← Тараджим

Тараджим · id 123662

شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (229 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

أما في الأرياف وفي المدن الأقل شهرة من قسنطينة فقد كثرت الزوايا بشكل ملفت للنظر ولم تكن كلها لإطعام الطعام ونشر العلم وإيواء السابلة، بل كانت في معظمها مصيدة لجلب الأنصار وإشاعة الخرافة وإعطاء الورد والاتصال بالشيخ المرابط. ومن أشهر الزوايا خارج قسنطينة عندئذ زاوية الأخضري ببنطيوس، وزاوية البوني بعنابه. وكانت بعض هذه الزوايا تتبع الطرق الصوفية مثل الزروقية والشابية والشاذلية. وبعضها تنسب إلى المرابط المعاصر. ولا شك أن انتشار الطرق الصوفية في حد ذاته يعود من بعض الوجوه إلى الفراغ السياسي الذي كان يشعر به الناس، وقلة الأمن، فكانوا يبحثون عن الحماية حيثما وجدوها. وكانت الزوايا وعلى رأسها المرابطون يوفرون لهم بعض الأمن ولو بثمن باهظ أحيانا (١). ٤ - عائلته ومكانتها عائلة الفكون من أقدم العائلات في قسنطينة. فإذا عدنا إلى عنوان الدراية للغبرينى (القرن ٨ هـ) وجدناه قد ذكر عددا منها (٢) وهي عائلة اشتهرت بالعلم والصلاح قبل الأعمال

стр. 37

الحكومية. وهي تنتسب إلى بني تميم إذ يذكرون مع أسمائهم هذه النسبة (التميمي). ومن ثمة فهي من العائلات العربية العريقة. ويضيف الفكون المترجم له أن جده من قبل أمه كان من الأشراف الحسنيين، وكان قد تولى في قسنطينة وظيفة مزوار الشرفاء. ولكننا لا ندري إن كان جده لأمه من عائلة الفكون أيضا أو من فروع أخرى. فإذا كانت منها فإن العائلة كلها تكون أيضا شريفة حسنية. غير أن هناك رأيا آخر في الموضوع لم يذكره آل الفكون ولكن ذكره غيرهم، وهو رأي عبد القادر الراشدي العالم، الذي تولى وظيفة الفتوى الحنفية في عهد صالح باي، أواخر القرن الثامن عشر (١٢ هـ). فقد نسب إليه تأليف ذكر فيه أن عائلة الفكون ليست شريفة وليست تميمية كما تدعى، ولكنها من قرية (فكونة) الموجودة بمنطقة الأوراس. ونحن لم تطلع على تأليف الراشدي. ولذلك نتساءل هل صحيح أنه قال بذلك؟ وما مدى صحة دعواه إن كان قد قال بذلك؟ وما الهدف من إثارته الموضوع أصلا؟ ومما يذكر أن عائلة البوني التي تنتسب هي أيضا إلى بني تميم لم تثر موضوع هذه النسبة لدى آل الفكون عندما عاتب أحد أعضائها، وهو أحمد البوني صاحب (الدرة المصونة)، عبد الكريم الفكون على تعرضه لوالده، محمد

стр. 38

ساسي البوني. وفي الأزمنة المتأخرة أصبحت العائلة تعرف بعائلة ابن الفكون، وأحيانا بعائلة سيدي الشيخ. ومهما يكن من شيء فإن عائلة الفكون قديمة في التاريخ. وقد ذكر لنا الفكون نفسه بعض أجداده الأبعدين والأقربين. فذكر من الأبعدين الجد عبد الرحمن الفكون الذي قال عنه: (الجد العبد الفقير إلى الله) وهو يريد بذلك أنه كان من الصالحين - وقال إن هذا الجد مدفون في زاويتهم القديمة التي آلت إلى عائلة ابن نعمون (منشور، ص ٧٠). كما يذكر أن جد جده (عبد الكريم الفكون الذي سمي هو على اسمه) هو محمد شقرون بن حليمة دفين رحبة قسنطينة المسماة آكدال. وقال عن هذا الجد (أي محمد شقرون) إنه كان (من الصلحاء وممن عمر، وظني أنه صاحب الدعوة من الخضر ﵇، حتى سمعت من الوالد أنه غيره من الأسلاف). (نفسه، ص ٢٣). ولكن الفكون لم يفصل في أجداده. فنحن لا نعلم من هو الأول في الترتيب مثلا: عبد الرحمن أو محمد شقرون، ولا نعرف تواريخ حياتهما ولعله هو أيضا لم يكن يعرف ذلك. وكلمة (غيره من الأسلاف) لم يوضحها أيضا، فمن هو الجد الذي كان صاحب الدعوة من الخضر، ﵇، إذن؟ أما من الأجداد الأقربين فقد ذكر منهم يحيى الفكون الذي ترجم له في كتابه (منشور الهداية)، وهو الجد الذي قلنا إنه مات مجاهدا بتونس حين قتل بجامع الزيتونة سنة ٩٤١ من قبل الجنود الإسبان. وتذهب بعض الروايات إلى أنه كان قد قصد تونس

стр. 39

منفيا من قسنطينة (١) وقد وصفه حفيده بأنه كانت له اليد الطولى في الفقهيات، وقال عنه إنه كانت له حاشية على المدونة ضمنها نوازل ووقائع قل أن توجد في المطولات. وكان يحيى الفكون قد تولى الفتوى وإمامة جامع الزيتونة، كما سبق. وكان هو رأس عائلة الفكون في مطلع القرن العاشر. وعندما توجه إلى تونس تبعه ابنه قاسم الفكون إليها. وأثناء حياة والده تولى قاسم وظيفة الإمامة بجامع البلاط بتونس أيضا. وبعد وفاة والده بالطريقة التي ذكرناها رجع إلى قسنطينة واستقر بها وتولى فيها وظيفة القضاء أيام دخولها في طاعة العثمانيين. ويرجح بعض المؤلفين أن قاسم الفكون قد تولى نفس الوظيفة (القضاء) التي اعتذر عنها عمر الوزان في رسالته إلى حسن آغا، ومما يؤكد هذا أن حفيده الذي نترجم له ذكر أن جده تولى وظيفة القضاء زمن الوزان بل باقتراح منه. (توفي الوزان سنة ٩٦٥ كما سبق (٢) وكان قاسم الفكون من العلماء المؤلفين أيضا. إذ يذكر له حفيده بعض (التقاييد) على كتاب التوضيح لابن هشام حشاه (بالتعاليق الرائقة، جمعها من عدة علوم وتصانيف شتى). والمعروف أن قاسم الفكون توفي أيضا سنة ٩٦٥. وأقرب الجدود للمترجم هو عبد الكريم الفكون الذي يكتبه (أبا محمد). وإذا كان الجدان السابقان قد وجدا في زمن

стр. 40

مخضرم ومضطرب عرفته قسنطينة عند انتقالها من إدارة حفصية إلى إدارة عثمانية، فإن أبا محمد عبد الكريم قد وجد في فترة أخذت فيها الأمور تستتب في المدينة وإعلان الطاعة لحكومة الجزائر المركزية يتضح. ولكن الحياة السياسية لم تتركه. فقد تعرض هذا الجد للخطر عند حدوث اضطرابات في المدينة أدت إلى خلع البيعة من العثمانيين تماما، وبحكم منصب وعلمه بعثه السكان لباشا الجزائر عندئذ محمد بن صالح رايس، سعيا في الصلح، وكان يرافقه في هذه المهمة الخطيرة عالم آخر مرموق هو عبد اللطيف المسبح. ولم يكد ينتهي بهما المطاف لدى الباشا والاتفاق معه على الصلح حتى حدثت تلك الاضطرابات وخلع الناس البيعة (سنة ٩٧٥) فخاف الفكون والمسبح مغبة الأمر فهربا إلى بلاد زواوة (ناحية القبائل اليوم)، ولكن الباشا أمر بالبحث، عنهما وإحضارهما وسجنهما. وعندما اتضحت الأمور بإثبات براءتهما مما حدث أطلق الباشا سراحهما وأعادهما مكرمين إلى قسنطينة. وقد حضر إلى المدينة أيضا الباشا نفسه، وبذل العالمان المذكوران جهودهما في الصلح والعافية وحقن الدماء. ويعلق بعض المؤرخين نتائج هامة على هذه العلاقة بين السلطة العثمانية وعائلة الفكون وعلى رأسها أبو محمد عبد الكريم الفكون. وسنتعرض إلى ذلك بعد قليل (١) وعلى كل حال فإن حفيده قد وصف ما جرى لجده عندئذ بأنه (امتحان)

