شيخ الإسلام
عبد الكريم الفكون
داعية السلفية
تأليف
الدكتور أبو القاسم سعد الله
جامعة الجزائر
стр. 2
شيخ الإسلام
عبد الكريم الفكون
داعية السلفية
تأليف
الدكتور أبو القاسم سعد الله
جامعة الجزائر
(التأليف هو جمع تحقيق واتقان لا جمع كتابة وتدوين، إذ ما كان بهذه المثابة ليس فيه سوى تسويد الصحف.)
(عبد الكريم الفكون)
دار الغرب الإسلامي
стр. 3
شيخ الإسلام
عبد الكريم الفكون
داعية السلفية
стр. 4
جميع الحقوق محفوظة
الطبعة الأولى
١٤٠٦ هـ = ١٩٨٦ م
стр. 5
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
مقدمة
هذه دراسة لحياة وآثار شخصية نابضة من شخصيات العالم الإسلامي في عصور الانحطاط، وهو عبد الكريم الفكون، الملقب بشيخ الإسلام. فقد عاش خلال القرن الحادي عشر (١٧ م) في الوقت الذي اشتدت فيه القطيعة بين العالم الإسلامي الجامد والعالم الأوروبي المتحرك، وازدهر فيه التصوف المزعوم والدروشة والأمية والتخلف العقلي في المجتمعات الإسلامية، وكثر فيه أدعياء العلم من الفئة التي كانت تسمي نفسها حامية الشريعة، ومصابيح الظلام، وهي فئة الفقهاء أو المتفقهين، واستولى فيه على مقاليد السلطة حكام جهلة وطغاة وغرباء عن حاجات وأحاسيس المجتمعات الإسلامية التي يحكمونها، وعشش أثناءه الفكر الخرافي حتى كاد المجتمع كله يصبح زاوية صوفية تشيع فيها الحضرة والرقص العصبي والإيمان بالغيبيات والروحانيات.
في هذا الجو ظهر شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون، فحمل معول الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وجاهد في سبيل
стр. 6
الرجوع إلى الدين الصحيح، ونادى بالعمل بالعلم والتعمق فيه وفهم الحياة فهما عقليا، وكشف أحوال المتاجرين باسم التصوف، الصائدين في الماء العكر، أولئك الذين لا هم لهم إلا ملء الجيوب والبطون، وتكثير الأتباع والخدم، عن طريق تضليل عقول العامة والتواطىء مع الخاصة ونصرة الظلمة والمستبدين، وكان الفكون يقوم بهذه الحملة بالدرس في المسجد، والتأليف والمراسلة، والإفتاء.
وقد ناله من ذلك الأذى الكبير، وقلته، كما قال، القلوب والعيون، وتآمر عليه المتآمرون. ولكنه صمد وواجه، لأنه كان يعتبر ذلك من الجهاد في سبيل الله. ومن الآثار التي تركها في هذا الغرض عدة تآليف ورسائل، بعضها ما يزال، لحسن الحظ، موجودا، وبعضها أصبح في حكم المفقود. وقد اطلعنا على بعض هذه الآثار، مثل (منشور الهداية في كشف حال من ادعى العلم والولاية) و (محدد السنان في نحور إخوان الدخان)، ومثل رسائله إلى بعض الأصدقاء المعاصرين له، كما اطلعنا على جزء من ديوانه في المديح النبوي، ونسخة من كتابه في علم الصرف. وكل هذه الآثار تدل على أن الرجل كان يناضل وحده ضد قوى الشر والجمود والطغيان. ومن المفيد أن يقارن الباحثون بين آرائه وآراء الشيخ محمد بن عبد الوهاب الذي ظهر بعد الفكون بحوالي قرن، وآراء دعاة التجديد واليقظة الإسلامية أمثال محمد بن العنابي ورفاعة الطهطاوي وجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده بعد حوالي قرنين.
стр. 7
ولقد قسمنا عملنا هذا إلى أربعة فصول تناولنا فيها حياته وفكره وآثاره، وختمنا دراستنا هذه بنصوص من الفكون نفسه ومن مراسلات الغير معه. ولا شك أن ما ذكرناه لا يعدو أن يكون غيضا من فيض، وأن آثار الفكون التي نفهم منها دوره السياسي والاجتماعي والإصلاحي والفكري ما تزال مبعثرة. وقد كنا جمعنا مادة هذه الدراسة منذ أكثر من عشر سنوات، ولكن الوقت لم يكن مساعدا لصياغتها وتقديمها للقراء إلا خلال الصيف الماضي (١٩٨٥). وعسى أن يكون ما قمنا به مفيدا للجيل العربي المسلم الذي يبحث الآن عن البدائل الذاتية في مواجهة مغريات الحضارات الأخرى. ولعلي لا أبوح سرا عندما أقول إن دافعي الأساسي من نشر حياة الفكون إنما هو خدمة الأجيال العربية الإسلامية الصاعدة التي ستجد فيها النموذج الصالح للإنسان المكافح من أجل دينه وحضارته وقيمه ضد الاستبداد والجهل والخرافة.
بقي علي أن أشكر كل الذين قدموا إلي يدا بيضاء لإنجاز هذه الدراسة. وأخص بالذكر الشيخ المهدي البوعبدلي الذي لولاه لما اطلعت على (منشور الهداية)، والدكتور عبد الجليل التميمي الذي بواسطته تحصلت على نسخة مصورة من (محدد السنان)، والشيخ عبد المجيد بن حبة الذي أرسل إلي نسخة من (منشور الهداية) للدراسة والمقارنة، والأستاذ علي أمقران السحنوني الذي أطلعني على نسخة من (فتح اللطيف، في علم الصرف للفكون، وأخيرا أشكر زميلي الدكتور صالح خرفي الذي تفضل بتصوير مراسلة الفكون مع محمد تاج العارفين العثماني، من المكتبة
стр. 8
الوطنية بتونس. فلهم جميعا جزيل الشكر ووافر الامتنان. وكيف أنسى مكتبة جامعة ميشيقان (أمريكا) التي وفرت لي مكتبا فيها حيث جلست الساعات الطوال لتحرير دراستي هذه عن الفكون في وقت كان الآخرون من أصحابنا يتمتعون بنسائم الصيف وينعمون براحة البال، ويا ويح الشجي من الخلي!
الجزائر (ابن عكنون) - ٧ فبراير ١٩٨٦
أبو القاسم سعد الله
جامعة الجزائر
стр. 9
الفصل الأول
عصر الفكون وحياته
١ - التطور السياسي
٢ - مجتمع قسنطينة
٣ - الحياة الثقافية
٤ - عائلة الفكون
٥ - نشأته وثقافته
٦ - وظائفه وامتيازاته ومكانته
стр. 10
١ - التطور السياسي
عندما ولد عبد الكريم الفكون سنة ٩٨٨ (١٥٨٠) كان قد مضى على الحكم العثماني في قسنطينة حوالي نصف قرن، وحوالي ثمانين سنة في الجزائر كلها. ولم يكن هذا العهد عهد استقرار سياسي أو ازدهار اقتصادي إلا تجوزا. فالقرن السادس عشر الميلادي (العاشر الهجري) كان قد عرف في تاريخ الشرق والغرب بأنه عصر الصراع الإسباني العثماني في الحوض الغربي من البحر الأبيض المتوسط. ولكننا لن ندرس هذا الصراع ولن ندخل في موضوع العلاقات الدولية، إلا بالقدر الذي ينعكس على إقليمنا (قسنطينة) وشخصيتنا التي نترجم لها (عبد الكريم الفكون). أما الذي يهمنا بالدرجة الأولى في هذا المجال فهو وضع إقليم قسنطينة سياسيا أثناء حياة الفكون وكيف شارك هو في هذا الوضع إيجابا أو سلبا.
