← Тараджим

Тараджим · id 123661

رائد التجديد الإسلامي محمد بن العنابي

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (125 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

العباسية لقسوة حكامها وجورهم ومنعهم الحقوق من أهلها وتقديمهم لها من لا يستحقها. وكان ذلك، في رأيه، في أخريات تلك الدولة حينما منح حكامها (الأموال العظيمة للمغنين والشعراء وأهل اللعب والبطالة، وأهملوا الرعية، وركنوا إلى اللذات وإشباع الشهوات، كما يعلم ذلك من سيرهم في الكتب المطلولة) (٣١). وهذا درس قاس لسلاطين آل عثمان أيضا ساقه المؤلف إليهم بطريقة غير مباشرة. ذلك أن عاقبة العباسيين في اتباعهم تلك السيرة كانت زوال ملكهم بعصيان الممالك الإسلامية في أطراف الدولة، ثم تسلط عليهم التتار فأبادوا ملكهم ومحوا اسمهم من الوجود، فضعف شأن البلاد الإسلامية، ولا سيما الجزء المشرقي منها. فمن أنقذ الإسلام إذن من كبوته وأقاله من عثرته؟ إنهم العثمانيون طبعا، إذ لولاهم لكانت العاقبة سوءا. فهم الذين وردت فيهم الأحاديث النبوية، وتم على أيديهم النصر بفتح القسطنطينية، وهم القائمون اليوم (زمن المؤلف) على النهوض بهذه الدولة. فعلى هؤلاء الأعقاب أن يكونوا خير خلف لخير سلف. هذه هي الأفكار الرئيسية التي أوردها ابن العنابي في هذا الفصل. وعلينا الآن أن نأتي على نصوص منه. فقد قال عن أهمية الدولة العثمانية، بعد وصفه لسقوط الدولة العباسية، ما يلي: (ولولا ظهور الدولة العثمانية - أعلى الله مقامها، ورفع بالتأييد والنصر أعلامها - فجدد القائمون بأعبائها معالم الدين، وأحيوا ما اندرس من شريعة سيد المرسلين، لاتسع الخرق، وعم الفساد سائر الخلق). فالمؤلف إذن صريح في عواطفه العثمانية، ولا غرابة في ذلك فهو منحدر من أسرة تركمانية (٣٢)، خدمت العثمانيين في الجزائر زمنا طويلا. ولذلك نقل الحديث الشريف الذي يقول (لتفتحن القسطنطينية، ولنعم الأمير أميرها، ولنعم الجيش ذلك الجيش)،، مؤكدا على أنه

стр. 72

حديث صحيح الإسناد. وقد علق عليه بقوله (ففي هذا الحديث الكريم منقبة عظيمة ومأثرة جسيمة لآل عثمان اختصوا بها من بين سائر ملوك الإسلام). ولكي تتم الصورة التي وضعها ابن العنابي لآل عثمان اعتبر محاولات الأمويين والعباسيين (العرب) لفتح القسطنطينية مجرد مناوشات. أما الفتح الحقيقي لها فهو الذي تم على أيدي آل عثمان. فالمقصود إذن من كلمة (أمير) المبشر به في الحديث هو (أبو الفتوحات محمد) (محمد الفاتح) وأنها بعد ذلك تعم كل خلفائه سلاطين (أمراء) آل عثمان. ولا نعتقد أن ابن العنابي أتى بجديد حول هذه النقطة، لأن الموضوع قد أخذ به كل المؤيدين للدولة العثانية خوفا أو طمعا أو اقتناعا، ولكن الجديد في الموضوع هو انتماء ابن العنابي إلى هذه الطائفة والأخذ برأيهم. ولعل ابن العنابي يفترق على هؤلاء في توجيهه النصح إلى القائمين عندئذ على شؤون هذه الدولة بأن يكونوا أقوياء وأن يراعوا حرمة وحق الرعية وأن يسيروا على هدى الصالحين من سلفهم، لأن ذلك هو سر وجودهم وسر بقائهم أيضا. وهذه عبارته (فعلى القائم منهم (٣٣) أن يعرف بحق رتبة شرفه فيجري عش طريقة الأكرمين من سلفه، فإن بذلك سعادة الدنيا والآخرة) (٣٤) ولا شك أن هذا من المؤلف موقف سليم، فهو يظهر النواحي الإيجابية لهذه الدولة ورجالها ويحذر من النواحي السلبية التي قد يكون فيها خرابها ونهايتهم كما كانت الدولة العباسية وخلفاؤها. ولذلك أيضا نصح باتباع الرحمة، وتوفير العدل، ومراعاة حقوق الضعفاء. ولأمر ما أورد بعد ذلك مباشرة حديثه عن اجتماع الكلمة والاتفاق (٣٥)، مكتفيا فيه بتفسير قوله تعالى: ﴿ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم﴾ ناقلا في ذلك عن غيره، دون أن يكون له أي أثر أو رأي. أما الموضوع الرئيسي الثالث والأخير فقد خصصه للحديث عن (جواز

стр. 73

تعلم العلوم الآلية من الكفرة، (٣٦) والعنوان، أو إذا شئت، الفتوى واضحة. ولكن ابن العنابي تدرج في إصدار رأيه. فهو لم يجد آية أو حديثا صريحا عن جواز تعلم العلوم الآلية من الأوربيين، ولذلك راح يبحث في نصوص أخرى يمكنه بعدها أن (يقيس) عليها. فقد جاء أولا بأحاديث عن جواز تعلم اللغات من غير المسلمين، مثل حديث تعلم السريانية الموجه لزيد بن ثابت، لأن كتبا كانت تأتي للرسول بها، فتعلمها الصحابي في سبعة عشر يوما، كما تعلم العبرية في نصف شهر. وقد استنتج ابن العنابي من ذلك جواز تعلم الكتابة أيضا من غير المسلمين، ودل ذلك الجواز غير المشروط، في نظره، على (جواز تعلم العلوم الآلية التي لها منفعة في أمر الدين من الكفار). ولا يتوقف الأمر عند تعلم اللغات والكتابة بها من غير المسلمين بل يتعداه إلى جواز تعلم كل معارفهم إذا توقف عليها أمر من أمور الدين، لأنه إذا جاز تعلم اللغة السريانية واللغة العبرية والكتابة بهما، (فغير ذلك من معارفهم الصناعية التي لها موقع في أمر الدين، كالذي نحن فيه، بالأولى). ومن هذه المعارف أيضا الطب والحساب اللذان يعتبران من علوم فلاسفة غير المسلمين، حسب تعبير ابن العنابي. وقد اعتبر شيوخ ابن العنابي هذين العلمين فرض كفاية على المسلمين. وهذه هي عبارته في ذلك (وعن هذا ونحوه (يعني المعارف الصناعية للكفار) عد جمع من مشائخنا وغيرهم، الحساب والطب في جملة العلوم المفروضة على سبيل الكفاية، مع أنهما من علوم كفار الفلاسفة) (٣٧). القسم الثاني من كتاب (السعي المحمود): ونصل الآن إلى القسم الثاني من الكتاب، وهو الخاص (بالأمور السياسية). وقد عرف المؤلف السياسة بأنها مصدر ساس الرعية يسوسها سياسة، إذا أمر فيها ونهى. فهي، بناء على هذا التعريف، سلطة الحكم وسلوك

стр. 74

الحاكم. وتطلق السياسة أيضا على حسن التدبير وجودة الرأي. ونقل عن بعضهم تعريفا آخر للسياسة يحصرها في القانون الموضوع لرعاية الآداب والمصالح وانتظام الأحوال. وإذا كان ابن العنابي يرى ضرورة تقليد غير المسلمين في الأمور الحربية والصناعية والعلوم العملية فإنه لا يرى ذلك بخصوص التشريع والعلوم السياسة، بل صرح بأن السياسة (العقلية) لغير المسلمين لا يحتاجها المسلمون، فهو يقول إن ما عليه (الكفرة من سياستهم العقلية فنحن في غنى عنه)، لأن للمسلمين الكتاب والسنة، وفيهما من التشريعات السماوية ما يغني عن قوانين الأروبيين الوضعية. وهذا الرأي للمؤلف يدل على أنه كان مطلعا على الاتجاه الليبرالي العقلاني الذي بدأ ينتشر في أروبا بعد الثورة الفرنسية. ومن الغريب أننا نجد ما عبر عنه ابن العنابي هنا شبيها بما عبر عنه مواطنه ومعاصره، حمدان خوجة، بعد أقل من عشر سنوات، حين قال وهو يحاجج الليبراليين الأروبيين أنهم لو اطلعوا على ما لدى المسلمين من قوانين وأحكام لغيروا موقفهم من الحضارة الإسلامية من جهة وغيروا من سياستهم الاستعمارية في الجزائر (٣٨) وعلى كل حال فإن رأي هذين المفكرين جدير بالدراسة والمقارنة، لأن كليهما يؤمن بضرورة التقدم والتجديد والأخذ عن أروبا نظامها العسكري واختراعها العلمي، ولكن ليس كذلك في التشريع والسلوك والسياسة. وقد أوضح ابن العنابي بأن مبنى السياسة الشرعية ثلاثة أمور هي: ١ - اللين وترك الفضاضة، أو بعبارة أخرى تبصر الحاكم ومرونته وقدرته على خفض الجناح وكبح الغضب.

