← Тараджим

Тараджим · id 123661

رائد التجديد الإسلامي محمد بن العنابي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (125 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

رائد التجديد الإسلامي محمد بن العنابي المتوفى ١٨٥٠ صاحب كتاب السعي المحمود في نظام الجنود تأليف أبو القاسم سعد الله جامعة الجزائر طبعة ثانية مزيدة ومنقحة دار الغرب الإسلامي

стр. 2

رائد التجديد الإسلامي محمد بن العنابي المتوفى ١٨٥٠ صاحب كتاب السعي المحمود في نظام الجنود تأليف أبو القاسم سعد الله جامعة الجزائر طبعة ثانية مزيدة ومنقحة دار الغرب الإسلامي

стр. 3

جميع الحقوق محفوظة ١٩٩٠

стр. 4

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ مقدمة الطبعة الثانية يسعدني أن تصدر هذه الطبعة فى المشرق ليتعرف إخواننا الباحثون والطلبة على شخصية فكرية سابقة لوقتها من علماء الجزائر. لقد صدرت الطبعة الأولى في الجزائر ولم توزع خارجها فحرم باحثو النهضة الإسلامية ودارسو الصحوة الإصلامية بمفهومها القديم والحديث، من معرفة الدور الذي قام به بعض الرواد في هذا المجال. لقد دعا ابن العنابي إلى التجديد الإسلامي وإلى الصحوة منذ ١٨٢٦ في كتاب ألفه في مصر بعنوان (السعي المحمود في نظام الجنود). ورجع بعد ذلك إلى وطنه الجزائر فإذا بهذا الوطن يقع فريسة للاحتلال الفرنسي (١٨٣٠). وقد سارع الفرنسيون بنفي ابن العنابي من وطنه الأول فحل في وطنه الثاني (مصر) حيث قضى بقية حياته مفتيا في الاسكندرية إلى وفاته منة ١٨٥٠ - ٥١. فهو ضحية فكره ومساعيه من أجل تحرير قومه من الخرافات والأوهام والتخلف، وهو أيضا ضحية الاحتلال الفرنس لبلاده. كم من مؤلفات ألفت عن الطهطاوي والبستاني واليازجي والأفغاني إلخ ولكن إذا عرفنا أن هؤلاء جميعا ظهروا بعد ابن العنابي بفترة غير قصيرة، ندرك الإجحاب الذي وقع في حق هذا الرجل. ولعل السبب يعود إلى أن كتابه ظل مخطوطا فى مكتبات مصر وإسطنبول، وان الجزائريين كانوا محرومين من نعمة الحرية والعلم تحت الاستعمار الأجنبي، فبقي الرجل وبقي عمله غير معروفين للباحثين. وقد بدأت في تسليط الضوء على دور ابن العنابي منذ منتصف

стр. 5

السبعينات حين ساهمت ببحث عنه فى ندوة بالقاهرة نظمتها جامعة عين شمس. ثم طبع كتابي عنه سنة ١٩٧٨ بالجزائر حيث ظل حبيسا إلى أن قدر له الآن أن يعاد طبعه في المشرق. إن هذه الطبعة الثانية تمتاز بزيادات كثيرة. أهمها الترجمة التي خصه بها معاصره فى مصر وهو عبد الحميد بيك فى كتابه الذي ما يزال مخطوطا. وقد لخصناها نحن في المدخل، وهي تلقي أضواء جديدة على حياته لم نكن قد اطلعنا عليها في الطبعة الاولى. أما الزيادة الثانية فتتمثل في اطلاعنا على كتابيه (التحقيقات الإعجازية) و (صيانة الرياسة) وكلاهما قدمناه ملخصا في قسم (آثاره)، بالإضافة إلى ذلك هناك إثراء واضح للنص بالتعاليق ونحوها، ومن ثمة إثراء للبيبلوغرافية أيضا. ولذلك فإنه لا يسعني إلا أن أتقدم بالشكر إلى كل الذين أمدوني بالمعلومات المذكورة، ولا سيما الاستاذ فرج محمود فرج الذي بعث لي من مصر صورة من كتاب (التحقيقات) ونسخة باليد مما عثر عليه من (صيانة الرياسة). وإني لآمل أن يسد هذا الكتاب بعض النقص الذي تعاني منه حركة التواصل الفكري بين المغرب والمشرق العربيين. كما آمل أن يحظى ابن العنابي بما هو أهل له بين رواد الصحوة الإسلامية. والله من وراء القصد. الجزائر في ٤ أبريل ١٩٩٠. أبو القاسم سعد الله جامعة الجزائر

стр. 6

الجديد عن ابن العنابي * تختلف هذه الطبعة عن مابقتها في أمور كثيرة. ففيها إضافات هامة تلقي أضواء جديدة على شخصية ابن العنابي وعلى دوره في عصره وعلى مدى صلاحية أفكاره وبقائها. وتتمثل هذه الإضافات: ١ - في تنقيح الطبعة الأولى في ضوء ما عثرنا عليه من معلومات في مختلف المظان. ٢ - في التعريف ببعض كتب ابن العنابي التي لم نطلع عليها من قبل مثل صيانة الرياسة، والتحقيقات الإعجازية. ٣ - في ترجمة جديدة لحياته كتبها تلميذه ومعاصره عبد الحميد بك المصري، وضمنها كتابه الذي ما يزال مخطوطا، ولم نكن قد اطلعنا على هذه الترجمة عند كتابتنا هذا الكتاب أول مرة. وإذا كانت التنقيحات مبثوثة ضمن الكتاب ومن السهولة أن يلاحظها القارىء في اماكنها من هذه الطبعة، فإننا قد عرفنا بكتب ابن العنابي الجديدة في القسم الثاني من هذا الكتاب وهو الذي عنوانه (آثاره). أما ترجمة عبد الحميد بك لابن العنابي فقد استفدنا منها في التنقيح، ولكنا فضلنا ذكر أهمها

стр. 7

في هذا المدخل لاختلافها نوعا ما عما عرفناه من ابن العنابي من قبل، ونود أن ننبه إلى أن في هذه الترجمة بعض الأخطاء الواضحة التي سنشير إليها في حينها غير أنها تظل هامة على أية حال. وتتضح أهميتها في أنها: ١ - تلقي أضواء على حياة ابن العنابي المبكرة في الجزائر ولا سيما عن تعليمه وتوليه بعض الوظائف الدينية والسياسية. ٢ - تفيدنا عن دور ابن العنابي السياسي المبكر وعلاقته بحسين باشا ووجوده في مصر قبل احتلال الجزائر ((لأسباب سياسية)) على ما يبدو، وعن دوره أثناء الحملة الفرنسية على الجزائر وطريقة خروجه من الجزائر. ٣ - تكشف عن دور ابن العنابي في مصر سواء قبل الحملة الفرنسية على بلاده حيث أقام بها حوالي تسع سنوات ((لأسباب سياسية)) شيخا من شيوخ الأزهر البارزين ومؤلفا لكتابه (السعي المحمود)، أو بعد نفيه من بلاده إثر الجملة الفرنسية على الجزائر، إذ أصبح مفتي الإسكندرية ومن المقربين لمحمد علي والي مصر، وهو بذلك قد أثار ضده غضب القضاة والمفتين الآخرين الذين تآمروا عليه واتهموه بالزندقة وبكونه من ((الخوارج))، حتى غضب عليه الخديوي الجديد عباس الذي خلف محمد علي وعزله من منصب الفتوى. وهكذا تقدم لنا ترجمة عبد الحميد بك لابن العنابي صفحة جديدة من حياة هذا الرجل الذي جاء في وقته ففهمه البعض واستفادوا من فكره وتجاربه وعلمه، ولم يفهمه آخرون فرأوا فيه نشازا يقلق راحتهم فسخطوا عليه، فكان مصيره النفي من بلاده أولا والعزل من وظيفته في مصر ثانيا. ولكن يجب عليك أن لا تكتفي بقراءة ما قاله عبد الحميد بك في ابن العنابي. فالرجل يقدم لنا عنه معلومات فيها أخطاء، ولكن فيها رأي، وهو لم يعايش ظروف ابن العنابي في الجزائر قبل الحملة الفرنسية وأثناءها حتى تكون أحكامه دقيقة. ويبدو أنه لم يرجع فيما كتب إلى وثائق دقيقة، ولكنه سمع من ابن العنابي نفسه أو من الجالية الجزائرية بالإسكندرية، فكانت اخباره مشوشة إلى حد كبير. ولذلك فإن هذه الترجمة لن تغنيك عن قراءة حياة ابن العنابي في

