← Ракаик, адаб, азкар

Ракаик, адаб, азкар · id 123663

عدة المريد الصادق

زروق

Полный текст (312 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

عدة المريد الصادق تأليف الشيخ أحمد زروق تحقيق الصادق بن عبد الرحمن الغرياني دار ابن حزم

стр. 2

عدة المريد الصادق تأليف الشيخ أحمد زروق تحقيق الصادق بن عبد الرحمن الغرياني دار ابن حزم

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ حقوق الطبع محفوظة الطبعة الأولى ١٤٢٧هـ - ٢٠٠٦م الكتب والدراسات التي تصدرها الدار تعبر عن آراء واجتهادات أصحابها

стр. 4

مقدمة الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، ومن نصر سنته واهتدى بهداه. وبعد: فإني أقدم كتاب (عدة المريد الصادق) لمؤلفه الشيخ أحمد زروق، دفين مصراتة بليبيا، ولهذا الكتاب أهمية جعلتني أعتني به على الرغم من زحمة العمل، وتكمن هذه الأهمية في أمرين: الأمر الأول: رجاء النفع به، لما يتميز به هذا الكتاب من ملوك منهج القصد والإنصاف والوسطية بين الإفراط والتفريط، وهو المنهج الذي مدح به القرآن الكريم هذه الأمة، وقل في زماننا هذا أهله، فلا تجد في الغالب إلا مفرطا أو مفرطا. الأمر الثاني: إن المؤلف الذي جرد كتابه هذا لبيان عيوب الطرق ومحدثاتها، هو نفسه شيخ من شيوخ التصوف القائم على السنة والشريعة حين يذكر أهل التصوف، وفقيه عالم آراءه فتاوى يرجع إليها حين يذكر العلماء، ولذا تراه يشخص العلل والأدواء تشخيص المجرب الحاذق، إذ هو "شاهد من أهلها"، ويصف الدواء وينتقد انتقاد العالم الفقيه، الذي يصدر عن علم واسع، وفقه بالشريعة، ومعرفة بالسنة، مع حرص على الهداية، وصدق في النصيحة، بعبارة مشرقة، وألفاظ سهلة محررة، تستهوي القارئ، وتأخذ بنفسه، فتسوقه معها سوقا، حتى لا يدري إلا وقد قرأ الكتاب كله،

стр. 5

وذلك راجع عندي لشخصية المؤلف التي امتزج فيها إخلاص التصوف مع العلم بالشرع. هذا بالإضافة إلى أن هذا الكتاب يعد أشمل كتب الشيخ زروق التي تمثل منهجه، وآراءه في التصوف. وقد اشتمل هذا العمل على قسمين: ١ - تمهيد في التعريف بالمؤلف والكتاب، اجتهدت ألا يكون فيه إسهاب ولا إخلال. ٢ - تحقيق النص وتصحيحه بقدر الطاقة والإمكان، رحم الله المؤلف رحمة واسعة، ونفع الله تعالى بعلمه، ورزقنا حسن البدء والختام، إنه منعم كريم، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

стр. 6

القسم الأول - تمهيد في التعريف بالمؤلف والكتاب أولا - التعريف بالمؤلف (١) نسبه: هو شهاب الدين أبو العباس أحمد بن أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي الفاسي، اشتهر بزروق، و (برنسي) نسبة إلى عرب بالمغرب كما جاء عن رفيق المؤلف ابن غازي في نيل الابتهاج، وقال الحجوي في الفكر السامي: البرانس قبيلة بربرية قرب فاس، و (زروق) لقب أتاه من جهة جده لأمه الذي كان أزرق العينين (٢). مولده ونشأته: ولد المؤلف يوم الخمبس في الثاني والعشرين من محرم عام ٨٤٦ من الهجرة، وتوفيت أمه ثالث أيام ولادته، ولحقها أبوه قبل السابع، فعاش الولد يتيما في كفالة جدته أم أبيه، وذلك بعهد من أبيه، وجدته تكنى أم