стр. 75

٢ - المشاورة، أو بتعبيرنا اليوم ديمقراطية الحكم وعدم الاستبداد بالرأي والتصرف. ٣ - عدم استعمال الولاة أو (الإطارات) إذا كانوا راغبين في الولاية أو (الوظيفة). ورغم أن الحاكم ما هو إلا فرد من الأمة فإن المشورة ضرورية له لأن رأيه الفردي لا يستطيع أن ينفذ إلى كل الأغوار ولا أن يحيط بكل شيء. لذلك وجب عليه شرعا أن تكون له مجالس (استشارية) مع العلماء وأصحاب الرأي في الأمة. وقد أورد المؤلف آيات وأحاديث في الأمور الثلاثة السابقة. ومما جاء في الأمر الأخير أن رجلا جاء للرسول يطلب تعيينا فرد عليه الرسول (لا نستعمل على عملنا من طلبه)، وعلق ابن العنابي على ذلك بقوله أن الولايات أمانات، وطلب الأمانة دليل على الخيانة. وربط المؤلف بين عدة أمور أخرى تعتبر من صميم نجاح الحكم وقوته. من ذلك أن نجاح أي حكم يتوقف على إجراء العدل بالدرجة الأولى، لأن الظلم مصدر خراب الدولة. وبين أهمية الجيش لقوة الدولة، وكذلك وفرة المال، وحرمة العلماء، وانتشار العمران، وقد أعطى أهمية خاصة لمكانة العلماء والجيش في الدولة. وحذر من مغبة التبذير والإسراف في صرف أموال الأمة وجمعها بطريقة الإكراه وأخذها ممن يعجز عن دفعها. ومما نقله عن بعضهم تأييدا لرأيه أن (الملك بناء والجند أساسه، فإذا قوي الأساس دام البناء وإذا ضعف الأساس انهار البناء. فلا سلطان إلا بجند، ولا جند إلا بمال، ولا مال إلا بجباية، ولا جباية إلا بعمارة، ولا عمارة إلا بعدل. فصار العدل أساسا لسائر الأساسات). ومن مظاهر عدل الحكام (والمؤلف يستعمل عبارة السلطان) أن يقرب منه (حملة العلم الذين هم حفاظه ورعاته وفقهاؤه، وهم الأدلاء على الله، والقائمون بأمر الله، والحافظون لحدود الله، والناصحون لعباد الله). وعلى الحاكم كذلك أن يتفقد جيشه باستمرار ويتعهده، لأن الجيش أساس الملك وهو حامي (الدين والحريم). أما المال فهو (قوة السلطان وعمارة المملكة). وعلى الحاكم أن لا

стр. 76

يأخذ من الرعية (إلا ما فضل عن مصالحها ومعاشها). وأن ينفقه فيما يعود بالفائدة على الرعية كمـ الطرق ورفع الجسور وإقامة الثغور. وقد قارن بين السياسة المالية للصينيين والفرس والعرب، ووجد أن أولئك يدخرون الأموال لوقت الحاجة أما هؤلاء فينفقونها فييا ينفع الرعية ويوسع عليما، لأن الرعية هي الجند، وعلى ذلك السيرة النبوية. إن هذه الآراء للمؤلف حول سياسة الحكم، وإن كان جلها منقولا عن غيره، فإنها توضح مدى تبنيه لها وتحبيذه لها. والقضايا التي ذكرها في هذا المجال، كالعدل، والجند، ومكانة العلماء، والضرائب، والعمران، والمشاورة الخ. كانت حديث الساعة عندئذ لا سيما في مصر واسطانبول. وقد شاهد هو من استبداد الدايات في الجزائر وإرهاقهم الرعية بجباية الأموال قسرا واستعمالهم البايات (الولاة) الطاليين للعمل والمتآمرين من أجله مع الطائفة اليهودية (أسرة بكري وبوشناق) (٣٩) ما حرك في نفسه هذه الخواطر وجعله يكتب بإلحاح ما كتب. ولا شك أن ابن العنابي يقف، بآرائه السابقة، في طليعة المتنورين بالنسبة لوقته. أما الخاتمة التي جعلها (في أمور شتى من أسباب النصر والقوة)، فقد حصرها المؤلف في معنى الآية الكريمة (ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوا عن المنكر﴾.وهناك أربعة شروط تشترط في الحكام المرضي عنهم من الله والعباد، وهي: ١ - إقامة العدل. ٢ - إظهار شعائر الدين.

стр. 77

٣ - نصر المظلوم والأخذ على يد الظالم وكف يد القوي من الضعيف. ٤ - مراعاة الفقراء والمساكين وملاحظة ذوي الخصاصة والمستضعفين. فإذا أخلوا بشيء من هذه الشروط الأربعة (تضعضعت قواعدهم وانتقض عليهم من أطراف ممالكهم) وانتصر عليهم عدوهم واضطربت عليهم الأمور وظهر عليهم باغي الفتنة وحاسد النعمة. وأنهى الخاتمة بالحديث عن التوبة وعن أمور أخرى في سلوك المسلم مستوحاة من السيرة وسلوك الصحابة، ومأخوذة من كلام المتقدمين والمفسرين. وأبى إلا أن يختم كتابه بالحديث عن الجند كما بدأه به فقال: (ينبغي لمن له مظلمة أو حق قبل جندي خرج غازيا أن يسامحه ويعفو عنه حتى لا يعود ضرر مظلمته على الإسلام) (٤٠) والخاتمة، كما يبدو، وعظية أخلافية أكثر منها سياسية أو عسكرية. وأفكارها موجهة بالدرجة الأولى إلى الحكام والمسؤولين على الرعية بصفة عامة. منهج ابن العنابي في الكتاب: وبعد أن درسنا حياة المؤلف وأقسام ومحتوى كتابه يجدر بنا أن نقف قليلا عند منهجه وأهمية عمله. وأول ما نلاحظه هو أن تقسيم الكتاب على النحو الذي أوردناه يتبع منهجا غير سليم. فالكتاب أساسا جزآن عسكري وسياسي، ولكننا لاحظنا أن الجزء الأول هو الذي استأثر بحجم الكتاب، وهو الذي قسمه المؤلف إلى فصول وجعل لكل فصل عنوانا، وبذل في ذلك جهودا في النقل والاستشهاد والاحتجاج والإقناع. ولو جعل المؤلف كتابه قسما واحدا مكرسا (للأمور الحربية) وضم القسم الثاني إلى الخاتمة لكان أكثر توفيقا وأكثر منطقية حتى مع العنوان الذي اختاره لكتابه. حقا إنه قد وجد نفسه مضطرا عند تناول الأمور العسكرية، أن يشير إلى الأمور السياسية أيضا للتلازم بينهما في حياة الدولة، ولكن ملاحظتنا تنصب على المنهج لا على إدراج الفكرة في حد ذاتها. وقد لاحظنا كذلك أن الفصل الرابع عشر يحتوي على كثير من النقط التي جاء

стр. 78

بها في المقصد الثاني. ونختم هذه الملاحظات بأن توزيع مادة الكتاب على الفصول لم تكن منسجمة، فبعض الفصول قصير إلى درجة الإخلال وبعضها طويل إلى درجة الملل. ويكثر ابن العنابي من النقل بطريقة جعلت شخصيته أحيانا تزول أو تكاد. فهو عادة يبدأ بتعريف عنوان الفصل لغويا ثم يورد لذلك المعنى حشدا من الآيات والأحاديث والأخبار، وكثيرا ما يبدأ الفصل بآية وحديث أو بعبارة قال فلان، الخ. فإذا أراد أن يبدي هو رأيه، وقليلا ما يفعل ذلك، يتدخل بكلمة (قلت) بعد ما يكون قد جاء بكلمة (قال) فلان. وطريقة ترجيحه لأحد الآراء طريقة فقهية مملة مثل (قلت وهو الأوجه عندي) أو (قلت وهو الأصح) الخ. وأحيانا يأتي بهذا التعبير الجدلي (فإن قالوا كذا قلنا ...) ومن أجل ذلك يصعب على الباحث أن يفصل رأي ابن العنابي من آراء غيره في الكتاب، رغم أنه يأتي بكلمة: (انتهى) أو (انتهى منه) عند النقل. وتشيع في الكتاب روح دينية واضحة، رغم أن الموضوع دنيوي صريح. فمن نقوله إلى طريقة العرض إلى وجوه الاحتجاج إلى النتائج، كلها مشبعة بروح عالم فقيه حافظ للنصوص متمسك بالتقاليد. ولا عجب في ذلك فالرجل من طبقة العلماء القضاة ورجال الرأي والإفتاء في شؤون الدين، بل ولا عجب أيضا أنه كان يتحدث عن الجهاد وشروط المجاهد، وعن الاستعداد للحرب للدفاع عن الإسلام وأهله، وعن إعداد الجندي المسلم للقيام بهذه المهمة. أما أسلوبه فسهل إذا ترسل، رغم طول الجملة عنده. وقد يستعمل السجع في بعض الأماكن كالمقدمة. أما سائر الكتاب - الذي يكثر فيه النقل كما لاحظنا - فهو بحسب النص الذي ينقله. ولعل طريقة ابن العنابي في كتابه تجعله كتابا غير صالح للنشر كنص لأنه من محفوظه أكثر من معقوله. ولذلك، فيما نعتقد، أمر محمد علي بتلخيصه (أو بعبارة أصح بتجريده) فلخصه تلميذ المؤلف في حوالي نصفه. ومما يلفت النظر في هذا الكتاب عدم تعرض صاحبه للقضايا المعاصرة تقريبا. فباستثناء ما جاء في المقدمة عن دوافع التأليف وظروفه، وما جاء في

стр. 79

الفصل الرابع عشر عن (القائم) بأمر الدولة العثمانية، فإن المرء لا يكاد يجد في الكتاب ما يدل على أنه من تآليف القرن التاسع عشر. لقد عرفنا الأحداث التي عاشها أو عاصرها المؤلف في الجزائر ومصر، وفي العالم، وهي أحداث كبيرة سياسيا وعسكريا واجتماعيا، ومع ذلك لا نجده يشير إلى واحدة منها في الاحتجاج أو الاستشهاد. فلا الحملات الأجنبية على الجزائر في عهده، ولا سفرته إلى المغرب في مهمة، ولا الحملة الفرنسية على مصر تجد لها مكانا في كتابه المخصص لتنظيم الجنود وتقليد الأجانب فيما اخترعوه من أدوات، الحرب والقتال. وقد رأى تفوق هؤلاء الأجانب واضحا في حملة اللورد إكسموث الإنكليزي على الجزائر، وغارة الأسطول الأمريكي بقيادة ديكاتور على الأسطول الجزائري، في عرض البحر، ومقتل الريس (الضابط) حميدو الشهير، ورأى تفوقهم أيضا في حملة نابليون على مصر، وفي موقعة نافرينو. فلماذا كان يبحث في التاريخ البعيد عن الشواهد بينما شواهده حية معاشة أمامه؟ هل هي روح الكاتب العربي المسلم الذي يبتعد باستمرار عن الواقع هروبا منه وبحثا له عن مكان آمن في التاريخ السحيق؟ وعلى أية حال فقد وجدناه ينقل عن جده بعض الآراء، ويستشهد بكلام، غير مباشر أيضا، من حسين خوجة صاحب (بشائر أهل الإيمان)، والسراج صاحب (الحلل السندسية)، وكلاهما قريب نسبيا. كذلك وجدناه يستعمل عبارة غامضة وهي (وذلك ما لا يخفى على من جرب) بعد حديثه عن تصنيف الجند. وهي عبارة نفهم منها أنه هو المجرب المقصود، ولكنه لم يفصح عن ذلك بحادث أو حوادث من عصره. وفي حديثه عن الحساب والطب في الفصل الأخير نقل رأي (جمع من مشائخنا) في أنهما من العلوم المفروضة كفاية رغم (أنهما من علوم كفار الفلاسفة) (٤١)، حسب تعبيره. والواقع أن هذه الإشارات والنقول من حوادث العصر ورجاله تعطى، رغم ندرتها، للكتاب أهمية خاصة.