стр. 8

الصفحات التي كتبناها عنه والتي رجعنا فيها إلى مصادر معاصرة وغير معاصرة، من امثال (مرآة) حمدان خوجة، و (حوليات) ديرينو، ورسائل الكبابطي. ولا بأس، بعد أن عرفت ذلك ان تقرأ هذه السطور التي كتبها عبد الحميد بك بمصطلحات عصره (١): فهو يقول عنه ما خلاصته: العلامة الشيخ محمد الجزائري الحنفي ابن السيد محمود بن محمد بن حسين بن مجمد أفندي الإزميلتي (٢)، ولد بالجرائر سنة ١١٩٠ (٣) وحضر بها المعقول والمنقول، على علماء العصر، كوالده محمود وابن الأمين علي (٤)، والشيخ محمد جكيكن. وخلافهم من العلماء الأعلام، ((لم يحضرني أسماءهم (كذا)))، وبها نشأ وتخرج. وفي سنة ١٢٠٨ تولى بها (الجزائر) القضاء وهو ابن ثماني عشرة منة. وبقي فيه سنتين. ثم عزل نفسه منه لأمر مخالف للشرع (٥)، ألزمه بفعله والي الجزائر

стр. 9

عندئد (٦). وبعد أشهر ولي القضاء ثانية سنة ١٢١٠ وبقي فيه ثلاث سنوات. ولما مات مفتي الجزائر سنة ١٢١٣ (٧) ولوه هو الفتوى فبقي في هذا المنصب يفتي على مذهب المالكية (٨) إلى سنة ١٢٣٦ حين عزم على الحج هو ووالده (٩) مع محمد أفندي أخي حسين باشا والي الجزائر (١٠) وفي أثناء حضورهم في الطريق حصل بين والد ابن العنابي ومحمد أفندي تشاحن وخصام (١١)، وحين وصلوا الإسكندرية بقي الشيخ ابن العنابي مع والده بها. وبعد مدة لم يحددها عبد الحميد بك، توجه ابن العنابي من الإسكندرية إلى الجامع الأزهر. وقد أقام به يدرس ويفيد (١٢) وانتفع به علماء الأزهر فضلا عن طلابه وذلك خلال تسع سنوات (١٣) ومن الذين اخذوا عنه خلال ذلك: إبراهيم السقا (١٤) والشيخ ممد الكتبي والشيخ أحمد التميمي الخليلي مفتي

стр. 10

القاهرة، والشيخ محمد البنا مفتي الإسكندرية (١٥) والشيخ علي البقلي، والشيخ خليل الرشيدي، وغيرهم. وأثناء إقامته بالأزهر حج ابن العنابي ثلاث مرات. وفي سنة ١٢٤٥ أرسل حسين باشا يطلبه إلى الجزائر، وأرسل له سفينة مخصوصة فتوجه بها إليه (١٦) ولما وصل أراد الدخول على الباشا فصادف دخول مفتي الجزائر (١٧) فسبقه ابن العنابي في الدخول، فتغير منه المفتي وقال إنه خالف بذلك الرسوم، فبلغ ذلك الباشا فقال إنه يستحق التقدم عليه، وعزل المفتي وولاه هو مكانه، فأقام على ذلك سنة، وهي السنة التي كان فيها أيضا الشيخ مصطفى الكبابطي قاضيا (١٨). وفي سنة ١٢٤٦ احتل الفرنسيون الجزائر، وأثناء الحرب مع حسين باشا ولاه هذا رئيسا على عساكر الجزائر، فغزا ابن العنابي في الفرنسيين أياما (١٩) وبعد

стр. 11

دخول الفرنسيين مدينة الجزائر أقام ابن العنابي في بيته مطيعا لهم في الظاهر وفي باطن الامر كان يخاطب العربان والعربان يخاطبونه على إثارة الحرب من جديد، فبلغ ذلك الفرنسيين، فهجموا على داره. فلما استشعر الهجوم رمى بالأوراق في بيوت الخلا، ففتشوا فلم يجدوا شيئا، فتوقفوا عنه. ولكن ابن العنابي خاف مغبة الأمر بحيث يوشي به أحد مبغضيه إلى الفرنسيين أو يختلق رسالة يمسكونه بها فتوجه إلى الإسكندرية (٢٠). وعند حضور ابن العنابي الإسكندرية صادف وفاة مفتيها الشيخ خليل السعدان، فولاه محمد علي والي مصر فتوى الحنفية بدلا عنه. وقد بقي ابن العنابي على ذلك الحال إلى سنة ١٢٦٦. ذلك أنه في أوائل هذه السنة نقم عليه عباس باشا والي مصر، وحفيد محمد علي، فعزله من الافتاء. وسبب ذلك العزل أنه في آخر عهد محمد علي صارت أرباب الدعاوى تستفتي المفتيين الفتاوى، واذا ظهر الحق بيد من تكون معه الفتوى يستفتي المدعي عليه بفتوى أخرى على اختلاف أقوال المذاهب، وتعاد رؤية الدعوى، وهكذا. وقد كثر ذلك من أرباب الدعاوى في الفتوى وارتشاء المفتين. فمل من ذلك محمد علي وأحضر إليه ابن العنابي وأمره بتأليف كتاب يجمع فيه ما

стр. 12

رجح من أقوال المذاهب الأربعة ويوفق مع الأقوال قوانين السياسة، وتصير كل الأحكام على ذلك الكتاب، ويبطل الاستفتاء من بقية المذاهب الأربعة. وكان قصد محمد علي من ذلك قطع المشاكل على الأقوال الراجحة بلا اختلاف في أقوال المذاهب، فبدأ ابن العنابي في تأليف ذلك الكتاب (٢١). ولما ولي عباس باشا سنة ١٢٦٥ سعت المشائخ والمفتيون في إبطال هذا الكتاب وافهموا الوالي أن ذلك مما يوجب ضعف الديانة المحمدية واندراسها، وهذا لا يجوز (٢٢) وأفهوه ايضا أن ابن العنابي رجل خارجي زنديق. وقصدهم من ذلك ارتزاقهم من الفتاوى على الاختلاف في المذاهب. وما زالوا به حتى نقم عليه وعزله في تلك السنة، وهي سنة ١٢٦٦، وولى الفتوى الشيخ محمد البنا (٢٣) مكانه. وأقام ابن العنابي في بيته مبتعدا عن التداخل في الأمور المذكورة إلى أن توفي في ربيع الأول، سنة ١٢٦٧ (٢٤) وقد ((كان إماما فاضلا، عارفا بالعبادات والأحكام في المذاهب الأربعة على اختلافها واختلاف أقوالها والراجح منها والضعيف فيها، وعالما في باقي المنقول والعقول، والسياسات العمومية والخصوصية، الخارجية والداخلية)). ((وله أشعار وتقاريظ .. وله غير ذلك مما هو مشهور، وفضله يغني عن ثبت قريض أو إنشاء له)).

стр. 13

ولابن العنابي تآليف عديدة ومتنوعة ذكرها مترجموه متفرقة، ونود أن نذكرها هنا مرتبة، حتى نعرف قدره وتخصصه ومساهمته (٢٥) وهي: ١ - السعي المحمود في نظام الجنود (وهو الذي اعتمدناه أساس كتابنا هذا، لأنه يعكس تفكير ابن العنابي في التجديد الإسلامي. ألفه ستة ١٢٤٢. وقد طبع نص هذا الكتاب بتحقيق محمد بن عبد الكريم، الجزائر ١٩٨٥). ٢ - صيانة الرياسة ببيان القضاء والسياسة. كتب منه عشر كراسات. وهو في جمع الراجح من الأحكام طبقا للمذاهب الأربعة وطبقا لمصالح السياسة الدنيوية، ليكون عمدة لدى القضاة والمفتيين، كتبه بطلب من محمد علي، والي مصر. ولا نعرف تاريخ تأليفه بالضبط. ٣ - بلوغ المقاصود في اختصار السعي المحمود، وهو تلخيص للكتاب الأول، قام به أحد تلاميذ ابن العنابي، وهو إبراهيم السقا، بطلب من محمد علي، والي مصر. ٤ - شرح كتاب الدر المختار، في الفقه الحنفي، وصل فيه إلى نحو ثلثيه. ألفه قبل سنة ١٢٤٤. (ويبدو أن هذا الكتاب هو الذي ترجمه زائد أفندي إلى التركية بتوجيه من محمد علي. انظر قسم - آثاره - هامش). ٥ - التحقيقات الإعجازية بشرح نظم العلاقات المجازية. وهو عمل في البلاغة والأدب، أكمله سنة ١٢٣١. ٦ - العقد الفريد في التجويد. وقد أكمله، وذكرت له عدة عناوين. ٧ - لمعان البيان في بيان أخذ الأجرة على القرآن. ٨ - شرح متن البركوي في التوحيد (لم يتمه - آخر عمل كان يقوم به قبل وفاته). ٩ - ثماني عشرة رسالة في وقف العقار. ١٠ - مجموعة فتاوى في مسائل مختلفة. منها (الفتح القيومي بجواب أسئلة

