تاريخ الجزائر قبل الإستيلاء العربي
يتضمن هذا الكتاب الكلام على قدماء الجزائر أهل العصر الحجري والكلام عن البربر الذين عمروا هذا الوطن منذ دهور لا يعلم مبتدأها الا العليم الخبير واستقروا به حتى عرف بهم ونسب اليهم؛ والكلام على الدول التي سادت البربر فيه: وهي: دولة الفينيقيين ودولة الرومان ودولة الفندال ودولة الروم ويتقدم ذالك كله القول في جغرافية هذا الوطن الطبيعية.
فانحصر هذا الكتاب في سبعة أبواب:
ـ[الباب الأول في ذكر قدماء الجزائر أهل العصر الحجري.]ـ
ـ[الباب الثاني في ذكر البربر وأصولهم وقبائلهم وما يرتبط بحياتهم.]ـ
ـ[الباب الثالث في ذكر الفينيقيين وأخبارهم.]ـ
ـ[الباب الرابع في ذكر البربر وملوكهم على عهد قرطاجنة ورومة الجمهورية.]ـ
ـ[الباب الخامس في ذكر الرومان وأحوالهم مع البربر.]ـ
ـ[الباب السادس في ذكر الفندال ومآل أمرهم.]ـ
ـ[الباب السابع في ذكر الروم ومصير دولتهم.]ـ
стр. 37
جغرافية الجزائر الطبيعية
стр. 38
١ - تمهيد
الجزائر اسم لمدينة عظيمة على البحر الرومي تعرف قبل مجيء العرب باسم اقسيوم (ICOSIUM).
ولم تكن تطلق على وطن مترامي الاطراف الا منذ العصر العثماني حيث اتخذ العثمانيون هذه المدينة عاصمة لمملكة ذات حدود مقررة فاشتق اسم الوطن من اسم عاصمة دولته الجزائر. هذا المعنى الحديث جزء من وطن كبير عرف من قبل مجيء الفينيقيين باسم ليبية وهو عبارة عن طرابلس وتونس والجزائر ومراكش قال البكري: "ليبية سميت ببنت باقوه بن يونش الذي بني مدينة منفيش (١) بمصر وهي التي ملكت ملك أفريقية اجمع فسمى بها" (٢) ثم انسلخت الجزائر وما والاها غربا من هذا الاسم وكان الجغرافيون اليونانيون واللاتينيون يقسمون هذا الوطن الذي عرف أخيرا باسم الجزائر الى ثلاثة أقسام:
١ - مصيصيليا (MASSESSYLIE) وهو عبارة عن سهول سطيف وبرج بوعريريج وتل عمالتي الجزائر ووهران الى وادي ملوية غربا.
٢ - مصيليا (MASSILIE) وهو باقي عمالة قسنطينة وغرب عمالة تونس الى طبرقة ثم صارت مصيصيليا تعرف بموريطانيا الشرقية ومصيليا بنوميديا.
٣ - جيتولية (GETULIE) وهو عبارة عن صحراء موريطانيا ونوميديا ولما جاء العرب اطلقوا اسم المغرب على ما بين برقة شرقا والمحيط الاطلانتيكي غربا، والبحر الرومي شمالا والصحراء الكبرى جنوبا. وانما سموه المغرب لوقوعه غرب وطنهم جزيرة العرب. ثم قسم العرب المغرب الى أدنى وأوسط واقصى؛ وذلك بالنسبة لشرقهم.
стр. 39
١ - المغرب الأدنى هو ما بين برقة شرقا وبجاية غربا.
٢ - المغرب الاوسط هو ما بين بجاية شرقا ووادي ملوية غربا.
٣ - المغرب الاقصى هو ما بين وادي ملوية شرقا والبحر المحيط غربا.
واطلقوا اسم قسطيلية على ما يعرف اليوم باسم الجريد وهو جزء من جيتولية حسب اصطلاح من قبلهم. فلعل لفظ قسطيلية مأخوذ من جيتولية بضرب من التغيير وقد كان الرومان يسمون عمالة تونس أفريقية " AFRIQUE" ولما جاء العرب استعملوا هذا الاسم بازاء معان ثلاث:
قال صاحب المؤنس: تطلق أفريقية على القيروان خاصة؛ وعلى ما بين وادي الطين وبلدة باجة؛ وعلى المغرب كله.
ولما قسم المتأخرون الكرة الارضية الى قارات خمس اطلقوا اسم أفريقية على القارة الواقعة ما بين المحيط الاطلانتيكي غربا؛ والمحيط الهندي والبحر الأحمر شرقا؛ والبحر الابيض شمالا؛ وملتقى المحيطين جنوبا. واذ ذاك اطلقوا على المغرب اسم أفريقية الشمالية.
ان المغرب بجميع اقسامه- او أفريقية الشمالية- منفصل عن بقية أفريقية بصحار يتعذر سلوك بعضها ويتعسر سلوك بعض آخر؛ لذلك ضعفت الروابط بينه وبين اقسام بقية القارة حتى كاد لا يعد منها؛ وهو يكون وحدة جغرافية وجنسية ودينية وتاريخية: فان هواه واحد وطبيعة أرضه واحدة؛ وسكانه من قديم الجنس البربري؛ وديانته- قديما- الوثنية ثم جاءت المسيحية فكادت تعم عليه ثم جاء الاسلام فلم يدع قلبا الا فتحه واستقر به الاستقرار النهائي؛ والأمم التي فتحته قبل الاسلام وبعده كان فتحها متحدا وان اختلفت جهته؛ فالرومان- مثلا- لكونهم بحريين جاءوه من الجهة الشمالية؛ والعرب لكونهم اهل صحار جاءوه من الجهة الجنوبية.
٢ - الحدود
قد علمت ان وطن الجزائر عبارة عن موريطانيا الشرقية ونوميديا وجيتولية فحده الشمالي البحر؛ وهو الحد الطبيعي للمغرب كله.
стр. 40
وحده الجنوبي العرق وهو عبارة عن سلسلة جبال رملية تبتدئ من المحيط غربا وتنتهي شرقا بالنيل المنحدر من الجنوب الى مصر؛ وهذا هو الحد الطبيعي لجنوب المغرب ايضا.
وحده الغربي وادي ملوية الذي هو حد موريطانية الشرقية، وحده الشرقي طبرقة التي هي حد نوميديا.
تقرر هذا الوطن على هذه الحدود منذ العصر القرطاجني، وينقسم داخله انقساما اداريا الى ايالات تختلف باختلاف انظار الدول والملوك. وربما قام ببعضها امراء مستقلون ولم تزل تلك الحدود مرعية الى ان ملك آل عثمان من الترك هذا الوطن فنقصوا من حدوده الشرقية والغربية.
صار الحد الشرقي للجزائر- اذ ذاك- يمر شرق تبسة وسوق اهراس ومرسى القالة. والحد الغربي يمر غرب للامغنية وجبال ندرومة.
وبهذه الحدود الاخيرة صار الوطن الجزائري يشتمل على (٧٠٠،٠٠) ميل مربع تقريبا (الميل الفا ذراع).
فإذا ألقيت نظرة على الحدين الغربي والشرقي الفيتهما غير طبيعين فلم تكن للوطن الجزائري وحدة جغرافية الا في ضمن المغرب.
وإذا نظرت الى قدم حدوده وانها كادت تعاصر فجر التاريخ رأيتْ ان له شبه وحدة تاريخية وسياسية.
وقلما تجد أرضا ميزتها الطبيعية بتلك الحدود مثل أرض المغرب. وقلما تجد وطنا ذا حدود عريقة في القدم مثل الوطن الجزائري.
٣ - جو الوطن الجزائري
الوطن الجزائري واقع بالمنطقة المعتدلة ولقربه من خط الاستواء كانت برودته اضعف من حرارته. وقد تأثر جوه بالبحر شمالا والصحراء جنوبا، فكانت الجهات الشمالية على غاية من الاعتدال: اذ البحر يضعف حرارة الصيف بمياهه ويخزنها فإذا كان الشتاء قاوم برودته بابخرته السخنة؛ فيعتدل الجو- تقريبا- صيفا وشتاء. أما الجهات الجنوبية فهي شديدة الحر لأن الصحراء تدفع حرارة الصيف ولا تخزنها؛ وإذا جاء البرد لم يجد ما يقاومه فيشتد ايضا.
стр. 41
أما من حيث المطر وعدمه فان الوطن الجزائري ليس له في الحقيقة الا فصلان: فصل الامطار؛ وفصل اليبس ج والاول يبتدئ من منتصف الخريف الى مضي شهرين من الربيع. واكثر ما يكون المطر في الشهر الاخير من الخريف وشهور الشتاء الثلاثة.
والثاني يبتدئ من أواخر الربيع الى منتصف الخريف. وفي بعض هذه المدة تشتد الحرارة وتقلق البشر خصوصا إذا هبت ريح السموم.
٤ - الشاطئ الجزائري
الشاطئ الجزائري- كشواطئ اقسام المغرب- كاد يكون خطا مستويا. ولذلك قلت رؤوسه وخلجانه وكانت مراسيه قليلة العمق. وطوله حسب الحدود الحالية (١٢٠٠) ميل.