كانت قسنطينة في فاتح القرن العاشر (١٦ م) تتبع الحكم الحفصي الذي كان مقره تونس. وكان ولاتها وكذلك ولاة عنابة
стр. 11
وبجاية يعينون من قبل الأمير الحفصي. ومن ثمة فوجهة الإقليم كانت عندئذ نحو تونس، على الأقل من الناحية السياسية. فكل ما يحدث في نظام الحكم بتونس من تغيير أو انقلاب أو تدخل خارجي ينعكس على إقليم قسنطينة أيضا. وقد عرف النظام الحفصي (وكذلك النظام الزياني بتلمسان والنظام المريني بفاس) في فاتح القرن مراحل من الضعف والتهالك جعلته مطمع المتمردين من الداخل والغزاة من الخارج، ونعني بالخارج هنا الجانب العثماني والجانب الإسباني معا، بالإضافة إلى أطماع الدويلات الإيطالية المجاورة. وكان الوقود المحرك لهذا التدخل أو ذلك هم أهل الأندلس الذين لم يجدوا من أمراء المغرب القوة اللازمة لإنقادهم من الإسبان فراحوا يستنجدون بالدولة العثمانية الإسلامية الصاعدة. ونحن نعلم أن هذا الصراع المتعدد الأطراف قد انتهى بفرض الحكم العثماني في الجزائر وطرابلس ومصر وتونس في وقت واحد تقريبا. وكان على بقية النظم، ومنها النظام الحفصي، أن تنهار أمام قوة العثمانيين الجديدة.
دخل العثمانيون تونس وأبعدوا الأمير الحفصي، الذي كان قد تعاون مع الإسبان في سبيل الإبقاء على سلطته. وقد أصبح إقليم قسنطينة في وقت من الأوقات منطقة نفوذ لعدة أطراف: السلطات المحلية، بما فيها شيوخ القبائل، التي شعرت بتراخي قبضة السلطان الحفصي فتصرفت كما لو كانت بدون سلطان، والقوات الإسبانية التي عادت إلى تونس وطردت العثمانيين ومدت عينيها إلى إقليم قسنطينة فعينت لها حاكما على عنابة. والعثمانيون الذين كانوا مستقرين بالجرائر ويريدون أن يجعلوا من إقليم
стр. 12
قسنطينة حدودهم الدفاعية الشرقية ضد الإسبان وهكذا كثرت الأطراف المتنافسة كما لاحظنا، وكان كل طرف يبحث له عن الحلفاء والأنصار. وكان الدين عاملا مهما في انضمام السكان إلى العثمانيين الذين ظهروا على المسرح كحماة للإسلام ولكن كثيرا من السكان لم يفهموا من ذلك الانضمام إلى الحكم العثماني بصفة دائمة، بل اعتقدوا أنه مجرد تحالف مؤقت وتعاون لدفع الخطر المشترك.
وأثناء هذا التطور الذي قد يزيد القارىء غير المتخصص تشويشا، عين خير الدين بربروس أحد قواده على قسنطينة ليحافظ على الخط العثماني الإسلامي أمام القوة الإسبانية التي تغلبت عليه في تونس (سنة ٩٣٥/ ١٥٢٨ م). ورجع هو إلى الجزائر لينظم حملة جديدة لاسترداد تونس. وكان ذلك القائد الجديد على قسنطينة هو (حسن آغا) الذي سيخلف خير الدين نسفه في الحكم بالجرائر ويكون بطل المعركة الفاصلة التي دارت بينه وبين شارلكان في مرسى الجزائر سنة ١٥٤١ م ولكن متى كان تعيين قائد جديد على مدينة قسنطينة يحل كل المشاكل ويوطد الأمن والاستقرار؟ إن مثل هذا التعيين من شأنه أن يخلق تكتلات جديدة بين الناس مؤيدين ومعارضين، مستفيدين ومحرومين، مطمئنين وخائفين؟ (١) وسنرى أن ذلك هو ما حدث لأهل
стр. 13
قسنطينة مع قائدهم الجديد. أما الذي يهمنا الآن معرفته فهو ظهور العثمانيين أول مرة في قسنطينة.
كان تعيين القائد حسن آغا على قسنطينة إذن تعيينا مؤقتا. وكان الهدف منه وجود نقطة ارتكاز عثمانية بين الجزائر وتونس.
ولذلك قام حسن آغا بغارات من قسنطينة على عنابة التي كانت تحت قائد إسباني معين من قبل شارلكان. واشترك ساكان الإقليم في هذه الغارات دفاعا عن ديارهم ودينهم. كما قام حسن آغا بدور اخر وهو استقبال العثمانين المنسحبين من تونس بعد استيلاء الإسبان عليها وترحيلهم آمنين إلى الجزائر عن طريق البحر ليعاودوا الكرة على الإسبان. أما الدور الثالث الذي قام به حسن آغا من قسنطينة فهو توفير الرجال والعتاد والمال للحملة العثمانية الجديدة على تونس والتي أدت فعلا إلى السيطرة عليها وطرد الإسبان منها.
ولكن الحكم العثماني في قسنطينة لم يبق حكما مباشرا. فهناك فترة لا نجد فيها حكومة الجزائر العثمانية تتدخل مباشرة في تعيين الحكام هناك، وربما كان أهل البلد هم الذين يختارون من بينهم قائدا ترضى عنه السلطة في الجزائر. وكانت هذه السلطة تكتفي في الولاء بوجود قاض يدير الأحكام باسمها، وبوجود
стр. 14
حامية صغيرة من الجيش والدعاء للسلطان العثماني في الخطبة. وأقدم وثيقة تتعلق بوظيفة القاضي تعود إلى سنة ٩٤٨ (١٥٤١)، إذ أن الشيخ عمر الوزان، الذي سيتحدث عنه الفكون (١)، قد اعتذر لباشا الجزائر في ذلك التاريخ عن تولي ذلك المنصب. ولا شك أن الباشا، الذي هو حسن آغا نفسه، قد قبل الاعتذار وعين عالما آخر من علماء قسنطينة باقتراح من الوزان نفسه وهو قاسم الفكون جد مترجمنا، والمتوفى سنة ٩٦٥. وتوضح وثيقة اعتذار الوزان عن القضاء أمرين هامين، الأول تبعية قسنطينة للسلطة العثمانية في الجزائر منذ ذلك التارخ (٩٤٨/ ١٥٤١)، والثاني عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في المدينة. وتدل عدة حوادث أخرى على الأمرين معا. فحاكم قسنطينة (الذي لا نعرف اسمه) وأهلها اشتركوا سنة (١٥٦٣/ ٩٧١) في الهجوم على وهران ضد الإسبان. كما عرفت مدينة قسنطينة عدة ثورات داخلية. منها ما حدث سنة (١٥٦٧/ ٩٧٥) ضد الحامية العثمانية.
والواقع أن الثورات لم تكد تتوقف في إقليم قسنطينة حتى بعد أن استقر الوضع للعثمانيين وأصبحوا يعينون حكامهم (البايات) بانتظام. وقد كثرت هذه الثورات حتى أصبح من الصعب إحصاؤها وتحديد آمادها. فمنها ما كان يحدث داخل المدينة نفسها نتيجة تنافس العائلات، أو ظهور شخصيات صوفية طموحة، أو حوادث عامة تهز المدينة وتقسم الرأي العام. ومنها ما كان يقع في الإقليم بين أهل الريف نتيجة السخط من
стр. 15
الضرائب والتأثر بالعزل، وغضب بعض المرابطين. وها نحن نسوق أمثلة بعينها مما ساقه الفكون نفسه في كتبه. من ذلك ثورة سنة ٩٧٥ التي يسميها الفكون (فتنة الترك)، وهي الثورة التي كاد يذهب ضحيتها جده عبد الكريم الفكون وعبد اللطيف المسبح. فقد ذهبا إلى الجزائر لتطمين الباشا وتقديم بعض المطالب إليه ولكن الثورة حدثت وهما في الجزائر فهربا إلى بلاد زواوة فأرسل الباشا في آثرهما وجيء بهما وسجنهما برهة. وبعد أن تأكد من براءتهما واطلع على حقيقة الموقف أطلق سراحهما وأعادهما إلى قسنطينة مكرمين. وقد وعداه بالسعي في توفير الأمن والعافية في المدينة. وكذلك كان الحال، وقد توجه الباشا نفسه إلى قسنطينة، وهو عندئذ محمد بن صالح رايس، وبعد سهره على إعادة الاستقرار ترك عليها حاكمأ بلقب (باي)، وهو رمضان شولاق.