стр. 80

ويقف المؤلف موقفا مبدئيا إلى جانب الدولة العثمانية، فأرومته، كما لاحظنا، تعود إلى آل عثمان. وهو مدين لهم بالوظائف الرسمية التي تقلدها على أيديهم، كما تقلدها والده وجداه وغيرهم من أفراد أسرته. ومن جهة أخرى كان يعتقد أن الفضل كل الفضل يعود إلى هذه الدولة في إنقاذ الإسلام من براثن التتار، وغارات الأروبيين طيلة قرون. وقد عاصر هو أحداثا كانت فيها هذه الدولة في صراع ضد نفسها من ناحية وضد الخطر الخارجي من ناحية أخرى. فرأى أن الحل يكمن في تجديد هذه الدولة وعودتها إلى ما كانت عليه من القوة والرهبة، أو يكون مصيرها مصير الدولة العباسية ومصر الأمم الأخرى التي انقرضت أو تهاوت. فانتصر لتحديث الجند باعتباره أساس الدولة. وكان في ذلك يؤيد أيضا سياسة محمد علي في نفس الاتجاه، رغم أنه لم يشر إليه بالاسم. ولعل في ذلك تعريضا بما كانت عليه الانكشارية في الجزائر من استبداد وصلف وأنانية وتخلف. والموقف من تجديد الدولة العثمانية يقودنا إلى الحديث عن موقف المؤلف من قضية التجديد عامة. فقد رأيناه يقف إلى جانب التيار التجديدي في مختلف الميادين، وليس في الميدان العسكري وحده. وإذا اتبعنا قياسه فإن كل ما يفيد المسلمين في دنياهم ويجعلهم أعزة أقوياء يجب الأخذ به لأن الشريعة الإسلامية لا تمنعه بل تفرضه، والتهاون فيه يؤدي إلى الإثم والعار. وقد رأيناه ينادي بضرورة تعلم اللغات والعلوم الآلية والصناعية، وعلوم الطب والحساب، والعلوم العسكرية. ولا يرى في ذلك غضاضة أو مخالفة للشريعة. والتجديد يعدي كما أن التقليد يعدي. فإذا عرفنا أنه نادى بتقصير الثياب، والنظر في أمر العمامة والاكمام الطويلة، واستعمال السلاح الحديث، عرفنا أنه ينادي، ضمنيا، بتجديد المجتمع الإسلامي أيضا، لأنه لا يستطيع أن يتصور، وهو المفتي والمجرب، أن يتعلم المسلمون تلك اللغات والعلوم كلها ولا يتغيرون في أنفسهم وعقولهم ومذاهبهم في الحياة. ومن ثمة يبرز ابن العنابي مجددا ومجتهدا أيضا. فهو كرجل دين استعمل عقله بحرية ليصل إلى آرائه التي طرحها في كتابه، ولو أنه تزمت أو تجمد أو أصر على ضرورة التمسك بالتقاليد لما توصل

стр. 81

إلى تلك الآراء. على أنه تجب الملاحظة إلى أنه بقدر ما كان المؤلف مجددا في الحياة العلمية والعلوم المفيدة بقدر ما كان محافظا بالنسبة للقوانين التي تسير المجتمع الإسلامي، فهو يرى أن تلك القوانين (الكتاب والسنة الخ) كافية لضمان حياة سعيدة لهذا المجتمع. وفي هذا المضمار تدخل آراء ابن العنابي في السياسة. فقد ألح على ضرورة تمسك السلطان (ويسميه أحيانا الإمام وأحيانا الملك) بالتعاليم الدينية والأخلاقية. كما ألح على مبدأ المشورة وعدم الاستبداد بالرأي أو بالحكم. وبين أن صلاح السلطان يظهر في تقريب العلماء إليه، وهو لا يعني العلماء على الإطلاق، ولكنه يعني خاصة أولئك العلماء الذين تميزوا بالرأي والاجتهاد والاطلاع ومعرفة الدين ولذلك وصفهم بتلك الأوصاف التي أتينا عليها. فمجالس السلطان هي التي تنوره وتبصره بأفضل الطرق لنجاح جماعة المسلمين. أما الاستبداد والظلم والجور والانحراف عن التعاليم الدينية فقد قال إنها تؤدي إلى خراب الحكم وسقوط الدولة. وقد جعل العدل وقوة الجيش وصرف المال فيما يفيد الناس عامة أساسا للحكم الصالح. بالإضافة إلى أنه طالب بمزج الأهداف الدنيوية والدينية عند القيام بأي عمل في صالح الجميع، ومن ثمة ألح على ضرورة الانتصار لله وبالله، وضرورة التوبة من المعاصي. وهكذا تصبح الأخلاق والسياسة والدين أمورا متلازمة في نظر المؤلف، وهي بدون شك كذلك في نظر الدين الإسلامي. ومن حقنا في النهاية أن نتساءل: لو أن حسين باشا أخذ بالنظام الذي دعا إليه ابن العنابي، فهل كان يواجه نفس المصر الذي لقيه على أيدي الفرنسيين؟ وهل كانت الحملة الفرنسية تنجح النجاح الذي حققته سنة ١٨٣٠؟ إن الوثائق تتحدث عن أن ابن العنابي قد تولى الإفتاء في بداية عهد حسين باشا وفي أخريات عهده أيضا. ونعرف من دراستنا للعهد الثاني في الجزائر أن مقام المفتي الحنفي كان بمثابة شيخ الإسلام في إسطانبول، ومعنى هذا أن نفوذه كان عظيما وآراءه كانت محل ثقة الجميع. ولكننا نعرف من جهة أخرى أن مكانة

стр. 82

العلماء ورجال الدين قد ضعفت لدى الدايات في العهد الأخير من حكمهم، وأصبح هؤلاء يتصرفون بأمرهم ولا يعودون إلى العلماء إلا في الاحتفالات والمظاهر الشكلية. ولعل جرأة ابن العنابي أوائل الاحتلال الفرنسي لبلاده واستعداده لتجنيد الجند وتنظيم البلاد، حسبما تزعم المصادر الفرنسية، ينسجم مع آرائه في الكتاب أكثر مما ينسجم مع موقفه، كمفتي، زمن حسين باشا (*). ومهما وجه إلى كتاب ابن العنابي من نقد فإنه يظل حلقة هامة في التراث الفكري الجزائري وفي تاريخ الفكر التقدمي لدى العرب والمسلمين، فهو من أوائل الكتب التي طرحت مفهوم التجديد على مستوى الدولة الإسلامية، ونادى صاحبه بعدم الانغلاق أمام الحضارات المعاصرة، ودعا إلى تحديث الجيش، واتباع العدل، والشورى، وتوفير المال، والتمسك بالأخلاق الكريمة، باعتبار كل ذلك أساسا لقوة وكرامة الأمة الإسلامية. من غريب الصدف أن قضية التجديد التي طرحها ابن العنابي منذ قرن ونصف ما زالت لم تجد حلها إلى اليوم، ولعل فيما أورده من براهين دينية وتاريخية جوابا مفحما للذين ما زالوا منا غير مقتنعين بهذه القضية.

стр. 83

ب - آثاره الأخرى (*) بالإضافة إلى (السعي المحمود) ترك ابن العنابي آثارا أخرى كثيرة منها الرسائل و الفتاوى والإجازات والكتب والأشعار. وهي جميعا ثروة ضخمة لو جمعت، أو جمع منها البعض لعرفنا صورة صادقة عن شخصية ابن العنابي وعصره وثقافة علماء عصره. ولكن يد البحث ما زالت لم تمتد إلى هذا التراث بالجمع والفحص والتصنيف والنقد. وإلى أن يحين هذا نكتفي هنا بوقفات قصيرة فيما قد عثرنا عليه من إنتاج، تاركين البقية للباحين الآخرين. ١ - الفتاوى: وأول ما يلفت النظر كثرة فتاوى ابن العنابي. وقد نقل عنه هذه الفتاوى علماء الجزائر وعلماء تونس وعلماء مصر وغيرهم. ولا غرابة في ذلك فالرجل كان متمكنا من علوم الدين، حافظا، عميق المعرفة وله بعض الآراء المنسجمة مع روح العصر، وكان كثير الأسفار، مقربا من السلطة السياسية، ويبدو أنه كان يتمتع بجرأة كبيرة أيضا. ثم إنه تولى مناصب دينية عديدة تجعله عرضة لإبداء الرأي في كثير من القضايا التي ترد عليه سواء من رجال الدولة أو من رجال العلم أو من العامة فقد عرفنا أنه تولى منصب الفتيا والقضاء والتدريس والأوقاف ونحو ذلك، ولا شك أن له ثروة طائلة من الفتاوى بعضها ضاع وبعضها ما زال موجودا. وقد اطلعنا له على مجموعة من هذه الفتاوى، منها أجوبته على ستة أسئلة وجهها إليه بعضهم من بلاد الروم، ويغلب على الظن أنه من أناضوليا، وهو

стр. 84

الذي تشير إليه الوثاثق باسم (الرومي). وقد وجدنا نسختين من هذه الأجوبة: نسخة مكتوبة بخط جيد لكن مليئة بالأخطاء وليس لها عنوان خاص، وهي تقع ضمن مجموع (١). أما النسخة الأخرى فهي مكتوبة بخط تونسي جيد، ولعله خط الشيخ محمد بيرم الرابع، وتكاد تخلو من الأخطاء (٢). وليس في النسختين أية إشارة إلى تاريخ نسخها أوكتبها. غير أن في النص ما يدل على أن ابن العنابي قد كتب أجوبته قبل الاحتلال الفرنسي للجزائر. ذلك أنه ذكر في جوابه على السؤال الثاني قوله في نهايته (وعلى هذا كان العلماء الورعون من حنفية بلادنا دار الجهاد والعلم، الجزائر حرسها الله تعالى) (٣) وعبارة (دار الجهاد) كانت تستعمل للجزائر في العهد العثماني. ويس في العهد الفرنسي. ولكن تاريخ الإجابة يبقى، مع ذلك، غير محدد. أما مكانها فهو أيضا غير مذكور، ولكن يغلب على الظن أنه كتبها خارج الجزائر، بدليل العبارة السابقة، لأنه (ابن العنابي) لو كان في الجزائر لما قال عبارة وعلى ذلك (حنفية بلادنا) لأنها عبارة يستعملها العلماء عادة عندما يكونون خارج بلادهم. ومما يلاحظ أننا لا نعرف بالضبط من توجه بهذه الأسئلة إلى ابن العنابي غير أن هناك ما يدل على أن السائل كان شخصا من بلاد الروم إيلي؟ فعنوان نسخة الشيخ محمد بيرم هو (الفتح القيومي بجواب أسئله الرومي) كذلك ورد في ثلاثة أماكن على الأقل من النص إشارة إلى بلاد الروم ففي مقدمة الأسئلة هذه العبارة (وهل إذا مات الميت وطلع شخص من الجن في صورة ذلك الميت وغيره ويجامع زوجته يجوز حرق ذلك الميت كما في بعض بلاد الروم أو لا) وفي الجواب على هذا السؤال أشار ابن العنابي إلى هذه البلاد (بلاد الروم) يقوله (على ما ذكر السائل وغيره ممن جال في تلك البلاد) وقد جاء في