والرؤوس الكبار بهذا الشاطئ هي:
رأس فلكون، رأس إيفي، رأس كاكسين، رأس مطيفو، رأس كربون، رأس بوقرعون، رأس الحديد، رأس القارد.
والخلجان الكبار هي:
خليج وهران، خليج أرزيو، خليج الجزائر، خليج بجاية، خليج استورة، وخليج بونة.
ومراسيه المشهورة هي:
مرسى وهران، مرسى تنس، مرسى شرشال، مرسى الجزائر، مرصى الرجاج، (وهو مقابل لجزيرة ميورقة)، مرسى بجاية، مرسى جيجل، مرسى القل، مرسى استورة، (قرب سكيكدة)، مرسى بونة، مرسى مدينة الخرز (وهي القالة).
وقد ذكر البكري (١) مراسي كثيرة اضربنا عن بعضها لقلة اهميتها كما اضربنا عن رؤوس كثيرة وخلجان غير قليلة لضعف فائدة تعدادها. وتوجد للجزائر جزائر ذكرها البكري (١) أيضا ولكن لم ار داعيا لسردها. واما شبه الجزائر فأهمها شبه جزيرة سيدي فرج التي نزلها الفرنسويون في ذى الحجة ويونيه (جوان) عام ١٢٤٥ - ١٨٣٠.
стр. 42
٥ - جبال الجزائر
تتكون جبال الجزائر من سلسلتين متوازيتين آخذتين من الغرب الى الشرق. تفرق بينهما الهضاب غربا وتكادان تتلاقيان بعمالة تونس.
تعرف السلسلة الشمالية منهما بالاطلس التلي؛ والجنوبية بالاطلس الصحراوي. ولا يتجاوز ارتفاع السلسلتين عن البحر الميلين الا قليلا. وجبال الاطلس التلي اكثر ارتفاعا من جبال الاطلس الصحراوي.
وتفترق جبال الاطلس كليهما أما بسهول واما بمضائق. وتختلف اسماؤهما باختلاف القبائل المجاورة لهما. ففي كل مكان يطلق اسم خاص على جبال تينك السلسلتين.
فمن جبال الاطلس التلي جبل تنوشفي، بجهات تلمسان ارتفاعه (٢٦٨٠) ذراعا. جبال الضاية، جبال سعيدة، جبال وانشريس ما بين وادي مينة ونهر واصل اعلاها جبل عين المدنيا. ارتفاعه (٣٠٧٠) ذراعا. في سمتها شمالا جبال الظهرة، ارتفاعها ميل وجبال زكار ارتفاعها ميل ونصف. جبل كزول (او جزول) مشرف على تاهرت وهي في سفحه. جبال تيطري (٣٢٠٠)، ما بين منعطف وادي شلف الى الغرب وسهل وادي الساحل، والى شمالها سهول متيجة، جبل شنوة. جبال جرجرة. منها جبل لالا خديجة ارتفاعه ميلان وستمائة وست عشرة ذراعا. جبال سور الغزلان يبلغ بعضها (٣٦٠٠). جبال بابور، يقرب بعضها من ميلين، جبال الرحمن. وهي ما بين مرسى الزيتونة (شرق مرسى جيجل) ومرسى القل. قال البكري "وهو كثير الثمار والانهار، يسكنه قبائل من كتامة وغيرها، وفيه مزارع كثيرة ومراع مريعة، ومنه يحمل عمود الخرط الى أفريقية وما والاها، وفيه اسواق كثيرة ومراسي" (١)، جبل ايدوغ ناحية بونة يبلغ ميلا.
ومن جبال الاطلس الصحراوي جبل بني راشد (وهو جبل عمور) من قننه ما يبلغ (٣٦٠٠)، جبال الصحاري، جبل أوراس، به أعلى
стр. 43
جبل في الجزائر يعرف بشلية يبلغ علوه ميلين وستمائة وستا وخمسين ذراعا. وجبال أوراس لها شبه بجبال القبائل، ويجمع بين الاطلسين جبال الحضنة.
٦ - مياه الجزائر
ان للجبال دخلا في كثرة المياه وقلتها. فمتى ارتفعت الجبال جلبت اليها السحاب فينزل المطر وكلما ازدادت الجبال علوا ازداد المطر كثرة. وجبال الجزائر ليست متناهية في الصعود كما في بعض اوطان جنوب أروبا فكان المطر بها غير متناه في الكثرة. ولكنه واف بغرض أهل الوطن. فقد تكونت منه أودية كثيرة وبحيرات كبيرة وحمامات شهيرة. وهي مفيدة للوطن.
فان من الأودية ما تقام فيه السدود وينتفع بمياهه في سقي البساتين والحقول وتجعل عليه الارحاء لطحن الحبوب، ومن البحيرات ما يستخرج منه الملح خصوصا في الصيف عند ما تيبس، ومن الحمامات ما يقصد للنزهة والخلاعة والتداوي من بعض الامراض.
اما الأودية فليست من الانهار العظيمة ولا يكثر الماء بها الا شتاء بعد نزول الامطار الغزيرة، وفي الصيف بعضها يبس وبعضها تبقى به مياه قليلة. ولذلك لا تقل السفن العصرية الضخمة ولكن السفن القديمة كانت بعض الأودية تتحملها مثل وادي شلف ووادي سيبوس وقد ذكر البكري (١) عن وادي قسنطينة انه تجري فيه السفن، وذكر مثل ذلك عن نهر تافنا (٢).
ومن الأودية الكبرى التي تصب في البحر: نهر تافنا ونهر المقطع (ويظن بعض المؤرخين انه هو الذي كان يدعى مولوشات (MOLOCHATH) نهر سيك، (واظنه نهر سيرات). وادي شلف وهو اطول أودية الجزائر اذ يبلغ طوله (٧٠٠) ميل، ومنبعه من جبال بني راشد ويذهب شمالا مع ميلان الى الشرق أو الغرب في بعض الاماكن، يمر ببوغار ثم ينعطف الى الغرب ويصب في البحر
стр. 44
شرقي مستغانم. وتمده في طريقه أودية أخرى ويسمى في أوله وادي الطويل. وادي اسر. وادي سيباو. وادي الساحل يجتمع بوادي بوسلام ويسمى بعد ذلك سمام؛ ويقسم القبائل قسمين: القبائل العظيمة- لارتفاع جبالها- غربا، والقبائل الصغيرة شرقا. وادي الرمل- او الواد الكبير- (ويعرف قديما وادي مساغا) (AMSAGA) ومنبعه قال البكري: "من عيون تعرف بعيون أشقار. تفسيره سود" (١) يأتي من غرب قسنطينة ويمر بشرقها ثم يذهب شمالا وتمده أودية كثيرة في طريقه. وادي سيبوس يمر بقالة ويعظم في آخره.
ومن الاودية التي لا تصب بالبحر: وادي الشعير. منبعه بشمال جبل بوكحيل ويصب في شط الحضنة.
نهر سهر منبعه من نواحي برج الغدير ومصبه في شط الحضنة ايضا ويعرف اليوم بوادي القصاب. وادي مزى منبعه بجبل بني راشد وتطلع فيه عيون ثرارة قرب قرية الاغواط بمكان يعرف برأس العيون ومنها شراب الاغواطيين ويسقي بساتينهم. ويعرف في شرقه بوادي جدي. ويصب بشط ملغيغ جنوب بسكرة.
وأما البحيرات فهي ملحة ولا يوجد بها الماء الا فصل الامطار. ولا نحباس مياهها قد تنشأ عنها الحمى، ولذلك غوروا مياه بعضها كبحيرة عنابة وتعرف ببحيرة فزارة، وبحيرة هلولة بسهول متيجة، وسبخة وهران.
وبحيرات الجزائر منها ما هو متسع جدا ومنها ما هو قليل الاتساع. ويعبر عن المتسع منها بالشط وعن قليل الاتساع بسبخة او زاغز او ضائه.
اما الشطوط فتكون بالهضاب والصحاري ومن أشهرها: الشط الغربي في حدود الجزائر غربا، الشط الشرقي فيما بين جبل بني راشد وجبال سعيدة، شط الخضنة جنوب المسيلة، شط ملغيغ جنوب بسكرة، أما البحيرات الصغيرة فمنها زاغز الغربي بالشمال الغربي من الجلفة، زاغز الشرقي بالشمال الشرقي منها، البحيرة في عمالة قسنطينة تقطعها السكة الحديدية الذاهبة من قسنطينة الى باتنة. وأما الحمامات
стр. 45
الطبيعية فهي كثيرة وموجودة بجميع جهات الوطن الجزائر. منها بعمالة وهران حمام بوحجر، حمام بن حنيفية. وبعمالة الجزائر حمام ألوان، حمام ريغة. وبعمالة قسنطينة حمام أولاد زاير غرب ميلة، حمام بني هارون شمالها، حمام المسخوطين قرب قالمة. حمام بسكرة.
