تحرير الشعب الجزائري وتمكينه من تصفية مخلفات الإقطاع والخرافات المعادية للمجتمع، كما أنها ستنير كفاح الجماهير السياسي والاجتماعي وتساعد على تطوير الوعي الثوري وتعكس باستمرار طموحات الشعب وواقعه بجميع أنواعه.

стр. 427

وكثقافة علمية في وسائلها وأبعادها، فإنها تتميز بطابع عقلاني وتجهيزات تقنية عالية وهي ضرورية للتحكم في العلوم وتطوير البحث العلمي والاهتمام بالتكوين التقني من أجل إدخال الجزائر عهد الإبداع العصري الذي يتوقف عليه نجاح التنمية الشاملة. ولقد كانت باستطاعة مجموعة العمل أن تتدارك أخطاءها الفادحة لو جعلت في مقدمة المهام الأساسية المذكورة تحريك الصحوة الإسلامية في الجزائر باعتبار أن الإسلام دعوة لتحرير الإنسان وتطبيق العدالة الاجتماعية وهو أيضاً دين المعاملات الكفيلة بإقامة الدولة القوية. ولأن ذلك لم يحدث، فإن بعض التيارات السياسية قد ركبت الموجة وراحت تنشر في أوساط الجماهير الشعبية كون النظام الجزائري الجديد شيوعي لاعلاقة له بواقع الشعب العربي المسلم. وبعد تحديد المهام الأساسية، انتقل برنامج طرابلس إلى تعداد الوسائل الواجب استعمالها لتجسيد الثورة الديمقراطية على أرض الواقع، وحصر هذه الوسائل في ثلاثة رئيسية هي: "بناء اقتصاد وطني وانتهاج السياسة الاجتماعية التي ترمي إلى إفادة الجماهير ورفع مستوى معيشة العمال والقضاء على الأمية وتحسين الأوضاع السكنية والصحية وتحرير المرأة ثم انتهاج سياسة دولية أساسها الاستقلال الوطني ومناهضة الامبريالية. فيما يخص بناء الاقتصاد الوطني. وانطلاقاً من كون فرنسا كانت تسيطر كلية على الاقتصاد الجزائري، وبأن هذا الأخير مختل التوازن وغير متناسق (١)، فإن برنامج طرابلس قد أوصى بالعدول عن أساليب الليبرالية التقليدية حتى يتسنى للثورة إجراء تحول حقيقي في المجتمع وانقلاب جذري في الهياكل الاقتصادية الموجودة وتطويرها بالكيفية التي تتماشى مع متطلبات التنمية وإنجاز مهام الثورة الديمقراطية الشعبية وتدعيماً لهذه التوصية تضمن البرنامج التوضيحات التالية: (٢) "إن الأساليب الليبرالية تزيد في خطورة فوضى السوق وتدعيم التبعية

стр. 428

الاقتصادية للامبريالية وتجعل من الدولة مؤسسة تنقل الثروات وتضعها في أيدي الأغنياء والمحظوظين، وتغذي نشاط الفئات الاجتماعية الطفيلية المرتبطة بالامبريالية. فالبرجوازية المحلية ستعمل على خلافة الأجانب تدريجياً في القطاعات الاقتصادية غير المنتجة، وبينما تحقق ثراءها سيظل الشعب أسيراً للبؤس والجهل". "إن ضعف الدخل القومي والادخار الخاص، وهروب الجزء الأكبر من الأرباح المحققة من البلاد، وتوجيه الرأسمال المحلي نحو المضاربات كالربح الجشع والريع والربا وعدم استعمال المصدر الهائل لليد العاملة، كلها عوامل توجب محاربة الطريقة الرأسمالية للتنمية". "إن متطلبات التنمية الاقتصادية في البلاد تستوجب القضاء على تسلط الاحتكارات وذلك بمراجعة العلاقات الاقتصادية مع الخارج ومع فرنسا أولاً، وبإزالة العراقيل الداخلية عن طريق إدخال تغيير جذري على هياكل الحياة الريفية وتصنيع البلاد من أجل توفير حاجيات الشعب". ولن تتحقق هذه الغايات إلا بانتهاج سياسة التخطيط وتولي الدولة شؤون الاقتصاد بمشاركة العمال. فالتخطيط ضرورة حيوية تمكن وحدها تراكم الرأسمال اللازم لتحقيق التصنيع خلال فترة قصيرة. نسبياً وتركيز أهم قرارات الاستثمار والقضاء على أنواع التبذير .. وسوف تمكن مساهمة العمال في تسيير الاقتصاد من مراقبة التخطيط وتنفيذه وتكييفه التدريجي مع الإمكانيات المتوفرة". وبعد هذه الشروحات، حدد برنامج طرابلس المحاور الكبرى للثورة الديمقراطية الشعبية وحصرها. ١ - الثورة الزراعية التي تشتمل على الإصلاح الزراعي المرتكز على شعار: الأرض لمن يخدمها، وعلى تحديث الفلاحة بواسطة توزيع التقنيات العصرية على أوسع نطاق وتنويع الزراعات الغنية وإحلالها محل الزراعات الفقيرة وإعادة جمع الثروة الحيوانية والعمل على تنميتها وتطويرها ثم المحافظة على الثروة العقارية وتوسيعها بواسطة استصلاح الأراضي المنجرفة وتشجير الغابات المحروقة وتوسيع المساحات المروية بالإضافة إلى التركيز على استصلاح مساحات جديدة. ٢ - تطوير المنشآت بواسطة تأميم وسائل النقل وتحسين وتجديد شبكات

стр. 429

الطرق والسكك الحديدية وإقامة شبكات جديدة للمواصلات البرية قصد الربط بين المدن الكبرى والأسواق القروية. ٣ - تأميم البنوك والتجارة الخارجية، لأن السيطرة على هذين القطاعين ضروري لممارسة الرقابة الوطنية وللتمكن من توجيهها في الاتجاه الذي يضمن القضاء على النظام الامتيازي بين فرنسا والجزائر ويسمح للدولة بالإشراف المباشر على التصدير والاستيراد وبمراقبة الأسعار على جميع المستويات. إن هذه المهمة التي تبدو تقنية تكتسي في الواقع طابعاً سياسياً لأنها تهدف إلى جعل البلاد تسلك موقف الرفض المتمثل في العمل على قطع علاقات الامتيازات مع المستعمر السابق واستبدالها بعلاقات حرة مع البلدان التي تعرض أفضل الأسعار ويضمن التعامل معها مبادلات متوازية أساسها المنفعة المتبادلة. ٤ - تأميم الثروات المعدنية والطاقة، وإذا كان التأميم ينتظر تحقيقه على الأمد الطويل، فإن إدراجه في البرنامج يعني أن مصالح الدولة مطالبة بتوفير مايحتاج إليه من شروط مثل تكوين المهندسين والتقنيين وتوسيع شبكات الكهرباء والغاز إلى كافة أنحاء البلاد. ٥ - تطوير الصناعة وتنميتها، وقد حدد برنامج طرابلس مهمة الدولة في العمل على توسيع القطاع العمومي الموجود ليشمل المناجم ومصانع الإسمنت وفي الإعداد لإنشاء صناعات قاعدية لابد منها للفلاحة العصرية وصناعات نفطية وحديدية في انتظار الصناعات التحويلية والثقيلة التي توفر للجزائر امكانيات إنشائها بالتدريج. أما ميادين الاقتصاد الأخرى، فإن الدولة تتركها للمبادرة الخاصة التي ينبغي تشجيعها وتوجيهها في إطار المخططات العامة، كما أن على الدولة تحسين الصناعة التقليدية وإنشاء صناعات صغيرة محلية وجهوية لاستثمار المواد الأولية ذات الطابع الفلاحي خاصة. وفيما يتعلق بالسياسة الاجتماعية، فإن برنامج طرابلس قد ضبط فيما يلي: ١ - رفع مستوى المعيشة بواسطة العمل على جبهتين أساسيتين هما محاربة البطالة قصد إلغائها نهائياً ومحاربة مظاهر الترف والإسراف والتبذير من جهة، وتعبئة الجماهير الشعبية لمضاعفة العمل وإتقانه وحمل الدولة والأغنياء على اللجوء إلى التقشف سواء في الحياة اليومية أو

стр. 430

بالنسبة لتحديد الأجور والمرتبات من جهة ثانية. ٢ - محو الأمية وتطوير الثقافة الوطنية، انطلاقاً من تعلق الشعب بقيمه الوطنية التي صيغت في إطار الحضارة العربية الإسلامية ومن تعطشه إلى العلم والمعرفة اللذين هما ضروريان لإخراجه من دائرة التخلف. ٣ - السكن وهو ميدان خاص بحياة ملايين الجزائريين الذين هدمت منازلهم في الأرياف واضطروا للعيش في أكواخ المجمعات والمعسكرات أو في الأحياء القصديرية التي تكاثرت عند مداخل المدن والقرى التي سلمت من الهدم والتخريب. لأجل ذلك، فإن توفر السكن اللائق للمواطنين يعتبر من الإجراءات المستعجلة التي يجب اتخاذها طبقاً لما تقتضيه دورة النشاط الاقتصادي وعملية إعادة تأهيل الريف. ٤ - الصحة العمومية، والاهتمام بهذا القطاع يبدأ بتأميم الطب والمنشآت الصحية من أجل ضمان مجانية العلاج. ولكي يكون الإجراء ناجحاً، لابد من مصاحبته بتكوين سريع للإطارات ومن تعبئة الجيش والمنظمات الجماهيرية لتحقيق إنجازات جديدة في الميدان ولمحاربة الأوبئة والأمراض المعدية. ٥ - تحرير المرأة باعتبارها نصف المجتمع. ونظراً لمشاركتها الفعلية في تقويض أركان الاستعمار، لإنجاز هذه المهمة يدعو برنامج طرابلس إلى محاربة الأحكام الاجتماعية السابقة والمعتقدات الرجعية وإلى توفير الشروط الموضوعية التي تسمح بإشراف النساء في تسيير الشؤون العامة وتنمية البلاد. وبالنسبة للسياسة الخارجية وهي الوسيلة الثالثة لإنجاز مهام الثورة الديمقراطية الشعبية، فإن برنامج طرابلس قد أشار إلى أنها عامل أساسي في تدعيم الاستقلال الوطني وبلورة الشخصية الدولية للجزائر. ومن ثم، فهي تنطلق من موقف الرفض الذي يدعو البلدان المستقلة حديثاً إلى قطع كل مايربطهم بالمستعمر السابق وتتمحور حول مجموعة من المبادئ الثابتة وأبرزها: ١ - مناهضة الاستعمار والامبريالية باعتبارهما آفة العصر وقوة الشر التي تمنع الشعوب من تقرير مصيرها بنفسها، وتبني مصالحها على الاستبداد بجميع أنواعه وعلى استغلال الإنسان للإنسان. ولتحقيق هذا المبدأ، يرى برنامج طرابلس أن الجزائر مطالبة بالتضامن