стр. 85

نهاية الأجوبة (فلا يبعد أن يكون ما أصاب بعض أهل البلاد الرومية من واقعة السؤال الخ) وهكذا يتضح أن السائل من بلاد الروم وأن هناك بعض الأمور التي كانت تجري في هذه البلاد دون غيرها فاستحقت استفتاء ابن العنابي عليها. والمهم أن الأمثلة عبارة عن استفتاءات وجهت إلى ابن العنابي، ولعلها قد وجهت إلى غيره أيضا فأجاب عنها كل عالم بما يرى، ومن ذلك رأي ابن العنابي خاصة. ومهما كان مصدر وتاريخ ومكان هذه الأسئلة فإنها تتعلق بمسائل جديرة بالدرس اليوم، ولا سيما بعضها كما سنوضح. وجملة الأمثلة ستة. وهي كما يلي: ١ - هل يجوز تقليد مذهب الغير في صلاة الجمعة والعيدين في القرى أو لا؟ ٢ - وهل يجوز صيد الطير بالرصاص او الرش أو لا؟ ٣ - وهل إذا اتخذت المرأة رجلا أجنبيا أخا لها في الله يجوز لها أن تكشف عليه وينظر منها ما عدا ما بين السرة والركبة أو لا؟ ٤ - وهل يجوز للمسلم أن يؤاخي الذمي كما يؤاخي المسلم أو لا؟ ٥ - وهل إذا مات الميت وطلع شخص من الجن في صورة ذلك الميت وغيره ويجامع زوجته يجوز حرق ذلك الميت كما في بعض بلاد الروم أو لا؟ ٦ - وما السبب في ذلك؟ وهكذا وردت الأسئلة بالجملة. أما الأجوبة عليها فكانت بالتفصيل، فقد أجاب ابن العنابي على كل سؤال إجابة طويلة محللة ومعللة، كعادته، فبالنسبة للسؤال الأول كان رأيه الجواز ذلك أنه يجوز للعامي في القرى تقليد من يرى جواز إقامة تلك الصلوات. وقد عزز ابن العنابي رأيه بمواقف لعمر بن الخطاب وعمر بن عبد العزيز وعدد آخر من الصحابة والتابعين، وبموقف الظاهرية وغيرهم. وقد أكد أن (التزام المذاهب المعين. غير ملزم ولا واجب مستدلا على ذلك بعدد كبير من أقوال الفقهاء والأصوليين. ومما يلفت النظر قول ابن العنابي في هذه المسألة أن (الواجب على العامي تقليد عالم لا بعينه كما يفيده

стр. 86

قوله تعالى: ﴿فاسألوا أهل الذكر إن كنتم لا تعلمون﴾ فمتى فعل ذلك فقد أتى بواجب عليه فصار خارجا من العهدة). وفي جوابه على السؤال الثاني أكد ابن العنابي بأن القدماء لم يتعرضوا لمشكلة الصيد بالرش والرصاص لأن (الرمي البارودي مما حدث بعد المائة السابعة فلا ذكر لأحكام الصيد المصاب في كتب الأقدمين). كما أن المتأخرين لم يتعرضوا له (٤)، وقد استعرض ما جاء في كتب (أصحابنا) عن الرمي بالبندقة والحجر والمعارض، مؤكدين أن صيدها غير حلال لأنها تقتل بالرمي والكسر ونحوهما ولا تجرح فيكون الميت بها (في حكم الموقوذة) وبناء على ابن العنابي فإن نتيجة هذا الصيد لا تنطبق على صيد (بنادق الرصاص ورشه المرمية بنار البارود) لأن الرمية بها تنفذ نفاذا أقوى من نفاذ السهام (كما يعرفه كل من تعاطى الرماية البارودية) وقد انتهى إلى تلخيص رأيه في الموضوع وهو أن كل رماية نافذة قاتلة بجرح لا بكسر أو رض يعتبر صيدها حلالا وهذا نص عبارته (فالذي يتعين أن يقال به في مرميه (الرمي البارودي) إنه متى تحقق جرحه وسيلان دمه بحيث يغلب على الظن أن موته من الجرح لا من رض أو كسر فإنه يحل أكله). وبعد أن استشهد لرأيه بنقول كثيرة من (أيمة المذهب) والأحاديث حكم بأن الرصاص والرش أقوى وسائل الصيد سيلانا للدم (كما هو معلوم بالمشاهدة الفاشية) لذلك فإن صيدهما حلال. وكان هذا هو المعلوم به حسب رأيه لدى علماء الحنفية بالجزائر. ويتبين من هذا الجواب أن ابن العنابي يستعمل القياس وأنه لا يتردد في البحث عن أقوال الأقدمين والمتأخرين فيما عرض لهم، فإن وجده أخذ به أو ناقشه وإلا اعتمد على التجربة (والمشاهدة الفاشية) وهذا الموقف يجعله يسير

стр. 87

في نفس النهج الذي سلكه في كتابه (السعي المحمود) عندما دعا إلى التجديد والتطور في المسائل التي لم تعرض للقدماء والتي يحتاجها المجتمع الإسلامي الجديد. ولابن العنابي رأي جدير بالتأمل نجده في إجابته على السؤال الثالث. ذلك أنه يرى أنه لا يجوز للمرأة الشابة أن تكشف وجهها للأجنبي كما لا يجوز لها أن تكشف له أكثر من باطن كفيها وما تحت الكعبين من قدميها. وإذا كان هذا رأيه في حكم النظر فأحرى أن يكون أشد محافظة في حكم المس. وهذا نص عبارته (لا يجوز للمرأة أن تكشف للأجنبي سوى باطن كفيها وما تحت الكعبين من قدميها. وأما الوجه فإنه وإن لم يكن عورة في حق الصلاة وحق النظر إليه، إن أمن الشهوة، فإنه تمنع المرأة الشابة من كشفه بين الأجانب دفعا للفتنة وحسما لمادة الفساد والشر، وحكم المس في ذلك أغلظ). وبعد أن استدل لرأيه السابق من بعض الكتب زاد رأيه مبالغة فقال إنه لا يجوز للمرأة (وإن كانت عجوزا فانية) أن تكشف للأجنبي عن (عضديها وذراعيها وما أشبه ذلك). أما المؤاخاة بين المرأة والرجل الأجنبي في الله فقد وقف منها ابن العنابي موقفا صارما، ولم يعد في ذلك لأي موقف سابق للأقدمين بل اندفع يبدي رأيه الشخصي في الموضوع قائلا إنها (من كبائر المعاصي) وفصل الرأي في فاعلها فقال إن آخى الرجل المرأة معتقدا أن ذلك قربة (كما يقع من كثير من الدراويش المتقشفة) فهو كافر لأن هذا الرجل قد استحل حراما قطعيا، مستدلا بالآية الكريمة: ﴿ولا يبدين زينتهن﴾ ومعللا بأن إجماع المسلمين منعقد على ذلك. هذا إذا كان فاعله واعيا عاقلا. أما إذا كان فاعل الحرام القطعي (مؤاخاة المرأة) جاهلا أو غبيا فإنه يزجر ويشهر بعمله. فإذا تمادى في عمله فقد طالب ابن العنابي (أمراء الإسلام) بقتله لأنه في نظره زنديق ظاهر الزندقة. (والزنديق إذا أخذ قبل التوبة قتل ولا تقبل له توبة). وقد خرج ابن العنابي عن موضوعه الأصلي ليحمل حملة كبيرة على من يسميهم تارة (بالزنادقة) وتارة (بالدراويش المتقشفة). فقد اعتبر عمل هؤلاء من

стр. 88

أعظم ما أصاب الإسلام وأهله من الفساد والشر وقال إن الضرب على أيدي هؤلاء (من أعظم ما يتقرب به إلى الله) بل هو الجهاد الحقيقي. وحكم على ما يبدونه من الورع والصلاح بأنه محض مكر وخداع. ودعا الله أن يكشفهم ويلعنهم ويسحقهم عن طريق (ملوك الإسلام الذابين عن حمى شريعة سيد المرسلين). وهذه الحملة من ابن العنابي في ذلك الوقت لها أكثر من مبرر. فقد عرفنا أنه يكون كتب هذه الأجوبة خارج الجزائر (مثلا في اسطانبول أو مصر) وأنه كتبها قبل ١٨٣٠، وهي الفترة التي تحدثنا عن أهميتها في تطور المجتمع الإسلامي وذلك أن هؤلاء الدراويش أو الزنادقة الذين يتحدث عنهم كانوا فعلا يشكلون حجر عثرة في طريق تقدم الإسلام وأهله. وقد عانت منهم الدولة العثمانية أشد المعاناة عندما وقفوا في طريق إلغاء نظام الإنكشارية ونحوه من النظم البالية، وعندما عارضوا كل تقدم كانت الدولة ستأخذ به من أجل تطوير المجتمع. وقد تحدث ابن العنابي عن هؤلاء القوم في كتابه (السعي المحمود) بطرق أخرى، تعرضنا إليها. وكان خروجه عن الموضوع الأمر (المؤاخاة في الله بين الرجل الأجنبي والمرأة) طفرة أخرى من الطفرات التي يدفعه إليها حبه للتجديد وثورته على التقاليد العقيمة التي تشكل الطائفة التي يشير إليها عقبة في طريق تحطيمها. ولنورد فقرة صغيرة من هذا النص، وهي جديرة بالتأمل والوقوف. فهو يقول (ورفع فساد هؤلاء الزنادقة، الذين أدخلوا على الإسلام وأهله أعظم الفساد والشر، من أعظم ما يتقرب به إلى الله تعالى، فهو من أعظم الجهاد. ولا يعتبر بما يظهرونه من الصلاح والنسك فإنه من مكر الزندقة وخداعها، أخزاهم الله وأبعدهم وسلط عليهم من ملوك الإسلام الذابين عن حمى شريعة سيد المرسلين، من يشتت شملهم ويحسم مادة فتنتهم وشرهم). وانظر أنه كرر عبارة (من أعظم) ثلاث مرات، وقد كرر عبارة (ملوك الإسلام) مع عبارته السابقة (أمراء الإسلام) ولكنه قيد العبارة الأولى بهذا الوصف المهم وهو (الذابين عن