стр. 41

وسمى ما حدث سنة ٩٧٥ (فتنة). ومما نسب الفكون لجده حاشية على المدونة تدل على مكانته عندئذ، فقد كان أحد اليهود يدعى المختاري قد أسلم ودخل الجندية، ولكنه تجاسر بعد ذلك على الدين فسب الرسول، (ص)، فقال أبو محمد الفكون يقتله وقال القاضي يحيى بن محجوبة بعدم قتله. واشتد الخلاف وكادت تقع فتنة في المدينة، لأن المعسكر كانوا مع زميلهم ضد قتله. وانعقد مجلس الشورى بحضور الوالي والشرطة والجنود والعلماء والقضاة إلخ. وتداولوا وكانوا جميعا ضد قتله إلا الفكون فقد أضر على قتله، ورغم الضجيج والضغط والتهديد فقد كان الفكون مصرا على رأيه. وأخيرا خضع الجميع، حسب قول الفكون الحفيد، إلى رأي جده، بما فيهم القاضي ابن محجوبة الذي رجع، كما قال عنه، إلى الحق (١). وقد وصف الفكون جده بأنه كان منشغلا بما يعنيه دينا ودنيا. وأنه كان معتكفا على التدريس والإقراء. وأنه كان متوليا إمامة الجامع الأعظم والخطابة. وهذه هي أول مرة يتحدث فيها الفكون عن أحد أجداده إنه كان متوليا هذه الوظيفة الهامة، وهي الوظيفة التي بنى عليها بعض المؤرخين أيضا نتائج سياسية سنتعرض إليها. وقال الفكون عن جده إن الولاية (وهو يقصد الصلاح) قد غلبت عليه وأنه كان ملازما للأذكار وقيام الليل، وأنه من تلاميذ

стр. 42

الشيخ الوزان. وذكر أن له عناية خاصة بعلم البيان وأنه كان يقرىء كتاب سعد الدين التفتزاني المطول في هذا الفن. وأن لجده تأليفا جمع فيه الآيات القرآنية التي استشهد بها التفتزاني في كتابه المذكور. وأن جده كان قد جدد في أسلوب الخطابة بالجامع، فأحدث نوعا من الخطب تقوم على الأحاديث النبوية. أما وفاته فكانت سنة ٩٨٨. ومن أبرز أفراد عائلة الفكون والد مترجمنا، وهو محمد الفكون. وماذا نتوقع أن يقول ولد بار عن والده؟ وصف الفكون والده بأنه قد تولى إمامة الجامع الأعظم بقسنطينة بعد وفاة أبيه، أبي محمد عبد الكريم الفكون. وقال عنه أنه كان فقيها صوفيا، وأنه كان أيضا يكثر من تلاوة الأوراد وقيام الليل. ولم يتحدث الفكون عن فن الخطابة عند والده، ولا عن تآليفه إن كانت، ولا عن دوره في الحياة العامة. ولعل أهم من ذلك أن نلاحظ أنه لم يذكر أن جده السابق ولا والده قد تولى إمارة ركب الحج إلى البقاع المقدسة، وهي الوظيفة التي بنى عليها بعض المؤرخين نتائج سياسية هامة أيضا سنعرض إليها ونعتقد أنه لو تولاها أحدهما أو كلاهما لما أهملها الفكون الذي كان حريصا على ذكر أنواع المجد وألقاب الرفعة لعائلته. وقد ذكر أن والده قد توفي أثناء منصرفه من الحج والزيارة في مكان يقع، كما قال، بين مكة والمدينة ومصر يسمى المويلح، وذلك سنة ١٠٤٥ (١) ونعرف من

стр. 43

الوثائق التالية أن الفكون الحفيد تولى مهمة والده بعد وفاته، وأقدم الوثائق في ذلك تعود إلى سنة ١٠٤٨ ويبدو أن الفكون ألف عمله (منشور الهداية) بين هذين التاريخين (١٠٤٥ و ١٠٤٨) لأنه ذكر فيه وفاة والده، ولم يذكر فيه توليه هو مهامه الجديدة التي سنتحدث عنها. وبالإضافة إلى ذلك لدينا معلومات عن أنساب ومصاهرات عائلة الفكون قد تفيد في إلقاء الضوء على مسيرتها ودورها في التاريخ. فنحن نعلم مثلا أن محمد بن قاسم بن محمد الشريف الحسني كان جدا للفكون من جهة الأم، وأن محمدا هذا تولى

стр. 44

وظائف هامة في قسنطينة منها الفتوى، ومزوار (أي نقيب) الشرفاء، وأنه خضع (لامتحان) عسير من قبل العسكر العثماني بقسنطينة الذين حكموا عليه أحكاما قاسية منها إرادة قتله، ثم خفضوا ذلك فحكموا عليه بالتوجه إلى الجزائر، أي دار الإمارة، كما يسميها الفكون، كما منعوه من حمل القلم، وهو إجراء يبدو أنه كان من أقسى أنواع العقوبات. وبعد هذا الامتحان عاد محمد الشريف إلى وظيفته في الفتوى. وكانت لعائلة الفكون مصاهرات أيضا مع كبار العائلات الأخرى بقسنطينة. ومن أهمها عائلتا ابن باديس وابن نعمون. فقد كان محمد بن نعمون هو ابن أخت عبد الكريم الفكون الجد الذي رباه وسهر عليه إلى أن بلغ أشده وتولى الفتوى ورغم بلادته) كما يقول الفكون (١) وكان أحمد بن باديس الذي سبق الحديث، عنه، متزوجا من أخت والدة الفكون الذي نترجم له، فهو إذن زوج خالته. ومن جهة أخرى ذكر الفكون أنه هو نفسه قد تزوج ابنة أحمد بن حسن الغربي الذي تولى عدة وظائف شرعية ومخزنية في وقته، وعائلة الغربي من بيوتات قسنطينة أيضا. وقد عرفنا أن عائلة الفكون كانت لها زاوية ومدرسة كما

стр. 45

كانت لها أملاك كثيرة. فهي من العائلات الغنية. ولم يكن ذلك الغنى يعود إلى العهد الثاني بل إنه يعود إلى عهود سابقة غير محددة. وقد حدثنا الفكون أن زاوية أسلافه كانت لهم إلى أن بنى جد جده مدرسة فترك آل الفكون الزاوية لأصهارهم آل نعمون واستقلوا هم بالمدرسة. وفي هذه الزاوية دفن أبو محمد عبد الكريم الفكون. وقد مر بنا أن المدرسة قد جددها ووسع منها والد مترجمنا ولكن الفكون يذكر في عدة مناسبات الزاوية والمدرسة والدار، أحيانا بدون تمييز، فكلما ذكر العلماء والطلبة الذين يأتون إليه في قسنطينة للقراءة أو للزيارة إلا وذكر أنهم نزلوا عنده في مدرسة العائلة وأحيانا بزاويتها وأحيانا بداره هو. ولكننا عرفنا أن الزاوية تنسب عادة إلى رجل صالح أسسها أو دفن فيها، أما المدرسة فقد تأسست لنشر العلم في الأساس، رغم وجود مدافن عائلية بها. أما عن ثروة عائلة الفكون فأمرها واضح. وإذا كنا لا نجد كثيرا من الوثائق العائلية التي تثبت ذلك في العهد السابق للعثمانيين فإننا نجد وثائق القرن العاشر (١٦ م) تشير إلى ذلك (١) وأهم مصدر لثروتهم أوقاف الجامع الكبير، الذي كانوا يتولون فيه الإمامة والخطابة منذ القرن العاشر. وقد وجدت وثيقة شراء الفكون صاحب الترجمة لخمس قطع من الأرض، كانت من أملاك بلقاسم بن ناصر العيشاوي (٢)، وهناك وثيقة أخرى تمنح

стр. 46

للفكون نفسه سنة ١٠٦٠ فوائد سوق الفواكه والخضر وفائض أوقاف الجامع الكبير وحقوقا كثيرة. وسنتحدث عن هذه الوثيقة حين نذكر امتيازات أمير ركب الحج. بقي علينا أن نتحدث عن صعود هذه العائلة إلى الصف الأول بين العائلات في قسنطينة بل إلى تقديمها على جميع العائلات الأخرى هناك، خلال العهد العثماني. كيف وقع ذلك؟ ومن هو أول من تقدم منها؟ وما الفرق بين الروايات الرسمية (التاريخية) والشعبية؟ وهل ما زعمه بعض الكتاب الفرنسيين في القرن الماضي حول الموضوع يثبت اليوم؟ هذا ما نحاول الإجابة عليه هنا ولو باختصار. وقبل كل شيء نبادر إلى القول بأننا نرى أن إمارة ركب الحج لم تمنح إلا إلى عبد الكريم الفكون الحفيد صاحب هذه الترجمة. ودليلنا على ذلك عدة أمور، منها أنه لم يذكر هذه المهمة مقرونة باسم جده ولا والده حين ترجم لهما. ولو تولاها أحدهما أو كلاهما لذكرها لأنه كان حريصا كل الحرص على إظهار مجد العائلة وتوليها الوظائف السامية، ولا سيما الدينية منها، كما فعل حين ذكر تولي جده وأبيه إمامة الجامع الكبير والخطبة فيه والتدريس ونحو ذلك. ومنها أنه أشار إلى حج والده ووفاته أثناء منصرفه من حجه سنة ١٠٤٥، كما سبق، ولم يذكر أنه كان أميرا لركب الحج أو كانت له أية مسؤولية دينية أو دنيوية مع الآخرين في ذلك ولو كان والده متقلدا لتلك الوظيفة لما أهملها في ترجمته. ومن جهة

