والده وجده؟ أو هل ذهب في مهمة لدى محمد علي في عهد حسين باشا كما ذهب من قبل في مهمة لدى سلطان المغرب؟ أو هل أخذته قدماه إلى الآستانة في مهمة لدى السلطان محمود الثاني الذي ستجده يتحدث عن مآثره ومآثر أجداده في كتابه؟ كل هذه أسئلة يمكن طرحها في هذا المجال ما دام الغموض يكتنف هذه الفترة من حياته. وسيظل الجواب على هذه الأسئلة مرهونا باكتشاف ما تضمره الأيام عنه (*).
ومهما يكن الأمر فإن الوثائق تكشف عن أن ابن العنابي كان قد حل بتونس (٣٨) في أواخر سنة ١٢٤٤ م وظل بها فترة من الوقت لا ندري مداها، ويبدو أنه قد غادرها إلى الجزائر في بداية سنة ١٢٤٥. وكان حلوله بتونس أثناء عودته من الحج، وهو الحج الثاني له، وقد يكون الثالث أو الرابع لأن عبارة (الحاج) قد وردت مرفوقة باسمه قبل هذا التاريخ بكثير. وإذا قارنا التاريخين: تاريخ وجوده بمصر (سنة ١٢٤٢) وتاريخ وجوده بتونس (١٢٤٤) فإنه يكاد يكون من المؤكد أن ابن العنابي لم يكن في الجزائر بين التاريخين. ومعنى ذلك أنه كان يعيش في المشرق خلال فترة حرجة كما نبهنا إلى ذلك في البداية. ونحن ندري الآن أنه كان أثناء ذلك في مصر والحجاز، ولكننا لا ندري ما إذا كان قد زار من جديد إسطانبول أيضا أو غيرها من البقاع الإسلامية. ويكشف وجوده بتونس عن تاريخ عودته إلى الجزائر (٣٩) ولكنه لا يكشف عن تاريخ خروجه منها. فمتى خرج يا ترى؟ ذلك ما لا نستطيع تأكيده غير أننا ما زلنا نميل إلى ما كنا خمناه من أنه قد يكون مغضوبا عليه في بلاده فاختار العيش في المشرق فترة من الوقت، بين ١٢٣٥ و ١٢٤٤.
وقد أقام ابن العنابي في تونس مجعززا مكرما. فقد أحاط به العلماء الذين
стр. 37
سنتحدث عن صلته بهم، ولا سيما أسرة بيرم، وكلهم قد أشادوا به واستجازوه ونوهوا بعمله ومدحوه بالنثر والشعر. ويبدو من هذه الكتابات أنه كان معروفا لديهم من قبل. ويهمنا بالدرجة الأولى هنا ما سجلته الوثائق من أن باي تونس عندئذ قد أكرم ابن العنابي وأحاطه بالتبجيل والتعظيم. وقد أضافت هذه الوثاتق أن ابن العنابي كان جديرا بذلك الاعتبار والحظوة فقد جاء في الوثيقة (فتلقاه أمير الوقت بمزيد من الإجلال، وهو بذلك حري، إذ مقامه في العلم كيي ..) (٤٠) ويدل هذا النص على مقام ابن العنابي لدى أهل تونس من علماء وأمراء، ومما يلفت النظر أن وثائق تونس لا تذكر اسم ابن العنابي مقرونا بكلمة (مفتي) رغم أنها تصفه بالحافظ والمحقق والعالم ونحو ذلك، كما سنرى.
عاد ابن العنابي إذن إلى الجزائر سنة ١٢٤٥، أي حوالي سنة واحدة قبل احتلالها من فرنسا ولذلك نجد اسمه يتردد من جديد بعد سنة ١٢٤٤ (١٨٢٩). فبعد تولية الشيخ أحمد بن إبراهيم، المذكور سابقا، يأتي المفتون: محمد بن عبد الرحمن بن راسيل (١٨٢٥ - ١٨٢٦) وأحمد بن عمر بن مصطفى (سنة ١٢٤٤ - هـ ١٨٢٩ م) ومحمد بن محمود (بدون كلمة العنابي وبدون تحديد تاريخ)، ويرد بعده اسم مصطفى أفندي (٤١) (بدون تاريخ أيضا) ثم محمد بن شعبان (سنة ١٢٥١ هـ - ١٨٣٥ م) (٤٢) فمتى عاد ابن العنابي بالضبط إلى الجزائر؟ وكيف تولى الإفتاء من جديد؟ وهل تولاه فعلا؟ أسئلة أخرى ليس من السهل الإجابة عليها الآن لعدم توفر المادة. ومما يزيد الأمر تعقيدا أن المؤرخين يذكرون بعض الحوادث التي جرت في الأسابيع الأولى للاحتلال وورد خلالها اسم ابن العنابي (*).
стр. 38
علاقته بالفرنسيين بعد احتلال الجزائر:
وليس من المؤكد الآن أن المفتي الحنفي وقت دخول الفرنسيين للجزائر كان هو ابن العنابي. فقد عرفنا أسماء عدد من المفتين تولوا في الفترة القصيرة من ١٢٤٤ هـ (١٨٢٨ م) إلى ١٢٥١ هـ (١٨٣٥ م) من بينهم ابن العنابي مع إغفال تواريخ تعيين بعضهم. وهذا الغموض في تلك الفترة الدقيقة لا يساعد على فهم الحوادث التي سيرد فيها اسم ابن العنابي, ومن هذا الغموض أيضا أن وظيفة المفتي الحنفي قد تعرضت إلى تقلبات خلال السنة الأولى من الاحتلال مع عدم ذكر اسم المفتي المعني بالأمر. فقد جاء في أخبار الحملة الفرنسية على الجزائر أن الداي حسين باشا قد عزل في آخر لحظة قبل دخول الفرنسيين، المفتي الحنفي (التركي) وعين بدله مفتيا عربيا من أهل البلاد آملا أن يكون ذلك سببا في التفاف الجزائريين حوله في مقاومته للجيش الفرنسي. فمن هو المفتي المعزول؟ ومن هو المفتي الجديد؟ هذه نقطة تظل بدون جواب أيضا. كذلك تتحدث الأخبار عن أن الباشا قد استدعى، بعد هزية جيشه في واقعة سطاولي، (المفتي الحنفي، شيخ الإسلام) (*) وسلمه سيفا وطلب منه أن يدعو الناس للجهاد دفاعا عن البلاد (٤٣) ولكن هذه الأخبار لا تذكر اسم هذا المفتي شيء الحظ الذي وضعته الأقدار في مفترق الطرق (٤٤).
стр. 39
وفي العهد الأول للجنرال كلوزيل (٤٥)، ظهر اسم ابن العنابي من جديد. فقد كان هذا المفتي موضع شبهة السلطات الفرنسية منذ دخولها، وكانت العلاقات متوترة بينهما، وتأزم الموقف بين الطرفين فحيكت له مؤامرة قرر إثرها كلوزيل سجن المفتي ثم نفيه خلال مدة قصيرة. ويبدأ هذا التوتر، حسب أخبار الحملة الفرنسية على الجزائر، حينما أجير كلوزيل المفتي على تسليمه بعض المساجد في المدينة لجعلها مستشفيات للجيش، متعهدا له باستعمالها مدة شهرين فقط (٤٦) وكان ابن العنابي شديد النقد للسلطات الفرنسية على خرقها للاتفاق الموقع بين الداي حسين باشا والكونت دي بورمون. وكان يكتب بنقده ولومه إلى الجنرال كلوزيل (٤٧). وضاق كلوزيل ذرعا بجرأة المفتي فقرر وضع حد لها. فقد ألقى عليه رجال الدرك القبض وقادوه إلى السجن وتعرضت أسرته خلال ذلك إلى المهانة (٤٨) وكانت التهمة التي وجهت إليه هي تدبير مؤامرة ضد الوجود الفرنسي وإعادة الحكم الإسلامي (العثماني) للجزائر.
وتروي المصادر الفرنسية أن المخبرين قد وشوشوا في أذن كلوزيل بأن المفتي الحنفي لمدينة الجزائر رجل خطير على الوجود الفرنسي، وأن له تأثيرا قويا على أهل البلاد. وهذا ما ادعاه لنفسه (٤٩) ويعلق ديرينو على ذلك بأن المفتي لم يكن له ذلك التأثير المشار إليه. أما حمدان خوجة الجزائري فيفصل الحادثة،
стр. 40
حسبما رواها له المفتي نفسه، فيما يلي: (جاء الترجمان إلى منزل ابن العنابي وطرح عليه بعض الأسئلة تتعلق بمكانته في البلاد وخططه المستقبلة. من ذلك أن الترجمان أخبره بأن كلوزيل ينوي الجلاء عن الجزائر وتسليم الحكم له، وسأله ما إذا كانت لديه القدرة على تنظيم جيش والدفاع عن البلاد، فأجابه المفتي بأن ذلك في استطاعته إذا اقتضى الأمر. ثم سأل الترجمان هل جيشه سيكون من داخل البلاد أو من مدينة الجزائر وحدها، فأجاب المفتي بأنه سيجيش جيشا يبلغ ثلاثين ألفا من كل البلاد. وكان الترجمان قد أخفى، حسب هذه الرواية، شخصين ظلا ينصتان لهذه المحادثة. ليكونا شاهدين ضد المفتي) (٥٠).
فكم بقي ابن العنابي في السجن؟ هذا ما لا نعلمه الآن. والذي نعلمه حقا هو أن كلوزيل قد أمر بنفيه فورا (٥١)، ولم يمهله، رغم أنه كان صاحب أسرة وأطفال وأملاك وديون وغيرها مما يستوجب مهلة معقولة لتصفية هذه الأمور قبل مغادرة البلاد. وهذا الجانب الإنساني هو الذي جعل خوجة يتدخل لدى كلوزيل لصالح المفتي، رغم توجس هذا منه (٥٢) فقد رجاه أن يمهله حتى يبيع أملاكه ويصفي ديونه ويسفر أسرته. ولم يحمل له خوجة على مهلة عشرين يوما إلا بصعوبة كبيرة. وبعد انقضاء ذلك الأجل رحل ابن العنابي إلى الإسكندرية (٥٣)
стр. 41
ولاشك أن سفر المفتي كان بحرا. ورغم أن تاريخ السفر غير معروف الآن بالضبط فإنه بدون شك كان في خريف أو شتاء سنة ١٨٣٠ - ١٨٣١، لأن كلوزيل قد تولى مهمته في الجزائر خلال سبتمبر سة ١٨٣٠.
