← Тараджим

Тараджим · id 123662

شيخ الإسلام عبد الكريم الفكون داعية السلفية

أبو القاسم سعد الله

Полный текст (229 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

الشريف والوعظ به. ولا شك أن من وظائف الإمام والخطيب ردع الناس عن المظالم وتنبيههم إلى ضرورة الإقلاع عن المحارم والشبهات. وبعبارة أخرى فإننا نتصور أن الفكون قد أخذ يطبق في خطبه ما دعا إليه في كتبه من مبادىء شرعية وأخلاقية. فهو الآن في مقام المسؤول عما يدعو إليه قولا لا كتابة. بل إن ما يخطب به الناس وما يدعوهم إليه أصبح (فتاوى). تلزمه وأحكاما تصدر عنه. وهكذا وجدنا الفكون قد حولته الظروف الجديدة من أستاذ في علم النحو إلى مفتي شرعي، ومن ناقد اجتماعي حر إلى مسؤول سياسي محاسب عن كل صغيرة وكبيرة. أما رعاية أوقاف الجامع الأعظم فأمرها يختلف. فهي مهمة كبيرة ودقيقة. هي من جهة مصدر رضى وغبطة، ومن جهة أخرى مصدر حسد وقلق. فمتوليها يتمتع بثروة كبيرة ويحصل من الجاه والنفوذ ما يجعله مرمى السهام وهمس الشفاء وغمز العيون. ذلك أن للجامع نفسه موظفين كثيرين، وعلى راعي الأوقاف أن يضبطهم ويصنفهم ويمنحهم ما يستحقونه من المال. وإذا نامت عينه أو غفل قلبه عنهم استغلوا وشنعوا ونهبوا ولم يفرقوا بين الحلال والحرام. وكان لكل منهم صلة من الصلات بالآخرين، من أبسط العلماء إلى الوالي نفسه. وكانوا قادرين، إذا وجدوا الطريق، أن يزلزلوا الأرض من تحت راعي الأوقاف. ولذلك كان على الفكون أن يكون يقظا دائما حذرا أبدا، رغم أن الأوامر الصادرة إليه من باشا الجزائر تعطيه ثقة مطلقة في التصرف ولا يعترض أحد على حكمه، لا موظفو الجامع، ولا القضاة ولا السلطة المحلية.

стр. 72

كانت للجامع الأعظم إذن أملاك كثيرة، عقارا وغير عقار، داخل قسنطينة وخارجها، وكانت الزكوات تدفع إلى الجامع أيضا بما في ذلك زكوات الوالي نفسه. وتنص النصوص على أن المتولي على هذه الأملاك، وهو هنا الفكون، يتصرف فيها بما يراه صالحا فيصرف منها على الجامع نفسه من بناء ونظافة وزيت وحصر، ومن دفع الأجور القائمين عليه وفيه، كالمؤذنين والمنظفين والمدرسين والطلبة وغيرهم، وإذا بقيت بقية فهي له يتصرف فيها كما يشاء. وقد فهم (١) بعض المؤرخين أن هذا يعني الثروة الضخمة لعائلة الفكون التي أصبحت تتولى هذه الوظيفة. ونظروا للمسألة من جانبها المادي فقالوا إن عائلة الفكون حظيت بهذه الثروة لخدمتها للعثمانيين. ولكننا رأينا أن العائلة كانت غنية منذ ما قبل دخول العثمانيين ومن قبل توليها وظيفة الإشراف على أملاك الجامع الأعظم. وما نعتقده هو أن هذه الوظيفة لم تجلب إلا صداع الرأس لعائلة الفكون إذ كثر حسادها عليها وسال لعاب أصحاب النفوذ وطمع فيها الطامعون. كما أن من قواعد الأوقاف أنها ليست دائما متوفرة، فهي حسب مواسم الخصب الطبيعية مرة تقبل ومرة تدبر. والذي يدرس الحياة الاجتماعية في قسنطينة خلال القرن الحادي عشر مثلا (زمن الفكون صاحب الترجمة) سيجدها حياة تكاد تكون عقيمة من جراء الجوائح الطبيعية من طواعين وجفاف وجراد ونحوها، ويضاف إلى ذلك الحروب والفوضى السياسية وما يعقب ذلك من نهب وسلب (٢)

стр. 73

ومع ذلك فدعنا نفترض أن عائلة الفكون تمتعت، بفضل أملاك الجامع الأعظم، بسمعة معنوية كبيرة وبثروة مادية ضخمة. ترى ما هي هذه الامتيازات التي حصلت عليها العائلة؟ تذكر المصادر أن عائلة الفكون قد حصلت على امتيازات كبيرة أثناء عهد مترجمنا على الخصوص، بمقتضى مراسيم صادرة عن باشوات الجزائر، وهي المراسيم التي كانت تتجدد بين الحين والآخر عند تغيير الولاة. ومن أقدم هذه المراسيم في عهد مترجمنا ذلك المرسوم الصادر عن علي باشا سنة ١٠٤٨. وهناك مرسوم آخر صادر سنة ١٠٦٠ من مراد باشا. ثم توالت المراسيم والقرارات من الباشوات والبايات على السواء. والواقع أن هناك خلطا في هذه الامتيازات بين ما تحصل عليه العائلة بصفتها قائمة بأملاك الجامع وما تحصل عليه بصفتها الخاصة. ويمكننا أن نفرق بين الأمور المادية الراجعة إلى أملاك الجامع والأمور المادية الراجعة إلى العائلة. من المعروف مثلا أن الوقف معفى من المغرم، ولكن إذا صدر أمر بإعفاء أملاك عائلة الفكون من المغرم فهذا أمر خاص بها أو إذا شئت فقل هو امتياز لها. وهناك خلط آخر وهو عدم التمييز بين أوقاف الجامع و (أوقاف) العائلة. ذلك أن الناس كانوا يدفعون الزكاة للجامع لا للعائلة، وكانوا يوجهون أوقافهم في العادة للجامع. ومع ذلك فإن بعض الكتاب اعبروا أن كل شيء للجامع موجه في نفس الوقت للعائلة. ونحن لا نعتقد ذلك. حقيقة أن العائلة تستفيد كما عرفنا، من فائض أوقاف الجامع بعد أداء ما عليها للمستحقين، ولكن الأوقاف تظل خارج أملاك العائلة، بل هي من أملاك

стр. 74

الجامع، ولا يجوز اعتبارها (ملكا) للعائلة بأية حال. فإذا أمكنك أن تفرق، كما فرقنا، بين الجهتين، فإننا نقدم إليك قائمة مما يمكن أن نسميه (امتيازات) خاصة بعائلة الفكون عندئذ: ١ - إعفاء جميع أملاك العائلة من الضرائب والغرامات سواء كانت هذه الأملاك في المدينة أو في الريف. ٢ - إعفاء العائلة من السخرة ومن ضريبة حق دخول المدينة والخروج منها، وحق توفير الطعام والسكن للجنود والموظفين العثمانيين. ٣ - إعفاء الخدم الذين يعملون عند العائلة وكذلك رعاتها ومساعدوها والمتصلون بها من الغرامة. ٤ - إمكانها الحصول على الهدايا والعطايا العقارية وغيرها دون التعرض لها. ٥ - يمكنها الحصول على حق العشر من الزرابي والخشب المجلوب من نواحي الأوراس. ٦ - الاستفادة من حق المكس على أسواق الخضر والفواكه. ومن الواضح أن هذه امتيازات مادية حصلت عليها عائلة الفكون في عهد مترجمنا عبد الكريم الفكون. وبالإضافة إلى ذلك هناك امتيازات معنوية، لعلها أهم من ذلك، ما دامت العائلة كانت غنية قبل تلك الوظائف. ويمكن تلخيص الامتيازات المعنوية فيما يلي: ١ - كل من التجأ إلى العائلة في منزلها أو في غيره، ولو خارج