стр. 431

مع حركات التحرير في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية وبالتعاون مع البلدان الاشتراكية ومع قوى التحرر في البلدان الاستعمارية والامبريالية نفسها من أجل تفكيك النظام الذي يقوم عليه الاستعمار والامبريالية. وينبه البرنامج إلى أن النظام المذكور يعمل باستمرار على تغير أساليبه وتليينها قصد التكيف مع الأوضاع الجديدة من أجل إبقاء سيطرته على الشعوب والمحافظة على مصالحه الاستراتيجية في جميع الميادين، ومن جهة ثانية يوظف حكومات في إفريقيا وأمريكا اللاتينية كقواعد ومنطلقات لضرب قوى العدالة والتحرر في العالم. لأجل ذلك كله. فإن واجب الثورة الجزائرية يحتم عليها دعم حركة عدم الانحياز الإيجابي وتدعيم التحالف مع البلدان التي نجحت في بناء استقلالها الوطني وتحررت من السيطرة الأجنبية. ٢ - مساندة حركات النضال من أجل الوحدة في المغرب والوطن العربي وفي أفريقيا. وبهذا الصدد يدعو برنامج طرابلس إلى الاستفادة من التجارب الفاشلة وخاصة منها مؤتمر طنجة والوحدة السورية المصرية ومجموعة الدار البيضاء. ونظراً إلى أن العمل الوحدوي هام وأساسي لتوسيع نطاق محاربة الامبريالية، فإنه ينبغي إدراجه في إطار الاختيارات الإيديولوجية والسياسية والاقتصادية، وجعله ينبثق عن القوى الطلائعية والمنظمات الجماهيرية ويهدف قبل كل شيء إلى عزل الطبقات الحاكمة التي تشكل أكبر العراقيل والتي أصبحت متخصصة في تحويل مساعي الوحدة إلى شعارات ديماغوجية توظفها للإبقاء على مصالحها الخاصة التي هي في نفس الوقت مصالح الاستعمار والامبريالية. فمن هذا المنطلق، يؤكد برنامج طرابلس التقدم بخطوات ثابتة على طريق مرهون بمدى القدرة على تطوير المبادلات وتنفيذ المشاريع الاقتصادية المشتركة والسياسية الخارجية المبنية على التشاور والتضامن المطلق. ٣ - دعم حركات التحرير باعتبارها الامتداد الطبيعي لثورة التحرير في الجزائر إذ أن هدفها هو تصفية الاستعمار في جميع أنحاء العالم، لأجل ذلك فإن الثورة الجزائرية مطالبة بتقديم المساعدة الكاملة لجميع الشعوب التي تناضل فعلاً في سبيل تحرير بلدانها وعلى وجه الخصوص شعوب

стр. 432

أنغولا وجنوب أفريقيا وشرق أفريقيا. ٤ - النضال من أجل التعاون الدولي باعتباره أمراً ضرورياً لتوظيف كافة المصادر المادية والبشرية من أجل التقدم وتحقيق السلام في العالم، وبهذا الصدد يرى برنامج طرابلس أن "دعم الروابط مع بلدان آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وتطوير المبادلات في كل الميادين مع البلدان الاشتراكية وإقامة علاقات مع كل الدول على أساس المساواة والاحترام المتبادل للسيادة الوطنية والعمل المشترك مع القوى الديمقراطية في فرنسا خاصة سيؤهل الجزائر للقيام بمسوؤليتها على الصعيد الدولي ويجعلها قادرة على الإسهام بصفة إيجابية في مقاومة السباق نحو التسلح والتجارب النووية وفي العمل على تصفية الأحلاف العسكرية والقواعد الأجنبية" (١). الحزب والمنظمات الجماهيرية: وبعد تحديد المهام الأساسية للثورة الديمقراطية الشعبية وضبط محاوره الكبرى وحصر أساليب إنجازها، انتقل المؤتمرون إلى أداة التخطيط والتوجيه والمراقبة. وإذا كان الجميع متفقاً على أن هذه الأداة لايمكن إلا أن تكون هي جبهة التحرير الوطني (٢) التي قادت الكفاح المسلح وحققت جميع الانتصارات التي قادت إلى اتفاقيات إيفيان، فإن الخلافات قد بدت واضحة عندما تعلق الأمر بتعريفها كتنظيم سياسي تسند إليه هذه المهمة الجديدة. فحسب النصوص الأساسية السابقة لوقف إطلاق النار، فإن جبهة التحرير الوطني "مرشد الشعب ومحرك الثورة، وهي المنظمة التي تقوم بالكفاح المسلح من أجل محو النظام الاستعماري وبعث الدولة الجزائرية ذات السيادة وإقامة جمهورية ديمقراطية اجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية، أو لاتكون مؤسساتها متناقضة مع المبادئ الإسلامية (٣).

стр. 433

إن جبهة التحرير الوطني، في ميثاق وادي الصومام، هي الهيئة الوحيدة التي تمثل الشعب الجزائري والمؤهلة للتفاوض باسمه ولإقرار وقف القتال (١)، ولذلك فهي تنظيم ثوري وحركة جهادية مفتوحة لجميع الجزائريين الذين يتبنون برنامجها ويبدون، عملياً، استعدادهم للتضحية القصوى من أجل تجسيده على أرض الواقع. ولقد كان برنامج جبهة التحرير الوطني، في بداية الأمر، بسيطاً وواضحاً إذ يتمثل في ممارسة الكفاح المسلح والعمل السياسي، بهدف استرجاع السيادة الوطنية وإقامة الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية في إطار المبادئ الإسلامية. وهذه البساطة وهذا الوضوح جعلا أغلبية الشعب الجزائري تتعاطف مع الثورة وتزودها بما تحتاج إليه من إمكانيات بشرية ومادية. وبعد حوالي عام من انطلاق الرصاصة أعلنت أهم التشكيلات السياسية الوطنية عن حل نفسها وأمرت مريديها ومناضليها بالانضمام فرادى إلى صفوف جبهة التحرير الوطني التي تحولت، نتيجة لذلك، إلى حركة جماهيرية ترفع لواء الجهاد في سبيل الله وفي سبيل الوطن. لكن السنوات الأخيرة من الكفاح المسلح عرفت تطوراً غير معهود ولا منتظر خارج حدود الجزائر، إذ تجمع عدد من المثقفين المعروفين بنزعتهم اليسارية في إطار أسرة تحرير اللسان المركزي لجبهة التحرير الوطني وراحوا يفلسفون الثورة انطلاقاً من مشاربهم الماركسية والغربية غير آبهين بواقع الشعب العربي المسلم الذي يخوض المعركة الحقيقية في داخل الوطن. وبينما كان جيش التحرير الوطني في مختلف الولايات يمارس الجهاد ويطبق الشريعة الإسلامية حسب المستطاع، كان أولئك المثقفون يكتبون على الورق أن الثورة الجزائرية لا يمكن إلا أن تكون اشتراكية، وأنها ديمقراطية شعبية، وأن جبهة التحرير الوطني منظمة لائكية إلى غير ذلك من الانحرافات التي ستكون بعد سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف، سبباً رئيسياً في تشتيت الصف وحرمان الثورة من العديد من طاقتها الحية. وأثناء صياغة برنامج طرابلس اختلف أولئك المثقفون فيما بينهم حول مستقبل جبهة التحرير الوطني كتنظيم. فهناك من نادى بها منظمة جاهرية

стр. 434

تتشكل صفوفها من الفلاحين والعمال والطلبة والشباب والمثقفين الثوريين (١)، وهناك من دعا إلى جعلها حزباً طلائعياً يضم في صفوفه فقط العناصر الواعية والمؤمنة بمهام الثورة الديمقراطية الشعبية ومحاورها الكبرى وأساليب إنجازها ونظراً إلى أن الوقت لم يكن كافياً للفصل في الموضوع، ولأن المسؤولين الذين بيدهم سلطة القرار كانوا مشغولين بمسألة تشكيل المكتب السياسي، وحيث أن مجموعة العمل رغم يسارية أعضائها لم تكن قادرة على تجاوز خلافاتها المذهبية (٢)، فإن التعريف الذي تضمنه برنامج طرابلس قد جاء غامضاً وغير من مضمونه الإيديولوجي. هكذا، وبدون سابق إنذار، أضيف إلى الوثيقة الأساسية المقدمة للمجلس الوطني للثورة الجزائرية ملحق بعنوان: الحزب. وكأنما للإجابة على تساؤلات القارئ الخالي الذهن استهل الملحق المذكور بما يلي: "لتحقيق أهداف ثورة ديمقراطية شعبية لابد من حزب جماهيري واع" (٣). إن الحزبية في ذلك الوقت تتناقض جوهرياً مع حقيقة جبهة التحرير الوطني التي تأسست على أنقاض الأحزاب التي برهنت على فشلها في قيادة الشعب نحو توحيد واسترجاع الاستقلال الوطني، ولقد كان أعضاء المجموعة يعرفون ذلك ويعرفون، أيضاً أن الحزب الشيوعي هو من بين التشكيلات السياسية التي كانت تنشط في الجزائر قبل الفاتح من نوفمبر عام أربعة وخمسين وتسعمائة وألف، وهو التشكيلة الوحيدة التي رفضت حل نفسها وظلت تنافس جبهة التحرير الوطني وتتحداها إلى غاية وقف إطلاق النار، وعليه فإن اعتبار جبهة التحرير الوطني حزباً يقلل كثيراً من أخطاء القيادة الشيوعية ويفتح لها الأبواب واسعة للعودة إلى العمل كتنظيم مستقل بعد الاستفتاء والإعلان عن بعث الدولة الجزائرية من جديد. وزيادة في الإبهام، جاء في الملحق أن "حزب جبهة التحرير الوطني ولد في خضم المعركة وهو ليس تجمعاً، لكنه تنظيم يضم كل الجزائريين الواعيين