стр. 7

البنين، واسمها فاطمة، وكانت امرأة فقيهة صالحة، ربت حفيدها منذ نعومة أظفاره على الإيمان والاستقامة وطاعة الله ، يقول المؤلف عن دور هذه الجدة في تنشئته النشأة الصالحة: "وعلمتني الصلاة وأمرتني بها وأنا ابن خمس سنين، فكنت أصلي إذ ذاك، وأدخلتني الكتاب في هذه السن، فكانت تعلمني التوحيد والتوكل والإيمان والديانة بطريق عجيب، وذلك أنها كانت في بعض الأيام تهيئ لي طعاما، فإذا جئت من الكتاب للفطور، تقول: ما عندي شيء، ولكن الرزق في خزائن مولانا ، اجلس نطلب الله، فتمد يديها، وأمد يدي إلى السماء داعين ساعة، نم تقول: انظر لعل الله جعل في أركان البيت شيئا ... ، فنقوم نفتش أنا وهي، فإذا عثرت على ذلك يعظم فرحي به، وبالله الذي فتح به، فتقول: تعال نشكر الله قبل أن نأكله، لأجل أن يزيدنا مولانا، فنمد أيدينا ونأخذ في الحمد والشكر ساعة، ثم نتناوله، ونفعل ذلك المرة بعد المرة، حتى عقلت" (١). وكانت تحدثه بدل الخرافات التي اعتاد العجائز أن يسلوا بها الصغار بمعجزات رسول الله (ص) وسيرته المباركة، وغزواته، وسيرة السلف الصالح، وكراماتهم، لتكون قدوة له ومثلا في بلوغ مراتبهم، والتأسي بسيرتهم، وكانت كثيرا ما تردد عليه قولتها: لا بد من تعلم القراءة للدين، والصناعة للمعاش، فتربى زروق بذلك على الجد والمثابرة، وحفظ القرآن في سن العاشرة، وهو الوقت الذي توفيت فيه جدته، فتوجه لتعلم صنعة الخرازة، وتكسب منها زمنا، ثم تركها. طلبه للعلم: وفي سن السادسة عشر تحول إلى طلب العلم، وكانت جامعة القرويين حينئذ منارة العلوم الإسلامية بفاس - بلد المؤلف- تعج بكبار العلماء والشيوخ، فدرس بها المؤلف بعض أمهات كتب الفقه المالكي، وعلوم القرآن

стр. 8

والحديث والتوحيد والتصوف والعربية، وذكر من الكتب التي قرأها في هذه المرحلة على وجه الخصوص (الرسالة)، قال: قرأتها على الشيخين علي السطي، وعبد الله الفخار قراءة بحث وتحقيق، وقرأ على جماعة علم القراءة بحرف نافع، منهم الشيخ محمد بن القاسم القوري، والشيخ عبد الله التجيبي الملقب بالأستاذ الصغير، كما قرأ على القوري البخاري، وسمع منه كثيرا، وتفقه عليه في قراءة كتاب أحكام عبد الحق، وجامع الترمذي، وقرأ في التصوف والتوحيد؛ (الرسالة القشيرية) و (عقائد الطوسي) على الشيخ عبد الرحمان المجدولي و (التنوير) على الشيخ القوري (١). رحلته إلى المشرق: في عام ٨٧٥ هجرية توجه الشيخ زروق إلى الحج، وفي الطريق مر بمصر، وأقام بها عند عودته عاما تتلمذ خلاله على عدد من أعلام الشيوخ في الحديث والفقه والتصوف، مثل الحافظ السخاوي، ونور الدين السنهوري، وأبو العباس الحضرمي. ومن الكتب التي قرأها في الحديث والفقه: ١ - الأحكام الصغرى لعبد الحق. ٢ - كتب ابن أبي جمرة. ٣ - صحيح البخاري. ٤ - المدخل لابن الحاج. وقرأ في التصوف: ١ - إحياء علوم الدين. ٢ - الرسالة القشيرية. ٣ - كتب ابن عطاء الله السكندري، وهي:

стр. 9

أ - الحكم. ب - التنوير. ج - لطائف المنن. د - تاج العروس. هـ - مفتاح الفلاح. ٤ - عوارف المعارف للسهروردي. ٥ - مؤلفات المحاسبي. ٦ - قوت القلوب لأبي طالب المكي. وفي عام ٨٧٧ رجع الشيخ زروق من مصر متجها إلى المغرب، فأقام ببجاية في الجزائر، وكانت له فيها مكاتبات واتصال مع شيوخه المشارقة، ثم رجع في عام ٨٨٠ إلى وطنه بفاس، وحدثت له جفوة مع شيوخها (١)، فغادرها بعد أربع سنوات، ورجع إلى بجاية التي لم يستقر فيها طويلا هذه المرة، إذ سرعان ما غادرها إلى مصر، وفي مصر جدد الصلة بشيوخه القدامى، ومنهم الحافظ السخاوي، الذي حصل منه على إجازة، وأبو العباس الحضرمي، الذي وثق صلته به، واستفاد منه وتأثر به كثيرا في التصوف المبني على الشريعة، وفي هذا الوقت صار للشيخ زروق شأن كبير في العلم، وقدم راسخة في التربية والسلوك، فالتف حوله طلبة العلم والمريدون، وآن له أن يبحث عن دار إقامة ينتفع به فيها الناس، ويتمكن فيها من أداء رسالته العلمية والتربوية على أفضل وجه، بعد أن نبذه قومه أهل فاس، فكانت مصراته الواقعة إلى شرق طرابلس أسعد البلاد به. نزوله بمصراته: نزل الشيخ زروق مصراته عام ٨٨٦ هجرية، وطاب له المقام فيها،

стр. 10

ولقي من أهلها كل تقدير وترحيب، وتزوج بها زوجته أمة الجليل بنت أحمد بن زكريا الغلباوي، وقد تزوج الشيخ في حياته خمس مرات كما ذكر في (الكناش) واجتمع حوله الناس للاستفادة من دروسه ونصائحه وتوجيهاته، وأحاطوه بالرعاية والعناية. وفي عام ٨٩٤ توجه إلى الحج، ومر بالقاهرة حيث ألقى بعض الدروس بجامع الأزهر، ثم رجع بعد أداء فريضة الحج إلى مصراته، وقضى بها السنوات الأربع الباقية من عمره، وتوفي رحمه الله تعالى رحمة واسعة في الثامن عشر من صفر عام ٨٩٩ هجرية. شيوخه (١): تتلمذ الشيخ زروق على عدد من الأعلام المشهورين في فنون مختلفة من العلم، ذكرهم في (كناشه)، ومن أهمهم: ١ - أبو عبد الله محمد بن قاسم القوري، (ت: ٨٧٢). ٢ - عبد الله التجيبي الملقب بالأستاذ الصغير، (ت: ٨٨٧). ٣ - عبد الرحمن الثعالبي، (ت: ٨٧٢). ٤ - أبو عبد الله محمد بن أبي القاسم المشذالي، (ت: ٨٦٦). ٥ - أحمد بن سيد الحباك المكناسي (٢)، (ت: ٨٧٠). ٦ - محمد بن قاسم الرصاع، (ت: ٨٩٤). ٧ - أم هانئ العبدوسية، (ت: ٨٦٠). ٨ - محمد الزيتوني.

стр. 11

٩ - شمس الدين محمد بن عبد الرحمان السخاوي، (ت: ٩٠٢). ١٠ - أحمد بن عبد الرحمن بن موسى اليزليتني المعروف بحلولو، (ت: ٨٩٨). ١١ - نور الدين السنهوري، (ت: ٨٨٩). ١٢ - أحمد بن عقبة الحضرمي، أبو العباس (ت: ٨٩٥). وغيرهم كثيرون. وتتلمذ عنه جماعة من الأعلام، منهم الشيخ الحطاب محمد بن محمد صاحب مواهب الجليل والشرح على الورقات، والخروبي الصغير، والشمس اللقاني، والناصر اللقاني، والشعراني، وآخرون. مؤلفاته (١): كتب الشيخ زروق متنوعة، في الفقه والحديث وعلم الكلام والتصوف والحساب والتطبب، لكن أهمها كتبه في الفقه والتصوف، مع رجحان عدد كتب التصوف على كتبه في الفقه. ويعد كتابنا هذا (عدة المريد الصادق)، وكتاب (قواعد التصوف) من أهم كتب الشيخ زروق في التصوف، كما يعد كتابه شرح رسالة ابن أبي زيد القيرواني من أهم مؤلفاته في الفقه. ويلاحظ أن عددا كبيرا من كتبه مكرر تحت عناوين مختلفة، والمحتوى واحد، أو مع اختلاف طفيف، بالتقديم أو التأخير أو الاختصار، وذلك كما في هذا الكتاب (عدة المريد الصادق)، وكتابه (النصح الأنفع والجنة للمعتصم من البدع بالسنة)، وكتاب (البيع)، و (البدع والحوادث)،