стр. 47

أخرى فإن الفكون لم يتحدث أبدا عن حج جده، سواء بنفسه أو على رأس وفد رسمي، ونعتقد أن جده لم يحج أصلا، ولو قد فعل لما أهمل حفيده ذكر ذلك لأن الحج كان عندئذ مناسبة علمية ودينية يحرص المترجمون على ذكرها لمترجميهم. فكيف نقول مع القائلين أن مشيخة الإسلام وأمارة ركب الحج فد منحها العثمانيون لعبد الكريم الجد وورثها منه ابنه محمد ثم حفيده عبد الكريم الذي نحن بصدد الترجمة له؟ ومنها أن الفكون ذكر في ترجمة أحد معاصريه، وهو الشيخ محمد الفقيه الزواوي، ما يدل على أن إمارة ركب الحج كانت ما تزال، أثناء حياة والده، في يد عائلة ابن عبد المؤمن. ولكن الفكون لم يذكر تاريخ ذلك بالضبط. غير أننا نستنتج من سياق القصة أن ذلك وقع بعد ١٠٤٥ سنة وفاة والد الفكون. فهو يقول عن نفسه أنه تدخل لمنع الشيخ محمد الفقيه المذكور من الحج ثانية رفقة محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن (أمير ركب الحج؟) لأن محمد الفقيه كان قد سبق له الحج، بينما أهله محتاجون إلى النفقة. ولكن محمد الفقيه حج مع ذلك مع حفيد الشيخ عبد المؤمن مخالفا نصيحة الفكون. ولم يكن الفكون ضمن هذا الركب على كل حال، لأنه يخبر أن الشيخ محمد الفقيه وقف عند الفكون بعد رجوعه من الحج وأعلن ندمه عن فعله. وها نحن نسوق عبارة الفكون نفسه. قال إن الشيخ محمد الفقيه جاء إلى قسنطينة من زواوة وتزوج ومارس التدريس بجامع القصبة، و (خطر بباله الحج ثانيا فأنعم له بحمله له حبيبنا محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن. فأرسل إلي في شأن إمساكه صهره وأهله،

стр. 48

فبعثت في إثره لقصد معارضته عنه لحجه أولا، وسوء مطعمه فيه ومركبه ثانيا، ومجاورته مما لا ينبغي لموفق مفارقته فتخفى مني إلى أن نفذ حكم الله. فسافر إلى الحج صحبة من ذكر. فوقع له شعب (كذا) مع بعض الرفقة أفضى الأمر فيه إلى المضاربة. وبعد قدومه وقف عندي واعتذر عن فعله) (١). نستنتج من ذلك كله: ١ - أن أول من تولى وظيفة الإمامة والخطابة بالجامع الكبير (جامع البطحاء) في العهد العثماني هو عبد الكريم الفكون الجد، بعد سنة ٩٧٥ هـ، أي سنة خلع البيعة من قبل حضر قسنطينة. ٢ - وأن أول من تولى وظيفة القضاء في نفس العهد من عائلة الفكون هو قاسم الفكون. ٣ - وأن أول من تولى إمارة ركب الحج - بالإضافة إلى الإمامة والخطابة بالجامع الكبير - هو عبد الكريم الفكون الحفيد الذي نترجم له. ٤ - وإن إمارة ركب الحج قد بقيت في عائلة عبد المؤمن إلى زمن محمد حفيد عبد المؤمن الذي تحدث عنه الفكون نفسه في النص السابق، أي إلى ما بعد حوالي قرن من وجود العثمانيين.

стр. 49

ومع هذا الوضوح في تسلسل الأحداث وتولي المسؤوليات فإن بعض المؤرخين (سيما الفرنسيون) قد خلطوا في هذه القضية. فذهب بعضهم إلى أن ولاء عائلة الفكون للعثمانيين يبدأ من خيانة عائلة عبد المؤمن لهم. وأن عائلة الفكون قد (منحت) وظيفة القضاء والإمامة والخطابة بالجامع الكبير (وهو منصب يعني الجاه والثروة) جزاء لها على دورها في نشر العافية وجلب طاعة الرعية خلافا لعائلة عبد المؤمن التي تعاونت مع أولاد صولة وخلعت البيعة ورفضت الانصياع للعثمانيين. وقد استدل بعضهم، مثل شيربونو، برواية شعبية مفادها أن عائلة عبد المؤمن هي التي كانت تتوارث إمارة ركب الحج في قسنطينة. وعندما حل خير الدين بربروس بالقل تضررت تجارة قسنطينة فجاءه وفد منها وعرضوا عليه الطاعة فعين عليهم بايا. ولما سمع الشيخ عبد المؤمن أغلق أبواب المدينة فظل الباي الجديد وجنوده في المنصورة (بأعلى المدينة). وهنا اتصلت بهم عائلة الفكون المنافسة لعبد المؤمن واقترحوا على الأتراك أن يعدوا عبد المؤمن بإبقاته في وظيفته، فأرسل إليه الأتراك رسالة وأقاموا له وليمة في المنصورة فجاءهم إليها وفتح لهم أبواب المدينة. وأثناء هذه الوليمة سموه وسلخوا جلده وحشوه تبنا وأرسلوه إلى الجزائر. ومنذ ذلك الحين ظلت العلاقة بين الأتراك وآل الفكون جيدة (١). وهذه الرواية وجدت صدى في كتابات فايسات وميرسييه أيضا ولكن الأول (فايسات) لاحظ أن هذه الرواية لا تستند على

стр. 50

أية وثيقة. ومع ذلك فهو يقول إن أول من أعطي لقب شيخ الإسلام م عبد الكريم الفكون الجد سنة ١٥٦٧ أو ١٥٦٨، بعد الثورة التي حدثت ذلك العام (٩٧٥ هـ)، والتي قادها أولاد عبد المؤمن بالتعاون مع أولاد صولة (١) ولكن المعروف أن الفكون الجد تولى فقط إمامة وخطابة الجامع الكبير ولم يتول إمارة ركب الحج ولم يلقب بلقب (شيخ الإسلام). أما ميرسييه فيذهب أبعد من ذلك، فيرى أن إمامة وخطابة الجامع الكبير قد منحت إلى قاسم الفكون بعد رجوعه من تونس (والواقع أنه تولى القضاء فقط، باقتراح من الشيخ الوزان، الذي اعتذر عن ولاية القضاء بنفسه). ويؤكد (ميرسييه) إن أول أمير لركب الحج هو عبد الكريم الفكون الجد (وقد عرفنا أن هذا المنصب بقي في يد عائلة عبد المؤمن إلى أوائل القرن الحادي عشر، وأن الفكون الجد قد تولى فقط إمامة وخطابه الجامع الكبير، وأنه قد لا يكون حج أصلا). ويرجح ميرسييه أن لقب أمير ركب الحج قد منح للفكون الجد سنة ١٥٧٢ (٩٨٠ هـ) على أثر الثورة الكبيرة التي أدت إلى مقتل الشيخ عبد المؤمن (٢) ولكنه يستدرك على نفسه

стр. 51

فيقول إن لقب أمير ركب الحج وشيخ الإسلام قد منحا ضمنيا لا تصريحا، لأن إمام الجامع الكبير كان بالضرورة شيخا للإسلام وأميرا لركب الحج. وهو أيضا استدراك غير صحيح، لأن إمارة الركب بقيت في عائلة عبد المؤمن مدة طويلة بعد وفاة الفكون الجد وابنه محمد وحتى إلى عهد الفكون الحفيد. أما لقب الإسلام فلم يصرح به إلا لهذا الأخير. والشيء المؤكد هو أن أسرة الفكون ظلت تتوارث هذه الوظائف بعد ذلك: إمامة وخطابة الجامع الكبير، وإمارة ركب الحج ولقب شيخ الإسلام، إلى الاحتلال الفرنسي، وبالضبط إلى سنة ١٨٣٨، حين ألغت السلطات الفرنسية ذلك. وهكذا فإن الوثائق تتحدث عن تولي محمد الفكون (والد المترجم) جميع مهام والده (سنة ٩٨٩ هـ)، وتولى الفكون الحفيد جميع مهام والده سنوات ١٠١٥، و١٠٤٨، و١٠٦٠ وتولى محمد الفكون (ابن المترجم له) جميع مهام والده سنة ١٠٧٤، و١٠٧٥ واستمر الحال كذلك إلى الاحتلال الفرنسي كما أشرنا. وآخر وثيقة لتثبيت هذه العائلة على وظائفها وامتيازاتها، يعود إلى عهد الحاج أحمد باي آخر حكام قسنطينة العثمانيين، وبالضبط إلى سنة ١٢٤١ (١٨٢٦) (١).

