← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 123663

عدة المريد الصادق

زروق

Полный текст (312 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

وإحداثها حرام (١) لأنه افتيات على الشارع، وتقدم بين يديه، وتغيير لأحكامه مع وجود شبهة منه، (ثم من شؤم البدعة وشأنها لا تزال تتسع حتى تصل إلى محرمات، فضلا عن محرم واحد) (٢). ثم من خواص البدعة ثلاثة: أحدها: أنها لا توجد غالبا إلا مقرونة بمحرم صريح، أو آيلة إليه، أو يكون تابعا لها، ومن تأمل ذلك وجده في كل أمر قيل: إنه بدعة، لا ينخر م بحال، كما ننبه على بعضه إن شاء الله تعالى. الثاني: أنها لا توجد غالبا إلا في الأمور المستغربة، غير المألوفة في الدين، وفي الكيفيات من المندوبات وتوابع الأعمال، وما تميل إليه النفوس وتستحسنه، كالذكر والتلاوة والصلاة والصوم، بما يدخلون عليها من الكيفيات ونحوها والسلوك والتربية ونحو ذلك فتأمله. الثالث: أنها لا توجد غالبا إلا مسندة لوجه من الشريعة، أو معنى من الحقيقة يلتبس على قليل العلم، فيتحير أو يسلم، ويتروج على الجاهل فيظنه دينا قيما من حيث لا يعلم، وما غره بذلك إلا شبهة الأصل وتسليم من يعتقد فيه العلم والفضل، ولكن لكل شيء ميزان، يظهر به الحق من الباطل، يعرفه العالم، وينفيه الجاهل، فيكون ضالا بفعله، مضلا بدعوى الخلق إليه، غير معذور في أمره، لعدم تبصره، إذ الدين مبني على التبصر، وبالله التوفيق. ...

стр. 37

٢ - فصل في موازين البدعة . وهي ثلاثة: الميزان الأول: أن ينظر في الأمر المحدث، فيما له مستند شرعي بوجه شامل محيط هو جملة الشريعة ومعظمها، فإن كان هذا الأمر مما شهد له معظم الشريعة وأصلها وذمتها، فليس ببدعة، وإن كان مما يأباه ذلك بكل وجه، فهو باطل ضلال مبتدع إلحاد (إن كان) (١) في جانب الاعتقاد ونحوه، وإن كان مما تراجعت فيه الأدلة، وتناولته الشبهة، واستوت فيه الوجوه، اعتبرت وجوهه، فما ترجح فيه من ذلك رجع إليه. الميزان الثاني: اعتبار قواعد الأئمة وملف الأمة العاملين بطريق السنة، فما خالفها بكل وجه فلا عبرة به، وما وافق أصولهم فهو حق، وإن اختلفوا فيه فرعا وأصلا فكل يتبع أصله ودليله، وقد عرف من قواعدهم أن ما عمل به السلف وتبعهم الخلف لا يصح أن يكونوا قد أحدثوه من عند أنفسهم، لعصمة الإجماع، كما في الحديث (٢)، فلا يصح أن يكون بدعة ولا مذموما، وما تركوه بكل وجه واضح لا يصح أن يكون سنة ولا محمودا، وما أثبتوا أصله ولم يرد عنهم فعله، فقال مالك (ض): هو بدعة، لأنهم لم يتركوه إلا لأمر عندهم فيه، فإنهم كانوا أحرص على الخير وأعلم بالسنة، وهو مقتضى قول ابن مسعود (ض)، إذ قال لقوم رآهم يذكرون جماعة: (تالله لقد جئتم ببدعة ظلما، ولقد فقتم أصحاب محمد (ص) علما) (٣)، ذكره ابن

стр. 38

الحاج (١) في المدخل فانظره، وقال الشافعي (ض): كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة وإن لم يعمل به السلف، لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت، أو لما هو أفضل منه، أو لعله لو بلغ جميعهم عمل به، والأحكام مأخوذة من الشارع وقد أثبته، نعم، واختلفوا أيضا فيما لم يرد في السنة له معارض ولا مثبت هل هو بدعة؟ وقاله مالك، أو ليس ببدعة؟ وقاله الشافعي، مستندا لحديث: "ما تركته لكم فهو عفو" (٢) ذكره ابن الحاج في باب الذكر، والله أعلم. وعلى هذا اختلافهم في حزب الإدارة (٣) والذكر بالجمع والجهر، والدعاء كذلك (٤) إذ ورد في الحديث الترغيب فيه ولم يرد عن السلف

стр. 39

فعله، ولا ورد في كيفيته شيء، فقال الشافعي: سنة، وقال مالك: بدعة مكروهة لقيام الشبهة، ثم كل قائل لا يكون مبتدعا عند القائل بمقابله، لحكمه بما أداه إليه اجتهاده الذي لا يجوز له تعديه، ولا يصح له القول ببطلان مقابله لقيام شبهته، ولو قيل بذلك لأدى لتبديع الأمة كلها، لأن على كل قائل قائلا، وقد عرف أن حكم الله في مجتهد الفروع ما أداه إليه اجتهاده، سواء قلنا المصيب واحد أو متعدد، وقد قال رسول الله (ص): "ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (١)

стр. 40

فأدركهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: إنما أمرنا بالعجلة وصلوا بالطريق، وقال آخرون: إنما أمرنا بالصلاة هناك فأخروا، ولم يعب (ص) على واحد منهما، فدل ذلك على صحة العمل بما فهم عن الشارع إذا لم يكن هوى، وبالله التوفيق. الميزان الثالث: ميزان التمييز بشواهد الأحكام، وهو تفصيلي ينقسم إلى أقسام الشريعة الستة، أعني الوجوب والندب والتحريم والكراهة وترك الأولى، والإباحة، فكل ما انحاز لأصل بوجه صحيح واضح لا بعد فيه ألحق به، وما لا فهو بدعة، وعلى هذا الميزان جرى كثير من المحققين في تقسيم البدع واعتبارها من حيث اللغة للتقريب، والله أعلم. ٣ - فصل في البدعة ومجاريها . وأقسام البدع ثلاثة: أولها: البدع الصريحة، وهي ما أثبت من غير أصل شرعي في مقابلة ما ثبت شرعا من واجب أو سنة أو مندوب أو غيره، فأماتت سنة، أو أبطلت حقا ثابتا، وهذه شر البدع وإن كان لها مستند من الأصول والفروع، فلا عبرة به. الثاني: البدع الإضافية، وهي التي تخاف لأمر لو سلم منها لم تصح المنازعة في كونه سنة، أو غير بدعة بلا خلاف، أو على خلاف مما تقدم، وهذه أكثرية بل غالبة في الزمان، لولا الإطالة لسردنا منها جملة. الثالث: البدع الخلافية، وهي المبنية على أصلين، يتجاذبها كل منهما بحكمه، فمن قال بهذا قال: بدعة، ومن قال بمقابله قال: سنة، كما تقدم في حزب الإدارة، وذكر الجماعة، وغير ذلك فتأمله.

стр. 41

فأما مجاري البيع في العبادات - أعني صورها اتفاقا - فكل ما أحدث فيها زيادة أو نقصا فهو بدعة إن ثبت له حكم مخالف أو لم يكن، واختلف في جريها في العادات وفيما لم يرد له حكم خاص، كالأكل والشرب واللباس ونحوه، فقيل: تجري فيه لقول أنس (ض) (أول ما أحدث الناس المناخل والأشنان والشبع) (١) أو كما قال، وقيل: لا تجري في ذلك، وإطلاق أنس (ض) باعتبار الصورة الواقعة فقط، (وعلى الأول يجري ما نقل عن المذهب في العمائم ونحوها كما ذكره في المدخل وغيره) (٢)، والله أعلم. قلت: ولا ينبغي أن يختلف فيما أحدث من ذلك مع ادعاء أنه من الدين، لأنه زيادة حكم فيه، والله أعلم. ... ٤ - فصل في أصول ظهور مدعي التصوف في هذا الزمان بالبدع واتباع الناس لهم عليها . فأما ظهورهم بالبدع فله أصول ثلاثة: أولها: نقص الإيمان بعدم العلم بحرمة الشارع، وفقد نور الإيمان الهادي إلى اتباع الرسول (ص)، قال الله تعالى: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما

стр. 42

فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (١) وقال أحمد بن حضرويه (٢) (ض): الدليل لائح والطريق واضح، والداعي قد أسمع، فما التحير بعد هذا إلا من العمى، وفال ابن عطاء الله (٣) (ض) في حكمه: لا يخاف عليك أن تلتبس الطرق عليك، وإنما يخاف عليك من غلبة الهوى عليك، وقال أيضا: تمكن حلاوة الهوى من القلب هو الداء العضال، وقال بعضهم: نحت الجبال بالأظافير أيسر من زوال الهوى إذا تمكن، قال الله تعالى: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ (٤) الآية، وقوله تعالى: ﴿فمن يهديه من بعد الله﴾ (٥) يعني أن الأسباب والحيل لا تفيد في هدايته لتمكن الباطل من نفسه، وفقدان نور الإيمان من قلبه، ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾ (٦). الثاني: الجهل بأصول الطريقة، واعتقاد أن الشريعة خلاف الحقيقة، وهذا هو الأصل الكبير في ذلك، وهو من مبادئ الزندقة، ومنه خرجت الطوائف كلها، وصار الفروعي الجامد لا يتوقف في سب الصوفية، والمتصرف الجاهل لا يتوقف في النفور من العلم وأهله، ويخالف ظاهر الشريعة في أمره، ويرى ذلك كمالا في محله، حتى لقد سمعت عن بعض من تفقر من طلبة الوقت يحكى أنه سمع حكاية من حكايات الخارجين أوجبت أثرا في الوجود، فنطق ناطق زندقته وجهله، بأن قال: ظاهر الشريعة (٧) حرمان، وهذا والعياذ بالله كفر وضلال، انجر له من جهله بالطريقة واعتقاده

стр. 43

الفرق بين الحقيقة والشريعة، وهذا هو الأصل الذي بنى عليه المارقون أصولهم، واستظهرت الطوائف بأعمال خارجة عن الدين، وأحوال موافقة للمارقين، فحمل الصادق على الكاذب، والمصيب على الخائب، ووقع الكل في جهالة لا يمكن تفصيلها، ولا ينضبط تأصيلها، ودفع ذلك لا يكون إلا بتقرير أصول القوم وسنفرد لها فصلا بعد إن شاء الله تعالى. الثالث: حب الرياسة والظهور مع الضعف عن أسبابها والقصور، فيضطرهم ذلك لإحداث أمور تستميل القلوب، لكونها مجبولة على استحسان الغريب مع جهلها بما يشين ويرب، وحرصها على الخير، وظهور هذا الشخص بصورة ذلك، وحقائق منه (١) مع ما يجري على يديه من خوارق شيطانية، أو يبدو لتابعيه من لذة نفسانية، أو يدركه من أذواق طبيعية، يظنها فتوحا وأسباب وصول، فينبذ بها الفروع والأصول، مع ما يعينه على ذلك من احتقار الأمور المألوفة، واعتقاده أن المقام العجيب لا يدرك إلا بالأمر الغريب، وأن العبادات في صورها ووجوهها لا تفيد المقصود إلا بإضافة أمر إليها، فينقاد لذلك عند ظهوره ويعمل به، فيجتهد (٢) بذلك ويتقوى عليه بما يظهر له من ذلك، وما هو إلا الجهل والانقياد للوهم، وعدم التثبت والفهم، نسأل الله السلامة. ٥ - فصل في الأمور التي ينتفي بها إحداث البدع عمن غلط فيها واتباع أهلها . (لمن تورط معهم) (٣).

стр. 44

وهي ثلاثة: أولها: تصحيح الإيمان بوجه يؤدي إلى إقامة حرمة الشارع فيما أمر به ونهى عنه، والتبصر في الدين، فقد قال الله ... تعالى: ﴿وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾ (١) وقال : ﴿فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذب أليم﴾ (٢) قل عز من قائل: ﴿قل هذه سبيلي أدعوا إلى على بصيرة أنا ومن أتبعني﴾ (٣) فبين أن التبصر في الدين أصل من أصوله، وأن من أخذ الأمر رماية في عماية فليس بمتبع للشارع، لكن الناس ثلاثة: عالم متمكن متبصر في أخذ المسائل، يطلب الدليل وإن لم يكن مجتهدا، ومتوسط في الأمور بين العامة والعلماء، فلا يصح اتباعه، إلا لمن تبصر في شأنه، فأوجب له ما علم من الشريعة أن هذا ممن يقتدى به، ثم لا يأخذ منه ما يأباه ما علمه من قواعد الشريعة، إذ لا يجوز لأحد أن يتعدى علمه: ﴿ولا تقف ما ليس لك به علم﴾ (٤) وعامي، وحقه أن يقف مع ما لا يشك (٥) في حقيقته من تقوى الله تعالى وذكره، والعمل على الجادة التي لا شك فيها، وإلا فهو مستهزئ بدينه ومتلاعب به، فاعلم ذلك، وإذا لم يكن الفتح فيما جاء عن الله ... ورسوله ففي أي شيء يكون، نسأل الله السلامة. الأمر الثاني: البحث عن أحكام الله فيما هو به من حركة وسكون، وما يعرض له من إقبال وإدبار، وذلك لا يصح له إلا بمراقبة أحواله، فلا يعمل بشيء إلا عن علم أو اقتداء بمن يصح الاقتداء به، من عالم ورع، أو فقيه متصدر فيما لا هوى له فيه، ومقام المشيحة نذكره فيما بعد، إن شاء الله ... سبحانه.

стр. 45

الأمر الثالث: العلم بأصول الطريقة التي هو بها أو يريد سلوكها، فإنما حرموا الوصول بتضييعهم الأصول، وأصول القوم مبنية على الكتاب والسنة، هذا إمام الطائفة وعمدتها، والمرجوع إليه عند الكافة في شأنها، الشيخ أبو القاسم الجنيد (ض)، يقول: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يسمع الحديث، ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه عن المتأدبين، أفسد من اتبعه وتتبعه حرام، وقال أبو سليمان الداراني (١) (ض): إنها لتقع النكتة في قلبي من كلام القوم أياما، فأقول لها: لا أقبلك إلا بشاهدي عدل: الكتاب والسنة، وسئل الشبلي (٢) (ض) عن التصوف، فقال: هو الاقتداء برسول الله (ص) انتهى، والنقل عنهم في هذا الباب كثير، وقد تقدم منه، ومن أراد الوقوف والزيادة فلينظر في محاله ومظانه، وبالله التوفيق. ... ٦ - فصل فيما يتبع من أمور الصوفية المحققين وما يترك ويكون التابع والتارك فيه تابعا مذهبهم المبارك من غير خروج . قال الشيخ أبو إسحاق الشاطبي (٣) (ض): كل ما عمل به المتصوفة المعتبرون في هذا الشأن، يعني كالجنيد وأمثاله، لا يخلو إما أن يكون مما ثبت له أصل في الشريعة، فهم خلقاء به، كما أن السلف من الصحابة والتابعين خلقاء بذلك (٤). وإن لم يكن له أصل في الشريعة، فلا عمل عليه لأن السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، لأن السنة

стр. 46

معصومة من الخطأ، وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم عصمة إلا مع إجماعهم خاصة، وإذا اجتمعوا تضمن إجماعهم دليلا شرعيا، فالصوفية كغيرهم ممن لم تثبت له العصمة، يجوز عليهم الخطأ والنسيان، والمعصية كبيرها وصغيرها، والبدعة محرمها ومكروهها، ولذلك قال العلماء: كل كلام منه مأخوذ ومتروك إلا ما كان من كلامه (ص)، وقد قرر القشيري (١)، ﵀ ... ذلك أحسن تقرير، فقال: فإن قيل: فهل يكون الولي معصوما؟ قيل: أما وجوبا كما يقال في الأنبياء فلا، وأما أن يكون محفوظا حتى لا يصر على الذنوب وإن حصلت هفوات أو آفات أو زلات فلا يمتنع ذلك في وصفهم، قال: ولقد قيل للجنيد: أيزني العارف، فأطرق مليا، ثم رفع رأسه وقال: ﴿وكان أمر الله قدرا مقدورا (٢). قال: فهذا كلام منصف، فكما تجوز على غيرهم المعاصي بالابتداع وغيره، كذلك تجوز عليهم البدع، فالواجب علينا أن نقف مع الاقتداء بمن يمتنع عليه الخطأ، ونقف عن الاقتداء بمن يجوز عليه إذا ظهر في الاقتداء به إشكال، بل نعرض ما جاء عن الأئمة على الكتاب والسنة، فما قبلاه قبلناه، وما لم يقبلاه تركناه، ولا علينا إذا قام لنا الدليل على اتباع الشارع، ولم يقم لنا الدليل على اتباع أقوال الصوفية وأعمالها إلا بعد عرضها، وبذلك وصى شيوخهم، وأن ما جاء به صاحب الوجد والذوق من العلوم والأحوال والفهوم يعرض على الكتاب والسنة، فإن قبلاه، وإلا لم يصح، قال: نم نقول ثانيا (٣) إذا نظرنا في رسومهم التي حدوا، وأعمالهم التي امتازوا بها عن غيرهم بحسب تحسين الظن والتماس أحسن المخارج، ولم نعرف له مخرجا، فالواجب التوقف عن الاقتداء والعمل، وإن كانوا من جنس من يقتدى بهم لا ردا له ولا اعتراضا عليه، بل لأنا لم نفهم وجه رجوعه إلى القواعد الشرعية، كما فهمنا غيره، ثم قال بعد كلام: فوجب