стр. 12

(والجامع لجمل من الفوائد والمنافع)، فهذه خمسة عناوين هي في الواقع أسماء متعددة لكتاب واحد، ولا يكاد يوجد بينها اختلاف، وكما في (قواعد التصوف) و (تأسيس القواعد)، فهما عنوانان في قائمة كتبه، ومضمونهما واحد، وربما اختصر المؤلف الكتاب في بعض رسائله الصغيرة، فكون هذا الاختصار عددا آخر من كتبه، كما في رسالته في الرد على أهل البدع، تشتمل على عشر ورقات هي خلاصة لما قاله في (عدة المريد الصادق). وأغلب كتب المؤلف في التصوف هي شروح على كتب مؤلفين آخرين أو رسائل صغيرة، وله أربعة وعشرون شرحا على حكم ابن عطاء الله السكندري، كما جاء في نيل الابتهاج وغيره. ومن كتبه في الحديث والفقه: تعليق على صحيح البخاري، وحاشية على صحيح مسلم، وجزء في علم الحديث، ورسالة في تحديد مصطلح الحديث، وشرحان على رسالة ابن أبي زيد، كبير وصغير، أحدهما مطبوع، ومناسك الحج، وشرح قواعد عياض، وشرح القرطبية، وشرح الوغليسية، وشرح الإرشاد لابن عسكر، وشرح على مواضع من مختصر خليل، وله غير ذلك من التآليف المفيدة، قال الكتاني في فهرس الفهارس (١) عن مصنفاته: "وكلامه في تصانيفه كلها كلام من حرر وضبط العلم، وعرف مقاصده، ومدار التشريع، بحيث يعتبر قلمه وعلمه وملكته قليلي النظير في المغاربة". ويقول عنه الحجوي في الفكر السامي (٢): "كان من الطبقة العالية من المؤلفين، ذابا عن السنة، قوالا للحق، وهو آخر المحققين الجامعين بين الفقه والتصوف، المحتج به عند الطائفتين".

стр. 13

ثانيا - الكتاب موضوع الكتاب: ألف الشيخ زروق كتابه (عدة المريد الصادق) لرد البدع التي أحدثها أصحاب الطرق، ونسبوها إلى الدين، فأفسدوا بها التصوف الإسلامي الصحيح، القائم على الكتاب والسنة، الذي هو مقام الإحسان، الوارد في حديث جبريل ﵇ (١). فقد أحدث كثير من أصحاب الطرق والمدعين للتصوف خرافات، واعتقدوا عبادات لم يشرعها الله ، جهلا منهم بالشريعة، وحبا للرئاسة، والتعزز بالطريقة - على حد تعبير المؤلف - وهؤلاء أساؤوا إلى التصوف الصحيح وأهله، حتى صارت كلمة تصوف مكروهة عند الناس، وكأنها لا تعني سوى الخرافات والاعتقاد الباطل، مع أن أصل مدلولها عند أصحابها الصفاء والنقاء، وبذل النفس في مرضاة الله والدار الآخرة,، وهو أمر لا يختلف في كونه غاية كل مسلم. اشتمل الكتاب على مقدمة ومائة فصل في بعض نسخه، وعلى أزيد من ذلك في نسخ أخرى، وهو من أهم كتب الشيخ زروق، إذ يعكس شخصية زروق الفقيه والصوفي في آن واحد، ويتضمن معظم آرائه. وموضوعه البدع والمحدثات التي أدخلها أصحاب الطرق على التصوف،