وبنفي ابن العنابي من الجزائر أسدل الستار على نشاطه فيها. فقد توجه بأسرته إلى مصر وأقام بالإسكندرية، وهناك ولاه محمد علي وظيفة الفتوى الحنفية بهذه المدينة، ولذلك نجد اسمه مقرونا بعد حادثة النفي بعبارة (مفتي ثغر الإسكندرية). والملاحظ أن بعض العائلات الجزائرية الأخرى قد هاجرت أو نفيت أيضا إلى الإسكندرية. من ذلك المفتي ابن الكبابطي، والداي حسين باشا نفسه، ومصطفى بومزراق باي التيطري السابق، والباي حسن، باي وهران السابق الخ. وقد قيل أن أسرة ابن العنابي ما تزال بالإسكندرية إلى اليوم وتعرف بأسرة الجزائرلي (٥٤).
إجازاته وتلاميذه:
وعلى كل حال فإن ابن العنابي لم يكتب سنة ١٢٤٢ هـ كتابه (السعي المحمود) فقط بل نجده يقيم في مصر ويختلف إلى الجامع الأزهر، ويأتيه العلماء للدرس (وروما للثواب) ويقوم هو بإجازة المستجيزين وإجابة الداعين. فقد كتب (السعي المحمود) في شهر رجب من السنة المذكورة وأجاز الشيخ إبراهيم السقا خلال شهر شعبان، مما أجاز الشيخ عبد القادر الرافعي في شهر رمضان من نفس السنة أيضا. ومعنى هذا أن ابن العنابي قد تصدر لتدريس الحديث والفقه في الأزهر والتف حوله تلاميذ وعلماء.
ومما جاء في إجازته لتلميذه إبراهيم السقا ما يلي: (وقد قرأ على الشيخ الإمام الفاضل ابن الحسن إبراهيم بن علي بن حسن المعروف بالسقا. جل صحيح البخاري الى باب الاحتباء من كتاب اللباس، وسمع ذلك الشيخ الإمام
стр. 42
أبو العباس أحمد بن يوسف القنياتي إمام الجامع الأزهر والشيخ الإمام أبو زيد عبد الرحمن بن الدمياطي الغمراوي الشافعي. (٥٥) والشيخ أبو الحسن إبراهيم بن حسن الكردي الشافعي) وختمها بقوله: (قال هذا وكتبه الفقير إليه سبحانه محمد بن محمود بن محمد بن حسن الجزائري الحنفي الشهير ببلده بابن العنابي. بتاريخ خامس شعبان سنة ١٢٤٢).
أما الإجازة الثانية فهي إجازته للشيخ عبد القادر الرافعي الحنفي. وهي كالسابقة باستثناء بعض التفاصيل. وقد قرأ عليه الشيخ الرافعي أوائل كتب الحديث وغيرها وأجازه إجازة عامة. ووضع بأسفل الإجازة خاتمه وهو (منتظر لطف الودود عبده محمد بن محمود ١٢٣٢) (٥٦).
وهناك أيضا إجازة أخرى له كتبها إلى محمد بن علي الطحاوي ذكر فيها أنه يروي ثبت الجوهري بالإجازة على شيخه علي بن الأمين إجازته عن شيخ أحمد الجوهري. بخط المجيز ومذيله بخاتمه المؤرخ سنة ١٢٣٢ ضمن مجموع بأسفل صفحة ١، (١١٨ تيمور) دار الكتب المصرية، مصطلح الحديث.
ولا شك أن لابن العنابي في مصر تلاميذ آخرين أجازهم، أو قرأوا عليه وسنعرف أن كتابه (السعي المحمود) كان نفسه عبارة عن جواب لأحد السائلين ممن جمعته به حلقة درس أو جلسة سمر.
هذا في مصر، أما في تونس فقد منح إجازة لعدد من العلماء الذين التجأوا إليه وطلبوا منه ذلك نثرا وشعرا. وقد جاء في إجازته للشيخ محمد بيرم الرابع أنه يجيزه (بكل ما أجازني به مشائخي جميع من أدرك حياتي) قدوة بشيخه علي بن
стр. 43
عبد القادر بن الأمين الذي قال عنه إنه (أجاز جميع من أدرك حياته) (٥٧) وقد أجاز ابن العنابي الشيخ محمد بيرم بهذه العبارة، بعد أن عدد طرق تلقيه لكتب الحديث والفقه (وقد أجزت بهذا وبكل ما أجازني به مشائخي الشاب الفاضل اللوذعي الكامل أبا عبد الله محمد (بالفتح) بن شيخ الإسلام محمد (بالضم) بن شيخ الإسلام محمد (بالفتح) الشهير بيرم حفظه الله إجازة عامة بشرطها المعلوم لأهله، وأوصيه الخ) (٥٨).
وهناك إجازة أخرى لابن العنابي أجاز بها أيضا محمد بيرم الرابع، وهي تتعلق بأحزاب الشاذلي. فقد جاء في وثيقة تونسية عن بيرم المذكور أنه كتب أن شيخه العنابي قد أجازه بتلك الأحزاب (شيخنا العلامة المحقق حامل لواء المذهب الحنفي بقطر الجزائر. محمد بن محمود الخ) وقد أضاف بيرم أن هذه الإجازة قد وقعت له منه مشافهة وأنه كتب سندها (وذكره في الوثيقة) من خط من نقله من خطه (٥٩).
وقد جاء في نفس الوثيقة أن مصطفى بيرم (عم محمد بيرم المذكور) قد استجاز أيضا ابن العنابي بقصيدة. وهي قصيدة هامة تصور مدى احترام علماء تونس لابن العنابي وتذكر بعض أعماله العلمية. ولأهميتها سنوردها في آخر الكتاب. ونكتفي هنا بالمقصود منها، وهي قول الناظم:
واطلب من علياك نيل إجازة ... بفضلك لا أني لذلك صالح
ولا شك أن ابن العنابي قد لبى رغبة هذا الطالب لأنه قد ذكر من قيل أنه كان يجيز من أدرك حياته. غير أننا لم نعثر على نص هذه الإجازة إلى الآن (٦٠)
стр. 44
ومن المؤكد أن إجازات ابن العنابي لم تقتصر على علماء مصر وتونس. فقد كان ذائع الصيت في وقته وكان مقصودا لأهل العلم في كل بلد يحل به. لذلك لا نشك في أنه قد منح إجازاته لعدد آخر من علماء الجزائر وغيرها من البلدان التي زارها، خصوصا وقد أوضح هو أنه كان يتساهل في ذلك اقتداء بشيخه علي بن عبد القادر بن الأمين (٦١).
مؤلفاته:
لم يعرف عن ابن العنابي أنه كان من المؤلفين المكثرين. أغلب المصادر لا تذكر له سوى (السعي المحمود) و (ثبته) المذكور، أو إجازته لتلميذه إبراهيم السقا. وقد عرفا أن له إجازة أخرى مشابهة لتلميذه عبد القادر الرافعي. وعثرنا لع على رسالة في مسألة توحيد كنا قد أشرنا إليها أيضا. والظاهر أنه بقدر ما كان مقلا في التأليف كان مكثرا في الفتاوى. وقد اشتهر بذلك حتى أن بعض العلماء الجزائريين، كالمفتي حميدة العمالي، كان ينقل فتاويه بنصها في (كناشه) (٦٢). وكان ابن العنابي يوقع فتاويه، وهو بالإسكندرية، هكذا (مفتي السادة الحنفية بثغر الإسكندرية). وقد عرفنا أن الدايات كانوا يستكتبونه في المسائل السياسية أيضا. ولا شك أن بعض رسائله في ذلك ما زالت مدفونة في دور الوثائق (الأرشيف).
стр. 45
ومما يذكر أن مؤلف (الأعلام) قد عثر على نموذج من خطه، على (ثبت الجوهري) في در الكتب المصرية (٦٣) ولا ندري ماذا كتب ابن العنابي هناك ولا كمية ما كتبه.
ومن تآليف، غير التي ذكرنا، كتاب في الفقه الحنفي سماه (شرح الدر المختار) الذي يبدو أنه شرع فيه خلال السنوات ١٢٣٥ - ١٢٤٤ م. ولم نعرف أنه أتمه. ذلك أن الشيخ محمد بيرم الذي قرظ هذا الكتاب قد ذكر أن ابن العنابي قد بلغ في شرحه باب الوتر والنوافل فقط. وقد أشاد به كما عرفنا. ويبدو أن ما فرغ منه يمثل جزءا ضخما لأن أحد الكتاب الذي عاينه قال عنه إنه (حصة وافرة) (٦٤).
ومن جهة أخرى ذكر ابن العنابي في جوابه على مسألة تتعلق بآداب مجالس القرآن أن له كتابا في علم التجويد تحدث فيه عن أنواع اللحن فقال:
(قد ذكرنا في كتابنا (العزيز في علم التجويد) أن اللحن نوعان خفي وجلي فالجلي خطأ في المبني أو الحركة أو السكون سواء غير المعنى أو لا، والخفي خطأ في صفات الحروف الخ ...) (٦٥). ولا نعرف أكثر من هذا عن تأليفه في التجويد، فهل هو مجرد رسالة صغيرة؟ أو هو تأليف كبير في علم القراءات ورسم القرآن ونحو ذلك؟
ولابن العنابي تآليف أخرى في علوم شتى مثل شرحه على فرائض المجمع، ومنها رسالة في أداء زكاة الفطر طبقا للمذاهب الأربعة، وقد جاء في إحدى الوثائق أن له أيضا (غير ذلك مما لم استحضره الآن) (٦٦) ومن الطبيعي
стр. 46
أن نعد (بلوغ المقصود) من تأليفه أيضا لأنه اختصار لما أطال فيه في كتابه (السعي المحمود). ومن المحتمل أن يكون لابن العنابي ديوان شعر على ما هي عليه عادة علماء وقته، وبعض الأراجيز. وقد وجدنا له أجوبة على مسائل متعددة تسمى (الفتح القيومي بجواب أسئلة الرومي) (٦٧).
ولكن الظاهرة العامة في تآليف ابن العنابي هي أنها تآليف صغيرة الحجم، وأنها تتناول مسائل دينية شائكة في شكل رأي معلل ومدعم بالشواهد والأمثال أو في شكل شرح لكتاب قائم من قبل. ويدخل في الصنف الأول كتابه (السعي المحمود) وكتابه في (علم التجويد) وفتاويه وأجوبته الفقهية ويدخل في الصنف الثاني كتابه (شرح الدر المختار).
ولعل عالما في منزلة ابن العنابي عاش زمنا طويلا وصعبا لا يمكن أن ينتج سوى ما ذكرنا. فمن المحتمل أن تكون له تآليف أخرى لم نطلع عليها ولم نسمع بها بعد (*).