والعجائز ومن في معناهن من ضعفة العقول ومعبدي الجهل يعتقدن ان لهذه الحمامات ميزة وفيها سرا الاهيا فيدعونها حمامات الصالحين ويقصدنها للتبرك؛ والعواقر يستحمن بها رجاء النسل. ومن سخافة عقول هؤلاء المساكين- رجالا ونساء- اعتقادهم أن الجن هم الذين يتولون تسخين تلك المياه ليستحم فيها سليمان ﵇ لجهلهم موته. والقرآن ذكر ان الجن جهلوا موت سليمان ثم علموه عندما أكلت دابة الارض من منساته وخر على الارض. ولكن الجهال ينسبون الى الجن كل ما جهلوا اصله من الامراض وغيرها.
٧ - مناظر الجزائر
تنقسم الجزائر الى ثلاث مناطق طبيعية متوازنة آخذة من الغرب الى الشرق:
المنطقة الاولى التل والثانية الهضاب والثالثة الصحراء.
١ - التل: هو المنطقة التي على ساحل ابحر وتأخذ في الارتفاع حتى تبلغ الاطلس التلي. وما يلي البحر منها يدعى السواحل. وبمجاورته للبحر صار جوه متوسطا بين الحرارة والبرودة. والشتاء فيه حسن جدا. وأرضه ذات سهول وجبال فكانت صالحة لضروب كثيرة من الفلاحة. اما جباله فقد تقدمت، وأما سهوله فهي خصبة مأمونة الري. منها سهل وهران مغمور شطره بسبخة وهران. سهل سيك ويسقى من واديه (١). سهل شلف وهو حار وله مواد كافية لساقيه مستطيل قليل العرض واقع بين جبال الظفرة وزكار شمالا، وجبال وانشريس جنوبا. سهل متيجة (تعرف قديما بقزرونة) وهو اخصب سهول الجزائر واقع بين ساحل الجزائر شمالا ووطن القبائل شرقا وجبال البليدة ومليانة جنوبا. سهل حمزة بوطن القبائل. سهل عنابة وهو شبيه بسهل متيجة لولا ما به من كثرة الحمى الناشئة عن بحيرة فزارة.
стр. 46
٢ - الهضاب: وهي المنطقة الوسطى ذات سهول عالية يبلغ متوسط ارتفاعها (١٦٠٠) ذراعا؛ وقد تصل (١٨٠٠). وبها منخفضات تتكون في بعضها بحيرات. هواؤها جاف: لأن جبال الاطلس التلي تمسك عنها السحاب وجبال الاطلس الصحراوي- لتفرقها- لا تمسك عنها الرياح السمائم. وتختلف حالها صيفا وشتاء اختلافا كبيرا وكذلك لا تجد المناسبة بين ليلها ونهارها: الشتاء بارد جدا وفي بعض الاماكن تساقط الثلوج بكثرة؛ والصيف حار ولكن لياليه معتدلة حسنة. والرياح بالهضاب كثيرة والحمى نادرة. ومن الهضاب الواسعة هضبة الحضنة تكثر بها الرمال وهي في جفاف هوائها وحرارة طقسها شبيهة بالصحراء.
٣ - الصحراء: هي المنطقة الجنوبية وغالب أرضها رمال تذروها الرياح. ولكن بها واحات جميلة ذات مياه مطردة يغرس عليها النخيل وانواع من الاشجار ويسقى بها بعض الخفر وقليل من الزرع.
وبها هضاب لا تنبت شيئا تدعى "الحمادة" وكثبان من الرمل تمسك الندى فينبت بها بعض الاعشاب ترعاها الجمال. وبها أودية لا تجري بالماء الا بعد نزولى المطر الغزير. ومن واحاتها قرارة بوطن توات واكبر قراها عين صالح؛ واحة فجيج شمال توات؛ واحة المنيعة؛ واحة ورجلة.
٨ - الغابات والنباتات الطبيعية
الجبال الجزائرية كلها ذات اشجار متنوعة ونجوم مختلفة. وليست الاشجار والنجوم مختصة بالجبال بل توجد في غيرها ايضا.
ومن الغابات الشهيرة غابة ثنية الأحد، غابة عزازقة بوطن القبائل، غابة بابور، غابة سوق اهراس، غابة أوراس.
ومن الاشجار البطم، والبلوط، والخروع، الخرنوب، الخلاف (وهو الصفصاف) الدردار، الدفلى، الضال، الضرو، السرو، الصنوبر، الارز، العرعر، العشرق، الطرفاء، القصب، الكافور، الكرم، النبق، النشم، الريحان، الكروش، ومن النجوم لبهار، الحرشف (والعامة تقول الخرشف) الحرمل، الحسك.
стр. 47
الحنظل، الخبازى، السلق، شقائق النعمان، عنب الثعلب، العرفج، الكراث، الكرفس، البرجس، الصعتر، الديس، الحلفاء، الدرين، والثلاثة الاخيرة كل منها مختص بمنطقة: الديس بالتل، الحلفا بالهضاب، الدرين بالصحراء.
ليس في استطاعة احد ان يحصي نباتات الوطن الجزائري. ولكنها على كثرة اصنافها وعظم فوائدها لا ينتفع بها الجزائريون الا انتفاعا بسيطا.
فلو علموا خصائصها واحيوا علم الكيمياء لخدموا الطب خدمات جليلة وكان لهم السبق في الميدان الاقتصادي. وليس هذا بالأمر الوحيد الذي فرط فيه شعبنا. فمتى ينتبهون من هذه النومة التي كاد امرها يجاوز امد نومة القبر؟ فيتلافون ما فرطوا فيه ويجدون فيما تكاسلوا عنه.
لا يمكن أي احد ان يتكهن باليوم الذي تبعث فيه الأمة الجزائرية من مرقدها فان المستقبل لله وحده، ولكن لا نيأس من هذا اليوم الميمون فانه لا ييأس من روح الله الا القوم الكافرون. أليس الله بقادر على ان يحيي الموتى بلى انه على كل شيء قدير.
٩ - الحيوانات الوحشية
يعيش في غابات الجزائر وفلواتها حيوانات كثيرة لا يأتي عليها العد. ولكن اذكر بعضا من ذوات الاربع والطير والحيات.
فمن ذوات الاربع الأرنب، الأسد، ابن عرس، ابن آوى، الثعلب، الخنزير، الذئب، سنور البر، الضبع، القرد، الكركند، كلب الماء، النمر، اليربوع، القنفذ، الضربوب، الغزال، الوعل.
ومن الطير البازي، الببغاء، البلبل، البوم، الحبارى، الحدأة، الحمام، الحجلى، الخفاش، الرخمة، الزرزور، السماني، الصقر، العصفور، العقبا، الغراب، القنبرة، القطا، الكروان، النعامة، النسر، الهدهد.
стр. 48
ومن الحيات الافعى، الثعبان، العقرب، الحرباء، الضب، الورل.
ان في وفور السباع العادية والحيات السامة ما يقوي الذكاء ويعين على الاختراع لأن مجاورها مضطر الى وقاية نفسه منها ومحتاج الى تدبير حيل للانتقام منها. وقديما قيل: "الحاجة أم الاختراع".
وفي وفور الصيد من الطير وغيرها ما يحمل على تعلم الرماية والحذق فيها. اذن فالشعب الجزائري- بطبيعة وطنه- من انبل الشعوب واحكمها رماية.
١٠ - المعادن
الجزائر مشهورة من قديم بالمعادن وخصوصا معادن الحديد:
١ - الذهب: من معادنها الذهب ولكنه قليل.
٢ - الفضة: ومنها الفضة.
٣ - الالماس: ومنها حجر الالماس.
٤ - الزرنيخ: ومنها الزرنيخ.
٥ - الخيلدون: ومنها الخيلدون، وهو نوع من العقيق الجيد.
٦ - الرخام: ومنها الرخام، وهو موجود بجهات كثيرة ولكن نتيجته ضعيفة لأنه لا يصدر الى الخارج لغلاء مؤنة حمله. والمشهور من معادنه. معدن فليفلة قرب اسكيكدة، معدن شنوة قرب شرشال، معدن عين تاكبالت قرب وهران. ورخام هذه المعادن رفيع جدا.
٧ - النحاس: ومنها النحاس، يوجد بكثرة في عين بربار قرب عنابة، وفي جبال كتامة، وفي غيرها.
٨ - الرصاص: ومنها الرصاص، يوجد قرب الحد التونسي بكهف ام الطبول، وقرب الحد الغربي بغار اوبان.
٩ - الزانك: ومنها الزانك يوجد بجبال وانشريس، وبو ثعلب بعمالة قسنطينة وغيرهما من النواحي.
١٠ - الحديد: ومنها الحديد. وهو اكثر معادنها واشهرها. والمشهور
стр. 49
من معادنه اثنان، مقطع الحديد قرب عنابة، معدن بني صاف بالشاطئ الوهراني.
١١ - الجبس: ومنها حجر الجبس. وهو موجود بجهات كثيرة. اشهرها وادي تافنا، أربعاء بني موسى قرب الجزائر.
١٢ - الجير: ومنها حجر الجير. وهو موجود بجميع النواحي.
١٣ - الغاز: ومنها الغاز. يوجد بجبال الظهرة ونواحي غليزان.