стр. 52

ولعل الإلحاح على صعود عائلة الفكون إلى القمة لا يعود فقط إلى القيمة الروحية ولكن إلى الثروة المادية التي أصبحت تتمتع بها. ولكننا رأينا أن الناحيتين قديمتان فيها. فقد كانت تتمع بقيمة روحية (الدين والصلاح والعلم) قبل توليها وظائف الجامع الكبير ومشيخة الإسلام وإمارة ركب الحج. وكانت كذلك غنية تملك العقارات في قسنطينة والأراضي في الأرياف قبل ذلك أيضا. فما الجديد حينئذ؟ لعل الجديد هو العلاقة بين من يتولى هذه الوظائف وبين السلطة الزمنية في البلاد عندئذ. ومنذ القرن العاشر أصبحت هذه السلطة في يد العثمانيين، وكان هؤلاء يبحثون، ككل سلطة جديدة، عن الأنصار من أصحاب النفوذ الروحي والمادي. فوقع تحول في مراكز هذا النفوذ من عائلة إلى عائلة كما لاحظنا وأصبحت عائلة الفكون، سيما في عهد عبد الكريم الحفيد الذي نترجم له، في قمة مجدها روحيا وماديا. ولكن هذا لم يتم فجأة ولا وقع بطرق ملتوية، كما يحلو لمؤرخي الفرنسيين ذلك، وإنما وقع بالتدرج وبدون التخلي عن القيم العائلية والإسلامية التي عرفتها مدينة قسنطينة في عهدها الطويل. ولأمر ما لا نجد كلمة نقد واحدة موجهة من الفكون إلى عائلة عبد المؤمن أو أحد أفرادها، رغم تعرضه بالنقد لأعيان وعلماء ودراويش عصره كما سنرى. بالعكس فقد وجدناه يحتفظ لمن ذكره منهم بألفاظ التجلة والاحترام. حقيقة أن ثروة عائلة الفكون قد زادت، وأن جاهها قد ازداد علوا في نظر الناس، نتيجة الوظائف الجديدة. ذلك أنها بالإضافة إلى أوقاف الجامع الكبير كانت تحكم بما تراه صالحا في الأمور

стр. 53

العامة. ولا أحد يعترض عليها، بما في ذلك موظفو الجامع والقضاة ولا حتى ممثل الوالي (الباي)، ولا أي شخص آخر مهما علا قدره. وكان التمتع بهذه الامتيازات يصدر من باشوات الجزائر ومن بايات قسنطينة معا. بل أصبح المنصب نفسه وراثيا. وكانت العائلة تأخذ بمقتضى ذلك عشر ما يستورد إلى المدينة من البضائع كالزرابي والخشب. وأصبحت تتدخل في الشؤون السياسية إذا كانت تتعلق بالأمن العام والصالح العام. من ذلك أن الفكون هو الذي اقترح على السلطة المركزية في الجزائر اسم باي جديد على قسنطينة فقبلت اقتراحه، وذلك بعد ثورة شيخ العرب أحمد بن الصخري سنة ١٠٤٧ (١٦٣٧ م). وتذكر بعض المصادر أن هذا الباي المقترح هو فرحات باي وأنه تولى منصبه سنة ١٠٥٧ (١٦٤٧ م) متحالفا بذلك مع الفكون الذي نترجم نحن له. وقد بقي فرحات باي في الحكم سنتين بعد وفاة الفكون نفسه سنة ١٠٧٣، إذ توفي سنة ١٠٧٥، بعد أن كان قد عين كل منهما ولده في مكانه: الفكون خلفه ابنه محمد الفكون، الذي تحدث عنه أحمد برناز، وفرحات باي خلفه ابنه مجمد أيضا، ووافق على كل منهما باشا الجزائر. وهكذا بقي الرجلان (عبد الكريم الفكون وفرحات باي) حوالي ست عشرة سنة في تحالف من أجل الصالح العام، وكان عهدهما عهد استقرار لم تعرفه قسنطينة من قبل (١) فهل يصح بعد ذلك أن

стр. 54

نقول مع فايسات: أن عائلة الفكون في عهد توليها مشيخة الإسلام (لم تستعمل نفوذها في غير الشؤون الدينية ولم تتدخل، على الأقل مباشرة، في الشؤون السياسية، بل تركت السياسة للحكام واكتفت هي بحكم الأرواح)؟ (١) طبعا لا فقد رأينا الفكون أثناء ثورة ابن الصخري يقف موقفا سياسيا واضحا ضد الثورة، ورأينا حفيده يقف موقفا سياسيا صريحا ضد صالح باي في آخر الأمر، سنة ١٢٠٨ (١٧٩٣م)، كما رأينا حفيده الآخر يقف مع أحمد باي ضد الفرنسيين سنة ١٢٤٦ (١٨٣٠ م). ولعل هذا الموقف الأخير هو الذي حمل الفرنسيين على جعل إلغاء لقب شيخ الإسلام من أوائل إجراءاتهم بقسنطينة. ومهما كان الأمر فإن عائلة الفكون ظلت تتوارث الوظائف المذكورة أبا عن جد وإبنا عن أب إلى احتلال قسنطينة من قبل الفرنسيين. فهذا محمد بن عبد الكريم الفكون خلف والده في إمامة الجامع الأعظم وفي كل ما لهذه الوظيفة من امتيازات سبق ذكرها. كما ناب عنه في قيادة ركب الحج حتى أثناء حياته عند عجز عبد الكريم على القيام بها شخصيا، كما يذكر العياشي في رحلته الثانية إذ لقى ابنه محمد الفكون قائما مقام أبيه. وقد توفي محمد الفكون هذا سنة ١١١٤ وبذلك يظهر أن نفوذه وتأثيره قد

стр. 55

طال في هذه الوظيفة (أكثر من أربعين سنة) (١) ولكن يبدو أن قوته المعنوية وتأثيره العلمي لم يكن في درجة أبيه الذي نتحدث عنه إذ لا نعرف له تاليفا ولا تذكر له المصادر السياسية مواقف بارزة كالتي كانت لأبيه. ولعل استقرار الأحوال في قسنطينة للسلطتين الزمنية في يد البايات والروحية في يد الفكون قد ساعد على هذا الخمول الذي عرفه عهد محمد الفكون. وقد خلف بدر الدين والده محمد الفكون سنة ١١١٤ في كل وظائفه أيضا ولكننا لا نعرف له أثرا علميا ولا سياسيأ. ويكاد الصمت يخيم على نشاط هذه العائلة في القرن الثامن عشر (١٢ هـ) لولا ظهور عبد الرحمن الفكون في عهد صالح باي، وبالضبط سنة ١٢٠٨ وذلك أن عبد الرحمن هذا هو الذي تقول الأخبار أنه سحب حمايته عن صالح باي بجذب برنسه عنه بعد أن اتهمت السلطة المركزية هذا الباي بمحاولة التمرد والاستقلال وحكمت عليه بالموت فكان سحب البرنس عنه إيذانا بالموافقة على تنفيذ الحكم فيه أما آخر أسماء آل الفكون عند احتلال قسنطينة فهو الشيخ (محمد؟) الفكون (٢) الذي كان على علاقة طيبة مع الحاج أحمد باي، آخر البايات. وغداة الاحتلال عين الفرنسيون ابنه الشاب حمودة الفكون

стр. 56

ليكون شيخ البلاد لقسنطينة في وظيفة رئيس بلديتها، وذلك لأن والده كان شيخا هرما تجاوز الثمانين سنة. ولكن ذلك كان إجراء مؤقتا فقط ريثما تستقر لهم الأوضاع وتهدأ النفوس. ذلك أنهم سرعان ما ألغوا (سنة ١٨٣٨) وظيفة شيخ الإسلام التي طالما تمتع بها آل الفكون، كما الغوا وظيفة شيخ البلاد أو رئيس البلدية، وبذلك أسدل الفرنسيون الستار مؤقتا على نفوذ عائلة آل الفكون بقسنطينة وهو النفوذ الذي استأنفته هذه العائلة في العهد الجديد، والذي تغلب عليه الدنيا وليس الدين (١). ٥ - نشأته وثقافته (شيوخه) هو عبد الكريم بن محمد بن عبد الكريم بن قاسم بن يحيى الفكون. ولد في قسنطينة سنة ٩٨٨ (١٥٨٠)، وسمي على جده، لأنه ولد على أثر وفاته. ويخبر الفكون نفسه أنه عندما كانت والدته حاملا به سألت جده الدعاء، فقال لها: (جعل الله عمارة