وقد أطال الفكون أيضا في سرد قصة جرت لجده وأحدثت هزة عنيفة في داخل قسنطينة، وهي قصة اليهودي الذي اعتنق الإسلام ثم سب الرسول (ص). فقد انعقد مجلس الشورى وحضره الباي نفسه والجنود والشرطة والعلماء. وكان الجمع قد قالوا بعدم قتل ذلك اليهودي إلا عبد الكريم الفكون، فقد أصر على الحكم بموته وانقسم المجلس وخرج الخبر للشارع وكثر الضجيج والضغط على الشيخ، ولكنه لم يتزحزح عن موقفه إلى أن خضعوا جميعا لرأيه (١).
كما ذكر الفكون ثورتين أخريين هما، ثورة يحيى الأوراسي
стр. 16
وثورة خالد بن نصر. ويبدو أن الأولى وقعت بعد سنة ٩٨٨ وذلك أن الشيخ الأوراسي كان حاضرا وفاة عبد الكريم الجد في هذا التاريخ ولم يكن عندئذ قد ثار بعد، وقد انتشرت هذه الثورة التي كان صاحبها من العلماء البارزين ومن شيوخ الفكون الذي نترجم له. ثار الأوراسي في جبال الأوراس بدون تحديد ومات، كما يقول الفكون، شهيدا، وبعد مقتله قام أخوه بالثورة، ثم قام ولده (ولد يحيى الأوراسي) ولم يكمل الفكون قصتها لأنه أخبر أنها كانت مستمرة عندما كان هو يؤلف كتابه (أي حوالي سنة ١٠٤٥).
أما عن ثورة خالد بن نصر فقد وقعت في شرق قسنطينة، دون تحديد المكان بالضبط ولا التاريخ، ولكن يبدو أن الثورة وقعت قبل سنة ١٠٤٥ وهو تاريخ تأليف الفكون لكتابه الذي ذكرها فيه. وقد أورد الفكون خبر هذه الثورة في حديثه عن عبد الملك السناني الذي قال إنه كان من أجناد قسنطينة وحشمها، أبعدوه عنها فجمع أقاربه وانتصب للشيخوخة (بالمعنى الصوفي) وصار يفعل ذلك (تحت كنف باغيها وقائمها المسمى خالد بن نصر) ويذكر الفكون ثورة أخرى دون أن يؤرخ لها ولكنها أيضا وقعت قبل سنة ١٠٤٥، وهي ثورة محمد بن الأحسن في جبال قرب نقاوس، فقد قام هذا الرجل المتصوف وشق عصا الطاعة مما جعل قواد وعساكر قسنطينة تخرج إليه كما يقول الفكون فهرب إلى تلك الجبال، وقد أشار الفكون أيضا إلى عدة ثورات أخرى منها ثورة أحمد السوسي المغربي (١).
стр. 17
ولعل أكبر الثورات التي لم يؤرخ لها الفكون لأنها وقعت بعد تأليف كتابه، ثورة الذواودة المعروفة أيضا بثورة ابن الصخري. وقد كنا بسطنا القول في هذه الثورة في غير هذا المكان (١) وحسبنا هنا أن نشير إلى أنها من أعنف الثورات التي وقعت ضد العثمانيين في إقليم قسنطينة، وهي تشبه في اتساعها وموقعها ثورة ١٨٧١ ضد الفرنسيين، رغم أن الأولى أطول عمرا، وقد تدخل لإخماد هذه الثورة باشوات الجزائر وبايات قسنطينة وكثير من الجنود والأسلحة، وهزت هذه الثورة المجتمع والعلاقات العائلية وكشفت عن حقيقة الولاء عند البعض وزيفه عند البعض الآخر، ووقف العلماء ورجال الدين منها موقفا في الغالب مع السلطة، وعلى رأسهم عبد الكريم الفكون الذي نترجم له. ومهما كان الأمر فإن ثورة الذواودة وقعت سنة ١٠٤٧ وعندما توفي الفكون سنة ١٠٧٣ لم يكن إقليم قسنطينة أكثر استقرارا مما كان عليه. ذلك أن من أهم الثورات التي طال عهدها أيضا ثورة الشابية، وهكذا يتضح أن إقليم قسنطينة الذي كان كثير السكان واسع الأطراف، كان في نفس الوقت كثير الهزات السياسية والعسكرية، وهذه بدورها لا تسمح بالرخاء الاقتصادي ولا الرقي الاجتماعي.
وسواء كان الوضع مستقرا أو متأزما في الإقليم فإن الإدارة العثمانية كانت قد توطدت أثناء حياة عبد الكريم الفكون وأصبح لها تقاليد ومعاملات خاصة بها فهي ليست الإدارة القديمة التي كانت موجودة أثناء العهد الحفصي من جميع النواحي كان
стр. 18
الحاكم يسمى (بايا) في الوثائق الرسمية ولكن الكتابات المعاصرة به أحيانا (القائد) وأحيانا (الوالي) وأحيانا (الأمير) , ومن هؤلاء الفكون نفسه وكان الحاكم في بداية الأمر يختار من قبل السكان وتصادق عليه السلطة المركزية في الجزائر فإذا حدثت ثورة ضده أو خرج الأمر من يده أو مات، يعيد السكان الكرة وكذلك تصادق السلطة المركزية. وكان الاختيار ليس شعبيا بالمعنى الذي نفهمه الآن، ولكن كبار القوم من الشيوخ والعلماء والقضاة وأعيان العائلات هم الذين يجتمعون ويباركون هذا ويرفضون ذاك. فإذا اختلفوا أو انقسموا تقع الفوضى لا محالة ولا يفصل في الأمر إلا فرض وجهة نظر أحد الفريقين عن طريق تدخل الحامية العسكرية أو حتى السلطة المركزية. ولذلك كان أولئك الأعيان حريصين على الإبقاء على التضامن فيما بينهم وإبعاد الخلاف والانقسام حتى لا تتدخل العساكر كما يقولون. ويتضح من كتابات الفكون أنه يتحدث عن (العجم) وعن (الترك) كفئة متميزة عن المجتمع القسنطيني غريبة عنه تعيش معه ولكن عالة عليه. أما القوة الحقيقية في نظره فقد كانت في يد الأعيان ولا سيما رجال الدين وعلى رأسهم العلماء.
ومع مرور الزمن جعل الحاكم (الباي) من حوله إدارة تتألف من موظفين بارزين، لمساعدته في تسيير شؤون الإقليم. فهناك القضاة والجنود والشرطة، وهناك قواد العساكر وشيوخ القبائل، وهناك الكتبة وأصحاب البريد، كما هناك مسؤولون على كل جزء من أجزاء الحياة العامة من أمن ونظافة وعدالة وضرائب ونحوها - ونحن نفهم الكثير من العلاقات الداخلية في مدينة قسنطينة
стр. 19
وإقليمها، ولكننا لا نفهم إلا القليل عن علاقات حاكم قسنطينة بالسلطة المركزية عندئذ ولا سيما في القرن السادس عشر (١٠ / هـ). والظاهر أن ما أصبح يسمى برحلة أو زيارة الدنوش التي يقوم بها هذا الحاكم شخصيا كل ثلاث سنوات، وبواسطة خليفته كل ستة أشهر، لم تكن قد سنت بعد، ولكن كان هناك شكل آخر لا نعرفه جيدا من أشكال الولاء للسلطة المركزية ومن أشكال دفع ضرائب الإقليم إلى خزانة الدولة ومن أشكال التعاون عند الأزمات والثورات والغارات الخارجية.