стр. 14

وعرضها على ميزان الشرع، وبيان الباطل منها، كما يتضمن الكتاب القواعد والضوابط والآداب التي يجب أن يتحلى بها المربي والسالك، مع كثير من الفوائد الفقهية والتربوية المنبثة في تضاعيف الكتاب، بأسلوب واضح وعبارة محررة. طريقة المؤلف في الانتقاد: يتميز الشيخ زروق في انتقاده للمدعين من أصحاب الطرق بما يلي: ١ - هو صاحب رسالة، لا يتحامل ولا يعنف، ينتقد ليبني ويقوم المعوج، ويرشد الضال، لا ينتقد ليهدم ويشنع، فنقده إصلاحي هادف، الحرص على الهداية غايته، وتبصير الغافلين مقصده، ومن أجل هذا افتتح كتابه بإعلان غاية في الأهمية، يترجم عن قصد النفع والإصلاح، وأوصى أن يوضع هذا الإعلان على صدر كل نسخة تنسخ من كتابه، قال فيه: "إنه لم يقصد الطعن على الناس، ولا إظهار عيوبهم، وإنما قصد التحذير من الوقوع فيما وقع التحذير منه، ليكون الكتاب عدة وإعانة لمن يريد الحق، ومن قصده لغير ذلك، فالله حسيبه، ومتولي الانتقام منه" (١) ولذا فإن المؤلف يلوم من طرف خفي ابن الجوزي على خشونته في نقد المتصوفة، حيث قال: وقد حذر بعض الناصحين من تلبيس ابن الجوزي، مع أنه في موضع آخر يعذره، بأن خشونة لفظه لحسم الذريعة والمبالغة في الإنكار (٢). ٢ - آراءه متزنة، وانتقاده في الغالب مزيج بين زروق الفقيه وزروق الصوفي، وهو وإن كان أحد الجانبين يطغى أحيانا فإنه سرعان ما يرجع إلى نهجه في تحكيم السنة وإليك أمثلة توضح منهجه:

стр. 15

أ - لنستمع إليه وهو يذكر حكم إهداء ثواب الأعمال إلى رسول الله (ص)، وحكم الإضافات التي أضافها الناس إلى صيغ الصلاة على رسول الله (ص)، قال: "ومنهم من يجعل ذلك (ثواب الأعمال) رسول الله (ص)، وهو من باب حسن النية والتقرب لجنابه الكريم، وليس الحق في ذلك إلا باتباع سنته، وإكرام قرابته، وكثرة الصلاة عليه (ص)، لأنه غني عن أعمالنا، وإني لأرى ذلك إساءة أدب معه، لمقابلته بما لا يصلح أن يكون صاحبه مقبولا، فكيف بالاعتدال بثوابه، لا سيما ما جرت به عادة المصريين في ذلك، فإنه يعظم علي كثيرا جدا". ومن ذلك: "تصنيف بعض الناس في الصلاة عليه (ص)، بكيفيات يعتمدها، ويأتي فيها بألفاظ مستغربة، وأنواع مستنخبة، تألفها نفوس العامة، (وهو أمر حسن من حيث صورته، واضح من حيث حقيقته، تألفه نفوس العوام) (١) وتتحرك به نفوس الغافلين للصلاة عليه (ص) في الملة، والأولى بأهل التوجه الاقتصار على الألفاظ الواردة عنه (ص)، فإن الخير كله في الاتباع، والفتح الكامل في التقيد بألفاظه (ص)، فلا تعدل بها شيئا ولو قلت، فقليلها كثير، ومعناها كبير" (٢). ب - هو مثلا حين ينقل رأي شيخه الصوفي أبي العباس الحضرمي في التبرك بزيارة الحي والميت، والانتفاع بها، يعقب ذلك بقوله: لكن ينبغي ألا يجعل ذلك عدة وعمدة، لئلا يضيع به نظام الحق والحقيقة، ثم ينقل عن ابن ليون (٣) قوله: من شأن الفقراء شد الرحال للزيارات، وقل من اشتغل يه فنفذ (٤).

