تمهيد
البربر أمة من أقدم أمم العالم واشهر أجياله. عاصرت العرب والفرس واليونان والروم. معروفة بعز الجانب واباية الضيم والدفاع عن الشرف.
وقد زاحمت الامم ودافعت الملوك عدة آلاف من السنين. حاربت بني اسرائيل بالشام. وهاجرت الى وطن أفريقية والمغرب فاستولت عليه في اعصار لا يعلم مبتداها الا العليم الخبير، واستوطنته يطونها وقبائلها، وكانت ذات كثرة ومنعة فعلأت وهاد المغرب ونجاده، واعفت ذكر الأمة التي سبقتها اليه، ثم كانت لها مواقف مع الدول العظمى ذات المطامع في وطنها. هاجر الفينيقيون جيرانهم بالشام الى وطن البربر ونزلوا عليهم ضيوفا كراما فاكرموهم. وعاشت الامتان في وئام قرونا، البربر يعضدون الفينيقيين في حروبهم خلف البحار، والفينيقيون يحترمون حرمة البربر- خصوصا بربر نوميديا- فلا يسومونهم بذل ولا ينالون من شرفهم ولا يمدون ايديهم الى ما تحت تصرفهم. وقد وقعت بين الامتين حروب الا انها كانت في مباديها من قبيل الثورات التي لا تخلو منها الأمة الواحدة، وفي الاخير تمشت حيل أروبا بين البربر وانطلت عليهم دسائسها فعضدوا الرومان في حروب قرطاجنة طمعا في الاستقلال بحكم وطنهم واسترداد ما أخذته منهم قرطاجنه معلمتهم الحياة والنظام.
ولما انكشف لهم الحجاب عن مقاصد الرومان اخذوا يحاربونهم - والظفر طيفهم- ولم يجن الرومان من تعنتهم في محاربة البربر غير الاستيلاء على بعض المدن وما حولها من البسائط عدى طول المدة وكمال العدة.
стр. 73
ولم تزل هذه الأمة النشيطة الحربية- قبل الإسلام وبعده- تقف في وجوه الهاجمين وتثور على الظلمة المستبدين وتنهض للتخلص من وطأة الاجنبي على حريتها وازاحة كابوس المستعمرين عن مقلتي حياتها.
ملأت بذلك تاريخها منذ سطوع فجر التاريخ ولكن لم تكن الحروب بما نعتها عن مجاراة الامم الاخرى في الحضارة والرقي والتخلق بالاخلاق الجليلة والخلال النبيلة، فقد عرف التاريخ لها حضارة عظمى ومدنية مثلى، وظهر منها علماء حكماء وعظماء خبراء في الدين والسياسة والعمران قبل الاسلام وبعده وسترى- ان شاء الله- في الصحائف التالية ما ينير امامك حقيقة هذه الأمة العظيمة.
١ - أصل البربر
الحديث في أصل البربر من اكثر الاحاديث اضطرابا واوسعها خلافا بحث فيه المؤرخون قديما وحديثا واطالوا البحث ولكن لم يحصلوا الا على روايات متضاربة وآراء متناقضة.
ولهم في البحث طريقان: طريق المتقدمين من مؤرخي اليونان والرومان والعرب تعتمد على الرواية والنقل، وطريق المتأخرين من مؤرخي الافرنج تعتمد على الدراية والنظر الى اللغة والخلقة والصناعة.
ونحن لا يسعنا أن نتتبع كل ما وقفنا عليه ولكننا نحرص على افادة المطالع باقرب طريق فنلخص أقوال الطائفتين ثم نتبعها بنظرة تؤيد ما كان من هاتيك الاقوال اقرب الى الصواب ونزيف ما كان منها خرافة او خيالا.
أ = الطريقة الاولى: انقسم اصحاب هذه الطريقة الى فرق:
١ - فرقة ترى ان البربر نشأوا بالمغرب وليسوا منقولين من وطن
стр. 74
آخر. ومن هذه الفرقة افلاطون من القدماء وفورنال Fournal من المتأخرين.
٢ - وفرقة تقول انهم ايجيون من سكان ضفاف بحر ايجه Egée وهو بحر الارخبيل. ومن هذه الفرقة هيرودوتس، ديودور الصقلي، بلوتارك.
٣ - وفرقة تقول انهم ساميون انساب العرب. ثم اختلفوا من بعد. فذكر بروكوبس- وهو من مؤرخي الدولة البيزنطية عاش في المائة السادسة للميلاد- انهم من العبرانيين والبونيقيين، وروى الطبراني أنهم من نسل نقشان- او نفسات- بن ابراهيم ﵇. وهي موافقة لقول بروكوس.
وروى ابو عمر عبد البر عن بعض نسابة البربر انهم من ولد النعمان بن حمير ابن سبا. واذن فهم عرب.
وقيل انهم اوزاع من اليمن: قال المسعودي من غسان وغيرهم، وقال غيره من لخم وجذام.
وقيل من عملاق بن لاوذ بن إرم بن سام. هذا ملخص اقوال الفرقة الثالثة.
٤ - وفرقة تقول انهم حاميون: قيل من مصراييم بن حام، وقيل من مازيغ بن كنعان بن حام.
٥ - وفرقة تقول أنهم من الفرس- وفارس قيل من سام وقيل من يافث- روى المؤرخ الروماني سالوستس Salluste عن كتب فينيقية: ان الميد والارمن والفرس جاءوا الى الاندلس في جملة جنود احد ملوك اليونان فلما توفي ذلك الملك عبر هؤلاء الاقوام الى أفريقية الشمالية- وكانت عامرة بالجيتوليين والليبيين- واختلط الارمن (وهم من يافث) بالليبيين وكذلك الميد (اخوان الفرس) فغيرت كلمة الميد
стр. 75
بكلمة "المور" وتنقل الفرس في هذا الوطن فلقبوا انفسهم "النوماد" ومعناه الرحل. ثم استولوا على البلاد القريبة من قرطاجنة واستوطنوها فسميت "نوميديا" نسبة اليهم. واندمج من كان قبلهم بهذه الناحية فيهم وامتزج بهم وسمي باسمهم. ومثل هذه الرواية رواية من روى ان البربر من ولد جالوت، فقد نسب ابن خلدون جالوت الى فارس.
٦ - وفرقة تقول انهم من الهند. منها استرابون من متقدمي المؤرخين.
٧ - وفرقة تقول انهم اخلاط من أصول: ففي بعض روايات الطبري انهم من العمالقة وهم ساميون ومن كنعان بن حام، وقال مالك بن المرحل: البربر من العمالقة وحمير ومضر وقريش (قبائل سامية) والقبط وكنعان (قبيلتان حاميتان باتفاق).
هذا ملخص اقوال اهل الطريقة الاولى وتركنا بعضا منها ايثارا للاختصار.
ب = الطريقة الثانية: وفي تبحث عن أصل البربر من طريق الخلقة واللغة والصناعة:
١ - اما الخلقة فيوجد في كثير من البربر عرض الاكتاف وضيق الخصر وهذا الضرب قديم بأفريقية وموجود بالجزائر وتونس. وهذه الصفة معروفة بقدماء مصر والاسبان والباسك (قوم من السلتين يسكنون شمال الاندلس وجنوب فرنسا الغربي).
ويوجد فيهم الشقر بالجبال مثل جرجرة واوراس بالجزائر والريف بالمغرب. ادعى بعضهم ان اصحاب هذه الصفة من بقايا الرومان والفندال ولكن غسال يقول: انه لم يبق من هاتين الامتين عدد يمكن ان يؤثر في البربر بل الظاهر انهم بالمغرب من قديم. وقال مرسى ايضا انهم سكنوا هذا الوطن قديما، ثم قال ولهم مشابهات كثيرة- خلقا وخلقا- بامم اروبية.
стр. 76
ومنهم اقوام سمر اللون قصار القامة سخنوا الطبع. قال غسال: وهذه الصفات توجد في سكان الاندلس وايطاليا وجنوب فرنسا وجزيرتي الكورس وسردانيا.
٢ - اما الصناعة فمنها اوان طينية تصنع بوطن القبائل وينفش عليها تماثيل، قال غسال: وقد عثر على نظيرها في قبور مصرية يرجع تاريخها الى نحو اربعة او خمسة آلاف سنة قبل الميلاد. قال بيروني ويوجد نظيرها أيضا بجزر صقلية ومالطة. ومنها تماثيل للحيوانات تصنع بالجزائر ومراكش والصحراء. قال غسال: ويوجد نظيرها قديما بمصر والنوبة. ومنها بناءات للمعابد. قال بيروني: ولها شبه ببناءات معابد أروبا الغربية.
٣ - واما اللغة فانه لا مشابهة بين لغات البربر واللغات السامية نحوا وتصريفا، ولها مشابهة من حيث التركيب بلغة قدماء مصر والنوبة والحبشة والصومال والهوصا، وفيها الفاط اروبية وهندية.
وقد اعتنى رين بالبحث فيما بين لغة البربر وبقية اللغات من المشابهات اعتناء لم يشارك فيه غيره.
وصدر بحثه في أصل البربر بقوله: "ومن الادلة للبحث عن اصل امة لغتها" ثم أخذ يذكر الفاظا بربرية ويناظر بينها وبين سائر اللغات خصوصا لغات أروبا والهند، مثل لغة السكسونيين (الالمان والانكليز) ولغة السكندينافيين اهل شمال أروبا (السويد والنروج) ولغة الاترسك (قدماء ايطاليا) قال وتوجد قبائل من قدماء ايطاليا مسماة باسماء قبائل بربرية. ومعاني تلك الاعلام متعددة عند الفريقين وذكر أيضا قبائل اروبية من امتي الغوط والسكيت (ويقال ايضا السكلوت) اعلامها متحدة باعلام قبائل بربرية. ثم سرد تلك القبائل بأسمائها عند الفريقين.