стр. 47

بحسب الجريان على رأيهم في السلوك، ألا نعمل بما رسموه مما فيه معارضة لأدلة الشرع، ونكون في ذلك متبعين لآثارهم مهتدين بأنوارهم، خلافا لمن يعرض عن الأدلة، ويصمم على تقليدهم فيما لا يصح تقليدهم فيه على مذهبهم، فالأدلة الشرعية والأنظار الفقهية والرسوم الصوفية تذمه وترده، وتحمد من تحرى واحتاط وتوقف عند الاشتباه، واستبرأ لدينه وعرضه (١) انتهى، وهو من مكنون العلم، وبالله التوفيق. ... ٧ - فصل في تحرير الطريقة، وما بنيت عليه من شريعة وحقيقة . اعلم أن الفقه والتصوف أخوان في الدلالة على أحكام الله سبحانه، إذ حقيقة التصوف ترجع لصدق التوجه إلى الله تعالى من حيث يرضى بما يرضى، وذلك متعدد، فلذلك ادعاه كل أحد بما هو فيه، وعبر عنه كل أحد بما انتهى إليه منه على قدر القصد والفيض والهمة، واعتبر ذلك أئمته، حتى إن أبا نعيم (٢) في حليته غالبا لا يترجم رجلا إلا أتبع ذلك بقول من أقوالهم، يناسب حال ذلك الشخص، قائلا: وقيل: إن التصوف كذا، فأشعر أن تصوف كل أحد صدق توجهه، وأن من له قسط من صدق الوجه له قسط من التصوف على قدر حاله. ثم الفقه والأصول شرط فيه، والمشروط لا يصح بدون شرطه، والشرط أن يكون بما يرضاه الحق، ومن حيث يرضاه، فما لا يرضاه لا يصح أن يكون قربة، وما يرضاه لا يصح أن يكون قربة إلا من الوجه الذي يرضاه، كالصلاة مثلا، يرضاها الحق، ولكن لا في الأوقات الممنوعة ولا على غير الوجه المستقيم ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾ (٣) فلزم

стр. 48

تحقيق الإيمان ﴿وإن تشكروا يرضه لكم﴾ (١) فلزم العمل بالإسلام، فلا تصوف إلا بفقه، إذ لا تعلم أحكام الله الظاهرة إلا منه، ولا فقه إلا بتصوف، إذا لا حقيقة للعلم إلا بالعمل، ولا عمل إلا بصدق توجه، ولا هما إلا بإيمان، إذا لا يصحان دونه، فهو بمنزلة الروح، وهما بمنزلة الجسد، لا ظهور له إلا فيهما، ولا كمال لهما إلا به (٢)، وهو مقام الإحسان المعبر عنه: "بأن تعبد الله كأنك تراه" (٣) إذ لا فائدة لذلك إلا صدق التوجه إلى الله تعالى على حد ما قلناه. غير أن نظر الفقيه مقصور على ما يسقط به الحرج، ونظر الأصولي مقصور على ما يصح به الأصل الذي هو الإيمان والسنة، ونظر الصوفي متعد لما يحصل به الكمال، فيطلب في باب الأصول على تحلية الإيمان بالإيقان، حتى يصير في معد العيان، وفي باب الفقه على أن يأخذ بالأعلى أبدا، ثم له حكم يخصه فيما يخصه، ومدار الأمر فيه على اتباع الأحسن والأكمل، لقوله تعالى: ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ (٤) الآية، فلذلك كان مذهبهم في الاعتقادات مذهب السلف، من اعتقاد التنزيه، ونفي التشبيه وقبول ما ورد كما ورد، من غير تعرض لكيف ولا تأويل ولا غيره، إذ ليس ثم الحق (٥) من صاحب الحجة بحجته، ولا يضرنا الجهل بالتأويل مع ذلك، كما لا يضرنا الجهل بألوان الأنبياء وأسمائهم، مع العلم بتعظيمهم واحترامهم، ولئن كان التأويل أعلم فالتفويض أسلم، هذا مع تكلمهم في وجوه التأويل بما يقبله اللفظ، من حيث إنه علم، فلذلك توسعوا في العبارة عنه مع قصدهم أمثالهم بالكلام لا غيرهم، فأنكر عليهم الغير ذلك، وهو معذور بما بدا له، ولو سلم لكان خيرا له، ومذهبهم في الأحكام مذهب الفقهاء إلا أنهم حرروا وهذبوا ونقحوا، غير أنهم يأخذون من المذاهب بما

стр. 49

يوافق الحديث، ليجمعوا بين نور الاقتداء ونور الاهتداء، مع تقيدهم بالمذهب الواحد، وعدم مخالفتهم للأحوط والمشهور منه إلا من ضرورة، فقد كان الجنيد (ض) على مذهب أبي ثور (١)، والمحاسبي (٢)، شافعيا، والشبلي مالكيا، والجريري (٣) حنفيا، مع إجماعهم على اتباع الحديث كما ذكره السهروردي (٤) فكان الجمع بين إجماعهم وفعلهم، والله أعلم. ومذهبهم في الفضائل مذهب المحدثين فلا يأخذون بموضوع كصلاة الرغائب والأسبوع ونحوها، وإن ذكرها أئمة منهم فلم ينقلها أحد عنهم، بل ولا عن أئمة المذاهب، وإن كان الشيخ أبو طالب (٥) قد أثبتها للنساك وتبعه الغزالي (٦) على ذلك، فقد نبه النووي (٧) بأن لا يتبع ذلك، ولهما أصل في ذلك ذكرناه في القواعد، وبالغ في إنكار ذلك ابن عبد السلام (٨) من الشافعية

стр. 50

والطرطوشي (١) من المالكية، وكذا ابن العربي (٢) وغيره. وانفردوا في الآداب بأصل هو جمع قلوبهم على مولاهم فبأي وجه يمكن لهم انتهجوه، سواء كان مباحا صريحا، أو رخصة أو أمرا مختلفا فيه، فمن ثم قالوا بأشياء أنكرها عليهم من لم يعرف قصدهم، وطالبهم فيها بما طالبوا به أنفسهم في العبادات من الاحتياط وإيثار الأولى، وآثرها من غلب عليه هواه فهلك بذلك، وقد أشار الجنيد (ض) لهذا الأصل بقوله لما سئل عن السماع: كل ما يجمع العبد على ربه فهو مباح (٣) ونقل القشيري في باب السماع عن أبي علي الدقاق (٤) (ض) أنه قال عن المشايخ: إنهم قالوا: ما يجمع قلبك إلى الله تعالى فلا بأس به. ... ٨ - فصل في ذكر ظهور المشايخ والمشيخة وما يتبع ذلك من طرق الاقتداء ونحوها . اعلم أن الأوائل من القوم لم يكن لهم ترتيب في المشيحة معروف، ولا اصطلاح في السلوك مألوف، وإنما كانت عندهم الصحبة واللقاء، فكان الأدنى منهم إذا لقي الأعلى استفاد برؤيته أحوالا، لأن من تحقق بحالة لم يخل خاطره منها، والأحوال مورثة، فلذلك قال ابن العريف (٥) ﵀:

стр. 51

كيف يفلح من لم يخالط مفلحا وكان الصحابة (ض) ينتفعون برؤيته (ص)، حتى قال أنس (ض): والله ما نفضنا التراب عن أيدينا من دفه (ص) حتى وجدنا النقص في قلوبنا، وكانت الصحبة عندهم لتعلم الآداب، وأخذ العلم بوجه يعرف أحدهم بالتزام الوجه الذي يأخذ منه ويواليه موالاة من يرى فضله عليه، ويشكر إحسانه إليه، من غير زائد على ذلك، وأصلهم في ذلك قوله تعالى: ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ (١) الآية، فلما غلب الخبط على النفوس والتخليط على القلوب، ظهر متأخرو الصوفية في الاصطلاح في التربية وترتيب المشيحة على ما هو معلوم من شأنهم، مستندين لما ذكرنا من قوله تعالى: ﴿واتبع سبيل من أناب إلي﴾ الآية، ولأنه (ص) كان يربي أصحابه فيعطي كلا ما يليق به، إذ قد أوصى واحدا بقوله: "لا تغضب" (٢) وقال لغيره: "قل ربي الله، ثم استقم" (٣) وقال لآخر: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله" (٤)، وخص قوما بأذكار وعلوم، كمعاذ بحديث: "من قال لا إله إلا الله دخل الجنة وإن زنا وإن سرق" (٥) وحذيفة (ض): بالسر (٦) وتفقد عليا

стр. 52

وفاطمة (ض) لصلاتهما من الليل (١) وعائشة (ض) تعترض بين يديه اعتراض الجنازة (٢) وقال لعبد الله ... بن عمرو: "صم وأفطر" (٣)، وأقر على سرد الصوم حمزة بن عمرو الأسدي (٤) إلى غير ذلك من وجوه التربية فافهم. ثم جروا في ذلك على مقتضى العلم والحقيقة فلم يدخلوا على المريد في مقام التقوى الذي هو فعل الواجبات وترك المحرمات، سوى أخذ العهد قصدا للتوثق في التزام خصال التقوى، مستندين لحديث عبادة بن الصامت (ض) الذي قال فيه (ص): "بايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا" (٥) الحديث، وكان (ص) يكرر البيعة في مواضع لذلك، كما وقع له مع سلمة بن الأكوع وغيره، كما هو معلوم في أحاديث المغازي (٦)، وهو (ص) إنما دعاهم لذلك مع تقرر إيمانهم وتبريهم مما ذكر، فكان قصدا للتأكيد، والله أعلم.