стр. 57

الدار منك). وهذه العبارة، إذا صحت، تدل على أن الفكون كان أول مولود لأبيه محمد، وأن الفكون ظل يحمل هذه الفكرة مدى حياته، أي أنه هو عمارة الدار الفكونية بدعاء جده. (ص ٢٤). وقد عاش الفكون في كنف أبويه طويلا إذ عرفنا أن والده عاش إلى سنة ١٠٤٥ أما والدته فلم يسمها ولكنه ذكر أنها كانت شريفة حسنية من عائلة محمد بن قاسم الشريف الذي قلنا أنه كان متوليا وظيفة مزوار (نقيب) الأشراف بقسنطينة، وكان محمد بن قاسم هذا مفتيا أيضا، وامتحنه عسكر قسنطينة امتحانا عسيرا. فالفكون إذن نتاج عائلتين عريقتين: إحداهما تميمية والأخرى حسنية. وقد أشار الفكون نفسه إلى بعض حياته في طفولته وشبابه الباكر. فقد كانت قسنطينة في نهاية القرن العاشر (١٦ م) تعيش على تراث عمر الوزان وعبد الكريم الفكون (الجد) وعبد الرحمن الأخضري ويحيى الأوراسي فكان تلاميذ هؤلاء هم الذين يرأسون حلقات الدرس في مساجدها. وكان والده (محمد) أحد كبار المدرسين عندئذ. وكان التلاميذ يأتون إلى تلك المساجد من نواحي عديدة خاصة من زواوة والغرب (الجزائر) والأوراس ونقاوس. ومن أشهر الطرق الصوفية عندئذ الطريقة الزروقية (نسبة للشيخ أحمد زروق المتوفى سنة ٨٩٩). فالأخضري والوزان من المنتسبين إليها والمتحمسين لها وكانت، الحياة السياسية لا تؤذن بالاستقرار، ولكن أسرة الفكون كانت تساهم في حفظ التوازن وتسعى للعافية والصالح العام وفي هذا الجو فتح الفكون عينيه وأخذت أعوام حياته تتوالى حتى بلغ من الدخول إلى الجامع

стр. 58

لحفظ القرآن الكريم. وقد ذكر هو أن شيخه في ذلك يسمى أبو القاسم بن عيسى الزواوي الملقب بثلجون (ص ٢٤٥). ولاحظ عند ذكره الشيخ عبد الله بن غرارة أنه هو شيخ أبي القاسم بن عيسى الذي درس عليه القرآن العظيم، وإن ابن غرارة هذا كان مشهورا بمعرفة العزائم وتخديم الروحانيات وذا حكمة ظاهرة. ولم يشر الفكون إلى حياته في المدرسة أو في الجامع بعد حفظ القرآن إلا قليلا فلا نجد من آثاره في هذه السن أكثر من حادثتين قد لا تساعداننا كثيرا في فهم حياته أثناء المراهقة واليفاعة. الأولى خبر ساقه عن زيارة إبراهيم الفلاري التونسي لقسنطينة وتعجيزه له (أي الفكون) في مسألة نحوية رغم حداثة سنه، كما يقول، إذ كان ما يزال في مرحلة الكتاب (المستوى المتوسط). ومع ذلك فإن الفكون يروى في شيء من الزهو والإعجاب بنفسه أنه رغم التحدي فإنه استطاع، بعد جهد جهيد، أن يتحدى الشيخ الفلاري أمام جمع من علماء قسنطينة ويسكته حين أحضر له مسألة أيضا لم يحر معها الفلاري جوابا. فأحرجه الفكون أمام زملائه الذين طالما تطاول عليهم بعلمه (١) (ص ١٠١ - ١٠٥). أما الحادثة الثانية التي وقعت أيضا، فيما يبدو، أثناء يفاعته، فهي تعيين والده له نائبا عنه في الجامع الأعظم عندما (وقع على التكليف). وغيرة منه أخذ أحد العلماء،

стр. 59

الذي كان هو النائب لوالده قبله، يشنع عليه ويعلن أنه صغير السن وأن الصلاة لا تجوز وراءه من أجل ذلك. (فكان من لطف الله ورعايته أن لم يمت (حتى) جثا بين يدي جثو الصبي للمعلم) (١). ولكن من الذي أسهم في تعليم عبد الكريم الفكون حتى نبغ واكتسب هذه المعارف كلها؟ ان هناك عدة عوامل كانت وراء ذلك. فالإضافة إلى الجو العام الذي أحدثه تلاميذ الوزان بقسنطينة، وبالإضافة إلى تردد علماء تونس والمغرب على هذه المدينة، وكذلك زيارات المشارقة سواء الذين وصلوا مع العثمانيين أو الذين وصلت أخبارهم عن طريق الحجاج - هناك قبل كل شيء المعلم الأول للفكون وهو والده. فقد كان هذا الشيخ (محمد الفكون) في مقتبل عمره عندما رزق بولده فأحاطه بعنايته من أول وهلة ورعاه بعلمه وطريقته ومكتبته. ورغم كثرة شيوخ الفكون فإن تلميذه عيسى الثعالبي الذي روى الحديث، عنه لم يذكر منهم سوى والده ويحيى الأوراسي ولكن الثعالبي أضاف كلمة (وغيرهما). ومع ذلك فإن الفكون لم يطل في ترجمة والده فنحن لا نعرف ما الذي أخذ عنه بالضبط، غير أنه يمكننا أن نتصور أنه أخذ عنه مبادىء العلوم ومراجعة المسائل التي كان الإبن يتلقاها على العلماء الآخرين في البلاد. فقد اكتفى الفكون في وصف والده بالورع والتصوف وقيام الليل والتعلق بالفقه.

стр. 60

ولكن (منشور الهداية) يعطينا قائمة طويلة من أسماء الشيوخ الذين درس عليهم الفكون كثيرا أو قليلا من العلم. ونحن نذكرهم على النحو التالي ملاحظين أن الفكون يكثر أحيانا من العبارات التي تدل على تفوقه على أقرانه بل حض على بعض شيوخه، وقد ينتقدهم ويصحح معلوماتهم، كما أن عباراته توحي بالخرافية أحيانا إذ يسوق بعضها في قالب رؤيا مناميه وكرامات ونحو ذلك، وهؤلاء هم شيوخه: ١ - يحيى الأوراسي، قال عنه الفكون أنه سمع به ورأى ذاته، ولكنه لم يقل إنه أخذ عليه العلم، وإنما الذي ذكر ذلك من تلميذه عيسى الثعالبي في (كنز الرواة). ٢ - سليمان القشي، قرأ عليه أوائل الرسالة وحضر باقيها، وشرح الصغرى في العقائد، والقطر والأجرومية بشرحها لجبريل، وبعض أوائل الألفية. وكان الشيخ القشي من الذين درسوا في الأزهر الشريف مدة من الزمن. ٣ - عبد العزيز النفاتي، قرأ عليه الحساب وبعض الفرائض، وكان النفاتي قد قرأ بتونس على الشيخ الشهير الشريف النجار. ٤ - محمد الفاسي المغربي، قرأ عليه بعض مسائل الإسطرلاب وبعض الفرائض، ولكن الفكون وجد عنده قصورا في العلم فقال عنه ليس (له معرفة في معالي الألفاظ ولا بالصناعة الكسورية فأطبقت الكتاب لما تحققت من عجزه، وطالعته وحدي ففتح الله في عمل الفريضة بالطريقة الكسريه ...) (ص ٣٤).

стр. 61

٥ - محمد ابن راشد الزواوي، قرأ عليه النحو وتأثر به كثيرا، لأن ابن راشد قدم عليهم ونزل عندهم، وكان الفكون عندئذ ما يزال صغير السن، فقط في مرحلة حفظ القرآن، فحبب ابن راشد علم النحو إلى قلب الفكون إذ كان ابن راشد يناظر تلاميذ الشيخ محمد التواتي الذي سيأتي الحديث، عنه. وقد اعتمده ابن راشد أيضا في (تسميع) الدرس لفصاحة لسانه. ٦ - محمد التواتي المغربي، أشاد به الفكون كثيرا ووصفه بأنه (سيبويه زمانه). وأخبر أنه قرأ عليه كتاب المرادي في النحو مرارا كما قرأ عليه عقائد السنوسي بشراحها، وابن الحاجب بمطالعة التوضيح عليه، وتذكره القرطبي، وحضر عليه التفسير في نحو عشرة أحزاب، وتدريسه لصحيح مسلم بن الحجاج بمطالعة الأبي، وحاشية جمع التكسير على المرادي وهي بخط التواتي نفسه، وغيرها من الكتب. وكان التواتي معجبا بتلميذه الفكون مسرورا بمباحثه معه (٣١ - ٣٢). وبالإضافة إلى هؤلاء الشيوخ يخبر الفكون أنه قرأ في صغره شرح عبد اللطيف المسبح على مختصر الأخضري في الآداب العامة. وقد انتقد طريقته ورأى أن يقوم هو بوضع شرح جديد للمختصر المذكور، وسماه (الدرر على المختصر). ولكن من الواضح أن الفكون لم يتتلمذ للمسبح لأنه من جيل جده وإنما قرأ شرحه المذكور فقط. وإذا نحن تأملنا في هذه القائمة تأكدنا من بعض الأمور: ١ - أن شيوخ الفكون قد يكونون أكثر من هؤلاء. وإننا لا