وخلاصة بحث رين: ان اكثر البربر هنديون واروبيون اصلا
стр. 77
ولغة، وليس في الوطن البربري من الاصل السامي الا قليل، حتى ان بني هلال الذين جاءوا في العصر الاسلامي اكثرهم طورانيون وآريون!!
وملخص ابحاث هذه الطائفة ان البربر ليسوا امة مستقلة وانما هي مزيج من أمم شرقية واوربية وحد بينها الوطن.
ج = نظرة فيما تقدم من الروايات والابحاث.
قد علمت ان ابحاث المتأخرين تعتمد على الصفات والصنائع واللغة وليس شيء من ذلك بمفيد في معرفة اصالة أمة لاخرى او تفرعها عنها وذلك ان للامكنة دخلا في الصفات. فالاقوام الذين يسكنون اماكن متحدة في الطبيعة يتحدون او يتقاربون في الصفات وان اختلفت اصولهم وقد أشار بيروني الى هذه الحقيقة بقوله: "ان مسألة الاوصاف لم تفدنا في أصول البربر شيئا".
والصنائع اضعف من الصفات في ذلك لانها مما يسهل تعلمه وتنقله خصوصا بين الامم المتجاورة التي كانت بينها علاقات.
وقد اثبت التاريخ ان سكان ضفاف البحر الرومي شمالا وجنوبا تعارفوا ودخل بعضهم تراب بعض: فقد كان الجند الفينيقي مركبا من عدة اجناس كانت حوالي هذا البحر وكذلك من جاء بعد الفينيقيين من الدول، وقد أقام الجند النوميدي مع رئيسه حنبعل سنين بجنوب أروبا.
واللغات إنما تعتبر المشابهات بينها إذا كانت من حيث التراكيب لا من حيث وجود بعض المفردات فيها- خصوصا إذا احتيج في تقرير المشابهة الى تغيير بعض الحروف او حذفها وقد ذكر بيروني انه- وجد مشابهات بعيدة بين اللغة البربرية ولغات قدماء مصر والنوبة والحبشة والصومال والهوصا، وقال: "وهي ترجع الى أصل حامي" ريد ان المشابهة بين هذه اللغات كالمشابهة بين اللغات السامية من عربية وفينيقية وعبرية،
стр. 78
ولم يعتبر بيروني مشابهة اللغة البربرية للغات الاروبية وذلك لانها مشابهة في بعض الالفاظ. قال: "واللغة ايضا لا يمكن الاعتماد عليها في اصالة امة لاخرى".
ولم ار من اعتمد اللغة اصلا للبحث في جنس البربر مثل رين Rinn وقد بالغ في البحث والتنقيب مبالغة لا تجديه في الغرض الذي يقصد اليه شيئا ولكنها تدل على سعة اطلاعه على اللغات وقوة جراءته على الانساب. ناهيك انه لم يبال بوضوح أصل العرب وصراحة نسبها فجعل الهلاليين- على نصوع نسبهم العربي كسائر القبائل العربية- طورانيين وآريين. أي ثقة تبقى في كلام رين بعد اقدامه على العبث بنسب قبيلة من اصرح القبائل الحربية نسبا؟ وهل تثق النفس بما يبديه من المشابهات بين الالفاظ المختلفة الاصول؟ اما العربية- ولا اعرف غيرها- فقد رأيته عبث بكثير من معاني الالفاظ التي اوردها منها.
لم يكتف رين بالمقارنه بين الفاظ البربر والامم المجاورة لها على ضفاف البحر الرومي حتى طار الى روسيا واتانا منها بمفردات اتعب نفسه في تقريبها من مفردات بربرية!
أي أمة تستطيع ان تحصن وحدتها الجنسية للنجاة من تكلفات هذا الكاتب وفلسفنه اللفظية؟ إذا لم تستطع قبيلة الهلاليين ذلك فليس لاي قبيلة ولا شعب آخر طمع في النجاة من تفرقة هذه الفلسفة المتمحلة.
لو كان لي شيء من جرأة هذا الكاتب لاتهمته بانه لم يكتب ما كتب بقلم علمي وانما كتبه بقلم سياسي: يريد ان يمزق الجنس البربري كل ممزق ويفرقه شذر مذر ويوزعه على أمم اروبية- بالخصوص- كي تذهب وحدته ويسهل على البلعوم الاروبي ابتلاعه.
وتلك امنية يحلم بها بعض مرضى العقول من السياسيين ولكن لن يلج الجنس البربري في جنس آخر حتى يلج الجمل في سم الخياط.
стр. 79
وههنا اودع طائفة الاعتماد على الابحاث التي لا نتيجة لها غير الشكوك والاوهام، وارجع الى تمحيص تلك الروايات لاستخراج ما تطمئن اليه النفس منها.
١ - اما القائلون باصالة البربر في افريقية وعدم انتقالهم اليه من وطن آخر فظاهر انهم لم يذهبوا هذا المذهب الا لكونهم لم يعرفوا للبربر وطنا قبل هذا الوطن. ولكن من المعلوم ان آسيا هي مهد الاصول الاولى للبشر، وانهم لما كثروا وضاق بهم وطنهم الاول أخذوا يتوسعون فيما حولهم من الاوطان ويكتشفونها وطنا بعد آخر.
فهذا غير صحيح ولا معقول الا ان يكون اصحابه لا يعترفرت بابوة آدم للبشر ولا باستقلال نوعهم وانما هم منحدرون او صاعدوت من سلالة القرود مثلا. وهو رأي أفن او حلم طائش لا يعقل الاخذ به بدلا مما تواتر في التواريخ القديمة ان الوطن الاصلي للبشر هو بعض جهات آسيا، او ايثارا له عما جاء في الكتاب الحكيم ان البشر من آدم.
٢ - واما القائلون بان البربر هنديون فهم ابعد عن الصواب من الاولين اذ البربر معروفون بأفريقية من قبل التاريخ- كما ذكره غير واحد من المؤرخين- فكيف يكونون منقولين من الهند؟ واي طريق سلكوها من الهند الى أفريقية؟
ان قالوا طريق البحر قلنا انها لطولها وعظمة البحر في بعضها يتوقف سلوكها على بسطة في علمي الجغرافية والنجوم ومعرفة مهاب الرياح وتقدم في صناعة المراكب البحرية. وكل ذلك مفقود في ذلك العصر السحيق.
وان قالوا طريق البر قلنا ان سلوكها يتوقف على جيوش جرارة واسلحة ممتازة ليتمكنوا من مغالبة الامم التي يمرون بها، ثم لا يصلون الى أفريقية الا بعد سنين طوال مملوءة من الحروب والاهوال. وذلك مما
стр. 80
تتوفر الدواعي لنقله وانتشاره ثم تدوينه في الكتب. ولم تحو كتب التاريخ شيئا عن هذه الرحلة الشعبية التي لا تتيسر حتى اليوم.
٣ - اما القائلون بأن البربر ايجيون فانما نسبوهم الى وطن ولم ينسبوهم الى أصل بشري. ثم انه وطن ضيق والبربر امة من اوفر الامم عددا. على ان افلاطون اليوناني أدعى- كما سبق- انهم اصليون بوطنهم فلو كانوا منقولين من جهات بحر هيجاي لما خفي ذلك عليه. واهل مكة ادرى بشعابها.
ويصعب على النفس تكذيب هذه الطائفة بتاتا فالذي يظهر أن عرقا ايجيا موجود بوطن البربر، وهو الذي اوقعهم في تلك الشبهة. ولكن البربر اقدم في هذا الوطن من الايجيين واكثر عددا وأعز نفرا.
٤ - واما القائلون بان البربر ساميون قد علمت اختلاف رواياتهم وقد رد ابن خلدون رواية الطبري انهم من ولد ابراهيم ﵇ بما محصله: ان البر كانت لهم من الكثرة في زمن داوود ﵇ ما يبعد كونهم من نسل ابراهيم لعدم طول المدة بين ابراهيم وداوود طولا يتشعب معه البربر ذلك التشعب.
ورواية بروكوبس بمعنى رواية الطبري وقد علمت ما فيها، ولو قال هؤلاء بإنه يوجد بين البربر عرق عبري لكان صحيحا فقد اثبت الباحثون وحققوا وجود طائفة من اليهود بين البربر من قديم، حتى انهم لقدمهم لا يعرفهم قدماء مؤرخي الاسرائيليين. ومعابدهم مخالفة تماما لمعابد سائر اليهود. وللعلامة شلوش اليهودي في هذا الموضوع كلام في غاية التحقيق.
والفينيقيون معلوم انهم طارئون على البربر وليسوا مجتمعين معهم في الاصل قصعا. وانكر ابن خلدون ايضا القول بانهم من ولد جالوت او عملاق وقال فيه، "قول ساقط يكاد يكون من احاديث خرافة".
стр. 81
ورواية ابن عبد البر عن بعض نسابة البربر انكرها هو نفسه، وانكرها ابن حزم ايضا وعمم- ابن حزم- في الانكار اذ لم يقبل كونهم من اليمن قائلا: "وهذا كله باطل لا شك فيه" وقال ابن خلدون "انه منكر من القول" ولكنه نقل عن المحققين من نسابة العرب مثل الطبري والسهيلي: ان قبيلتي كتامة وصنهاجة من حمير تركهما أفريقش بالمغرب لما قفل من غزوه. قال السلاوي: "وهو قول جميع النسابين من العرب (١) ".