وعلى ذكر الغارات الخارجية نقول إن العلاقات بين إقليم قسنطينة وتونس أو بين باي قسنطينة وباي تونس كانت تجري على شكل يكاد يكون مستقلا عن السلطة المركزية رغم أنه لا بد أن يكون هناك طريق غامض للتنسيق والمشاورة. فقد وقعت عدة مناوشات وخلافات بين المنطقتين سببها تحديد الحدود وموالاة القبائل الحدودية التي يحرص كل فريق على ضمها إليه أو استخدامها ضد خصمه عند الأزمات. ومن ذلك ما حدث في بداية القرن السابع عشر، حيث انتهى الأمر إلى توقيع معاهدة سنة ١٦١٤ رسمت بها الحدود بين الطرفين. ولكن في سنة ١٦٢٨ حدثت مداخلات بين القبائل وجرت مفاوضات بين الفريقين ويحدثنا الفكون عن اتفاق صلح جرى في قصر جابر سنة ١٠٣٧ وشارك فيه وفد من علماء وعسكر قسنطينة وعلماء وعسكر تونس، ورغم هذا التوتر على الحدود الذي كانت السلطة في الإيالتين تصطنعه في كثير من الأحيان لأغراض اقتصادية وشخصية، فإن العلاقات بين الإيالتين ظلت قوية، فالتجار كانوا يتنقلون بسهولة
стр. 20
والعلماء يتزاورون والطرق الصوفية تنتشر هنا وهناك والبضائع متبادلة بنشاط، وهكذا.
٢ - مجتمع قسنطينة
قبل أن نتحدث عن هذا المجتمع نود أن نلاحظ أن كتابات الفكون تعتبر مصدرا هاما عن مجتمع قسنطينة في القرنين السادس عشر والسابع عشر (١٠ - ١١ / هـ) ولا نعرف أن هناك مصدرا آخر عربيا عن هذا المجتمع في تلك الفترة، اللهم إلا ما جاء في كتاب العدواني عن المجتمع القبلي في الإقليم خلال القرن السادس عشر. أما المصادر الأوروبية فموجودة ولكن قليلة، وكان هؤلاء يحرصون على تصوير حياة العواصم وقلما يتنقلون أو يتاح لهم التنقل إلى مدن الأقاليم مثل قسنطينة. ومن ذلك كتابات ليون الإفريقي (حسن الوزان) ومرمول الإسباني.
وعلينا أن نعود إلى مصادر أخرى لنعرف من خلالها طبيعة هذا المجتمع ولعل في كتابات ابن أبي دينار صاحب المؤنس وفي تراجم حسين خوجة صاحب ذيل بشائر أهل الإيمان (وكلاهما من القرن السابع عشر ١١ / هـ)، بعض الفوائد لما نحن فيه. كما أن في كتابات رجال الصوفية أمثال زعماء الطريقة الزروفية أو الشابية معلومات هامة عن الحياة الاجتماعية بقسنطينة وإقليمها، يضاف إلى ذلك الكتابات الشرعية كدفاتر القضاة وكنانيش العلماء وكتب الفقه ونحوها. أما المصادر المتأخرة فمتوفرة ولا سيما منذ دخول الفرنسيين. ومن أبرزها كتابات صالح العنتري وأحمد العطار وفايسات وميرسييه وشيربونو وفيرو، وآخر ما صدر عن هذا
стр. 21
الموضوع كتاب محمد المهدي شغيب المسمى (أم الحواضر) (١) وينسب الفرنسيون كتابا إلى الشيخ محمد البابوري ألفه سنة ١٨٤٨، ولكننا لا نعلم الآن عنه شيئا ويبدو أنه يشبه تأليف العطار (٢) أما كتابات الورتلاني عن مجتمع قسنطينة فهي هامة ولكنها جاءت متأخرة عن الزمن الذي نعالجه.
كان مجتمع مدينة قسنطينة مجتمعا حضريا متماسكا. وكانت تلعب فيه العائلات الكبيرة، ولا سيما الدينية، دورا فعالا ونافذا. فهي التي تنظم العلاقات العامة، وهي التي تضع شروط المعاملات، وهي التي تعين أو تبارك النظام الإداري للمدينة (مشيخة المدينة أو البلدية) وتسهر على الحماية والرعاية الداخلية (الشرطة)، وتنشط الحياة الاقتصادية وتتحرك في الأزمات (كالطواعين، والجوائح الأخرى) والمهمات الكبيرة بطريقة جماعية منسقة. صحيح أن المدينة كانت مقسمة إلى أحياء أهمها حي باب الجابية وحي البطحاء، وصحيح أن هناك التنافس بين تلك العائلات من أجل المجد والجاه والثروة، ولكن هذا التنافس لم يبلغ حد التنافر أو التحارب. وحتى ما ركز عليه بعض مؤرخي الفرنسيين من أن عائلات قسنطينة انضمت عند مجيء العثمانيين
стр. 22
إلى فريقين فريق بزعامة عائلة ابن عبد المؤمن وفريق بزعامة عائلة الفكون - قلنا حتى ذلك كان مجرد اختلاق لم تؤكده الوثائق (١)، وكل ما في الأمر أن عائلة عبد المؤمن قد ضعفت خلال العهد العثماني بينما ارتفعت حظوظ عائلة الفكون، وانتقلت إمارة ركب الحج من الأولى إلى الثانية. ولا نجد في كتابات الفكون التي تعرض بالتفصيل إلى أهل القرن السادس عشر (١٠ / هـ) والسابع عشر أية إشارة تعريضا أو تصريحا، يشم منها المس من قيمة عائلة ابن عبد المؤمن، بالعكس أنه عندما ذكر شخصا من هذه العائلة قال عنه (حبيبنا محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن).
معظم العائلات في قسنطينة كانت تعيش على العلم والتجارة والزراعة والعلم لأن قيمة العائلة كانت في تراثها العلمي وتنشئة أبنائها عليه من حفظ القرآن الكريم إلى تولية القضاء والفتوى والتدريس. ومن اعتناق المذاهب الصوفية إلى بناء الزوايا. إذن كان التراث العلمي لكل عائلة مما تعتز به وتفاخر بأنه طريقها إلى المجد والشهرة والنفوذ. وكانت التجارة هي عصب الحياة فمعظم العائلات كانت تتعاطى التجارة بطريقة أو بأخرى، بالجملة أو بالتفصيل في داخل المدينة فقط أو بالتعامل مع مدن السواحل وتونس. وكانت أسواق المدينة تغص بالواردين من شتى أنحاء الأقليم للتزود بالمواد الغذائية والبضائع المختلفة. فهؤلاء أهل زواوة وهؤلاء أهل الأوراس وهؤلاء أهل الصحراء، كلهم كانوا
стр. 23
يؤمون عاصمة الإقليم لقضاء مآربهم في أسواقها. وكثير ما بقي بعض هؤلاء الوافدين في المدينة فيتخذون لهم مسكنا ويتزوجون أو يأتون بعائلاتهم معهم فينمو المجتمع ويتنوع ويتنافس، ولكن المجتمع الحضري كان في الغالب ينظر شزرا إلى هؤلاء (البرانية) فهو يريد تجارتهم وأموالهم وبضائعهم ويدهم العاملة ولكنه لا يريد بقاءهم في المدينة ومنافستهم وعاداتهم الخشنة التي لا تتفق مع عاداته الرقيقة وبالإضافة إلى ذلك كانت معظم العائلات الكبيرة تملك ضيعات (البساتين، خارج المدينة لا سيما في منطقة الحامة التي كانت تعرف أيضا (بالفحص الأبيض)، وكانوا غيورين أشد الغيرة على هذه الأراضي الزراعية الخصبة التي تمون المدينة بالغلال والبقول والخضر والألبان واللحوم ونحوها. وكانت العائلة لا تعتبر نفسها ثرية أو صاحبة اعتبار اجتماعي إلا إذا كانت تملك مجموعة من البساتين لا بستانا واحدا ولذلك كانت العائلات حريصة كل الحرص على توفر الأمن خارج المدينة أيضا حتى تستطيع القيام بعمارة الأرض وزراعتها في أوقاتها. أما إذا انعدم الأمن فكثرت اللصوص والحرابة وقطاع الطرق فإن الخوف يمنع الناس من استغلال أراضيهم، وسنعرف من كتابات الفكون ولا سيما في (منشور الهداية) عن موضوع العائلات وموضوع الأمن والخوف وأثرهما في الحياة العامة.