ولكن إذا كان التأليف قليلا عند ابن العنابي فإن تلاميذه كثيرون. وقد عرفنا منهم عددا من المصريين والتونسيين. وإذا كنا لا ندري أن ابن العنابي قد تصدر للتدريس في بلاده بالجامع الكبير أو الجامع الجديد، فإننا قد عرفنا أنه جلس للتدريس في الجامع الأزهر وكانت حلقة درسه موئل العلماء على اختلاف مستوياتهم. وجاء في رسالة الشيخ المهدي البوعبدلي (٦٨) أن ابن العنابي قد
стр. 47
(روى عنه الكثير من أعلام المشرق والمغرب لما كان في الإسكندرية)، ونحن لا نشك في أن تلاميذه بالجرائر قد يفوقون عدد تلاميذه في المشرق لطول إقامته بها وارتفاع شأنه فيها.
اختصار كتابه:
وبإشارة من محمد علي، والي مصر، اختصر إبراهيم السقا (٦٩) تلميذ ابن العنابي، كتاب (السعي المحمود) وسمي المختصر هكذا (بلوغ المقصود مختصر السعي المحمود). ولا شك أن محمد علي قد فعل ذلك لأهمية الكتاب الأصلي الذي سنتحدث عنه، ولكونه محشو بشواهد واستطرادات مملة للقارئ العادي الذي يهمه الرأي والفكرة أكثر مما يهمه التثبت والتعليل. وقد وقفت شخصيا على نسخة من (بلوغ المقصود) (٧٠) فوجدته يحتوي على ٦٨ صفحة ومكتوبا بخط نسخ جيد. والنسخة التي وقفنا عليها تحمل تاريخ سنة ١٣٠٨ م، وهو بلا شك ليس تاريخ اختصار الكتاب وإنما هو تاريخ نسخة أخرى منه.
ونعتقد أن إبراهيم السقا قد اختصر كتاب شيخه بعد تأليف الأصل بقليل، أي بعد سنة ١٢٤٢ هـ (١٨٢٦ م)، لأنها هي الفترة التي تليق بموضوع الكتاب الذي سنتحدث عنه. وقد وجدت اسم الناسخ (لبلوغ المقصود) هكذا (تم هذا الكتاب على يد أحمد عبد رب النبي الغريبي بلدا الشافعي مذهبا.
يوم الأحد المبارك ٢٣. المحرم سنة ١٣٠٨). أما اسم ابن العنابي في هذه النسخة فقد ورد على النحو التالي (كشاف الحقائق، ومنبع الرقائق، شيخنا المحفوظ باللطف الخفي، محمد بن محمود بن محمد الجزائري الحنفي) (٧١)
стр. 48
والغالب على الظن أن هذه العبارة هي من وضع إبراهيم السقا وليس من وضع الناسخ.
والملاحظ أن النسخة التي اطلعنا عليها من (بلوغ المقصود) تضم تعاليق مطولة في معنى الآيات والأحاديث والكتب والمعاني الواردة في صلب المختصر، ولا تضيف جديدا للفكرة الأساسية التي انطلق منها المؤلف الأصلي. والملاحظة الأخيرة التي نبديها حول (بلوغ المقصود) أنه قد جاء في آخره إضافة وصف (الشافعي) أمام اسم ابن العنابي، فقد جاء هناك (قال أصله قال جامعه الفقير إليه سبحانه محمد بن محمود بن محمد بن جسين الجزائري الحنفي الشافعي (٧٢)، الشهير ببلده بابن القباني (كذا) نزيل مصر القاهرة، فرغت من جمعه سنة ١٢٤٢، رابع عشر رجب هجرية).
مراسلاته:
كانت شهرة ابن العنابي سببا في كثير من المراسلات التي جرت بينه وبين مثقفى عصره. وقد اختلفت أسباب المراسلات. فهناك الاستفتاءات التي يحاول أصحابها الحصول على فتوى دينية في قضية من القضايا التي كانت تعرض لهم. وكان هو يجيب السائلين بصدر رحب، ويبث علمه بسخاء فيفيض في عرض القضية ويقلبها على جميع وجوهها ويأتي لها من الاستشهادات ما يوضح كل جوانبها (٧٣) وهناك الاستجازات التي يطلب أصحابها منه أن يمنحهم إجازة بمروياته في الحديث والفقه ونحوهما. وكان الطلب يكتب أحيانا نثرا وأحيانا شعرا، وأحيانا بكليهما وعادة ما كان المستجيز يشيد بابن العنابي وينوه بمعارفه وبأسرته وأخلاقه. وقد أشرنا إلى قصيدة الشيخ مصطفى بيرم في هذا الصدد.
стр. 49
وهناك مراسلات أخرى أدبية جرت بينه وبين بعض الأدباء. من ذلك أن إحدى الوثائق تتحدث عن أن ابن العنابي كتب كتابا ضمنه السلام على آل بيرم، وجعل في هذا الكتاب أبياتا نصها:
بني بيرم زان البسيطة ذكرهم ... فما لهم في المشرقين نظير
هم أحرزوا فضل المعارف والتقى ... ولا سيما صدر إليه أشير
جميل المحيا زاهر الوجه حجة ... يبين الهدى للمهتدي وينير
فبلغهم أسنى السلام وخصه ... فإني على نهج الوداد أسير
غير أننا لم نعثر على الكتاب المذكور لأن ناقل النص اكتفى بالأبيات فقط ولو نقل النص النثري أيضا لعرفنا منه لونا آخر (غير الفقه ونحوه) من كتابات ابن العنابي. ومن الواضح أن الأبيات المذكورة تنوه بآل بيرم عامة وتخص أحدهم دون الإفصاح عنه، ولعله هو محمد بيرم الرابع الذي تراسل معه في مناسبات أخرى، كما سنرى، وكان كلاهما يردد عبارات الوداد، والوفاء ونحوهما، مما يدل على رسوخ الصداقة بينهما. ومهما كان الأمر فإن محمد بيرم الرابع قد رد على الكتاب بكتاب مثله وعلى الأبيات بأبيات مثلها في القافية والروي، وهي تبرهن على رأي محمد بيرم في صديقه ابن العنابي، وهي:
همام له حول الساطين منزل ... إمام بتحقيق العلوم خبير
به كسى الإسلام حلة مجده ... وأضحى له فخر به وسرور
إذا حوم الظمآن حول علومه ... يصادفه ماء هناك نمير
ولو قيل من حاز العلوم بأسرها ... إليه جميع العالمين تشير (٧٤)
وهذه شهادة من أحد العلماء البارزين، وهي تصدق على رأي الآخرين في ابن العنابي، ويكاد الجميع يصفه بهذه الأوصاف التي ذكرها محمد بيرم. ويبدو أن المراسلات قد استمرت بين الرجلين حتى بعد غربة ابن العنابي
стр. 50
في مصر ونفيه من الجزائر، ورغم أننا لا نجد حتى الآن رسائل ابن العنابي لمحمد بيرم فإننا وجدنا رسالة وجهها هذا إلى صديقه في الإسكندرية، قبل وفاته بقليل، يذكر بالعهد ويوصيه بأحد الفضلاء المغاربة ليتدخل له في مصر ويساعده على قضاء مآربه، وقد جاء في هذه الرسالة التي كتبت (في سنة نيف وستين) بعد المائتين (وقد توفي ابن العنابي سنة ١٢٦٧) ما يلي: (فها نحن نجزي أشرف صنوف ألوانه، إلى حضرة وحيد دهره وزمانه، العالم الكبير، والرئيس النحرير، والمقدم في الفتية الحنفية بالمشرق بلا نكير، شيخ الإسلام أبي عبد الله سيدي محمد بن محمود العنابي المفتي الآن بثغر الإسكندرية ..) ومما يلفت النظر ما كتبه محمد بيرم فيها عن (عهود المودة القديمة) المبنية (على أساس غير واه ... والمظنون أنها من جهتكم على هذا المنوال). ولأهمية هذه المراسلة سنوردها في آخر الكتاب (٧٥) ومن المحتمل جدا أن يكون لابن العنابي مرسلات أخرى من هذا النوع، سواء مع علماء وأدباء تونس أو غيرهم، وستكشف الأيام عن العديد من هذه المراسلات.
ومن إخوانيات ابن العنابي ما عثرنا عليه من أنه طلب، أثناء وجوده بتونس، تقريظا من محمد بيرم لكتابه (شرح الدر المختار) الذي قد خطا فيه خطوات موفقة. فقد وجدنا في آثار محمد بيرم تقريظا للكتاب المذكور أثبت فيه صاحبه أن ابن العنابي هو الذي أطلعه على تأليفه وطلب منه، حسبما هي العادة المعمول بها عندئذ، أن يقرظه ففعل. ومما جاء في النص المذكور قول محمد بيرم (قد أطلعني صاحب هذه الأجوبة (يعني أجوبة ابن العنابي على أسئلة الرومي) على قطعة من شرح له على (الدر المختار) نهايتها باب الوتر والنوافل والتمس مني كتابة تقريظ عليه بعد التأمل فيه على ما هو الرسم بين الإخوان، ومن سالف الزمان، إلى هذا الأوان، فكتبت عليه ما نصه ..) (٧٦) ثم نوه محمد بيرم بالجزء الذي اطلع عليه من (شرح الدر المختار) ومدح تبويبه وعمقه
стр. 51
وطريقته وأشاد بصاحبه واعتبره (العلم الأوحد والطود المفرد) كما وصف بيت آل العنابي بأنه (بيت علم دعائمه أعز وأطول وأساسه أحكم وأكمل).
ولم يكتف الشيخ محمد بيرم بتقريظ الكتاب نثرا بل قرظه شعرا أيضا، فأضاف إلى ما تقدم قوله (ولما جرى القلم النثري بما هو كائن، وكان الشعري موازا (كذا) له غير مباين، تحركت حميته للكتب عن مقتضى الحال، فأعرب عما في الضمير وقال:
أكوكب لاح أم بدر التمام بدا ... أم لامع الحق في أفق الهدى صعدا
وهي قصيدة في أحد عشر بيتا (٧٧) ولأهمية هذه الوثيقة سنوردها أيضا في آخر الكتاب.
وجاء في مصدر آخر أن لابن العنابي تقريظا لترجمة كتاب (كلستان) لسعدي الشيرازي، التي قام بها جبريل المخلع المسيحي من الفارسية إلى العربية. وهذا نصه:
(الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، لما عرض علي ذلك المعرب، الذي أبدع مترجمه وأغرب، وقد تصفحت وجنات طروسه الناظرة، وعاينت حلي عرائسه العاطرة، التي أبرزها من خدورها جبرائيل، وأعرب سر مكنونها بعبارة أحلى من السلسبيل، أنشدت قائلا:
تنسم روض الورد عن كلم تسري ... كنسمة نفح الطيب في غرة الفجر
وأعرب جبرائيل عجمة لفظه ... فأعرب عن فن البلاغة والشعر
كساه حلى لفظ أنيق مهذب ... وأبدع في الإنشاء بالنظم والنثر
حباه إله الخلق حسن جزائه ... فقد قرب الأقصى وترجم عن سر)
وكان هذا التقريظ بتاريخ غرة جمادى الثانية من سنة ١٢٥٩. من (تاريخ عبد الحميد بيك) - مخطوط -.