стр. 53

ولم يدخلوا عليه في مقام الاستقامة وهو حمل النفس على أخلاق القرآن والسنة غير تعريفه بالأصلح له، من غير زيادة ولا نقص، لاتساع هذا الباب وجهل الإنسان باللائق به، وقيامه مع شهوته تفريطا أو إفراطا، مع ما يساعد ذلك من توسع الرخص أو تضييق الورع، الذي قد يليق به وقد لا، ويحمله عليه عدم علمه بحاله، لاسترساله مع حاله، كقوله (ص) لأبي بكر لما ذكر إسراره بصلاة الليل: "ارفع قليلا"، ولعمر لما ذكر إعلانه: "اخفض قليلا" (١) فأخرجهما عن مرادهما، وما تقتضيه طباعهما إلى مراد الله ورسوله تبرئة من الهوى، وإن كانا برءاء منه، فافهم. وألزموه في مجاهدة النفس بما يوصل إليها من الجوع والسهر، والصمت والخلوة، وأضداد ذلك أو أضداد بعضه، إلى غير ذلك من مختلفات الأمور التي لا تنحصر، ويجري النظر فيها بحسب جريانها، وألزموه إظهار ما عنده ليصل إلى ما عندهم فيه، فكان بين أيديهم كالميت بين يدي الغاسل، (كما هو معلوم في شرط المريد مع الشيخ) (٢)، ولكنهم لم يلزموه هذا حتى رأوا فيه أهلية الجمع (٣) والكمال، فجاء بعد ذلك قوم حرفوا الأمور وبدلوا الأحكام، وخبطوا خبط الأعمى في تراكم الظلام، فضلوا وأضلوا، نسأل الله ... السلامة. ٩ - فصل في ذكر ما ظهر في هذه الأزمنة هن حوادث لم تسمع فيما قبل . وأصله في ذلك الغباوة (٤)، والجهل، وهم طوائف ثلاثة: أولها: طائفة تعلقت بالعلم وهي على ثلاثة أنواع:

стр. 54

النوع الأول: قوم أخذوا بدقائق التوحيد وشقاشق الشطحات، فأكبوا على كلام أهل ذلك الفن، مثل: ابن سبعين (١) وابن الفارض (٢)، والحاتمي (٣) ومن نحا نحوهم من غير تعريج على طريقتهم في باب المعاملات، فظهر لهم أنهم حصلوا ما فهموا، ووقفوا بذلك على التحقيق بما توهموا، وحصل لهم من ذلك ذوق فهمي استلذوا به في نفوسهم، وربما أثر سريانه فيهم على محسوسهم فحرموا التحقق والعمل، وتعلقوا بالأماني والأمل، وهذا إن سلموا من معتقد فاسد، أو تجاسر على الربوبية والنبوءة في بعض المقاصد، وهذه طريقة كثير ممن يعجبك شأنه، ممن له في الطلب قدم أو الفهم وجه، لا سيما بعض المشارقة، نسأل الله السلامة، ثم كلامنا في ذلك ليس طعنا فيمن أخذوا بكلامهم، لكن في أخذهم له مع عدم تحققهم به، فافهم. النوع الثاني: قوم تعلقوا بعلوم الأحوال والمقامات، ووقائع النفوس وموارد الحقائق، ورأوا أن ليس وراء ذلك مطلب، فاحتقروا العباد والزهاد، وادعوا أن ما هم عليه عين السداد، ثم مع ذلك فهم خائضون في أمر ليسوا منه على حقيقة، بل فهموا كلام الأئمة في ذلك، فادعوه حالا لأنفسهم بما

стр. 55

شموا من ذلك، وذاقوا بعضه، وقد قال الشيخ أبو عبد الرحمان السلمي (١) (ض): من حكى حكايات السلف واتخذها لنفسه حالا وص خال عنها، وفرح بقبول الناس له على ذلك، فهو من أخس العباد حالا وأفسدهم طريقة وأبعدهم عن منهاج الصديقين، ثم قال: عجبا ممن يفرح بمال غيره، والنبي (ص) يقول: "المتشبع بما لم يعط كلابس ثوبي زور" (٢) والله تعالى يقول: ﴿وقدمنا إلى ما عملوا من عمل فجعلناه هباء منثورا﴾ (٣) لأنهم تزينوا بأحوال هم عنها خوال، وعملوا أعمالا بعيدة عن الإخلاص، ولا يطأ بساط الحق إلا الصادقون في أحوالهم وأفعالهم وأقوالهم، ومن صفا صفي له، ومن خلط خلط عليه، انتهى. قلت: ورأيت من هذا النوع آحادا اعتقدهم الناس وأكبوا على أتباعهم، فحرموهم العلم والعمل بما شرطوا لهم من عدم ذلك، وحيروهم في الحقيقة عما هم مطلوبون به بما هم مستغنون عنه، وكذلك النوع الذي قبله، بزيادة أنهم ربما أضلوا بعض الضعفاء بكلام الأقوياء، وأدخلوا على عامة الطلبة من الدعاوي والكذب ما هم عنه أغنياء، وأكثر ما رأيت هذا النوع في بعض البلاد الشرقية، وهما أي النوعين أمثلهم (٤) طريقة، وأسلمهم منهاجا وأقل اتباعا، والله أعلم. النوع الثالث: قوم فرحوا بما عندهم من الظاهر، وجمدوا عليه، وشطحوا بما فهموا من علم الباطن ودعوا إليه، فأخذوا في الإنكار على من خالفهم، وموالاة من تبعهم وحالفهم، وجعلوا العلم حجة لأنفسهم في كل ما يجري عليه، وربما جهلوا أو حسنوا الظن بأنفسهم، حتى وقعوا في مهاو من الضلال، كإباحة بعض المحرمات، وارتكاب بعض

стр. 56

المنكرات، وربما انجر بهم ذلك لانطباع حقيقته في قلوبهم، وارتسامه في خيالاتهم، فظهروا بأمور تناسب ذلك، وربما أتوا فيه بمراء أضافوها إلى النبي (ص) تناسب أغراضهم، ولا تصح نسبتها له، وربما يصح بعضها مع قبول التأويل، فجهل هذا المسكين في قبولها أولا، وفي عدم تأويلها آخرا، واغتر في ذلك بما جرى من نوعه لأهل الحق، الذين وزنوا أنفسهم بالورع، وقاموا مع الحق في كل أمر متبع، كابن أبي جمرة (١) وغيره من السادة، مع أن ما وقع لهم له تأويلات حسنة، وما وقع له في بعضه فلا يحتمله (٢) التأويل، ثم إنه جمد عن التأويل عندما طلب به، وبالغ في ذلك لما أداه لهتكه وإذايته، رحمة الله عليه وغفرانه لديه إن كان صادقا في خبره لا غير، وبالله التوفيق. ١٠ - فصل الطائفة الثانية طائقة تعلقت بالأحوال . وهم ثلاثة: أولها: طائفة ادعت أنها ترى رجال الغيب من الخضر (س) وأمثاله، وتخبر في ذلك بأمور إما كذبا صراحا، أو تلبس عليها الأمر بخيال شيطاني ونحوه، فهلكت في الهالكين، وربما أهلكت غيرها، فلقد سمعت أن بعض هذه الطائفة ادعى أن الخضر نبي مرسل، وقال: أرسله الله لقوم في البحر يقال لهم: بنو كنانة، قال: ومن قال بولايته فقد تنقصه، وتنقيص النبي (ص) كفر، كذا حكى لي من أثق به أنه سمع ذلك من لفظه، ففلت: نعم نسلم له صحة ما يدعيه، ولا نسلم له تكفير

стр. 57

القائل بما ذكر لعدم القاطع، ولو كان الأمر صحيحا في نفسه، لأنا لو ألزمنا بذلك لكانت زيادة عقيدة في الدين على غير أصل ومستند صحيح. ثم ظهر بعد هذا الشيخ من تلامذته من ادعى أنه يأخذ عن الخضر الأحكام، فدعا الناس لاتباعه، وحملهم على أمور مفارقة لأصل الملة المحمدية فيما ذكر لنا، واحتج في ذلك بقصة الخضر مع موسى (١) واحتجاجه باطل، لأن موسى (س) إنما التزم التسليم له لا اتباعه فيما يأمره به من صورة المنكر، وهو إنما ألزمه الصبر عليه لا وجود (٢) اتباعه والعمل بمثل فعله، مع أنه لم يأت بأمر ينكره عليه العلم في نفس الأمر حسبما دل عليه كلامه، حين بين له الوجوه التي يعرفها، فلم يأت إلا بما هو جائز في الشرع، وإنما اختصر باطلاعه على السبب دون غيره، وهذا على تسليم أنه نبي، وهي مسألة متنازع فيها بين أهل العلم، ومع ذلك فلم ينقل عنه حكم خاص غير ما ذكر من التصرف الخارق للعادة، وقد مر ما فيه، ثم هب أن الخضر (س) يأتي بالأحكام، فشريعة نبينا