стр. 435

الذين يناضلون لصالح الثورة الديمقراطية الشعبية" (١). وإذ هو يشتمل على طليعة القوى الثورية في البلاد، فإنه مطالب بأن يبعد من صفوفه كل تواجد أيديولوجي مخالف معنى ذلك أن المناضلين المسلحين وغير المسلحين الذين يظلون أوفياء لأيديولوجية الحركة الوطنية التي هي في أساس أيديولوجية جبهة التحرير الوطني يقصون من الصوف ويستبدلونك بآخرين يكونون متشبعين بالأيديولوجية الماركسية. من هذا المنطلق نؤكد أن إعداد الملحق بهذه الصيغة كان مقصوداً من أجل دفع الثورة في طريق الانحراف بواسطة عزل القواعد النضالية والمنظمات الجماهيرية عن أيديولوجية الحزب وبالفعل، فإن الملحق يذكر أن التركيبة الاجتماعية للحزب تتكون من الفلاحين والعمال والشباب والمثقفين الثوريين، وأن الأغلبية الساحقة لهذه التركيبة من الأمنيين الذين ليس من السهل جعلهم يفهمون حقيقة الثورة الديمقراطية الشعبية كما هو محددة في الوثيقة المصادق عليها وعندما يتعذر عليهم الفهم كيف يمكن أن تطالبهم بالالتزام وبالعمل الميداني على تجسيد مشروع المجتمع الجديد. ولأن مجموعة العمل كانت تعرف كل ذلك، فإنها لجأت إلى خلط الأوراق وتأجيل التوضيح الأيديولوجي إلى ما بعد الدخول إلى أرض الوطن للتمكن من الاستحواذ على المرافق الأساسية في الحزب وخاصة منها مرافق التكوين والثقافة والإعلام. وعلى الرغم من الغموض المقصود والتذبذب الناتج عن ذلك، فإن الملحق قد ضبط المبادئ الميسرة للحزب وفي مقدمتها المركزية الديمقراطية وانتخاب المسؤولين على جميع المستويات وتنظيم الاجتماعات دورياً وبانتظام والإكثار من اللقاءات بين القاعدة والقمة حتى يسهل فتح القنوات في اتجاه الجماهيرية الشعبية بعد ذلك حدد العلاقة بين الغرب والدولة وهي نقل يكاد يكون حرفياً عما كان موجوداً في الاتحاد السوفياتي. أما عن المنظمات الجماهيرية، فإنها تعبر عن تنوع احتياجات الوطن وهي تتكفل بتنظيم الشباب والطلبة والنساء والعمال وتدافع عن مصالحهم الخاصة، وفي نفس الوقت تضمن مشاركتهم الفعلية في إنجاز مهام الثورة. ومهمة الحزب في هذا المجال تنحصر في المساعدة على إنشاء هذه المنظمات وتنشيطها في إطار برنامجه الشامل. ومما لاشك فيه أن نجاح هذه المهمة يتوقف نجاح تعبئة

стр. 436

الجماهير الشعبية التي هي شرط لابد منه لجعل الجزائر قوية وعصرية. وفيما يخص القانون الأساسي للحزب، فإن المجلس الوطني للثورة الجزائرية قد تبنى الوثيقة التي صادق عليها في دورته المنعقدة بطرابلس في الفترة مابين السادس عشر من شهر ديسمبر سنة تسع وخمسين وتسعمائة وألف والثامن عشر من شهر جانفي سنة ستين وتسعمائة وألف. وبهذا الصدد تجدر الإشارة إلى أن هذه الوثيقة كانت خاصة بجبهة التحرير الوطني وليس بحزب جبهة التحرير الوطني. ولكن يبدو أن ضيق الوقت هو الذي جعل المجموعة تكتفي بنقلها كماهي على القيام بالتغيير اللازم في المستقبل وسوف يكون ذلك المستقبل هو المؤتمر الأول للحزب في شهر أبريل سنة أربع وستين وتسعمائة وألف. ••••

стр. 437

الفصل الثالث أوضاع الجزائر غداة استرجاع السيادة الوطنية • ١ المنافذ الاستعمارية • ٢ التسابق إلى السلطة • ٣ مواجهة الأوضاع الموروثة عن الاستعمار • ٤ قراءة متأنية لميثاق الجزائر •••

стр. 438

المنافذ الاستعمارية: لقد تعرضنا، في الفصل السابق، إلى تقييم الانتصارات التي حققتها اتفاقيات إيفيان بالنسبة لجبهة التحرير الوطني، وذكرنا أن الأهداف التي سطرتها هذه الأخيرة أنجزت في مجملها، وإذا كان المتفاوضون الفرنسيون لم يتمكنوا من المس بسلامة التراب الوطني ووحدة الشعب الجزائري رغم محاولاتهم المتعددة وإمكانياتهم المتنوعة فإنهم توصلوا، في نهاية الأمر، إلى فتح بعض المنافذ لإرساء قواعد الاستعمار الجديد ومنع الثورة من التواصل في الطريق المؤدية إلى استكمال تحرير الإنسان وأهم هذه المنافذ، في نظرنا، هي: ١) - تمكين الأوربيين من وضع خاص يجعلهم يستفيدون من الجنسيتين الجزائرية والفرنسية لمدة ثلاث سنوات، تحترم خلالها خاصيتهم الغربية واللغوية والدينية. وتباعاً لذلك، فإن المدن ذات الأغلبية الأوربية تكون متميزة عن سائر المدن الجزائرية، وتتعهد السلطات الجزائرية بعدم الاقتصاص من الفرنسيين والجزائريين الذين ناهضوا الثورة بأشكال وطرائق مختلفة. لقد كانت السلطات الفرنسية تعتقد أن هذا البند، من اتفاقيات إيفيان، سوف يبقي الجزائر في أسر فرنسا لأن الأوربيين والعملاء من الجزائرين كانوا يشغلون على الأقل تسعين بالمائة من مناصب المسؤولية في مجالات الإدارة والاقتصاد والقضاء، وبالتالي فإن جبهة التحرير الوطني لن تتمكن من بناء المجتمع وإقامة الدولة المذكورين في نصوصها الأساسية، إذ من المستحيل مواصلة العمل الثوري بواسطة الإمكانيات البشرية التي أعدتها السلطات الاستعمارية بهدف الإبقاء على مصالحها وإلا كانت الثورة والاستعمار شيئاً واحداً. ودائماً في إطار هذه النقطة، تشير اتفاقيات إيفيان إلى أن الجزائر المستقلة ملزمة باحترام ملكيات هذا الصنف من السكان وبعدم اتخاذ أي إجراء يجردهم من أملاكهم بتعويض عادل يحدد مسبقاً ويكون مقبولاً. معنى ذلك أن الأوربيين والعملاء يظلون محتفظين بكل ماهو بحوزتهم من مكتسبات بجميع أنواعها، وإذ أرادت جبهة التحرير الوطني أن تكون وفية للأهداف المنصوص عليها في المواثيق القديمة والجديدة فإنها تكون مجبرة على تقديم أموال طائلة لايمكن للخزينة العامة توفيرها.

стр. 439

ويحاول بعض المؤرخين والسياسيين الذين عالجوا هذا الموضوع التقليل من أهمية هذا المنفذ معتمدين على كون الأغلبية من الأوربيين قد رحلوا بمحض إرادتهم وتخلوا عن ممتلكاتهم بما في ذلك أراضيهم الخصبة الشاسعة. فرحيل الأوربيين هو في واقع الأمر، قرار لم يحل المشكل بل زاده تعقيداً لأنه أوجد وضعاً قانونياً جديداً لم تتعرض له اتفاقيات إيفيان وسوف تتخذ منه فرنسا وسيلة ضاغطة إلى أبعد الحدود من أجل تثبيت قواعد الاستعمار الجديد. إن الأملاك الشاغرة في جميع الميادين ستظل موضوع نزاع الجزائر وفرنسا إلى غاية الثمانينات، بل إن بعض السياسيين الفرنسيين ما زالوا حتى الآن ينادون بضرورة إعادة فتح ملف التعويضات، بينما لم تلجأ السلطات الجزائرية إلى المطالبة بالتعويض عن الإهمال المقصود الذي لايختلف في الحقيقة، عن عمليات التخريب المنظمة. وإضافة إلى هذا الوضع القانوني الجديد، فإن رحيل الأوربيين قد أفاد العملاء الجزائريين الذين انشغلت عنهم السلطات الجزائرية بالعمل على سد الفراغ المهول الذي أحدثه ذلك الفرار المفاجئ، وسوف يستفيد الاستعمار الجديد كثيراً من السكوت عن هؤلاء العملاء وإحلالهم، فيما بعد، محل الفرنسيين الفارين. هكذا، إذن، فإن جبهة التحرير الوطني التي اعترفت بها فرنسا ممثلاً وحيداً شرعياً للشعب الجزائري والتي أجمع المجلس الوطني للثورة الجزائرية على إبقائها قائداً ومرشداً للثورة الجزائرية، سوف تكون مضطرة للاعتماد على إدارة استعمارية يسيرها، عملياً، إطارات وموظفون جزائريون، ما في ذلك شك، ولكنهم معدون لمناهضة الثورة وليس لخدمتها. ولقد كان قبول هذا الوضع المحتوم تنازلاً خطيراً لأنه سوف يمكن أعداء الثورة من توظيف الإجراء الإداري بجميع أنواعه لعرقلة القرار الثوري ومنعه من التطبيق. ٢) - تشكيل القوة المحلية من الجنود الجزائريين الذين يسرحون من صفوف الجيش الفرنسي أو من وحدات الحركة (١) و "القومية" (٢) ويبلغ عدد أفرادها أربعين ألف رجل يقودهم ضباط جزائريون ينتقون من داخل الجيش

стр. 440

الاستعماري، وتكلف هذه القوة بالحفاظ على الأمن وتوضع تحت تصرف الهيئات التنفيذية المؤقتة التي اتفق الطرفان الجزائري والفرنسي على إسناد رئاستها إلى الموثق الجزائري السيد عبد الرحمن فارس (١). لقد كانت الحكومة الفرنسية تراهن أن تكون القوة المحلية نواة الجيش الجزائري بعد الإعلان عن الاسترجاع للسيادة الوطنية، ولعلها تتحول بالتدريج إلى واحدة من المصادر الأساسية للسلطة نظراً للصراع القائم بين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية المدعوة ببعض الولايات (٢) وبين قيادة الأركان العامة التي أصبحت تستفيد من مساندة أحمد بن بلة وجماعته (٣) ومن دعم الولايتين الأولى والسادسة. إن فرنسا لم تعد ترتكب خطأ كبيراً في تقديراتها لأن الصراع القائم بين الحكومة المؤقتة وأفراد القوة المحلية يلتحقون بها جماعات وواحدنا، جنوداً وضباطاً وبذلك ضاعت إلى الأبد إمكانية المحاسبة، واختلط الحابل بالنابل وأصبح من المستحيل اعتماد الجيش كقوة وطنية متجانسة، خاصة وأن ضباط القوة المحليون لم يجدوا أية صعوبة في الربط مع زملائهم الذين سبقوهم إلى الحدود الشرقية والغربية ابتداء من مجيء الجنرال ديغول إلى الحكم. إن اختراق جيش التحرير الوطني بهذه الطريقة وعلى مراحل مختلفة هو الذي مهد، شيئاً فشيئاً إلى إقصاء الضباط الوطنيين الذين لن يتكونوا في صفوف الجيش الاستعماري. فكلما أبعدت مجموعة كانت جبهة التحرير الوطني تخسر معركة وتفقد سنداً، ولقد كانت الأسباب كثيرة حتى لاتبدو عملية التصفية مقصودة. فأحياناً تثار مسألة التشبيب (٤) وأحياناً أخرى تستعمل الترقية وسائر