стр. 14

الرومي) والفتوى التي أجاب بها الشيخ خليل الغزلات في اعتماد أو عدم اعتاد الخط والختم شرعا. وأجوبته على آداب مجلس قراءة القرآن وأجوبته على مسألة في التوحيد وأخرى في الموقف الخ. ١١ - مجموعة أشعار وتقاريظ ونصوص أدبية، مثل تقريظه لترجمة كتاب (كلستان) لسعدي الشيرازي، من الفارسية إلى العربية، نثرا وشعرا. وشعره في آل بيرم بتونس. وقد ذكر مترجمه عبد الحميد بك بأن له (أشعار وتقاريظ). ١٢ - ثبت الجزائري، وهو إجازته لإبراهم السقا. وقد أثبت فيه شيوخه ومروياته. ١٣ - مجموعة إجازات، وهي كثيرة، نعرف بعضها مثل إجازته لعبد القادر الرافعي ومحمد بيرم الرابع ومحمد الطحاوي. وقد قال عن نفسه انه كان يقلد شيخه ابن الأمين في منح الإجازة لكل من أدرك حياته (٢٦). ١٤ - خاتمة في التوحيد وضعها بمناسبة ختمه لدرس عقيدة التوحيد للسنوسي (موجود بمكتبه خاصة). ١٥ - المقتطف من الحديث اقتطفه من صحيح ابن حبان. ١٦ - كتاب آخر في الحديث سماه المنتقى، وقد انتقاه من الصحاح، وهو موجود بخطه في إحدى مكتبات إسطانبول. ١٧ - رسالة له خاصة بالمرأة (٢٧). وقد تظهر الأيام اعمالا أخرى لابن العنابي. فقد عرفنا أنه كان رجل علم وسياسة ودين وقضاء، وكان قد حج عدة مرات. ترى هل ترك رحلة شأن علماء عصره من المغاربة؟ أما رسائله فلا شك أنها بعدد كبير. ومهما حاولنا أن نلقي من أضواء على هذه الشخصية فإنها تظل متأبية

стр. 15

علينا، وتظل تطاردها العتمة. فنحن كلما تعمقنا في دراسته ازداد اتاعا وبعدا. فقد عاش في لحظات حرجة من تاريخ الجزائر وتاريخ المشرق الإسلامي، وهو النصف الأول من القرن الثالث عشر (١٩ م). وها قد رأيناه يتنقل بين أجزاء هذا العالم الإسلامي (المريض) يحاول إيجاد الدواء كما يتنقل الطبيب بين مرضاه. فكان تارة في الجزائر وتارة في مصر، تارة في المغرب الأقصى، وأخرى في إسطانبول، ومرة الحجاز، وأخرى في تونس. فكان ينصح الحكام فينتصح له البعض ويشيح عنه آخرون، حتى إذا أدركهم الغرق (مثل حسين باشا) استنجدوا به وولوه قيادة جيش مهزوم وأعطوه سيفا مفلولا ليحارب به أقوى جيش في العالم عندئذ. يا للسخرية برجال الفكر والدين وبمصائر الشعوب! ترى من من العلماء المسلمين عندئذ جاهد بقلمه ولسانه وسيفه جهاد ابن العنابي؟ إننا لن نجيب على هذا السؤال، وحسبك أيها القارىء أن تستعرض أسماء المصلحين من علماء المسلمين لتعرف أن ادعاءنا الريادة لابن العنابي ليس محض خيال.

стр. 16

مقدمة الطبعة الأولى يعتبر ابن العنابي (١١٨٩ هـ - ١٢٦٧ م) من أوائل علماء المسلمين الذين طرحوا قضية التجديد في النظم الإسلامية أوائل القرن التاسع عشر الميلادي (الثالث عشر هجري). وهو لذلك من أوائلهم أيضا الذين طرقوا باب الاجتهاد الذي ظل مقفلا عدة قرون نتيجة التأخر العقلي الذي كان عليه العالم الإسلامي. كما عالج أيضا قضايا العصر في كتبه وفي فتاويه التي كان يصدرها طبقا لمصالح المسلمين، وفي إجازاته التي كان يمنحها لطلابه والعلماء الذين يطلبونها منه. ولم يكن ابن العنابي متفرجا على أحوال عصره، كما كان جل علماء. المسلمين في وقته، بل إنه تولى المناصب الدينية العليا (القضاء والإفتاء)، في بلاده الجزائر وفي بلاده الثانية مصر، وتولى التدريس ومنح الإجازات في مصر أيضا وفي تونس وفي الجزائر وغيرها، وسافر في مهمات سياسية إلى المغرب الأقصى وإلى اسطانبول وقابل وناقش حكام تونس ومصر، وحج وساح عدة مرات. وقد عاصر أحداثا كبيرة جرت في المشرق وفي المغرب مثل الحملة الفرنسية على مصر، وحروب الدولة العثمانية في البلقان، واصلاحات السلطان محمود الثاني، وصعود محمد علي باشا في مصر، والاحتلال الفرنسي للجزائر. ويكاد يكون لابن العنابي رأي أو موقف من كل هذه الأحداث. ومن القضايا التي استرعت نظره بكثرة جمود عقلية علماء المسلمين امام تقدم العقل الأروبي، وتخلف الجيش الإسلامي أمام زحف الجيوش الأروبية، وقد عالج القضية الأولى في عدة مناسبات من آثاره ولم يفردها بتألف، ولكنها

стр. 17

تكاد تكون هي المحرك له فيما كتب وقال واتخذ من مواقف. أما القضية الثانية فقد أفردها بكتاب ما يزال مخطوطا سماه (السعي المحمود في نظام الجنود) وهو الكتاب الذي يعتبر من أوائل (إن لم نقل الأول) الكتب العربية التي عالجت موضوع التجديد في النظم الإسلامية عامة والنظام العسكري خاصة، أو إذا شئت فقل عالج فيه موضوع تقليد المسلمين للأروبيين في مبتكراتهم الحديثة. وقد ناقش ابن العنابي كل ذلك في ضوء الشريعة الإسلامية من جهة وفي ضوء حاجة المجتمع الإسلامي إلى التطور من جهة أخرى، فإذا عرفنا أن ابن العنابي كان مفتي الحنفية أو شيخ الإسلام وأن وقت تأليفه للكتاب هو سنة ١٢٤٢ هـ ١٨٢٦ م) أدركنا ما للكتاب من قيمة تاريخية وحضارية، وما لآراء صاحبه من أهمية. إن آثار ابن العنابي ما زالت لم تدرس ولم تعرف كلها. وقد تمكنا من تناول بعضها في مناسبات علمية فكتبنا بحثا عنه وعن كتابه (السعي المحمود) للندوة التي نظمها تلاميذ وأصدقاء الأستاذ الدكتور أحمد عزت عبد الكريم في جامعة عين الشمس بمصر احتفالا بمرور خمسة وعشرين عاما على إنشاء (سمنار) التاريخ الحديث سنة ١٩٧٥ وقد نشر ذلك البحث سنة ١٩٧٦ في الكتاب الذي جمع وقائع الندوة. كما تمكنا من الاطلاع على بعض آثار ابن العنابي في تونس بفضل المساعدة القيمة التي قدمها لنا صديقنا الأستان عبد الحفيظ منصور رئيس قسم المخطوطات بالمكتبه القومية التونسية. وقد جمعنا ما وجدناه في تونس ودرسناه فإذا هو زاوية أخرى هامة من حياة وآثار ابن العنابي التي لم تعالج من قبل وبالإضافة إلى ذلك قادنا البحث إلى العثور على وثائق أخرى عنه وعن أسرته في مكتبة جامع البرواقية بولاية المدية (الجزائر) وهي بقايا مكتبة العالم الجزائري الشهير عبد القادر المجاوي. وقد تفضل إمامها الشيخ علي طوبال وابنه الشيخ فضيل طوبال فتركاني أطلع وأطالع ما في هذه المكتبة عن ابن العنابي. - وإنه لا يسعني إلا أن أغتنم هذه الفرصة فأتقدم بالشكر إلى جميع هؤلاء الذين كان رائدهم خدمة العلم والبحث.