ولا نستبعد أن يكون لابن العنابي مراسلات أخرى مع علماء آخرين أمثال
стр. 52
حمدان خوجة بعد نفيهما من الجزائر، وقد تكون هناك علاقات ودية بينه وبين مصطفى بن الكبابطي الذي لحقه منفيا إلى الإسكندرية. ولعل له غير ذلك من المراسلات مع غير هذا وذاك. وقد أبى أحد الشعراء المصريين، وهو محمد عاقل صاحب ديوان (لسان الشباب)، إلا أن يؤرخ وفاة ابن العنابي في الإسكندرية بقوله (وأرخت وفاة الشيخ الجزائري مفتي الإسكندرية المتوفي ٢٦٧ بقولي (اليوم رمس مفتي إسكندرية) (٧٨).
شخصيته:
وقد اختلفت الآراء حول شخصية ابن العنابي. فقد عرفنا وصف تلاميذه من كونه شخصا يتبرك به ويرام الثواب عنده. وجاء في نسخة (السعي المحمود) التي سندرسها أنه (شيخنا وأستاذنا العالم الرباني).
ووصفه السقا في (بلوغ المقصود) (بكشاف الحقائق، ومنبع الرقائق والدقائق، شيخنا المحفوف باللطف الخفي الخ). وتوافق هذه الأوصاف المصطبغة بالمشاعر الدينية والصوفية الأوصاف التي أطلقها عليه معاصره ومواطنه حمدان بن عثمان خوجة، وهو رجل سياسي واقتصادي. فقد لاحظ خوجة على تكليف الباشا للمفتي (إذ صح أنه ابن العنابي) بالدعوة إلى الجهاد إبان الحملة الفرنسية بأن المفتي كان رجلا صالحا وعادلا ولكنه لم يكن محاربا (٧٩) ويتفق هذا الحكم تقريبا مع حكم ديرينو الفرنسي المعاصر له أيضا (٨٠) وعندما حل بتونس، قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر بوقت قصير، خلعت عليه ألقاب علمية كبيرة واستقبله حاكم البلاد استقبالا حارا. وقد ظلت المراسلات تشير، حتى عشية وفاته وبعد نفيه من بلاده، إلى مكانته العالية وتأثيره في الأوساط العلمية والسياسية.
стр. 53
وعندما تقرر نفي ابن العنابي من الجزائر كتب خوجة (كان المفتي سيدي محمد العنابي رجلا نزيها وفاضلا ... كان يكتب دائما إلى كلوزيل يلومه على تصرفاته التي كانت تبدو له مخالفة لوثيقة الاستسلام) (٨١) وقد عرفنا أنه كان محل ثقة لبعض دايات الجزائر الذين كلفوه بسفارة للمغرب واستكتبوه لباي تونس، كما أصبح محل ثقة محمد على الذي عينه مفتي الحنفية بالإسكندرية (٨٢) وقد قال فيه عبد الحميد بك في تاريخه: (كان إماما فاضلا عارفا بالعبادات والأحكام في المذاهب الأربعة على اختلافها واختلاف أقوالها والراجح منها والضعيف فيها، وعالما في باقي المنقول والمعقول، والسياسات العمومية والخصوصية، الخارجية والداخلية).
وهكذا يتضح أن ابن العنابي كان شخصية مرموقة بين قومه في عصره. ويمكن تقسيم دوره إلى ديني وسياسي. فالدور الديني لعبه وهو يباشر وظيفة الإفتاء ويتصدر للتدريس ويمنح الإجازات لتلاميذه والمعجبين بعلمه. أما الدور السياسي فيتمثل في صلته بدايات الجزائر وفي موقفه من الاحتلال الفرنسي لبلاده وفي إشادته بدولة آل عثمان (سنعرف هذا منه) وتوليه وظيفة الإفتاء بمصر باعتباره عالما منفيا لأسباب سياسية.
ويضاف إلى ذلك دوره الفكري، وهو الذي يظهر فيما طرحه في كتابه (السعي المحمود) من آراء في الحضارة الغربية وضرورة أخذ المسلمين منها ما يرقيهم وينسجم مع شريعتهم. وإذا كنا قد تعرضنا إلى دوره الأول والثاني فقد بقي علينا أن ندرس دوره الثالث.
стр. 54
القسم الثاني: آثاره
أ - كتابه (السعي المحمود في نظام الجنود).
١ - نسخ الكتاب ودافع تأليفه.
٢ - تحليل محتوى الكتاب.
٣ - القسم الثاني من كتاب (السعي المحمود).
٤ - منهج ابن العنابي في الكتاب.
ب - آثاره الأخرى
١ - الفتاوى (الفتح القيومي الخ).
٢ - أجوبته على آداب مجلس قراءة القرآن.
٣ - (التحقيقات الإعجازية).
٤ - (صيانة الرياسة).
٥ - أخرى (علم التجويد الخ،).
стр. 55
أ - كتابه (السعي المحمود في نظام الجنود)
نسخ الكتاب ودافع تأليفه:
النسخة التي اعتمدنا عليها في هذه الدراسة تحمل عنوان (السعي المحمود في نظام الجنود). ولكن تعدد النسخ من هذا الكتاب جعل عنوانه يتغير قليلا من نسخة إلى أخرى. ونفس العنوان تحمله نسختا إسطانبول (١)، وكذلك نسخة محمد بن عبد الكريم (٢) أما بروكلمان فقد أورد كلمة (تأليف) بدل (نظام) (٣)، وسار الزركلي في (الأعلام) على نفس النمط (٤) وأورد عيسى إسكندر المعلوف أيضا كلمة (تأليف) بدل (نظام) نقلا عن نسخة الخزانة التيمورية (٥) ولكننا اطلعنا على نسخة في الخزانة التيمورية فإذا عنوان الكتاب فيها هكذا (السعي المحمود في تأليف العساكر والجنود) (٦) وانفردت المكتبة
стр. 56
البلدية بالإسكندرية إعطاء الكتاب عنوانا فيه تصرف كبير، فقد جاء في فهرسها أن لابن العنابي (رسالة في نظام العساكر الإسلامية) (٧) ويبدو أن هذا عنوان وضعه صاحب الفهرس، وليس العنوان الأصلي للكتاب. أما إبراهيم السقا، تلميذ المؤلف، ومختصر الكتاب فقد جعل عنوان مختصره هكذا (بلوغ المقصود مختصر السعي المحمود في تأليف العساكر والجنود) (٨)، وهذا العنوان لكتاب ابن العنابي ينسجم مع النسخة التيمورية التي اطلعنا عليها.
ويتبين مما سبق أن كتاب ابن العنابي قد تعددت نسخه وأنه سافر من مصر إلى اسطانبول. والغريب في الامر أننا لا نجد، حسب علمنا، نسخة منه في فهارس مخطوطات الجزائر. أما النسخة التي اعتمدنا عليها فهي نسخة سوهاج (مصر) المصورة لدى مكتبة معهد المخطوطات العربية بالجامعة العربية. وهي موجودة في قسم (فنون حربية وفروسية). أما في مكتبة سوهاج نفسها فالنسخة موضوعة في قسم (الأدب). ومقاسها ١٧ × ٢٣ سم، وخطها رقعي جيد. وهي من نسخ السيد محمد الشربيني وبدون تاريخ، وعدد صفحاتها ١٢٠ صفحة (٩) ولو كنا بصدد تحقيق هذه النسخة لقابلناها ببعض النسخ المشار إليها، ولكن هذا ليس من هدفنا الآن. ولذلك نكتفي منها بهذا التعريف القصير. وما دمنا قد اطلعنا على نسخة أخرى في المكتبة التيمورية فلنشر إلى أنها بخط رقعي جيد، ومنسوخة في جمادى الآخرة سنة ١٢٦٨ (١٨٥٢) أي سنة بعد وفاة المؤلف، ولا وجود فيها لاسم ناسخها، وتقع في ١٤٥ صفحة. وفيها أن المؤلف من علماء
стр. 57
القرن الثالث عشر وأن الكتاب (في فضل الجهاد وجواز تنظيم الجند على النظام الجديد) (١٠) والملاحظ أنها، بالرغم من نسخها سنة ١٢٦٨، فإن اسم المؤلف لا يقترن بعبارة (المرحوم).وبدلا من ذلك وردت معه عبارة (نفعنا الله ببركته). فهل معنى هذا أنه كان ما يزال عندئذ حيا؟
ولكن ما مكان وزمان تأليف هذا الكتاب؟ أما المكان فالغالب على الظن أنه القاهرة، لسببين:
الأول: أن اسم المؤلف في جميع النسخ يأتي مقرونا بعبارة (نزيل مصر القاهرة).
والثاني: أننا قد عرفنا أن ابن العنابي قد تصدر للتدريس في الأزهر وأجاز بعض العلماء في نفس التاريخ الذي ألف فيه الكتاب. ومعنى هذا أن المؤلف كتب كتابه في القاهرة أثناء إقامة بها دامت حوالي تسع سنوات. وأن ذلك كان قبل استيطانه الإسكندرية منفيا من الجزائر. وأما زمان تأليف الكتاب فمن المؤكد أنه سنة ١٢٤٢ (١٨٢٦) لأنه قد ضبط ذلك بنفسه بالحروف والأرقام. غير أن نسخة محمد بن عبد الكريم تضيف تاريخا محيرا (١١)، فقد جاء في صفحة العنوان بعد ذكر اسم المؤلف (نزيل مصر القاهرة الموجود سنة ١٢٤٥). فما معنى كلمة (موجود) هنا؟ هل تدل على كونه موجودا في القاهرة أو موجودا على قيد الحياة؟ ووجه الحيرة من هذا التاريخ هو أننا قد عرفنا أن ابن العنابي كان موجودا ضمن قائمة من تولى الإفتاء في الجزائر بعد سنة ١٢٤٤. فكيف نوفق بين وجوده في القاهرة، مثلا، ووجوده في الجزائر؟ الواقع أنه لا جواب لدينا الآن على هذه النقطة (*).
إن عقد العشرينات من القرن الماضي يمثل نقطة تحول في تاريخ الدولة
стр. 58
العثمانية. فبالإضافة إلى المسألة الشرقية القديمة هناك الحروب ضد روسيا، وثورة اليونان، والثورة الوهابية، وتهديد محمد علي، وضياع الجزائر ولكن القضية التي تمس خاصة موضوع كتاب ابن العنابي هي ذلك النزاع الطويل والخطير الذي كان بين السلطان محمود الثاني وفرقة الإنكشارية، وهو النزاع الذي انتهى بالقضاء نهائيا على هذه الفرقة سنة ١٨٢٦، وهى السنة التي ألف فيها ابن العنابي كتابه. وكان مصدر ذلك النزاع هو رغبة السلطان في إدخال النظم الأوربية الحديثة على جيشه بعد الهزائم التي مني بها على يد الروس خاصة، بينما كانت فرقة الانكشارية وأنصارها يعارضون ذلك أشد المعارضة بدعوى أنه مخالف للشريعة الإسلامية.