стр. 58

محمد (ص) ناسخة لجميع الشرائع إلا ما قرر، وهذا أصل في الدين يتعين اعتقاده، ومخالفه كافر إجماعا، ولذلك لما أخبر (ص) عن نزول عيسى (س) ذكر تقريره لشريعتنا يقوله: "فيكسر الصليب، ويقتل الخنزير، وإمامكم يومئذ منكم" (١)، هذا وهو أمر محقق، واجب الاعتقاد، فكيف بغيره فافهم. ولقد بلغني أن هذا الرجل بلغ به الأمر إلى أن قال: ارتفعت أحكام القرآن ولم يبق إلا ما قال له قلبه عن ربه، وهذا كفر وضلال، وقال لي بعض الناس: كنا عنده ونحن نقرأ القرآن، فوقف علينا وقال: ارتفعت بركة القرآن، ولم يبق الفتح إلا في الذكر بالجمع، أو نحو هذا، ويكفي في الرد عليه فوله (ص): "من ابتغى الهدى في غيره أضله الله" (٢) وذكر لي أنه يظهر بخوارق العادة، ويدعي مع أمره الولاية، بل الوراثة، وكل ذلك مكر واستدراج، نسأل الله السلامة والعافية في الدنيا والآخرة بمنه وكرمه. ...

стр. 59

١١ - فصل الطائفة الثانية من الثانية . طائفة ادعت الفناء والتصرف بغير اختيار، فانبسطت في المحرمات، وجرت عليها آثار نفسية اكتسبتها من التجريد والجمع، فظنها الجاهل من حقائق ما يقع للعارفين، وربما ألحق هذا الشخص بمثل الشيخ أبي العباس السبتي (١) ونظرائه من له فيه نية صالحة، فزاده ضلالا وجهلا، وربما جرى على لسانه كلام في الحق يشبه الحقائق، فكان سببا في الاغترار به، فيما يدعو إليه من اتباعه ونحوه، وربما انفعلت له النفوس الغافلة عند جمع قواه لها في أي باب كان، فظنها الجاهل عن أحوال تفيد وتنفع، وهي في الحقيقة عقارب تلدغ وحيات تلسع، وربما قصد من اعتقده الرجوع عنه، فمسه من الشيطان أمر يسوءه، فظن أنها كرامة ترده لهذا الشخص وتسوقه، فتأكد تعلقه به وخوف الغير منه، وقوي رجاء الطامع في النيل بصحبته فتمسك به، ولو صبر لله لحصل على ما يريده من الله، فانتفى عنه الأمر في أقرب وقت، لكن النفوس مبنية على التوهم، وإلا فالحق واضح، والباطل بين، والله أعلم، ولا يفيد أحد إلا مما عنده، فمن عرف بالتقلب لا تفيد صحبته غير الذبذبة (٢) والتقلب، ومن عرف بالتمكين لا تفيد صحبته غير ذلك، لأن من تحقق بحالة لا يخلو حاضروه منها. ثم ما يظهر على مريد هذا الشخص إنما هي بركة صدق هذا المريد في حاله وحسن اعتقاده، ويعقبه ألف وقت خارج عن الإضمار، وإن استقام فعلى وجه لا ثبات له، وما حبسه في أسره إلا ترصد النفحة الأولى، حتى ربما أداه ذلك إلى ارتكاب ما يأمره به وإن كان محرما، بل فاحشة بينة، وهذا هو الضلال المبين، بزيادة أنه يحتج بما يقع له ويتأول شأنه، فيكون معينا له على نفسه، وعلى عصيانه وإساءته، وربما قال لمن يعذله أو يدعوه

стр. 60

للحق أنت لا تعرف، وهذا شيخ حقيقة، وأنت صاحب طريقة (١) وهذه أمور ذوقية لا تعرف بالخبر، وهذا كله جهل محض وضلال، ولو كان الشيخ محقا في حاله ومغلوبا في تصرفه، فله حكم يخصه، وهو حسن الظن به، وتأويل وقائعه بوجه يقبل من غير احتجاج ولا إعانة عليه، والتسليم لهم من غير اقتداء ولا اتباع في معصية لما نهي عنه من ذلك، والله أعلم. ... ١٢ - فصل الطائفة الثالثة من الثانية . طائفة ظهرت بالجدب وتصرف المجانين بحيث أنها تمجذبت حتى صار الجذب لها سجية بحكم العادة، فلم تقدر على الاستقامة في التصرف، وثقل عليها الرجوع إلى المألوفات، ودعاها لذلك ما تراه من أحوال المجاذيب وما يجري لهم من الأحوال واستمالة الخلق، لميلهم لهذا النوع كثيرا، لا سيما الجهلة من أبناء الدنيا، فإنهم يؤثرون هذا النوع على غيره ويحبونه، ويقومون به وغالب من هذا شأنه أن يجانب العلم وأهله، ويعادي العمل ومن يلتزمه، ويقولون: هؤلاء هم الرجال الذين خرجوا عن الدنيا فلم تبق فيهم بقية، وهذه مصيبة وجهل، دعاهم إليها حب الدنيا حتى كرهوا كل من له بها تعلق، لكونه يشاركهم فيما لهم، بخلاف غيره. وهناك طائفة على العكس، لا يرون المجاذيب شيئا ولا من يعتقدهم، وهم أسلم من الذين قبلهم، لتمسكهم بظاهر الشرع، وأسلم منهما من سلم الأمر، فلم ينتقد إلا بحق، ولا يعتقد إلا بحق، ويترك ما وراء ذلك، وقد قال بعض العلماء: ما زال يختلج في نظري أن المجذوب فاقد عقل التكليف الذي يثبت له به أصل الدين، فكيف تثبت له الولاية، وعلى مر الدهور يعتقد ولا نكير، حتى فتح الله بأن عقل تدبير المعاش هو الذي نيط

стр. 61

به التكليف، فإذا سقط التكليف فبقي صاحبه كالبهيمة في العالم، غير أنه إن ذهب هذا العقل بخيالات وهمية، كان صاحبه معتوها غير معتبر بوجه ولا بحال، وإن ذهب بحقيقة إلهية اقتضت ذهوله فيها ونحوه، اعتبر صاحبه من حيث أنه ظرف لمعنى شريف، وأن السبب في تعطيل وجوده عن مصالحه ذلك، فإن من كان في الله تلفه كان على الله خلفه، فافهم. قلت: ويعرف كل واحد منهما بإشارته، فمن أشار لحقيقة مجموعة فهو ذاك، وإلا فليس هناك، فإن كان من أهل التجريب (١) فحركاتهم لا تتعدى الصغائر المختلف في إباحتها ونحوها مع ثباتهم، وإلا فهو عصيان إن وقع مرة، وفسق إن تكرر مع الإصرار، وكان عظيمة والعياذ بالله، فافهم. ... ١٣ - فصل الطائفة الثالثة (٢) من أصول الطوائف. طائفة تعلقت بالأعمال، وهم على ثلاثة أقسام: القسم الأول: قوم غلب عليهم الكسل والبطالة، وجمحت نفوسهم للانتساب للقوم، فعدلوا لرخص المذهب من السماع والاجتماع، وإيثار التزيي من المرقعات المزينة، والسبحات المزخرفة، والسجادات المزوقة، والعكاكيز الملفقة، وتباهوا في ذلك مباهات النسوان في الثياب، وتضاهوا فيه تضاهي أبناء الدنيا في الأسباب، فإذا عوتبوا في ذلك قالوا: يكفينا من اتباع القوم التشبه بهم، فإن من تشبه بقوم فهو منهم، فإن قيل: هذا منكم قلة همة، قالوا: أنتم في بركة الحال (٣)، ونحن في بركة الزي، وقد قنعنا بالتزي، وما