ولعل حرص عائلات قسنطينة على أراضيها وأسواقها وتجارتها هو الذي حدا بها إلى تأييد السلطة ضد ما كان يقع من ثورات في الريف أحيانا، كما حدا بها إلى أن تتدخل بالصلح وإصلاح
стр. 24
ذات البين والتوسط حتى لدى باشا الجزائر من أجل الإبقاء على الأمن والاستقرار للذين بدونهما تحل الفوضى وتتبعثر الجهود ويسود الخوف والخراب. ولكن هذا لا يعني أن الاضطرابات في المدينة والثورات في الريف (الإقليم) لم تحدث، بالعكس فقد حدثت كما عرفنا وكان لها أثر سلبي على اقتصاد الإقليم كله. فثورة ابن الصخري وثورة يحيى الأوراسي وثورة جبال نقاوس والفوضى التي أشاعها طلاب المال عن طريق الشعوذة والدجل في الريف كل ذلك جعل إقليم قسنطينة في حالة بائسة وجعلنا نفهم أن قبضة السلطة كانت متداعية، وهذا أيضا يجعل مسؤولية عائلات قسنطينة أعظم وأخطر. ولو تتبعنا الألفاظ التي وردت عند الفكون في وصف حالة الخوف لخرجنا بقاموس هام. ومن ذلك هذه التعابير الموحية أشد الإيحاء وهي: الظلمة (ج ظالم)، الحرابة (الأشرار)، اللصوص، الأعراب (أهل البادية)، غمريان (جماعة - أتباع قاسم بن أم هاني)، العلمة (جماعة - أتباع أحمد بوعكاز) العبابسة (قوم نزل عندهم أحمد الفاسي) وزعيمهم العباسي الغازي، أولاد عيسى وهم جماعة من اللصوص والحرابة، ريغة جماعة متلصصة أيضا وعندما يذكر الفكون خاصة البلد (قسنطينة) يصفهم بأعيانها أو سكانها أو حضرها، أما عندما يذكر أهل القصبة (مقر الباي) فيذكر من هناك هكذا:
السلطة، الظلمة، دار الإمارة، العسكر، إلخ.
وفي كتابه (محدد السنان) ذكر الفكون أحوال أعيان قسنطينة، غاضبا على بعض طبائعهم السلبية في نظره، ويمكن تلخيص مآخذه عليهم فيما يلي
стр. 25
١ - ما جبلوا عليه من منابذة العلم وأهله. واتكالهم على شرف آبائهم وعلو مرتبتهم وما هم فيه من الرياسة التي شرفوا بها بين إخوانهم.
٢ - ما هم عليه من الحسد والبغضاء وهتك أعراض المسلمين. وفى مكان آخر من كتابه (منشور الهداية) ثار الفكون ضد ما يعتبره النفاق الاجتماعي عند فئة الأعيان وإظهار ما لا يبطنون. ولكن ثورته هذه ثورة رجل علم وأخلاق ودين. فهو يريد منهم أن يكونوا مثالا للإنسان الكامل وأن يتجردوا من الحسد والهوى والاعتماد على الشرف والتفاخر بالمناصب (والرياسة)، وأن يرجعوا إلى حب العلم وأهله، وأن يعملوا بالدين في المعاملة.
وقد أكثر من الإشارة إلى شيوع بعض الأمراض الاجتماعية في نظره كانت شائعة في وقته مثل، الخنا، وشرب الخمر والاختلاف إلى نوادي العربدة والإنشاد، وحضور (الحضرات) الصوفية التي يقع فيها الرقص والشطح واستعمال الأوتار والبندار، كما ثار ثورة قوية ضد تعاطي الحشيشة والتدخين الذي رآه حراما لا مراجعة فيه. وهناك إشارات في كتبه إلى شيوع أمور أخرى يراها مفاسد اجتماعية مثل دخول مدعي الجذب على المحارم، وذهاب النساء إلى أدعياء الصوفية طلبا للولد ونحو ذلك، والرياء والتهافت على المناصب، وادعاء العلم، ومصانعة السلطة وتعاطي الرشوة، واستغلال العامة ماليا وعقليا، إلخ.
ولم يسلم مجتمع قسنطينة من الطواعين والجوائح خلال الفترة التي ندرسها فهذا الفكون يذكر لنا عددا من زيارات الطاعون
стр. 26
للمدينة وموت العديد من أهلها، وفي مقدمتهم بعض العلماء والأعيان. وهو نفسه قد مات بالطاعون سنة ١٠٧٣. ومن التواريخ البارزة لهذه الطواعين ما حدث سنة ١٦٠٢، وسنة ١٦٢٢، وسنة ١٦٣٤، وسنة ١٦٤٤ (١٠٥٤) ثم طاعون سنة ١٠٧٣ (١٦٨٠) الذي أشرنا إليه (١) أما الجفاف فأكبره ما حدث عام ١٦٠٢ والذي دام حوالي تسع سنوات، تلته مجاعة، وجفاف سنة ١٦٤٧ (١٠٥٧) والذي تلته مجاعة كبيرة، وقد حصل بعدها كثير من النهب والتعدي وانحلال التوازن الاقتصادي. وهذه الأزمات الاجتماعية - الاقتصادية (بالإضافة إلى الثورات التي أشرنا إليها) كانت تقود أعيان المدينة، ولا سيما العلماء ورجال الدين، إلى تولي المسؤوليات الأخلاقية والروحية والقيام بالواجب الشرعي تفاديا للمزيد من الفوضى وحقنا للدماء وصونا للأعراض. ولعل من هؤلاء عبد الكريم الفكون الذي أصبح في القرن السابع عشر (١١ / هـ) ليس مجرد رجل عادي من أعيان قسنطينة ولكنه أصبح زعيما روحيا وقيادة أخلاقية عالية في البلاد يهابها الحاكم ويلتجىء إليها المحكوم.
ومن الجوائح التي تعرضت إليها قسنطينة حلول الجراد سنوات ١٠٢٣، ١٠٢٤، ١٠٢٥، وقد وصف لنا الفكون في كتابه (محدد السنان) هجوم الجراد سنة ١٠٢٤، فقال (وقعة الجراد الوارد
стр. 27
علينا. حتى عم الأفق كثرته، وأجدب السهل والجبل منه حتى أنه سنة ١٠٢٤ جعل من واديها (قسنطينة) قناطر. يذكر لي من أثق به حين خرج مع أهل البلدة لمحاربته أنه يجاز (بضم الياء وفتح الجيم) على متنه عدوة الوادي، وأن يرفع أضخم حجر ويرضه به فيمسك الحجر متنه. وقد تغير منه الوادي ما يزيد على شهر وصار كالقطران لونا وكالجيفة نتنا، وأخرج ما به من الحشرات والحيتان حتى فزع له أهل البلدة في أول جريه قبيل تغيره التغيير المذكور، كبارا وصغارا يلتقطون الحيتان من الضفة ويأتون بالأحمال منه، وبعده نبذ أكلها خيفة من وبائها وفي مدة التغير انقطع السقي من الوادي وفقد الماء فغلى ثمنه وصار الناس يسقون من العيون والآبار. وتد ألهم الله الناس إلى دفعه عن الزرع والأشجار أنهم يدخنون له فيبعد عنهم (١).