وإذا كان السلطان ما يزال عندئد يواجه هذه المعارضة في الأخذ بالنظم الأوربية فإن محمد علي كان قد تجاوز هذه المرحلة. وبدأت تظهر النتائج الإيجابية من تقليد الأوربيين في انتصاراته الخارجية وتقدم نظامه في الداخل. ومن ثمة وجد ابن العنابي الجو ملائما له في القاهرة ليكتب كتابه ويطرح أفكاره بحرية في قضية خطيرة عندئذ، كالتي تناولها في كتابه، وهي جواز، بل وجوب، تعلم الحضارة من الأوربيين (أو الكفار كما يسميهم). ولعل ذلك يفسر لنا انتقال نسختين من كتابه إلى عاصمة الدولة العثمانية التي كانت في حاجة إلى مثل رأيه، كما يفسر لنا تكليف محمد علي للسيد إبراهيم السقا باختصار (السعي المحمود) وجعله في متناول القراء، لأنه كتاب يساير الاتجاه الذي كان هو يعمل بمقتضاه.
وقد روى ابن العنابي في مقدمة كتابه هذه الظروف بشيء من الاختصار. فالأوروبيون، في رأيه، قد نظموا جندهم ليضروا بالإسلام وأهله. وأمام هذا الخطر الداهم أصبح من المحتم على المسلمين أن يتعلموا منهم ما اخترعوه من صنائع ونظم، لأن في ذلك مصلحة عليا للدين والأمة الإسلامية فقد قال (لما حدث في هذه الأعصار الآخرة، تطاول طغاة الأمم الكافرة، بترتيب أجنادهم على طريقة محكمة ابتدعوها، وتدريبهم على فنون حيل اخترعوها، قصد
стр. 59
المكيدة للإسلام وأهله، وسعيا في استباحة حماه وتمزيق شمله. عظم الخطب (١٢)، فدعت ضرورة الحال إلى استعلام ذلك من قبلهم، والتدرب على ما ألفوا من صنائعهم وحيلهم). وقد أشار ابن العنابي إلى أن الدولة العثمانية قد أخذت بهذا النظام الجديد، وهذا يدل على أن تأليفه كان قريب عهد بحادثة الإنكشارية. كما لمح إلى أن هذا النظام لم يكن مقبولا لدى الجميع، وأن هناك معارضة له من بعض رجال الدين وبعض الجنود المتمسكين بالنظام القديم، وحتى من بعض المتزمتين من شرائح المجتمع الأخرى. فقد قال في هذا المعنى (فرتبت العساكر الإسلامية على نحو من ذلك نظاما جديدا، وصدر به من جانب السلطة العليا، أدام الله تأييدها، وضيقت ملابس الجند، واختصرت، وفتنت ألوانها وقصرت، فاستكره ذلك أناس ..) (١٣).
أما الدافع الذي حمل ابن العنابي على وضع هذا الكتاب فالظاهر أنه إجابة أحد السائلين المستزيدين من آرائه في الموضوع. ذلك أن موضوع تجديد الجيش والأخذ بأسباب الحضارة. أو إذا شئت الخصام بين أنصار التقليد والتجديد، كان على أشده خلال عقد العشرينات، وكان حديث المجالس، ومدار الدروس، ولعله كان أيضا مصدر الهمس والنكتة. ومن ذلك ما جرى في أحد المجالس التي حضرها ابن العنابي في القاهرة وقد نطق أثناء ذلك بكلام جعل بعضهم يرسل إليه، بعد افتراق المجلس، طالبا منه كتابة رسالة في الموضوع. وهذا نص كلامه في عبارات مسجعة ثقيلة (وقد جرى بيني وبين أفاضل الإخوان، في مجمع أنس جاد به الزمان، كلام علق منه بباله، فوجه إلي خطابه بكتابة جواب على منواله، فلزمني أن أسعفه بما رام، وأزيده بسطا يناسب المقام، فأقول في جوابه، متلذذا بتجديد خطابه) (١٤).
ولكن هذا دافع تقليدي لتأليف الكتاب، فالمؤلفون كثيرا ما يخلقون
стр. 60
شخصا يطلب منهم أو يحثهم على وضع كتاب في الموضوع الذي اختاروه. فهل كان بطل ابن العنابي حقيقيا أو تصوريا؟ وإذا كان حقيقيا فمن يكون يا ترى؟ هل هو من أصحاب محمد علي نفسه الذي أمر فيما بعد، كما عرفنا، إبراهيم السقا، باختصار الكتاب؟ وإذا كان تصوريا فهل كان اقتناع ابن العنابي شخصيا بفكرة تجديد الجيش وتقليد الحضارة الأوربية اقتناعا كاملا جعله يقدم على هذا العمل تلقاتيا ليدعو إلى مذهب التجديد الذي آمن بفوائده على دينه وقومه؟ ومهما يكن بطل ابن العنابي، حقيقيا أو تصوريا، فإن إقدام المؤلف على هذا العمل يخدم أنصار التجديد عندئذ، وفيهم السلطان محمود الثاني ومحمد علي والي مصر، كما يخدم نزعة شخصية واضحة لدى ابن العنابي.
ذلك أن ابن العنابي لم يكن شخصية بسيطة ولا ضيق الأفق. فقد عرفنا أنه من أسرة توارثت القضاء والإفتاء، وكانت قريبة من مقاليد السلطة وذوي النفوذ في البلاد. وكان هو شخصا قد تولى، إلى جانب وظائفه الدينية، بعض المهمات السياسية. وكان قد شاهد أسطول بلاده يتحطم أمام الغزو الإنكليزي- الهولاندي، وأمام الأسطول الأمريكي في فترة قصيرة، ولاحظ مدى الصراع على السلطة لدى (الوجق) أو الإنكشارية في الجزائر. وقد تجول في البلاد الإسلامية فرأى ما عليه حال جيش المغرب الاقصى، وما عليه حال جيش مصر بقيادة إبراهيم باشا، وسمع عن انتصارات الأوربيين على إنكشارية الدولة العثمانية، وعاش في زمن شهد الحروب النابوليونية ومؤتمر فيينا. فهل نستغرب منه بعد ذلك أن يكتب (السعي المحمود) داعيا فيه إلى تجديد الجيوش الإسلامية والاستعداد للجهاد الحق على غرار ما كان عليه الجهاد زمن الانتصارات الباهرة؟ وهل نستغرب منه أيضا تأييده لحججه بالآيات والأحاديث وآراء المجتهدين من أئمة الإسلام الأوائل ليبرهن على أن دعوته نابعة من الكتاب والسنة والسلف وأنها في صميم التقاليد الإسلامية؟ ومما يلفت النظر أن ابن العنابي يرى أن ما جاء به الأوربيون من جديد في نظام الجيش تتلازم فيه الفكرة العسكرية والسياسية للارتباط الوثيق بينهما، لأنه لا جيش بدون حكم ولا حكم بدون جيش. وقد جاء في نص كلامه ما يلي (اعلم أولا أنه قد عرف أن ترتيب
стр. 61
نظام الجند على الوجه الذي ابتدعه الكفرة يحصره أمران؛ أحدهما أمور حربية، والثاني أمور سياسية).
واعتبارا لهذه الفكرة قسم ابن العنابي كتابه إلى قسمين رئيسيين، أطلق على كل منهما عبارة (مقصد)، وهما: المقصد الأول في الأمور الحربية، والمقصد الثاني في الأمور السياسية. وفي نهاية الكتاب جاء بخاتمة طرح فيها ما لم يذكره في المقصدين من أفكار. والمقصد الأول هو أساس الكتاب، فكرة وحجما. أما الأفكار فسنتعرض إليها، وأما الحجم فقد خصص له ٩٧ صفحة من مجموع ١٢٠ صفحة. وبينما قسم هذا المقصد إلى ستة عشر فصلا، اكتفى في المقصد الثاني بإيراد أفكاره دون منهج. مهملا استعمال الفصول. وهذه الخطة تنسجم تماما مع عنوان الكتاب الذي يجعله خاصا بنظام الجند، أي بالأمور الحربية. وإذا كان هذا صحيحا فإن اشتمال الكتاب على قسم خاص بالأمور السياسية يصبح خارجا عن الموضوع. غير أننا سنعرف لماذا جاء المؤلف بهذا القسم في آخر الكتاب.
ولنذكر الآن عناوين الفصول الواردة ضمن المقصد الأول (الأمور الحربية)، ثم نعود إليها بشيء من التفصيل وقد فضلنا وضع رقم إزاء كل فصل ليعرف القارىء حجم كل فصل من الكتاب:
الفصل: ....................................................... الصفحة
الفصل الأول: في اتخاذ الجند وتجنيده ........................... ١٢
الفصل الثاني: في تريب الجند ................................... ١٨
الفصل الثالث: في تصنيف الجند ................................ ٢٢
الفصل الرابع: في ضبط عدد الجند .............................. ٢٤
الفصل الخامس: في قواد الجند وعرفائه قواد الجيش ............... ٢٦
الفصل السادس: في تسويم الجند ................................ ٢٨
الفصل السابع: في تضييق ملابس الجند ......................... ٣٠
الفصل الثامن: في تعيين مواقف الجند وتخصيص عملهم .......... ٣٦
стр. 62
الفصل التاشع: في عقد الألوية والرايات وما يتعلق بها ................................. ٤١
الفصل العاشر: في التدريب على الأعمال الحربية ..................................... ٤٦
الفصل الحادي عشر: في الحصون والخنادق والأسلحة وعدة الرمي ..................... ٦٧
الفصل الثاني عشر: في حيل الحرب ................................................ ٧١
الفصل الثالث عشر: في الحزم ...................................................... ٧٦
الفصل الرابع عشر: في رحمة الضعفاء وإجراء العدل وبذل الحقوق لمستحقيها .......... ٩٠
الفصل الخامس عشر: في اجتماع الكلمة والاتفاق .................................... ٩٥
الفصل السادس عشر: في جواز تعلم العلوم الآلية من الكفرة ........................... ٩٦
وبعد هذه الفصول يأتي المقصد الثاني (الأمور السياسة) وهو من صفحة ٩٩ إلى صفحة ١١١. أما باقي الصفحات فهو للخاتمة. وقد أعطى المؤلف شبه عنوان للخاتمة أيضا فقال أنها (في أمور شتى من أسباب النصر والقوة).