стр. 75

قسنطينة، فهو مصون ولا تسلط عليه عقوبة ولو ارتكب جريمة كبرى. ٢ - كل من احتمى بشيخ الإسلام (وهو هنا الفكون) لا يجوز التعرض له، سواء كان كبيرا أو صغيرا. وسنذكر بعض هذه الامتيازات المعنوية أيضا عند حديثنا عن إمارة ركب الحج بعد قليل. ونحن لا نشك في أن هذه الامتيازات جعلت عائلة الفكون العائلة الأولى في البلد من حيث النفوذ الروحي، الذي كان في الحقيقة يعادل النفوذ السياسي إن لم يكن أكثر. أما الثروة فلا نعتقد أنها كانت الأولى، وربما وجد في قسنطينة من كان أكثر منها ثراء ومالا. ولكن متى حصل كل هذا؟ لقد سبق القول بأن بعض المؤرخين يجعلون بداية هذه الامتيازات تولي وظائف الجامع الأعظم هو عهد عبد الكريم الفكون الجد المتوفى سنة ٩٨٨. ولكن الوثائق تعوزهم فلجأوا إلى التخمين والظن. وقد رأينا أن الفكون لم يذكر عندما ترجم لجده أنه كان متوليا وظائف الجامع الأعظم، ولكنه ذكر ذلك بالنسبة لوالده، محمد الفكون المتوفى سنة ١٠٤٥ وأهم من ذلك كله أنه لم يسنب إلى أحدهما (جده ووالده) إنه كان أميرا لركب الحج أو شيخا للإسلام. أما بعض المؤرخين الذين رأوا أن نفوذ أسرة الفكون قد بدأ في عهد عبد الكريم (الجد) فقد قالوا إن إمارة ركب الحج كانت (ضمن) مهمة متولي وظائف الجامع الأعظم - ولكن هذا غير صحيح كما عرفنا. ذلك أن هناك فرقا بينهما إذ وجدنا محمد الفكون (الأب)

стр. 76

متوليا وظائف الجامع بينما إمارة الحج كانت ما تزال في يد عائلة عبد المؤمن، كما هو موجود في كتاب (منشور الهداية) نفسه. ويبدو أن لقب (شيخ الإسلام) كان يعطى لأمير ركب الحج لا لمتولي وظائف الجامع الأعظم، رغم أننا لا نجد هذا اللقب مصرحا به إلا بالنسبة لعبد الكريم الفكون (الحفيد) الذي نترجم له. فهو في نظرنا الأول الذي جمع بين وظائف الجامع المذكور وراثة عن أبيه، وإمارة ركب الحج وراثة عن عائلة عبد المؤمن، أما مشيخة الإسلام فنعتقد أنه هو أول من تقلدها ولم يتسم بها من قبل أحد من أسرته ولا عن أسرة عبد المؤمن. ولكن كيف حصل ذلك؟ وكيف جمع الفكون بين وظائف والده ووظائف عبد المؤمن وزاد عليها مشيخة الإسلام؟ وكيف تحول من ملاحظ ناقد لأحوال أهل قسنطينة وأحوال العصر عموما إلى رجل عملي يمارس الوظيفة الرسمية ويقوم بواجباتها فيقبل هذا ويرفض ذاك من الحكام ورجال الدين والعلماء والقضاة؟ إن هذه أمثلة مهمة لمعرفة التحول الذي طرأ على حياة الفكون والذي سيكون له عواقب حتى على علاقاته مع الناس وفي تأليف الكتب وممارسة التدريس والعقيدة الصوفية. ولكي نفهم ذلك علينا أن نتذكر بأن الشرق الجزائري، وعاصمته قسنطينة، قد عرف ثورة من أعنف الثورات خلال القرن الحادي عشر، وبالضبط سنة ١٠٤٧، أي أقل من سنتين بعد وفاة والد الفكون، ونعني بها ثورة ابن الصخري أو ثورة الذواودة. وقد هزت هذه الثورة إقليم قسنطينة من الأعماق، وأطاحت بالسلطة

стр. 77

العثمانية هناك وهددت حتى السلطة المركزية بالجرائر. ودام خطرها سنوات، ومات من جرائها آلاف الناس، وبعثرت العائلات والعلاقات. ولم يكن الفكون الذي ورث عن أبيه وظائف الجامع الأعظم وورث عن أسرته ثرواتها وجاهها ليسمح باختلال الأمور إلى درجة تهدد وظائفه ومصالحه وتجعل مدينة قسنطينة لقمة سائغة في يد الثوار بعد أن قتل الباي مراد وانهزم الجيش والمدافعون عن المدينة. إن الفكون الذي طالما عرض بالثورات والفوضى بالريف القسنطيني قبل ١٠٤٧ قد واجه الآن ثورة أشد وأعنف تهدد المدينة نفسها كما تهدد حضرها ومصالحها التجارية ومؤسساتها. وقد كان عليه أن يتخذ موقفا واضحا، فهو مسؤول معنويا وسياسيا وروحيا وقد اختار، فاختار الأمن والاستقرار على الفوضى، اختار حاكما يعرفه على حاكم لا يعرفه، بل إنه استطاع أن (يفرض) هذا الحاكم فرضا، كما سنرى، وتحالف معه أوثق التحالف وحماه بكل ما لديه من نفوذ روحي. إن مكان تاريخ ثورة الذواودة ليس هنا، ولكن يكفي أن نبحث عن تأثيرها على اتخاذ الفكون ما اتخذ من مواقف. وأنه نتيجة لهذه الثورة، عدل باشوات الجزائر عن حرب الإسبان في وهران والمرسى الكبير، واتجهوا بكل قواتهم نحو الشرق الجزائري، لأن القضاء على العدو الداخلي في نظرهم كان أولى من القضاء على العدو الخارجي ومن أجل ذلك جندوا أيضا، أو حاولوا أن يجندوا، كل العناصر القوية في البلاد من أصحاب النفوذ والمصالح كالأعيان في المدن والعلماء ورجال التصوف. والواقع

стр. 78

أننا درسنا العلاقة بين العلماء ورجال التصوف في غير هذا المكان، ولكننا نذكر بشيئين: الأول أن العثمانيين كانوا يعفون المرابطين وكبار رجال الدين من الضرائب والغرامات ويتسامحون معهم في إقامة الولائم والحضرات وجلب الأتباع تحسبا لمثل هذه الظروف التي يشتد فيها الكرب وتواجه السلطة أثناءها صعوبات، فيقف أولئك المتصوفة وأصحاب النفوذ الروحي عادة إلى جانب السلطة حماية لها وحماية لأنفسهم في نفس الوقت. والثاني أن ما حصلت عليه عائلة الفكون من امتيازات كان جزءا من هذا البرنامج ولم يكن استثناء خاصا بها (١). وعلى هذا الأساس، فقد كان من المتوقع أن يتجند العلماء في المدن وأصحاب الطرق الصوفية في الأرياف إلى جانب السلطة التي كانت تحارب الثوار. والذي يقرأ رسالة يوسف باشا، حاكم الجزائر عندئذ (سنة ١٠٥٠) إلى محمد ساسي البوني بشأن هذا الموضوع، ورد البوني عليه، يدرك ما نحن فيه (٢) ويوسف باشا هذا هو الذي جند أيضا علماء مدينة الجزائر، وتوجه بنفسه إلى قسنطينة وبسكرة لتوطيد الأمن والقضاء على الثورة. وهو الذي أقام سنة كاملة في قسنطينة من أجل ذلك. ولا شك أن أول من لقيه من علمائها هو عبد الكريم الفكون. ومن ثمة لا نستغرب أن تكون الوثيقة التي تجدد له وظائف أبيه وتقلده إمارة ركب

стр. 79

الحج مؤرخة بسنة ١٠٤٨، أي عند انطلاقة الثورة المذكورة. فإذا حل يوسف باشا بقسنطينة فالمنتظر من الفكون لا إبداء الطاعة فقط ولكن المساعدة على جمع الكلمة وحصول الأمن العام وتوحيد الصف وراء الحاكم الشرعي للبلاد. والثورة لم تبق في الريف فقط ولكن امتدت إلى المدينة أيضا، وشاركت فيها، حسب بعض الوثائق، أسرة عبد المؤمن أيضا. وكان ذلك في رجب ١٠٥٢ وقد دامت المعارك في شوارع المدينة يومين. ولكن تدخل العلماء من أمثال الفكون أرجع الأمن والهدوء. ووقعت في الريف هزيمة منكرة ليوسف باشا والباي مراد وشعبان (١٠٥٣). ولم تكد تحل سنة ١٠٥٤ حتى ضرب الطاعون أيضا، كما عرفنا، ثم في سنة ١٠٥٧ تواصل الجفاف وحلت مجاعة كبيرة أدت إلى مضاعفة النهب وحوادث الاعتداء. وهكذا ظهر للفكون وأمثاله أن السلطة كانت عاجزة عن القيام بدورها، فاستعملوا نفوذهم الروحي والمعنوي وحافظوا ما استطاعوا على الأمن والنظام، واتفقوا على كتابة رسالة جماعية يطلبون فيها من باشا الجزائر تعيين حاكم عليهم، يساعدهم ويساعدونه. وماذا كان ينتظر الباشا غير هذا؟ ولكنه بدل أن يرسل حاكما جديدا لا يعرف المدينة وأهلها، طلب منهم أن يقترحوا عليه حاكما وهو يصادق عليه ففعلوا. وكان الاختيار قد وقع على فرحات بن مراد باي، الذي قتل الثوار والده أثناء الثورة المذكورة. ولا شك أن الاقتراح كان من الفكون أو بوحي منه. ومن غريب الصدف أن فرحات هذا قد عاش إلى سنة ١٠٧٥، أي سنتين بعد وفاة الفكون. وقد سبق القول أن كلا من الفكون