стр. 62

ندري أين كان يتلقى على هؤلاء الشيوخ، والغالب أن ذلك كان في الجامع الأعظم حيث تتولى أسرته وظائف هذا الجامع وتقع دارهم بجواره. ٢ - إن مرويات الشيخ عيسى الثعالبي عن الفكون في (كنز الرواة) لا تساعدنا كثيرا في فهم أوليات الفكون وشيوخه، إذ لا تذكر من شيوخه سوى والده ويحيى الأوراسي. ٣ - إن ثقافة الفكون ثقافة محلية، فهو لم يغترب من أجلها ولم يرحل لا داخل الجزائر ولا خارجها طلبا للعلم. وأما رحلاته التي قام بها بعد ذلك فقد كانت بعد نضجه كما كانت في نطاق مهمته في أداء الحج وقيادة ركب الحجاج. ولم يتأثر من بين أولئك العلماء إلا بوالده وبالشيخين ابن راشد الزواوي ومحمد التواتي. وسنعرف من مراسلاته وعلاقاته أنه كانت له أيضا ارتباطات علمية أخرى مع معاصريه ولكن على نطاق آخر. وهناك حادثة أخرى وقعت للفكون وهو ما يزال، كما يقول، صغير السن، وهي عزمه على الرحيل من قسنطينة إلى الحجاز. ونفهم من سياق الحادثة، كما ذكرها، أنه كان غير راض عما في قسنطينة من مظالم وفوضى ومناكر، وأنه كان يرغب في الفرار من هذا الوضع رغم حداثة سنه. وكان يلح على والده في ذلك. وقد تحرج الوالد من موقفه، ولعله راوده على البقاء وحاول إقناعه فلم يفلح. وحانت الفرصة للمواجهة عندما زارهم في منزلهم شيخ من زواوة هو محمد الموهوب الزواوي الذي يبدو أنه كان صديقا للوالد. وكان الوالد والولد حاضرين معا. وعندما طرح الموضوع

стр. 63

على الشيخ الزواوي أجاب بما ثنى عزم الإبن عن الرحيل إلى الحجاز، وما فهم أن المؤمن قد يفر من أرض فيها ظلم إلى أرض يسمع أن ظلمها أقل، فإذا حل بها وجد ظلمها أعظم من الأولى. وهكذا يظل متنقلا في الطرقات إلى أن يدركه الموت وهو على تلك الحال. وقد يكون من المفيد أن نسوق عبارة الفكون نفسه بهذا الصدد. قال عن زيارة الشيخ محمد الموهوب لهم: (وكنت إذاك مشغوفا بالنقلة لأرض الحجاز، طالبا على الوالد ذلك. فاستشاره (أي الشيخ الموهوب)، أو خاطبته أنا في ذلك، الشك مني، فسمعته ذكر حديثا عن سيدنا رسول الله (ص) تسليما أن المؤمن آخر الزمان يموت بين الطرق، أو كما قال، إلا أن هذا معناه. قال وذلك أنه يفر من وطنه لما يناله منه من المناكر والظلم ونحوهما إلى وطن آخر يسمع عنه أنه أسد وأصلح فينتقل إليه فيجده أفسد من وطنه الدي ارتحل عنه وأكثر ظلما ومنكرا، فيندم على ارتحاله منه ويظنه أنه فاق على الحالة التي تركه، فيرتحل إليه فيجده أسوأ حالا من المكان الذي جاء منه. ولا يزال كذلك بين الطرقات حتى يأتيه الموت وهو على ذلك الحال). (ص ٢٣٦). ولكن الفكون لم يخبر ماذا قرر بعد ذلك. والظاهر أنه قرر البقاء في وطنه رغم المناكر والظلم والفساد الذي فيه ولم يذكر متى حدث له ذلك ولكنه اكتفى بقوله أنه كان عندئذ ما يزال صغير السن, وكل ما يمكن أن نستنتجه من هذا النص أن حالة

стр. 64

الوطن لم تكن على ما يرام في نظر الفكون وأنه فكر في الرحيل عن وطنه إلى وطن آخر، لعله يجد الرضى والراحة النفسية، ثم عدل عن ذلك لأن جميع أوطان المسلمين في النهاية متشابهة وأن الفساد قد عمها جميعا، فلا مهرب من قضاء الله إلا إلى قضاء الله. ويبدو أن الفكون قضى الأربعين سنة الأولى من القرن الحادي عشر (١٧ م) في كنف والده. فكان يوسع معارفه بالقراءة في المكتب والتعليم والمذاكرة والمجالسة. وكان ينوب عن والده في الصلاة بالجامع الكبير (الأعظم). وكان يؤلف الكتب والرسائل، وكان يدرس أحوال العصر ويراقب تنافس العلماء على أصحاب السلطة وانتشار التصوف الكاذب على يد دراويش ومجاذيب. وكان يرى أحوال البلاد تسوء في الإدارة والقضاء والاقتصاد والأخلاق. فكان يحز كل ذلك في نفسه فلا يجد مجالا للتعبير عنه إلا في تسويد الصحائف ونصح من توسم فيه تقبل النصح وتعليم الوافدين على قسنطينة ومساعدة المحتاجين، وسنرى كيف انطبعت هذه الحالة على مؤلفاته التي كتبها في الواقع جميعا في الفترة المذكورة. لم يخبر الفكون عن زواجه وشؤون العائلة إلا قليلا ولكن ما جاء به من أخبار يساعدنا على فهم حياته الخاصة وسلوكه حتى وهو في ريعان شبابه. فقد تزوج ابنة أحمد (حميدة) بن حسن الغربي، الذي كان من بيوتات قسنطينة والذي كانت له بعض المناصب الشرعية كالقضاء والفتوى. وكان من أهل الشورى في

стр. 65

إدارة البلاد (١) ويذكر الفكون أنه بقي مع هذه الزوجة ثلاث سنوات ثم فارقها لظهور أمور منها لا يمكن الإبقاء عليها معها. ترى ما هي هذه الامور؟ إن الفكون، كما سنرى، كان متشددا مع المرأة، فهل السلوك الشخصي لهذه المرأة هو السبب في هذا الفراق؟ أو هل كان للعلاقات العائلية (والفكون لا يخفي سخطه على سلوك أحمد الغربي مع أصحاب السلطة) دور في ذلك؟ والظاهر أنه لم يكن للفكون أبناء من هذه المرأة، لأنه لم يذكر ذلك، فهل كان ذلك أيضا وراء فراقهما؟ ويبدو أن ذلك حدث في آخر العشرة الأولى من القرن الحادي عشر. ثم لا يذكر الفكون شيئا عن زواجه الثاني والمعروف أن له إبنا هو محمد الفكون، تولى وظائف والده بعد وفاته، كما سنرى. غير أننا لا نعرف إن كان له أبناء آخرون. قلنا إن الفكون كان متشددا في أموره العائلية أو قل كان متمسكا بالقواعد الشرعية كما يراها ويفسرها، وكان لا يهمه أن يخالف ما درج عليه الناس أو أصبح عرفا عندهم، حتى ولو كان والده من هؤلاء الناس. فهو يذكر أن أهل قسنطينة كانوا يعتقدون الجذب والبركة في بعض الشيوخ فكانوا يسمحون لهم بدخول بيوتهم والتكشف على نسائهم والأكل عندهم، كما كانوا يسمحون لهم دخول حوانيتهم وأخذ ما يرغبون فيه منها. بل إن

стр. 66

هؤلاء الشيوخ قد يضربون من يشاؤون ولا يتعرض لهم أحد. وكان الفكون يشاهد ذلك فلا يقره. وقد بدأ بنفسه، فقد أخبر أن والده كان يمسح للشيخ محمد البلدي بدخول دارهم، وكان الكبار والصغار يعظمونه. ولكنه كان مختل العقل وكان لا يصوم ولا يصلي. ولذلك كان الفكون غير راض عن دخوله دارهم. فلم يسعه إلا أن حجب زوجته عنه (١). ويبدو أنه في آخر الأمر قرر الاستقلال بداره عن أهله. فهو يخبرنا عن مشاريع بنائه وتجديده لإحدى دور العائلة، ويخبرنا أيضا أنه فعل ذلك للمضايقة التي حصلت له في سكناه مع أهله وأقاربه. والظاهر أنه بقي يسكن الدار الأصلية التي كانت لجدوده، والتي يسميها (مسقط الرأس) أو الدار السفلى ويسمي الدار الأخرى التي بقي فيها من بقي من العائلة بالدار العليا. فقد أخبرنا أنه كان سنة ١٠٢٢ يجدد داره ويبني مسقط رأسه (هروبا من سكنى الدار العليا) لما وقع له من (الضيق والتضييق). ويخبر عن هذه الدار التي يجددها، أو مسقط رأسه، بأنها كانت بالقرب من الجامع الأعظم. وفي مناسبة أخرى يحدد مكان داره أو مسقط رأسه بأنها (دار سكناي التي جددت بناءها قبلي الدار العليا التي في قبلي الجامع الأعظم الأقدم بالبلد ..) ويخبر عن نفسه أيضا بأنه كان عندئذ (أي سنة ١٠٢٢، (منشغل البال ببناء مسقط الرأس