стр. 89

حمى شريعة سيد المرسلين، ذلك أن ملوك الإسلام ليسوا جميعا في هذا المستوى الذي يطالب به، فمنهم من كان يتغاضى عمن اعتبرهم ابن العنابي زنادقة، مشجعين لهم على أفعالهم، ومنهم من كان هو نفسه زنديقا بمقتضى المقياس الذي ذكره ابن العنابي. ومن المهم أن نقارن ما أثاره هنا من قضايا بما أثاره في كتابه (السعي المحمود) وخاصة حديثه الموجه إلى السلطان محمود الثاني العثماني. ولا نستغرب أن يكون ابن العنابي قد عنى بهؤلاء الزنادقة طائفة المتصوفة وأهل الطرق الذين كانت لهم مواقف من النوع الذي أشار إليه كإظهار النسك وإخفاء المحرمات. وهو في هذا يعد من الثوار على أهل الخرافة والشعوذة والطرقية والمتجارة بالدين في وقت مبكر نسبيا. ولعله من الأفضل مقارنة رأيه هذا فيهم برأي عبد الكريم الفكون فيهم أيضا، وهو الرأي الذي عبر عنه في كتابه (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية) الذي ألفه قل كلام ابن العنابي بأكثر من قرن. وفي جوابه على السؤال الرابع وهو (مؤاخاة المسلم للذمي) أباح ابن العنابي مؤاخاة المسلم للذمي بشرطين الأول الضرورة إلى ذلك والثاني عدم ميل القلب. وقد فسر الضرورة بأنها (مصلحة معاشية يبيحها الشرع) فإذا اقتضى الحال الاجتماعي ذلك وكان قلب المسلم خاليا من حب الكافر (فلا بأس بذلك) أما إذا آخى المسلم الذمي مع ميل القلب وتعظيم الكافر في الباطن فالأمر في نظره يختلف، فهو من أكبر الكبائر، بل اعتبر ذلك منافيا للإيمان الذي يشترط فيه (الحب في الله الشامل لجميع ما يحبه الله ورسوله والبغض في الله الشامل لجميع ما يبغضه الله ورسوله، وقد استدل ابن العنابي على رأيه هذا بقوله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء﴾ الآية. ونصح بأن يروض المسلم نفسه على كراهة الكفار بقلبه وعلى تجنبهم في المعاشرة وعدم مخاطبتهم (إلا لضرورة لا بد منها) على أن يحترز المسلم من ميل القلب إليهم لأن ميل القلب إليهم يؤدي في نظره إلى سلب الإيمان من قلب المسلم.

стр. 90

ويلاحظ المرء على جوابه على هذه المسألة شدة حرصه على مراعاة المسائل الدنيوية الضرورية والمسائل الدينية. فهو بقدر ما كان متعصبا في شؤون الدين كميل القلب والإعجاب بآثار أهل الذمة ونحو ذلك كان متساهلا في الأخذ بأسباب الحياة منهم، وهو الموضوع الذي طرحه بشكل أوسع في كتابه (السعي المحمود). وقد أفتى ابن العنابي (السؤال الخامس) بجواز حرق صورة الميت الذي يظهر بالطريقة التي أثارها السائل. ولكنه تحفظ كثيرا حول هذه النقطة ذلك أنه عالجها بطريقة فرضية لا قطعية فكأنه كان لا يؤمن في الواقع بمثل هذه الحوادث ولكنه أجاب مع ذلك بأنه إذا وقعت يقطع دابرها بالحرق. ومن ثمة نجده يكثر في جوابه من مثل (إذا شهدت التجربة الصادقة المستمرة) (وإن لم نطلع على حقيقة السر في ذلك) وقد قاس هذه المسألة، كعادته، على مسألة أخرى وهي تقوم على أن حرمة الحي مقدمة على حرمة الميت، كشق بطن المرأة الميتة إذا ثبت أن في بطنها طفلا حيا، رغم أنه من (المعلوم أن شق البطن فيه هتك حرمة الميت). كما قاسها على القاعدة التي تنص على أنه إذا تعارض ضرران يرتكب أخفهما قائلا (إذا تعارضت بليتان وجب ارتكاب أقلهما ضررا). وقد استدل لهذه النقط ونحوها في الجواب بآراء أيمة المذهب الحنفي، وبالسنة النبوية. وآخر سؤال أجاب عنه هو قول القائل (وما السبب في ذلك؟) ولكن ابن العنابي كان غير مطمئن لذلك أيضا فأجاب بأنه لا يكاد يجزم به. وهذه هي عبارته (إن هذا أمر مغيب لا نقطع فيه بشيء) ولكنه استنتج من الحادثة (سوء عاقبة) صاحبها ذلك أن المؤمن الحقيقي لا يواجه مثل ذلك. وقد استدل ابن العنابي على شقاء من وقعت له هذه الحوادث بآيات وأحاديث وآراء في التفسير. ومن هذه النقول التي اعتمد عليها نقله عن جده الأكبر في تفسيره متى تكون البشرى للمؤمن فقال إنها في ثلاثة مواضع (عند الموت وفي القبر وعند البعث). كذلك نقل عن جده الأكبر أيضا تفسيره معنى قوله تعالى: ﴿نحن أولياؤكم﴾ حيث فسرها بقوله (أي تقول لهم الملائكة عند نزولهم للبشرى، نحن أولياؤكم

стр. 91

أي أنصاركم وأحباؤكم في الحياة الدنيا فنلهمكم الحق ونحملكم على الخير وفي الآخرة بالشفاعة والكرامة لا نفارقكم حتى تدخلوا الجنة). واستنتج ابن العنابي من ذلك بأن ما قد حدث لهذا الميت من تصور الشيطان بصورته يدل على أن الميت كان بعيدا عن مصاحبة الملائكة له. وأضاف بأنه قد (لا يبعد أن يكون هذا نوع من المسخ الواقع في آخر الزمان) مستدلا بحديث مروي عن أمارات الساعة التي قد يكون منها ما تحدث عنه السائل. ويهمنا أن نعرف أن ابن العنابي كان يؤمن بأن هناك أمورا قد بدأت تحدث في (آخر الزمان) وأن هذه الأمة إذا تظاهرت وتجاهرت بفظائح المنكرات ابتلاها الله تعالى بنوع من المسخ لبعض أشقيائها). وهو استنتاج لا شك مستوحى من واقع الحياة عندئذ. ففيه تعريض بأن هناك أمورا كانت تجري في المجتمع الإسلامي في عصره تعتبر من (أمارات الساعة). وتوضح إجابات ابن العنابي على هذه الأسئلة قدرته على معالجة عدد من القضايا التي كانت تواجه المجتمع سواء كانت دينية أو اجتماعية أو سياسية أو حتى خرافية. ومن جهة أخرى تبرهن على عمق ثقافته فهو يستدل لكل قضية بالعديد من الآيات والأحاديث والوقائع في صبر وأناة، وفي منطق واستدلال، وفي توسع وتعمق، لا تكاد تظفر به إلا عند أمثاله. ونلاحظ أن إجابته وإن كانت في ظاهرها تتناول قضايا تجريدية أو فرضية فإنه كان دائما يربطها بواقع الحياة. وقد فعل ذلك في جوابه على جواز تقليد العامي للعالم، وعلى حلية الصيد بالرصاص والرش، وعلى منع المرأة من مؤاخاة الأجنبي عنها، وعلى تجويز ربط العلاقة بين المسلم والذمي، وأخيرا في معالجته لقضية الميت المتطور في شكل شيطان في بعض البلاد. ويحس الدارس له أنه كان يعيش مشاكل المجتمع الإسلامي وأنه كان يبث أفكاره لإصلاحه عن طريق هذه الفتاوى التي ذكرنا بعضها والتي ذكر بعض الباحثين أن له من أمثالها الكثير.

стр. 92

٢ - أجوبته على آداب مجلس قراءة القرآن: وضع أحدهم مجموعة من الأسئلة والملاحظات التي تعلق بآداب مجلس القرآن. ومن هذا السؤال عن حكم قراءة القرآن جماعة حيث (يبني بعضهم على قراءة بعض ويراعون في القراءة الطرق والأهوية وحسن الصوت. هل ذلك حرام يجب النهي عنه شرعا؟) ومن ذلك السؤال عن حكم شرب الدخان بمجلس قراءة القرآن، وحكم اللغط أثناء ذلك أيضا، وحكم من يقرأ القرآن (ويشتغل في أثناء قراءته بالقيام لمن يستحقه إذا قدم عليه، أو بحديث ديني أو دنيوي ثم يعود لقراءته) وكذلك حكم من يقرأ القرآن وحده ولكنه يخل في قراءته بترك المد أو الغنة، ومن بين هذه الأسئلة هل ما ينطبق في ذلك على القرآن ينطبق أيضا على الأحاديث النبوية؟ وقد وجدنا إجابة لبعض العلماء على هذه الأسئلة، منها جواب للشيخ حسن الأبطحي المالكي. وجواب حسن القويسني الشافعي، وجواب ثعيلب الفشني، ومنها جواب ابن العنابي الحنفي. ويهمنا هنا جواب الأخير (٥). بدأ ابن العنابي جوابه معلنا أن له كتابا في علم التجويد (٦) تناول فيه قضية اللحن في القرآن. وذكر أنه قد قسم اللحن هناك إلى نوعين نوع حنفي ونوع جلي، وأوضح أن اللحن الجلي هو خطأ في الحركة أو السكون في المبنى. أما اللحن الخفي فهو خطأ في صفات الحروف. وقسم الخفي إلى ما يعرفه عامة