٣ - الحياة الثقافية
رغم حملة الفكون على من (ادعى العلم والولاية) في عصره فإن الحياة العلمية بقسنطينة كانت بخير وهناك عدة مؤشرات تدل على ذلك. فقد كان لدى قسنطينة رصيد قوي من الثقافة ورثته عن العهد الحفصي وعرفه القرن التاسع الهجري (١٥ / م) (٢).
стр. 28
وعرف إقليم قسنطينة في القرن الموالي نشاطا واضحا في الحياة الثقافية لم تؤثر فيه كثير من الأحداث السياسية التي عرفتها المنطقة. فقد انتشرت الزوايا، بعضها تحت رعاية الطرق الصوفية في الأرياف وبعضها تحت رعاية العائلات الكبيرة في المدينة. وكانت هناك بعض المدارس المخصصة لنشر العلم، كما كان هناك جامع الزيتونة القريب والذي كان الطلبة يقصدونه بقطع النظر عن التحولات السياسية. صحيح أن الحياة العلمية لم تكن مزدهرة وأن العلماء كانوا يكتفون بالقليل من العلم لتولي المناصب الشرعية، وصحيح أن الدراويش قد كثروا ودجاجلة التصوف قد تعددوا وبذلك تكون حملة الفكون عليهم ليست مبالغة ولا ادعاء. وإنما كان يصف واقعا أخذ يتضخم تدريجيا ويهدد الحياة العقلية في البلاد بأسرها، ومن ثمة يهدد وجود الإسلام نفسه ولغته العربية.
فإذا عدنا إلى القرن العاشر الهجري (السادس عشر الميلادي) وجدنا الشرق الجزائري قد عرف شخصيات علمية متميزة. من بينها عمر الوزان ويححيى الفكون بمدينة قسنطينة وعبد الرحمان الأخضري من الزيبان. وقد أخرج هؤلاء الرجال مجموعة من التلاميذ البارزين منهم من قاد العلم فيما يأتي من الأيام ومنهم من جمع بين العلم والتصوف، بل منهم من تزعم ثورات هددت النظام العثماني في قسنطينة مثل يحيى الأوراسي. وقد سبق لنا أن ترجمنا للشيخ عمر الوزان فلا حاجة إلى تكرار ذلك هنا (١)
стр. 29
ونود أن نلاحظ أن الوزان كان من العلماء الزهاد أيضا، وكان متفرغا للتدريس وإخراج التلاميذ. ومن أجل ذلك رفض وظيفة القضاء التي عرضت عليه من قبل العثمانيين سنة ٩٤٨ معتذرا بعدم أهليته وباضطراب الأحوال بقسنطينة، ولعمر الوزان أيضا مؤلفات منها واحد في الرد على زعم الطائفة الشابية، عرفة القيرواني الذي ثار على الأمير الحفصي ومن تلاميذ الوزان عبد الكريم الفكون، جد من نترجم له والذي لعب دورا سياسيا ودينيا خلال القرن العاشر، وكذلك يحيى الأوراسي الذي انتصب للتدريس أيضا ثم اعتصم بجبال أوراس وأعلن الثورة على حكومة العثمانيين بقسنطينة، وبعد مقتله تولى الثورة أخوه ثم ابنه كما سبق وأن ذكرنا. أما يحيى الفكون فقد كان إماما بجامع الزيتونة بتونس عندما هاجمها الإسبان واستولوا عليها ودنسوا حرمة الجامع المذكور وكان يحيى الفكون من ضحاياهم إذ قتله الجنود الإسبان بجامع الزيتونة سنة ١٥٢٨/ ٩٣٥ (١).
وكان مصير عبد الرحمان الأخضري يختلف عن ذلك. فقد كان أبرز من أنجبت الجزائر خلال هذا القرن ومن أخصبهم إنتاجا ومن أوسعهم شهرة في ميدان التأليف والتأثير في العالم الإسلامي، ذلك أن كتب الأخضري في المنطق والفرائض والبيان والمعاني والفلك والحساب كانت هي الكتب المقررة على الطلاب في الجامعات الإسلامية فترة طويلة، وما تزال، وقد كثر
стр. 30
شراحها وطابعوها وناشروها وناسخوها ومترجموها أيضا. وقد عاش الأخضري في قرية بنطيوس وتثقف على والده، ولعله قرأ على الشيخ الوزان، ولعله أيضا ذهب إلى الزيتونة بتونس. غير أن الشيخ الأخضري قد تلقى بعض العلم ومبادىء الطريقة الزروقية على الشيخ محمد بن علي الخروبي وكان الأخضري يتردد على مناطق الهضاب العليا في الصيف طلبا للابتراد والراحة حتى إن الوفاة قد أدركته على ما قيل، في أحد الأصياف وهو في كجال (١) ومهما كان الأمر فإن أثر الوزان والأخضري سيظهر في إنتاج الفكون الحفيد الذي نترجم له إذ أنه ترجم وأعجب كثيرا بالوزان وأشاد بالأخضري وشرح بعض كتبه، بل تأثر بمذهبه الصوفي الذي يبدو أنه هو الطريقة الزروقية.
وقد ذكر لنا الفكون مجموعة من أعلام القرن العاشر الهجري تصدروا جميعا للتدريس والفتيا والقضاء وذكر لهم تآليف وأشعارا وخص بعضهم بالإشادة ومنهم:
عبد اللطيف المسبح الذي اشتهر بالحساب والفرائض رغم معرفته العميقة بالفقه.
ومحمد العطار المتوفى سنة ٩٤٣، وأحمد الغربي شارح رسالة عمر بن الخطاب وله غيره من المؤلفات.
وقاسم الفكون الذي تولى الإمامة بجامع البلاط بتونس ثم
стр. 31
تولى القضاء بقسنطينة وتوفي في سنة ٩٦٥. ولقاسم الفكون تقاييد على توضيح ابن هشام.
ومحمد الكماد الذي كان من تلاميذ الوزان وله صلة قرابة به وقد تولى القضاء بقسنطينة أيضا، ويسميه الفكون قاضي الجماعة وكانت له فتاوى، وكان خطيبا فصيحا وينظم الشعر.
وعبد الكريم الفكون (الجد) الذي كان من تلاميذ الوزان. والذي ظهر في أحداث قسنطينة سنة ٩٧٥ حيث ثار أهل مدينة قسنطينة على واليها وخلعوا البيعة للعثمانيين وكان الفكون (الجد) من المعتنين بالتدريس ولا سيما تدريس البلاغة وامتاز بتجويد تدريس البلاغة كما امتاز بتجويد الخطابة وتوفي سنة ٩٨٨.
وقد تحدث الفكون أيضا عن آل باديس فقال عن جملتهم (وناهيك بهم من دار صلاح وعلم وعمل، وكيف وصاحب السينية وشرح مختصر ابن هشام عما لصاحبهما من كمال المعرفة والفطنة. ويقال إنه اجتمع فيهم أربعون كلهم صاحب منصب، حازوا المناصب الشرعية ببلدهم والمخزنية) (١).
ومنهم أحمد (حميدة) بن باديس الذي يقول عنه الفكون أنه كان من أشراف قسنطينة وله الرياسة والقضاء والإمامة بجامع القصبة. وله شرح على مختصر ابن هشام وتوفي سنة ٩٦٩.
وهناك شخصيات أخرى لا جدوى من سرد أسمائها هنا، غير أننا نلاحظ أن هؤلاء العلماء ساهموا جميعا في الحياة العامة
стр. 32
بتولي القضاء والفتوى والتدريس والإمامة والخطابة والتأليف في بعض العلوم وكان بينهم في بعض الأحيان تنافس، وكانت صلتهم بالسلطة المحلية أحيانا تنتهي بامتحان عسير يفضي إلى السجن وأحيانا إلى الموت.