стр. 80

وفرحات باي قد عين ابنه خليفة عنه في المنصب الذي كان يشغله: محمد الفكون في مكان أبيه: إماما وخطيبا بالجامع الأعظم وأميرا لركب الحج وشيخا للإسلام، ومحمد بن فرحات باي حاكما على إقليم قسنطينة. فالنصف الثاني من القرن الحادي عشر بقسنطينة إذن كان عهد الأسرتين المتحالفتين: الفكونية التي كانت تتحكم في الأرواح والعقول، والفرحاتية التي كانت تتحكم في الأبدان والنظام العام. وقبل أن نطوي صفحة الحديث، عن وظائف الفكون وامتيازاته نود أن نوثق نقطتين نعتقد أن القارىء يرغب في توثيقهما بعد أن طرحنا عليه الدعوة من قبل بدون دليل. الأولى تاريخ تولي الفكون إمارة ركب الحج، والثانية تاريخ تلقيبه بشيخ الإسلام. فيما يتعلق بالأولى قلنا إنه هو الأول في عائلته الذي تولى تلك المهمة. ودليلنا: ١ - إنه لم ينسب هو ذلك لجده ولا لوالده حين ترجم لهما، رغم أنه قال عن والده أنه توفي عند منصرفه من الحج بين مكة والمدينة ومصر وفي مكان يسمى (المويلح) سنة ١٠٤٥ ولو كان أبوه متوليا ذلك لما سكت عنه خصوصا أن هناك مسؤولية خطيرة تحدث نظرا للفراغ الذي تتركه وفاته وسط الحجيج. ٢ - أنه أشار إلى ما يثبت أن إمارة ركب الحج كانت ما تزال في عائلة عبد المؤمن عند كتابة (منشور الهداية) ولكنه لم يضبط تاريخا لذلك. فقد أورد فيه أن (حبيبنا محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن) قد وافق على حمل الشيخ محمد الفقيه الزواوي

стр. 81

معه إلى الحج. وقال إن صهر الزواوي وعائلته قد اتصلت به (بالفكون) لمنعه من ذلك لأنه حج في السابق ولأنه فقير. وأخبر الفكون أن الشيخ الزواوي علم بالأمر فتخفى عنه وسافر، مع ذلك، إلى الحج رفقة محمد، حفيد الشيخ عبد المؤمن (١)، ونحن لا تهمنا الآن نهاية القصة التي أخبر فيها الفكون إن الزواوي ندم عن فعله بعد ذلك وجاءه معتذرا إليه بعد رجوعه من الحج، وإنما الذي يهمنا أن ركب الحج كان، إلى وقت كتابة (منشور الهداية) في عائلة عبد المؤمن وليس في عائلة الفكون. ومن جهة أخرى فإن الوثيقة الوحيدة التي رآها بعض الباحثين (٢) والتي تتحدث عن (تجديد،) إمارة ركب الحج للفكون تعود إلى سنة ١٠٤٨ ومعنى ذلك أن الفكون كان يقوم بهذه المهمة قبل ذلك التاريخ. فهل تولاها حقا منذ وفاة أبيه سنة ١٠٤٥؟ ذلك سؤال ما يزال مفتوحا ومهما كان الأمر فإن إمارة ركب الحج ليست سهلة، رغم أنها قد تبدو مسألة معنوية فقط. تقول الوثيقة التي صدرت له من علي باشا سنة ١٠٤٨ أنه (الشيخ العالم القدوة التقي. الناسك الأبر النحرير المؤلف. البليغ سيدي عبد الكريم الفكون). وتخبرنا أنه قد أذن له في التوجه

стр. 82

إلى قبر الرسول (ص)، كما أذن له بضرب الطبل والاتجاه بالمسلمين كما كان، ويكون رقاس (١) الرسول (ص) وأن أحدا لن يمانعه في ذلك أو يعارضه أو يدافعه أو ينازعه، لأنه أحق بهذه المهمة من غيره وأجدر من يقوم بها وبحقوقها وعلى كل (القواد والعمال والخاص والعام) بقسنطينة. ومن مهمة أمير الركب اختيار الحجاج المرافقين له. وقد رأينا أن الفكون حاول (التدخل) فقط لمنع محمد الفقيه الزواوي من الحج، ولكن الزواوي حصل على إذن من محمد حفيد عبد المؤمن بالحج معه. أما مشيخة الإسلام فيبدو أن التلقيب بها قد ارتبط بإمارة ركب الحج. ونحن لا نملك تاريخا محددا استعمل فيه الناس أو السلطة هذا التعبير المميز. ويبدو كذلك أن عبارة (شيخ الإسلام) ليست لقبا يمنح بأمر أو مرسوم، ولكنها تذكر عند الخطاب بالتجلة والاحترام ثم تصبح عادة. وما دام الفكون قد وصل في نفوذه المادي والروحي والعلمي (وقل من العلماء من ألف مثله عندئذ) إلى قمة مجده بين ١٠٤٥ و١٠٦٤، فإن التلقيب بعبارة شيخ الإسلام أصبح أمرأ متداولا ولا سيما بين العلماء وفي المرسلات والخطاب الرسمي ونود أن نلاحظ أن عبارة (شيخ الإسلام) لم تكن مقصورة في الجزائر على الفكون وحده عندئذ،

стр. 83

ولكن يبدو أنها كانت مقصورة عليه وعلى حفدائه في قسنطينة فقط. ذلك أن سعيد قدورة مثلا كان في مدينة الجزائر في نفس الوقت (توفي ١٠٦٦) وكان يلقب أيضا بشيخ الإسلام معظم الأحيان. والظاهر أن هذا التعبير يعني في الأصل أن صاحبه مرجع في الفتوى وقضايا الشريعة. ولكن بالنسبة للفكون بالذات فإنه أضاف إلى هذا المعنى، الوزن السياسي والأدبي الذي كان يظهره، خصوصا في الحالات غير العادية كالأزمات والثورات، حين تلجأ السلطة ويحتاج الناس إلى من يقطع برأي الشريعة ويفرض الحل المناسب للصالح العام. يخبرنا من عرفوا الفكون أميرا لركب الحج أنه كان لا يبالي بامتيازات هذه المهمة رغم تقدير الناس له وإظهارهم الاحترام الواجب له ولا شك أن ولاة الجزائر وكذلك ولاة البلدان الإسلامية التي كان يمر بها ركب الحج، كانوا يقدمون له فروض الاحترام ويبدو أن طريق الركب كان بريا ثم بحريا وكان يمر على تونس ومصر فالحجاز. وليس لدينا وثائق عن هذه الرحلة الشاقة التي كان يتعرض أصحابها للقرصنة المسيحية (خصوصا من فرسان مالطة) إذا ركبوا البحر، ولقطاع الطرق ومتاعب الطريق من قلة الزاد والعطش والأمراض إذا سلكوا طريق البر. ومن النصوص الباقية حول ذلك رحلة العياشي التي حج صاحبها، أبو سالم العياشي، مع الفكون سنة ١٠٦٤ وقد تحدث العياشي عن هذا الشيخ حديث المعجب، وحديث التلميذ عن شيخه (كان العياشي عندئذ ما يزال شابا). أما النص الثاني عن حالة الفكون أثناء إمارته ركب الحج فمن

стр. 84

تلميذ آخر له، وهو عيسى الثعالبي الجزائري. وقد أخبرنا الثعالبي أن شيخه كان لا يهتم بما يهدى إليه، وأنه كان متجنبا أهل الولايات الدنيوية، وإن المدح والذم قد استويا عنده. ولعل أهم من ذلك قول الثعالبي أن الفكون لم يهتم بوالي مصر ولا بأعيانها ولا بهداياهم حين خرجوا له لتعظيمه ومهاداته. يقول الثعالبي بالنصى (ولقد سيقت إليه بمصر أموال ضخام وهدايا نفيسة حين قفوله من الحج، وأقبل عليه أهلها على اختلاف طبقاتهم. ونزل إليه الباشا فمن دونه، فما استفزه شيء من ذلك ولا أكترث به، ولم يقبل منه دينارا ولا درهما). كما أخبر الثعالبي أن بعض الناس جاؤوه للتبرك به. وهناك عبارة مهمة في نص الثعالبي أيضا وهي قوله أن الفكون كان (يتردد على الحرمين الشريفين) ونحن لا نستغرب هذا من الفكون الذي عرفناه من كتاباته ولا سيما (منشور الهداية)، فما قاله الثعالبي هنا عنه ينطبق تماما على ما جاء في كتابه في ميزات العالم الصحيح والمتصوف الحقيقي إزاء مغريات السلطة والدنيا والناس. ويبدو أن الفكون قد اتبع نفس الأسلوب مع ولاة بلاده أيضا، ولذلك فرض نفسه عليهم وفرض احترامهم لمنصبه وعلمه ودينه وأخلاقه. فلا نعرف أنه كان يتملق أحدا منهم أو أنه مدح بايا أو باشا أو صاحب رياسة، كما يقول. ولا نعرف أنه توجه إلى مدينة الجزائر سوى مرة واحدة، بناء على الوثائق المتوفرة. وكان ذلك من أجل تثبيت حقوقه الشرعية وامتيازات وظيفته (١) وإذا كنا نأسف لشيء بهذا