стр. 18

ومهما يكن الأمر فقد رأيت أن أجمع ما عثرت عليه عن ابن العنابي وأقدمه إلى القراء والباحثين عساهم أن يساعدوني في البحث عنه انطلاقا من هذه الدراسة. وقد أضفت بعض النصوص القصيرة إلى هذه الدراسة وجعلتها في شكل ملاحق حتى يتمكن القراء من معرفة موضوعاته وتذوق أسلوبه وعمق نظراته. والواقع إنني بعد أن درست ابن العنابي تأكدت أنه يحق للجزائر الحديثة أن تفتخر به وبأمثاله كحمدان خوجة الذين سبقوا علماء العربية والإسلام في طرح قضية التجديد والإصلاح الاجتماعي والسياسي قبل أن يطرحها أمثال الطهطاوي والأفغاني ومحمد عبده. فليس للجزائر أن تفتخر إلا بقائمة الشهداء الطويلة لأن لها أيضا في قائمة العلماء والمثقفين مفخرة وأي مفخرة! ابن عكنون (الجزائر) ٢ نوفمبر ١٩٧٦. أبو القاسم سعد الله معهد العلوم الاجتماعية. جامعة الجزائر الجزائر

стр. 19

القسم الأول: حياته ١ - عصره. ٢ - أسرته. ٣ - ثقافته. ٤ - وظائفه. ٥ - علاقته بالفرنسيين غداة احتلال الجزائر. ٦ - إجازاته وتلاميذه. ٧ - مؤلفاته. ٨ - اختصار كتابه (السعي المحمود). ٩ - مراسلاته. ١٠ - شخصيته.

стр. 20

عصره: عاش ابن العنابي عمرا حافلا بالإنتاج العلمي والاضطراب السياسي. فقد ولد سنة ١١٨٩ هـ (١٧٧٥ م) حسبما أكده بنفسه في إجازته للشيخ محمد بيرم التونسي سنة ١٢٤٥ هـ (١) وتوفي بإجماع الباحثين في الإسكندرية (بمصر) سنة ١٢٦٧ هـ (١٨٥١ م) (٢). وهذه الفترة الطويلة التي تتوزع على القرنين الثاني عشر والثالث عشر (١٨ و١٩ م) تعد من أحرج الفترات التاريخية لا في الجزائر فحسب ولكن في الدولة العثمانية والعالم الإسلامي قاطبة. فقد عاصر الثورة الفرنسية وما نتج عنها من أحداث مست جوانب متعددة من الحضارة الإسلامية، وعاصر في بلاده (الجزائر) حروبا خارجية ضد الإنكليز والأمريكان والفرنسيين والإسبان والتونسيين وغيرهم، وحروبا داخلية كثورة الطريقة الدرقاوية وثورة ابن الأحرش، والتنازع على السلطة بين الطائفة التركية نفسها سواء على مستوى السلطة المركزية في مدينة الجزائر أو على مستوى الأقاليم. وكان ضحية كل هذه الحروب (الخارجية والداخلية، هو

стр. 21

الرجل العادي من الفلاحين وأصحاب الحرف والتجار، لأنه هو الدافع للضرائب وهو وقود الفتن. وبالإضافة إلى ذلك عاصر ابن العنابي، الذي تولى عدة وظائف رسمية كما سنرى، بداية عهد التنظيمات في الدولة العثمانية من جهة وأخذ محمد علي والي مصر عندئذ بمبادىء التمدن الغربية من جهة أخرى. وسنرى أن هذه التنظيمات هي التي دفعته إلى كتابة كتابه (السعي المحمود) الذي سنتحدث عنه. أما في الجزائر حيث كان يعمل فإننا لا نجد هذه الظاهرة قد وجدت لها مكانا. حقا إن الإنكشارية قد تدهورت كنظام وأصبحت عاملا سلبيا في الحياة السياسية والاقتصادية، بل أصبحت مثار فتنة واضطراب في البلاد، ولعل ذلك هو ما جعل الداي علي خوجة يحاول التخلص منهم سنة ١٨١٧ (٣) بطريقة سبق بها السلطان محمود الثاني معهم. ولكن علي خوجة قد مات بالوباء (٤) وفشل فيما رامه وعاد بعده الإنكشارية إلى صولتهم. ولعل ذلك هو ما ساعد على الاحتلال الفرنسي للجزائر بعد حوالي عشر سنوات من وفاته. أسرته: اسه الكامل هو محمد بن محمود بن محمد بن حيين الجزائري (٥) وشهرته العنابي أو ابن العنابي (٦) وكان على مذهب الحنفية. وأسرته قديمة في

стр. 22

تاريخ الجزائر (٧) ولكنها ظهرت فيما يبدو بعد مجيء العثمانيين. فنحن نجد اسم جده الأعلى (حسين بن محمد بن العنابي) في قائمة المفتيين الأحناف في الجزائر سنة ١١٤٨ هـ (١٧٣٥ م). والمفتي الحنفي في الجزائر العثمانية هو (شيخ الإسلام) الذي لا يفوقه في المنزلة والاعتبار سوى (الداي) أو رئيس الدولة. وكان حسين العنابي، فيما يبدو، عالما واسع المعرفة بعلوم الشريعة، وله تفسير للقرآن الكريم ينقل عنه حفيده، موضوع هذا البحث، في كتابه (السعي المحمود) عدة مرات وفي غيره من فتاويه وكتاباته. وهو يشير إليه بهذه العبارة: ((قال مولانا الجد الأكبر حسين بن محمد ﵀ في تفسيره)) (٨) وتذكر بعض المصادر أن حسين ابن العنابي قد تولى الفتوى أربع مرات، وتوفي سنة ١١٥٠ هـ (١٧٣٧) (٩). وقد اشتهر من أسرة ابن العنابي عالم آخر تولى عدة وظائف وترك بعض الإنتاج، ولذلك نعرف عنه بعض الأمور التي لا تتوفر لغيره، ونعني به مصطفى

стр. 23

ابن رمضان، قريب المفتي حسين، الجد الأعلى لابن العنابي. فإذا أمعنا النظر في المعلومات التي لدينا عنه توصلنا إلى عدة أمور، منها أنه أصلا من مدينة عناية الجزائرية، وإنه ولد بها، ثم انتقل منها إلى مدينة الجزائر طلبا للجاه والحظوة، وتزوج بها وتثقف وعاش إلى سنة ١١٣٠ م. وأنه كان أيضا على مذهب الحنفية. وأنه كان يدعى (العنابي) وليس (ابن العنابي). فقد جاء في مقدمة أحد كتبه (يقول مصطفى بن رمضان الحنفي البوني العنابي المنشأ الجزائري الدار. وبعد فإنه لما انتقلت من بلدي، بلد العناب، دار القرابة والأحباب: بلاد بها نيطت علي تمائمي ... وأول أرض مس جلدي ترابها واستوطنت الجزائر، المعجبة لكل زائر، بلدة قال فيها الشاعر: وما الحسن ما ضم العراق وإنما ... هو الحسن ما انضمت عليه الجزائر بلاد بها الخيرات حلت وخيمت ... وأول قصد الحر فيها وآخر) (١٠) فهذم الشهادة لا تدع مجالا للشك في أن مصطفى بن رمضان من بلدة عنابة (خصوصا وقد أكدها بالبوني) وأن أسرته وأقاربه أيضا من هناك (وقد أكد ذلك بعبارة دار القرابة والأحباب)، وأنه قد انتقل منها إلى الجزائر ذات الجمال والرونق التي كان يطمح إليها كل زائر، لا سيما خلال القرن السابع عشر الميلادي الذي بلغت فيه شهرتها قمتها، ولعل الشيخ مصطفى قد توجه إلى مدينة الجزائر طمعا في تولي منصب هام كالقضاء، أو الفتيا وهو المنصب الذي كان يتنافس عليه علماء وقته كما أن مذهبه الحنفى يجعله مرشحا دون غيره لهذا