стр. 441

الإغراءات والاعتراف بالجهد المبذول إلى غير ذلك من الحجج التي في ظاهرها العفوية والنية الصادقة وفي باطنها يمكن التخطيط للتخلص من جميع الضباط المتشبعين بأيديولوجية الثورة حتى ينفرد بالسلطة المكونون في صفوف الجيش التي تتناقص تماماً مع الأهداف المسطورة الأساسية للثورة. وإلى جانب القوة المحلية عمل بعض الضباط الساميون في الجيش الفرنسي، بالتعاون مع قيادة منظمة الجيش السري، على تشجيع عدد من الضباط الجزائريين العاملين في الجيش الاستعماري على التمرد بجنودهم وتكوين جيوش مستقلة من أجل محاربة جيش التحرير الوطني وإشعال نار الحرب الأهلية في الجزائر. وعلى سبيل المثال، تجدر الإشارة إلى حركة العقيد سي الشريف على رأس حوالي ألف مقاتل بناحية عين بوسيف الكائنة في ولاية المدية (١) وحركة عبد الله المصالي على رأس ثمانمائة مقاتل بناحية بوسعادة الكائنة في ولاية المسيلة (٢). ٣) -ازدواجية اللغة في التعليم والإدارة والقضاء فصل الجزائر عن عروبته وإبقائها في دائرة الفرانكفونية التي هي مذهب سياسي يرمي إلى نشر الفكر الاستعماري في البلدان التي لها استعداد طبيعي لقبول التبعية بجميع أنواعها، ومما شك فيه أن نشر الفكر الاستعماري في حد ذاته، وسيلة لقولبة الذهنيات طبقاً لمتطلبات الاستعمار الجديد من جهة ولتعميم أنماط الحياة المؤدية إلى سلخ المجتمع عن أصالته وربطه بظروف الحياة السائدة في فرنسا التي هي مصدر ذلك الفكر من جهة ثانية. إن هذه المهمة التي تبدو ثقافية في ظاهرها، أخطر بكثير من العمل العسكري الذي يهدف إلى فرض الاستعمار الاستيطاني. ولقد كانت فرنسا تدرك هذه الحقيقة وأبعادها، وتعرف أيضاً أن اللغة لايمكن أن تكون محايدة كما أنها لايمكن أن تكون مجرد وسيلة تبليغ، بل إنها وعاء حضاري وثقافي وعنصر أساسي من مقومات الشخصية بالإضافة إلى كونها أداة فعالة لاكتساب المعرفة ولصياغة نمط الحياة المميز للفرد والمجتمع على حد سواء. ففي هذا السياق عملت اتفاقيات إيفيان على تكريس اللغة الفرنسية ضرة للغة العربية تحجبها عن الظهور متى شاءت، وتمنعها من التطور الحقيقي الذي

стр. 442

يسمح لها بأن ترقى في وطنها على الأقل، إلى مصاف لغات العلم والتكنولوجية، وبأن تؤدي دورها الطبيعي في بناء الدولة المستقلة استقلالاً كاملاً. وإذا كان المفاوضون الفرنسيون لم يتمكنوا من تثبيت اللغة الفرنسية كلغة رسمية في الجزائر فإنهم عملياً قد أعطوها مكانة أفضل، إذ جاء في البند الحادي عشر من وثيقة الضمانات: إن النصوص الرسمية تنشر أو تبلغ باللغة الفرنسية كما هو الشأن باللغة الوطنية وتستعمل اللغة الفرنسية في التعامل مع المصالح العمومية للجزائريين، من أصل أوربي، الحق في استعمالها خاصة في الحياة السياسية والإدارية القضائية (١). وفي مجال التعليم تنص نفس المادة على أن الجزائريين من أصل أوربي أحرار في فتح وتسيير مؤسسات التعليم. وفي المادة الثانية من الوثيقة بالتعاون الثقافي تنص اتفاقيات إيفيان على كل واحد من البلدين يستطيع أن تفتح في البلد الثاني المدارس والمعاهد الجامعية التي يجري فيها التعليم طبقاً لبرامجه الخاصة ولتوقيته ومناهجه البيداغوجية. وتكون كل هذه المؤسسات مفتوحة لمواطني البلدين (٢). أما المادة التاسعة فهي تجعل كل واحد من البلدين يسهل دخول ونشر وتوزيع وسائل التعبير والتفكير القادمة من البلد الثاني، ويشجع، في كامل ترابه تعليم لغة البلد الآخر وتاريخه وحضارته وكذلك تنظيم التظاهرات الثقافية. هكذا، إذن، تكون اتفاقيات إيفيان قد مهدت لتكريس الغزو الثقافي في الجزائر. ولقد كانت فرنسا تدرك أن الجزائر المسترجعة حديثاً لاستقلالها لايمكن أن تسمح لنفسها ببناء المؤسسات التعليمية والمراكز الثقافية والمعاهد الجامعية خارج ترابها الوطني. وحتى لو فرضنا أنها تستطيع ذلك فإن الذين يقبلون هذه المنشآت لن يكونوا سوى من أبناء المغتربين، في حين أن جميع الإمكانيات متوفرة لدى فرنسا لفتح ماتريد من المدارس والمعاهد والمراكز الثقافية التي ترتادها أعداد غفيرة من الجزائريين الذين نهلوا من ينبوع الثقافة الفرنسية أثناء ليل الاستعمار الطويل. وتطبيقاً لاتفاقيات إيفيان فإن التعليم في الجزائر، لم يكن مزدوجاً رغم التنصيص على ذلك ولكنه بدأ فرنسياً محضاً لأن جميع المواد كانت تدرس

стр. 443

باللغة الفرنسية حسب البرامج الفرنسية وبمعلمين وأساتذة إن لم يكونوا فرنسيين فممن تكونوا بواسطة مختلف الترقيات الاستعمارية وزودوا بذهنيات ترفض فكرة السيادة لأنها تفصلها عن (الوطن الأم). أما اللغة الوطنية، فكانت تدرس شكلياً وكلغة فقط، الأمر الذي جعل السلطات المختصة تستغني عن وضع برنامج علمي لتدريسها ومخطط مضبوط يهدف بالتدريج إلى إحلالها محل لغة المغتصب السابق (١). ونظراً إلى المجهودات الجبارة التي بذلتها الدولة الجزائرية الفتية في قطاع التربية والتعليم، نستطيع القول إن اتفاقيات إيفيان قد رسخت اللغة الفرنسية ومكنت من نشرها عبر مختلف أنحاء الوطن ولم تترك حتى الأرياف والصحاري القاحلة وهي الأماكن التي عجز الاستعمار عن إيصال سمومه إليها أثناء ليله المظلم الطويل. التسابق إلى السلطة: كل هذه المنافذ وغيرها وظفت إلى أبعد الحدود من طرف فرنسا الاستعمارية التي وجدت لتأدية مهامها مساعدة غير منتظرة في تسابق القيادات الجزائرية نحو السلطة وفي تناقض تلك القيادات من حيث التكوين الأيديولوجي والمنطلقات الحضارية والفكرية والثقافية. فالتسابق نحو السلطة لم يكن جديداً كما أنه لم يكن وليد وقف إطلاق النار، بل إنه بدأ مباشرة مع تكوين الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية كما سبقت الإشارة إلى ذلك في الفصل الثالث من الباب الثاني، وبلغ أوجه عندما تشكلت الحكومة الجديدة برئاسة السيد بن يوسف بن خدة الذي أقدم في السابع والعشرين من شهر سبتمبر سنة واحدة وستين وتسعمائة وألف على أمر الولايات بقطع جميع العلاقات مع قيادة الأركان العامة التي رغم استقالتها، لم تفقد سيطرتها الفعلية على جيش التحرير الوطني المرابط على الحدودين الشرقية والغربية (٢). ولقد ازداد الخلاف حدة مع مطلع السنة الجديدة عندما عادت قيادة الأركان العامة إلى نشاطها وهي أكثر قوة من أي وقت مضى وعندما فشل السيد بلقاسم

стр. 444

كريم في مسعاه المتعلق بتقسيم أعضائها (١) ثم عندما تقدمت المفاوضات مع فرنسا ولاح في الأفق تحالف محتمل بين أحمد بن بلة وقيادة الأركان العامة. صحيح أن السلطة كانت هي الهدف الأسمى الذي كانت جميع الأطراف تسعى إلى تحقيقه، ولكن المتصارعين عليها كانوا في جريهم وراءها ينطلقون من مواقف أيديولوجية مختلفة يمكن حصر أهمها في الآتي: ١ - الموقف الرافض الذي يرى أن حل القضية الجزائرية يكمن، أولاً، في إلحاق هزيمة عسكرية بالجيش الاستعماري، وعليه فإن التفاوض مع العدو يعد تنازلاً خطيراً ونوعاً من الخيانة التي يجب التصدي لها بكل حزم وصرامة. وصاحبة هذا الموقف هي قيادات الأركان العامة التي تعتبر اتفاقيات إيفيان إجهاضاً للثورة وإرساء لقواعد الدولة الليبرالية في الجزائر (٢). ٢ - موقف القبول يرى أن الحل العسكري مستحيل، وأن التفاوض مع فرنسا هو الطريق الأوحد والأسلم لوقف إطلاق النار وتمكين البلاد من استرجاع استقلالها وبالطبع، فإن الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية هي صاحبة هذا الموقف وهي تعترف أن اتفاقيات إيفيان، على ما فيها من نواقص، صالحة لأن تكون قاعدة متينة لبناء الدولة الجزائرية كما هي محددة في النصوص الأساسية للثورة (٣). وإذا كان الموقف الأول متأثراً بالثورية التي تريد أن تكون محصلة للتجربتين الكوبية والصينية وهو، من ثم، يشترط أن تنتقل السيادة الجزائرية مباشرة من الحكومة الفرنسية إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، ويدعو إلى بناء مجتمع اشتراكي في الجزائر متمايز عن المجتمعات الاشتراكية الأخرى بارتكازه على أبناء الريف ورفضه لمبدأ الصراع الطبقي، فإن الموقف الثاني، في الظاهر، بنداء أول نوفمبر الذي اكتفى بالتفاوض مع فرنسا على أساس اعتراف هذه الأخيرة باستقلال الجزائر وبأن لا يتوقف إطلاق النار إلا بعد تسوية جميع القضايا السياسية. وفي الحقيقة فإن هذا الموقف متأثر برغبة ملحة لدى أعضاء الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في إنهاء حالة الحرب