٥ - واما القائلون انهم من الفرس فقد فسرت قولهم رواية سلوستس: ان ليبية (أفريقية) كانت عامرة بالبربر، وان الفرس إنما نزلوا في جوارهم بعد وفاة ملكهم اليوناني.
وعليه فلا تصح دعوى ان الفرس أصل للبربر، ولا انكار وجود الفرس بأفريقية اذ لا منافاة بين الامرين.
٦ - واما القول بانهم اخلاط من اصول فقول فاسد التعبير. وصواب الحديث ان يقال: ان الوطن البربري فيه أصول غير بربرية. وهذا مسلم لكن غير مفيد في معرفة أصل البربر.
٧ - واما القول بانهم حاميون من مصراييم فغير صحيح ايضا ولكنا لا ننكر وجود عرق منهم في الوطن البربري.
والصحيح من هذه الروايات كلها انهم حاميون من مازيغ بن كنعان ابن حام. هذا الذي صححه ابن خلدون قائلا: "والحق الذي لا ينبغي التعويل على غيره في شأنهم انهم من ولد كنعان بن حام بن نوح ... وان اسم ابيهم مازيغ".
واعتمد كاريت رأي ابن خلدون: ان البربر أمة مستقلة منذ أجيال
стр. 82
عديدة. وقال الجنرال دوماس: "ان لنا أدلة كثيرة على ان البربر من كنعان. نكتفني منها بدليل واحد: احد اعقاب حام يدعى مازيغ، والى يومنا هذا يسمى البربر انفسهم امازيغ. الا يكون هذا التواطؤ بين الاعلام مفتاحا لاصل البربر؟ ".
- خلاصة البحث:
يمكننا ان نستصفي من تلك الروايات ونستنتج من هاتيك الابحاث النقط الآتية:
١ - الجنس البربري جنس مستقل في أصله يرجع الى مازيغ بن كنعان ابن حام. انتقل من الشام الى أفريقية في أزمان قديمة جدا فصح ان ينسب هذا الوطن لهم.
٢ - وقعت مهاجرات الى هذا الوطن في اوقات مختلفة من أمم متعددة منها ابناء مصراييم بن حام. قال دوماس: جاءوا مع البر واجتازوا الى أفريقية وتسموا "مور" ومعنى ذلك مغاربة. وتقدم عن سلوستس خلاف ما يقول دوماس في كلمة "مور".
ومنها قبائل فلسطينية فرت أمام يوشع. ذكر ذلك دوماس وفي ابن خلدون ما يؤيده.
ومنها الفينيفيون (وهم ساميون) وقد جاوروا البربر قرونا عديدة فقد أسسوا عوتيقة عاصمتهم الاولى سنة ١١٠١ ق- م.
ومنها عرب يمنيون جاءوا مع افريقش. ومنها قوم ايجيون ومنها قوم من الفرس. ومنها العبريون على ما حققه شلوش Schlousch.
كل هذا تظافرت عليه اقوال جماهير من المؤرخين. وليس في العقل ما ينافي هذا النقل.
٣ - البربر أخذوا حظا من لغات هذه الامم وطبائعهم ولكن بعد صبغها صبغة بربرية. قال مرسيي: البربر تأثروا بعدة أمم نزلت بوطنهم
стр. 83
او استولت عليهم ولكنهم بقوا بربرا. وقال بيروني: ان الوطن البربري جمع امما مختلفة ولكنها أصطبغت جميعا بصبغة بربرية.
واذن لا نقول في سكان أفريقية غير أنهم امة بربرية اذ لا يمكن تمييز ما عدا البربر عنهم لغلبة البربرية على غيرها. وهذا لا يخدش في أصل البربر شيئا بل انه يرشد تمسك البربر بجنسيتهم ولذلك لم يندمجوا في غيرهم، والى كثرتهم ووفور عددهم ولذلك ابتلعوا الجنسيات التي حلت بوطنهم.
وهكذا اصبحت الأمة البربرية بنجوة من وصمة التهاون بجنسها وحازت الشرف على الامم التي ابتلعتها، فان أمة لا تندمج في غيرها الا وقد سجلت على نفسها الوضيعة والحطيطة ونفت عنها كل وجه من وجوه الكرم والفضيلة، وكتبت للامة المندمجة فيها أسطرا من الفخر والشرف والميزة عليها لا يمحوها الا تداركها بنفسها لجمع شتات قوميتها والعمل باسم امتها.
٢ - هجرة البربر الى ليبية
علمت من الفصل السابق ان البربر أمة ذات وحدة جنسية كباقي الأمم التي عرف التاريخ عصبيتها وعظمتها.
وكان موطنها الشام ثم انتقلت الى ليبية. ونزح ايضا الى هذا الوطن طوائف من أمم أخرى. وحصل الاختلاط والامتزاج بين جميع سكان هذا الوطن تحت اسم البربرية. واذ ذاك صارت الأمة البربرية ذات وحدة وطنية مركبة من عناصر متعددة ومفرغة في قالب بربري.
ليس العنصر البربري الاصلي اول من عمر ليبية فقد مر في الباب الاول ان أمة سبقت البربر الى هذا الوطن. وقد عبر ابن خلدون عن
стр. 84
البربر في ترجمة الكتاب الثالث من تاريخه الهام بقوله: "الامة الثانية من أهل المغرب".
اما الروايات في تاريخ هجرتهم الى ليبية فكثيرة واحسنها ما نقله يحي ابن خلدون عن ابن قتيبة: ان خروجهم كان ايام البلبلة (١) والبلبلة هي اختلاف اللهجات وتعدد اللغات فكأنه يقول: قبل حدوث الخط والكتابة.
وهذه الرواية متفقة مع ما يقوله متأخرو المؤرخين من ان البربر هاجروا الى ليبية قبل التاريخ. وهذا عذر من ظن انهم اصليون بهذا الوطن غير منقولين.
وقد ذكر عبد الرحمن بن خلدون روايات اخرى نعرض عن بعضها لظهور سقوطه، وننقل بعضها ثم نقفي عليه بما يزيل شبه الاعتماد عليه.
١ - نقل عن المسعودي والطبري والسهيلي: "ان افريقش استجاشهم لفتح أفريقية وسماهم البربر. وينشدون من شعره:
بربرت كنعان لما سقتها ... من اراضي الضنك للعيش الخصيب (٢)
٢ - ونقل عن بعضهم: ان يوشع رئيس بني اسرائيل بعد موسى ﵇ هو الذي اخرجهم من الشام.
٣ - ويقول بعضهم: ان داوود ﵇ هو الذي اخرجهم وان الله هو الذي أوحى اليه بذلك: "قيل يا داوود اخرج البربر من الشام فانهم جذام الارض (٢) ".
وقد ابطل ابن خلدون نفسه قول من قال: ان أفريقش هو الذي اخرجهم من الشام الى المغرب بأن هناك رواية أخرى تقول: "انه وجدهم به وانه تعحب من كثرتهم وعجمتهم وقال ما اكثر بربرتكم"
стр. 85
وافريقش هذا من ملوك اليمن التبابعة وهو مختلف في زمنه ففي بعض المواضع من ابن خلدون ما يدل على انه قريب من عهد موسى ﵇، وفي بعضها ما يدل على انه بعد سليمان ﵇ وبين هذين الرسولين نحو من سبعة قرون. وذكر ابن خلدون عن ابن حزم: ان التبابعة "في انسابهم اختلاف وتخليط وتقديم وتأخير ونقصان وزيادة" (١) وسواء ارتقى عهد هذا الملك الى ما يقرب من عهد موسى أم تأخر الى ما بعد سليمان فان البربر بوطنهم الثاني اقدم من ذلك كله وفاقا لرواية ابن قتيبة المؤيدة بآراء الاثريين المتأخرين.
ومن قال ان يوشع هو الذي اجلاهم الى المغرب فقد اخطأ واشتبه عيه الامر. ذكر دوماس ان من القبائل التي اضيفت الى البربر قبائل فلسطينية فرت أمام يوشع وفلسطين وذكر ابن خلدون (٢) انهم اخوان البربر.
وبهذا يتبين ما في هذه الرواية الثانية حيث خلط اصحابها بين البربر وفلسطين.
واما قول من قال ان داوود (ص) هو الذي اجلى البربر إلى افريقية بالوحي فقول ساقط ورواية سخيفة، لان داوود ﵇ عاش في القرن الحادي عشر قبل الميلاد، وقد علمت ان الفينيقيين كانوا أسسوا عاصمتهم الاولى عام (١١٠١)، وهم إنما جاءوا بعد الفلسطينيين، والفلسطينيون إنما جاءوا بعد البربر. وايضا فان البربر ليسوا جذام الارض، بل هم أمة عاملة نشيطة من اقدر الامم على تعمير الارض واستدرار خيراتها. ومن نظر الى ما كانت عليه إفريقة من المعمران المستبحر: مدن عظيمة، مياه مطردة، بساتين متصلة، حقول مزروعة، علم سخافة تلك الرواية التي لم يستح واضعها حتى جعلها وحيا.
стр. 86
هذا ما نقوله عن تاريخ انتقال البربر الى ليبية اما ما انضاف اليهم من الامم فقد كان في اوقات مختلفة يعسر الوقوف عليها جميعها، ومنهم من كانوا جاليات قليلة لا يهتم المؤرخ بذكر تاريح استيطانهم لأفريقية.
ومن هذه الامم التي كان لهجرتها الى أفريقية ضرب من الوضوح أمة الفرس فانهم نزلوا أفريقية لما مات ملكهم اليوناني، هرقليس. ولم اعثر على تاريخ هذا الملك.