١٤ - الملح: ومنها الملح. يوجد الملح الحجري بجهات ميلة والجلفة. ويستخرج غير الحجري من البحيرات والسباخ.
١٥ - الفسفاط: ومنها الفسفاط. وهو زبل طبيعي يستعمل لتطييب الارض الفلاحية والغراسية. يوجد منه كثير بنواحي تبسة وسطيف.
١١ - الفلاحة
أرض الجزائر كريمة البقعة طيبة التربة منبجسة العيون والانهار آخذة حقها من الشمس فكانت لذلك خصبة الجبال والبسائط صالحة لضروب كثيرة من الفلاحة. ولكن عماد ثروتها ودعامة غناها شيئان: الحبوب وهي في الدرجة الاولى معروفة بذلك من قديم.
وقد كان الرومان يدعون الجزائر- وغيرها من التراب الأفريقي- "مخزن حبوب رومة" والزيتون وهو في الدرجة الثانية. وهو شجر جبال كتامة والقبائل وبلاد تلمسان.
ان وطن الجزائر وطن خيرات كثيرة ليس من المستطاع احصاؤها. ولكن نذكر بعض ما يحرث به أو يغرس.
فمن زروعها الحنطة وهي انواع متفاوتة في الجودة. الشعير. السلت. وقشرته قشرة الشعير وحبته حبة القمح وتدعوه العامة "شعير النبي". الحمص، الفول، الأرز، الدخن، الذرة وهي نوعان، العدس، الكتان، القطن، التبغ. وهو مما جلب اليها أخيرا بخلاف ما قبله فانها قديمة العهد.
ومن اشجارها الزيتون وهو اعظمها فائدة. التين. وهو انواع كثيرة ويدخر للاقتيات ببلاد القبائل، الكرم وهو ضروب كثيرة
стр. 50
وجودته مشهورة. النخيل وهو بصحرائها ذو انواع يعسر عدها منها ما لا نظير له في سائر البلاد طعما ونكهة. التفاح وهو انواع مختلفة طعما وريحا. الاجاص وهو انواع مختلفة طعما وحجما. اللوز وهو نوعان صلب ولين. البورتقال (الشينة- الشين) الليمون وهو انواع. الزنبوع. الاترج، الجوز. الموزء الخوخ. وفيه اصناف. المشمش وفيه اصناف تبلغ ثمرة بعضها حجم ثمرة الخوخ. الفستق. العناب وهو كثير بناحية بونة حتى سميت من اجل ذلك عنابة. بوفريوة. السفرجل وهو موجود بجميع جهات الوطن ولكن لسفرجل تيهرت شهرة على غيره، قال البكري- اثناء الكلام على تيهرت-: "وسفرجلها يفوق سفرجل الآفاق حسنا وطعما ومشما" (١).
التوت وهو انواع. حب الملوك.
وتنبت الجزائر غير ما ذكر من ضروب الحبوب والاشجار ضروبا من الخضر والبقول، وكل ذلك يدل على أرض خصبة طيبة. ولكن هل ذلك مدح لها أم ذم؟
ما من أحد الا وهو يرى ان الارض الخصبة افضل من الارض الجدبة. ولكني اراني مضطرا لمخالفة الناس في ذلك والذهاب الى غير ما يذهبون اليه حاكما بعكس حكمهم. فإذا رأى القارئ حكمي هذا غريبا فليتأمل مستندي فيه وماذا أرمي اليه فعساه وافقني او يعذرني على الأقل.
ذلك ان الجنس الذي يكون بالاراضي التي غضبت عليها الطبيعة فجردتها من روعة الجمال وتركتها عجوزا شمطاء يجد نفسه في حاجة الى التوسع وطلب الرزق في غير وطنه. وليس له من زاد يبلغه الى امنيته ولا معين يعينه على تنفيذ طبته الا الشجاعة والدهاء. والدهاء عضده الايمن ووزيره الايمن.
... الرأي قبل شجاعة الشجعان ...
فيقرأ في مدرسة الحاجة دروسا من الدهاء؛ وتكسبه منازلة الاهوال من صفة الشجاعة على نسبة الخطوب التي قارعها في تحصيل
стр. 51
مطلوبه.
أما الجنس الذي يكون بالاراضي التي منحتها الطبيعة سلطان الجمال وخلعت عليها ضروب الزينة فأضحت عروسا ترمقها الاعين من كل جانب وهي في عزتها لا تحتفل بأحد- هذا الجنس تجده راضيا عن وطنه مستغنيا بخطه الوافر عن ان يمد عينه الى غيره. فلا يضطره تحصيل رزقه الى دهاء بعيد القعر- عياذا بالله من الافراط- ولا يكتسب الشجاعة الا من مطاردة الحيوانات الوحشية ترويضا لنفسه وتتميما للذته.
ولهذه النظرية شواهد عملية فليست النظرة خيالية بل واقعية. انظر الى الأمة العربية النابتة بتلك الصحاري الموحشة المقفرة لما عرفت كيف تتحد وطعمت لذة الاتحاد بجدها قد ملكت نصف المعمور او جله في أمد لا يكفي غيرها من الامم لافهامهم فائدة الاتحاد.
وهذه الأمة الانكليزية الناشئة بتلك الاراضي الصخرية امتد ملكها في جميع القارات الخمس على أمم كثيرة. وليقس ما لم يقل.
فالاراضي الجدبة أيأست غير سكانها من الطمع فيها ودفعت بأهلها الى مشاركة الغير في خيرات وطنه او تجريده منها.
والاراضي الخصبة الفتت انظار الاجانب عنها اليها وشغلت اهلها عن النظر الى غيرها. وربما علمتهم الكرم ففسحوا لنزيلهم الذي لم يروا منه مكروها كما فسحت أفريقية للفينيقيين. وربما دعتهم الى القناعة فتركوا بعض الاماكن للهاجم عليها من غير ان يستنفدوا قوتهم في الدفاع عنها.
وبديهي ان هذه المساوي للاوطان الخصبة الى جانب محاسنها تنطبق على الوطن الجزائري، فكيف تجد نفسك يا ابن الجزائر إذا انت فكرت تفكيري ووافقتني في بحثي واستنتاجي؟
أتسب وطنك ان جاد عليك بخيراته حتى انغمست في الملاذ وأهملت واجباته؟ ام ترى ذلك عذرا يفسل عنك عار الكسل ويبيح لك الخمول والازواء عن العمل؟ لا- لا تنقص وطنك الكريم فان ذلك من خلق اللئيم؛ ولا ترتد بالكسل وترتض الجمود فانك بذلك تسلم في نصيبك
стр. 52
من الحياة لذوي الجدود؛ ولا يحملنك ذلك النظر على الاستسلام للقدر. فان ذلك البحث إنما يصلح متكأ للأمم التي لم تزل على الفطرة لا تعرف غير وطنها ولا عرفت شيئا من أحوال غيرها ليس لها كتاب يرشدها ولا فلاسفة توسع انطاق عقلها ولا ماضي زاهرا يذكي بنفوسها جذوة الحماس ويبعثها على استعادته.
أما ابن الجزائر فلا متكأ له في ذلك البحث. بل كون وطنه بتلك الدرجة من الحسن مما يزيد في حسرته ويحمله على تدارك هفوته ويوقظه الى التفكير في غده وبناء صرح سعادته بيده.
стр. 53
الباب الأول
في ذكر قدماء الجزائر
أهل العصر الحجري
стр. 54
تمهيد
كان الانسان في ابتداء وجوده واول عهده بهذه الحياة لا يعرف الكتابة ولا الصنائع والحرف، ولا يهتدي الى ما اودع الله في الارض من المنافع، فجهل الفلاحة والغراسة واستخراج المعادن.
انما عرف الحجارة فاستخدمها لصيد الوحوش لقوته، او رد عاديتها عنه، ثم في دفاع المعتدين عليه من بني جنسه، او الهجوم عليهم.
ولبث على ذلك دهورا طوالا- ولكن مع ترقٍ في صناعتها وتفنن في وجوه استخدامها- حتى اخترع الكتابة وعرف المعادن ودخل حظيرة الحياة النظامية.
ويعرف ذلك الدهر الطويل بالعصر الحجري لأن مدنيته مشتقة من الحجارة. ويدعى أيضا "ما قبل التاريخ" لان الكتابة لم توجد بعد حتى يدون ما على عهده من الحوادث والوقائع وسير العمران والحضارة فالمؤرخ لا يستطيع ان يتحدث عن اهل هذا العصر حديثا مفصلا مستمدا من النقل، فكان هذا العصر جديرا بأن يدعى ما قبل التاريخ.
إن المؤرخين- وان لم يكن لهم نقل عن أهل هذا العصر- لم يعدموا سبيلا للبحث عنه فقد وجدوا من الآثار العريقة في القدم التي حفظها بطن الارض اساسا للكلام عن حياة الانسان الاول. وانار امامهم مذهب النشوء والارتقاء دياجي هذا العصر الحالكة.
ان مذهب النشوء والارتقاء قديم ليس من بنات افكار المتأخرين. والناس ازاءه قريقان: مثبت له مجب به، ونافٍ له نافر منه.