فإذا انتقلنا إلى القرن الحادي عشر الهجري وهو عصر الفكون الحفيد، وجدنا مجموعة أخرى من العلماء العاملين رغم أن نظرة الفكون إليهم لا ترقى إلى نظرته إلى من سبقوهم في أغلب الأحيان. ونلاحظ أن علماء هذا القرن كانوا قليلي التأليف بالمقارنة. وقلما نجد من بينهم شاعرا مفلقا أو خطيا مصقعا فهل هذا يعود إلى ضعف العارضة العلمية عندهم؟ قد يكون ذلك، ولكن الفكون الذي ذكر هذه النماذج كان ثائرا على أمثال هؤلاء لكونهم باعوا أنفسهم للسلطة وتنافسوا من أجل المناصب الشرعية لم يرعوا لها حرمة لأنهم غير أهل لها. فهل هذا مبالغة منه فقط؟ ربما يكون ذلك صحيحا لو وجدنا ما يخطيء الفكون فيما ذهب إليه. ذلك أننا بدراستنا للحياة الثقافية بقسنطينة ونواحيها لا نكاد نجد، فعلا سوى علماء بسطاء، إذا استثنيناه هو. فهذا مثلا بركات بن باديس وعاشور القسنطينى المعروف بالفكيرين ومحمد ساسي البوني وأمثالهم ليسوا من الفطاحل الذين يجعلوننا نخطيء الفكون. حقا إن القرن الحادي عشر لم يعرف بقسنطينة ونواحيها شاعرا عظيما واحدا ولا مؤلفا معروفا وإذن فإن دعوى الفكون وحملته على أدعياء العلم في عصره وثورته على الجهل قد تكون صحيحة.
ومهما كان الأمر فقد ذكر الفكون نماذج من العلماء تميزوا
стр. 33
بخصال طيبة. وحاولوا أن يكونوا شموعا في وسط ذلك الجهل السائد. وعلى رأس هؤلاء شيخه محمد التواتي المغربي الذي كان قد درس بفاس ثم حل بقسنطينة في وقت لا نعلمه بالضبط، وتولى بها بعض الوظائف وانتصب للتدريس، وخصوصا تدريس النحو. وعلى يديه تخرج الفكون وقد توفي التواتي في باجة بتونس بالطاعون سنة ١٠٣١ بعد خروجه من قسنطينة مغضوبا عليه من السلطة. وكان التواتي شيخا لعدد من معاصري الفكون أيضا منهم محمد بن راشد الزواوي. وقائمة العلماء الذين ذكرهم الفكون طويلة ولكن ليس فيهم من ملأ عينه. ونحن نعرف أنه كانت لبركات بن باديس (الذي لم يذكره الفكون) مؤلفات مثل (نزع الجلباب) وهو من تلاميذ الفكون. ونعرف أيضا أن عاشور القسنطيني من تلاميذ الفكون كذلك كما ذكر هو ذلك بنفسه، وكان عاشور هذا قد تنقل بين قسنطينة وتلمسان وتونس والحجاز وغيرها، وانتصب للتدريس واهتم بالرحلة والتاريخ ولكنه لم يترك تأليفا على ما نعرف (١) أما محمد ساسي البوني فقد شن عليه الفكون حربا قوية لخلطه بين العلم والتخريف والتدجيل على العامة واستغلال بساطتها ونشر بدعة الحضرة والإنشاد والرقص بينها ولكننا نعرف من جهة أخرى أن للشيخ محمد ساسي البوني تآليف في التصوف وأن له رسائل وأشعارا تبادلها مع يوسف باشا، حاكم الجزائر في وقته (١٠٥٠) وأن له إبنا، هو أحمد بن محمد ساسي البوني، فاق والده شهرة وتأليفا، وهو الذي عاتب الفكون
стр. 34
(بعد وفاته بمدة طويلة) على تعرضه لوالده (١).
وكما اشتهرت، قسنطينة ونواحيها بهذه الحياة العلمية التي مثلها رجال اشتهروا بالوظائف والتدريس والتأليف سواء في القرن العاشر أو الحادي عشر، اشتهرت أيضا بعدد من العلماء الزائرين والطلبة الراغبين في تحصيل العلم فيها. ولا سبيل إلى ذكر هؤلاء جميعا، لأن بعضهم كان عابر طريق، وبعضهم أقام مدة ثم رجع إلى بلاده ثم عاد إليها ثانية، وبعضهم استقر بها إلى أن أدركته الوفاة ونحن نجد في مؤلفات الفكون نفسه أسماء لهؤلاء العلماء والطلبة، بعضهم جاء من زواوة (والمقصود بها بجاية ونواحيها) وأسماؤهم كثيرة منهم محمد الفقيه الزواوي وابن راشد الذي سبق ذكره وأحمد بن تكفة، وعلي البهلول. وهناك من جاء من نواحي الجزائر ومن بني بترون وبني هارون، ومن جاء من نواحي الأوراس والزيبان، ومن جاء من نواحي عنابة إلخ. أما من المغاربة فنجد أسماء محمد السوسي المعروف في كتب أخرى باسم الشريف السوسي والذي كان ينظم الشعر ويدعي العلم، وقد ذهب إلى الجزائر لطلب الفتوى ولكن الوفاة أدركته قبل رجوعه إلى قسنطينة، وبينه وبين الفكون مراسلات ومساجلات شعرية، وكذلك أحمد الفاسي الذي قال عنه إنه تعاطى الكتابة لأحد أمراء العرب وهو يعني بهم العبابسة (قلعة بني عباس؟) ولكنه ذمه على اشتراكه في مجالس الخنا واللهو. وقد وصل به
стр. 35
الأمر أن هجا الفكون. أما من تونس فنجد الشيخ الفلاري الأستاذ بجامع الزيتونة والذي كان يتردد على قسنطينة وكانت بينه وبين الفكون بعض المناوشات العلمية. وهكذا نرى أن قسنطينة لم تكن منغلقة على نفسها، بل كانت مدينة يقصدها طلبة وعلماء الوقت للاستفادة والمذاكرة. ولعل من أبرز الشخصيات التي وردت على قسنطينة في القرن الحادي عشر القاضي العثماني المعروف بالمولى علي الذي نزل عند الفكون وتذاكر معه وكانت معه مكتبة عظيمة.
وكانت بمدينة قسنطينة مجموعة من الزوايا التي تعتز بها عائلاتها لأنها مجلبة للشهرة والعلم في الدنيا وسبيل إلى الرضى والأجر في الآخرة. ومن العائلات التي كانت لها زوايا باسمها عائلة الفكون، وعائلة بن نعمون، وعائلة ابن باديس وعائلة ابن آفوناس، إلخ. وكانت هذه الزوايا مقصد الطلبة للعلم والراحة والإقامة. كما كانت مقر العلماء الزائرين، إذ تحتوي على المبيت وقاعة الاستقبال ومكان الدرس والمكتبة ونحو ذلك من المرافق. ولا شك أن هذه الزوايا أيضا كانت تضم مدافن الأسرة فهذا الوزان مثلا دفن في زاوية صهره ابن آفوناس، وهذا جد الفكون مدفون بزاويتهم أيضا (١)، وبالإضافة إلى الزوايا كانت هناك بعض المدارس التي أسست أصلا لنشر العلم وحده ويذكر الفكون أنه كانت لهم مدرسة في عهد جده. وقد جددها والده محمد وبنى قبتها ووسعها وأن جده قد دفن بها ولعله يقصد بها الزاوية.
стр. 36
أما في الأرياف وفي المدن الأقل شهرة من قسنطينة فقد كثرت الزوايا بشكل ملفت للنظر ولم تكن كلها لإطعام الطعام ونشر العلم وإيواء السابلة، بل كانت في معظمها مصيدة لجلب الأنصار وإشاعة الخرافة وإعطاء الورد والاتصال بالشيخ المرابط. ومن أشهر الزوايا خارج قسنطينة عندئذ زاوية الأخضري ببنطيوس، وزاوية البوني بعنابه. وكانت بعض هذه الزوايا تتبع الطرق الصوفية مثل الزروقية والشابية والشاذلية. وبعضها تنسب إلى المرابط المعاصر. ولا شك أن انتشار الطرق الصوفية في حد ذاته يعود من بعض الوجوه إلى الفراغ السياسي الذي كان يشعر به الناس، وقلة الأمن، فكانوا يبحثون عن الحماية حيثما وجدوها.