стр. 62

هو إلا الركون للبطالة وحب الشهوة بالباطل، ويرحم الله القائل: إن تكن ناسكا فكن كأويس ... أو تكن فاتكا فكن كابن هاني من تحلى بحلية ليست فيه ... فضحته شواهد الامتحان القسم الثاني: قوم آثروا المصالح العامة، وتتبعوا الفضائل فجنحوا لإطعام الطعام، واستئلاف العوام، ومعاناة الظلمة في الرد عن الظلم تارة بالشفاعة، وتارة بمفارقة السمع والطاعة، ورأوا ذلك دينا قيما وصراطا مستقيما، فدعاهم ذلك إلى الخروج عن الحق والإضمار، واضطرهم لوجود الرئاسة والاستظهار، فاحتاجوا لما يقوم به ناموسهم، وما تصح به صولتهم وعبوسهم، فرجعوا لطلب ما لا يطلبه إلا من قل فلاحه من علم الكنوز والكيمياء، وأسرار الحروف ونحو ذلك، فاضطرهم الكنز لتضييع الواجبات والسنن، والكيمياء لوجود الزغل والمحرمات والمحن والفتن - وغير ذلك - للسحريات وعبادة الوثن، فإذا عوتبوا بذلك، احتجوا بوقائع ذكرت عن مشايخ، أكثرها باطل وجلها تداركهم الله فيه بلطفه قبل الوقوع في تلك الرذائل، ويتهافتون في ذلك بما أمكنهم من دين ودنيا، ويرون فيه سر الممات والمحيا، وما هو إلا البلاء والوسوسة الباقية من حب الدنيا، لأنهم إن تعلقوا (١) بالوصول لإطعام الطعام، فالصدقة من القلة أفضل، وإن أرادوا إقامة المنصب والاحترام، فحرمة الله أوفر للمؤمن، وأحسن من ارتكاب الآثام، ولكن القلوب عمية، ﴿ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور﴾، وسرى لهم ذلك من الدخول فيما لا حاجة لهم به، وربما كان فيه حتف أحدهم من الكلام في الفاطمي (٢)، وذكر زمنه، وترصده والاستفتاح به، والبحث عنه، حتى لقد رأيت بعض أكابر بلده هجر وطنه، ولازم موضعا تضيق فيه أخلاق أمثاله، وهو صابر على ذلك سنين لترصد هذا الأمر، ثم مات في ترصد ذلك، رحمة الله عليه، ورأيت بعض أهل الخير ممن يتعهد

стр. 63

ذلك أتاه بعض الشياطين، وادعى له هذه المرتبة، وقال له: أنت وزيري، وأراه زيادة في خلقته مستغربة، فاعتقد ذلك وعمل عليه، ووعد الناس به، حتى كتب لبعض الملوك في تهيئه ضيافته، وقال: إنه يخرج في سنة ثلاث وثمانين، فكانت تلك السنة سنة موته رحمة الله عليه، فبقي عند الناس كذابا ومغرورا، وما هو إلا الجهل والحرص على المنافع العامة، أعاذنا الله من البلاء بمنه، وكم من أخرق قام بدعوى هذه المرتبة فكانت سبب حتفه، وفساد دينه ودنياه، لأنه يتعرض لما لا حاجة له به، ومن حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه. ويقع في رذائل، منها: تغيير قلوب الملوك إن سلموا منهم، وهو حرام إجماعا، ومنها فتح باب المحنة على نفسه، وباب الفتنة على المسلمين، باتباع القيام والخروج عن الأمراء، ولو بالإرادة والمحبة لذلك، وهو أيضا مضر بالدين اتفاقا، ومنها إغراء الملوك على الجنس (١) حتى يؤذوا من يتكلم بالحق، أو يربوا من يتوهم منه ذلك على اتباع أغراضهم، فيجعل الشريعة سببا لذلك، وربما اتحدت (٢) بهم الأمراء لإشاعة أمور يستعينون بها على أمرهم في ذلك، وذلك كله في ذمة المتحركين في هذا الأمر، ومنها الدخول في علم الحدثان، تارة بطريق التنجيم ونحوه، وتارة بالأجفار (٣) والعمل بها، التي أكثرها كذب ومحال، ثم هي وإن صادفت فغالب الأمر كذبها، فلقد حدثني من لا أشك في صدق خبره أنه عمل أبياتا على صورة جفر لبعض الأمراء كان يواليه، وأنه سيكون منه ويكون، فعمل الأمير

стр. 64

المذكور على ذلك، وكانت سبب الفتنة بينه وبين ابن عمه إلى الآن، وتضرر بها المسلمون ضررا عظيما والعياذ بالله. هذا مع أن كثيرا من العلماء يقول: بأن الفاطمي قد انقضى زمانه فيما مضى، وأنه عمر بن عبد العزيز (١) أو غيره، على اختلافهم في ذلك، والحق أن الأمر فيه مبهم، وأن الاشتغال به مما لا يغني، لاشتباه الأمر واضطرابه مع عدم الاضطرار إليه، وهب أنه نزل بباب المدينة التي أنت فيها، أليس في عنقك بيعة أميرها، فلا يحل لك الخروج عنه ولا الخروج إليه، لما في رقبتك من حق أميرك، هذا إن تحقق، فما ظنك والأمر متوهم الصحة في أصله، غير متحقق التأخير في وقوعه، وأصل هذا كله حب الرئاسة وبغض الأمراء، وهو دسيسة من حب الدنيا، وحقيقة طلب الفضول والاشتغال بما لا يعني، أعاذنا الله من البلاء بمنه وكرمه. ومن ذلك التعرض للأمور الجمهورية كالجهاد ورد الظلامات، وتغيير المنكر بطريق القهر والاقتدار، دون يد سلطانية، ولا ما يقوم مقامها من الخطط الشرعية، فإن ذلك مفتاح باب الفتنة وإهلاك الضعفاء من المسلمين بغير حق ولا حقيقة، (فقد كان ببلادنا رجل من الصالحين يحوم حول ما ذكرناه، فجاءه من أخبره عن بعض جهات الروم أنها خالية، وأنها مقدور على أخذها، فمشى بجماعة من المسلمين، فخرج عليهم النصارى، فلم يجدوا فئة يرجعون إليها، ولا ملجأ يستندون إليه، فتمكن منهم العدو حتى أتى على جماعة بالقتل ونحوه، فهلك منهم جماعة كثير في ذمته) (٢) ومع ظنه أنه عمل خيرا، نفعه بنيته، ولا واخذه بعمله، (وكان آخر يفعل مثل ذلك، فوقع له ولجماعة من المسلمين معه أمر عظيم مرارا، ثم إنه بيع لهم فأتوه ليلا فقتلوه، وقتلوا بعض من معه، وحصل لهم بذلك غرض كبير) (٣) وكان آخر كثير الشفقة على العامة والمحاربة عليهم، فأداه ذلك لمحاربة الملوك ومعاداتهم، وإذايتهم والتجاسر

стр. 65

عليهم، وربما دخل في خلع بعضهم وهو يرى ذلك كله دينا قيما، وربما آذى من خالفه في ذلك من جنسه، وهو في ذلك يعتقد أنه على صراط مستقيم، فكان ذلك سبب الفساد والهلاك، فندم عليه وصار يطلب التنصل فلم يجد مساغا، وكان ذلك سبب حتفه بوجه، والله أعلم بحقيقته، أعاذنا الله من حب الرئاسة، ورزقنا العافية في جميع الأمور بمنه وكرمه (١). ثم حسب الفقير في هذه الأزمنة من المصالح العامة لقمة يأكلها، أو يسد بها خلة محتاج على قدر إمكانه، فإن مد يده لأكثر من ذلك أخذا أو عطاء فقد أهلك نفسه، ومسألة يفيدها إن عالما، أو يستفيدها إن كان جاهلا، وظن السلامة في ذلك، وشفاعة (٢)، في حميم حيث يقبل في ذلك ويكون مبتلى به، وإلا كان متكلفا، فإن الزمان فاسد، والناس لا يريحون ولا يتركون من يرح، ويرحم الله القائل: لقاء الناس ليس يفيد شيئا ... سوى الهذيان من قيل وقال فاقلل من لقاء الناس إلا ... لأخذ علم أو إصلاح حال وقد قال رسول الله (ص): "إذا رأيت شحا مطاعا، وهوى متبعا، وإعجاب كل ذي رأي برأيه، فعليك بخويصة نفسك" (٣)، وقال (ص):

стр. 66

"تجدون من خير الناس مؤمن بشعب يعبد ربه ويدع الناس من شره" (١)، وقال الفضيل بن عياض (ض) (٢): هذا زمان احفظ فيه لسانك واخف مكانك، وعالج قلبك، وخذ ما تعرف، ودع ما تنكر انتهى، وهو حكم الوقت، وعين المطلوب فيه، وبالله التوفيق. القسم الثالث: قوم تبرؤوا من جماعات المتوسعين، وآثرو التجرد للعبادة وطلب الصدق في طريق الإرادة، فوقعوا في مهاوي البدع من طريق التشديد ومتابعة الهوى بترك السماح والسهولة، فدخلوا في قوله (ص): "لتتبعن سنن من قبلكم شبرا بشبر وذراعا بذراع، حتى لو دخلوا في جحر ضب لدخلتم من ورائهم، قيل: يا رسول الله، اليهود والنصارى؟ قال: فمن" (٣) أخرجه البخاري وغيره، وقال ابن العربي (٤): أشار (ص) بجحر الضب، لأن اتباعهم إياهم وقع من قبل التضييق فهو شر في الدنيا والآخرة، نسأل الله تعالى السلامة بمنه وكرمه، ثم هذا القسم منهم من يقتصر على نفسه ومنهم من يدعو إلى مثل حاله، وأعظمهم في ذلك طائفة ادعت المشيحة والتربية، وأن ما هي عليه هو الموصل للحق لا وراءه، وربما أسندوه لبعض أهل الصدق والولاية، وأخذوه بالعموم، وكان هو يعمل به في الخصوص، فكانت البدعة بتعميمهم الأمر دونه، كما سنذكره إن شاء الله تعالى. ...