стр. 93

القراء كالقلب والإدغام وإلى ما لا يعرفه إلا المهرة منهم كتكرير الراء وتطنين النون وتغليظ اللام في غير محله، وحكم بأن تجريد القرآن عن القسم الأول من اللحن الخفي واجب وتجريده عن الثاني مستحب. وقد استدل لقوله بالآية الكريمة ﴿الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب ولم يجعل له عوجا﴾ والآية الأخرى وهي ﴿قرآنا عربيا غير ذي عوج﴾ مبينا أن اللحن المعروف للجميع (فيه عوج﴾ ومن ثمة فهو محرم. وقد استنتج ابن العنابي من ذلك أن الذي (يقرأ القرآن بالألحان الموسيقية لاحن لحنا محرما بالدليل القطعي) وأن فاعله يكون تاركا أمر الله ومتبعا لما قرره بطليموس ومرجحا لصناعة هذا على أمر الله ورسوله (فهو عاص آثم من وجوه شتى) فإن كان جاهلا بالحرمة فعليه أن يستغفر الله وإن كان عالما بها مصرا عليها فإنه يعتبر في نظر ابن العنابي متعمدا تحريف كلام الله، ومن ثمة فهو كافر. ولم يطل ابن العنابي في الخوض في مسألة قراءة القرآن جماعة، مكتفيا بإيراد الخلاف المذهبي، قائلا ان رجال المذهب الحنفي قد اختلقوا في ذلك فمنهم من جوزها ومنهم من منعها. وقد رجح هو الرأي الأخير استنادا إلى الحديث الشريف (ولا يجهر بعضكم على بعض القرآن). بينما فصل الكلام في مسألة شرب الدخان في مجلس قراءة القرآن. فقال إنه إذا كانت هناك تلاوة جهرية فيجب منع تعاطي الدخان (لما فيه من سوء الأدب المؤدي إلى الاستخفاف بالقرآن لمكان العادة بالكف عن شربه بحضرة من يتأدب معه فالقرآن أولى) أما إن كان متناول الدخان أثناء قراءة صامتة أو سرية (فلا بأس بتعاطيه). كذلك حكم ابن العنابي بمنع اللغط عند التلاوة الجهرية، لأنه يجب الاستماع إليها لقوله تعالى ﴿وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وأنصتوا﴾ ومن جهة أخرى حكم جواز قطع التلاوة واشتغال القارىء بالقيام للداخل عليه والإقبال على المتحدث معه بشرط أن يراعي القاريء كيفية القطع، كأن يقطع عند رأس

стр. 94

آية، وعدم الوقف في مكان يوهم كفرا. وقال إن الإسراع المخل بالحروف عند قراءة القرآن مكروه كراهة تحريم (*). وألحق ابن العنابي الأحاديث النبوية بالقرآن في وجوب مراعاة الأدب وليس في وجوب الاسمتاع إليها. لأن وجوب الاستماع خاص بالقرآن والخطب. وأوضح أن مذهب الحنفية يوجب الاستماع للخطبة ولو كانت خطبة نكاح. وعلى هذا فإن على السامع لحديث شريف في خطبة ما وجوب الإنصات له (٧). ٣ - التحقيقات الإعجازية: وإذا كانت معظم كتب ابن العنابي الأخرى ذات طابع ديني - باستثناء السعي المحمود - فإن له كتابا آخر لا علاقة له بالفقه والتوحيد وغيرهما، بل هو كتاب في الأدب والبلاغة، وهو كتاب يدل على براعة مؤلفه وقوة محفوظه ومهارته في الاستشهاد. ونعني به التأليف الذي سماه (التحقيقات الإعجازية بشرح نظم العلاقات المجازية) (٨) ويدل عنوانه على أنه شرح به نظما لغيره في العلاقات المجازية، وهي كثيرة، وهي أيضا مظهر من مظاهر سر اللغة العربية والبيان العربي.

стр. 95

افتتح ابن العنابي كتابه هذا بقوله: (يا من أجزنا بجوائز الإحسان، وأمدنا بعوائد العرفان، أحمدك حمد من آثرته بفضلك، وخصصته بمزيد طولك. أما بعد فيقول المستمد من الفيض الوهابي، محمد بن محمود بن محمد بن حسين العنابي، هذا ما اقتضاه إسعاف من يمحضني وأمحضه الود، ولا أرى لإنجاح مرامه من رد، من لم التحقيقات الإعجازية، بشرح نظم العلافات المجازية على وجه يجمع إلى الإيجاز إيضاحا، ويجوز إلى حسن الشرح بهاء وانشراحا، فدونك أيها الودود شرحا شريفا، ومجموعا لطيفا ظريفا، تهتز له الرؤوس العلية، وتتخطفه النفوس الذكية، فاقتطف ما شئت من أزهاره، واجتن ما أحببت من زاهي ثماره، ولا زلت بعين العناية ملحوظا، وبحمايته سبحانه مؤيدا محظوظا). ويبدو أن هذا الودود الذي كان بمحض ابن العنابي الود كان شخصا غير واقعي، كما جرت العادة بين المؤلفين عندئد، وكما سبق لابن العنابي أن استعمل نفس الطريقة في كتبه الأخرى. ولكن ذلك لم يكن أمرا مؤكدا. فقد يكون المخاطب شخصا حقيقيا سأل ابن العنابي كتابة شرح على نظم العلاقات المجازية فاستجاب. ومهما كان الأمر، فإن طريقة ابن العنابي في شرح هذا النظم لا تختلف كثيرا عما كان يفعله معاصروه، فهو يذكر بيت الناظم ثم يأخذ في شرحه شرحا لغويا وأدبيا ونفسيا وبيانيا واصطلاحيا. وهكذا كان يذكر مع كل صنف من أصناف الخلافات آيات وأحاديث وأشعارا وحكما تؤكد ما ذهب إليه وتوضح مقصوده منه. وهو يذكر مصادر كثيرة يرجع إليها ويستأنس بأصحابها، فهو يذكر كتب التفاسير وأمهات الكتب الأدبية والدراسات البلاغية: الإتقان، وعروس الأفراح، ومغني اللبيب، والحواشي الخفاجية، والأغاني، وغيرها. وقد أشار أيضا إلى رأي جده في تفسيره بقوله: (قال مولانا الجد محمد بن حسين، قدس سره، فيما كتبه في التفسير). (ص ١٠, ٢٢, ٢٦, ٢٩ الخ.) كما يذكر آخرين بقوله: (وقال المولى أبو كمال) أو (قال المولى عبد الحكيم في حواشيه). وعندما جاء ذكر صاحب النظم ترحم عليه ابن العنابي وجاء بأول بيت من النظم وهو:

стр. 96

يا سائلا حصر العلاقات التي ... وضع المجاز بها يصوغ ويجمل ثم أخد في شرح هذا البيت من الوجوه التي ذكرناها. وعندما ينتهي من ذلك يأتي بالبيت الآخر وهكذا. وقد قال ابن العنابي عن (العلاقات) بأنها جمع علاقة، تقال على علاقة السيف ونحوها. فتكسر، وعلى الحب اللازم فتفتح أيضا. وقال عن الاتصال ما بين المعنى المستعمل فيه اللفظ وبين المعنى الموضوع له كاللازمية والملزومية وغير ذلك. وكانت البيت من النظم هي بمثابة الفصل من الكتاب إذ لم يقسم عمله إلى فصول وإنما اتخذ البيت هو الوحدة. ويراد بالعلاقات الصلات بين الألفاظ والمعاني، سواء كانت خفية أو ظاهرة، فاسعمال النكرة بدل المعرفة، والعكس، واستعمال الماضي بدل المستقبل والعكس، واللجوء إلى مجاز المجاز، وفعل الأمر، وتغيير الخطاب، واستخدام الجموع قلة أو كثرة، صحيحة أو مكسورة، مذكرة أو مؤنثة، والمجيء بالخبر بمعنى الأمر، وذكر العاقل بدل غير العاقل، ونحو ذلك من صور المجاز هي التي تناولها ابن العنابي في هذا الكتاب. وقد حقق هذه الصور البيانية وأدارها على وجوهها بأسلوب أدبي جيد وتعمق في أسرار اللغة والتاريخ الأدبي وطرق البلاغة والذوق الفني. وما يذكر أنه قدم هذا الكتاب إلى شيخه علي بن عبد القادر بن الأمين، مفتي المالكية في الجزائر مدة طويلة، فقرظه له بأبيات متكلفة غامضة ومكسورة، ولكنها تدل على الصلة بين الرجلين وتقدير الشيخ ابن الأمين لتلميذ، النجيب ابن العنابي. وقد أورد هذا تقريظ شيخه له في صدر كتابه مفتتحا بها هكذا: (الحمد لله، وصلاته على رسوله، هذه الأبيات لشيخنا علي بن الأمين عليه سحائب الرحة (٩)، قالها في حق هذا التأليف حين رآه.

стр. 97

نص الفصوص لنور العين مستعارة ... فص النصوص بديع الزمن استنارة يطوق العصر إفنانا متوجة ... صاغ لها الصاغ (كذا) قرطين على المنارة طبق البيان معان (كذا) التاج رصعها ... سبعا بنيرة الكواكب السيارة مجاز مرسله حق مشاكلته ... تغليب مكني بالإستخدام استعارة حيا الضياء فود الشمس مقتبسة ... شمس البني من أبي بان بلا استخارة صلو (كذا) على المصطفى وسلموا واقفوا ... بختم الرضى قفوا الفي الخيرة ومهما كان الأمر فإن ابن العنابي انتهى من كتابه سنة ١٢٣١ كما أشرنا، وختمه بهذه العبارات: (والحمد لله على ما رزق من التيسير، وسهل من تحرير هذا المجموع الأثير، فقد أنجزت فيه ما وعدت، وما قصرت فيما جمعت وهذبت، طال ما سهرت فيه الليالي، وأعملت في حل عوسصه نظري وبالي، وكان فراغي من تحريره بأواسط محرم سنة إحدى وثلاثين واثني عشر مائة. وتم نسخ هذه صبيحة أول يوم من ربيع الثاني سنة ١٢٣١). ٤ - صيانة الرياسة: ولابن العنابي كتاب آخر في أمور القضاء والسياسة، ذكره له عبد الحميد بك في تاريخه المخطوط، كما جاء بالقصة التي توضح لماذا أقدم ابن العنابي على هذا التأليف. ورغم أننا لم نطلع على كل هذا الكتاب فإننا نورد الوصف الذي وصفه به عبد الحميد بك والظروف التي ألفه فيها. يروي عبد الحميد بك أن محمد علي، والي مصر، قد ولى ابن العنابي فتوى الحنفية بالإسكندرية على أثر وفاة مفتيها خليل السعدان الذي تصادفت وفاته مع وصول ابن العنابي من الجزائر سنة ١٢٤٦. وبقي ابن العنابي في هذا المنصب إلى سنة ١٢٦٦ حين عزله منه والي مصر عباس باشا، حفيد محمد علي، بعد أن نقم عليه نتيجة الوشاية والتآمر الشخصي. وسبب العزل، على ما يذكر عبد الحميد بك، أنه في آخر عهد محمد علي كان أصحاب الدعاوى يستفتون المفتيين في أمورهم فإذا ظهر الحق إلى جانب الذي معه الفتوى يقوم المدعي عليه باستفتاء مفتي آخر ويأتي