стр. 85

الصدد فهو عدم تسجيل الفكون مذكرات عن رحلاته إلى المشرق، كما كان يفعل المغاربة على وجه العموم، وهل فعل ذلك وضاع عمله؟

стр. 86

الفصل الثاني تأثير الفكون - تلاميذه. - مراسلاته. - مذهبه الصوفي وموقفه من البدع. - بين النحو والأدب. - موقفه من قضايا عصره.

стр. 87

١ - تلاميذه تصدى الفكون للإقراء والتدريس منذ صغره. وتخرج عليه عدد كبير من التلاميذ، سيما في علم النحو وتوابعه. وكان مقر التدريس هو المسجد والدار والزاوية. ولم يتوقف عن التدريس حتى عندما أصيب بمرض لازمه سنوات. فنحن نعلم أنه كان يقرىء الطلبة الذين يأتون إلى داره أو إلى الجامع أو حتى إلى زاويتهم (أو مدرستهم). كما كان يكثر من القراءة والحفظ والتحقق من المسائل العلمية. والغريب في الأمر أننا نجد معظم كتبه قد ألفها حين كان المرض ملازما له وإن لم يكن بنفس الحدة التي بدأه بها. يخبر الفكون أن بعض الطلبة جاءه للقراءة عليه سنة ١٠٢٨ فوجده ما يزال غير قادر على التدريس. فاعتذر إليه بعدم الاستطاعة، ومع ذلك لازمه هذا الطالب حوالي نصف سنة. وهذا يقودنا إلى الحديث عن تلاميذ الفكون، وهم كثر. وكان

стр. 88

تلاميذه يأتون إليه من قسنطينة نفسها ومن خارجها. وكثيرا ما يذكر وطن التلميذ أو طالب العلم عموما وبعض طلاب العلم جاؤوه من بلاد إسلامية أخرى. وكان الطلاب أحيانا يأتون لإقامة قصيرة وأحيانا لإقامة طويلة. وفيهم من كان ينزل عنده ويتعهده بالمؤونة أيضا، ومنهم من كان ينزل المدينة على حسابه أو في زوايا ومحلات أخرى. ونعرف من أخبار الفكون أن بعض أصحابه كان يقوم بالتخفيف عنه في ذلك فيمحل بعض الطلبة للسكنى عنده. حدث ذلك عندما ذكر الفكون أن أحمد بن ثلجون أخذ منه ثلاثة من الطلبة تخفيفا عليه، ولكن الفكون هو الذي وفر لهم المؤونة. ولكن تلاميذ الفكون لم يكونوا في مستوى واحد، فمنهم من نبغ وعلا شأنه وأصبح علما من أعلام العصر كالثعالبي والعياشي والشاوي، ومنهم من بقي خاملا لم يخرج علمه عن دائرته الضيقة، ومنهم أيضا من لم يسمع له صوت بعد قراءته عليه. وكان هو يتفرس التلاميذ ويعرف منهم النجيب الذكي والبليد الغبي وكان يسر بالنوع الأول ويحكم حكما قاسيا على النوع الثاني وهو يخبر فيما بعد أن فراسته قد صدقت في كليهما. وسنحاول ذكر بعضهم بالطريقة التالية مع ذكر الأخبار الممكنة عن كل منهم: ١ - أبو مهدي عيسى الثعالبي: ويبدو أن تلمذة الثعالبي عليه كانت بعد كتابة تأليفه (منشور الهداية) إذ لا نجد له فيه ذكرا. ويبدو كذلك أن الثعالبي قد درس على الفكون قبل رحيله (أي الثعالبي) نهائيا من الجزائر (سنة ١٠٦١). وأخيرا يظهر أن الثعالبي

стр. 89

قد درس على الفكون في قسنطينة وليس في غيرها. ولكن من المحتمل أن يكون قد واصل عليه ذلك أثناء تردد الفكون على مصر والحجاز للحج. وفي الحجاز كانت إقامة الثعالبي الطويلة، كما نعرف من سيرته (١) ومهما كان الأمر فإن الثعالبي هو أشهر تلاميذ الفكون وأبعدهم صيتا. وقد ترك الثعالبي مروياته عن الفكون في كتاب له سماه (كنز الرواة) (٢) قرأ عليه الثعالبي بعض كتاب الموطأ للإمام مالك، والصحيحين (البخاري ومسلم) والسنن الأربع (سنن أبي داود، بالنسائي والترمذي وابن ماجة)، وطرفا من الأحكام الصغرى لعبد الحق الإشبيلي، والشفاء للقاضي عياض، والشهاب للقضاعي، وبعضا من رباعيات أبي عوانة، ومن نظم أصول السلمي لزروق، وأجاز له باقي جميع الكتب المذكورة. كما قرأ عليه كتبا أخرى مثل (غنيمة الوافد) لعبد الرحمن الثعالبي. ومن جهة أخرى عرض الثعالبي على الفكون الوظيفة الزروقية وحزب البحر لأبي الحسن الشاذلي. ولقنه الذكر وهو كلمة الإخلاص وألبسه الخرق الصوفية. وسنتحدث عن تصوف الفكون فيما بعد. ٢ - أبو سالم العياشي المغربي: تتلمذ العياشي على الفكون

стр. 90

من جهتين: مباشرة وغير مباشرة. فقد أخذ عن الفكون مباشرة حين حج معه سنة ١٠٦٤ ولازمه وطلب، كما قال، الانخراط في سلك طريقته. ولكن العياشي لم يذكر مما أخذ عنه سوى الطريقة الصوفية. ونحن نعتقد أنه قد يكون اطلع على بعض كتبه عندئذ وتتلمذ عليه في بعض العلوم ولا سيما الحديث. أما الطريقة غير المباشرة، فقد أخذ العياشي عن الفكون أولا من جهة ولده محمد الفكون الذي صادفه العياشي في حجته الثانية أميرا لركب الحج الجزائري مكان والده، فاستعار منه بعض كتب والده وعكف على قراءتها والاستفادة منها. وثانيا تتلمذ العياشي على عيسى الثعالبي، وأخذ عليه مروياته عن الفكون. والعياشي هو الذي ترك لنا وصفا نادرا لكتابين مفقودين للفكون هما (محدد السنان) (١)، و (ديوان) شعره في المدح النبوي. ٣ - يحيى الشاوي: رغم شهرة الشاوي في وقته فنحن لا نعرف ما الذي أخذه عن شيخه الفكون من العلوم ولا متى وأين حصل ذلك. كان الشاوي موجودا بالجزائر إلى سنة ١٠٦١ حين غادرها نهائيا في اتجاه المشرق الإسلامي، فهل درس على الفكون في قسنطينة قبل سفره من الجزائر أو أثناء تردد الفكون على الحجاز لآداء الحج. والمعروف أن الشاوي كان قد أقام طويلا بمصر والحجاز وغيرهما، وإذا كان الثعالبي قد ترك لنا