стр. 445

"خوفاً من أن تعطي لفرنسا فرصة توظيف (١) الخلافات الداخلية لإجهاض الثورة". كما جاء في التفسيرات التي قدمها السيد ابن يوسف بن خدة. وعلى الرغم من أن ثورية الموقف الأول إلا أن أصحابه لم يكونوا معروفين على الساحة السياسية، ولذلك توجهوا إلى قصر أولنوي (٢) ووقع اختيارهم في بادئ الأمر، على السيد محمد بوضياف لما اشتهر عنه من قدرة التنظيم على محاربته لعبادة الشخصية وتشبع بالمبادئ اليسارية لكن بوضياف رفض عرض مبعوث قيادة الأركان العامة السيد عبد العزيز بوتفليقة نظراً لارتباطه مع الحكومة المؤقتة وبالضبط مع السيد بلقاسم كريم الذي كان قد تحالف معه من قبل ضد السيد أحمد بن بلة. ولقد تبنى هذا الأخير موقف قيادة الأركان العامة بدون أدنى تردد وأعلن عن انضمامه إليها من أجل فرض حلها للأزمة والمتمثل في تشكيل مكتب سياسي يكون مسؤولاً عن الحكومة المؤقتة وفي وضع مشروع جديد للمجتمع الجزائري (٣). ومما لاشك فيه أن قبول السيد أحمد بن بلة هذا التحالف مدفوع في جزء منه بمصالح الشخصية ولكنه، أيضاً جاء نتيجة تكوينه السياسي والأيديولوجي خاصة عندما نعرف أن فكرة الثورة بواسطة الأرياف تحتل مكانة رئيسية في برنامج نجم شمال إفريقيا ومن بعده حزب الشعب الجزائري وحركة الانتصار للحريات الديمقراطية، في هذا الجو المكهرب اجتمع المجلس الوطني للثورة الجزائرية وصادق، كما ذكرنا على برنامج طرابلس ثم لم ينه أشغاله، بل توقف عند مسألة تشكيل الهيئات العليا التي تسند إليها مسوؤلية تسيير شؤون البلاد بعد اتفاق الجميع على أن "جبهة التحرير الوطني ستواصل مهمتها التاريخية في قيادة الثورة (٤). وتعبيراً عن الموقفين المذكورين أعلاه تبلورت في داخل المجلس نزعتان رئيسيتان. إحداهما بزعامة السيد أحمد بن بلة وهي ترى أن المكتب السياسي المزمع انتخابه يجب أن يتكون من سبعة أعضاء وأن تعطى له كل الصلاحيات اللازمة لقيادة البلاد إلى أن يتم تزويدها بالمؤسسات الشرعية المنتخبة، واقترح

стр. 446

السيد أحمد بن بلة إلى جانب اسمه كلاً من السادة: محمد خيضر، محمد بوضياف، حسين آيت أحمد، رابح بيطاط، محمدي السعيد والحاج بن عله. أما النزعة الثانية فقد تزعمها السيد كريم بلقاسم، الذي اقترح مكتباً سياسياً من تسعة أشخاص وهم بالإضافة إلى اسمه: حسين أحمد، محمد بوضياف، محمد خيضر، رابح بيطاط، عبد الله بن طوبال، عبد الحفيظ بوالصوف، أحمد بن بلة، وسعد دحلب. وعلى إثر مشاورات فردية قامت بها لجنة (١) عينها المجلس لهذا الغرض، تبين أن قائمة ابن بلة تحظى بتأييد ثلاثة وثلاثين عضواً بينما لم يؤيد قائمة السيد كريم سوى واحد وثلاثون عضواً فالفارق إذن، كان ضئيلاً جداً وهو معرضاً للزوال لأن من المؤتمرين لم يعبرا عن رأيهما. وزيادة على ذلك، فإن تشكيليتين لم يراع فيهم التجانس، بل أن آيات أحمد ومحمد بوضياف قد صرح أنهما يرفضان مشاركة في هيئة عليا يشرف عليها السيد أحمد بن بلة، وذلك بحجة أنهما لم يتفقا معه طيلة سنوات السجن وأن نظرتهما للجزائر تختلف كلية عن نظرته. وعندما نراجع قائمة التشكليتين نستثني الحاج بن علة، فإننا نجد كل العناصر المقترحة لعضوية المكتب السياسي كانوا وزراء في الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية ووقعوا قبل غيرهم، على اتفاقيات إيفيان وبالتالي فهم يكادون يمثلون توجه واحد ولاتفارق بينهم سوى الحساسيات الشخصية والحزازات التي لاعلاقة لها بأيديولوجية جبهة التحرير الوطني. وإذا تعمقنا أكثر في التحليل، فإننا نجد أن الخلاف بين السيدين أحمد بن بلة وبلقاسم كريم لايعود إلى أشياء جدية ولكنه، فقط، ينطلق من اعتقاد كل واحد منهما أنه أحق من الآخر لقيادة الثورة. فالسيد بلقاسم كريم يرى أنه التاريخي الوحيد من بين مفجري الثورة الذي ظل طليقاً وعلى قيد الحياة، ولم يتوقف لحظة واحدة عن نشاطه كمسؤول في أعلى قمة الهرم القيادي، وعليه فهو أولى من غيره وخاصة من ابن بلة الذي لم يعش الثورة من الداخل ولم ينشط لفائدتها في الخارج سوى أشهر معدودة اعتقل بعدها ولم يستعمل السلاح الذي كان معه يوم اعتقاله ثم ظل يتابع الأحداث وفي مأمن من أخطارها (٢). أما السيد ابن بلة فيرى أنه أولى بقيادة الثورة لأنه كان مسؤولاً عن

стр. 447

المنظمة الخاصة التي كانت في أساس اندلاعها في حين أن السيد كريم من أنصار الكتلة المصالية إلى غاية الأيام الأخيرة التي سبقت بدء الكفاح المسلح، وإضافة إلى ذلك، فإن السيد كريم يتحمل مسؤولية كبرى في عقد مؤتمر وادي الصومام الذي يصفه السيد أحمد بن بلة بالمنعطف الخطير في طريق انحراف الثورة. ومهما يكن الأمر، وأمام عدم ظهور أغلبية حقيقية لصالح واحد من الاقتراحيين فإن أطرافاً كثيرة قد حاولت تقريب وجهات النظر وكان من الممكن أن يتفق الجميع على مكتب سياسي مكون من أحد عشر عضواً ويكون متضمناً لكل الأسماء الواردة في القائمتين. لكن ذلك لم يحدث بسبب تعنت السيد أحمد بن بلة الذي رفض عضوية الباءات الثلاث. ويقول السيد ابن يوسف بن خدة أنه خشي على الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، المسؤولة مباشرة على توقيع اتفاقيات إيفيان، وخشي أيضاً، أن يقود استمرار الخلاف إلى تفجير الأوضاع، فتحمل مسؤولية كاملة وغادر طرابلس إلى تونس في اليوم السابع من شهر جوان مرفوقاً بالسيد محمد بوضياف وآخرين (١). هكذا، فإن المجلس الوطني للثورة الجزائرية لم يختتم أشغاله رسمياً ولم ينتخب أية هيئة سياسية عليا أو دنيا كما أنه لم يجدد ثقته للحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، معنى ذلك أن الأزمة ازدادت حدة وأن الأمل في تسويتها بالطرق السلمية لم يعد وارداً، وراح كل طرف يبحث عن أنصار أقوياء يستعين بهم للاستيلاء على السلطة، ومعلوم أن الأنصار الأقوياء موجودين فقط على رأس القوات المسلحة. أما أحمد بن بلة، فإنه ضمن، تأييد قيادة الأركان العامة والولايتين الأولى والسادسة ثم راح يجمع، حوله، الإطارات السياسية التي تريد تصفية حساباتها مع الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أو مع الباءات الثلاث. وأما ابن يوسف بن خدة، فإنه استمال الولايات الرابعة والخامسة والثانية والثالثة بالإضافة إلى منطقة العاصمة وفيدرالية جبهة التحرير الوطني في أوربا ثم أعلن، باسم الحكومة، عن حل قيادة الأركان العامة وراح يبحث في الحدود الشرقية والغربية عن بديل لها (٢). وفي نفس هذا الإطار، ومخالفة للاتفاق المبرم مع فرنسا، دخل السيدان محمد بوضياف وبلقاسم كريم إلى الجزائر خفية في اليوم التاسع من شهر

стр. 448

جوان (١). لقد كان دخولهما بالاتفاق مع رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية من أجل حمل الولايات على تنسيق حركتها وتكوين هيئة موحدة لمواجهة قيادة الأركان العامة التي رفضت الامتثال لقرار حلها وشرعت في الإعداد لإدخال جيش التحرير الوطني إلى أرض الوطن. وكما كان منتظراً انعقد في زموره بالولاية الثالثة، اجتماع دام يومي الرابع والعشرين والخامس والعشرين من نفس الشهر وشارك فيه ممثلون عن الولايات الثانية والثالثة والرابعة وعن منطقة العاصمة وفيدرالية فرنسا. وبعد التداول حول مجمل القضايا المطروحة على الساحة الوطنية، لاحظ المجتمعون أن الحكومة فقدت هيبتها ولجنة التنسيق تسند إليها مهمة وضع قوائم المرشحين للمجلس التأسيسي، وضبط الشروط الموضعية اللازمة لعقد المؤتمر الوطني، وتنظيم عملية إدماج وحدات جيش التحرير الوطني المرابطة على الحدود في ولايتها الأصلية وتوفير الوسائل الضرورية لإدخال الأسلحة والذخيرة المخزونة في الخارج (٢). ولقد كان من الممكن أن تؤدي هذه اللجنة التنسيقية دوراً بالغ الأهمية في تغيير موازين القوة لو أنشأت قبل إطلاق النار، وحظيت بمشاركة باقي الولايات. لكن ظهورها عشية الاستفتاء أضفى عليها طابع المحاولة اليائسة لسد الطريق في وجه قيادة الأركان العامة التي لم تكن بحاجة إلى أراضي كل الولايات لإدخال الجيوش المرابطة على الحدود. فالولايات التي لم تستجب لنائبي رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية هي التي كانت تتحكم في جميع البوابات الحدودية المعينة لتحقيق العودة إلى البلاد. فالحدود الغربية كلها تقع في أراضي الولاية الخامسة بينما تمتد معظم الحدود الشرقية على أراضي الولاية الأولى والقاعدة الشرقية أما اللجنة التنسيقية التي أدانت أعضاء قيادة الأركان العامة قد طلبت من الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية أن تبقى موحدة وأن تستمر في التحضير لما بعد الثاني من شهر جويليه سنة اثنتين وستين وتسعمائة وألف، كما أنها شرعت في تنظيم الحملات الدعائية ضد مناورات السيد بن بلة وجماعته، لكن مجرد الكلام لم يعد يجدي نفعاً بل لابد للتخطيط النظري أن يكون مدعوماً بالقوة العسكرية وهو ماكان ينقص الحكومة المؤقتة. أما السيد أحمد بن بلة الذي تأكد من أن الوضع العسكري كان لصالحه وأن قيادة الأركان العامة تتحكم في الميدان كما ينبغي، فإنه تفرغ للتعبئة السياسية