стр. 24

المنصب، وقد عرفنا أن قريبه الجد الأعلى لابن العنابي كان قد تولى الفتيا عدة مرات في مدينة الجزائر. وتثقف مصطفى بن رمضان العنابي بثقافة عصره في عنابة ومدينة الجزائر، وفي الأخيرة درس على العالم الجزائري المغربي محمد بن محمد بن شقرون ابن أحمد المقري التلمساني ولازمه أكثر من اثني عشر سنة. ومما درس عليه كتب الحديث (شمائل الترمذي، وصحيح البخاري) والتوحيد، والمنطق، والأصول وعلم التصوف، وغير ذلك. وفي آخر المطاف، وعند بلوغ شيخه سن التقاعد طلب منه الإجازة، على العالة الجارية عندئذ، فأجازه الشيخ محمد بن شقرون، سنة ١٠٨٧ هـ (١١). وممن أجازوا مصطفى بن رمضان أيضا محمد الطيب بن عبد القادر الفاسي عند مجيئه إلى الجزائر في الوفد المغربي سنة ١١٠٣ هـ وقد سماه الفاسي (الفقيه النبيه العلامة الدراكة المشارك النحرير أبو الخير مصطفى بن رمضان الحنفي الشهير بالعنابي) وتبلغ الأرجوزة التي أجازم بها حوالي سبعين بيتا، وقد جاء فيها: أقول مجيبا مفصحا بلساني ... أجزت الفقيه المصطفى التركماني (١٢) ونستنتج من هذه الإجازة أن المجاز كان مشهورا (بالعنابي) نسبة إلى عنابة كما اشتهر صاحب كتاب السعي المحمود بعد ذلك (بابن العناب) كما نستنتج منها أن مصطفى بن رمضان كان من أصل تركماني أو (تركي). وقد اشتهر مصطفى بن رمضان، الذي يرد اسمه كثيرا بين علماء الجزائر

стр. 25

عندئذ، بعلوم الفقه والتأليف فيها. ومن تآليف التي وصلت إلينا (أرجوزة) في الفقه الحنفي (الفرائض) بدأها بقوله: يقول راجي رحمة الوهاب ... الحنفي مصطفى العنابي (١٣) ومنها كتاب غريب الاسم والموضوع وهو (الروض البهيج بالنظر في أمور العزوبة والتزويج). وأصل الكتاب حسبما ذكره بنفسه في المقدمة، أنه لما انتقل إلى مدينة الجزائر طمعا في الراحة والأنس عزم على الزواج ولكن زواجه كان غير ناجح فطلق زوجته وألف هذا الكتاب الذي حذر فيه من الزواج وحبائله. فقد جاء في المقدمة عن الجزائر (فلما أعجبني بحسنها الرائق، وجمالها الفائق، تزوجت بها عرس (كذا) كي يحصل لي بها الأنس، فإذا الأمر بالعكس، وبليت بعد السرور بالنحس، ألفت عمد الطلاق، هذه الأوراق، جعلتها تذكرة لنفسي، ولمن هو مثلي من أبناء جنسي) فدافعه لتأليف هذا الكتاب إذن هو الصدمة النفسية التي حصلت له بعد فشله في الزواج. وقد رتب الكتاب على بابين: الباب الأول: في حكم النكاح. الباب الثاني: في التحذير منه. وقسم كل باب إلى فصول. ولكن النسخة التي اطلعنا عليها مبتورة الآخر، ولذلك لا نعرف عنه إلا ما كتبه عن حكم الزواج وما جاء فيه من الأحاديث والآثار. أما الباب الثاني فلا وجود له في هذه النسخة (١٤) ومع ذلك فإن عنوان الكتاب يظل دليلا على أنه يفضل العزوبة على الزواج الفاشل، ويؤكد ذلك

стр. 26

بالباب الثاني من الكتاب. وعسى أن تكشف الأيام عن بقية هذا الكتاب لنعرف رأي المؤلف الكامل في الموضوع كما نتعرف على رأي قطب من أقطاب أسرة العنابي الشهيرة بأبحاثها في الفقه الحنفي والتشريع الإسلامي عامة. ومهما يكن الأمر فإن مصطفى بن رمضان قد توفي في سنة ١١٣٠ هـ، ويغلب على الظن أن وفاته كانت بمدية الجزائر (١٤م). وقد أطلنا في الحديث عن مصطفى بن رمضان العنابي لسببين: الأول إننا لا نعرف إلا القليل عن الجد الأعلى لابن العنابي (صاحب هذه الدراسة) الذي طالما جاء بكلامه في التفسير ونحوه، والثاني إننا أردنا أن نعوض هذا النقص بالمعلومات التي وجدناها عن قريب ومعاصر لجده لنعرف أصول هذه الأسرة العنابية التي يبدو أنها استقرت نهائيا في مدينة الجزائر وبقيت تتوارث المناصب الفقهية في الجزائر العثمانية (١٥). أما الجد الأدنى لابن العنابي فهو الشيخ محمد بن حسين الذي اشتهر أيضا بالعلم والجاه. أما العلم فيدل عليه ما قرأه على عمه ابن أم أبيه مصطفى ابن رمضان العنابي السابق الذكر، كما يدل عليه ما أخذه عنه حفيده محمد بن محمود (الذي نحن بصدد الترجمة له) من معارف. فقد جاء في إجازة الأخير

стр. 27

لمحمد بيرم التونسي أنه سمع عن جده محمد بن حسين (قطعة من أول كتاب فضائل القرآن ووقعت لي منه إجازة تتضمنه) (١٦) وأما الجاه فقد جاءه من توليه منصب قاضي الحنفية بالجرائر، وهو منصب بالغ الأهمية في عصره يجعل صاحبه في واجهة الأحداث والمجتمع. وقد توفي محمد بن حسين سنة ١٢٠٣ م بمصر. وكان والد ابن العنابي، محمود بن محمد، من طبقة العلماء أيضا، ولكننا لا نجده يتصدر للفتوى أو القضاء (حسب المعلومات التي لدينا). وكان ابنه (صاحب الترجمة) حريصا على أن يذكر مع كل اسم من الأسرة الوظائف التي تقلدها صاحبه، ولكنه بالنسبة لأبيه لم يذكره مقرونا بوظيفة رسمية. فقد اقتصر على قوله عنه إنه درس جل دروسه في صحيح البخاري على والده (وقعت لي رواية صحيح البخاري من طرق عديدة لكن طريق سماعي وقراءتي إنما هي على والدي المرحوم أبي الثتاء محمود بن محمد). وقد أضاف معلومات أخرى عن والده وهي أنه توفي سنة ١٢٣٦ م عند منصرقه من الحج، وذلك ببحر السويس، وأنه قد دفن على ساحل ذلك البحر بالقرب من بلد القصير (١٧). وتدل هذه الدراسة لبعض أفراد أسرة ابن العنابي أن مؤلف كتاب (السعي المحمود) كان ينتمي إلى أسرة جزائرية عريقة في العلم والوظائف الرسمية والفقه الحنفي. ثقافته: وتثقف ابن العنابي ثقافة واسعة بمفهوم عصره. ونحن نقول (بمفهوم عصره) لنمهد إلى القول بأن ثقافته تقليدية إذا ما حكمنا عليها من خلال كتابه

стр. 28

المذكور وغيره من آثاره المكتوبة مثل فتاويه وثبته المعروف (بثبث الجزائري) (١٨)، فهو حافظ وناقل أكثر منه مفكرا ومجتهدا. ومهما يكن الأمر فقد تلقى العلم في وطنه على جده وعلى والده كما تلقاء على المفتي المالكي علي ابن مد القادر بن الأمين (١٩) وهؤلاء هم الذين ذكرهم في (ثبته) وهو يشير إلى روايته للحديث، وغيره. فقد قال إنه قرأ بعض صحيح البخاري على جده (يعني جده الأدنى) وأجازه ببقيته وبكتب الحديث، الستة الأخرى). أما عن والده فقد قرأ الفقه الحنفي وغيره من العلوم. وهو يروي البخاري: (بأعلى سند يوجد في الدنيا) عن شيخه علي بن عبد القادر المفتي المالكي المذكور. ويسميه تارة (شيخي أبي الحسن) وتارة (شيخنا ابن الأمين) وأحيانا يقول (صاحب شيخنا). وقد بلغ به التأثر بابن الأمين أن قلده في منح الإجازات لمن أدرك حياته، فقال عنه (وقد أجاز جميع من أدرك حياته وفد اقتديت أنا به في ذلك فأجزت بكل ما أجازني به مشائخي جميع من أدرك حياتي (٢٠) ولكننا إذا تأملنا في مصادر (السعي المحمود) وجدنا أن ابن العنابي كان عميق الثقافة، سواء منها تلك التي تمت بصلة إلى علوم الدين أو علوم الدنيا. أما في (الثبت) فهو يتحدث فقط عن روايته لمسلسلات الحديث الشريف وهي المعروفة (بالسند). وقد كان في مدينة الجزائر علماء معاصرون له، نذكر منهم المفتي الشاعر محمد بن الشاهد (٢١)، والمفتي مصطفى بن الكبابطي (٢٢)، والعالم محمد