والحق الذي تشد له الضرورة ويؤيده القرآن الكريم ان المذهب نفسه- بصرف النظر عن بعض الجزئيات- معقول مقبول.
стр. 55
اما الضرورة فيكفي لاستحضارها نظرة في النبات والحيوان والاجتماع والعمران: فانك ترى النبات كيف يبدو عقب ماء المطر او غيره ثم يأخذ في الرقي حتى يبلغ شبابه المقدر له، وترى الحيوان يكون نطفة ثم يترقى حتى يوضع ويأخذ في النمو حتى يبلغ أشده، وترى الرجل يؤسس البيت او الملك ثم يأخذ ذلك التأسيس في الرقي حتى ينال الشرف ويحوز السيادة وينتهي الى درجة من العظمة. ثم ينشأ غيره ويزاحمه ويترقى على حساب انحطاط الاول حتى يضمحل ويحل الثاني محله. وهكذا الشأن دواليك في كل زمان ومكان، وترى مثل ذلك في العمران أيضا.
واما القرآن فقد قال تعالى- في شأن النبات-: ﴿وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعَى * فَجَعَلَهُ غُثَاءً أَحْوَى﴾، وقال في شأن الحيوان-: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ * ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾، وقال تعالى في شأن الاجتماع- ومثله العمران-: ﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾.
وإذا ثبت لديك ان الذهب نفسه لا مغمز فيه فلا يضيقن صدرك لبعض الجزئيات التي يقسر بعض الماديين عقلاء البشر على قبولها ويحاولون بها هدم الاديات- مثل ترقي القرد الى نوع الانسان- فان تلك الجزئيات لم تزل وهما ولن تزال خيالا فكيف يصح الحاقها بذلك المذهب الصحيح؟
وزبدة القول ان الضرورة والدين متفقان على اثبات النشوء والارتقاء في النوع الواحد: اما الارتقاء من نوع الى آخر فاقرب من تحقيقه الحمع بين النقيضين.
ولا معارضة بين دعوى ان انسان العصر الحجري كان جاهلا الى
стр. 56
تلك الدرجة، وما اخبر به الكتاب الحاكيم من ان الله علم آدم الاسماء كلها لانه لم يخبرنا انه علم علمه لاولاده بل فيه ما يرشدنا الى ان ذلك خصوصية لآدم اذ ذكر قصة ابنى آدم- وهما لصلبه في رأي بعض المفسرين- وعدم اهتداء القاتل لدفن المقتول. وعلى تقدير ان يكون علم اولاده فان كرور الايام وانتقال البشر من وطن الى آخر مما ينسي ذلك العلم ويذهب به. بل قد تكون الأمة العالمة في مكانها لم تبرحه وتذهب الايام والليالي بعلمها حتى يظن الجاهل بتاريخها ان لا سلف لها في العلم. والشواهد على ذلك لا تحصى.
١ - أصل قدماء الجزائر
دل الكتاب الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه على ان البشر كلهم من نسل آدم ﵇، وانه هلك جميعه في الطوفان على عهد نوح ﵇ ولم ينج الا من ركب معه في السفينة ولم يعقب منهم الا ابناؤه ﴿وَجَعَلْنَا ذُرِّيَّتَهُ هُمُ الْبَاقِينَ﴾.
واتفق المؤرخون على ان أبناء نوح الذين تفرعت عنهم جميع امم المدنيا ثلاثة: سام، حام، يافث.
وقد ذكر ابن خلدون في أبناء يافث قطوبال ثم ذكر الامم المتفرعة عنه فقال: "واما قطوبال فهم أهل الصين من المشرق، واللمان من المغرب ويقال ان أهل أفريقية قبل البربر منهم، وان الافرنج ايضا منهم. ويقال أيضا أن أهل الاندلس قديما منهم" (١).
فإذا صحت هذه الرواية- ولصحتها شواهد ستراها- كان قدماء شمال أفريقية وبلاد الفرنجة والاندلس ذوي رحم. ولهم اخوة مع الصين بالشرق.
стр. 57
وعلى هذه الرواية يكون شمال أفريقية اقدم عمارة من جنوب أورربا، لان أبناء قطوبال لا شك انهم مروا بمصر- حسبما هدت اليه الآثار- ثم نزلوا أفريقية الشمالية. وقد كان البحر الرومي - اذ ذاك- قليل الماء ومتصلا باوربا من جهة صقلية ومضيق جبل طارق. (وقد ذكروا ان الذي حفر بوغار جبل طارق هو هرقول وقيل الاسكند ر) (١).
والاول اصح فان هرقول متقدم الزمن جدا. اما الاسكندر فمن المحقق ان الفينيقيين- وهم اقدم منه- اجتازوا الى الاندلس في سفن (اواخر الالف الثاني قبل الميلاد) فانتقل بعض أبناء قطوبال من أفريقيا الى جنوب أوربا برا- اذ لا سفن لهم في ذلك الحين- سالكين تينك السبيلين. وسنقف على الآثار المؤيدة لهذا الرأي.
٢ - آثار قدماء الجزائر
عثر الباحثون في الوطن الجزائري على آثار لاهل العصر الحجري، وهي اما منازل لاحيائهم، واما قبور لموتاهم. واما آلات لحياتهم من مصنوعاتهم واما اشياء من مقتنياتهم.
١ - المنازل: أما المنازل فقد وجدت آثارها بالاماكن المرتفعة والكهوف على مقربة من العيون والاودية. وعلة نزول الهضاب والكهوف التمكن من حماية انفسهم من الحيوانات الضارية، والامتناع من الاعداء الهاجمين. وحكمة الاقتراب من الماء البارز على سطح الارض سهولة التزود منه، لبساطة حياتهم وقلة اختبارهم للطبيعة.
ومن المنازلى المكتشفة منزل قرب معسكر ومنازل اخرى بجهات وهران، الجزائر، سعيدة، عين مليلة، سطيف، العين البيضاء، تبسة.
стр. 58
٢ - القبور: واما القبور فقد وجدت متفرقة ومجتمعة فوق الكهوف والهضاب. وهي مبنية بحجارة غير مصنوعة او بها أثر ضعيف من الصنع، وملتصقة من غير ربط بطين ونحوها. يتخذون عليها صومعة من حجر كقالب السكر. وكثيرا ما يجعلون عليها صفيا عريضة ويحوطونها بصف من الحجارة. ثم أخذ من خلف الاولين منهم يقلل من هذه الاعمال القبورية حتى صاروا يكتفون بحياطتها بدائرة حجرية ويدعون الصندوق الحجري بارزا على سطح الارض بعد ما كانوا يضعون عليه حجارة كثيرة.
ولهم في الدفن طريقتان: الاولى وضع الميت بمحل وقتي حتى ينفصل لحمه عن عظمه ثم يجمعون عظام الاموات ويضعونها في قبر واحد، الثانية ان يفصلوا اللحم عن العظم ما عدا المختلط بالعظام ثم يدفنون الهالك جالسا ملتصقا بطنه بفخذيه ولحاه بركبتيه ويجعلون معه اواني ببعضها طعام ويضعون معه أيضا اسلحة واشياء من زينتهم.
وقبور اهل هذا العصر كثيرة بوطن الجزائر، والبربر يدعونها قبور الجهلاء. وهي ترجع في تاريخها الى العصر الحجري الذي انقرض اصحابه منذ امد بعيد.
٣ - الآلات الحيوية: واما مصنوعاتهم الآلية لحياتهم: فمنها هراوي حجرية عديمة الاتقان، مساحي، مناقير، وجدت هذه الاشياء بطلل دار قرب معسكر. ومنها آلات واسلحة مثل الاولى، عثر عليها قرب الرمشي (مونطانياك).
ومنها فؤوس كثيرة حجرية متقنة الصنع، ابر من عظام متقنة أيضا ومنها أوانٍ من طين مزينة بصور. اكتشفت بجهات سطيف وعين مليلة والعين البيضاء، ووجد معها اشياء من الاسلحة والآلات ومنها محكات لدبغ الجلود واشاف واوعية من خشب.
وهذه الآثار مختلفة في درجة الاتقاق حسب اختلاف ازمنتها.
стр. 59
٤ - المقتنيات: واما الآثار التي جلبوها للاقتناء من غير ان يكون لهم فيها عمل فمنها اصداف كثيرة برية وبحرية. عثر عليها بجهات وهران والجزائر وسعيدة وعين مليلة ونواح اخرى. وهذه الاصداف يتخذونها للزينة. ومنها عظام حيوانات وحشية وانسية منها فرس الماء والكركدن ونوع من الفيلة عظيم انقطع نسله منذ قرون عديدة، عثر على عظام هذه الحيوانات قرب معسكر تحت كثيب رمل ارتفاعه ستون ذراعا. ومن تلك الحيوانات الوعل، الغزال، الخنزير، الحمار، البقر، الضان، العنز، عثر على عظامها بجهات وهران والجزائر وسعيدة وعين مليلة، ومنها بيض النعام، ءثر على شيء كثير منه بجهات متعددة. وهو مما يتزينون به.