стр. 91

مروياته عن الفكون مسجلة في (كنز الرواة) فإننا لا نعرف أن الشاوي له مثل هذا العمل. ومن جهة أخرى فإن الفكون لم يورد اسم يحيى الشاوي ضمن تلاميذه بقسنطينة مما يؤكد أنه أخذ عليه بعد ١٠٤٥، أي بعد تأليف كتابه (منشور الهداية) الذي ذكر فيه تلاميذه وأحوال معاصريه (١). ٤ - بركات بن باديس: واضح أن هذا من عائلة ابن باديس الشهيرة بمدينة قسنطينة. وقد أورد بركات نفسه خبرا في أحد كتبه وهو (نزع الجلباب) أنه تتلمذ على الفكون، وروى له بعض الأجوبة مثل جواب الفكون عن لغز في النحو للسيوطي (٢) وقد توفي بركات بن باديس سنة ١١٠٧ وكان من أشهر علماء عصره في قسنطينة. والظاهر أنه أخذ العلم عن الفكون أثناء وجوده بقسنطينة، ولكن بعد تأليف كتابه (منشور الهداية) إذ لا نجده قد ذكر فيه بركات بن باديس من بين تلاميذه. ويتضح من ذكرنا هؤلاء الأربعة أن تلاميذ الفكون قسمان: من تتلمذ عليه قبل ١٠٤٥، وهم الذين ذكر بعضهم في كتابه (منشور الهداية)، ومن تتلمذ عليه بعد ذلك التاريخ وهم غير مذكورين في هذا الكتاب، كما أنهم موزعون على مختلف البلدان الإسلامية، إذ أن الفكون بعد ١٠٤٥، أصبح كما سنرى متوليا لوظيفة أمير ركب الحج ومشيخة الإسلام وإمامة الجامع الأعظم

стр. 92

إلخ. فأصبح له دور آخر غير الذي كان يقوم به من قبل. ولا يعني من ذكرناهم أنهم هم فقط تلاميذه غير المذكورين في (منشور الهداية). فنحن نعتقد أن هناك آخرين منهم في الجزائر والمغرب وتونس ومصر والحجاز. أما تلاميذه الذين ذكرهم بنفسه في كتابه والذين أخذوا عليه نصيبا من العلم قليلا أو كثيرا فهم كالتالي: ٥ - أحمد بن سيدي عمار (بن داود): الذي كان خطيب الجامع الأعظم بمدينة الجزائر. ذكره الفكون في جماعة حضرت إليه للقراءة عليه وعلى الشيخ التواتي (١). ٦ - محمد وارث الهاروني: الذي جاء إليه من سهل متيجة (قرب العاصمة) حيث كانت لهم زاوية هناك تعرف بزاوية أولاد هارون، وقرأ عليه النحو ونسخ قصيدة الفكون المسماة (سلاح الذليل) وكان ذلك في حدود سنة ١٠٢٢، ثم رجع إليه بعد حوالي عامين. وأقرأ الهاروني في قسنطينة في حياة الفكون وصار له درس وأصحاب وتلاميذ، وكان ذكيا فصيح اللسان باحثا. ثم عاد إلى وطنه متيجة. ٧ - محمد البهلولي: كان من زواو. وجاء إلى قسنطينة عند الفكون أيضا في حدود ١٠٢٢ ورغم قراءته على الفكون فإن

стр. 93

أحمد بن ثلجون هو الذي كفاه مؤونته للتخفيف عليه. ومما قرأه على الفكون شرح المرادي على الألفية في النحو. وطلبه حضور مسائل أخرى عليه لكنه صرفه. ٨ - أبو القاسم بن يحيى، ومحمد العربي، والموهوب بن محمد بن علي: نفس الخبر عنهم كصاحبهم رقم ٦، موطنا وقراءة وسكنا. ٩ - علي بن عثمان بن الشريف نسبا: كان أيضا من زواوة من قبيلة بني بترون. قدم على الفكون للقراءة سنة ١٠٢٨ فوجده مريضا، المرض الذي أشرنا إليه. فاعتذر له بضعفه، ولكن ابن عثمان بقي معه حوالي نصف سنة ثم انصرف. ومما قرأ عليه المكودي والمرادي. وكتب منه عليه كثيرا وأخبر الفكون أن ابن عثمان كان لا يكاد يعرف العربية قبل قدومه عليه، فتمكن منها خلال ذلك الظرف القصير. وقد أجازه الفكون ورجع إلى موطنه وأصبح له، كما يقول الفكون، درس عظيم وطلبة وأقبلت عليه الدنيا. ١٠ - أحمد بن ثلجون: كان أيضا من قبائل زواوة. قرأ على الفكون كتاب ابن الحاجب والرسالة وعلم الكلام والمرادي في النحو وصحيح البخاري وقد مدحه الفكون واعتبره نعم المجالس وقال عنه أنه كان رزينا، وكان يؤانسه أيام مرضه الطويل ويماشيه إلى الجامع ويقص عليه الأحاديث، وقد أخبر عنه أنه كفاه مؤونة بعض الطلبة، وأنه كان حسن الخط فصيح اللسان، وتوفي بطاعون سنة ١٠٣١.

стр. 94

١١ - محمد بن عبد الرحمن البوقلمامى: اعتبره الفكون من أصحابه وتلاميذه. قال عنه أنه كان جيد العقل لكن بطيء الفهم. وقد لازمه مدة للقراءة. ثم توفي بالطاعون سنة ١٠٣١. ١٢ - محمد بن باديس: قرأ على الفكون بعد ارتحال الشيخ التواتي عن قسنطينة (حوالي ١٠٢٣). وأصبح من أكابر موثقي البلد. وقد التقى ابن باديس هذا بأحمد المقري في مصر وجاء بأخباره إلى شيخه الفكون. ١٣ - أبو عمران موسى الفكيرين: قرأ على الفكون المرادي في النحو وغيره. وأصبح من علماء قسنطينة، وهو والد عاشور الفكيرين الشهير بالقسنطيني الآتي ذكره. ١٤ - عاشور الفكيرين (القسنطيني) ، وهو ابن السابق. قرأ على الفكون المرادي في النحو والمكودي على الألفية. قبل أن ينتقل إلى تونس. وكان ذلك حوالي سنة ١٠٢٤ واعتبره الفكون من تلاميذه (البلداء). ص ٢٤١. ١٥ - محمد الفكيرين: أخ السابق. وقد قال عنه الفكون أنه كان صغير السن ومع ذلك، كان أفضل من أخيه. ١٦ - علي بن داود الصنهاجي: قرأ على الفكون القطر وغيره من كتب النحو. وهو من أهل قسنطينة. وقد تولى فيها وظائف عالية. ١٧ - أحمد الميلي: قرأ أيضا على الفكون شرح المرادي في النحو.

стр. 95

١٨ - الشيخ مخلوف: قرأ عليه النحو وغيره. ثم تحول إلى الولاية فأصبح الناس يحلفون برأسه، واتخذ تلاميذ من النساء والرجال. ١٩ - أحمد بن باديس: وهو أخ محمد سابق الذكر، وكان زوج خالة الفكون. وتولى وظائف هامة منها الخطابة بجامع القصبة، ولكنه كان لا يحسن الخطبة فكتب إليه الفكون خطبة جمعة في التوبة. ٢٠ - أحمد الميلي: (وهو غير السابق) حضر بعض دروس الفكون، وهو الذي قال فيه أنه قد أطال الله في عمره حتى جثا (الميلي) عنده جثو التلميذ للمعلم. ولا شك أنه كان للفكون تلاميذ آخرون سواء عندما كان منشغلا بالتدريس أو عندما أصبح كثير التنقل والمسؤوليات بعد وفاة والده. ولكن تقصي هؤلاء ليس من غرضنا الآن. وإذا كان الرجل العالم يعرف بما له من التلاميذ الذين تخرجوا على يديه ومن الأصدقاء الذين يتراسل معهم، فإنه قد بقي علينا أن نعرف الآن بعض هؤلاء الأصدقاء بعد أن عرفنا أخبار التلاميذ. ٢ - مراسلاته كان للفكون مراسلات ومكاتبات مع عدد من رجال العلم في وقته. كما كانت له محاورات ومساجلات شعرية مع بعضهم. ومن الصعب إحصاء الجميع في هذه الدراسة. ولعله يكفي ذكر بعض النماذج من ذلك. إن بعض تلك الصلات العلمية حصل في

стр. 96

قسنطينة نفسها، وبعضها حصل في القطر الجزائري عموما، وبعضها حصل في الأقطار الإسلامية الأخرى. ولنبدأ بما حصل في قسنطينة نفسها. وقعت للفكون منذ كان صغير السن تحديات من رجال العلم الأكبر منه سنا فواجهها كما يقول، وقايل التحدي وأظهر شيئا من الإعجاب بنفسه إذ وفقه الله للتغلب عليهم. ومن ذلك ما وقع له من المذاكرة في المسائل النحوية مع الشيخ إبراهيم الفلاري التونسي، والشيخ ابن محجوبة الذي أراد نسخ (إلغاء) عقد حبس وخالفه الفكون في ذلك في مجلس علمي أقيم بالجامع الأعظم وكان ذلك بإشارة من والده. نذكر أنه انتصر على مخالفه بالحجة والبرهان. كما كان له مع الشيخ أحمد الميلي وقفة أثناء صغره أيضا. وهو يخبرنا أن ذلك كان قبل تضلعه في العلوم، ولكن الأيام مرت، وتمكن من علمه وأصبح الشيخ الميلي يعترف له بالتفوق. وكل هذه الحوادث سبقت الإشارة إليها. كما سبقت الإشارة إلى بداياته في علم النحو على الشيخين ابن راشد الزواوي ومحمد التواتي المغربي وما حصل له معهما من اكتشاف معارفه وحبه لعلم النحو قائلا إن ذلك كان بإشارة من جده الذي رآه في المنام. وتبادل الفكون الأفكار والأشعار مع شيخ مغربي آخر هو محمد السوسي وكان السوسي يتردد على قسنطينة والجزائر وتونس. وكانت له معارف واسعة ويحسن قرض الشعر والمدح به وكانت له آراء في المسائل الشائكة عندئذ مثل تناول الدخان وسماع الطرب وكان الفكون قد تعرف عليه عند بناء داره التي كانت