стр. 98

بفتوى أخرى مستفيدا من اختلاف المذاهب الفقهية، وبذلك تعاد رؤية الدعوى أمام القضاة، وهكذا. وقد كثرت هذه الدعاوى والفتاوى كثرة أحدثت بلبلة، وكانت وسيلتها رشوة المفتيين. وقد فكر محمد علي في ذلك، وظهر عليه الانزعاج والملل مما كان يحدث بين القضاة وأصحاب الدعاوى. فاستدعى ابن العنابي، وأمره (بتأليف كتاب يجمع فيه ما رجح من أقوال المذاهب الأربعة، ويوفق مع الأقوال قوانين السياسة. وتصير كل الأحكام عليه) وبذلك لم تعد ضرورة للاستفتاء من المذاهب الأربعة. وكان هدف محمد علي الأخذ بالقول الراجح وقطع الطريق على التلاعب بالقوانين الشرعية وتداخلها مع السياسة الوضعية التي كان يسير عليها. وأخذ ابن العنابي في تأليف الكتاب على ضوء هذه التعليمات. ويبدو أنه انتهى منه وصار معمولا به بين القضاة والمفتيين، لأن عبد الحميد بك يذكر أنه لما ولى عباس سنة ١٢٦٥ تحرك خصوم ابن العنابي الساخطين على كتابه الذي حرمهم من التعامل الحر مع أصحاب الدعاوى، وسعوا لدى الوالي الجديد في إبطال العمل بكتاب ابن العنابي. وقد حاكوا لذلك خيوطا وأقنعوا الوالي بأن العمل بالكتاب المذكور يضعف الدين الإسلامي ويؤدي إلى إزالته أصلا من الوجود، وبالغوا في الكيد لابن العنابي، فاتهموه لدى الوالي بالزندقة والخروج عن الجماعة الإسلامية (رجل خارجي). ويقول مترجم ابن العنابي (وقصدهم من ذلك ارتزاقهم من الفتاوى على الاختلاف في المذاهب. وما زالوا به حتى نقم عليه (عباس) وعزله. وولاها الشيخ محمد البنا). وهو أحد تلاميذ ابن العنابي. واسم هذا الكتاب الذي أثار الضجة المذكورة، (صيانة الرياسة ببيان القضاء والسياسة). ولا ندري ما (الرياسة) التي يقصدها ابن العنابي، هل هي الرياسة الدنيوية أو الشرعية. والغالب على الظن أنه يقصد الأولى، أي صيانة الدولة. والظاهر أنه أنجز مهمته فألف الكتاب وأصبح معمولا به لدى من يهمهم الأمر وبإلزام من قبل محمد علي. غير أن مترجمه يشير إلى أن ابن العنابي قد

стр. 99

كتب منه عشر كراسات، مما يوحي بأنه لم يتمه. ويتضح لنا أن الكتاب يتماشى مع تجربة ابن العنابي في القضاء والإفتاء سواء في الجزائر أو في مصر، كما يتماشى مع مواقفه المتحررة التي عبر عنها في كتابه (السعي المحمود) من وجوب الأخذ بأسباب النهضة الإسلامية وذلك بتقليد الأروبيين في كل ما يعود على الإسلام والمسلمين بالنفع، وأخيرا فإن الكتاب يتماشى مع تجربته الواسعة في الشؤون السياسية والدبلوماسية والتي تكلمنا عليها فيما مضى. وليت، الباحثين يعثرون على نسخة كاملة من هذا الكتاب لنعرف آراء ومواقف إضافية عن مؤلفه. ومهما كان الأمر، فإن الموجود منه حتى الآن لا يتجاوز الكراسة، إذ يقع في ١٤ ورقة فقط (٢٨ صفحة، مقاس ٢١ في ١٦) (١٠)، وموضوعه هو الفقه الحنفي وليس فقه المذاهب الأربعة، كما ذكر السيد عبد الحميد بك، وقد ذكر ابن العنابي في المقدمة صراحة أن محمد علي والي مصر هو الذي طلب هذا العمل، ولكنه لم يذكر التفاصيل التي أوردها عبد الحميد بك. وأشار ابن العنابي إلى ذلك بقوله إن أحكام الشريعة الإسلامية قد تضمنت سوابق سياسية تتماشى والعقل السليم حتى أن الأمم الأخرى اقتبست واستفادت منها، وإن محمد علي قد سمع بذلك فرغب في تجديد العمل بالأحكام السابقة بعد اندراس العمل بها، وذلك (بوضع مختصر جامع لأحكام القضايا السياسية المأثورة) كما أشار إلى أن هذه الأحكام ستكون طبقا للمذهب الحنفي (دون التنصيص المباشر عليه) وذلك في قوله عن مشروعه (منتخب من صحيح المذهب) وليس المذاهب الأربعة. وهكذا استجاب ابن العنابي لأنه لا يسعه،

стр. 100

كما قال، إلا الطاعة والمبادرة والمسارعة في تلبية رغبة محمد علي. وهذه عبارته: (أما بعد، فإن أحكام الشريعة المحمدية تضمنت قديم سياسيات تأنس لها العقول الذكية، يا لها من شريعة أسس قواعدها من أوتي جوامع الكلم، واعترف بإحكام أحكامها من لم يتدين بدين من الأمم، فصاروا يقتبسون ما لاح لهم من أنوارها ويقتدون في أمور دنياهم بما استبان لهم من آثارها، ولما تناقلت أنباء ذلك إلى حضرة من عم حسن سياسته الممالك، والصدر الهمام، حامي حمى الإسلام، عزيز مصر القاهرة، ومجدد رسومها الداثرة. مولانا الحاج محمد علي. تحولت همته العلية، إلى تجديد آثارها السنية، بوضع مختصر جامع لأحكام القضاء والسياسة المأثورة، منتخب من صحيح المذهب وأقوالها المقصورة، فوجبت على السيد (لعلها العبد) الفقير طاعته، وإلى هذا المسعى الجميل مبادرته ومسارعته، فشرعت فيه متوكلا على الرب الكريم. بعد أن وسميته: بكتاب صيانة الرياسة، بيان أحكام القضاء والسياسة). ولم يفصل ابن العنابي في المقدمة، كالعادة، خطة الكتاب، فلم يذكر أنه سيقسمه إلى فصول وأبواب، وإنما اكتفى بوضع عناوين داخلية لكل فكرة يريد علاجها. فكانت العناوين التي اشتملت عليها الأوراق التي بين أيدينا هي: ١ - في القضاء والقاضي. ٢ - في تولية القاضي. ٣ - في آداب القاضي. ٤ - في آداب مجلسه. ٥ - في طبقات المسائل. ٦ - في رسم القاضي والمفتي. والعنوان الأخير هو الذي احتل أكثر الكراسة التي عندنا. وهو في مواصفات القاضي والمفتي، وطريقة الاستماع إلى المتخاصمين، والتأكد من الوثائق، ومن أقوال السابقين، وكيفية إصدار الأحكام الخ. ولا شك أن ابن العنابي كان يكتب عن دراية وتجربة طويلة في القضاء والإفتاء. فهو نفسه تولى الوظيفتين في الجزائر وتولى الأخيرة في مصر، بالإضافة إلى معارفه الفقهية وقراءاته الكثيرة.

стр. 101

وعن تولية القاضي يقول إنه يملكها من ملك التصرف الكلي في المملكة الإسلامية أو أي جزء منها، أصالة أو نيابة، وتغلبا. كما يجوز لقاضي القضاة أن يولي القاضي. والأفضل عدم ترك القاضي في ولاية أكثر من سنة، ويجوز تولية أكثر من قاض من البلد الواحد، الخ. ويقول ابن العنابي عن القاضي إنه يجب أن يكون الأقدر والأحق، بحيث يكون ذكرا حرا مسلما، سميعا بصيرا ناطقا، موثوقا بعقله ودينه وعلمه وفهمه، عارفا بأحوال المتولى عليهم الخ. ويحرم على القاضي قبول هدية من صاحب خصومة، وينبغي عليه عدم مباشرة البيع والشراء، ولا يستقرض ولا يستعير، ويتجنب بطانة السوء، الخ. ويخرج القاضي إلى مباشرة القضاء في أجمل هيأته وأحسن ثيابه وأعدل أحواله بسكينة ووقار، ولا يباشره في حالة انفعال من جوع أو هم أو غضب الخ. ويبين ابن العنابي أن المسائل في مذهب أبي حنيفة طبقات، فقال: (مسائل مذهبنا طبقات طاهر الرواية ورواية النوادر، وأقوال متأخري المشائخ وفتاويهم، وقد تحكى الروايات والأقوال بلا ترجيح، وقد يختلف التصحيح ولا تجتهد). وهذا دليل آخر على أن ابن العنابي كان يكتب عمله طبقا لمذهب أبي حنيفة. ونذكر في آخر هذا التعريف أن الكرامة التي بين أيدينا تبدأ بالعبارات الآتية: يا من عم البرية بجامع إحسانه، وخص الأمة المحمدية بزيادات فضله الخ. (أما آخر المخطوطة فهو العبارات الآتية: وإن لم يوص رفع الأمر للقاضي ليطلق له التصرف أو يضم إليه آخر). ٥ - متفرقات: وهناك مؤلفات أخرى لابن العنابي لا نستطيع التوسع فيها، لأننا لم نطلع عليها ولم نعرف عنها من الغير إلا أسماءها أو بعض الأوصاف غير الوافية. من ذلك: ١ - مجموعة من الرسائل بلغت ثماني عشرة رسالة أجاب بها عن مسألة

стр. 102

تتعلق بوقف العقار. وقد ذكر له ذلك مترجمه عبد الحميد بك في تاريخه. كما أشار إلى هذه المسألة ونقل منها في كناشة المفتي المالكي الجزائري حميدة العمالي، وقد لاحظ العمالي بأن ابن العنابي قد أجاب بذلك سائلا سأله. ٢ - شرح متن البركوي في التوحيد ، وقد ذكره له عبد الحميد بك، وقال إنه لم يتمه، ولاحظ أن ابن العنابي قد اشتغل بهذا الكتاب في أخريات أيامه، وقد يكون بعد عزله من منصب الفتوى (سنة ١٢٦٥). وقد انتهى ابن العنابي في كتابه عند قول صاحب المتن في حق الصحابة: نحبهم ونرتجي شفاعتهم، فكانت آخر عبارة في الشرح هي قول ابن العنابي بعد ذلك: أي لنا في الآخرة. ٣ - شرح الدر المختار في الفقه الحنفي . وقد سبق القول بأن هذا الشرح قد بلغ فيه إلى نحو الثلثين من المشروح، كما لاحظ ذلك عبد الحميد بك في تاريخه. وهذا الشرح هو الذي جعل بعض علماء تونس يمدحونه عليه ويشيدون بفضله فيه. ويبدو أن هذا الشرح كان الكتاب (الدر المختار في شرح تنوير الأبصار) تأليف محمد علاء الدين الحصفكي، مفتي الحنفية بدمشق خلال القرن الحادي عشر الهجري. والحصفكي بدوره كان قد شرح بكتابه المذكور كتاب (تنوير الأبصار وجامع البحار) في الفروع الفقهية تأليف محمد بن عبد الله بن أحمد بن تمرتاش الغربي المتوفى سنة ١٠٠٤ م. ولا ندري ما الذي عاق ابن العنابي على إكمال شرحه الذي كان قد بدأه مبكرا، أي قبل ١٢٤٥، رغم أنه عاش طويلا بعد ذلك في الجزائر ومصر. ولعل هذا الكتاب هو الذي ترجمه زائد أفندي إلى التركية، كما ذكرت المصادر (١١).