هذه الآثار منها ما هو محلي محض غير مجلوب من وطن آخر ولا مشابه لآثار الامم الاخرى. ومنها ما يشبه مصنوعات قدماء المصريين خاصة، ومنها ما له شبه بآثار قدماء مصر وأروبا الغربية. فان الآلات الحجرية متشابهة في هذه الاوطان. ووجد بمغارات في نواحي وهران اوانٍ من الفخار وحجر الصوان والعظم شبيهة بما وجد في مغارات بجبل طارق. وبناء القبور بالاحجار موجود بغرب أروبا. والطريقة الاولى في دفن الاموات موجودة بصقيلية ايضا. واكثر آثار قدماء الجزائر شبيهة بآثار قدماء مصر.
ان المشابهة بين آثار أفريقية وآثار أروبا الغربية دليل لصحة رواية ابن خلدون- وان لم يجزم هو بصحتها- بأن سكان هذه الاوطان من أصل واحد. ثم في كثرة مشابهة آثار أفريقية لآثار مصر دليل على ان أبناء قطوبال دخلوا أفريقية من ناحية مصر. ثم في مشابهة آثار أفريقية بعضها لآثار صقلية وبعضها لآثار جبل طارق دليل على أن هذه الأمة دخلت أروبا من تينك الجهتين.
стр. 60
ومؤرخو الافرنج احاطوا علما بهذه الآثار وما بينها من المشابهات ولكنهم لم يهتدوا لرواية ابن خلدون.
فأثبتوا بطريق البحث والنظر ان سكان أفريقية وصقلية وأروبا الجنوبية والغربية متفرع بعضهم عن بعض. ثم افترقوا في تعيين الاصل والفرع: فمنهم من قال: انه لا يعلم- لقدم الزمن جدا- من هي الأمة التي بقيت بوطنها والتي انتقلت عنه؟ ولا متى وقع انتقال المنتقل؟ ومنهم من جزم- من غير دليل- بأن الانتقال وقع من أروبا الى أفريقية الشمالية. وانا لا اقف موقف الطائفة الاولى، ولا أخضع لجزم الطائفة الثانية، بل أجزم بان الانتقال وقع من أفريقية الشمالية الى أروبا الحنوبية والغربية. ومستندي في ذلك الآثار السابقة فإنها متصلة من المشرق إلى المغرب. ولم تجد طريقا أخرى متصلة بالشرق من جهة أروبا مملوءة بالآثار التي لها شبه بآثار قدماء أفريقية.
٣ - حياة قدماء الجزائر
تختلف حياة الامم بساطة ورفاهية باختلاف درجتها في معرفة وسائلها الامدية والادبية. والاستاذ الاول لتلقين تلك المعرفة هي الضرورة والحاجة. وقديما قيل: "الحاجة ام الاختراع".
وقد هدت الحاجة الانسان الاول الى اتخاذ مسكن يأوي اليه، وملبس يقيه حرارة القيظ أو زمهرير القر، ومطعم يحفظ عليه حياته ويقوي بدنه على تحمل عبء الحياة. ومكسب يقتنيه ويدخره ليستعين به في وجه من وجوه الحياة.
١ - المسكن: اما المساكن فقد دلت الآثار المكتشفة في غير ما موضع على ان قدماء الجزائر اتخذوها في الاكمات والهضاب واختاروا لها مواضع المياه. وقد قدمنا الوجه في ذلك. ومن وجوه اختيارهم
стр. 61
الهضاب على الوهاد الفرار من تراكم الثلوج على بيوتهم المفضي الى القضاء عليهم تحتها. ذلك بأن الرياح تنسف الثلوج عن الامكنة المرتفعة وتنقلها الى الامكنة المنخفضة، ولم يزل هذا الغرض ببعض جهات الجزائر معروفا معمولا به الى اليوم وقد اتخذوا مدنا وقرى واحاطوها باسوار من الحجارة الضخمة غير منحوتة الا قليلا. وكانت مساكنهم داخل المدينة او القرية في اول عهدهم بالعمارة متخذة من اخشاب ومركبة بكيفية وقتية ليسهل عليهم نقلها حيث ساروا.
وكانت لهم عربات تحمل تلك البيوت تجرها الخيل. وهم لا يأوون الى مدنهم الا متى حز بهم أمر وداهمهم مكروه لا يستطيعون مقاومته بباديتهم.
٢ - اللبس: واما لباسهم فكان من جلود الحيوانات التي يصطادونها، يدل على ذلك وجود محكات لدبغ تلك الجلود واشاف لثقبها وابر لخياطتها.
واتخذوا زينتهم وحليهم من بيض النعام والاصداف. وكانت رؤوسهم غير مكشوفة. يدل على ذلك وجود تماثيل حجرية تشخص انسان ذلك العصر مكسو الرأس بالجلد أو الريش وماسك ثوبه الجلدي على كتفه بزر.
٣ - المطعم: واما مطعمهم فكان من البقول وثمار بعض الاشجار الطبيعية وخشاشات الارض ولحوم الحيوانات التي يصطادونها من ظباء ووعول ونعام وخنازير وغير ذلك مما هدت اليه بقية عظامه وما ذهب ولم يبق له أثر.
٤ - المكسب: واما مكسبهم فهو حيوانات يقومون بتربيتها او حفظها من عاديات السباع وينتجعون بها مواضع الكلأ ومواقع المياه. وأهل الاراضي الخصبة منهم لا يبعدون عن النجعة بل ان منهم قبائل
стр. 62
اختصت بجهات لزمتها ولم تخرج عنها الى غيرها. قال اغسال Gsell في قوم وجدت لهم آثار بجهات سطيف وعين مليلة والعين البيضاء: "والظن ان يوتهم كانت من خشب وكثير منها طالت عمارتها. ويظهر ان هؤلاء السكان كانوا قليلي الانتقال". وذكر في موضع آخر: ان هناك قبائل لم تبرح اوطانها. وسكان الصحراء ابعد القبائل نجعة واكثرهم انتقالا لجدب اراضيهم وقلة العشب والماء الكافيين لمواشيهم.
ومن حيواناتهم الانسية الحمار والضان والعنز، وقد عرفت هذه الحيوانات لقدماء المصريين فربما نقلها هؤلاء الأفريقيون من هناك حين مروا بمصر او جلبوها من بعد. ومنها الخيل، ويحتمل ان تكون مجلوبة من الشام لتحقق وجودها به منذ احقاب عريقة في القدم. ومنها البقر، ويحتمل ان يكون اصله البقر الوحشي وراضه أهل هذا العصر حتى تأنس وتناسل. ومنها الفيل العظيم، وهذا انقطع نسله كما انقرض اهله وانما بقي أثره حسبما سبق. ومنها الكلب، وظنه بعض المؤرخين من المتأخرين متفرعا من الذئب. وهو من اغراقهم في الاندفاع خلف تيار مذهب النشوء والارتقاء وعدم تحريهم في تطبيقه ولو اتقنوا درس الطبيعة لما حملوا على هذا المذهب أكثر مما يتحمل، ولا الصقوا به جزئيات جهلوا أصلها وهو لا يتسع لها. وقد نطقت التجربة والاختبار بأن الذئب- ولو ربي- لا يصير كلبا. ولله صفاء اذهان العرب اذ تقول امرأة منهم أخذت جرو ذئب وارضعته نعجة لها فلما كبر أكلها:
بقرت شويهتي وفجعت قلبي ... وانت لشاتنا ولد ربيب
غذيت بدورها وربيت فينا ... فمن انباك ان اباك ذئب؟
إذا كان الطباع طباع سوء ... فلا لبن يفيد ولا حليب
ولم يوجد اي أثر يدلى على معرفة هذا الجيل للفلاحة. اما المعادن
стр. 63
فكانوا يجهلونها بتاتا. وانما عرف من بعدهم النحاس فسمي عصرهم بالعصر النحاسي، ثم ترقوا الى معرفة الحديد فسمي هذا العصر بالعصر الحديدي. وما زال العالم في هذا العصر الى اليوم لوفور منافع الحديد ولذلك ذكره الله من بين سائر المعادن بأسلوب يدل على عموم حاجة البشر اليه في جميع الازمان اذ قال: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾.
٤ - ادوار مدنية قدماء الجزائر
مكث قدماء الجزائر- كغيرهم- احقابا لا يعلم تقديرها الا العزيز العليم ومدنيتهم محصورة في الحجارة: يستخدمونها في جميع شؤونهم الضرورية والكمالية. غير انهم كانوا يترقون- وفق ناموس النشوء والارتقاء- في احكام صنع الحجارة واتقانها، ويتفننون في نقشها ورتنميقها.
وقد قسم المؤرخون ذلك العصر السحيق الطويل- حسبما هدتهم الآثار المختلفة صنعا وزمنا- الى ثلاثة ادوار:
١ - عصر الحجارة القديم. كان الانسان فيه في اول عهده بالطبيعة جاهلا بطرق الاستفادة منها مقتصرا في حياته على استعمال ما اهتدى اليه فكره الابتدائي من المواد الطبيعية التي يسهل تناولها من غير حاجة الى حذق في صناعتها. استعمل من الحجارة مع تهذيبها قليلا جهازه الحيوي.