стр. 97

لأسلافه، كما يقول، ثم تملك بها هو وجددها وأضفى عليها الجير (يسميه الجيار). وقد مر عليه ذات يوم محمد السوسي فرأى غرف الدار وبياض لونها فأعجبته فقال شعرا يمدح به الفكون وداره: (اجتاز عليها ورأى فيها بعض أبياتها (غرفها) مشيدا بالجيار على عادة البلد، فأنشدني فيها أبياتا مادحا لي ﵀. ملتزما فيها حرف الضاد. وسماها (بهجة التكحيل في العين، ورونق الشيب في مصوغ التبر واللجين): ألا عج إلى البطحا (١) ترى البرق يومض ... على دار علم بالعلوم تنضنض وقد رد عليه الفكون بقصيدة مثلها وزنا وقافية. وسماها (إزالة الكدر والشين، بجواب التكحيل في العين)، ومطلعها: لك الحمد تعطي من تشاء وتقبض ... فصل على من كان للدين يعرض والملاحظ أن الفكون تشوق في هذه القصيدة إلى زيارة الرسول، (ص)، وهو مقيم في قسنطينة. ثم افتخر بأنه صاحب مكانة في الشعر لكن قومه جهلوه وحسدوه (٢) وقد عرفنا أن الفكون كان يجدد بناء داره سنة ١٠٢٢ وأن الشيخ السوسي توفي في الجزائر سنة ١٠٢٣ ولعل تفكير الفكون في الرحيل إلى الحجاز

стр. 98

كان في هذه الأثناء، كما تشير القصيدة، والملاحظ أن رأي الفكون في زميله بل شيخه المغربي لم يكن رأيا طيبا فهو عنده مرائي بعلمه، مداح بشعره متقرب إلى ذوي السلطان حتى أنه توفي وهو في مدينة الجزائر التي ذهب إليها طالبا وظيفة الفتوى (١) وقد انتقده الفكون على (أوراقه) التي قيد فيها السوسي ثلاث مسائل كلها تؤكد تحريم الدخان. فقال عنها الفكون (فتأملتها فوجدتها في غاية الركاكة، واختلال المبنى، ومخايل عدم التحقيق لائحة عليها) ولكنه اعترف بوجود أخوة ينهما قبيل وفاة السوسي، وقال عنه أنه (عندي أجل من أوراقه المسطرة). وهناك شخصية مغربية أخرى لها قصة مع الفكون أيضا في قسنطينة، وهي شخصية أحمد الفاسي فقد جاء هذا إلى قسنطينة أيضا وأخذ يمدح أمراءها (الولاة والإداريين) بشعره. ثم تولى خدمة من يسميهم الفكون بالعبابسة الذين كانوا بالبادية (خارج المدينة). ثم عاد إلى قسنطينة بواسطة بعض أعيانها وهو أحمد الغربي، ودخل في نادي الفساق، كما يقول الفكون. وقد حاول الفكون هدايتهم وإعادتهم إلى الطريق السوي بالكف عن شرب الدخان والحشيشة وسماع الطرب. ولكنهم استنكفوا منه، بل هجوه على لسان أحمد الفاسي. ولما سمع علماء فاس في

стр. 99

المغرب بما حدث للفكون معه، اعتذروا له وأخبروه أن الفاسي هذا شخص (خارجي) يسب آل البيت، بل كتبوا يردون على الفاسي. وأخيرا جاء الفاسي نفسه معتذرا للفكون عما بدر منه في حقه. وقد وصفه الفكون بأنه كان يتعاطى التدريس في قسنطينة ثم تولى الكتابة لبعض أمراء العرب (العبابسة) أهل الخيام، وأنه كان فصيح القلم ويستعمل الشعر وهو أغلب عليه، وكان يمدح أكابر الناس لينال الحظوة عندهم. ولما رجع إلى قسنطينة التف حوله أهل الفرق الذين كانوا يشربون الدخان، ويتظاهرون بالخنا ونظم الأشعار، ويستعملون الآلات الموسيقية، ويتغنون بالخمر، وكان الفاسي بالخصوص يثنى في شعره على الخمر، ويذكر ما قيل فيها من شعر عند الصوفية ومن وصف لأدواتها مثل الكأس والسكر والحان والدنان. ولما أنكر عليهم الفكون ذلك هجوه. ثم عاد الفاسي إلى مقر عمله عند العبابسة. وكانت للفكون مراسلات ومساجلات مع أهل قسنطينة أيضا. من ذلك ما نظمه فيه أحمد العطار من قصائد. وقال الفكون عن العطار أنه كان محبا له، ولكنه كان ضعيف العقل يدعي العلم ادعاء ومع ذلك تولى الفتوى. وكان العطار يعرف خطوط الرمل حتى قيل بموته انقطعت هذه الصنعة. وكان يخالط الدراويش (الفقراء) ويقول لهم أنه هو شيخهم. ويدعي لهم ظهور الكرامات على يديه، وكان شعره، كما يقول الفكون، مضحكا. وتراسل الفكون مع عدد من العلماء الذين جاؤوا للدراسة في قسنطينة ثم عادوا إلى أوطانهم. وقد ذكر منهم: محمد الفقيه الزواوي، وهو الذي قال عنه أنه تصدر للتدريس (بقسنطينة) بعد محمد السوسي

стр. 100

المغربي (حوالي سنة ١٠٢٣)، رغم أنه لا باع عنده في العلم، وقد أخذ عليه الفكون أنه أعاره مرة كتاب المكودي فلم يرجعه إليه. ولعل سبب المراسلات معه هو هذا الكتاب. كما تراسل مع ابن راشد الزواوي أيضا بعد رجوع هذا إلى بلده، وهو الذي تأثر به في علم النحو وكان شيخا له، كما سنرى. ونفس الشيء يقال عن الموهوب بن محمد الزواوي الذي حافظ على مراسلاته مع الفكون بعد رجوعه إلى بلده. وكذلك مع علي البهلولي (أبهلول)، ومع والد محمد وارث الهاروني (من متيجة). وهناك شخصية أشاد بها الفكون وتراسل معها، وهو أحمد بن الحاجة. فقد كان ابن الحاجة يعمل قاضيا في ميلة ثم قسنطينة. وكان قد كلف بمهمة دبلوماسية دقيقة سنة ١٠٣٧، عندما انضم إلى الوفد الجرائري الذي ذهب للصلح مع الوفد التونسي في مكان يعرف بقصر جابر. وكان الوفد التونسي يضم من العلماء كلا من محمد تاج العارفين العثماني وإبراهيم الغرياني. وكان أحمد بن الحاجة هو الذي عرفهما بمكانة الفكون في قسطينة وحمل إليه منهما رسائل المدح والتنويه. فكان ابن الحاجة يراسل الفكون إذا بعد عنه ويشافهه إذا قرب منه، بل كان يدافع عنه إذا تعرض للأذى. ومن ثمة كانت بينهما علاقات حميمة رغم تقدم السن بابن الحاجة في ظاهر الأمر. وللفكون مراسلات مع شخصية غريبة أخرى. كان الشيخ بلغيث المعروف بالقشاش قد استقر بتونس طلبا للعلم. وحصل له منه نصيب وافر حتى صار من أهل الفقه والمعرفة وقد استعمل