стр. 29

ابن مالك (٢٣)، والكاتب السياسي حمدان خوجة (٢٤). وجميع هؤلاء لعبوا أدوارا بارزة في بلادهم عندئذ. ولعل الذي رشح ابن العنابي للوظائف الرسمية في الدولة هو مكانة أسرته ومنزلته العلمية. وقد عرفنا أن أسرته كانت ذات حظوة لدى دايات الجزائر منذ القرن الحادي عشر للهجرة (السابع عشر الميلادي). أما المنزلة العلمية فالظاهر أن ابن العنابي كان متمكنا في العلوم الشرعية خاصة، وأقدم نص وجدناه له يدل على ذلك. فقد عثرنا له على جواب أجاب به على مسألة في التوحيد بدأه هكذا (ورد علي سؤال نصه بعد عنوانه، إذا قيل حيث كان أهل الحق مطبقين على أن الحق تعالى يرى في الآخرة بالأبصار وأن الرؤية عبارة عن الإدراك المفسر بخلق الله تعالى فينا علما ضروريا عند ذلك فمتعلق هذا الإدراك نفس الذات العلية أم لا فأقول اعلم أولا أن المدركات تنقسم إلى ما يدخل في الخيال كالصور المتخيلة والأجسام المتلونة المتشكلة وإلى ما يدخل في الخيال كالذات العلية، وكل ما ليس بجسم كالعلم والقدرة والإرادة ...) وعندما وصل في هذه المسألة إلى الفصل بين رأي المعتزلة وأهل السنة اختار ابن العنابي رأي أهل السنة قائلا عن رأي المعتزلة (ونحن لا نقول به لضيق مجاله فنسلمه لأربابه، سالكين مسلك الجمهور من أهل السنة لوضوح أدلتهم ...) (٢٥).

стр. 30

ويتضح من هدا النص القصير منطق ابن العنابي في معالجة هذه القضية الشائكة وترجيحه لرأي الجمهور المعروفين بتفضيل النقل عند تعارض الأدلة. فإذا عرفنا أن تاريخ هذا النص يعود إلى سنة ١٢٢٦ هـ (١٨١١ م) عرفنا منزلة ابن العنابي المبكرة لدى علماء عصره، وهي المنزلة التي جلبت إليه انتباه حكام عصره أيضا. وتدل آثاره الأخرى التي اطلعنا عليها، بالإضافة إلى كتابه (السعي المحمود)، على تمكنه من علوم الأوائل، ولا سيما العلوم الشرعية، وهو يتمتع بحافظة قوية لذلك تجد إنتاجه يغلب عليه النقل من كتب وآراء الأقدمين. وهو يبهرك بكثرة نقوله واستدلالاته على كل جزئية يأتي بها، ولا غرو بعد ذلك أن يكون راوية سند إذ هذا يقتضي معرفة دقيقة بالرجال والتواريخ ونحوها، وبالإضافة إلى النقل كان ابن العنابي يتمتع بقدرة فائقة على التأويل والتخريج والتعليل. وقد عرفنا هذا من كتابه (السعي المحمود، كما عرفناه من أجوبته الفقهية وفتاويه التي أدلى بها في عدة مناسبات. فقد اطلعنا له على عدة أجوبة على أسئلة دقيقة تتعلق بقضايا الصيد والتقليد والمرأة وآداب مجلس قراءة القرآن ونحو ذلك، فكانت أجوبته في غاية الدقة والتحليل، وهو لا يترك مسألة حتى يقتلها بحثا وتعليلا واستنتاجا. وكل ذلك بأسلوب سهل واضح يكاد يكون خاصا به. فهو لا يلجأ إلى السجع ولا الجمل الطويلة إلا نادرا. وقد صدق الذين مدحوه، كما سنرى، بالتعمق في العلم والقوة في التحرير، والنظر، وبأنه عالم المنقول والمعقول (٢٦) وسنورد بعض الفقرات له فيما بعد. ولا شك أن قوة ثقافة ابن العنابي قد جاءت من اهتمام شخصي بالدرجة الأولى ومن تقاليد أسرته بالدرجة الثانية. فنحن نجده قد تلقى علومه في الجزائر

стр. 31

على عدد من كبار الأساتذة عندئذ اشتهروا في النصف الأخير من القرن الثاني عشر الهجري (١٨ م) (٢٧) وكان هو بحكم اقترابه من السلطة يكثر من الأسفار ويتابع مجريات الحوادث ويطالع في الكتب الهامة وينظر في تطورات الأحداث التي ذكرنا بعضها في البداية، وكان يساعده على كل ذلك ذكاء حاد وموهبة نادرة. أما تقاليد الأسرة فهي التي أمدته بتراث غزير من الأحكام التي كان يصدرها آباؤه والشهرة التي كانوا يتمتعون بها لدى العامة والخاصة، والمكتبات التي كانوا ينشئونها لأنفسهم وأبنائهم، والمجالس التي كانوا يعقدونها للمناظرة والمسامرة مع الأصدقاء والخصوم. وقد عرفنا أنه تلقى العلم على والده وجده وعلى ابن الأمين وغيرهم من الجزائريين. كما عرفنا أنه قد حج على الأقل مرتين، وأرسل في مهمات سياسية، وتولى مناصب حساسة، كل ذلك أسهم في تكوينه الثقافي فجعل أحكامه عقلية تجريبية وآراءه معللة رزينة. ويبدو أنه كانت لابن العنابي مكتبة ضخمة ورثها عن آبائه وأضاف إليها مقتنيات من عنده، وكان يعلق على الكتب التي يملكها ويكتب حواشي في أطراف الصفحات منبها أو ناقدا أو مصححا. ويبدو كذلك أن مكتبته الخاصة قد أصيبت بالتلف أثناء إجباره على مغادرة الجزائر سنة ١٨٣٠ بعد الاحتلال مباشرة وأن ما بقى منها تلف بعد وفاته في الإسكندرية سنة ١٢٦٧. ولهذا السبب عثرنا على بعض الكتب ذات الموضوع والخط الجزائري، وهي تحمل خطه وصيغة التملك بها. ومن ذلك ما وجدناه بخطه على كتاب (كعبة الطائفين) (٢٨) حيث كتب ابن العنابي ما يلي على صفحة التملك:

стр. 32

الحمد لله تملكه الفقير إليه سبحانه محمد بن محمود بن محمد بن حسين العنابي بثمن قدره ست ريالات بوجه بتاريخ أواخر ذي الحجة سنة أربع وثلاثين واثني عشر مائة. وأودعت فيه شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول (ص) وعلى آله وصحبه) وقد وجدنا على صفحات هذا الكتاب تعاليق لابن العنابي بخط يده (٢٩) ورأينا له صيغة تملك أخرى بخطه أيضا على كتاب (الأزهار الشقيقة المتضوعة بعرف العقيقة) هذا نصها: (تملكه الفقير إليه سبحانه محمد بن محمود بن محمد بن حسين الجزائري الشهير بابن العنابي أصلح الله حاله وأفاض عليه بره ونواله بالنبي وآله سنة ١٢٢٨) (٣٠) وكلا المتاين مجلد وفي حالة جيدة وبخط جزائري كما ذكرنا. والظاهر أن هذه الكتب قد نقلها معه بعد نفيه ولكنها تفرقت أو بيعت بعد وفاته في المشرق. وهكذا تجد أن ثقافة ابن العنابي، رغم أنها كانت تقليدية بمنطقنا اليوم، عميقة وواسعة، وقد تضافرت عدة عوامل على تعميقها وتوسيعها، وهي عوامل أسرية وشخصية. وهي نفس العوامل التي أهلته أيضا لأن يتبوأ الوظائف الرسمية في الدولة الجزائرية ويتولى القيام بمهمات صعبة في الأوقات الصعبة. وظائفه: والوظائف الرسمية التي تولاها ابن العنابي في الجزائر متنوعة. والظاهر أن أول من ولي ابن العنابي وظيفة القضاء الحنفي هو الداي أحمد باشا (١٢٢٠ هـ ١٨٠٥ م) (١٢٢٣ هـ - ١٨٠٨ م). ذلك أن النص الذي بين أيدينا ينسب إلى ابن العنابي عندئذ مهمتين كبيرتين الأولى وظيفة القضاء والثانية الكتابة إلى باي تونس. فقد جاء في مذكرات أحمد الزهار أن الباشا قد أمر (الفقيه محمد بن العنابي، قاضي الحنفية، أن يكتب كتابا إلى حمودة باشا (باي تونس). فكتب الكتاب وبعثوا به). ووعد الزهار أن يذكر نص الكتاب في مبيضته، ولكنه لم يفعل لأنه