стр. 449

واستطاع في ظرف قصير جداً أن يجمع حوله عدداً كبيراً من المسؤولين الممثلين فعلاً، لتوجيهات مختلفة لكنهم موحدون من أجل إسقاط الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، وتجاوز المجلس الوطني للثورة الجزائرية. ومن بين المسؤولين البارزين الذين أضفوا على حركة ابن بلة طابع الشمولية والشرعية والوحدة تجدر الإشارة إلى السيد فرحات عباس الذي كان محاطاً بالإطارات القيادية في الاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري (١). ولو كان الأمر يتعلق بصراع أيديولوجي لتموين عباس في الجانب الآخر الذي يعود إلى احترام اتفاقيات إيفيان التي خططت للنظر الليبرالي في الجزائر. وهناك أيضاً مجموعة من الإطارات الذين شاركوا في اجتماع الاثنين والعشرين والذين تم اعتقالهم في فترات متفاوتة وأَهملوا مدة حبسهم من طرف القيادة العليا ممثلة في شخص الباءات الثلاث (٢). وإذا كان السيد بن خدة قد طار إلى تونس حيث استأنف مهامه كرئيس للحكومة المؤقتة المسؤولة تجاه فرنسا عن تطبيق اتفاقيات إيفيان، فإن السيد أحمد بن بلة قد توجه إلى القاهرة معلناً عن شق عصى الطاعة مدعياً فيما بعد، أن الحكومة المؤقتة التي كان هو أحد نواب رئيسها قد حلت بمجرد انعقاد المجلس الوطني للثورة الجزائرية، لكن ذلك غير صحيح، لأن المجلس رفض بالإجماع استقالة الحكومة ولم يعين أخرى بديلة لها. وحينما ألح السيد ابن خدة على تقديم استقالته، فإن السيد ابن بلة قد قاد حملة واسعة النطاق من أجل إرغامه على سحبها (٣). ويبدو أنه إنما فعل ذلك، فقط، ليسد طريق الرئاسة في وجه السيد بلقاسم كريم الذي كان يسعى جاهداً للحصول عليها. فذهاب ابن بلة إلى القاهرة بدون استشارة أحد كان، إذن، دليلاً على بدء الصراع العلني. وقد كان من المفروض أن يلتحق بتونس من أجل اجتماع توضيحي ومن أجل لم شمل الحكومة وإجراء التحليلات اللازمة بحثاً عن عدم قدرته على الارتقاء إلى مستوى عظمة الحركة الجهادية في الجزائر. وبينما كانت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية تواصل نشاطها كسلطة تنفيذية عليا لجبهة التحرير الوطني، كان ابن بلة في القاهرة يدعو إلى عدم الاعتراف بقراراتها ويندد بسلوكات أعضائها الذين هم في الواقع زملاؤه في

стр. 450

النضال ولهم فضل البقاء خارج المعتقلات لضمان مواصلة الكفاح المسلح. ولقد كانت الثورة الجزائرية تستفيد أكثر لو أن أعضاء الحكومة كلهم اجتمعوا في تونس برنامج طرابلس على ضوء وثيقة وادي الصومام ومن أجل الاستعداد ميدانياً لما بعد الإعلان عن استرجاع السيادة الوطنية ولمواجهة آثار التخريب الذي قامت به منظمة الجيش السري (١). وبفضل وساطات متعددة قامت بها جهات مختلفة وخاصة منها الحكومة المصرية وفي مقدمتها الرئيس جمال عبد الناصر رجع ابن بلة إلى تونس وعقدت الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية اجتماعاً مطولاً في اليوم السادس والعشرين من شهر جوان. لكن الأمور ازدادت تعقيداً عندما حضر الاجتماع المذكور ممثلون عن اللجنة التنسيقية للولايات (٢)، ومعهم اقتراح بفصل رئيس وأعضاء قيادة الأركان العامة. يقول السيد محمد حربي: (إن الاقتراح كان من وحي السيدين كريم بلقاسم ومحمد بوضياف) (٣) لكنه لايقدم أي دليل على ذلك. وقد اعتبره السيد أحمد بن بلة إجراءاً استفزازياً ورفض حتى مجرد مناقشته ثم غادر قاعة الاجتماع. أما السيدان آيت أحمد وبوضياف فإنهما وجدا فيه حلاً صائباً للأزمة القائمة بين الحكومة وقيادة الأركان العامة في حين أبدى السيد محمد خيضر معارضة شديدة له، وعلى سبيل الاحتجاج قدم استقالته التي كانت إيذاناً بانتهاء الحكومة وإعلاناً عن وقوفه رسمياً إلى جانب ابن بلة وقيادة الأركان العامة. لم تكن لهذا الصراع أسس أيديولوجية، ولم يكن من أجل الدفاع عن مصالح الثورة، ولذلك فإن المساعي باءت بالفشل، واليوم، وبعد أكثر من ثلاثين سنة من وقوع الحادث نستطيع الجزم بأنه، في لحظة من اللاوعي واللاشعور، تمكن من القضاء على مكتسبات وطنية تطلب تحقيقها كثير من التضحية، وفي مقدمة تلك المكتسبات وجود وحدة الشعب الجزائري التي لم يجبر كسرها بعد ذلك الحين. ومن جهة ثانية أن الصراع على السلطة قد أهمل الجانب الأيديولوجي وحرم الجماهير الشعبية الواسعة من المشاركة الفعلية في مناقشة مشروع المجتمع المزمع تجسيده على أرض الواقع. إن المعتقلين التاريخيين الأربعة (٤) يتحملون أكبر قسط من المسؤولية فيما

стр. 451

وقع من مشاكل زائفة أفرغت الثورة من محتواها الحقيقي وفتحت أبواب القيادة واسعة للخونة والانتهازيين على اختلاف أنواعهم. وأول مايعاب على أولئك التاريخيين عجزهم عن التفاهم فيما بينهم وهم في سجن واحد وأمام عدو واحد ومصير واحد ورغم تشبعهم بأيديولوجية واحدة. أما عيبهم الثاني فيتمثل في عدم قدرتهم على توظيف فترة اعتقالهم التي بلغت خمسة وستين شهراً لوضع مشروع مجتمع متكامل وبرنامج عمل شامل قصد مواجهة الفترة الموالية لوقف إطلاق النار واسترجاع الاستقلال الوطني، وإذ لم يفعلوا كل ذلك فإنه كان عليهم أن يتعففوا ويتركوا مسؤولية القيادة لمن برهنوا على أنهم أهل لها. وعلى إثر انفضاض اجتماع الحكومة المؤقتة بالطريقة المشار إليها أعلاه، توجه السيد محمد خيضر في اليوم السابع والعشرين من شهر جوان إلى الرباط، وفي اليوم الموالي طار ابن بلة إلى القاهرة التي لن يغادرها إلا ليلتحق بصاحبه في اليوم التاسع من شهر جويلية. أما الحكومة المؤقتة فإنها دخلت إلى العاصمة يوم الإعلان عن استرجاع الاستقلال الوطني وهي مبتورة الأعضاء بفعل تمرد بعضهم واستقالة بعضهم الآخر (١). وبعد ذلك التاريخ بأسبوع، شرع السيد أحمد بن بلة في تنفيذ انقلابه الذي كلف الجزائر آلاف القتلى والجرحى بالإضافة إلى تهميش مئات الإطارات ممن دللوا، في الميدان وفي وقت الشدة، على تحليهم بالكفاءة والنزاهة والالتزام. وكانت أول محطة هي تلمسان التي بدأت تستقبل أنصاره منذ اليوم الحادي عشر من شهر جويلية والتي وقع عليها الاختيار لكونها الولاية التي بها مسقط رأسه (٢) ولأن واليها السيد أحمد مدغري الذي يعتبر من العناصر الأكثر وفاء للعقيد هواري بومدين. وفي اليوم السابع عشر من نفس الشهر اجتمع بقادة الولايات في مدينة الشلف الحالية وطلب منهم تزكية المكتب السياسي الذي اقترحه على المجلس الوطني ولم يحصل إلا على واحد وثلاثين صوتاً من جملة ستة وستين. ومن الجدير بالذكر أن الولاية الثالثة أعطت موافقتها شريطة استبدال السيد محمدي سعيد بالسيد بلقاسم كريم (٣). وبينما اقترحت الولاية الرابعة تكوين المكتب السياسي مؤقتاً من قادة الولايات وتكليفها فقط بتحضير المؤتمر الوطني

стр. 452

الذي ينتخب المؤسسات والهيئات الوطنية القارة، فإن الولايات الأولى والخامسة والسادسة قد طلبت مهلة للتشاور مع مجالسها. لكن ابن بلة الذي استجاب لرغبتهم لم ينتظر عودتهم إلى تلمسان وفاجأ الجميع في اليوم الثاني والعشرين من الشهر ذاته بالإعلان عن تأسيس المكتب السياسي مشكل من سبعة أعضاء هم: أحمد بن بلة، محمد خيضر، رابح بيطاط، حسين آيت أحمد، محمد بوضياف، محمدي السعيد والحاج بن عله. ورغم المفاجأة والإعلان الأحادي، فإن موقف الحكومة المؤقتة والولايات كان متزناً إلى أبعد الحدود إذ لم يشترط سوى استدعاء المجلس الوطني للثورة الجزائرية وإنهاء حالة الحصار المفروضة على قسنطينة. لكن ابن بلة كان يعرف عواقب ذلك الشرط، وعليه فإنه أمر باحتلال قسنطينة بواسطة جيش الحدود وقرر أن المكتب السياسي هو البديل للمجلس الوطني للثورة الجزائرية (١). وفي اليوم الموالي وهو اليوم السادس والعشرون من شهر جويلية أعلن السيدان محمد بوضياف وبلقاسم كريم عن معارضتهما، وشكلا، في تيزي أوزور، اللجنة الوطنية للدفاع عن الثورة محددين لها مهمة التحضير للمؤتمر وللانتخابات التشريعية. وترتب عن الإعلان المذكور دخول الطرفين في مفاوضات تخللتها أحداث كثيرة وقادت في النهاية إلى إبرام اتفاق بين المعنيين في اليوم الثاني من شهر أوت. وبمقتضى ذلك الاتفاق تراجع السيد بوضياف عن استقالته من المكتب السياسي الذي كلف، دون غيره، بإعداد قوائم الانتخابات وبتولي المهام التي كانت مسندة إلى الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية. وفي اليوم العشرين من شهر سبتمبر توجه الشعب الجزائري إلى صناديق الاقتراع وزكى القوائم المقدمة له والمكون لأول مجلس تأسيسي ترأسه السيد فرحات عباس، وانبثقت عنه أول حكومة برئاسة السيد أحمد بن بلة. مواجهة الأوضاع الموروثة عن الاستعمار: إن مائة واثنتين وثلاثين سنة من الاستعمار الاستيطاني لاتمحي آثارها بكل سهولة ولا تمحي آثارها السلبية سوى ثورة مستمرة لاتتوقف حتى بعد وقف إطلاق النار لأن الأمر لم يكن يتعلق بتحرير الأرض ولكنه كان يعني الإنسان