تحليل محتوى الكتاب:
هذا هو الإطار العام أو الهيكل الذي بنى عليه ابن العنابي كتابه، فما محتواه؟ وما الأفكار التي بثها في ثناياه والتي كانت الدافع الحقيقي على تأليفه؟ إننا نعتقد أن ابن العنابي قد وضع أفكاره الأساسية في أمكنة ثلاثة من الكتاب. الأول في مقدمة المقصد الأول (الأمور الحربية)، والثاني في الفصل الرابع عشر الذي أشاد فيه بدور آل عثمان في التاريخ، وامتدح رجالهم المعاصرين، ونصح القائمين منهم من مغبة التهاون والاستبداد. والثالث في الفصل الأخير (جواز تعلم العلوم الآلية من الكفرة). أما بقية عناصر الكتاب فموضحة أو مكملة لهذه الأفكار الأساسية.
وقد عرف ابن العنابي الأمور الحربية بأنها كل قوة مادية أو معنوية لردع الأعداء والحط من شأنهم. واعتبر كل ذلك أمرا شرعيا. ومما جاء من كلامه في هذا المعنى قوله (نعني بها كل ما أنتج قوة محسوسة أو معقولة على دفاع الأعداء
стр. 63
وإرهابهم وإغاضة نفوسهم وإتعابهم. فكل هذه المعاني أمور شرعية، لأن فيها إذلال الكفرة وعز الإسلام، وأنه المقصود الأعظم من شرعية الجهاد). فالمؤلف هنا لا يكتفي بتقرير الحقيقة ولكنه يجتهد فيربط بين القوة ونصرة الدين وحكمة الجهاد. ثم توسع في هذا المعنى وأضاف إليه فكرته عن النظام العسكري الجديد. ولخصه في أن كل ما يفيد المسلمين ويرفع من شأن الدين فهو شرعي، ولو جاء من الأروبيين، ولو كان مبتدعا منهم غير معروف لأهل الإسلام. ونورد هنا عبارته، رغم ما فيها من حشو، إذ أن آخرها هو خبر بدايتها المفصولة بكلام طويل.
(فكل ما يفيد منفعة لها تعلق بإعزاز الدين ورفعة أهله، مما اشتمل عليه النظام المستجد للكفرة من ترتيب العساكر، وتصنيفهم، وحصر أعدادهم، وتعديد قوادهم، وعرفائهم، ولتسوية أصنافهم وكبرائهم، بخصوص لباس أو علامة، وتضيق ملابسهم، وتقصيرها، وتعيين مواقفهم وعملهم، وتخصيص كل فريق براية أو لواء، ثم تدريبهم على عمل الحرب لتعليمهم كيفية الرمي والطعن والضرب، وغير ذلك مما يقتضيه أمر الحرب من تصنيف وإغارة، واجتماع وافتراق، وإقدام وإحجام، وكر وفر، وركوب، ونزول، وظهور وكمون، وتحريض وتثبيت، ورفع صوت وخفضه، ورد منهزم، وحراسة، وغير ذلك مما قد تدعو اليه الحاجة فهو أمر مشروع) (١٥).
وكأن ابن العنابي كان يجيب بالحديث التالي سائله ويوضح له أسس الفكرة التي يدعو إليها. فهو يخاطبه بقوله إن الأروبيين إذا اخترعوا عتادا حربيا جديدا قد يضر بالمسلمين فما على هؤلاء إلا أن يتعلموه ويحذقوه، بل عليهم أن يسبقوا في ذلك أصحاب الاختراع أنفسهم. وإذا اقتضى الأمر عدم تعلم ذلك الاختراع إلا منهم وجب على المسلمين أن يتعلموه منهم ما دام ذلك في قدرتهم، لأنه لا يعقل أن يواجه المسلمون هذا الاختراع الجديد الفتاك بأسلحة بالية غير فعالة. فالتمسك بالتقاليد القديمة في هذا المجال يلحق بالمسلمين
стр. 64
الهزيمة والهوان، وهو أمر ضد الدين وضد الرجولة. وتطوير هذه الفكرة عند ابن العنابي، على النحو الذي سبق، يتماشى تماما مع ما كان يأخذ به محمد علي والي مصر. فقد كان لا يكتفي بتقليد الأروبيين فيما اخترعوه بل كان يأتي بهم ليعلموه إلى المسلمين أو يبعث بهؤلاء إليهم في مواطنهم. فابن العنابي في الواقع كان يبارك هذه السياسة من محمد علي ويقنع الناس بها. فكتابه إذن من كتب الدعاية، إذا صح هذا التعبير. وإذا عرفنا أنه أيضا كان يشيد بالخطوات التي قطعتها الدولة العثمانية بهذا الصدد عرفنا أنه كان يبارك أيضا اتجاهها نحو التجديد. وها نحن نورد نص عبارته في ذلك المعنى ملاحظين أنه، خلافا لبعض النصوص السابقة، لم يستعمل فيها السجع، ولكنه احتفظ فيها بالجملة الطويلة المعقدة، ولا سيما الجملة الأخيرة من الفقرة:
(. وإنهم (يعني الكفار - الأروبيين) إذا ابتدعوا من أدوات الحرب وصنائعه أمرا له موقع لا نؤمن من استطالتهم به علينا، لزمنا بذل الوسع في تعلمه وإعداده لهم والاجتهاد في مجاوزتهم فيه. وإنه إذا لم يكن استعلام ذلك إلا من قبلهم، وجب استعلامه منهم لأنه مستطاع لنا. وإنهم إذا أعدوا لنا صواعق البارود فأعددنا لهم القصى والمنجنيق، اللذين صارا اليوم كالشريعة المنسوخة، أو اقتصرنا على السيوف والبندقيات، أو شمروا لنا الثياب فأعددنا للقائهم الثياب المجررة والأكام المطولة، والعمائم المكبرة لم نخرج عن عهدة الأمر، ولزمنا الإثم والعار، فلا غرض الشارع حصلنا ولا سبيل الرجولية سلكنا) (١٦).
ونحب أن يتأمل القارىء في هذه المقابلات والصور التي يجريها ابن العنابي في كلامه. فصواعق البارود تقابلها القصى والمنجنيق، والتشمير على الثياب تقابلها الثياب المجررة، والعمائم المكبرة والأكمام المطولة. وصورة اتباع الشرع تقابلها البوء بالإثم، وصورة الرجولة يقابلها العار. وهكذا. كما أن عبارة (الاجتهاد في مجاوزتهم فيه) تبرهن على أن المؤلف لا يدعو إلى التقليد فقط ولكن إلى القوة والتفوق. واعتباره الأسلحة القديمة (القصى والمنجنيق).
стр. 65
(كالشريعة المنسوخة) يعبر عن صورة في نفسه من جهة وعن ثقافته الدينية من جهة أخرى. فالمؤلف يجمع في هذا النص بين الدعوة إلى الأخذ بأسباب الحضارة الأروبية، والحث على التفوق واليقظة والاجتهاد، والعتاب على التمسك بالأمور البالية التي تخالف الشريعة والرجولة معا.
ولكي يقنع المتزمتين من قومه، المدعين في بقائهم على ما هم عليه بالتمسك بالدين، قال ابن العنابي إن ما تقدم من كلامه يدل على إعجاز القرآن وأنه تعالى ما فرط في الكتاب من شيء. ذلك أن كل ما جاء به من أفكار حول أسباب القوة والتفرق له (شواهد. من الكتاب والسنة). وعلى هذا الأساس بنى كتابه، لأنه، كما لاحظنا، يطرح الفكرة ثم يحشد لها من الشواهد القرآنية والأحاديث النبوية ما تصير معه مقنعة، في نظره، للمتزمتين والمترددين من قضية التجديد وتقليد الأجانب والتعلم منهم.
...
وطريقة ابن العنابي في الفصول التي ذكرناها بسيطة وواضحة. فهو يبدأ بتعريف الفكرة التي حملها عنوان الفصل، ثم يروي لنا ما جادت به حافظته ونقوله من الشواهد والأمثال، وحتى الأشعار أحيانا، ومن المواقف والتجارب السابقة للنبي (ص) والصحابة والخلفاء والقواد الكبار. وإذا أراد هو أن يتدخل في الموضوع برأي فإنه بستعمل له عبارة (قلت كذا) أو (قلت وهو الأوجه عندي) ترجيحا لرأي دون آخر. وهو ينقل كثيرا عن المؤلفين السابقين حول الموضوع كالطبراني والطرطوشي والغزالي. وينقل أيضا عن جده الأعلى كما سبق أن أشرنا، وعن ابن عبد الحكم والوزير السراج (صاحب الحلل السندسية في الأخبار التونسية)، وحسين خوجة (صاحب بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان)، وغيرهم.
فقد عرف تجنيد الجند (١٧) بأنه جمع الأعوان والأنصار لحماية الإسلام
стр. 66
وجهاد الكفار وإرهابهم، مستدلا على ذلك بحديث البيعة مع الأنصار، وتحدث عن واجب الإمام في مثل هذه الأحوال، وعن الجهاد الواجب والمستحب. وعرف ترتيب الجند (١٨) بأنه (تنزيل كل منهم في خصوص مرتبة تليق به بحسب ما له من خصال) وهذا هو معنى الجدارة والاستحقاق في نظم اليوم، فالتفضيل هنا بحسب الكفاءة لا بحسب المال أو الجاه. ومما تجدر ملاحظته بهذا الصدد أنه قال إن هذا التصتيف يطابق الآية الكريمة ﴿يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات﴾، مفسرا العلم هنا بأنه جنس العلم (الشامل لكل علم شرعي وكل علم له ثمرة تتعلق بإقامة أمر شرعي). وهذا طبعا اجتهاد منه قصد به تأييد رأيه في جواز تعلم العلوم من الأجانب إذا كان فيها منفعة للإسلام وأهله. وقد أضاف بأن العالم بفنون الحرب يستوي مع العالم بأمور الشرع. بل إنه اعتبر العلم بفنون الحرب من العلوم الشرعية، قائلا (فمن العلوم الشرعية العلم بكيفية الحرب، وعلمه وتدبير أمره. وتصريف حيله بهذه المثابة (أي من العلوم الشرعية) إذ لا تكاد تتم إقامة الجهاد المفروض إلا به. فالعالم به مندرج في عموم علماء الشرع) (١٩) ويشترط في الجندي أن يكون شجاعا، ولكن غير متهور، لأن الشجاعة فضيلة ترشح صاحبها لقيادة الجنود، أما التهور، وهو الخروج عن حد الشجاعة، فمذموم ولا يصلح المتصف به لرياسة الجند (إذ ربما غرر بهم فألقى بهم إلى التهلكة) (٢٠). وبعد توفر الشجاعة يصنف الجند، في نظر المؤلف، على حسب الفضيلة والغنى. وقد عمم هذه القضية فقال إنه (ينبغي أن يراعى ذلك (أيضا) في تدوين الدواوين وتوفر العطايا) معتمدا في ذلك على سيرة الخليفة عمر بن الخطاب.