стр. 101

آلات الطرب بيده، وحسده أهل بلده (تونس؟) وسعوا به إلى الوالي ققر منهم ولم يعد إلى تونس إلا على الحالة التي سيذكرها. وقد قيل أنه قصد الحج فوصل مصر ولكنه لم يحج. ولما رجع إلى تونس أغلق باب داره على نفسه ولم يخرج منها واتخذ طريقة صوفية وجمع المال الكثير، لكنه كان ينفق منه على الفقراء وأسرى المسلمين وتجديد المساجد وتشييد الزوايا. وقد أخبر الفكون أن الشيخ بلغيث لم يخرج من داره إلا لتزويج ابنته والمهم هو أن الفكون يقول أن له به صحبة ومراسلات رغم بعد الدار (تضمنها الوسائل من الجانين) ورغم غموض تعبير الفكون فإنه يبدو أن الشيخ بلغيث لم يعش في الجزائر، ولم يعرف الفكون عن كثب. ولا نعرف ما موضوع المراسلة التي كانت بينهما. ومن الجزائر أيضا تراسل الفكون مع الشيخ سعيد قدورة. وكان قدورة (والفكون يكتبه كدورة) هو خطيب الجامع الأعظم بالعاصمة. وكان يعتبر من كبار علماء عصره بل ومن صلحائه أيضا. وقد تولى وظائف الجامع الكبير حوالي ١٠٢٠ واستمر متقلدا لها إلى وفاته سنة ١٠٦٦ ثم خلفه ابنه محمد فيها إلى أن توفي سنة ١١٠٧ فالفكون إذن كان معاصرا له ولابنه. وهو يخبرنا بأنه كانت بينهما (الفكون وقدورة) محبة ورسائل. والظاهر أن هذه الرسائل كانت في شؤون علمية لأن الفكون لم يكن عندئذ قد تولى وظائفه التي تتشابه مع وظائف قدورة في الجزائر. ولا شك أن المراسلات قد تدعمت بينهما بعد ذلك إذ أصبح يجمعهما لا العلم فقط بل الوظيف والمسؤوليات المشتركة نحو

стр. 102

السلطة والناس. ولا ندري ما موقف الفكون من حكم ولاة الجزائر على المفتي قدورة بالتوجه إلى اسطانبول مغضوبا عليه (١) ولا شك أيضا أن الفكون قد قابل زميله قدورة في الجزائر حين توجه إليها سنة ١٠٦٠ لأمر يخصه مع ولاتها، كما سنرى. وللفكون مراسلات مع أحمد المقري صاحب (نفح الطيب). ويبدو أنهما لم يلتقيا وجها لوجه. فقد فر المقري من المغرب حين ساءت فيه الأمور واتخذ بعض العلماء (ومنهم المقري) موقفا معارضا للسلطان. وخاف هو على نفسه فادعى الذهاب إلى الحج. ودخل مسقط رأسه تلمسان وموطن أجداده، ثم قدم إلى مدينة الجزائر وأقام بها مدة لا نعرفها، ولكنه اتصل بعلمائها ولعله حاول أيضا الاتصال بولاتها، ومن هناك توجه إلى تونس التي ركب منها البحر إلى مصر. فهل مر المقري في طريقه إلى تونس بقسنطينة؟ إن الفكون الذي تحدث عن زميله لم يشر إلى ذلك. ونعتقد أن لو فعل المقري ذلك لأخبر به الفكون. ومهما يكن من شيء فإن وصف الفكون له متناقض إلى حد كبير. فهو يصفه بالفصاحة والحفظ والشهرة الواسعة و (درة وقته وزمانه)، ثم يصفه باستعمال التقية واللجوء إلى أسلوب المداورة وحب المدح وتزيين الألفاظ وقلة التدقيق. لقد دارت بينهما مراسلات عندما كان المقري في الحجاز

стр. 103

ومصر. وكان الواسطة في هذه الصلة بينهما هو محمد بن باديس الذي حج وحمل جواب المقري للفكون عن إعراب ابن عطية للآية ﴿ولأتم نعمتي عليكم﴾. كما أن المقري اتصل برسالة من الفكون ضمنها كتابه (نفح الطيب). ولكن رأيه في الفكون يختلف عن رأي هذا فيه. فهو عنده (علم قسنطينة وصالحها وكبيرها ومفتيها، سلالة العلماء الأكابر، ووارث المجد كابرا عن كابر) (١) ورغم أننا نعرف أن المقري توفي سنة ١٠٤١ فإننا لا نعرف متى جرت هذه المراسلات بين الرجلين، ولكن من الأكيد أنها كانت بين ١٠٣٧، سنة سفر المقري وسنة ١٠٤١ سنة وفاته. ومن وصف الفكون للمقري ندرك أن الفكون لم يكن قد ذهب إلى الحج بعد. وكانت للفكون مراسلات مع بعض علماء تونس، وعلى رأسهم محمد تاج العارفين العثماني وإبراهيم الغرياني القيرواني. ويبدو أن أول مرايلة بين الفكون وتاج العارفين كانت سنة ١٠٣٧ أثناء المناسبة التي أشرنا إليها وهي مجيء الوفد التونسي إلى قصر جابر للتصالح مع الوفد الجزائري الذي كان فيه أحمد بن الحاج صديق الفكون. ولعل الفضل في فتح هذه المراسلة يعود إلى ابن

стр. 104

الحاجة نفسه الذي كان يقدر الفكون ويجله. فهو الذي حدث أعضاء الوفد التونسي عن علمه وصلاحه وقيمته في بلده. فما كان منهما إلا أن كتبا له رسالتين ومعهما قصيدتان على عادة علماء ذلك الوقت. وكلاهما نوه بدور ابن الحاجة وأنه هو الذي كان وراء هذه المكاتبة. ويقول الفكون عن الرسالتين إن صاحبيهما قد أتقنا فيهما فنون الفصاحة والبلاغة. ولشدة حرص الفكون على هاتين الرسالتين ضمنهما كتابه (منشور الهداية). ومما يذكر أن إبراهيم الغرياني أخبر عن نفسه أنه كان عندئذ خديم الزاوية الشريفة بالقيروان. وأما محمد تاج العارفين فقد كان أحد علماء الزيتونة البارزين ولكنه لم يتول الإمامة بهذا الجامع إلا بعد رجوعه من الجزائر بل بعد عودته من الحج. ونحن نعرف أن تاج العارفين كان قد سافر إلى الحج مع أحمد المقري من تونس سنة ١٠٣٧ وقد استمرت المراسلة بينه وبين الفكون بعد ذلك أيضا، إذ عثرنا على رد الفكون على رسالة تاج العارفين المذكورة، ولكنها بدون تاريخ (١) ومما يذكر أن الفكون أشار في رسالته إلى تاج العارفين إلى الصلات الوطيدة بين عائلته وعائلة تاج العارفين. فقد ذكر أن والده كان يتراسل مع جد تاج العارفين، وهو المعروف بأبي بكر والذي كان خطيب جامع

стр. 105

الزيتونة. كما كانت بينه هو وبين القشاش المكنى بأبي الغيث، صهر تاج العارفين، مراسلة وصداقة (١) وتعتبر رسالة الفكون إلى تاج العارفين قطعة أدبية جيدة رغم طولها ولعل الغرياني قد واصل التراسل مع الفكون أيضا. ويبدو أن شهرة الفكون أخذت في الانتشار منذ الأربعينات من القرن المذكور (الحادي عشر / ١٧ م) رغم وجود والده على قيد الحياة إلى سنة ١٠٤٥، فبالإضافة إلى هذه العلاقات مع رجال العلم والسياسة بتونس ومع أحمد المقري في المشرق، نجده يستقبل أحد علماء العثمانيين في داره بقسنطينة، وهو الشيخ القاضي الشهير بالمولى على الذي يقول عنه الفكون أنه كان من الموالي وأنه جاء قسنطينة من باب السلطنة الأحمدية (٢)، أي من الباب العالي ورغم أن الشيخ المولي علي كان يشتغل بالسياسة أيضا فإن الفكون نوه بمعرفته ونجابته وقوة عارضته وأخبر عنه أنه كان مشاركا في كل العلوم، وأنه كان يملك كتبا كثيرة. وقد هرع أصحاب السلطة في قسنطينة لاستقبال المولى علي (وعظموه تعظيما كبيرا). ولكن الدوائر دارت على هذا الشيخ الغرب وهو في الجزائر، بعد أن بلغ هناك حظوة ومجدا وتزوج وصدر الأمر باسمه، كما يقول الفكون. فقد ثار عليه عسكر الجزائر ونفوه فحل بتونس حيث توفي غريبا عن أهله وماله. وإذا نظرنا إلى