стр. 33

لم يبيض عمله. وعلى كل حال فقد أشار إليه بأنه يقع في (ورقة صغيرة) (٣١) ولو ذكره لعرفنا منه فحوى الكتاب وأسلوب كاتبه. ومهما يكن الأمر فإن هذا الخبر يشير إلى منزلة ابن العنابي لدى الداي، ولولا ذلك لا ستكتب الداي كتابه الرسميين (أو الخوجات) لنفس الغرض إذ المعروف أن قاضي الحنفية (أو القاضي عامة) لا يقوم بهذه المهمة. ونعرف من مصدر آخر أن ابن العنابي كان ضمن العلماء في المنازعة التي وقعت بينهم وجعلت الباشا يتدخل في الموضوع. فقد جاء في (التشريفات) ص ٧٧ أن مناقشة حادة جرت بين العلماء في المجلس الشرعي الذي كان يجتمع كل يوم خميس بحضور الباشا أو ممثله. ولما علم الباشا بما حدث (ونحن لا نعرف موضوع الخلاف) قرر عزل المفتي الحنفي، وهو محمد بن العنابي وتعويضه بالشيخ أحمد بن إبراهيم بن أحمد، كما قرر عزل المفتي المالكي، وهو علي بن الأمين وتعويضه بالشيخ محمد بن الحفاف. وكان ذلك يوم الجمعة الموافق أول شعبان ١٢٢٦ (٢٣/ ٨/ ١٨١١). ويختفي اسم ابن العنابي فترة من الوظائف الرسمية، فلا يظهر من جديد إلا في عهد الداي عمر باشا (١٢٣٠ هـ - ١٨١٤ م) (١٢٣٢ هـ - ١٨١٦ م). فقد وجد اسمه عندئذ هكذا (محمد بن محمود) ضمن قائمة وزراء وأعيان الباشا المذكور، متقلدا وظيفة (نقيب أشراف مكة والمدينة) واضعا أمام ذلك ختمه الذي يحمل تاريخه (٣٢).

стр. 34

وكما كلف الداي أحمد باشا ابن العنابي بالكتابة لباي تونس كلفه الداي عمر باشا بسفارة للمغرب الأقصى لدى السلطان المولى سليمان. ذلك أن الجزائر قد تعرضت إلى قصف الأسطول الإنكليزي سنة ١٨١٦ م (٣٣) وقد أدى ذلك إلى هلاك معظم الأسطول الجزائري، فأرسل الباشا سفراء عنه إلى السلطان محمود الثاني والسلطان سليمان ويوسف باشا باي طرابلس يستعينهم على إعادة بناء الأسطول بنجدته بالسفن والأموال. والذي يهمنا من هذه المحادثة هو أن الباشا كتب إلى السلطان سليمان كتابا بعث به مع (السيد الحاج محمد العنابي، قاضي السادة الحنفية رسولا) - وقد ذهب ابن العنابي شخصيا إلى المغرب وسلم مكتوب الباشا إلى السلطان، (وبعد أن استراح التقى مع السلطان فأحسن إليه)، وجهزه ببعض المراكب (وأعطاه أموالا وأمره بتسليمها للمجاهدين). وعاد ابن العنابي بذلك إلى الجزائر، فكانت سفارته ناجحة، على الأقل إذا حكمنا من نتائجها (٣٤). وهكذا يتضح أن ابن العنابي لم يكن مجرد عالم بالفقه وما إليه من العلوم الشرعية بل كان أيضا دبلوماسيا ناجحا وخبيرا بشؤون الدول. ولعل سفارته إلى المغرب لم تكن أول خروج له من الجزائر فقد استعملت عبارة (الحاج) مع اسمه قبل ذلك. ومعنى هذا أنه قد يكون حج خلال سنوات ١٨٠٨ - ١٨١٥ م (*).

стр. 35

والحج عندئذ ليس مجرد أداء للفريضة، ولكنه تعلم وتعليم، وسياحة واطلاع، ومشاركة في كثير من جوانب الحياة السياسية والاقتصادية. فماذا كان نصيب ابن العنابي من كل ذلك خلال حجه؟ هذا ما سيظهر عندما نعالج محتوى كتابه. أما الآن فحسبنا أن نتتع نشاطه في الجزائر إلى سنة ١٨٣٠ م وهو تاريخ احتلال فرنسا للجزائر وتاريخ فصل جديد من حياة ابن العنابي. وذلك أن وثائق سنوات ١٨١٧ - ١٨١٩ م تتحدث عنه كقاضي الأحناف في الجزائر زمن الداي علي خوجة (١٢٣٢ - ١٨١٧) والداي حسين باشا (١٢٣٣ هـ - ١٨١٨ م). فقد جاء في إحدى الوثائق أن ابن العنابي، قاضي الحنفية قد وضع ختمه بتاريخ ١٢٣٢ هـ (١٨١٧ م) ضمن قائمة وزراء وموظفي الداي علي خوجة في رسالة بعث بها الداي إلى السلطان محمود الثاني (٣٥) وورد في وثيقة أخرى أن أول قاض حنفي لدى الداي حسين باشا هو محمد بن محمود العنابي (٣٦) فإذا عرفنا أن هذا الداي قد تولى سنة ١٢٣٣ م (١٨١٨) وإنه قد ولى قاضيا حنفيا جديدا سنة ١٢٣٥ و (١٨٢٠ م) (٣٧)، عرفنا أن ابن العنابي قد يكون توجه إلى المشرق خلال سنوات ١٢٣٥ - ١٢٤٤ هـ (*). والمهم هو أن هذه الفترة من حياته ما تزال غامضة. ذلك أننا سنعرف أن كتابه (السعي المحمود) مكتوب سة ١٢٤٢ هـ (١٨٢٦ م) وأن اسمه يذكر عندئذ مقرونا بعبارة (نزيل مصر القاهرة) فهل كان مغضوبا عليه سياسيا؟ أو هل ذهب إلى الحج مرة ثانية وأطال الإقامة بالمشرق، وخاصة بمصر التي دفن فيها كل من

стр. 36

والده وجده؟ أو هل ذهب في مهمة لدى محمد علي في عهد حسين باشا كما ذهب من قبل في مهمة لدى سلطان المغرب؟ أو هل أخذته قدماه إلى الآستانة في مهمة لدى السلطان محمود الثاني الذي ستجده يتحدث عن مآثره ومآثر أجداده في كتابه؟ كل هذه أسئلة يمكن طرحها في هذا المجال ما دام الغموض يكتنف هذه الفترة من حياته. وسيظل الجواب على هذه الأسئلة مرهونا باكتشاف ما تضمره الأيام عنه (*). ومهما يكن الأمر فإن الوثائق تكشف عن أن ابن العنابي كان قد حل بتونس (٣٨) في أواخر سنة ١٢٤٤ م وظل بها فترة من الوقت لا ندري مداها، ويبدو أنه قد غادرها إلى الجزائر في بداية سنة ١٢٤٥. وكان حلوله بتونس أثناء عودته من الحج، وهو الحج الثاني له، وقد يكون الثالث أو الرابع لأن عبارة (الحاج) قد وردت مرفوقة باسمه قبل هذا التاريخ بكثير. وإذا قارنا التاريخين: تاريخ وجوده بمصر (سنة ١٢٤٢) وتاريخ وجوده بتونس (١٢٤٤) فإنه يكاد يكون من المؤكد أن ابن العنابي لم يكن في الجزائر بين التاريخين. ومعنى ذلك أنه كان يعيش في المشرق خلال فترة حرجة كما نبهنا إلى ذلك في البداية. ونحن ندري الآن أنه كان أثناء ذلك في مصر والحجاز، ولكننا لا ندري ما إذا كان قد زار من جديد إسطانبول أيضا أو غيرها من البقاع الإسلامية. ويكشف وجوده بتونس عن تاريخ عودته إلى الجزائر (٣٩) ولكنه لا يكشف عن تاريخ خروجه منها. فمتى خرج يا ترى؟ ذلك ما لا نستطيع تأكيده غير أننا ما زلنا نميل إلى ما كنا خمناه من أنه قد يكون مغضوبا عليه في بلاده فاختار العيش في المشرق فترة من الوقت، بين ١٢٣٥ و ١٢٤٤. وقد أقام ابن العنابي في تونس مجعززا مكرما. فقد أحاط به العلماء الذين