وعندما تحدث عن تصنيف الجند (٢١) أورد كلاما يعتبر اليوم، وفي عصر القوميات، محل نظر. فقد قال بأن تصنيف الجند يعني جعل كل صنف منهم
стр. 67
على حدة، اقتداء بسيرة الرسول الذي صنف جيشه (أصنافا مصنفة، كل قبيلة متميزة عن غيرها). وإلى هنا يمكن أخذ كلام المؤلف على أنه رواية تاريخية قابلة للمناقشة. ولكنه يتدخل في الأمر مرجحا هذه الطريقة في الربع الأول من القرن التاسع عشر، الذي كانت فيه الشعوب الأروبية خاصة تعلن عن نهاية عصر القبيلة والإقطاع وإقامة كيانات على أساس (القومية) التي تذوب فيها جميع عناصر شعب من الشعوب، ولا سيما إذا كان الأمر يتعلق بخطر خارجى يحدق بهذه القومية. ومما يلفت النظر أن ابن العنابي يقيم دعوته هذه على التجربة الشخصية، قائلا (وذلك (أي التصنيف حسب القبيلة) ما لا يخفى على من جرب). ولكن إذا تذكرنا الظرف الذي كان يكتب قيه ابن العنابي، ووضع العالم الإسلامي عندئذ، وشيوع الإقطاع والقبيلة وما إليها، عذرناه فيما ذهب إليه. وفى تدخله الشخصي في هذا الموضوع قال (وهذا (يعني التصنيف حسب القبيلة) ما يقتضيه حسن السياسة في تدبير أمر الجند، تحرزا من الاختلاف وافتراق الكلمة، لما في خلط الفرق المختلفة من تعريضهم لثورات الفتنة بينهم، وبسبب اختلاف طباعهم وميل كل فريق لمن انتسب إليه بمقتضى الطبع البشري، وإفراد بعضهم عن بعض أدعى للألفة وحسن العشرة، لأن بناهما على اتحاد الطبع وتقاربه، ولاتحاد الوطن والحال أثر عظيم في ذلك. وذلك ما لا يخفى على من جرب) (٢٢).
ويسير على نفس النسق في ضبط عدد الجند وقواده وتسويمه (٢٣)، ولكنه يختصر الكلام اختصارا، ولا يكاد يأتي حول هذه الموضوعات بجديد. وقد رتب عدد الجند على نماذج من غزوتي أحد وبدر، ناقلا للحديث الشريف (خير الصحابة أربعة، وخير الرايات أربعمائة، وخير الجيوش أربعة آلاف، ولا يهزم اثنى عشر ألفا من قلة). وقد تحدث عن الطاقة واتفاق الكلمة في الجيش باعتبارهما شرطا لمواصلة الجهاد. ويكتفي في كل ذلك بالنقول ولا نكاد ظفر له
стр. 68
برأي شخصي. أما قائد الجند فقد عرفه بأمير اللواء الذي تنقاد إليه الجيوش، وعرف العريف بالنقيب، وبين أن السيرة النبوية واضحة في أن الروايات والألوية لا يحملها إلا المتقدم على القوم. وأضاف بأن (النظام المستحدث) يرتب الجند على المئين والعشرات ويدخل في ذلك تسويم الجند بمعنى وضع العلامات، ناقلا عن جده في تفسيره أن التسويم من المسومة وهي العلامة التي توضع على الشاة وغيرها. وكذلك الشعار أو العلامة أيضا. والمرد به هو أن يختار إمام المسلمين كلمة أو عبارة ترمز إلى الانتصار على العدو وتفاؤلا وفي كل هذه الأمور يورد المؤلف الآيات والأحاديث والمواقف، ولكنه يقف عندها ولا يظهر هو فيها برأي أو تعليق.
ومن القضايا التي تحدث عنها في بداية الكتاب ثم خصها بفصل متوسط (٢٤) حديثه عن لباس الجند. ورأيه في ذلك معتمد على السيرة النبوية والصحابة الذين قال عنهم إنهم كانوا يضيقون اللباس في وقت الحرب. وقد قيد ضيق اللباس بهدف المنفعة كالخدعة أو دفع البرد وليس التشبه بالأعداء. ومن الجدير بالذكر هنا هو أنه قال إن (الكفار) هم الذين كانوا يجررون الثياب. وقد قال بأن (الأفضل أن يكون منتهى طول الثياب إلى نصف الساق، وأن الزيادة على ذلك منتهى الكعب مرخص فيها من غير تضييق ولا تأثيم، وأن ما أسفل الكعبين غير مرخص فيه بل متوعد عليه بالنار). وقد اعتمد في بعض أخبار هذا الفصل على رأي جده المذكور. كما اعتمد عليه في حديثه عن تعيين مواقف الجند (٢٥) ولا تكاد شخصية ابن العنابي تظهر هنا أيضا، فالفصل كله عبارة عن مستخرجات من حافظته، مع الإشارة إلى النهي عن تزحزح الجندي من مكانه واستعجاله الغنيمة قبل الانتهاء من المهمة المسندة إليه. ونفس الشيء تقريبا اتبعه في عقد الألوية والرايات (٢٦) فقد اكتفى بتعريف اللواء بأنه علم صغير بخلاف الراية التي هي علم أكبر من اللواء وأصغر من البندق أو البيذق). وتمشيا
стр. 69
مع هذا الاتجاه نقل عن السيدة عائشة أن لواء الرسول كان، يوم الفتح، أبيض وأن رايته كانت سوداء وتدعى (العقاب). ولاحظ وجوب إيثار قواد الجيوش بالراية أو العلم الأكبر إظهارا للتواضع حسب تعبيره.
ويبدو أن شخصية المؤلف تظهر تدريجيا في كتابه، وخاصة في حديثه عن التدريب على الأعمال الحربية، وعن الحصون والخنادق والأسلحة، وعن حيل الحرب (٢٧) وقد عرف التدريب على أنه من الدربة (بالضم) وهو (تعليم صناعة الحرب التي هي علم بكيفية أعماله، مع مباشرتها، لتحصيل ملكته التي هي كيفية نفسانية تصدر عنها أفعاله الاختيارية من غير روية)، وهو تعريف معقد مؤداه أن الجندي يتدرب على فنون الحرب باستعمال أدواتها وخوضها عمليا حتى يصبح قادرا عليها تلقائيا. وآلات الحرب التي ذكرها كثيرة، منها المنجنيق والحراب والمصارعة. والغريب أنه لم يستعمل أسماء حديثة لهذه الآلات، سيما وقد عرفنا أنه يدعو إلى التجديد، وأنه اعتبر المنجنيق (كالشريعة المنسوخة). وقد سبق له أن ذكر في المقدمة عبارة (صواعق البارود) في مقابلة الآلات المذكورة. وعدد بعد ذلك جملة من الأمور التي على الجندي التدرب عليها، وإذا شئت بلغة اليوم ذكر برنامج التدريب العملى والنظري للجندي، مثل الاجتماع والافتراق، والإقدام والإحجام، والكر والفر، والظهور والنزول، والتجلد للأعداء، والتثبيت والتحريض، ورفع الصوت وخفضه، والحراسة، وركوب البحر، وغير ذلك. ويتصل بهذا إقامة الحصون وحفر الخنادق والاحتساب فيها. وقد أورد هنا رأيا شخصيا له عبر عنه بقوله (قلت ومن فرط فيها (الخنادق) استهوانا لأمر عدوه، واغترارا بكثرة جنده، فقد مكن عدوه من تبييته، وعرض نفسه للهزيمة والمعرة) (٢٨) وأما حيل الحرب فهو يعني بها زرع الجواسيس في صفوف العدو، وتحطيم معنويات العدو بمنح الهدايا لقواده، ودس الكتب على ألسنتهم، واستعمال الخدعة. وقد أورد بهذه المناسبة قصة طويلة من حروب الأندلس.
стр. 70
وفي حديثه عن الحزم (٢٩)، يقترب المؤلف من عصره رواية ورأيا. فقد عرف الحزم بأنه ضبط الرجل أمرم وأخذه بالثقة والمشاورة، لأن الرأي هو أساس الانطلاق نحو النجاح، ولذلك جاء ببيت المتنبي المشهور:
الرأي قبل شجاعة الشجعان ... هو أولا وهي المحل الثاني
كما جاء بخبر عن المؤرخ ابن عبد الحكم خاصا بفتح الإسكندرية. وحول المشاورة وأهميتها نقل قصة طويلة عن فتح الأندلس أيضا على يد طارق ابن زياد، ونقل قصة أخرى في نفس المعنى عن حرب الأحباش والفرس من كتاب (الحلل السندسية في الأخبار التونسية) للوزير السراج. وختم ذلك بقوله (فانظر ماذا يتأتي على الملوك إذا عرفوا في الحروب من الحيلة. بالمكيدة). أما من كتاب (بشائر أهل الإيمان بفتوحات آل عثمان) لحسين خوجة فقد جاء بقصة السلطان العثماني، مراد الأول الذي أهمل الحزم فقتله عدوه الجريح خدعة. ولنلاحظ أنه لم يشر بشيء إلى وقائع الحملة الفرنسية على مصر، رغم حداثة عهدها، فهل كان لميول محمد علي نحو فرنسا أثر في ذلك؟ كما أنه لم يستشهد بحوادث معاصرة له في الجزائر.
ولكن ابن العنابي يدخل عصره حقا في تناوله رحمة الضعفاء وإجراء العدل وبذل الحقوق لمستحقيها (٣٠) والواقع أن زجه بهذا الموضوع (السياسي) وسط حديثه عن (الأمور الحربية) قد جعله وكأنه هو المقصود بالذات من الكتاب كله، رغم نشازه. فهو فصل معقود لتمجيد آل عثمان وتفضيلهم على غيرهم، وإظهار دورهم في التاريخ، ثم تحذير المعاصرين منهم من الظلم والاستبداد والانحراف عن سيرة أجدادهم. ولذلك مهد لهذه المعاني بقوله (إن قسوة القلب على الضعفاء، والجور في الأحكام الشرعية، ومنع الحقوق من مستحقيها، والإيثار بها لمن لا يستحق، من أسباب خراب الملك وزوال الدولة). ويظهر ابن العنابي مؤرخا وناقدا سياسيا وواعظا عند تناوله لتدهور واضمحلال الدولة
стр. 71
العباسية لقسوة حكامها وجورهم ومنعهم الحقوق من أهلها وتقديمهم لها من لا يستحقها. وكان ذلك، في رأيه، في أخريات تلك الدولة حينما منح حكامها (الأموال العظيمة للمغنين والشعراء وأهل اللعب والبطالة، وأهملوا الرعية، وركنوا إلى اللذات وإشباع الشهوات، كما يعلم ذلك من سيرهم في الكتب المطلولة) (٣١).