стр. 67

١٤ - فصل في ذكر أول من ظهر بطريقهم وحاله في نفسه ووجه الدخول عليهم في ذلك . اعلم أن هذا الشيخ الذي استندت إليه هذه الطائفة، ظهر في التربية بأمور مستغربة، عامل فيها خصوصا من المريدين، أو كل مريد، لما رأى فيها من المصلحة لهم، وكونه لائقا بهم في مدة تربيتهم، كفهمهم عن علم الرسوم بعد تحصيل الواجب جمعا للهمة، وأخذهم بالقوة في تجريد الحقيقة لكلمة الشهادة، إفرادا للوجه، ومعاقبتهم بالصوم على وجود الكسل عن الورد، ردعا للقوة إذا كان ذلك لائقا بهم، واستئذانهم بالتسبيح استطرادا لحالة الجمع في تلك المدة، وإجرائهم على خلاف العادة طلبا للانتقال مع نظره في كل مريد بما يليق بحاله، ومعاملته بما هو واجب في وقته، وإشغال كلهم فيما هو واجب أو مندوب من سببه، هذا هو الظن به، لما يذكر من فضله وحقيقته رحمة الله عليه. فلما قبضه الله إليه اختلف أصحابه في الفهم عنه اختلافا متباينا، فأما ولي عهده والمقدم لتقديمه لمحله فظهر منه تغيير كثير مما كان عليه الشيخ اعتبارا بالحال، وهو فقدان شرط جواز ما كان الشيخ يعامل به المريدين من الطريقة، من انجماع حقائقهم في الطريق، وضعفه عما كان الشيخ عليه من التحقق والتحقيق، فأنكر عليه بعض أصحاب الشيخ ذلك، وزعموا أنه خارج عن طريق الشيخ فيما هنالك، وذلك منهم توهم وحسبان لا أصل له كما توهم ذلك بعض الفقهاء من أهل الدين، فكان يحلف ولا يستثني أنه مخالف لطريقه شيخه، وليس الأمر كذلك، بل كما قررناه من فقدان الشرط، فانتقل الحكم لما لا يليق بالوقت والحال، وهو أصل طريقة الشيخ، والأمور معتبرة بأصولها، وإن خالفت صورها، فهو إذا تابع لشيخه في الحقيقة وإن خالفه في الصورة. ثم مستندنا في حسن الظن به في ذلك فراسة الشيخ فيه حتى قدمه،

стр. 68

فإن قالوا: أخطأت فقد تنقصوا الشيخ، وإن قالوا: تغير كان ردا عليهم في استكمال همة الشيخ أبدا، وهو عمدتهم، فكلامهم فيه باطل، فأما غيره من أصحاب الشيخ فوقفوا مع ظاهر الصورة، ورأوا ذلك حكما عاما، فدعوا إليه عوام الخلق، وتنافسوا فيه تنافسا خارجا عن الحق، حتى انجر بهم الحال أن يرسلوا أصحابهم في البلاد ويسمونهم بالإرشاد، ويكرمون أكثرهم اتباعا، ويعظمون أوفاهم استتباعا (١)، فصار شياع الأصحاب يتحاملون بذلك على وجود الكذب في الأخبار عن الكرامات، ويثيروه، لأن الشيخ ممن يقوم على ما تتعلق به الأغراض من علم الكيمياء والحروف، وأنه صاحب تصريف متكن، وانتهى بهم ذلك إلى حد الحرص على قبول كل أحد حتى قطاع الطريق، مع إقرارهم على ما هم عليه، فلقد حدثني بعض من أصدقهم أن رجلا من عربان طرابلس دخل على شيخ من شيوخهم، فقال له: خذ العهد، فقال: يا سيدي ما أنا إلا قطعي حرامي، فقال له: خذ العهد تعن على ما أنت عليه، ففعل، وكان ذلك له زيادة في شره، وهذه فضيحة له في الآخرة وضحكة في الدنيا عند من له عقل، على التابع والمتبوع والمستتع. وأخبرني رجل ممن أعرف ثقته أنه طلبوه بالأخذ عليهم فأبى، فاجتمعوا عليه وصرعوه في الأرض ووضعوا أيديهم في يده وقالوا: أخذت علينا، مع أنه رجل ضعيف العارضة ليس فيه ما يصلح لطريقهم ولا غيرها، فتحير المسكين من قولهم: أخذت علينا، واستعظم طريقهم وجاء مستجيرا، فقلت له: لا حق لهم عليك، فالزم تقوى الله وتلاوة القرآن العظيم ودع ما سوى ذلك، وحدثني آخر أنهم بذلوا له ستة دنانير في الأخذ عليهم فأبى وتحير في أمرهم وما رده عن ذلك إلا ما رآه من شدة، وإلا فهو جاهل مسكين، فإن قالوا: إنما قصدنا بما نفعله من ذلك هداية الخلق وإرشادهم للطريق بما أمكن، فنحتال عليه بما ذكر، ولعله أن يستحيي فيثبت، أو يخاف فيزدجر، لقوله (ص): "لأن يهدي الله بك رجلا خير لك مما طلعت

стр. 69

عليه الشمس" (١) قلنا: لا هداية مع بدعة، ولا حقيقة مع التقرير على معصية، لأن ذلك معصية والمعصية كلها ظلمة فهي لا تهدي إلى نور أبدا. ثم الدعوى إلى الله تكون أولا بالوعظ والتذكير، وثانيا بالتقوى، وثالثا بالاستقامة ومجاهده النفس، ومخالفة الهوى، ومجانبة الدنيا وترك الخلائق، وأنتم لا تأتون بشيء من هذا، بل تفطمون المريد عن العلم، ولا تعرجون له على تقوى، ولا تدلونه على مخالفة الهوى، ولا تصرفونه عن غيبة، ولا أكل حرام، ولا تزهدونه في شيء من هذا الحطام (٢) بل ترغبونه في ذلك بأفعالكم، إذ تسبون من لا يتبعكم، وتلعنون من ينكر عليكم، ولا تتوقفون فيما تقدرون عليه من أسباب الدنيا، بل تأخذونه بأي وجه أمكن، من غير مبالات بحق ولا حكم، ولا تتعرفون شيئا مما أوجب الله عليكم في ظاهركم ولا باطنكم، فالواحد منكم لا يعرف حكم الله في وضوئه وصلاته، ولا يطلب أمر الله في تقلباته وحركاته، بل الطريق عندكم أن تعلموا ما ترونه من الأمور، وتسمونه بصورة الطريق، ليمتاز بذلك، وينحاش إليكم عن كل جمع وفريق، ولا إرب لكم في هدايته، ولا عمل لكم على إزالة غوايته، بل إن كان ممن يرى أنه فقيه انسلخ مما كان فيه، وعاد إلى الجهل لفقدان علمه بالحق، مع ترويجكم عليه بعكاز التسليم، وإن كانت له فطنة

стр. 70

بقي عليل القلب سقيما، لا هو استفاد منكم العمل بما علم، ولا هو علم بما لم يعلم، بل صار أسير الفاس والمسحاة، حليف الجهل والضلال والعياذ بالله، يرحم الله من قال من المشايخ: ذهب الإيمان من أربعة: لا يعملون بما يعلمون، ويعملون بما لا يعلمون، ولا يتعلمون ما لا يعلمون، ويمنعون الناس من التعليم، انتهى من رسالة القشيري وهو عين الحال، والله أعلم. ـ[فائدة]ـ: ذكرت لشيخنا أبي العباس الحضرمي (١) (ض) قول سيدي محمد الهواري (٢) ﵀: لم يبق شيخ بمغربنا، فقال: ارتفعت التربية بالاصطلاح في سنة أربع وعشرين (٣) من جميع الأرض، ولم يبق إلا الإفادة بالهمة والحال، فعليكم باتباع السنة والكتاب من غير زيادة ولا نقصان، يعني على طريق الجادة المتعارفة، فإنها العصمة الواقية من كل ضلال وشبهة، قلت: وعلمه بذلك مستند إلى التحقيق في وجود الدلائل والعلامات، كما يقوله الفقهاء في ارتفاع الاجتهاد، والله أعلم. وإنما كان ذلك لأن الاصطلاح إنما يفيد في مثله دفعا وجلبا، بحيث كانت الحركات النفسانية اصطلاحية، حيث نفعت فيها الأمور الاصطلاحية، فلما سرت الظلمات في الحقائق لم تفد فيها غير الحقائق، فكان النفع في الهمم كما كان في أول الأمر، حيث تمكنت ظلمة الكفر والجهل من النفوس، فلم يعد إلا طلوع شمس النبوة بعموم الدعوة ونور الهداية، فمن يهديه من بعد الله، فافهم. ثم لقد تتبعت بفكري الطرق الاصطلاحية الموجودة بأيدي الناس الآن، فلم أجد عند أهلها نفحة من فتح ولا نور، ولا حقيقة ولا علم ولا