وكانت الزوايا وعلى رأسها المرابطون يوفرون لهم بعض الأمن ولو بثمن باهظ أحيانا (١).
٤ - عائلته ومكانتها
عائلة الفكون من أقدم العائلات في قسنطينة. فإذا عدنا إلى عنوان الدراية للغبرينى (القرن ٨ هـ) وجدناه قد ذكر عددا
منها (٢) وهي عائلة اشتهرت بالعلم والصلاح قبل الأعمال
стр. 37
الحكومية. وهي تنتسب إلى بني تميم إذ يذكرون مع أسمائهم هذه النسبة (التميمي). ومن ثمة فهي من العائلات العربية
العريقة. ويضيف الفكون المترجم له أن جده من قبل أمه كان من الأشراف الحسنيين، وكان قد تولى في قسنطينة وظيفة مزوار الشرفاء. ولكننا لا ندري إن كان جده لأمه من عائلة الفكون أيضا أو من فروع أخرى. فإذا كانت منها فإن العائلة كلها تكون أيضا شريفة حسنية.
غير أن هناك رأيا آخر في الموضوع لم يذكره آل الفكون ولكن ذكره غيرهم، وهو رأي عبد القادر الراشدي العالم، الذي تولى وظيفة الفتوى الحنفية في عهد صالح باي، أواخر القرن الثامن عشر (١٢ هـ). فقد نسب إليه تأليف ذكر فيه أن عائلة الفكون ليست شريفة وليست تميمية كما تدعى، ولكنها من قرية (فكونة) الموجودة بمنطقة الأوراس. ونحن لم تطلع على تأليف الراشدي. ولذلك نتساءل هل صحيح أنه قال بذلك؟ وما مدى صحة دعواه إن كان قد قال بذلك؟ وما الهدف من إثارته الموضوع أصلا؟ ومما يذكر أن عائلة البوني التي تنتسب هي أيضا إلى بني تميم لم تثر موضوع هذه النسبة لدى آل الفكون عندما عاتب أحد أعضائها، وهو أحمد البوني صاحب (الدرة المصونة)، عبد الكريم الفكون على تعرضه لوالده، محمد
стр. 38
ساسي البوني. وفي الأزمنة المتأخرة أصبحت العائلة تعرف بعائلة ابن الفكون، وأحيانا بعائلة سيدي الشيخ.
ومهما يكن من شيء فإن عائلة الفكون قديمة في التاريخ. وقد ذكر لنا الفكون نفسه بعض أجداده الأبعدين والأقربين. فذكر من الأبعدين الجد عبد الرحمن الفكون الذي قال عنه: (الجد العبد الفقير إلى الله) وهو يريد بذلك أنه كان من الصالحين - وقال إن هذا الجد مدفون في زاويتهم القديمة التي آلت إلى عائلة ابن نعمون (منشور، ص ٧٠). كما يذكر أن جد جده (عبد الكريم الفكون الذي سمي هو على اسمه) هو محمد شقرون بن حليمة دفين رحبة قسنطينة المسماة آكدال. وقال عن هذا الجد (أي محمد شقرون) إنه كان (من الصلحاء وممن عمر، وظني أنه صاحب الدعوة من الخضر ﵇، حتى سمعت من الوالد أنه غيره من الأسلاف). (نفسه، ص ٢٣). ولكن الفكون لم يفصل في أجداده. فنحن لا نعلم من هو الأول في الترتيب مثلا: عبد الرحمن أو محمد شقرون، ولا نعرف تواريخ حياتهما ولعله هو أيضا لم يكن يعرف ذلك. وكلمة (غيره من الأسلاف) لم يوضحها أيضا، فمن هو الجد الذي كان صاحب الدعوة من الخضر، ﵇، إذن؟
أما من الأجداد الأقربين فقد ذكر منهم يحيى الفكون الذي ترجم له في كتابه (منشور الهداية)، وهو الجد الذي قلنا إنه مات مجاهدا بتونس حين قتل بجامع الزيتونة سنة ٩٤١ من قبل الجنود الإسبان. وتذهب بعض الروايات إلى أنه كان قد قصد تونس
стр. 39
منفيا من قسنطينة (١) وقد وصفه حفيده بأنه كانت له اليد الطولى في الفقهيات، وقال عنه إنه كانت له حاشية على المدونة ضمنها نوازل ووقائع قل أن توجد في المطولات. وكان يحيى الفكون قد تولى الفتوى وإمامة جامع الزيتونة، كما سبق. وكان هو رأس عائلة الفكون في مطلع القرن العاشر. وعندما توجه إلى تونس تبعه ابنه قاسم الفكون إليها. وأثناء حياة والده تولى قاسم وظيفة الإمامة بجامع البلاط بتونس أيضا. وبعد وفاة والده بالطريقة التي ذكرناها رجع إلى قسنطينة واستقر بها وتولى فيها وظيفة القضاء أيام دخولها في طاعة العثمانيين. ويرجح بعض المؤلفين أن قاسم الفكون قد تولى نفس الوظيفة (القضاء) التي اعتذر عنها عمر الوزان في رسالته إلى حسن آغا، ومما يؤكد هذا أن حفيده الذي نترجم له ذكر أن جده تولى وظيفة القضاء زمن الوزان بل باقتراح منه. (توفي الوزان سنة ٩٦٥ كما سبق (٢) وكان قاسم الفكون من العلماء المؤلفين أيضا. إذ يذكر له حفيده بعض (التقاييد) على كتاب التوضيح لابن هشام حشاه (بالتعاليق الرائقة، جمعها من عدة علوم وتصانيف شتى). والمعروف أن قاسم الفكون توفي أيضا سنة ٩٦٥.
وأقرب الجدود للمترجم هو عبد الكريم الفكون الذي يكتبه (أبا محمد). وإذا كان الجدان السابقان قد وجدا في زمن
стр. 40
مخضرم ومضطرب عرفته قسنطينة عند انتقالها من إدارة حفصية إلى إدارة عثمانية، فإن أبا محمد عبد الكريم قد وجد في فترة أخذت فيها الأمور تستتب في المدينة وإعلان الطاعة لحكومة الجزائر المركزية يتضح. ولكن الحياة السياسية لم تتركه. فقد تعرض هذا الجد للخطر عند حدوث اضطرابات في المدينة أدت إلى خلع البيعة من العثمانيين تماما، وبحكم منصب وعلمه بعثه السكان لباشا الجزائر عندئذ محمد بن صالح رايس، سعيا في الصلح، وكان يرافقه في هذه المهمة الخطيرة عالم آخر مرموق هو عبد اللطيف المسبح. ولم يكد ينتهي بهما المطاف لدى الباشا والاتفاق معه على الصلح حتى حدثت تلك الاضطرابات وخلع الناس البيعة (سنة ٩٧٥) فخاف الفكون والمسبح مغبة الأمر فهربا إلى بلاد زواوة (ناحية القبائل اليوم)، ولكن الباشا أمر بالبحث، عنهما وإحضارهما وسجنهما. وعندما اتضحت الأمور بإثبات براءتهما مما حدث أطلق الباشا سراحهما وأعادهما مكرمين إلى قسنطينة. وقد حضر إلى المدينة أيضا الباشا نفسه، وبذل العالمان المذكوران جهودهما في الصلح والعافية وحقن الدماء.
ويعلق بعض المؤرخين نتائج هامة على هذه العلاقة بين السلطة العثمانية وعائلة الفكون وعلى رأسها أبو محمد عبد الكريم الفكون. وسنتعرض إلى ذلك بعد قليل (١) وعلى كل حال فإن حفيده قد وصف ما جرى لجده عندئذ بأنه (امتحان)