ومنهم الفلسطينيون فقد علمت انهم فروا امام يوشع. والمظنون ان يوشع كان في القرن السادس عشر قبل الميلاد. لان داوود عاش في القرن الحادي عشر. وقد ذكر ابن خلدون ان بين خروج بني اسرائيل من مصر وملك داوود (ص) (٦٠٠) باتفاق. ويوشع إنما رأس بني اسرائيل بعد خروجهم من التيه الذي مكثوا فيه (٤٥) سنة.
ومنهم العرب اليمنيون قبيلتا كتامة وصنهاجة اللتان تركهما افريقش بأفريقية. وقد علمت ما في زمنه من الاضطراب.
٣ - أوصاف البربر وأخلاقهم
اذا كان للامكنة دخل في صبغ البشر بما تشاء من الالوان فان منها اوصافا خلقية لا بد للامكنة فيها وانما ترجع الى خاصة جنسية.
وهذا ما دعا بعض المتأخرين الى اضافة هذا البحث الى مواد البحث عن جنس البربر ولكنه وضع للشيء في غير محله وطلب للنتيجة من غير شكلها فان هذا المبحث إنما يفيد في قرابة الامم بعضها من بعض لا في في اصالة امة لاخرى.
والاخلاق من الاشياء التي تتوارث باتفاق الفلاسفة وانما اختلفوا في انها تتوارث عن الاصل ام الوسط، وهذا الخلاف إنما تظهر ثمرته في الاشخاص دون الامم، لان الأمة اصلها هو وسطها ومجتمعها.
стр. 87
اما اوصاف البربر فمنها اوصاف عامة لكل بربري وهي: ان البربري وجهه معتدل، خط عينيه مستو ليس كبعض الامم التي يكون خطا عينيها عندما يتلاقيان بالانف زاوية منفرجة، عيناه غير ناتئتين، انفه متوسط الطول والعرض، اعضاؤه متناسبة، قوي البنية، مستطيع لتحمل الاتعاب وغير سريع التأثر من تغيرات الهواء، بشرته بيضاء وإنما تؤثر فيها الشمس بالسمرة.
١ - ومن الاوصاف ما يختص ببعض الفرق: ففرقة منهم طوال القامة، مستطيلو الرؤوس والوجوه حواجبهم ناتئة، انوفهم طوال رقاق. قليلوا شعر اللحية، اكتافهم عريضة، خصورهم ضيقة، ضعاف البنية. وهذه الفرقة موجودة بكثرة.
٢ - ومنهم صنف قصير القامة، طويل الرأس وبه عظام ناتىة، عريض الوجه، ناتئ الوجنتين، عريض الانف، واسع الفم، غليظ الشفتين، ناتئ الذقن، كثير شعر اللحية، عريض الصدر والرفغ.
٣ - ومنهم صنف ربعة الى القصر، مستدير الرأس، عريض الوجه مستدير الجبهة، غليط الحاجبين، قصير الانف، واسع الفم، مشتدير الذقن، عريض الصدر. والصنفان الاولان معروفان بالغرب من قديم الازمنة. وثلاثتها توجد بالجزائر وتونس، والثالث منها مشهور بجربة ومزاب.
واما اخلاق البربري مطلقا فانه فلاح مقيم، عامل كناز، تاجر حاذق حربي شجاع، وقد يكون لصا متردا، حار ينتقم ممن اغضبه بأكثر مما يستحق. حر متطرف في الحرية الى درجة انه يكره الرآسة عليه ويتقزز منها الى ان تسنح له الفرصة لهدم تلك الرياسة وتخريب سلطانها فخور باصله وعشيرته، هائم بمسقط رأسه حتى إذا فارقه لضرورة بقي حنينه اليه لا يضعف منه طول الاغتراب بل يزيده قوة التهاب فمتى امكنه العود عاد الى وطنه.
стр. 88
وهذه الاخلاق ترشد الى ان البربري محب لجنسه ووطنه مستكمل لصفات العمل لسعادتهما ودفاع الاجنبي عنها او على الاقل عدم الرضى من سلطته ولو طال امدها. وقد ذكر بيروني- وعنه اخذنا مادة هذا الفصل- ان من اخلاق البربري كونه شحيحا جلفا منقادا للخرافات ومؤثرا لها.
وهذا من هناته فان كونه شحيحا جلفا خلاف الواقع المشاهد والمتواتر والمسطر في كتب التاريخ، وسترى ما يقوله ابن خلدون عنهم من صفات الكمال، وهو رجل عرفهم وعاشرهم في اواخر ايام عزهم ودخل بجاية احدى عواصمهم.
واما انقيادهم للخرافات وايثارهم لها فهو واقع مشاهد في زمننا هذا ولكنه ليس من طبيعتهم بل من طبيعة الجهل الذي ثار منهم وبالغ في الانتقام وامدته في ذلك عوامل من الايام.
وقد كان منهم قبل اليوم عظماء في العلوم والمعارف. منهم بوغورطة الموجود قبل الميلاد، ابدى في كفاحه للرومان مقدرة فائقة في الحرب والسياسة، ومنهم يوبا الثاني الموجود قبيل الميلاد، كان من اعظم الفلاسفة وامهر المؤلفين، ومنهم القديس اوغسطين الموجود في عصر الانحطاط الروماني، كان نادرة الوجود علما وفصاحة وتقوى واخلاصا وتفانيا في خدمة دينه وجنسه وغير هؤلاء كثير قبل الاسلام منهم من قصهم علينا التاريخ ومنهم من لم يقصصهم علينا.
اما بعد الاسلام فيكفي المرتاب ان يلقي نظرة على بعض عواصمهم التي كانت من عواصم العلم الكبرى مثل تيهرت وبجاية وتلمسان هذا بالقطر الجزائري فقط. ولا اطيل بذكر المدن الثانوية بله الرجال المظام.
ودونك ما يقوله ابن خلدون عن اخلاق البربر باختصار وتصرف لفظي: واما تخلقهم بالفضائل الانسانية وتنافسهم في الخلال الحميدة
стр. 89
وما جبلوا عليه من الخلق الكريم فلهم في ذلك آثار نقلها الخلف عن السلف. لو كانت مسطورة لحفظ منها ما يكون اسوة لمتبعيهم من الامم.
فمن خلقهم عز الجوار وحماية النزيل ورعاية الذمة والوفاء بالعهد وبر الكبير وتوقير اهل العلم ورحمة المسكين وحمل الكل وكسب المعدوم وقرى الضيف والصبر على المكارم والاعانة على النوائب ومقارعة الخطوب واباية الضيم ومشاقة الدول (١) وقد اطال ابن خلدون في هذا الغرض ولكنا اقتصرنا على ما اليه الحاجة امس.
٤ - القبائل البربرية الكبرى
البربر أمة ذات قبائل وبطون وعشائر لا ينالها الاحصاء. فانهم كانوا يعمرون أفريقية من آخر ايالة مصر الى المحيط الاطلانتيقي، ويتصلون من ناحية الصحراء بأرض السودان.
وذكر بعض مؤرخي الفرنجة ان البربر في منتصف القرن السادس للميلاد خسروا في حروبهم من البيزنطيين خمسمة ملايين من الانفس، هذا مع انه لم يحارب البيزنطيين جميع البربر كما هو معلوم.
وعلاوة على ذلك فقد جاء العرب عقب هذه الخسارة الفادحة ونزلوا على بقية البربر فالفوهم على غاية العزة والمنعة وذاقوا من بأسهم ما يحل عزائم غير العرب اولي الاتحاد المتين في ذلك الحين.
لعل هذا الضرب من الاجمال في عظمة البربر وكثرتهم يقيم لي عذرا في عدم تتبع قبائل هذا الجيل، فلنكتف بذكر القبائل الكبرى التي تعد اصولا لقبائل عديدة. ومتى سنحت لنا فرصة- اثناء مرورنا بادوار التاريخ- بزيادة تفصيل ودعا المقام الى ضرب من البسط فاننا نشرح ما يحتاج القاريء الى شرحه ونبين ما يفيد المطالع ان شاء الله.
стр. 90
اتفق النسابون من العرب والبربر وتابعهم المحققون من الافرنج- دون المتعثرين في شبه الالفاظ- على ان البربر يجمعهم جذمان عظيمان هما برنس ومادغيس (ويلقب مادغيس بالابتر)، ويقال في شعوب برنس: البرانس، وفي شعوب مادغيس الابتر؛ البتر.
واختلفوا بعد هل هذان الجذمان لاب واحد: فعن بن حزم- وهو من نقدة النسابين- انهما لاب واحد، والجميع من نسل كنعان بن حام، وعن بعض نسابه البربر ان البرانس فقط من نسل كنعان، واما البتر فهم بنو بر ابن قيس بن عيلان بن مضر.
وذكر رين قول من قال ان البربر كلهم من بر وأيد ذلك بأن لفط برانس كلمة مركبة من ثلاث كلمات وهي: ابير = بر، ان = اله، اس = له = بر اله له.
وهذا الضرب من فلسفة رين اللفظية يذكرنا فلسفة العوام في كلمة فرعون، اذ يقولون: كان اسمه "عون" وفر عن امه فلما سئلت عنه قالت: فر عون، فعلق به هذا اللفظ وعرف به.
ومنهم من يدعي ان يبارين من الامم الاروبية وانهم هم الذين يسميهم ابن خلدون البرانس. وهذا من البعد بمكان. ذكر ابن خلدون في بطون مكناسة قبيلة "ابا يرون" فلو اعملنا المشابهات اللفظية مطية لادراك حقائق الانساب لقلنا: ان يبارين هي ابايرون وكان ذلك اقرب من دعوى انها البرانس.