وقد عثر الباحثون على شيء من هذا الجهاز بجهات من الجزائر تقدم ذكرها. من ذلك هراوي ومناقير ومساح. وهي من اقدم ما عرف من مدنية الجزائريين في ذلك العصر.
٢ - عصر الحجارة الاوسط. تقدم الانسان في هذا الدور قليلا
стр. 64
فرقى الصناعة الحجرية، ومد يده الى غير الحجارة أيضا: اتخذ من مغارات الكهوف اكنانا، وصنع الفؤوس الحجرية، وجعل ابرا وخناجر من العظام؛ وأواني من بيض النعام.
وآثار هذا الدور متوفرة فيما بين قابس شرقا وسطيف غربا.
٣ - عصر الحجارة الحديث. في هذا الدور اتقن الانسان صناعة الحجارة وتفنن فيها وتوسع في الاستفادة منها ولم يقف عندها فقط: اتخذ بعض جهازه الحربي- مثل السهام- من الحجارة، ورسم عليها الرسوم العجيبة.
وقد عثروا على بعض تلك الرسوم بجبل بني راشد ووادي ايتل وجهات قالة واتخذ الاواني الطينية للطبخ (مما يدل على تعرفه الى النار).
وصنع الاوعية من الخشب، والعربات تقودها الخيل لنقل الآلات الحربية والبيوت الخشبية. واتقن التصوير فرسم صور الحيوانات ومناظر الاصطياد. واشرف على المبادئ التاريخية فرسم على اواني الفخار أشكالا هندسية تمثل الكتابة. وقدر علماء الآثار قدم تلك الاواني الفخارية بنحو ستة آلاف سنة قبل المسيح ﵇.
مدنية أية أمة من الامم مستمدة استمدادا علميا من معقولها ودرجة تفكيرها، واستمدادا عمليا من كسب ابنائها وجهودهم، ويتكون عقلها وعملها من طبيعة المكان الذي تقطنه؛ وتتأثر بما تشاهده من جيرانها او يبلغها من اخبار الامم الاخرى.
ولهذا كانت مدنية قدماء الجزائر ذات اقسام ثلاثة:
١ - مدنية محلية لا مشابهة بينها وبين مدنيات الامم المجاورة لها. من ذلك مدنية اطلق عليها اسم "الصناعة الجيتولية" وآثارها تبتدئ
стр. 65
من قابس شرقا وتذهب جنوبا إلى جهات قفصة وتنتهي غربا بنواحي سطيف.
ومدنية اطلق عليها اسم "الحضارة الصحراوية" وآثارها قائمة الى اليوم بوادي ريغ ووادي مزاب.
٢ - مدنية تشبه مدنية قدماء مصر وشمال أفريقية الشرقي.
٣ - مدنية تحاكي مدنية جنوب أروبا والاندلس المجاورة لها غربا.
من تأمل الآثار الجزائرية- وسائر أفريقية الشمالية - وامعن النظر فيها، الفى ان مدنية هذا الوطن كانت شديدة التأثر من ناحية الشرق قليلته من جهة الغرب. بل قد تكون مدنية هذا الوطن هي التي اثرت في مدنيات جنوب أروبا وغربها حسب البحث السابق.
والقضايا التاريخية ناطقة بانشراح صدور الأفريقيين عموما للحضارات الشرقية وسرعة تأثرهم بها، ومحاربة المدنيات الغربية وتقززهم منها. وقد يعثر الباحث في بطون التاريخ على جزئيات لا تؤيد هذا الحكم، ولكنها نادرة لا تقوى على مضادته او نقضه.
وهكذا ترى الجزائر (وجارتيها) من حين مهدها معترفة بفضل الشرق مهبط الوحي ووطن النبوءة ومعدن الحكمة.
٥ - لغة قدماء الجزائر
ذكر غسال في كتابه الجزائر في القديم: "ان لغة قدماء مصر والنوبة والحبشة والبربر ترجع الى أصل واحد." وقد لخص بيروني في كتابه "المسألة الأفريقية" كلام غسال. وبيرنار Bernard في هذه المجلة: "وتشبه لغتهم (البربر) لغات الشمال الشرقي من أفريقية ولغات أروبا الجنوبية والغربية".
стр. 66
وقد عبر هؤلاء المؤرخون عن قدماء أفريقية الشمالية بالبربر لاعتقاد جمهور المؤرخين أنهم اول من عمرها. والصواب انهم مسبوقون بأمة العصر الحجري وهي غير أمة البربر. افصحت عن ذلك رواية ابن خلدون، ويعضدها قول غسال نفسه أثناء الحديث عن القبور الاثرية: "والبربر ينسبون هذه القبور الى الجهلاء. وهؤلاء كانوا وثنيين وانقرضوا منذ دهر بعيد جدا". اذ لا يخفى ان البربر لم ينقرضوا، إنما انقرضت الأمة التي سبقتهم الى شمال افريقية وهي أمة العصر الحجري.
وتشابه لغات هذه الامم شاهد آخر يضاف الى ما تقدم من الشواهد على صحة رواية ابن خلدون التي صدرنا بها الكلام على أصل قدماء الجزائر. ثم وقوف الشبه من جهة الغرب في جنوب أروبا وامتداده من جهة الشرق مما يؤيد رأينا السابق ان أبناء قطوبال اتوا على مصر الى أفريقية ومنها ذهبوا الى ما يليهم من أروبا.
٦ - ديانة قدماء الجزائر
اثبت الباحثون على الآثار ان لهؤلاء القوم ديانة: والديانات اصلها الوحي. فلا بد ان تكون هذه الأمة اخذت اصول ديانتها عن رسول من الرسل.
وقد قال تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ﴾ ثم دخلها التحريف والتبديل والغلو في تعظيم بعض المخلوقات حتى أمست وثنية. ولا أظن أمة تنشأ على فطرتها تكون وثنية تعتقد النفع والاضرار الناشئين عن الاختيار في الشمس او القمر او أي مظهر آخر.
وانما تخضع الامم ذوات الفطر التي لا عهد لها بأي نزعة، للدين الصحيح. فإذا ألفت الاذعان للدين وتمكن منها الايمان بأشياء من
стр. 67
المغيبات، ثم طرأ عليها الجهل- ظهر فيها من الدجاجلة من لهم اغراض شخصية يعملون لتحصيلها باسم الدين والدين هداية عامة لا آلة يستخدمها اصحاب الغايات الذميمة لبلوغ غاياتهم. لا جرم اضطر كل دجال من البشر في أي عصر الى تحريف الدين بالغلو احيانا والابتداع تارة. واذ ذاك يغرس اشجار الوثنية في تربة الجهل الثرية، تسقيها تلك الأمة الجاهلة بخيالاتها واوهامها حتى تعظم وتنتشر فتحجب شمس الدين الصحيح وتغطي بدور العقول النيرة.
وفي ظلام هذه الاشجار الحالك تعيش الأمة عيشة وثنية: لا هي من الانعام عديمة الشعور بغير حاجتها الى ما يحفظ حياتها الاولى، ولا هي من البشر تحكم العقل وتتقاضى اليه فيما تأتيه من ضروب الاعمال. ﴿أولئك كالأنعام بل هم أضل سبيلا﴾ (*).
أما الديانة التي عرفها الاثريون لقدماء الجزائر فهي عبادة الشمس والقمر (وهما من معبودات المصريين)، وعبادة بعض الحيوانات منها القرد والثور والكبش والتيس. وجد بجبل بني راشد تمثال يدعى "أتون" كانوا يتخذونه الهاً وهو صورة تيس على رأسه دائرة الشمس.
وكانوا يعظمون الحيون والاشجار والجبال، ويحترمون الاموات يشيدون لهم قبورا ضخمة.
وقد وقع شعبنا فيما يقرب من هذه الوثنية "والتاريخ يعيد نفسه" فمن آثار عبادتهم للشمس ان الولد حينما يثغر وتسقط سنه يرمي بها الى الشمس، ويقول لها في بعض الجهات الشمالية "أعطيتك فضة أعطني ذهب" وفي بعض الجهات الجنوبية: "أعطيتك سن حمار أعطيني سن غزال".
ومن تعظيمهم لبعض العيون انهم يتبركون بمياهها ويستشفون بالشرب منها ويرجون منها النسل ويقربون لها القرابين الدجاجية.
стр. 68
ومن تعظيمهم لبعض الاشجار انهم يجتنبون قطعها واحتطاب ما سقط من عيدانها ويعلقون بها الخيوط رجاء ان تقضي حاجاتهم، كما يعلق احدنا باصبعه خيطا كي يذكر به ما يخشى نسيانه.
ومن تعظيمهم للجبال تقديم النذر من الاطعمة والانعام لبعض الكهوف وزيارتها زرافات ووحدانا. وتطييب رائحتها بالبخور ومياه الرياحين. وقد يتأولون ذلك بأن احد الصلحاء مر بهذا الكهف او جلس عنده. وعلاوة على كون هذا التأويل غير مبرر لفعلهم فان الصلحاء جلسوا في غير الكهوف أيضا ومشوا في السهول والبسائط.