стр. 106

تاريخ وفاة السلطان أحمد فإن المولى علي يكون قد جاء قسنطينة قبل ١٠٢٧ والمهم الآن هو أن الفكون قال عن هذا الشيخ القاضي إن له فيه محبة وصداقة حتى لقد أخبره ذات مرة أنه لم يترك أصحابه وينزل عنده إلا تعظيما له. ولا شك أن هذا مبالغة أدبية فقط من المولى علي، ولكن الفكون رآها أمرا يفاخر به ويسجله في التاريخ. ورغم أن علاقة الفكون بعلماء المغرب الأقصى تبدو قوية منذ معرفته بالشيوخ محمد التواتي وأحمد الفاسي ومحمد السوسي، وكذلك مراسلته مع بعضهم في فاس بشأن ما وقع له مع الفاسي المذكور، فإن من أشهر من ترك لنا أخبارا عن الفكون هو أبو سالم العياشي صاحب الرحلة الشهيرة. فقد عرفه معرفة وثيقة وحج معه سنة ١٠٦٤ عندما كبر الفكون وتغيرت بعض آرائه في الناس والحياة، وتراسل معه بعد ذلك، وحج مع ابنه في المرة الثانية، واطلع على كتبه واستفاد منها، وروى عن تلميذه الثعالبي. إذن فالعياشي مصدر هام من مصادر حياة الفكون. ونحن لا ندري رأي الفكون في العياشي، ولكن نعرف أن حديث العياشي ومراسلاته معه كانت بشأن الانتماء إلى طريقة الفكون وأخذ العلم عنه. وقد وصفه العياشي عندئذ بأنه كان في غاية الانقباض والانزواء عن الخلق، ومجانبا لعلوم أهل الرسوم (علوم الظاهر) بعد أنه كان إماما فيها (١) ولعل العياشي كان يردد في الحقيقة رواية الثعالبي (تلميذ الفكون) عن شيخه. وهذه هي

стр. 107

عبارة الثعالبي في (كنز الرواة) عن شيخه الفكون (انجمع باخره عن الناس ولزم العزلة والعكوف على العبادة وتهذيب النفس) (١). ولا يمكننا أن نتتبع كل مراسلات الفكون أثناء حياته فهي حياة طويلة وخصبة كما عرفنا وقد شاع أمره في عصره حتى قدره بعضهم لعلمه وصلاحه، وقدره آخرون لزهده وتصوفه، وقدره آخرون لسياسته وحكمته. وهكذا تعددت جوانب حياته كما تعددت وجهات نظر الناس فيه، كما سنعرف. ٣ - مذهبه الصوفي وموقفه من البدع رغم نقد الفكون لمتصوفة عصره فإنه كان شخصيا من المتصوفين، وكان في الواقع شاذليا زروقيا. وهو لا يخفي ذلك أو ينكره بل يعلنه في غاية الصراحة. وكان يسير على مقتضى تعاليم الطريقة الشاذلية والطريقة الزروقية في آرائه وسلوكه. وقد تأثر بهذه التعاليم، كما سنرى، من عدة مصادر. المصدر الأول: إنه أخذ عن والده عن جده عن عمر الوزان، الذي قال عنه الفكون أنه دعوة من دعوات الشيخ أحمد زروق. وبين ذلك بأن الشيخ زروق كان يتردد على قسنطينة وكان والد الوزان يعمل جابيا للضرائب بباب المدينة. فكان يعفي الشيخ زروق من الدفع. وقد جاء الشيخ زروق ذات مرة فلم يجد ذلك الرجل فسأل عنه فقيل له إنه يقيم وليمة بمناسبة ميلاد ولد له، فذهب إليه زروق وحمل الولد (عمر الوزان) في كفه وأخذ يدور

стр. 108

به الغرفة وهو يتمتم له بكلام صوفي وأدعية، مفادها أن عمر الوزان سيكون من أهل العلم والصلاح في قومه. وقد فهم الناس من ذلك أن الوزان رجل (خاص) لأنه دعوة من دعوات الشيخ أحمد زروق. وعندما ترجم الفكون للوزان ذكر أنه قد تحول من كتب الصوفية والوعظ إلى الحديث الشريف، ووعد الفكون بكتابة تأليف في كرامات الوزان. إذن فالفكون من المنتسبين إلى مدرسة الوزان التي هي مدرسة الإمام أحمد زروق، وقد ورث هذا الانتماء عن والده عن جده كما ذكرنا. المصدر الثاني: أنه قرأ على الشيخ يحيى الأوراسي، كما عرفنا. وكان الأوراسي قد أخذ الطريقة الزروقية عن شيخه طاهر بن زيان الزواوي عن أحمد زروق عن عبد الرحمن الثعالبي. وكان زروق قد أقام مدة في كل من بجاية وقسنطينة وترك هناك تلاميذ ونشر تعاليمه الشاذلية المنقحة. وتخبرنا بعض الروايات أن الفكون قد لبس الخرقة الصوفية الزروقية - الشاذلية على يد شيخه يحيى الأوراسي عن طاهر بن زيان المذكور عن أحمد زروق الصغير عن والده عن محمد بن يوسف السنوسي إلخ (١). المصدر الثالث: أن الفكون درس القصيدة القدسية لعبد الرحمن الأخضري وهي القصيدة التي تذكر أحوال المتصوفين في القرن العاشر الهجري (١٦ م) وتنحى عليهم اللجوء إلى الخرافة والشعوذة، وتدعو إلى التمسك بالعلم ونبذ

стр. 109

البدعة والعمل بالكتاب والسنة، والجمع بين علمي الظاهر والباطن جمعا صحيحا واضحا. وكان الأخضري من تلاميذ محمد بن علي الخروبي الذي هو من تلاميذ الشيخ أحمد زروق. وكان الفكون قد أعجب إعجابا شديدا بالقدسية حتى أنه كاد يذكرها كاملة في كتابه (منشور الهداية) مستشهدا بأبياتها من حين لآخر إذ تنجده آراء الأخضري في الأحوال المشابهة التي كان يعرضها الفكون في وقته (بينهما حوالي قرن حسب بعض الروايات). ومن إعجابه بالأخضري أنه شرح له أيضا عملا في آداب الدين والمعاملات سماه (الدرر على المختصر)، كما سنعرف. كما أورد رسالة مطولة لأحمد زروق محتجا بها رادا بها على أدعياء التصوف في وقته (١). وقد تكون هناك مصادر أخرى لا نعلمها الآن عن تأثر أو أخذ الفكون بالطريقة الزروفية الشاذلية. فالذين تحدثوا عنه كالثعالبي والعياشي لم يذكروا أنه أخذ إجازة من أحد رجال الصوفية في المشرق، ولم يشيروا إلى أنه تتلمذ لأحد هناك، كما كان يفعل جل العلماء في وقته بالعكس لقد وجدنا الفكون ثائرا على علماء المشرق إذ يعتبرهم متساهلين في العلم ولا يرعون حرمة المساجد، ومتساهلين في مسائل الحلال والحرام، كالدخان. كما وجدناه متشددا في منح الإجازات لغيره خلافا لعادة علماء ذلك العصر. وهذا العياشي يذكر أنه عندما حج معه سنة ١٠٦٤ طلب منه الانخراط في سلك طريقته (الزروقية) فلم يكتب له

стр. 110

الفكون ذلك كتابة وإنما اكتفى بقوله له (إني أقول لك كما قال الإمام الشاذلي، ﵁: لك ما لنا من الخدمة، وعليك ما علينا من الرحمة). وهذا في الواقع تهرب من إعطاء الإجازة والرضى المكتوب بالدخول في الطريقة. وقد تحرج العياشي من ذلك وقنع، كما قال، بهذه الكلمة حتى لا يثقل على الشيخ: (قنعت منه. بالكلمة التي قالها لي لما علمت حاله، وخشيت أن أثقل عليه وأكلفه ما لا تطيب به نفسه، فإنه. من أهل القلوب (١). ولعل نفس الموقف وقفه الفكون مع تلميذه الآخر عيسى الثعالبي. فقد ذكر هذا في فهرسه المسمى (كنز الرواة) أنه أخذ عن شيخه الفكون بعض كتب الحديث، وحصل منه على الإجازة فيها. ومن جهة أخرى عرض عليه الثعالبي الوظيفة الزروقية كما عرض عليه حزب البحر لأبي الحسن الشاذلي وكلاهما عمل يضم مبادىء الطريقتين الأصلية (الشاذلية) والفرعية (الزروقية) - وقد لقن الفكون الذكر للثعالبي على عادة الصوفية، ولكنه اكتفى هنا بكلمة الإخلاص (سورة الإخلاص؟) ثم ألبسه الخرقة الصوفية قائلا له: (خالدة تالدة لا تباع ولا توهب). هكذا روى الثعالبي عن شيخه الفكون. ونحن وإن كنا لا نشك في نسبة الفكون للطريقة الزروقية نكاد نشك في تلقين الفكون له الذكر وإلباسه الخرقة على النحو الذي حدث. فقد عرفنا من كتابات الفكون أنه من طينة أخرى، وأنه عاتب معاصريه، على هذا الأسلوب، فكيف يمارسه هو؟!
следующие страницы →