والقائلون بأن البتر من سلالة بر بن قيس يروون في التحاق بر بالبربر روايات واشعارا لا احب ان اطيل بجلبها فليس شيء منها بمطمئنة له النفس، ومن كان له ذوق سليم أدرك اثر الصنعة في تلك الاشعار.
والصحيح عند حذاق النسابين ان البرانس والبتر جميعا من ولد مازيغ ابن كنعان بن حام.
стр. 91
اما البرانس فيتفرعون الى فروع كثيرة تجمعها سبعة اصول كبيرة وهي: كتامة، عجيسة، اوربة، صنهاجة، ازداجة، اوريغة، مصمودة.
قال ابن خلدون: وزاد سابق بن لسليم المطماطي وغيره ثلاث قبائل آخر وهي: لمطة، هسكورة، كزولة (ويقال لها ايضا جزولة).
واما البتر فيجمع شعوبهم اربع قبائل كبرى وهي:
ضريسة، لواتة، نفوسة، اداسة.
ومن هذه القبائل او بعض بطونها من يتنصل من البربرية ويعتزى الى العرب. ولكنا اتبعنا الجمهور في عدها جميعها بربرية، ومتى دعانا المقام الى زيادة بسط في انساب بعض القبائل فاننا نفيد القارئ بمبلغ علمنا في نسب تلك القبيلة والله المسؤول في بلوغ المأمول.
٥ - برابرة وطن الجزائر ومراكزهم به
لم يعن المؤرخون اليونانيوت واللاتينيون بتفصيل قبائل البربر وبيان مراكزهم. وانما كانوا يميزونهم بأوطانهم: يقولون في أهل نوميديا: نوميد، وفي أهل موريطانيا: مور، وفي أهل جيتوليا: جيتول. وهكذا في أهل بقية اوطان البربر.
ولعل ذلك يرشدنا الى انهم- وان كان منهم من استولى على الوطن البربري قرونا طوالا- لم يمتزجوا بالبربر امتزاجا يؤهلهم لهذا الضرب من البيان وينير امامهم سبيل هذا النحت من البحث.
ولما جاء العرب امتزجوا بالبربر بسرعة تضاهي سرعة فتوحاتهم، فأخذوا عن نسابة البربر تفصيل قبائلهم، وجاسوا خلال ديارهم، فعرفوا مركز كل قبيلة منهم.
كان وطن ليبية او المغرب او أفريقية الشمالية وطنا للبربر وقبائلهم،
стр. 92
وكان بعض القبائل مختصا بجهات من شرق هذا الوطن او غربه او وسطه، وبعضها تعددت بطونه وكثرت شعوبه، فانتشرت تلك القبيلة بشعوبها وبطونها على الوطن كله، وكان لها في كل قسم من اقسامه بطن أو شعب.
ونحن نذكر الآن ما كان من تلك القبائل او البطون والشعوب مستوطنا بالوطن الجزائري مع بيان الجهات التي اختص بها كل قبيل حسبما كان في اول الاستيلاء العربي.
تقدم ان البربر يجمعهم جذمان عظيمان: برنس ومادغيس، وان الجذم الاول يشتمل على عشر قبائل عظمى والثاني على اربع.
وقد اختص من تلك القبائل العظمى بسكنى الوطن الجزائري دون سواه ثلاث قبائل: كتامة، عجيسة، ازداجة.
وكان بهذا الوطن ايضا بطون وشعوب من بقية القبائل الاخرى ما عدا قبيلتين من فبائل البرانس وهما: هسكورة، كزولة، فانهما استوطنتا المغرب الاقصى، وما عدا قبيلتين من البتر وهما: نفوسة واداسة فانهما اقتصرتا على سكنى طرابلس.
فاما كتامة فهي من اكثر قبائل البربر عددا واشدهم قوة واطولهم باعا في الملك وهي احدى قبائل البرانس عند نسابة البربر، ونسابة العرب يقولون: انها من قبائل حمير تركها بالمغرب افريقش احد ملوك التبابعة.
ولهذه القبيلة بطون كثيرة المعروف منها عند ابن خلدون ثمانية عشر بطنا. ومن تلك البطون ما يتفرع الى فروع وافخاذ.
وحوالي القرن العاشر الهجري اختلطت كتامة بمصمودة وامتزجت بها فعفا رسمها واندرست تلك الاسماء التي عرفها ابن خلدون.
من اسماء تلك البطون التي بقيت لعهدنا هذا جميلة.
ومما ذكره ابن خلدون من تلك البطون مصالة. والظاهر انها مزالة
стр. 93
التي صارت اليوم علما لقرية بعد اضافة كلمة فج اليها فيقال فج مزالة. وهي تبعد عن ميلة غربا بأزيد من ثلاثين ميلا.
ومن الافخاذ الصغيرة التي ذكرها ابن خلدون بنو تليلان. وعين مركزهم بقوله: "أهل الجبل المطل على القل ما بينه وبين قسنطينة (١).
ولم يزل بنو تليلان معروفين بهذا الاسم الى اليوم ومركزهم لهذا العهد بجبال بين قسنطينة والقل كما قال ابن خلدون.
وكتامة بجميع بطونها وافخاذها كانت تقطن الساحل البحري من بونة الى بجاية وتتقدم في داخل الوطن الى حدود جبل اوراس.
ومن مدنها بلزمة، باغاية، سطيف، قسنطينة، جيجل، القل، السكيكدة (٢) في مدن اخرى.
واما عجيسة فهي قبيلة عظيمة من قبائل البرانس. كان لها بين البربر كثرة وظهور كان موطنهم شرق صنهاجة وجنوب زواوة بجبال المسيلة وقلعة عجيسة التي صارت من بعد حاضرة آل حماد.
وقد انكسرت شوكتهم في عهد آل حماد وزاحمهم الهلاليون وازاحوهم من مواطنهم فتفرقوا اوزاعا في قبائل البربر منهم من ذهب الى تونس ومنهم من ذهب الى المغرب الاقصى.
وفي ارض بني تليلان اليوم قرية بدوية تدعى عجيسة فلعل اهلها من بعض افخاذ عجيسة ساكنوا بني تليلان.
واما ازداجة (ويقال ايضا وزداجة) فقبيلة عظيمة من قبائل البرانس "وكثير من نسابة البربر يعدونهم في بطون زناتة. وقد يقال: ان
стр. 94
ازداجة من زناتة. وزداجة من هوارة. وانهما بطنان مفترقان. وكان لهم وفور وكثرة (١) "
ومركزهم بالغرب الاوسط بنواحي وهران منه.
وفي القرن الرابع للهجرة اضعفتهم الفتن فذهبت ريحهم وانتقل أهل الرياسة منهم الى الاندلس.
واما اوربة فقد كان بعضها بالغرب الاقصى وبعضها بالغرب الاوسط - على ما يفهم من حديث ابن خلدون عنهم- فليست من القبائل المختصة بوطن الجزائر.
وهي ذات بطون كثيرة عد ابن خلدون منها سبعة. وكانت لعهد الفتح العربي اكثر القبائل البربرية عددا واشدها قوة واقواها بأسا وكانوا مستوطنين شمال الزاب. وذكر البكري منهم طائفة حوالي بونة وفي اوائل الفتح العربي ايام عبد الملك ابن مروان دحر الجيش العربي هذه القبيلة الى المغرب الاقصى.
واما صناهجة فقبيل عظيم من قبائل البرانس. وزعم بعضهم: انها ثلث البربر ونسابة العرب ينسبونهم الى عرب اليمن وانهم تركهم افريقش بالمغرب لما قفل من غزوه. ويقول مرسي وبيروني: انهم من المور والجيتول. وهم ذوو بطون عديدة. نقل ابن خلدون عن بعض مؤرخي البربر انها تنتهي الى سبعين بطنا.
ومواطنهم بالصحراء الى السودان والمغرب الاقصى، وبالغرب الاوسط على ساحل البحر من عمالة الجزائر ووهران ويتقدمون في داخل الوطن الى سهول شلف ينتهون غربا بمصب وادي شلف في البحر ويختلطون شرقا بزواوة في سهول حمزة. وذكر البكري او زقور
стр. 95
شمال المسيلة فقال: "وهي عين عذبة باردة عليها شجرة عظيمة. وهذا آخر حد بلد صهناجة (١) ".
ومن قبائل صنهاجة المعروفة الى اليوم بنو مزغنة اصحاب مدينة الجزائر قبلا وذكر ابن خلدون منها لمدونة ولها مدينة بهذا الاسم. ولعلها لمدية، واهلها الى اليوم ينسبون اليها بلفظ لمداني.
واما مصمودة فقبيلة عظيمة ذات بطون تبلغ اربعة عشر ولبعض تلك البطون افخاذ وفروع.
مواطنهم بالمغرب الاقصى منذ الاحقاب المتطاولة. وذكر البكري عند الكلام على بونة: ان حولها قبائل كثيرة منها مصمودة.
واما لمطة فقبيلة كبيرة ذات شعوب كثيرة. وهم اخوة صنهاجة، مواطنهم بالسوس وما يليه من بلاد الصحراء. واكثرهم مجاورون للملثمين من صنهاجة. قال ابن خلدون: ومنهم قبيلة بين تلمسان وأفريقية.
واما اوريغة فاحدى قبائل البرانس العظيمة ذات بطون كثيرة منها هوارة. وهم ولد هوارة بن اوريغ بن برنس، باتفاق نسابة العرب والبربر ويتفرعون الى سبعة فروع.
ومواطن الجمهور من هوارة لاول الفتح بنواحي طرابلس وبرقة.
وذكر البكري قبائل بربرية تسكن حول تاهرت، منها هوارة تسكن قبلتها وذكر منهم شعبا يسكن مدينة الغدير. وذكر ابن خلدون موطنا آخر لهوارة وهو جبل اوراس مع كتامة ولواتة. هذا آخر ما قصدنا اليه من الكلام على قبائل البرانس.