стр. 103

ومن الأكيد أن لابن العنابي مؤلفات أخرى لم يذكرها له مترجموه. وقد قال عبد الحميد بك بشأنه أن له مؤلفات كثيرة. وبعد أن ذكر بعضها قال: (وله غير ذلك مما هو مشهور، وفضله يغني عن ثبت قريض أو إنشاء له). وليته أثبت له كل ما يعرف عنه عندئذ، فنحن الآن في أشد الحاجة إلى معرفة آثار ابن العنابي. وقد قال عن شعره أيضا: (وله أشعار وتقاريظ). ولكن لم يصل إلينا من شعره إلا أبيات قليلة، ومع ذلك فهي تدل على تمكن قوي من ناحية اللغة والقوافي والفن الأدبي. ولعل الباحثين في مكتبات الإسكندرية، الخاصة والعامة، يعثرون على بعض آثاره الضائعة، فهو شخصية تستحق منهم كل اهتمام ودراسة. ***

стр. 104

القسم الثالث: نصوص منه وعنه ١ - مقدمة كتاب (السعي المحمود في نظام الجنود). ٢ - مقدمة (بلوغ المقصود مختصر السعي المحمود). ٣ - إجازة ابن العنابي لمحمد بيرم الرابع. ٤ - رأي ابن العنابي في المرأة. ٥ - من شعر ابن العنابي. ٦ - تقريظ محمد بيرم الرابع لكتاب (شرح الدر المختار). لابن العنابي. ٧ - رسالة محمد بيرم الرابع إلى ابن العنابي. ٨ - مصطفى بيرم يستجيز ابن العنابي (شعر).

стр. 105

صورة لعنوان كتاب (السعي المحمود) من نسخة لدى محمد بن عبد الكريم

стр. 106

صورة من مقدمة كتاب (السعي المحمود) من نسخة لدى محمد بن عبد الكريم

стр. 107

١ - مقدمة كتاب (السعي المحمود في نظام الجنود) (١) يا من يؤيد بنصره من يشاء، وله العزة والجبروت والكبرياء، أحمدك على ما أوليت من الآلاء، وأصلي وأسلم على سيدنا محمد خاتم الأنبياء، وعلى آله وصحبه الأتقياء الأحفياء. أما يعد يقول العبد المستمد من الفيض الوهابي، محمد بن محمود الجزائري بن العنابي، انه لما حدث في هذه الأعصار الآخرة، تطاول طغاة الأمم الكافرة، بترتيب أجنادهم على طريقة محكمة ابتدعوها، وتدريبهم على فنون حيل اخترعوها، قصدا لمكيدة الإسلام وأهله، وسعيا في استباحة حماه وتمزيق شمله - خيب الله آمالهم، وأكذب ظنونهم، وأبطل أعمالهم - عظم الخطب في تفريق نظامهم، وتفاني الحماة دون نيل مرامهم، فدعت ضرورة الحال إلى استعلام ذلك من قبلهم، والتدرب على ما ألفوا من صنايعهم وحيلهم، فرتبت العساكر الإسلامية على نحو من ذلك نظاما جديدا وصدر به من جانب السلطنة العلية - أدام الله تأييدها - أمرا أكيدا، وضيقت ملابس الجند، واختصرت، وفننت ألوانها، وقصرت. فاستكره ذلك أناس، وطرق أسماعهم من بعض متصلفة وسواس. وقد جرى بيني وبين أفاضل الإخوان، في مجمع أنس جادبه الزمان، كلام علق منه بباله، فوجه إلي خطابه بكتابة جواب على منواله، تلزمني أن أسعفه بما

стр. 108

رام، وأزيده بسطا يناسب المقام، فأقول في جوابه، متلذذا بتجديد خطابه. اعلم أولا أنه قد عرف أن ترتيب نظام الجند على الوجه الذي ابتدعه الكفرة يحصره أمران أحدهما أمور حربية والثاني أمور سياسية. فنرتب الجواب على مقصدين، ونذيله بخاتمة، مستعينين بحوله تعالى وقوته. المقصد الأول في الأمور الحربية ونعني بها كل ما أنتج قوة محسوسة أو معقولة على دفاع الأعداء وإرهابهم وإغاظة نفوسهم وإتعابهم. فكل هذه المعاني أمور شرعية، لأن فيها إذلال الكفر وعز الإسلام وعلو كلمته وأنه المقصود الأعظم من شرعية الجهاد بإشارة قوله تعالى: ﴿وجعل كلمة الذين كفروا السفلى وكلمة الله هي العليا﴾ وقوله (ص)، فيما روى البخاري ومسلم عن أبي موسى ﵁، (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). فكل ما يفيد منفعة لها تعلق بإعزاز الدين ورفعة شأنه، مما اشتمل عليه النظام المستجد للكفرة، من ترتيب العساكر وتصنيفهم وحصر أعدادهم وتعديد قواتهم وعرفائهم وتسويم أصنافهم، وكبرائهم بخصوص لباس أو علامة وتضييق ملابسهم وتقصيرها وتعيين مواقفهم وعملهم وتخصيص كل فريق براية أو لواء ثم تدريبهم على عمل الحرب بتعليمهم كيفية الرمي والطعن والضرب وغير ذلك مما يقتضيه أمر الحرب من تصفيف وإغارة واجتماع وافتراق وإقدام وإحجام وكر وفر وركوب ونزول وظهور وكمون وتحريض وتثبيت ورفع صوت وخفضه ورد منهزم وحراسة، وغير ذلك مما قد تدعو إليه الحاجة - فهو أمر مشروع بالنظر لأصله لما ذكرنا ولاندراجه في عموم قوله تعالى: ﴿وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم﴾ على ما نبينه. واعلم أن هذه الآية الكريمة من أبدع جوامع كلم القرآن وأظهرها إعجازا لفظا ومعنى لانتظامها جميع الأدوات الحسية والمعنوية المورثة قوة ظاهرة أو باطنة تنتج إرهاب الأعداء وانطباقها على جميع ما حدث قبل نزولها، واستحدث بعده كالأدوات والأعمال البارودية المتأخرة عنه بنحو من ثمانمائة سنة، الباهرة

стр. 109

القوة حتى كأنها المقصودة بالذات، وغير ذلك من المعاني الفاضلة بأوجز عبارة وأوضح بيان. فإعجازها مما يشترك في معرفته الخاص والعام. فسبحان اللطيف الخبير. فقوله ﴿أعدوا﴾ أمر من الإعداد وهو تهيئة الشيء لوقت الحاجة. وضمير ﴿لهم﴾ للكفار على الإطلاق، لأنه الأنسب بسياق النظم الكريم، فعلى أمة الإسلام وأمرائه ما (كلمة غير مقروءة على الميكرو فيلم). مرتبهم من تنظيم الأجناد وانتخاب الرجال واستجلاب قلوبهم ببذل المستحق وإظهار العدل والمبرة والإحسان وتهيئة الأدوات والذخائر وتسديد الرأي في ذلك، وإعمال المشورة والاستعانة بذوي الصلاح والرأي في الأخذ بالمغرم (بالحزم؟) بترك الركون إلى السكون والدعة والتهاون بالأعداء وإن ضعفت شوكتهم. وعلى المنتخبين لإقامة هذا المهم الشريف من رئيس ومرؤوس بذل ما يلزمهم من امتثال أمر السلطان والمسارعة إلى إجابته لذلك لأنه من فروض الكفايات وإنها تتعين إذا عينها الإمام لوجوب طاعته في المباح للنصوص التي جاءت بوجوب طاعته ما لم يأمر بمعصية فضلا عما هو فرض كفاية. وعليهم، مع ذلك، أن يطيبوا أنفسهم لامتثال أمره ويوفوا حق رتبته فإنه في نهوضه لهذا الأمر قائم بأمر الله نائب عنه سبحانه في تنفيذ أمره ونصرة دينه وإعلاء كلمته فأمره تبليغ لأمر الله وطاعته طاعة لله ورسوله فلا يلاحظ في مثل هذا الأمر إلا بالتعظيم ولا يقابل إلا بالثناء والتكريم. والمراد من الطاعة المطلوبة شرعا الانقياد ظاهرا وباطنا بالامتثال ومدافعة الكراهة الطبيعية حتى لا تجره إلى غيبة أو بعض من عظم الله حرمته وجعل طاعته طاعته فيقع في كبيرة الغيبة ونفاق القلب ويخرج عن الطاعة المطلوبة منه. وعلى القاعدين الترغيب في ذلك والحث عليه لأنه من بواعث القوة وفيه فضيلة الدلالة على الخير. وإنهم (الكفار) إذا ابتدعوا من أدوات الحرب وصنائعه أمرا له موقع لا نؤمن من اسطالتهم به علينا لزمنا بذل الوسع في تعلمه وإعداده لهم والاجتهاد في مجاوزتهم فيه، وإنه إذا لم يمكن استعلام ذلك إلا من قبلهم وجب استعلامه

стр. 110

منهم لأنه مستطاع لنا. وإنهم إذا أعدوا لنا صواعق البارود فأعددنا لهم القسى والمنجنيق اللذين صارا اليوم كالشريعة المنسوخة أو اقتصرنا على السيوف والبندقيات أو شمروا لنا الثياب فأعددنا للقائهم الثياب المجررة والأكمام المطولة والعمائم المكبرة لم نخرج عن عهدة الأمر ولزمنا الإثم والعار، فلا غرض الشارع حصلنا ولا سبيل الرجولية سلكنا. ***
следующие страницы →