стр. 453

فوق كل شيء. فتحرير الإنسان أكثر أهمية ويتطلب مجهوداً ونفساً أطول. فالاستعمار الفرنسي، كما أشرنا إلى ذلك في الفصل الأول من الباب الأول، قد ركز، منذ العشرينات من هذا القرن خاصة، على تكوين إنسان متشبع بالثقافة الغربية ومجرد من كل عناصر الشخصية الوطنية. وتضاعف ذلك التركيز بعد أن وضعت الحرب الامبريالية الثانية أوزارها، وكذلك أثناء فترة الكفاح المسلح ليصل إلى أوج مايمكن أن يصل إليه عند وقف إطلاق النار. وصحب هذه العملية توسيع شبكة تعليم اللغة الفرنسية وتمكين متعلميها من التمتع بكثير من الامتيازات الاقتصادية والاجتماعية. ولا يخفى على أحد أن اللغة ليست مجرد ناقل محايد أو وسيلة تبليغ لاغير، لكنها وعاء حضاري وأيديولوجي من الطراز الأول. وعندما أعلن المجلس الوطني التأسيسي عن ميلاد الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية في اليوم الخامس والعشرين من شهر سبتمبر سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف كان الوضع في الجزائر يتميز بخاصيات من أهمها ما يلي: ١ - نسبة مرتفعة من الأمية قدرت بأكثر من ٨٠% (١). أما الخمس الباقي فجله من انصاف المتعلمين الذين صنعهم الاستعمار على عجل ليكونوا امتداده الطبيعي الذي يعتمد عليه في مواصلة عملية المسخ والتشويه والتنزيف. ٢ - إسلام مشوه غلبت عليه الخرافة والدروشة (٢) ولم يبق منه سوى جانب العبادات الذي تعرض بدوره إلى كثير من التحريف بحيث لم تعد الصلاة تنهي عن الفحشاء والمنكر، ولا شهادة تسمح بتوحيد الإله ولا الصوم قادر على أداء وظيفته الاجتماعية. أما الحج فحدث ولاحرج، وأقل مايقال عنه أنه أصبح وسيلة تجارية وسياحية في أحسن الحالات. ٣ - تقاليد وعادات ونمط وسلوكات يومية لاعلاقة لها بشخصيتنا الوطنية. ٤ - لغة وطنية مهملة، ممقوتة ومطاردة على الرغم من حيويتها وقدرتها على التكيف وتمكنها من استيعاب العلوم بأنواعها والتقنيات المختلفة. ٥ - علاقات اجتماعية مهلهلة أساسها الخوف والنفاق والمراوغة والمداهنة.

стр. 454

٦ - إدارة معظم إطاراتها فطموا على لبان الاستعمار الجديد الذي بدأ يستعد للمرحلة التالية من السيطرة، وتعلموا أن فنون التسيير التي قد تأتي من غير الوطن الأم لايمكن أن تكون في المستوى الحضاري الذي استولى على عقليتهم. أما الموظفون البسطاء والعمال، فإن سذاجتهم وانخفاض مستواهم التعليمي الذي لايتجاوز الأمية المركبة في غالب الأحيان قد يعتقدون أن الاستقلال عن فرنسا العظمى لايمكن أن يكون مصحوباً إلا بكافة أنواع التخلف والهمجية. وأما الإدارة التي كونتها جبهة التحرير الوطني خلال فترة الكفاح واستطاعت أن تقدم الدليل على نجاعتها في الميدان، فإنها استبعدت وفقاً لما نصت عليه اتفاقيات إيفيان. ٧ - اقتصاد تابع للاقتصاد في فرنسا. مساحات شاسعة من الأراضي الخصبة التي كانت قبل الاحتلال، تنتج أجود أنواع الأرز وكميات هائلة من الحبوب التي كانت تصدر لبلدان كثيرة مثل أوروبا وأفريقيا والوطن العربي، وتحولت إلى مغارس كروم تعطي الخمور الممتازة التي يخصص جزء كبير منها لتحسين الخمور الفرنسية أو لتزويد السوق العالمية. وكانت الصناعة التقليدية فقط فروعاً مكملة لبعض المصانع المتناثرة في مختلف أنحاء فرنسا (١) لم تكن في الجزائر، غداة استرجاع السيادة الوطنية، هياكل اقتصادية ثابتة (٢) ولم تكن فيها نواة صالحة للتنمية الدائمة التي تأخذ في الاعتبار تطور الزمان وتطور السكان. وزيادة على ذلك، فإن الامكانيات القليلة -وهي بالمقارنة مع حاجيات الكولون- قد تعرضت لتخريب مهول بسبب الغلاة عندما اقترب أجل الاستعمار. ٨ - تصاعد ديمغرافي مخيف زاد من حدته، عشية استرجاع السيادة الوطنية، رجوع حوالي مليون من الجزائريين الذين لجأوا إلى تونس والمغرب الأقصى أثناء فترة الكفاح المسلح، وكذلك تسريح حوالي مليونين من المواطنين الذين كانوا يقيمون بالمعسكرات والمحتشدات (٣). ٩ - انتشار البطالة الناتجة عن قلة التنظيم والإهمال الاقتصادي الذي فرض

стр. 455

على الجزائريين بسبب الخوف وعمليات التخريب. ١٠ - تزايد أعداد المغتربين في أوربا وفرنسا على وجه الخصوص. ولقد ازداد هذا المشكل خطورة عندما بدأت الأسر الجزائرية، لأسباب مختلفة ترحل للإقامة هناك (١). هذا الوضع عشية استرجاع الاستقلال الوطني وغداته مباشرة هو الذي كان على أول حكومة جزائرية أتت تواجهه. وكان نجاح تلك المواجهة مرهوناً بمدى قدرة الرئيس الجديد على جمع كل الطاقات الحية في البلاد وعدم الانسياق للأحقاد الدفينة التي ظلت تتراكم منذ انعقاد مؤتمر وادي الصومام، وكان النجاح، أيضاً، يتوقف على مراجعة برنامج طرابلس بحيث يظهر من تشكل مواطن اختلاف من شأنها إضعاف المد الثوري وتعريضه للإنقسام والتصادم بين المعركة الوحيدة. المفاهيم والمصطلحات التي لا علاقة لها بالواقع الجزائري إن المكتب السياسي الذي استولى على مهام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية بالطريقة التي أشرنا إليها أعلاه، لم يعرف كيف يحافظ على الوحدة الوطنية، بل إنه عندما وضع قوائم الانتخابات التشريعية التي جرت في اليوم العشرين من شهر سبتمبر قد ألغى كل من اشتم فيهم رائحة المعارضة لما يسمى بمجموعة تلمسان (٢). وبذلك أعطى الإشارة لبدء الصراع بجميع أنواعه في الوقت الذي كانت الثورة في أحوج ماتكون إلى تضافر الجهود وتوحيد الصفوف. وبالإضافة إلى كثير من القياديين الذين كانوا مازالوا قادرين على العطاء في مجالات التعبئة والتوجيه نظراً لما كانت لهم من سلطة أدبية في أوساط المناضلين والإطارات، فإن الحكومة الجديدة قد جاءت في تشكيلتها البشرية عبارة عن خليط من تيارات سياسية يستحيل توحيدها ولايمكن أن ينتظر منها تطبيق برنامج طرابلس الذي كان يتناقض تماماً مع المشارب الأيديولوجية لمعظم أعضائها. وإذا استثنينا الرئيس أحمد بن بلة، ووزير العمل السيد بومعزة، فإن حركة الانتصار للحريات الديمقراطية التي هي مصدر الثورة لم تكن ممثلة في تلك الحكومة بينما أعطيت للاتحاد الديمقراطي للبيان الجزائري أربع وزارات

стр. 456

ووزارة واحدة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين ووزعت باقي الحقائب على إطارات شابة لم يسبق لها أن تشبعت بواحدة من الأيديولوجيات الوطنية (١). لهذه الأسباب مجتمعة، فإن برنامج طرابلس قد وضع على الرف وراحت الحكومة تطبق سياسة ارتجالية تخضع في مجملها إلى تطور الأحداث وإلى تأثير المحيط وفي كثير من الأحيان إلى مزاج الرجل الأول في الدولة الذي لم يكن هو الأمين العام لجبهة التحرير الوطني ولكن فقط رئيس الحكومة أحمد بن بلة. إن برنامج طرابلس ينص بصريح العبارة أن جبهة التحرير الوطني ستظل هي مصدر السلطة الوحيد في البلاد لأنها كلفت من طرف المجلس الوطني للثورة الجزائرية بمواصلة مهمتها التاريخية (٢). لكن المكتب الذي تشكل في تلمسان لم يكن شرعياً، بل أتفقت جميع الأطراف على أن يكون هيئة سياسية وتنفيذية تقوم مقام الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية في توفير الشروط الموضوعية اللازمة لإجراء الانتخابات التشريعية وتحضير المؤتمر الوطني، وفي أثناء توزيع المهام أسندت الأمانة العامة لجبهة التحرير الوطني إلى السيد محمد خيضر في حين تكفل السيد محمد بوضياف بالعلاقة الخارجية والعقيد محمدي السعيد (٣) بالتربية الوطنية والحاج بن علة بالجيش الوطني الشعبي ورابح بيطاط برئاسة الحزب وأحمد بن بلة بمراقبة الهيئة التنفيذية المؤقتة. أما السيد حسن آيت أحمد، فإنه رفض الالتحاق بالمكتب السياسي. وعلى الرغم من صعوبة العمل في هذه الظروف، فإنه تم تنصيب اتحادية لجبهة التحرير الوطني في كل واحدة من عمالات الوطن (٤) كما تم تنصيب جميع الدوائر والقسمات في ظروف قصيرة جداً ودون أن يقع الحسم فيما يتعلق بالأولوية والسلطة هل تكونان للهيئات السياسية أم للهيئات التنفيذية، ولقد قاد الخلاف حول هذه المسألة إلى استقالة الأمين العام في شهر ماي سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف (٥). إن رئيس الحكومة لم يكن يجهل أهمية التنظيم السياسي بل إنه كان يدرك