стр. 16

ج - يذكر المؤلف رأي من يقول بالتشبه بالصالحين في اللباس، واستعمال المرقع منه، والسبحة والعكاز - تم يقول: كل تشبه لا يصحبه عمل فليس يتشبه، إنما هو تلبس، ولا يكون التشبه لجلب فائدة البتة، بل يكون لدفع الضرر في الأسفار، ولا تصوف إلا بفقه (١). وأحيانا يغلب عليه الجانب الصوفي، فيؤثر التسليم، كما في حكمه على أهل الشطحات، كابن عربي وابن الفارض، إذ ينقل المؤلف فيهم فتوى شيخه محمد بن القاسم القوري أنه اختلف فيهم من الكفر إلى القطبانية، قيل له: فما ترجح؟ قال: التسليم، ويوجه المؤلف ذلك، بأن تكفيرهم خطر من حيث إخراج مسلم بشبهة، لأنهم يقولون: إنهم تكلموا بخاص في خاص يعلم مرادهم، والغلط في إدخال ألف كافر بشبهة إسلام أولى من إخراج مسلم بشبهة. لكن المؤلف رحمه الله تعالى يحذر من مطالعة كتبهم، كحزب السلام لابن سبعين، ويقول: كل من أولع بها فالفلاح منه بعيد (٢) ولذا فإن عبارة السخاوي التي يقول فيها عن الشيخ زروق: (والغالب عليه التصوف، والميل فيما يقال إلى ابن العربي ونحوه - فيها نظر، كيف وهو يحذر من قراءة كتبه (٣). ٣ - يتحلى المؤلف في عرضه للمسائل ومخالفات المخالفين برحابة صدر، فلا يضيق ذرعا بالخلاف، بل يعرض آراء العلماء في المسألة، ويوجهها ولا يتعصب، فمثلا عندما ذكر المعيار الذي تعرف به البدعة من السنة، بين أن من المعايير ما هو مختلف فيه بين العلماء، فقد يكون العمل بدعة عند بعض العلماء، وليس بدعة عند آخرين، ومثل له بالدعاء والذكر والقراءة جهرا في جماعة، وقال: إن الشافعي لا يراه بدعة، لأن له مستندا في الشرع من حيث الجملة، فليس كل ما لم يعمل به السلف، عند الشافعي

стр. 17

بدعة، حيث لم يرد في السنة نهي عنه، لقول النبي (ص): "ما تركته لكم فهو عفو". وعند عرض المؤلف لاختلاف العلماء يختار منه ويرجح، وأحيانا يتوقف، فلا تجد له رأيا واضحا، كما في موقفه من دعاء الإمام دبر الصلوات وتأمين المأمومين، فإنه ذكره بقوله: قال بعضهم: هو بدعة مستحسنة، وقال بعضهم: بدعة مستهجنة وترك المسألة دون أن يبين ما يراه صوابا (١). أهم القضايا التي تناولها الكتاب: اشتمل الكتاب على مقدمة وأزيد من مائة فصل، عالج فيها أهم القضايا الآتية: ١ - البدع: هدف المؤلف من تأليف كتابه هو بيان البدع والمخالفات التي أدخلها أصحاب الطرق في الدين باسم التصوف، فموضوع البدعة وتطبيقاتها هو المحور الذي يقوم عليه الكتاب، ولذا كان عنوان الكتاب الموجود على بعض نسخه، هو: (الرد على أهل البدع)، بدل (عدة المريد الصادق)، عرف المؤلف البدعة وقسمها، ثم أجمل أسباب بلع الصوفية برجوعها إلى ثلاثة أمور: أ - نقص الإيمان، وفقد نوره الهادي إلى اتباع الرسول وعدم تعظيم حرمة الشارع. ب - الجهل بالشريعة، واعتقاد أنها خلاف الحقيقة، ويقول عن هذا الاتجاه: إنه من مبادئ الزندقة. ج - حب الرئاسة والظهور والتباهي بالمشيخة والأتباع، وذلك كله يضطر المقدمين فيهم إلى إحداث أمور غريبة تستميل القلوب.