стр. 71

ذوق، ولا فهم خارج عن القياس الأول، إلا لذة نفسانية، غالبها من استشعار الرئاسة، والالتذاذ بالامتياز، والاختصاص بالنسبة ونحوها، هذا ما وجدت في صادقهم، فأما غيره فلم أر منه إلا لعبا ولهوا، وفخرا وكبرا (١) وتعصبا وخروجا عن الإضمار بكل وجه، وكل من تأمل ذلك وجده عند مخالطتهم والنظر في أحوالهم، وبالله التوفيق. ... ١٥ - فصل في ذكر ما بنوا عليه طريقهم (تفصيلا وما اعتقدوه فيها ردا وقبولا) (٢). وهو ثلاثة أمور: أحدها: مخالفة النفس بكل وجه أمكن، وغلطوا من حيث التعميم، وظنهم ابتناء الأمر على مخالفتها مطلقا، وليس الأمر كما زعموا، بل مخالفتها مقصود لموافقة الحق، فإذا كان في موافقتها وهو مقصود كان مخالفة لها في عين التلبس به، لأنا لو قدرنا خلوه عن هواها لآثرناه، ولو قدرنا انفراده بهواها لتركناه، فكان هو المقصود، لا هي، ولذلك قال عمر بن عبد العزيز (ض): "إذا وافق الحق الهوى فذلك الشهد بالزبد"، وقد قال تعالى: ﴿ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾ (٣) فأشعر أن الهدى هو المقصود، فافهم. الثاني: التجرد عن المعتادات بدلا من الأنس بها، وقد انجر بهم ذلك حتى دخلوا به في باب الفضائل، والمطلوب من السنن المتعلقة بالفرض وغيرها، فتركوا ما ألف منها، وآثروا ما لم يؤلف وإن كان مخالفا لها، وربما جنحوا، لأن الأجر على قدر المشقة، وليس كذلك، بل الأجر على

стр. 72

قدر الاتباع، ولو كان على قدر المشقة لكان الإيمان والمعرفة والذكر أخفض رتبة من غيرها، وليس كذلك إجماعا، وقول (ص): "أجرك على قدر تعبك" (١) خاص في خاص لخاص، فلا يكون دليلا ولا حجة فافهم. الثالث: إفراد الوجه ظاهرا وباطنا، فلذلك التزموا قانونا واحدا في جميع أحوالهم الشرعية والعادية، حتى قيدوا ما كان مطلقا مثل القراءة في الصلوات، وأطلقوا ما كان مقيدا مثل أذكار ما بعد الصلاة، فكان ذلك منهم ابتداعا بالتعميم وتغيير الحكم، وإن جاز فعل ذلك في وجه ما، لعلة التداوي ونحوه، فمع اتباع الحكم الأصلي، ومراعاته في العموم، فضيلة كان أو غيره، فافهم. ولقد تحدثت مع بعض مقدمي هذه الطائفة، فقال لي كالمعتذر: لا يقبل أحد في هذه الأزمنة لعقة من عسل السنة إلا مع صبر البدعة، فأنصف، وقال شيخنا أبو العباس الخضرمي (ض): لو طفتم من أقصى بلاد المشرق إلى أقصى بلاد المغرب في طلب مريد مستقيم الإرادة ظاهرا وباطنا بكل وجه، ما وجدتموه، فكيف بالعارف الكامل، ثم قال: ما بقي إلا من حقيقته مخبطة أو مستورة بذلك، ثم لا ننكر وجودهم من حيث لا يعرفون، هذا معنى كلامه (ض) وهو ظاهر. ١٦ - فصل في بيان ما عرفناه من طريقهم جملة وتفصيلا . وهو أقسام ثلاثة: (١) جاء في الصحيح، قالت عائشة (ض): "يا رسول الله، يصدر الناس بنسكين، وأصدر بنسك؟ فقال لها: "انتظري، فإذا طهرت فاخرجي إلى التنعيم، فأهلي، ثم ائتينا بمكان كذا، ولكنها على قدر نفقتك، أو نصبك"، وقال الحافظ في الفتح: ووقع في رواية الإسماعيلي: "على قدر نصبك أو على قدر تعبك"، البخاري مع فتح الباري ٣٦٠/ ٤

стр. 73

قسم يجب الوفاء به لحسنه وتحريره، وقسم يحرم الوفاء به لقبحه وتغييره، وقسم يتوقف فيه لتراجعه واشتباهه، فأما الأول فمداره على عشرة أمور: أولها: إدمان الوضوء لأنه ينور القلب، وينور الوجه، ويحبب الملائكة، ويوسع الرزق والخلق، ويكون عده من البلاء، وسببا في حضور القلب في الصلاة، إذ الحضور فيها بقدر الحضور فيه إلى غير ذلك. الثاني: الركوع كلما توضأ إلا أن السنة ركعتان والتحديد بأربع فيه ما فيه، وقد روى أن الله تعالى يقول: "من أحدث ولم يتوضأ فقد جفاني، ومن توضأ ولم يصل فقد جفاني، ومن توضأ وصلى ولم يدع فقد جفاني، ومن توضأ وصلى ودعاني ولم أستجب له فقد جفوته، ولست برب جاف" (١) الحديث. الثالث: صلاة الجماعة والمواظبة عليها، لأنها العصمة من كل سوء، وقد قال رسول الله (ص): "صلاة الجمع تفضل صلاة الرجل في داره وفي سوقه بخمس وعشرين جزءا" (٢) وقال: (ص) "من صلى الصبح قي جماعة لم يزل في ذمة الله حتى يمسي (٣) فلا يطلبنكم الله من ذمته بشيء" (٤) الحديث.

стр. 74

الرابع: ملازمة الأوراد من الرواتب وصلاة الليل من غير تقصير ولا فترة، وذلك من شأن الصالحين والأئمة المهتدين والعلماء العاملين، ولا يخفى ما له من المزية والفضل. الخامس: الذكر بالغداة والعشي وآخر الليل، إلا بوجه مفيد، لقوله (ص): "واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة" (١) الحديث. السادس: مبادرة النوم بعد العشاء بلا مهلة، للنهي عن الحديث لغير شغل بعدها، ولأنه عون على قيام الليل، والله أعلم. السابع: توفير ما تحت اللحية وعدم حلقه لأن السنة فيه ذلك، ما لم يعتقد تحريم حلقه، فيكون هذا الاعتقاد إبتداعا كعكسه، فافهم. الثامن: الصوم في السفر المبيح، لأن المشهور ندبه، لقوله تعالى: ﴿وأن تصوموا خير لكم﴾ (٢)، ولأنه عند الترك غير معوض بعبادة، بخلاف القصر، وسيأتي إن شاء الله. التاسع: عملهم على الجد دون هزل ولا شبهة، إذ لا يقولون بالسماع ولا غيره من ترهات الباطلين، وإن كانت لهم بطالة وجهالة تخصهم. العاشر: إيثارهم العافية والأسباب والخدمة والاحترام من حيث أن ذلك محمود في الجملة، وإن كان في صور ما يتعاملون به لذلك مغمز، فالأصل معتبر، وأصل أصولهم إنما هو الذكر والأدب من غير زائد، وإنما اختلطوا في صورته حسبما يذكر بعد إن شاء الله تعالى، وبالله التوفيق.

стр. 75

وأما القسم الثاني فمداره على عشرة أشياء: أولا: هجران العلم وأهله ومعاداته ومعادات أهله، وهم مختلفون في إثبات ذلك ونفيه. الثاني: هجران تلاوة القرآن باشتراط عدمها، وعدم غيرها من الورد سوى كلمة الشهادة، وهو شيء معلوم من طريقتهم، وإن خالفه بعضهم. الثالث: اعتماد بطلان كل طريقة سوى طريقتهم، أو نقص كل ما خالفها من طرق غيرهم من المشايخ. الرابع: تبديل ما ورد شرعا من الأذكار في الأوقات المطلوبة فيها الذكر بغيرها، والتقييد بذكر واحد، ودعاء واحد، لا يزاد عليه ولا يعدل عنه. الخامس: إسقاط ما ترتب من الفوائت، وإلزام الصوم لفوات الورد، ونحو ذلك. السادس: إيقاف القراءة في الصلاة على ما يختارونه، دون تعد لغيره ولا انتقال عنه، وجعل حكم القيام لها كغيره من خدمة وغيرها. السابع: الاستئذان في الضروريات والحاجيات، وكونه بالتسبيح في العاديات. الثامن: طلبهم مصافحتهم وكونها بالحزام، وصلاتهم به، ووضع الجبهة على يد الشيخ عند المصافحة مع كونها بأطراف الأصابع، ونحوه. التاسع: تأخير العشاء إلى بعد العشاء، ونحو ذلك من أسباب الحرج والخروج عن الحد في التشديد. العاشر: المبالغة في أخذ العهد إلى حد يصير المأخوذ عليه لا مال له ولا روح، مع ما ينضاف لذلك من معادات المخالف لهم والمنكر عليهم، وسبه ولعنه واستباحة غيبته بسبب إنكاره، وهذا من أعظم العظائم وأكبر النوائب والمصائب، نسأل الله العافية. ***
следующие страницы →