стр. 457

جيداً أن إقامة الدولة لن يكون متأنياً إلا بوجود حزب قوي بمناضليه المهيكلين والمتواجدين على رأس جميع المناصب الحساسة، وإيمانه بهذه الضرورة هو الذي جعله يقول ذات يوم لوزير الدفاع العقيد هواري بومدين: إنك لن تكون كل شيء بفضل الحزب، ولن تكون شيئاً بدونه (١). لكن هذه الأداة التي يتوقف عليها مصير الحكم لايجب أن تكون بأيادي أخرى وعليه، فإن الرئيس بن بلة لم يتردد في صنع الظروف التي أدت، بالتدريج، إلى استقالة رئيس جبهة التحرير الوطني وأمينها العام وفي نفس الوقت أسندت مسؤولية المنظمات الوطنية إلى السيد الحاج بن عله الذي تم تعيينه وزيراً للدولة حتى يسهل ابتلاعه. إن الرغبة في جمع كل السلطات قد حجبت عن الرئيس أحمد بن بلة مخاطر ماكان يقوم به. لقد أدت قراراته الارتجالية إلى إبقاء المكتب السياسي محصوراً في شخصيتين اثنتين (٢) لم يسبق لهما أن مارسا مسؤوليات سياسية ودفعت برفاق النضال والمعتقل إلى المعارضة التي سوف تتخذ أشكالاً متعددة، كما أنها همشت نظام الولايات الذي برهن على فعاليته أثناء المعركة (٣) وجعلت من الإدارة منافساً قوياً رغم أن معظم إطاراتها كانوا من نتاج الترقيات الاستعمارية المختلفة وبالتالي فهم أقرب إلى مصالح الاستعمار منهم إلى المصلحة الوطنية. ففي مثل هذا الجو المكهرب شرع في تجنيد القواعد النضالية لمناقشة مشروع الدستور الذي أعدته الحكومة والذي يعطي لرئيس الجمهورية جميع السلطات بما في ذلك القيادة العليا للجيش. وكانت أربعة أيام كافية للاثراء ولإجراء جميع التعديلات ثم صادقت الإطارات السياسية على المشروع وقدم للتزكية إلى المجلس الوطني مما أثار سخط مجموعة من النواب وقاد إلى استقالة الرئيس فرحات عباس في مستهل شهر أوت (٤). وبعد أسبوع من الاستفتاء الذي جرى في اليوم الثامن من شهر سبتمبر، استدعى المواطنون من جديد لانتخاب المرشح الوحيد لرئاسة الجمهورية. هكذا، إذن، استطاع السيد أحمد بن بلة، في ظرف عام واحد، أن يقضي

стр. 458

على كل خصومه وأن ينفرد للحكم، لكنه في نفس الوقت أحدث حوله فراغاً سياسياً وأيديولوجياً مهولاً وشتت الطاقات الحية في البلاد وأرغمها على اللجوء إلى تشكيل معارضات سياسية وأخرى مسلحة، وبذلك يكون قد تسبب من حيث لايدري في إيقاف قطار الثورة وأرسى قواعد الفوضى والاضطراب في الجزائر وفتح فيها الأبواب للانقلابات تتواصل متشابهة إلى أن وقع إجهاض الثورة في اليوم الخامس من شهر أكتوبر سنة ثمان وثمانين وتسعمائة وألف. وكان الحزب الشيوعي الجزائري هو المستفيد الوحيد من كل هذه الأوضاع إذ تمكن، رغم عدم الانصهار في الثورة طيلة فترة الكفاح المسلح ورغم معارضته الشديدة لمنطلقاتها الأيديولوجية، أن يظل محتفظاً بوجوده طبقاً لتوجيهات لينين (١). وأن يعود للنشاط العلني كقوة دافعة تقف إلى جانب الرئيس أحمد بن بلة. وحتى عندما منع في اليوم التاسع والعشرين من شهر نوفمبر سنة ثلاث وستين وتسعمائة وألف عن الظهور ولم تتعرض إطاراته لأية ملاحقة أو مكروه، وهو الأمر الذي جعل أمينه العام السيد العربي بوهالي يصرح بأنه لايوجد أي نص رسمي فيما يتعلق بحله أو بمنعه من مواصلة تحركاته السياسية. لقد كان الحزب الشيوعي الجزائري يدفع إلى التعفن في الجزائر كما صرح بذلك السيد آيت أحمد عندما لاحظ في شهر أكتوبر (٢) أن مواقفه من المعارضة مزدوجة وغير واضحة، وبالفعل، فإنه كان يعلن عن مساندته لجبهة التحرير الوطني وفي نفس الوقت يَعِدْ، سراً، بالوقوف إلى جانب القوات المعارضة لها والعاملة على تغيير نظام الحكم. وكانت أهم القوات المعارضة وأخطرها متجمعة حول اثنين ويدعو إلى إقامة نظام ديمقراطي وثوري في الجزائر، وكلاهما، أيضاً، عين لعضوية المكتب السياسي. أما الرفيق الأول فهو السيد محمد بوضياف الذي كان من المفروض أن يشرف على العلاقات الخارجية ضمن تشكيلة المكتب السياسي لكنه لم يلبث أن قدم استقالته وأعلن غداة انتخاب المجلس التأسيسي عن ميلاد حزب الثورة الاشتراكية معللاً إقدامه على ذلك بانتشار الفوضى وانعدام الأمن وإفلاس جبهة التحرير الوطني التي لايمكن أن تكون حزباً ثورياً بسبب تركيبتها البشرية

стр. 459

ونتيجة تحالفها مع الرأسمالية العالمية (١). لقد ذكر مؤسسوا حزب يناضل من أجل القضاء على استغلال الإنسان ابن بلة مجانب للديمقراطية والشعبية والاشتراكية في آن واحد، ودعا إلى التنكر لاتفاقيات إيفيان باعتبارها مجهضة للثورة الجزائرية. وقد قابل رئيس الحكومة نشر هذا المشروع باعتقال السيد محمد بوضياف في اليوم السادس من شهر جوان ١٩٦٣ ومعه مجموعة من الإطارات السياسية. وأما الرفيق الثاني فهو السيد آيت أحمد الذي رفض عضوية المكتب السياسي من البداية لكنه قبل المشاركة في أعمال المجلس التأسيسي، وفي إطار هذا الأخير أعرب عن استنكاره للاعتقال المذكور أعلاه وقرر الانسحاب إلى عين الحمام (٢) مسقط رأسه استعداداً للمرحلة المقبلة التي استهلها في اليوم التاسع والعشرين من شهر أوت سنة ١٩٦٣ بالإعلان عن ميلاد جبهة القوى الاشتراكية التي قررت حمل السلاح لإسقاط النظام القائم وبذلك اندلعت حرب أهلية فيما يسمى بمنطقة القبائل، ولم تتوقف إلا بعد إلقاء القبض على آيت أحمد في اليوم الثامن عشر من شهر أكتوبر. وعلى عكس هاتين التشكيلتين السياسيتين، فإن الحزب الشيوعي الجزائري قد أعلن عن وقوفه إلى جانب الحكومة لكنه ظل متمسكاً بآرائه واستقلاليته ومن الغريب في الأمر أن كل من هذه الأطراف الأربعة يدعي لنفسه الثورية هذه التشكيلات لم تكن سوى منابر مستعملة لأغراض شخصية وبقصد الوصول إلى الحكم أو المحافظة عليه. ولو لم تكن كذلك لاستطاعت أن تجد أرضية للتفاهم فيما بينها من أجل إقامة جبهة وطنية تتضافر جهودها لتجسيد ما يمكن من تحسين برنامج طرابلس على أرض الواقع في انتظار المؤتمر الوطني الذي من حقه التعديل والتغيير. ولأن الصراع لم يكن سياسياً ولا أيديولوجياً، فإن الشعب ظل ينظر إليه من بعيد، ووظفت الحكومة قوات الجيش الوطني الشعبي، فظهرت جبال القبائل من مراكز التمرد وقررت منع جميع الأحزاب من النشاط، معتمدة على قرارات طرابلس الأخيرة ولكون "الاشتراكية التي تعني انصهار جميع الفئات الاجتماعية في واحدة، تتطلب الحزب الواحد كأداة، وإذا كان هناك معارضون فيكون عليهم

стр. 460

أن يتحركوا في إطار ذلك الحزب، والمطالبة بالتعددية الحزبية جزء من عقلية البرجوازية الليبرالية". الانزلاق نحو الحكم الفردي: إن القيادة الجماعية مبدأ في التسيير يحتل مكانة رئيسية في أيديولوجية الحركة الوطنية، ولقد أدى عدم احترامه والتهاون في تطبيقه إلى تمرد اللجنة المركزية لحركة الانتصار والحريات الديمقراطية على زعيم الحركة السيد مصالي الحاج وإلى انقسام جبهة التحرير الوطني. وإذا كانت جبهة التحرير الوطني قد أحرزت على مجموعة الانتصارات قادت بالتدريج إلى تحقيق الأهداف المسطورة في بيان أول نوفمبر، فلأن القيادة المختلفة قد وقعت في أزمة ووجدت نفسها مضطرة لأن تقدم تضحيات جساماً من أجل تجاوزها (١). إن الزعماء الخمسة لم يستفيدوا من هذه التجربة، ربما لبقائهم مدة طويلة في المعتقل بعيداً عن ممارسة المسؤولية على أرض الواقع وتحت تأثير الإشهار الإعلامي الغربي الذي لم يتأخر عن استعمال شتى الوسائل لتغذية روح الانقسام بينهم. وفي تلك الصائفة من سنة اثنين وستين وتسعمائة وألف، ضاعفت وسائل الإعلام المذكورة حملاتها المسمومة التي قادت شيئاً فشيئاً، إلى توسيع الهوة بين الأشقاء الذين أصبح كل واحد منهم يبحث عن أنصار يستعين بهم ضد الآخرين حتى ولو كان أولئك الأنصار من بين أعداء الأمس وطلقاء اليوم. فالتخلي عن مبدأ القيادة الجماعية هو الذي دفع ابن بلة إلى العمل من أجل الانفراد بالمكتب السياسي، وجعل محمد بوضياف يؤسس حزب الثورة الاشتراكية وآيت أحمد يتزعم واحداً من أخطر التمردات المسلحة في الجزائر، وحتم على فرحات عباس الاستقالة من رئاسة المجلس الوطني التأسيسي وأخطر من كل ذلك شتت أفضل الطاقات الحية في البلاد والمتمثلة في إطارات وجنود جيش التحرير الوطني الذين لم يغادروا ولاياتهم طيلة فترة الكفاح المسلح معبرين بذلك عن إخلاصهم للوطن وتفانيهم في الدفاع عنه. لأجل كل ذلك، فإن انتصار الحكومة برئاسة السيد بن بلة، كان في الواقع،
следующие страницы →