وقد كان للواته وضريسة من قبائل البتر بطون استوطنت الجزائر ايضا. ولواتة قبيلة عظيمة تنتسب الى لوا الاصغر- وهو نفزاو- رن لوا الاكبر بن زحيك. ولها بطون سبعة منها مزاتة وهي أوسعها
стр. 96
ومنها صدراتة، وت ما نفزاوة. ومواطن لواتة في القديم بنواحي برقة وطرابلس الى قابس.
قال ابن خلدون: "وكان منهم بجبل اوراس أمة عظيمة .. ولم يزالوا باوراس لهذا العهد مع من به من قبائل هوارة وكتامة (١) ". وقال أيضا: "وكان من لواتة هؤلاء أمة عظيمة. بضواحي تيهرت الى ناحية القبلة وكانوا ظواعن هناك على وادي ميناس".
وقال أيضا: " ومنهم ايضا بضواحي بجاية قبيلة يعرفون بلواتة ينز لون ببسيط تاكرارت (٢) ".
وبطن مزاته منهم كانت له مدينة بلزمه على ما ذكر البكري. وبطن صدراته ذكر البكري انهم حول بسكرة ولصدراته اليوم قرية معروفة بهم في أعالي وادي سيبوس. ونفزاوة هم بنو تطوفت بن نفزاو بن لوا الاكبر بن زحيك.
وكانت لعهد الفتح العربي من القبائل ذات الكثرة والقوة، ولها تسعة بطون منتشرة في جهات من طرابلس وتونس ومركزها بالجزائر في شرق عمالة قسنطينة.
ومن بطون نفزاوة ولهاصة. وهي تقطن حيث تقطن كومية.
واما ضريسة فمن بطونها بوطن الجزائر: بنو فاتن، زواغة، زواوه، مكناسة، زناتة.
بنو فاتن هم أبناء فاتن بن ممصيب بن ضريس، ويتشعبون الى عشرة شعوب: مطغرة، لماية، مطماطة، مديونة، كومية، مغيلة، ملزوزه، دونة، كشانة، صدينة.
وبنو فاتن منتشرون في الغرب تلوله وصحرائه يلون صنهاجة غربا على الساحل الوهراني ومنتشرون في داخل العمالة.
стр. 97
فاما مطغرة فقد كانت ذات قوة وكثرة لعهد الفتح العربي تقطن ما بين فاس وتلسمان، وتتقدم الى جهات شلف وجبل ذي راشد.
ومن مدن مطغرة قرية تدعى "جليداسن" وهي على مرحلة من تنس مطلة على فحص شلف، ومنها تابحريت قرية على البحر الرومي بساحل وجدة، وذكر ابن خلدون منهم رهطا بالصحراء يقطنون قليعة والي. وهي المعروفة اليوم بالقليعة ويقولون فيها أيضا: المنيعة.
واما لماية فلها افخاذ كثيرة، كانوا ظواعن بافريقية وجمهورهم بالمغرب الاوسط. ومن مراكزهم به جبل جزول ونواحي وانشريس.
وبطن لماية هو الذي نزل عليه عبد الرحمن بن رستم حينما فر من القيروان الى المغرب الاوسط، وأسس دولة فيما بعد من غرر دول الجزائر.
وقد انقرضت لماية بانقراض ملك الرستميين وتفرقت اوزاعا في القبائل.
قال ابن خلدون: " ومنهم جربة الذين سميت بهم الجزيرة البحرية تجاه ساحل قابس. وهم بها لهذا العهد (١) ".
واما مطماطة فهم شعوب كثيرة ايضا وتفرقة في نواحي المغرب كله. ومركزهم بالجزائر بتلول منداس عد جبل وانشريس وجبل جزول من نواحي تيهرت.
واما مديونة فانها تقطن نواحي تلمسان الى جبل مديونة غربا وجبل بني راشد شرقا. وفي جوارهم شرقا بنو يلومي وبنو يفرن، وغربا مكناسة، وشمالا على السواحل كومية وولهاصة.
واما كومية- ويعرفون قديما بصطفورة- فلهم بطون ثلاث: ندرومة، مغارة، بنويلول، ومن هذه البطون تفرعت شعوب كومية
стр. 98
وتعددت قبائلهم ومواطنهم قال ابن خلدون: على ساحل تلمسان وارسكول.
ولعل ارسكول هي القرية التي ذكرها البكري بلفظ ارشقول عند مصب نهر تافنا في البحر. وذكر البكري من حصونهم حصن هنين على البحر.
واما مغيلة فانها تقطن بالشاطئ الايمن من شلف عند مصبه في البحر ولهم مدينة على البحر تدعى " آسلن " بساحل تلمسان. قال البكري: "وهي مدينة قديمة عليها سور صخر .. ولها نهر يصب في البحر من شرقيها " (١).
ويساكن مغيلة اخوتهم من ملزوزة ودونة وكشانة. ومن ساحلهم اجتاز عبد الرحمن الداخل إلى الاندلس وبذر بذور حضارة كانت من بعد المثل الاعلى.
هذا آخر قول في أبناء فاتن ملتزما فيه الايجاز.
واما زواغة فهم من ولد سمكان بن يحي بن ضري او (ضريس) واقرب ما اليهم من البربر زناتة، لأن ابا زناتة جانا وهو اخو سمكان ابن ابيه. ولزواغة بطون ثلاثة متفرقة في القبائل بطرابلس والجزائر والمغرب الاقصى. وذكر ابن ت خلدون منهم رهطين بالجزائر: احجهما بجبال وبسائط غرب ميلة على القرب منها، وهم معروفون حتى اليوم باسم زواغة، وهذه عبارة ابن خلدون:
" وفي جهات قسنطينة ايضا رهط من زواغة " (٢)
ثانيهما بجبال شلف غرب تاهرت. وذكر البكري مدينة شلف فقال: وتعرف بشلف بني واطيل. وهي لزواغة.
واما زواوه فهي قبيلة عظيمة تتشعب الى شعوب عظيمة عرف منها
стр. 99
قديما احد عشر بطنا. وهم اخوة زواغة من ولد سمكان بن يحي. وقال ابن حزم: انهم من قبائل كتامة. قال ابن خلدون: " والصحيح عندي ما ذكره بن حزم. ويشهد له الموطن ونحلة التشيع مع كتامة (١) ".
وقال في موضع آخر: " والمحققون من النسابة مثل ابن حزم وانظاره إنما يعدونهم في بطون كتامة. وهو الاصوب والمواطن اوضح دليل عليه." (٢) وغلط من جعلهم اخوة زواغة بأن القبيلة التي هي اخت زواغة تدعى زواوة. والقارئ صحف زاى زواوة بواو زواوة فظن زواوة اخت زواغة (٣).
وقد اشتهرت مواطن زواوة باسم القبائل وهذه اللفظة تطلق ايضا حتى اليوم على مواطن كتامة، وان لم تشتهر فيها اشتهارها في وطن زواوة. وقد يكون هذا الاطلاق عاضدا آخر لا يستصوبه ابن خلدون.
ووطن زواوة بجبال القبائل الكبرى ما بين كتامة شرقا وصنهاجة غربا وعجيسة جنوبا.
واما مكناسة فبطن عظيم من بطون ورسطيف. وورسطيف اخو جانا وسمكان فالثلاثة أبناء يحي بن ضري.
والمعروف قديما من بطون مكناسة ثمانية.
وكانت مواطنهم على وادي ملوية من لدن سجلماسة اعلاه الى مصبه في البحر.
وذكر البكري ان من القبائل التي تسكن حول تاهرت مكناسة بجوفيها.
واما زناتة فقبيلة عظيمة من القبائل العريقة في القدم. وبما كان لها من الكثرة تغلبت فيما بعد على بقية بطون ضريسة.
стр. 100
ويرى ديكلوس من متأخري المؤرخين: ان الجيتول أصل صنهاجه زناتة.
قال ابن خلدون: " وكانت مواطن هذا الجيل من لدن جهات طرابلس الى جبل اوراس والزاب الى قبلة تلمسان ثم الى وادي ملوية. " (١) قال: " والاكثر منهم بالغرب الاوسط حتى انه ينسب اليهم ويعرف بهم، فيقال: وطن زناتة " (٢).
قال ابن خلدون: وشعوب هذه القبيلة اكثر من ان تحصى. وعليه فانا نقتصر على ذكر الشعوب التي كانت لها شهرة في التاريخ، وهي هذه العشرة: جراوة، اوغمرت، يفرن، مغراوة، واسين، يرنيان، ورجلة، ورنيدين، يلومي، ومانو.
اما جراوة فهم ولد كراو بن الديرت بن جانا (وهو زناتة) وكانوا: قبل الاسلام أهل كثرة وقوة وفيهم رئاسة زناتة.
موطنهم لعهد الفتح بجبل اوراس. ثم تفرقوا من بعد اوزاعا في قبائل البربر بالمغرب الاقصى وغيره.
واما اوغمرت (ويقال غمرت ايضا) فهم من ولد ورتنيص بن جانا، وكانوا من اوفر بطون زناتة عددا.
قال ابن خلدون: " ومواطنهم متفرقة، وجمهورهم بالجبال الى قبلة بلاد صنهاجة " (٣) وذكر مرسيي من مواطنهم جبل بني راشد.
واما ورجلة (ويقال ايضا وركلة) فهم من ولد وركلة بن فرني بن جانا. وموطنهم بالصحراء جنوب بسكرة. ولهم ممر اختطوه معروف باسمهم الى اليوم.