стр. 18

٢ - مفهوم التصوف عند المؤلف: أصل التصوف عنده ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات الشرع، ورؤية العذر للخلائق، والمداومة على الأوراد، وترك الرخص والتأويلات، وذكر أن هذه هي الأصول، ومن ضيعها حرم الوصول، وقال: أكثر متصوفة الزمان على ذلك الحرمان إلا من عصم ربك، ولذا فهو يردد قولة الجنيد في أكثر من موضع في كتابه: "علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يسمع الحديث ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه"، لذا فلا يلتفت لما ذكره السخاوي في الضوء اللامع عن المؤلف بصيغة التمريض من قوله: "والغالب عليه ... الميل فيما يقال إلى ابن عربي ونحوه" (١) فقد حذر المؤلف نفسه في كتابه (مختصر النصيحة الكافية) من سلوك منهج ابن عربي وأحزابه في التصوف، وفيما يلي نص كلامه: "ومن ذلك ما وقع لبعض الصوفية من قولهم: أنا هو، وهو أنا مما يوهم الاتحاد والحلول وهذا لا يجوز لأحد أن يتبعهم فيه، ولا يجوز لأحد أن يسلمه لقائله حال سماعه، وإن ساغ له تأويله بعد وقوعه وانقراضه بما يوافق الحق مع إقامة رسم الشرع فيه، وإن صح له اعتقاد قائله مسلما ونحوه، فقد قتل الحلاج بإجماع أهل زمانه إلا أبا العباس بن سريج فإنه قال: لا أدري ما أقول، وأخرج بسببه جماعة من بلدانهم، ولم يكن قادحا فيهم ولا في مخرجهم، وقد وقع كثير من هذا النوع لابن الفارض وابن عربي والششتري وابن سبعين مع إمامتهم في العلم وظهورهم في الديانة، فليتق المؤمن ذلك كله، مشفقا على دينه، فارا من موارد الغلط، راجعا لأصول الاعتقاد، وقائما مع الحق بالكلام في القول لا في القائل، وقائلا في مثل ذلك عن أولئك القوم: ما كان من كلامهم موافقا للكتاب والسنة فإني أعتقده، وما لا، فأنا أكل علمه إلى أربابه، منزها قلبي عن اعتقاد ظاهره وإياهم كذلك، وقد نص على ذلك ولي الدين العراقي في أجوبة المكيين" (٢).

стр. 19

ولا بد للسالك عند المؤلف من أربعة أشياء، إذا تركها فلا تعبأن به ولو كان أعلم أهل زمانه، وهي: مجانبة الظلمة، وإيثار أهل الآخرة، ومواساة ذوي الفاقة، ومواظبة الخمس في الجماعة (١). ويبين المؤلف أن كل ما لم يكن له أصل في الشريعة فلا عمل عليه، لأن السنة حجة على جميع الأمة، وليس عمل أحد من الأمة حجة على السنة، لأن السنة معصومة، وصاحبها معصوم، وسائر الأمة لم تثبت لهم العصمة، إلا مع إجماعهم، والصوفية كغيرهم ممن لم تثبت لهم العصمة، يجوز عليهم الخطأ والنسيان، والمعصية صغيرها وكبيرها، فالتصوف عنده مداره على الإخلاص وصدق التوجه مع التفقه في الدين والإتيان بالعمل على وفق السنة. ويقول: إن مذهب المتصوفة هو مذهب السلف في الاعتقاد من التنزيه ونفي التشبيه، وقبول ما ورد كما ورد، من غير تعرض لكيف ولا تأويل، وفي هذا يرى المؤلف البعد في العقيدة عن كل مواضع الشبه والخلاف، والأخذ بالأمر الثابت القويم، فهو يرى مثلا أن حفظ مقام العبودية يقتضي البعد عن نداء الله تعالى بتعبير (يا هو)، لما فيه من الإيهام والتسوي وعلل أخرى، ولا يليق بالربوبية، ويرى كذلك البعد عن الاشتغال بعلم الكلام والجدل والمنطق، وأن مذهب السلف وجمهور أصحاب أهل المذاهب على تجنبه، ويقول: إن السلف لم يتكلموا في الاسم والمسمى، ولا في التلاوة والمتلو، ولا في الصفة والموصوف، ولا في مشكل الآيات والأحاديث (٢). ويقول: إن مذهب الصوفية في الأحكام مذهب الفقهاء، وفي الفضائل مذهب المحدثين، فلا يأخذون بحديث موضوع، كصلاة الرغائب والأسبوع ونحوها، إلا أن لهم في الآداب أشياء ترخصوا فيها اضطرارا إليها، كالسماع.