стр. 67

للسكنى، لأني فار من سكني الدار العليا، لما حصل لي من الضيق والتضييق من بعض الأقارب) ص ٢٣٩. ومن الواضح أن ذلك وقع أثناء حياة والده، ولم يخبرنا الفكون عن هؤلاء الأقارب الذين ضايقوه حتى ألجأوه إلى الفرار والهروب من دار إلى أخرى. ونستشف من وصفه لانشغاله ببناء الدار أنه كان يدير أمرها بنفسه ومن ماله. فهل كان مستقلا عن والده عندئذ كل الاستقلال، بما في ذلك الاستقلال المالي؟ وعلى كل حال فقد نظم الفكون داره بحيث جعلها صالحة أيضا لاستقبال الضيوف من العلماء والطلبة. فقد جعل لها طابقا علويا للصلاة وللضيافة. وعبارته كما وردت في كتابه، وهو يتحدث عن زائر زاره، هي (وأنا جالس بعلو الدار الذي جعلته مصلى، ولمن يستضيفني) ص ٢٤٩. ولم يكد الفكون يستقر بهذه الدار حتى داهمه مرض خطير لم يجد له علاجا ولم يعرف له سببا. وقد لازمه هذا المرض سنوات. وكاد يؤدي به لولا لطف الله وتوسلاته. ويخبر هو أن المرض بدأه سنة ١٠٢٥ وقد تمكن المرض من قلبه ولم يجد له الأطباء علاجا. وبقي سنة كاملة لا ينام، كما قال، وهو يتصبب عرقا حتى أيس منه الجميع واختل شطره الأيسر، ص ٢٤٣. وفي مكان آخر يقول إن المرض داومه ثلاث سنوات ألزمه فيها الفراش، سنة لا ينام أبدا، وسنة ينام سنة لا نوما، وسنة أخرى ارتفع عنه الضر الأكبر ولكن بقيت أعراض المرض معه. وروى عن هذا المرض أن (تلونه وعدم ثبات مجيئه على صفة واحدة هو الذي أوجب تقييده). (أي خصه بتأليف). وبالإضافة إلى هذا

стр. 68

التقييد كتب الفكون، كما سنرى، ديوانا كاملا من الشعر في مدح الرسول (ص)، والاستنجاد به والتوسل إليه طلبا للشفاء مما أصابه. ثم زاد على ذلك نظما سماه (شافية الأمراض). والظاهر أن الله قد استجاب لدعائه إذ أخبر الفكون أنه شفي من هذا المرض تدريجيا (فرأيت من الله الفرج ووقف المرض إلى غاية لا أتألم منه كثيرا. ولكنه بقدر ما أتحمل، وأرجو من الله الشفاء منه كله). ص ٢٤٤. وقد قال هذا الكلام وهو يؤلف كتابه (منشور الهداية) الذي نرجح أن يكون قد كتبه بعد سنة ١٠٤٥ - سنة وفاة والده - ومعنى هذا أن المرض الذي بدأه سنة ١٠٢٥ قد لازمه إلى ما بعد سنة ١٠٤٥. ٦ - وظائفه وامتيازاته ومكانته ورث عبد الكريم الفكون عن والده وجده وظائف الجامع الكبير (الأعظم) بقسنطينة، وهو الجامع الذي يقع بحي البطحاء، قرب دار آل الفكون. وهذه الوظائف هي التدريس به وإمامة المصلين فيه والخطبة على منبره أيام الجمع والأعياد، والسهر على أوقافه (أحباسه). أما إمارة ركب الحج والتلقيب بشيخ الإسلام فلا نعلم أن أحدا من عائلته قد تولاهما قبله بما في ذلك والده الذي توفي سنة ١٠٤٥. فأما التدريس فقد علمنا أن الشيخ الفكون كان يقوم به في حياة والده وليس أمرا جديدا ورثه عنه أو منحته إياه السلطة بقسنطينة. وقد كان على ما يظهر يدرس في عدة أماكن: في

стр. 69

داره، وفي الجامع، وفي مدرسة العائلة، وفي غير ذلك من الأماكن. وكان يستقبل الطلبة الوافدين على قسنطينة ويدرس لهم في الأماكن المذكورة بدون تعيين ولا تلقيب، وبدون أجر أيضا. فتلاميذه الذين ذكرناهم وزواره من العلماء كانوا يأتونه في أغلب الأحيان إلى منزله الذي اتخذ فيه، كما قال، مصلى وقاعة لاستقبال الضيفان الراغبين في طلب العلم. ويبدو أنه كان يبث العلم عن طريق التدريس منذ وقت مبكر من حياته، أي منذ أوائل العشرينات من حياته. وقد كان والده يقدمه، رغم صغر سنه، في المسائل العلمية أثناء حياته أيضا ليواجه به بعض المتحدين له. وقد مر بنا تقديمه له في الصلاة بالجامع الأعظم بدل نائبه التقليدي، وهو أحمد الميلي، وما وجده من أجل ذلك من حسد وغيرة حتى فاز على خصمه وظهر. كما مر بنا كيف ناطح به والده أحد العلماء الذين قالوا بإباحة نسخ عقد من عقود الأحباس تقربا لوالي قسنطينة. وكيف حاجه الفكون، رغم صغر سنه، وانتصر عليه أيضا، وكتب في ذلك تأليفا أصبح وثيقة مشتهرة عند أهل البلد. إذن كان الفكون يقوم بهذه الأمور في حياة والده، وهو في مقتبل العمر، بدون تعيين رسمي. كما أن الفكون ألف، كما سنعرف، معظم كتبه في هذه الفترة من حياته، أي أثناء حياة والده (أي قبل ١٠٤٥). ونكاد نقول إنها جميعا من إنتاج هذه الفترة - ما عدا واحدا منها، ألفه سنة ١٠٤٨ - ولذلك يبدو لنا أن الفكون قد كرس الجزء الأكبر من حياته في التعلم والتعليم والتأليف. وكانت مادة تعلمه وتعليمه هي النحو،

стр. 70

وهو علم عقلي صعب قل من كان يحذقه في ذلك العصر. وهو أيضا علم يجعل صاحبه ينظر إلى قضايا العصر وأهل العصر بمنظار يختلف عن منظارهم. ولعل ذلك كان وراء نقد الفكون، كما سنرى، لأحوال قومه وعلمائهم ومتصوفتهم ودراويشهم. وكان أيضا قلقا من الحياة بينهم باحثا عن موطن لا ظلم فيه ولا منكرا ولا فسادا، حتى لقد فكر وهو في حوالي العشرين من عمره بالرحيل إلى الحجاز ثم عدل عنه، بل إنه خرج حتى من دار والده إلى دار أسلافه القديمة وبناها من جديد ووسع فيها واستقر بها، هروبا، كما يقول، من الضيق والتضييق. وكان لا يوافق حتى أقرب الناس إليه، وهو والده، في السماح لبعض المجاذيب بدخول المنزل، فلم يسعه إلا حجب زوجه عنهم. فالرجل إذن كان مستقلا في فكره، مستقلا في حياته، مستقلا في وظيفه. ولكن بعد وفاة أبيه سنة ١٠٤٥ أخذت حياة الفكون تتغير. وكان عمره عندئذ حوالي ٥٧ سنة. وقد ورث عن والده رسميا وظائفه المذكورة: الإمامة والخطابة والتدريس ورعاية أوقاف الجامع أما الإمامة فقد عرفنا أنه كان يمارسها منذ صغره وكذلك التدريس، فليس في الأمر جديد فيهما. وأما الخطابة فالظاهر أنه قد تولاها أيضا بعض الوقت نيابة عن والده. وقد عرفت عنه فصاحة اللسان وقوة الحجة والتمسك بالقواعد منذ كان طالبا في علم النحو عند ابن راشد الزواوي ومحمد التواتي وكان بعضهم يلتجىء إليه أحيانا لكتابة الخطبة لهم، كما فعل أحمد بن باديس زوج خالته وخطيب جامع القصبة. وقد مدح الفكون جده على خروجه عن مألوف الخطبة بالجامع، إذ جعل خطبه تقوم على الحديث