стр. 101
واما يفرن فهم بنو يفرن بن يصلتين بن مسرا بن زاكيا بن ورسيك بن الديرت بن جانا.
وهم من اوسع بطون زناتة. وكانت لهم الرئاسة من بعد جراوة. ومواطنهم فيما بين تلمسان وتاهرت وفي الحضنة وجنوب اوراس. وكان لهم ملك في العصر الاسلامي بالمغرب الاوسط ثم الاقصى.
واما مغراوة فهم بنو يصلتين بن مسرا. فهم أخوة يفرن كانوا اوسع بطون زناتة وأهل البأس والغلب منهم. وشعوبهم كثيرة. ذكر ابن خلدون منها ثمانية (منها ديغة والاغواط) ثم قال: وغيرهم ممن لم تحضرني أسماؤهم.
وكان لهم في العصر الاسلامي ملك بفاس وسجلماسة (تفيلالت) وتلمسان وطرابلس وغيرها.
وموطنهم بالمغرب الاوسط من شلف الى تلمسان. ولهم مراكز ايضا من اخوانهم بني يفرن بالحضنة وجنوب اوراس.
واما واسين فهم بنو واسين بن يصلتين ابي يفرن ومغراوة. ولهم افخاذ عظمت وصارت ذات كثرة وقوة. منها بنو مرين ملوك المغرب في الاسلام، وبنو عبد الواد ملوك المغرب الاوسط، وبنو وتوجين، وبنو مصاب (مزاب)، وبنو راشد، وبنو رزدال في قبائل أخرى.
ومواطنهم بالزاب ووادي ريغ وجبل راشد الى ملوية.
واما يرنيان فهم اخوة مغراوة. لهم بطون كثيرة وافخاذ عديدة. وهم منبثون في مواطن زناتة، واختلطوا قصورا كثيرة على وادي ملوية واما ورنيدين فهم بطن من بطون دمر. ولهم شعوب كثيرة وفضائل عديدة منهات بنو برزال.
وهم بنو ورنيدين بن وانتن بن وارديرن بن دمر بن ورسيك بن الديرت. وكانت مواطنهم غرب جبل بني راشد قبلة تلمسان في البسائط
стр. 102
والسهول. ثم انزاحوا عندما غلبهم بنو راشد الى الجبل المطل على تلمسان، وبنو برزال منهم كانوا بجبل سالات وما اليه من نواحي المسيلة.
واما ومانو فقبيلة من اوفر قبائل زناتة عددا واشدها شوكة. وكانت تقطن الجهة الشرقية من اسافل وادي شلف على نهر ميناس.
واما بنو يلومي فهم أيضا من اوفر قبائل زناتة عددا واشدها بأسا كانوا يقطنون العدوة الغربية من شلف الى جبل هوارة وفحص سيرات ويذهبون جنوبا الى جبل بني راشد.
هذا ما اردنا ايراده من قبائل بربر الجزائر ومواطنهم على ما عرف لهم العرب لاول استيلائهم على المغرب. ولم يزالوا بها الى القرن الخامس الهجري حينما حمل الهلاليون على هذا الوطن حملة ازاحت كثيرا من قبائل البربر عن مواطنها، وحل الهلاليون محلها.
والظاهر ان المراكز التي ادركها العرب للبربر وعرفوها لهم هي مراكزهم القديمة. اذ لا يعرف التاريخ هاجما غير خريطة أفريقية وملك على البربر اوطانهم وحل محلهم بصفة دائمة غير الهلاليين ومن انضاف اليهم من عرب المائة الخامسة. وعندما يحين القول في هؤلاء العرب ونتكلم على شعوبهم ومراكزهم نذكر- ان شاء الله- المراكز الجديدة للبربر. ونزيد القول في شعوبهم وافخاذهم بيانا وشرحا.
٦ - الحياة البربرية
عمر البربر وطنهم الثاني ليبية (المغرب) قبل التاريخ. فلا جرم كانت حياتهم في البساطة شبيهة بحياة بقية أهل العصر الحجري في السكن والملبس والمطعم والمكسب. ولكلنهم ترقوا- وفق طبيعة النشوء والارتقاء- في ذلك. وتأثروا بمجاورة الاغريق اولا ثم بمعاشرة
стр. 103
الفينيقيين. وكانوا أسبق من الرومان إلى الاقتباس من حضارتي هاتين الامتين.
عرف البربر- كسائر البشر- معدن النحاس فانتقلوا من مدنية الححر الحجري الى حضارة العصر النحاسي. ولكنهم لم يلجوا هذا العصر الثاني الا حين اكتشاف معدن الحديد. فاندمج هذان العصران عند البربر في عصر واحد. على أن عصر الحجارة طال امده بدواخل وطنهم. فعاصر الحديد حينا من الدهر.
من الآثار النحاسية المكتشفة بالوطن الجزائري قطع بضواحي مدينة قيصرية، واخرى بضواحي مدينة اقسيوم. ووجدت ايضا صفائح نحاسية بمنزل في مغارة قرب مدينة صلداي، ومعها قطع بصدد التكوين لم يزل بها اثر الفحم. وذلك يدل على انها مصنوعة هنالك وليست منقولة من وطن آخر.
١ - المسكن: كان البربر منهم الرحل اهل البيوت التي يخف حملها مهما ارادوا الظعن لانتجاع الكلأ والعشب بمواشيهم، ومنهم المقيمون اهل القرى والمدن، يتخذون بيوتهم اما من الخشب واما من الحجارة ويغطون سقوفها بالديس او غيره من النباتات. ولهم في هندسة البيوت اشاكال وفي بنائها كيفيات. منها بناء جدارين متوازيين بالحجارة ثم صب الحصا خلالهما حتى يمتليء ما بيهما من الفضاء.
وقد أسس البربر مدنا عظيمة. منها ما طوى عنا التاريخ خبره واعفى كر الغداة والعشي أثره، ومنها ما بقى ذكره مرعيا لو حوفظ على موقعه فلم يزل موضع عمارته مرئيا.
وسنتكلم على ما حفظ التاريخ للبربر من المدن حسبما تدعونا المناسبات.
٢ - الملبس: كان ملابس البربر من الصوف بعد ما عرفوا
стр. 104
الحياكة. منها البرنس. وهو ثوب أعلى يسلك في العنق او يوضع على الاكتاف ينسج قطعة واحدة ويترك من أمام مفتوحا، لا يخاط الا ما يقابل الصدر منه. وهو قديم بينهم ومعروف عند غيرهم ايضا. فقد كان لباسه شائعا بين اليونان والرومان. ووصف ابن خلدون برانس البربر بأنها كحل. والبربر معروفون بالمحافظة على العوائد العتيقة فلعل هذا الوصف قديم ايضا. ولم يزالوا حتى اليوم بوطن القبائل ينسجون برانس في غاية المتانة والاحكام. ولونها في الغالب أزرق. فاما ان يكون هذا اللون حدث بعد ابن خلدون واما ان يكون هو الذي تساهل فعبر بالكحولة مكان الزرقة. والعرب تتساهل في الالوان المقاربة.
ومنها القشابية. وهي ثوب اعلى ايضا له اكمام يسلك في العنق ويخاط من أمام، لا يترك منه الا الجيب (الرقبة) ولا يلبس البرنس فوقها الا نادرا. وهي قديمة جدا. وكانت من ملابس الرومان أيضا.
ومنها الكساء. وهو قطعة صوف غير مخيطة يشتمل بها الرجال والنساء اشتمال الصماء. وهو قديم أيضا، ومعروف عند قدماء المصريين. ولم يزل لباسه حتى اليوم شائعا في بعض الجهات. وفي اغلب الوطن الجزائري تفننوا في نسجه ورققوه وزينوه بالحرير فصار من ملابس الزينة يختص به أهل الهيآت ويعبر عنه عرب الجزائر بالحائك.
ومنها السراويل القصيرة او الطويلة، وهي معروفة ايضا عند الغاليين قدماء الافرنج.
ويلبسون غير ذلك جلود الحيوانات بعد دبغها. وهي من ملابس الغاليين ايضا ما زلنا نشاهدها اليوم عند اعقابهم المتمدنين. أما البربر فقد تركوا هذا اللباس من قديم، ولم يحافظوا عليه خلافا لعاتهم في غيره.
стр. 105
وقد احسنوا في رفض لباس يقرب صاحبه في المنظر من الحيوانات الوحشية، ويذكر بأخلاقها في المجتمع صباح مساء.
وكانوا يضعون على رؤوسهم " القنور ". ويرجع عهده الى الالف الثالث او الثاني قبل الميلاد. وقد قدر له ان يعيش - على ثقله حسا ومعنى- هذا العمر الطويل. ولكنه اليوم ادركه الهرم ودب فيه دبيب الفناء ولا ندري متى يحين الوقت الذي يوضع فيه بدار الآثار. وعلى كل حال فلم يكن لباسه عاما. فقد قال ابن خلدون- متحدثا عن عموم البربر-: " ورؤوسهم في الغالب حاسرة وربما يتعاهدونها بالحطق" (١) وذكر عن زناتة- وهم من سكان جيتولية على ما سبق- انهم يلبسون العمائم " يلفون الليت والاخدع قبل لبسها ثم يتلثمون بما تحت أذقانهم من فضلها " (٢) وكان بربر نوميديا لا يحلقون رؤوسهم ويفرقون شعرها غديرتين يرسلون مع كل جانب غديرة.
واتخذوا الحلي من النحاس والفضة والذهب خواتم واساور وخلاخل وغير ذلك.
ولم يغيروا الى اليوم لباسهم القديم الا يسيرا خصوصا البادين منهم.