وهذا درس قاس لسلاطين آل عثمان أيضا ساقه المؤلف إليهم بطريقة غير مباشرة. ذلك أن عاقبة العباسيين في اتباعهم تلك السيرة كانت زوال ملكهم بعصيان الممالك الإسلامية في أطراف الدولة، ثم تسلط عليهم التتار فأبادوا ملكهم ومحوا اسمهم من الوجود، فضعف شأن البلاد الإسلامية، ولا سيما الجزء المشرقي منها. فمن أنقذ الإسلام إذن من كبوته وأقاله من عثرته؟ إنهم العثمانيون طبعا، إذ لولاهم لكانت العاقبة سوءا. فهم الذين وردت فيهم الأحاديث النبوية، وتم على أيديهم النصر بفتح القسطنطينية، وهم القائمون اليوم (زمن المؤلف) على النهوض بهذه الدولة. فعلى هؤلاء الأعقاب أن يكونوا خير خلف لخير سلف. هذه هي الأفكار الرئيسية التي أوردها ابن العنابي في هذا الفصل.
وعلينا الآن أن نأتي على نصوص منه. فقد قال عن أهمية الدولة العثمانية، بعد وصفه لسقوط الدولة العباسية، ما يلي: (ولولا ظهور الدولة العثمانية - أعلى الله مقامها، ورفع بالتأييد والنصر أعلامها - فجدد القائمون بأعبائها معالم الدين، وأحيوا ما اندرس من شريعة سيد المرسلين، لاتسع الخرق، وعم الفساد سائر الخلق). فالمؤلف إذن صريح في عواطفه العثمانية، ولا غرابة في ذلك فهو منحدر من أسرة تركمانية (٣٢)، خدمت العثمانيين في الجزائر زمنا طويلا. ولذلك نقل الحديث الشريف الذي يقول (لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)،، مؤكدا على أنه
стр. 72
حديث صحيح الإسناد. وقد علق عليه بقوله (ففي هذا الحديث الكريم منقبة عظيمة ومأثرة جسيمة لآل عثمان اختصوا بها من بين سائر ملوك الإسلام). ولكي تتم الصورة التي وضعها ابن العنابي لآل عثمان اعتبر محاولات الأمويين والعباسيين (العرب) لفتح القسطنطينية مجرد مناوشات. أما الفتح الحقيقي لها فهو الذي تم على أيدي آل عثمان. فالمقصود إذن من كلمة (أمير) المبشر به في الحديث هو (أبو الفتوحات محمد) (محمد الفاتح) وأنها بعد ذلك تعم كل خلفائه سلاطين (أمراء) آل عثمان.
ولا نعتقد أن ابن العنابي أتى بجديد حول هذه النقطة، لأن الموضوع قد أخذ به كل المؤيدين للدولة العثانية خوفا أو طمعا أو اقتناعا، ولكن الجديد في الموضوع هو انتماء ابن العنابي إلى هذه الطائفة والأخذ برأيهم. ولعل ابن العنابي يفترق على هؤلاء في توجيهه النصح إلى القائمين عندئذ على شؤون هذه الدولة بأن يكونوا أقوياء وأن يراعوا حرمة وحق الرعية وأن يسيروا على هدى الصالحين من سلفهم، لأن ذلك هو سر وجودهم وسر بقائهم أيضا. وهذه عبارته (فعلى القائم منهم (٣٣) أن يعرف بحق رتبة شرفه فيجري عش طريقة الأكرمين من سلفه، فإن بذلك سعادة الدنيا والآخرة) (٣٤) ولا شك أن هذا من المؤلف موقف سليم، فهو يظهر النواحي الإيجابية لهذه الدولة ورجالها ويحذر من النواحي السلبية التي قد يكون فيها خرابها ونهايتهم كما كانت الدولة العباسية وخلفاؤها. ولذلك أيضا نصح باتباع الرحمة، وتوفير العدل، ومراعاة حقوق الضعفاء. ولأمر ما أورد بعد ذلك مباشرة حديثه عن اجتماع الكلمة والاتفاق (٣٥)، مكتفيا فيه بتفسير قوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ ناقلا في ذلك عن غيره، دون أن يكون له أي أثر أو رأي.
أما الموضوع الرئيسي الثالث والأخير فقد خصصه للحديث عن (جواز
стр. 73
تعلم العلوم الآلية من الكفرة، (٣٦) والعنوان، أو إذا شئت، الفتوى واضحة. ولكن ابن العنابي تدرج في إصدار رأيه. فهو لم يجد آية أو حديثا صريحا عن جواز تعلم العلوم الآلية من الأوربيين، ولذلك راح يبحث في نصوص أخرى يمكنه بعدها أن (يقيس) عليها. فقد جاء أولا بأحاديث عن جواز تعلم اللغات من غير المسلمين، مثل حديث تعلم السريانية الموجه لزيد بن ثابت، لأن كتبا كانت تأتي للرسول بها، فتعلمها الصحابي في سبعة عشر يوما، كما تعلم العبرية في نصف شهر. وقد استنتج ابن العنابي من ذلك جواز تعلم الكتابة أيضا من غير المسلمين، ودل ذلك الجواز غير المشروط، في نظره، على (جواز تعلم العلوم الآلية التي لها منفعة في أمر الدين من الكفار). ولا يتوقف الأمر عند تعلم اللغات والكتابة بها من غير المسلمين بل يتعداه إلى جواز تعلم كل معارفهم إذا توقف عليها أمر من أمور الدين، لأنه إذا جاز تعلم اللغة السريانية واللغة العبرية والكتابة بهما، (فغير ذلك من معارفهم الصناعية التي لها موقع في أمر الدين، كالذي نحن فيه، بالأولى). ومن هذه المعارف أيضا الطب والحساب اللذان يعتبران من علوم فلاسفة غير المسلمين، حسب تعبير ابن العنابي. وقد اعتبر شيوخ ابن العنابي هذين العلمين فرض كفاية على المسلمين. وهذه هي عبارته في ذلك (وعن هذا ونحوه (يعني المعارف الصناعية للكفار) عد جمع من مشائخنا وغيرهم، الحساب والطب في جملة العلوم المفروضة على سبيل الكفاية، مع أنهما من علوم كفار الفلاسفة) (٣٧).
القسم الثاني من كتاب (السعي المحمود):
ونصل الآن إلى القسم الثاني من الكتاب، وهو الخاص (بالأمور السياسية). وقد عرف المؤلف السياسة بأنها مصدر ساس الرعية يسوسها سياسة، إذا أمر فيها ونهى. فهي، بناء على هذا التعريف، سلطة الحكم وسلوك
стр. 74
الحاكم. وتطلق السياسة أيضا على حسن التدبير وجودة الرأي. ونقل عن بعضهم تعريفا آخر للسياسة يحصرها في القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال.
وإذا كان ابن العنابي يرى ضرورة تقليد غير المسلمين في الأمور الحربية والصناعية والعلوم العملية فإنه لا يرى ذلك بخصوص التشريع والعلوم السياسة، بل صرح بأن السياسة (العقلية) لغير المسلمين لا يحتاجها المسلمون، فهو يقول إن ما عليه (الكفرة من سياستهم العقلية فنحن في غنى عنه)، لأن للمسلمين الكتاب والسنة، وفيهما من التشريعات السماوية ما يغني عن قوانين الأروبيين الوضعية. وهذا الرأي للمؤلف يدل على أنه كان مطلعا على الاتجاه الليبرالي العقلاني الذي بدأ ينتشر في أروبا بعد الثورة الفرنسية. ومن الغريب أننا نجد ما عبر عنه ابن العنابي هنا شبيها بما عبر عنه مواطنه ومعاصره، حمدان خوجة، بعد أقل من عشر سنوات، حين قال وهو يحاجج الليبراليين الأروبيين أنهم لو اطلعوا على ما لدى المسلمين من قوانين وأحكام لغيروا موقفهم من الحضارة الإسلامية من جهة وغيروا من سياستهم الاستعمارية في الجزائر (٣٨) وعلى كل حال فإن رأي هذين المفكرين جدير بالدراسة والمقارنة، لأن كليهما يؤمن بضرورة التقدم والتجديد والأخذ عن أروبا نظامها العسكري واختراعها العلمي، ولكن ليس كذلك في التشريع والسلوك والسياسة.
وقد أوضح ابن العنابي بأن مبنى السياسة الشرعية ثلاثة أمور هي:
١ - اللين وترك الفضاضة، أو بعبارة أخرى تبصر الحاكم ومرونته وقدرته على خفض الجناح وكبح الغضب.
стр. 75
٢ - المشاورة، أو بتعبيرنا اليوم ديمقراطية الحكم وعدم الاستبداد بالرأي والتصرف.
٣ - عدم استعمال الولاة أو (الإطارات) إذا كانوا راغبين في الولاية أو (الوظيفة).
ورغم أن الحاكم ما هو إلا فرد من الأمة فإن المشورة ضرورية له لأن رأيه الفردي لا يستطيع أن ينفذ إلى كل الأغوار ولا أن يحيط بكل شيء. لذلك وجب عليه شرعا أن تكون له مجالس (استشارية) مع العلماء وأصحاب الرأي في الأمة. وقد أورد المؤلف آيات وأحاديث في الأمور الثلاثة السابقة. ومما جاء في الأمر الأخير أن رجلا جاء للرسول يطلب تعيينا فرد عليه الرسول (لا نستعمل على عملنا من طلبه)، وعلق ابن العنابي على ذلك بقوله أن الولايات أمانات، وطلب الأمانة دليل على الخيانة.
وربط المؤلف بين عدة أمور أخرى تعتبر من صميم نجاح الحكم وقوته. من ذلك أن نجاح أي حكم يتوقف على إجراء العدل بالدرجة الأولى، لأن الظلم مصدر خراب الدولة. وبين أهمية الجيش لقوة الدولة، وكذلك وفرة المال، وحرمة العلماء، وانتشار العمران، وقد أعطى أهمية خاصة لمكانة العلماء والجيش في الدولة. وحذر من مغبة التبذير والإسراف في صرف أموال الأمة وجمعها بطريقة الإكراه وأخذها ممن يعجز عن دفعها. ومما نقله عن بعضهم تأييدا لرأيه أن (الملك بناء والجند أساسه، فإذا قوي الأساس دام البناء وإذا ضعف الأساس انهار البناء. فلا سلطان إلا بجند، ولا جند إلا بمال، ولا مال إلا بجباية، ولا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل. فصار العدل أساسا لسائر الأساسات).
ومن مظاهر عدل الحكام (والمؤلف يستعمل عبارة السلطان) أن يقرب منه (حملة العلم الذين هم حفاظه ورعاته وفقهاؤه، وهم الأدلاء على الله، والقائمون بأمر الله، والحافظون لحدود الله، والناصحون لعباد الله). وعلى الحاكم كذلك أن يتفقد جيشه باستمرار ويتعهده، لأن الجيش أساس الملك وهو حامي (الدين والحريم). أما المال فهو (قوة السلطان وعمارة المملكة). وعلى الحاكم أن لا