اما تشييد القبور الضخمة للاموات واتخاذ الحرم لها فقد بالغوا فيه اكثر مما تقدم واربوا في ذلك عن كل امة حتى صاروا يشيدون القباب لا على ضريح ولا على أثر من مواقع اقدام صلحائهم. وشرح هذا المقام يوسع دائرة خروجنا عن موضوع الكلام.
وكان قدماء الجزائر يعتقدون بحياة أخرى غير الحياة الاولى، ويرون ان الميت في قبره اكمل منهم علما.
يدل على ذلك ما تقدم من ان منهم من يضع الميت في قبره جالسا ملتصقا بطنه بفخذيه ولحاه بركبتيه، يمثلون بهذا الوضع هيئة الجنين في بطن أمه. كأنه بموته ولد في عالم آخر، ولذلك يضعون معه أطعمة واشياء من الزينة. وإذا اهمهم أمر لم يهتدوا الى وجهه استشاروا الموتى من أسلافهم:
ينام أحدهم على قبر سلفه وما رآه في منامه عمل بمقتضاه في يقظته وللجزائريين اليوم حظ وافر من هذه العقيدة المباركة على الانحطاط والتقهقر.
стр. 69
ـ[صورة: نقوش من تاسيلي]ـ
стр. 70
ـ[صورة: زرافة من تاسيلي]ـ
стр. 71
الباب الثاني
في ذكر البربر
стр. 72
تمهيد
البربر أمة من أقدم أمم العالم واشهر أجياله. عاصرت العرب والفرس واليونان والروم. معروفة بعز الجانب واباية الضيم والدفاع عن الشرف.
وقد زاحمت الامم ودافعت الملوك عدة آلاف من السنين. حاربت بني اسرائيل بالشام. وهاجرت الى وطن أفريقية والمغرب فاستولت عليه في اعصار لا يعلم مبتداها الا العليم الخبير، واستوطنته يطونها وقبائلها، وكانت ذات كثرة ومنعة فعلأت وهاد المغرب ونجاده، واعفت ذكر الأمة التي سبقتها اليه، ثم كانت لها مواقف مع الدول العظمى ذات المطامع في وطنها. هاجر الفينيقيون جيرانهم بالشام الى وطن البربر ونزلوا عليهم ضيوفا كراما فاكرموهم. وعاشت الامتان في وئام قرونا، البربر يعضدون الفينيقيين في حروبهم خلف البحار، والفينيقيون يحترمون حرمة البربر- خصوصا بربر نوميديا- فلا يسومونهم بذل ولا ينالون من شرفهم ولا يمدون ايديهم الى ما تحت تصرفهم. وقد وقعت بين الامتين حروب الا انها كانت في مباديها من قبيل الثورات التي لا تخلو منها الأمة الواحدة، وفي الاخير تمشت حيل أروبا بين البربر وانطلت عليهم دسائسها فعضدوا الرومان في حروب قرطاجنة طمعا في الاستقلال بحكم وطنهم واسترداد ما أخذته منهم قرطاجنه معلمتهم الحياة والنظام.
ولما انكشف لهم الحجاب عن مقاصد الرومان اخذوا يحاربونهم - والظفر طيفهم- ولم يجن الرومان من تعنتهم في محاربة البربر غير الاستيلاء على بعض المدن وما حولها من البسائط عدى طول المدة وكمال العدة.
стр. 73
ولم تزل هذه الأمة النشيطة الحربية- قبل الإسلام وبعده- تقف في وجوه الهاجمين وتثور على الظلمة المستبدين وتنهض للتخلص من وطأة الاجنبي على حريتها وازاحة كابوس المستعمرين عن مقلتي حياتها.
ملأت بذلك تاريخها منذ سطوع فجر التاريخ ولكن لم تكن الحروب بما نعتها عن مجاراة الامم الاخرى في الحضارة والرقي والتخلق بالاخلاق الجليلة والخلال النبيلة، فقد عرف التاريخ لها حضارة عظمى ومدنية مثلى، وظهر منها علماء حكماء وعظماء خبراء في الدين والسياسة والعمران قبل الاسلام وبعده وسترى- ان شاء الله- في الصحائف التالية ما ينير امامك حقيقة هذه الأمة العظيمة.
١ - أصل البربر
الحديث في أصل البربر من اكثر الاحاديث اضطرابا واوسعها خلافا بحث فيه المؤرخون قديما وحديثا واطالوا البحث ولكن لم يحصلوا الا على روايات متضاربة وآراء متناقضة.
ولهم في البحث طريقان: طريق المتقدمين من مؤرخي اليونان والرومان والعرب تعتمد على الرواية والنقل، وطريق المتأخرين من مؤرخي الافرنج تعتمد على الدراية والنظر الى اللغة والخلقة والصناعة.
ونحن لا يسعنا أن نتتبع كل ما وقفنا عليه ولكننا نحرص على افادة المطالع باقرب طريق فنلخص أقوال الطائفتين ثم نتبعها بنظرة تؤيد ما كان من هاتيك الاقوال اقرب الى الصواب ونزيف ما كان منها خرافة او خيالا.
أ = الطريقة الاولى: انقسم اصحاب هذه الطريقة الى فرق:
١ - فرقة ترى ان البربر نشأوا بالمغرب وليسوا منقولين من وطن
стр. 74
آخر. ومن هذه الفرقة افلاطون من القدماء وفورنال Fournal من المتأخرين.
٢ - وفرقة تقول انهم ايجيون من سكان ضفاف بحر ايجه Egée وهو بحر الارخبيل. ومن هذه الفرقة هيرودوتس، ديودور الصقلي، بلوتارك.
٣ - وفرقة تقول انهم ساميون انساب العرب. ثم اختلفوا من بعد. فذكر بروكوبس- وهو من مؤرخي الدولة البيزنطية عاش في المائة السادسة للميلاد- انهم من العبرانيين والبونيقيين، وروى الطبراني أنهم من نسل نقشان- او نفسات- بن ابراهيم ﵇. وهي موافقة لقول بروكوس.
وروى ابو عمر عبد البر عن بعض نسابة البربر انهم من ولد النعمان بن حمير ابن سبا. واذن فهم عرب.
وقيل انهم اوزاع من اليمن: قال المسعودي من غسان وغيرهم، وقال غيره من لخم وجذام.
وقيل من عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام. هذا ملخص اقوال الفرقة الثالثة.
٤ - وفرقة تقول انهم حاميون: قيل من مصراييم بن حام، وقيل من مازيغ بن كنعان بن حام.
٥ - وفرقة تقول أنهم من الفرس- وفارس قيل من سام وقيل من يافث- روى المؤرخ الروماني سالوستس Salluste عن كتب فينيقية: ان الميد والارمن والفرس جاءوا الى الاندلس في جملة جنود احد ملوك اليونان فلما توفي ذلك الملك عبر هؤلاء الاقوام الى أفريقية الشمالية- وكانت عامرة بالجيتوليين والليبيين- واختلط الارمن (وهم من يافث) بالليبيين وكذلك الميد (اخوان الفرس) فغيرت كلمة الميد
стр. 75
بكلمة "المور" وتنقل الفرس في هذا الوطن فلقبوا انفسهم "النوماد" ومعناه الرحل. ثم استولوا على البلاد القريبة من قرطاجنة واستوطنوها فسميت "نوميديا" نسبة اليهم. واندمج من كان قبلهم بهذه الناحية فيهم وامتزج بهم وسمي باسمهم. ومثل هذه الرواية رواية من روى ان البربر من ولد جالوت، فقد نسب ابن خلدون جالوت الى فارس.
٦ - وفرقة تقول انهم من الهند. منها استرابون من متقدمي المؤرخين.
٧ - وفرقة تقول انهم اخلاط من أصول: ففي بعض روايات الطبري انهم من العمالقة وهم ساميون ومن كنعان بن حام، وقال مالك بن المرحل: البربر من العمالقة وحمير ومضر وقريش (قبائل سامية) والقبط وكنعان (قبيلتان حاميتان باتفاق).
هذا ملخص اقوال اهل الطريقة الاولى وتركنا بعضا منها ايثارا للاختصار.
ب = الطريقة الثانية: وفي تبحث عن أصل البربر من طريق الخلقة واللغة والصناعة:
١ - اما الخلقة فيوجد في كثير من البربر عرض الاكتاف وضيق الخصر وهذا الضرب قديم بأفريقية وموجود بالجزائر وتونس. وهذه الصفة معروفة بقدماء مصر والاسبان والباسك (قوم من السلتين يسكنون شمال الاندلس وجنوب فرنسا الغربي).
ويوجد فيهم الشقر بالجبال مثل جرجرة واوراس بالجزائر والريف بالمغرب. ادعى بعضهم ان اصحاب هذه الصفة من بقايا الرومان والفندال ولكن غسال يقول: انه لم يبق من هاتين الامتين عدد يمكن ان يؤثر في البربر بل الظاهر انهم بالمغرب من قديم. وقال مرسى ايضا انهم سكنوا هذا الوطن قديما، ثم قال ولهم مشابهات كثيرة- خلقا وخلقا- بامم اروبية.