стр. 37

سنتحدث عن صلته بهم، ولا سيما أسرة بيرم، وكلهم قد أشادوا به واستجازوه ونوهوا بعمله ومدحوه بالنثر والشعر. ويبدو من هذه الكتابات أنه كان معروفا لديهم من قبل. ويهمنا بالدرجة الأولى هنا ما سجلته الوثائق من أن باي تونس عندئذ قد أكرم ابن العنابي وأحاطه بالتبجيل والتعظيم. وقد أضافت هذه الوثاتق أن ابن العنابي كان جديرا بذلك الاعتبار والحظوة فقد جاء في الوثيقة (فتلقاه أمير الوقت بمزيد من الإجلال، وهو بذلك حري، إذ مقامه في العلم كيي ..) (٤٠) ويدل هذا النص على مقام ابن العنابي لدى أهل تونس من علماء وأمراء، ومما يلفت النظر أن وثائق تونس لا تذكر اسم ابن العنابي مقرونا بكلمة (مفتي) رغم أنها تصفه بالحافظ والمحقق والعالم ونحو ذلك، كما سنرى. عاد ابن العنابي إذن إلى الجزائر سنة ١٢٤٥، أي حوالي سنة واحدة قبل احتلالها من فرنسا ولذلك نجد اسمه يتردد من جديد بعد سنة ١٢٤٤ (١٨٢٩). فبعد تولية الشيخ أحمد بن إبراهيم، المذكور سابقا، يأتي المفتون: محمد بن عبد الرحمن بن راسيل (١٨٢٥ - ١٨٢٦) وأحمد بن عمر بن مصطفى (سنة ١٢٤٤ - هـ ١٨٢٩ م) ومحمد بن محمود (بدون كلمة العنابي وبدون تحديد تاريخ)، ويرد بعده اسم مصطفى أفندي (٤١) (بدون تاريخ أيضا) ثم محمد بن شعبان (سنة ١٢٥١ هـ - ١٨٣٥ م) (٤٢) فمتى عاد ابن العنابي بالضبط إلى الجزائر؟ وكيف تولى الإفتاء من جديد؟ وهل تولاه فعلا؟ أسئلة أخرى ليس من السهل الإجابة عليها الآن لعدم توفر المادة. ومما يزيد الأمر تعقيدا أن المؤرخين يذكرون بعض الحوادث التي جرت في الأسابيع الأولى للاحتلال وورد خلالها اسم ابن العنابي (*).

стр. 38

علاقته بالفرنسيين بعد احتلال الجزائر: وليس من المؤكد الآن أن المفتي الحنفي وقت دخول الفرنسيين للجزائر كان هو ابن العنابي. فقد عرفنا أسماء عدد من المفتين تولوا في الفترة القصيرة من ١٢٤٤ هـ (١٨٢٨ م) إلى ١٢٥١ هـ (١٨٣٥ م) من بينهم ابن العنابي مع إغفال تواريخ تعيين بعضهم. وهذا الغموض في تلك الفترة الدقيقة لا يساعد على فهم الحوادث التي سيرد فيها اسم ابن العنابي, ومن هذا الغموض أيضا أن وظيفة المفتي الحنفي قد تعرضت إلى تقلبات خلال السنة الأولى من الاحتلال مع عدم ذكر اسم المفتي المعني بالأمر. فقد جاء في أخبار الحملة الفرنسية على الجزائر أن الداي حسين باشا قد عزل في آخر لحظة قبل دخول الفرنسيين، المفتي الحنفي (التركي) وعين بدله مفتيا عربيا من أهل البلاد آملا أن يكون ذلك سببا في التفاف الجزائريين حوله في مقاومته للجيش الفرنسي. فمن هو المفتي المعزول؟ ومن هو المفتي الجديد؟ هذه نقطة تظل بدون جواب أيضا. كذلك تتحدث الأخبار عن أن الباشا قد استدعى، بعد هزية جيشه في واقعة سطاولي، (المفتي الحنفي، شيخ الإسلام) (*) وسلمه سيفا وطلب منه أن يدعو الناس للجهاد دفاعا عن البلاد (٤٣) ولكن هذه الأخبار لا تذكر اسم هذا المفتي شيء الحظ الذي وضعته الأقدار في مفترق الطرق (٤٤).

стр. 39

وفي العهد الأول للجنرال كلوزيل (٤٥)، ظهر اسم ابن العنابي من جديد. فقد كان هذا المفتي موضع شبهة السلطات الفرنسية منذ دخولها، وكانت العلاقات متوترة بينهما، وتأزم الموقف بين الطرفين فحيكت له مؤامرة قرر إثرها كلوزيل سجن المفتي ثم نفيه خلال مدة قصيرة. ويبدأ هذا التوتر، حسب أخبار الحملة الفرنسية على الجزائر، حينما أجير كلوزيل المفتي على تسليمه بعض المساجد في المدينة لجعلها مستشفيات للجيش، متعهدا له باستعمالها مدة شهرين فقط (٤٦) وكان ابن العنابي شديد النقد للسلطات الفرنسية على خرقها للاتفاق الموقع بين الداي حسين باشا والكونت دي بورمون. وكان يكتب بنقده ولومه إلى الجنرال كلوزيل (٤٧). وضاق كلوزيل ذرعا بجرأة المفتي فقرر وضع حد لها. فقد ألقى عليه رجال الدرك القبض وقادوه إلى السجن وتعرضت أسرته خلال ذلك إلى المهانة (٤٨) وكانت التهمة التي وجهت إليه هي تدبير مؤامرة ضد الوجود الفرنسي وإعادة الحكم الإسلامي (العثماني) للجزائر. وتروي المصادر الفرنسية أن المخبرين قد وشوشوا في أذن كلوزيل بأن المفتي الحنفي لمدينة الجزائر رجل خطير على الوجود الفرنسي، وأن له تأثيرا قويا على أهل البلاد. وهذا ما ادعاه لنفسه (٤٩) ويعلق ديرينو على ذلك بأن المفتي لم يكن له ذلك التأثير المشار إليه. أما حمدان خوجة الجزائري فيفصل الحادثة،

стр. 40

حسبما رواها له المفتي نفسه، فيما يلي: (جاء الترجمان إلى منزل ابن العنابي وطرح عليه بعض الأسئلة تتعلق بمكانته في البلاد وخططه المستقبلة. من ذلك أن الترجمان أخبره بأن كلوزيل ينوي الجلاء عن الجزائر وتسليم الحكم له، وسأله ما إذا كانت لديه القدرة على تنظيم جيش والدفاع عن البلاد، فأجابه المفتي بأن ذلك في استطاعته إذا اقتضى الأمر. ثم سأل الترجمان هل جيشه سيكون من داخل البلاد أو من مدينة الجزائر وحدها، فأجاب المفتي بأنه سيجيش جيشا يبلغ ثلاثين ألفا من كل البلاد. وكان الترجمان قد أخفى، حسب هذه الرواية، شخصين ظلا ينصتان لهذه المحادثة. ليكونا شاهدين ضد المفتي) (٥٠). فكم بقي ابن العنابي في السجن؟ هذا ما لا نعلمه الآن. والذي نعلمه حقا هو أن كلوزيل قد أمر بنفيه فورا (٥١)، ولم يمهله، رغم أنه كان صاحب أسرة وأطفال وأملاك وديون وغيرها مما يستوجب مهلة معقولة لتصفية هذه الأمور قبل مغادرة البلاد. وهذا الجانب الإنساني هو الذي جعل خوجة يتدخل لدى كلوزيل لصالح المفتي، رغم توجس هذا منه (٥٢) فقد رجاه أن يمهله حتى يبيع أملاكه ويصفي ديونه ويسفر أسرته. ولم يحمل له خوجة على مهلة عشرين يوما إلا بصعوبة كبيرة. وبعد انقضاء ذلك الأجل رحل ابن العنابي إلى الإسكندرية (٥٣)
следующие страницы →