стр. 71

الشريف والوعظ به. ولا شك أن من وظائف الإمام والخطيب ردع الناس عن المظالم وتنبيههم إلى ضرورة الإقلاع عن المحارم والشبهات. وبعبارة أخرى فإننا نتصور أن الفكون قد أخذ يطبق في خطبه ما دعا إليه في كتبه من مبادىء شرعية وأخلاقية. فهو الآن في مقام المسؤول عما يدعو إليه قولا لا كتابة. بل إن ما يخطب به الناس وما يدعوهم إليه أصبح (فتاوى). تلزمه وأحكاما تصدر عنه. وهكذا وجدنا الفكون قد حولته الظروف الجديدة من أستاذ في علم النحو إلى مفتي شرعي، ومن ناقد اجتماعي حر إلى مسؤول سياسي محاسب عن كل صغيرة وكبيرة. أما رعاية أوقاف الجامع الأعظم فأمرها يختلف. فهي مهمة كبيرة ودقيقة. هي من جهة مصدر رضى وغبطة، ومن جهة أخرى مصدر حسد وقلق. فمتوليها يتمتع بثروة كبيرة ويحصل من الجاه والنفوذ ما يجعله مرمى السهام وهمس الشفاء وغمز العيون. ذلك أن للجامع نفسه موظفين كثيرين، وعلى راعي الأوقاف أن يضبطهم ويصنفهم ويمنحهم ما يستحقونه من المال. وإذا نامت عينه أو غفل قلبه عنهم استغلوا وشنعوا ونهبوا ولم يفرقوا بين الحلال والحرام. وكان لكل منهم صلة من الصلات بالآخرين، من أبسط العلماء إلى الوالي نفسه. وكانوا قادرين، إذا وجدوا الطريق، أن يزلزلوا الأرض من تحت راعي الأوقاف. ولذلك كان على الفكون أن يكون يقظا دائما حذرا أبدا، رغم أن الأوامر الصادرة إليه من باشا الجزائر تعطيه ثقة مطلقة في التصرف ولا يعترض أحد على حكمه، لا موظفو الجامع، ولا القضاة ولا السلطة المحلية.

стр. 72

كانت للجامع الأعظم إذن أملاك كثيرة، عقارا وغير عقار، داخل قسنطينة وخارجها، وكانت الزكوات تدفع إلى الجامع أيضا بما في ذلك زكوات الوالي نفسه. وتنص النصوص على أن المتولي على هذه الأملاك، وهو هنا الفكون، يتصرف فيها بما يراه صالحا فيصرف منها على الجامع نفسه من بناء ونظافة وزيت وحصر، ومن دفع الأجور القائمين عليه وفيه، كالمؤذنين والمنظفين والمدرسين والطلبة وغيرهم، وإذا بقيت بقية فهي له يتصرف فيها كما يشاء. وقد فهم (١) بعض المؤرخين أن هذا يعني الثروة الضخمة لعائلة الفكون التي أصبحت تتولى هذه الوظيفة. ونظروا للمسألة من جانبها المادي فقالوا إن عائلة الفكون حظيت بهذه الثروة لخدمتها للعثمانيين. ولكننا رأينا أن العائلة كانت غنية منذ ما قبل دخول العثمانيين ومن قبل توليها وظيفة الإشراف على أملاك الجامع الأعظم. وما نعتقده هو أن هذه الوظيفة لم تجلب إلا صداع الرأس لعائلة الفكون إذ كثر حسادها عليها وسال لعاب أصحاب النفوذ وطمع فيها الطامعون. كما أن من قواعد الأوقاف أنها ليست دائما متوفرة، فهي حسب مواسم الخصب الطبيعية مرة تقبل ومرة تدبر. والذي يدرس الحياة الاجتماعية في قسنطينة خلال القرن الحادي عشر مثلا (زمن الفكون صاحب الترجمة) سيجدها حياة تكاد تكون عقيمة من جراء الجوائح الطبيعية من طواعين وجفاف وجراد ونحوها، ويضاف إلى ذلك الحروب والفوضى السياسية وما يعقب ذلك من نهب وسلب (٢)

стр. 73

ومع ذلك فدعنا نفترض أن عائلة الفكون تمتعت، بفضل أملاك الجامع الأعظم، بسمعة معنوية كبيرة وبثروة مادية ضخمة. ترى ما هي هذه الامتيازات التي حصلت عليها العائلة؟ تذكر المصادر أن عائلة الفكون قد حصلت على امتيازات كبيرة أثناء عهد مترجمنا على الخصوص، بمقتضى مراسيم صادرة عن باشوات الجزائر، وهي المراسيم التي كانت تتجدد بين الحين والآخر عند تغيير الولاة. ومن أقدم هذه المراسيم في عهد مترجمنا ذلك المرسوم الصادر عن علي باشا سنة ١٠٤٨. وهناك مرسوم آخر صادر سنة ١٠٦٠ من مراد باشا. ثم توالت المراسيم والقرارات من الباشوات والبايات على السواء. والواقع أن هناك خلطا في هذه الامتيازات بين ما تحصل عليه العائلة بصفتها قائمة بأملاك الجامع وما تحصل عليه بصفتها الخاصة. ويمكننا أن نفرق بين الأمور المادية الراجعة إلى أملاك الجامع والأمور المادية الراجعة إلى العائلة. من المعروف مثلا أن الوقف معفى من المغرم، ولكن إذا صدر أمر بإعفاء أملاك عائلة الفكون من المغرم فهذا أمر خاص بها أو إذا شئت فقل هو امتياز لها. وهناك خلط آخر وهو عدم التمييز بين أوقاف الجامع و (أوقاف) العائلة. ذلك أن الناس كانوا يدفعون الزكاة للجامع لا للعائلة، وكانوا يوجهون أوقافهم في العادة للجامع. ومع ذلك فإن بعض الكتاب اعبروا أن كل شيء للجامع موجه في نفس الوقت للعائلة. ونحن لا نعتقد ذلك. حقيقة أن العائلة تستفيد كما عرفنا، من فائض أوقاف الجامع بعد أداء ما عليها للمستحقين، ولكن الأوقاف تظل خارج أملاك العائلة، بل هي من أملاك

стр. 74

الجامع، ولا يجوز اعتبارها (ملكا) للعائلة بأية حال. فإذا أمكنك أن تفرق، كما فرقنا، بين الجهتين، فإننا نقدم إليك قائمة مما يمكن أن نسميه (امتيازات) خاصة بعائلة الفكون عندئذ: ١ - إعفاء جميع أملاك العائلة من الضرائب والغرامات سواء كانت هذه الأملاك في المدينة أو في الريف. ٢ - إعفاء العائلة من السخرة ومن ضريبة حق دخول المدينة والخروج منها، وحق توفير الطعام والسكن للجنود والموظفين العثمانيين. ٣ - إعفاء الخدم الذين يعملون عند العائلة وكذلك رعاتها ومساعدوها والمتصلون بها من الغرامة. ٤ - إمكانها الحصول على الهدايا والعطايا العقارية وغيرها دون التعرض لها. ٥ - يمكنها الحصول على حق العشر من الزرابي والخشب المجلوب من نواحي الأوراس. ٦ - الاستفادة من حق المكس على أسواق الخضر والفواكه. ومن الواضح أن هذه امتيازات مادية حصلت عليها عائلة الفكون في عهد مترجمنا عبد الكريم الفكون. وبالإضافة إلى ذلك هناك امتيازات معنوية، لعلها أهم من ذلك، ما دامت العائلة كانت غنية قبل تلك الوظائف. ويمكن تلخيص الامتيازات المعنوية فيما يلي: ١ - كل من التجأ إلى العائلة في منزلها أو في غيره، ولو خارج

стр. 75

قسنطينة، فهو مصون ولا تسلط عليه عقوبة ولو ارتكب جريمة كبرى. ٢ - كل من احتمى بشيخ الإسلام (وهو هنا الفكون) لا يجوز التعرض له، سواء كان كبيرا أو صغيرا. وسنذكر بعض هذه الامتيازات المعنوية أيضا عند حديثنا عن إمارة ركب الحج بعد قليل. ونحن لا نشك في أن هذه الامتيازات جعلت عائلة الفكون العائلة الأولى في البلد من حيث النفوذ الروحي، الذي كان في الحقيقة يعادل النفوذ السياسي إن لم يكن أكثر. أما الثروة فلا نعتقد أنها كانت الأولى، وربما وجد في قسنطينة من كان أكثر منها ثراء ومالا. ولكن متى حصل كل هذا؟ لقد سبق القول بأن بعض المؤرخين يجعلون بداية هذه الامتيازات تولي وظائف الجامع الأعظم هو عهد عبد الكريم الفكون الجد المتوفى سنة ٩٨٨. ولكن الوثائق تعوزهم فلجأوا إلى التخمين والظن. وقد رأينا أن الفكون لم يذكر عندما ترجم لجده أنه كان متوليا وظائف الجامع الأعظم، ولكنه ذكر ذلك بالنسبة لوالده، محمد الفكون المتوفى سنة ١٠٤٥ وأهم من ذلك كله أنه لم يسنب إلى أحدهما (جده ووالده) إنه كان أميرا لركب الحج أو شيخا للإسلام. أما بعض المؤرخين الذين رأوا أن نفوذ أسرة الفكون قد بدأ في عهد عبد الكريم (الجد) فقد قالوا إن إمارة ركب الحج كانت (ضمن) مهمة متولي وظائف الجامع الأعظم - ولكن هذا غير صحيح كما عرفنا. ذلك أن هناك فرقا بينهما إذ وجدنا محمد الفكون (الأب)
следующие страницы →