٣ - المطعم: لا شك ان البربر كانوا قبل معرفتهم للزراعة مقتاتون من لحوم الصيد والحيوانات الانسية وبعض النباتات الطبيعية التي لا تضر بمعدتهم. اما بعد ان عرفوا الزراعة فلا ريب انهم استعملوا من الحبوب ضروبا من الاطعمة، نقلوا بعضها عن غيرهم من الامم. ومن الاطعمة المنسوبة لهم "الكسكس " وهو اليوم من أهم أغذيتهم. يواظبون عليه للعشاء. وقليلا ما يستعملونه غداء. وقد أثروا على عرب الجزائر في اقتياته فصاروا سواسية في اعتماده غذاء لابدانهم.
стр. 106
٤ - الكسب: كان البربر من قديم يكسبون الغنم والبقر والخيل الغنم والبقر لنتاجها وألبانها وغير ذلك من فوائدها، والخيل لركوبها اما للصيد واللهو واما للحرب والغزو.
واشتهر في الفروسية بربر نوميديا. وخيلهم كانت قصيرة سريعة العدو. تصلح لاستطلاع احوال العدو ورد الفارين من الجيش. يلبس الفارس منهم لباسا خفيفا ويحمل سلاحا خفيفا ايضا، ويعتلي صهوة فرسه من غير سرج ولا لجام. وانما يمسك بيد. قضيبا من خشب يصرف به الفرس طوع ارادته. وهذا دليل على حذقهم في سياسة الخيل ومهارتم في تربيتها.
ـ[صورة]ـ
ش- ١ - (رسم فارس نوميدي)
стр. 107
ومن مكاسبهم الابل وهي معروفة قديما بآسيا. ولكنها لم تدخل الوطن البربري الا حوالي سنة ٦٦ (ق. م) قال ابن خلدون: وهي من مكاسب أهل النجعة منهم شان العرب.
وكانت لهم معرفة بالصناعات المعدنية وزراعة الحبوب، فكانوا يزرعون الفول. قال بيروني: ويظهر ان أصله من ارض البربر. ويزرعون الشعير، وهو أكثر فلاحتهم، والقمح وحبوبا أخرى. قال بيروني: ولا نعلم أهذه الحبوب محلية ام مجلوبة؟ وكان بوطنهم العنب والزيتون، ولكنه طبيعي غير مغروس.
وصنعوا من المعادن ما كانوا يصنعونه من الحجارة وبذلك سقطت الصناعة الحجرية الا بدواخل الوطن فقد عاشت وترقت حتى صارت في غاية الاتقان.
واتفقت كلمة من وقفنا على كلامهم من المؤرخين ان البربر لم يتعلموا الغراسة الا من الفينيقيين. اما الفلاحة واستخراج المعادن فقد قال اغسال: ان البربر تعلموهما من قدماء المصريين وسكان جزر البحر الابيض المتوسط. كانوا اولا يقتنون مصنوعات هذه الامم ويستوردونها ثم تولوا صناعتها بانفسهم.
٧ - نظام المجتمع البربري
كان البربر مقتنعين- منذ نزلوا ليبية- في حياتهم بما منحتهم الطبيعة من خصب اراضيهم التي كانت - على كثرتهم ووفور عدد قبائلهم- تفي بحاجتهم وحاجة حيواناتهم. فلم يكن لهم من غرض في استعمار وطن آخر، ولا بلغ بهم الجشع ان يسفكوا دماء محترمة، ويصبغوا بلونها القاني ترابا تنبسط نفوسهم من بعد للتمتع فوقه بخيراته وجهود ابنائه المظلومين. وانما كانت تقع منهم بعضهم على بعض هجومات
стр. 108
اما لصيانة حرمة انتهكت واما لدالة الشرف حيث يكون منهم ذو عزة بعشيرته فيريد ان يفرض سيادته على جيرانه. وهي سيادة ادبية شرفية غير مشوبة بطمع في مغرم او انتزاع ارض.
لذلك لم يكن لهم في القديم ملوك عظام ودول فخام وانما كان منهم امراء على قبائل وسادات على عشائر.
وكانت السلطة المنزلية بيد الرجل ولذلك كانت انسابهم تابعة لآبائهم لا لامهاتهم، وروى هيرودوتس (١) - على ما ذكر الكعاك- ان نظام الامومة كان أيضا حالة من حالات المجتمع البربري. تكون السلطة فيه للام، والاب غير معترف به شرعا والابناء تابعون لخالهم في الميراث، وعى هذه الرواية يكون البربر اسبق الامم الى الاعتراف بحرية المرأة. ويؤيدها ان ابن خلدون ذكر قبائل منهم تنتسب الى امهاتها. وذكر رين قبائل عبر عنها بأولاد امهاتهم. وقد بقي أثر ذلك اليوم عند "اليقاشين"، فانهم اذا حسبوا لمريض او غيره توصلا للغيب عدوا حروف اسمه واسم امه دون أبيه. وكذلك إذا رقوا لاحد رقيتهم كتبوا بها اسمه واسم امه لا ابيه.
ونحن- إذا أيدنا وجود نظام الامومة قديما- لا نريد انه عام بين البربر بل خاص ببعض الاوساط ونظام الابوة هو الغالب.
قال مرسيي: " ومن غير شك ان لكل قبيلة قوانين تخضع لها. ولم يزل أثرها الى اليوم في وطن القبائل ".
وقال أغسال ويؤخذ من الكتابات الحجرية الاثرية ان فراعنة مصر كانت لهم علاقات بالليبيين وكان الليبيون ينتهزون فرصة ضعف الفراعنة ليغيروا على سواحل النيل ويملؤا ايديهم من الغنائم. واحيانا يكونون
стр. 109
جندا مرتزقين لدى الفراعنة. وفي القرن الرابع عشر والثالث عشر (ق. م) كادوا يستولون على مصر.
هذا كلام أغسال. وهو- وان كان تاريخه خاصا بالجزائر- لا يصح حمل كلامه هذا على الجزائريين. وان كانت الجزائر من ليبية. وانما يصدق على البربر المجاورين لمصر. اما بربر الجزائر فان لهم من وطنهم ما يغنيهم عن مزاحمة القبط على النيل.
لذلك عاشوا دهورا متمتعين بلذة البساطة في مجتمعهم اغنياء عن النظام الدولي، اذ لا تحتاج إليه الا امة اضطرها ضيق عيشها الى تعدي بعضها على بعض او التوسع على حساب أمة أخرى.
عاش بربر الجزائر ما شاء الله ان يعيشوا في راحة من تحمل عبء الملوك ودالتهم، اعزاء عن الخنوع لشهوات الامراء وجبروتهم حتى الجأتهم حروب قرطاجنة مع رومة الى تجشم مرارات النظام الدولي.
ايقظتهم تلك الحروب الى أن من الامم ما لها مطامع في استعباد غيرها.
فضخموا ملكهم ووحدوا امارتهم كي يحفظوا وطنهم من عاديات عشاق الزعامة العامة والسيادة السامة. وكان منهم اذ ذاك ملوك سنأتي- ان شاء الله- فيما بعد على تفصيل حياتهم وبيان اعمالهم الجليلة بقدر ما تسمح به المادة التي بأيدينا.
٨ - لغة البربر وكتابتهم
البربر يسمون لغتهم " تماشغت " ولهم لهجات مختلفة. ففي ابن خلدون: ان زناتة منهم لها رطانة خاصة بها. ونرى اليوم فرقا بين لغة زواوه احدى بطون ضريسة، ولغة مصاب (مزاب) من زناتة وغيرهم.
اما أصلها فهو تابع لاصل الناطقين بها. ويقول بيروني: انها غريبة مجهولة الاصل، كما ان البربري نفسه مجهول النسب.
стр. 110
والصواب خلاف ما يقول فقد قدمنا ما عليه محققو المؤرخين من ان البربر جنس حامي. ووطنهم الثاني (ليبية) ساكنهم به طوائف من أمم مختلفة. واذن فاللغة البربرية حامية الاصل مشوبة بعدة ألفاظ من الفينيقية وغيرها من لغات الامم التي جاورتهم او استولت عليهم.
والبربرية تخالف اللغات السامية في انها يسوغ فيها الابتداء بالساكن واجتماع الساكنين فاكثر وتقديم المضاف اليه على المضاف. وتوجد فيها كلمات مركبة تركيبا مزجيا وليست اعلاما. وقد ينقلب فيها الفعل اسما والاسم فعلا. ولا كذلك اللغات السامية.
يقول رين: ان اللغة العربية واللغة الفرنسية استعارتا الفاظا من البربرية. وسرد تلك الالفاظ التي يدعى اصالتها في البربرية. وهو ان كان يريد ذلك في العصور الاخيرة فلا منازعة، وان كان يدعي ذلك في القديم فلا انازعه في ذلك بالنسبة الى اللغة الفرنسية فقد يساعده التاريخ على ذلك لان بربر نوميديا مكثوا مع حنبعل القرطاجني سنين بالغاليا وغيرها من جنوب أروبا، واختلطوا بهم في جيش قرطاجنة أيضا واللغات اذ ذاك ضيقة تحتاج الى النقل فلا يبعد ان يكون قدماء فرنسا أخذوا من البربرية.
اما العربية فبعيدة جدا عن البربرية. ولا يعلم في التاريخ وقوع اختلاط بين هاتين الامتين الا ما كان من غزو افريقش لليبية (١). ولكن ذلك لا يؤيد دعوى رين لان المغلوب هو الذي ينقل عن الغالب. على ان علماء العربية تكلموا في الدخيل واعتنوا بتمييزه حتى خصه بعضهم بالتأليف. ولم يذكروا منه كلمة بربرية.