стр. 20

٣ - السماع: يرى المؤلف أن التصدي للسماع وتعاطيه اختيارا، بحيث يجلس الإنسان إليه ويستجلب به الحال، من الضلال والبطالة، وأنه من شبه الدين التي يتعين على من استبرأ لدينه وعرضه التبرؤ منها، ويقول: هو من حيث صورته يشبه الباطل فيتعين تركه، ولا يقتدى بشيخ يقول بالسماع، وعقد المؤلف فصولا مطولة في آخر الكتاب أغلظ فيها القول على متعاطيه، ونقل أقوال الأئمة الذين حذروا منه، ومن ذلك قول أبي الحسن الشاذلي حين سأل أستاذه عنه، فأجابه بقوله تعالى: ﴿إنهم ألفوا آباءهم ضالين * فهم على آثارهم يهرعون﴾ (١) وقول صاحب (الأمر المحكم): إن السماع في هذا الزمان لا يقول به مسلم، وقول أبي العباس المرضي: من كان من فقراء هذا الزمان مؤثرا لهواه، آكلا لما حرمه مولاه، ففيه نزغة يهودية، لأنه يذكر العشق وليس بعاشق، والمحبة وما هو بمحب، والوجد وما هو بمتواجد، فالقوال يقول الكذب، والمستمع سماع له، ومن أكل من الفقراء طعام الظلمة حين يدعى إلى السماع، فهو يصدق عليه قوله تعالى: ﴿سماعون للكذب أكالون للسحت﴾ (٢) قال: وعبر بعض الصحابة على اليهود، فسمعوهم يقرؤون التوراة، فتخشعوا، فلما دخلوا على رسول الله (ص) قرأ عليهم: ﴿أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم﴾ (٣) فعوتبوا إذ تخشعوا من التوراة، وهي كلام الله، فما ظنك بهذا، أعرض عن كتاب الله، وتخشع من الملاهي والغناء. وبين المؤلف أن من قال بالسماع فمراده من غلب عليه من غير اختيار، ومع ذلك فهو مقام تدني ونزول في حق العارف، فهو لا يشرف بالسماع، بل يشرف به السماع كما يقول (٤) ويقول: لا ينبغي الاقتداء بالشيخ

стр. 21

في هذا الأمر لو حصل له اضطرارا، وقد حذر المؤلف نفسه تلاميذه في حياته أن يقتدوا به في عدة أمور منها السماع. ٤ - التشييخ وأخذ العهد: يرى المؤلف أن تشييخ الطريقة وأخذ العهد، له أصل في الشرع، ولكنه ليس شرطا في سلوك طريق الصوفية، إذ لم يكن للأوائل هذا الترتيب المعروف في المشيخة، وإنما كان عندهم الصحبة واللقاء، فيستفيد الأدنى من الأعلى إذا لقيه ورآه، ويقول: إنه بغلبة الخبط على النفوس، والتخليط على القلوب احتاج الناس إلى ترتيب المشيخة، وأخذ العهد وتربية كل أحد بما يليق به، استنادا لقول الله تعالى: ﴿واتبع سبيل من آناب إلي﴾ (١) ولأن النبي (ص) كان يوصى أصحابه، كلا بما يليق به، فيوصي واحدا بقوله: "لا تغصب"، وآخر بقوله: "لا يزال لسانك رطبا بذكر الله"، ولحديث معاذ (ض)، وفيه قول النبي (ص): "بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا"، وكان يطلب من أصحابه تكرار البيعة، كما وقع لسلمة بن الأكوع وغيره. ومع أن المؤلف يقر أصل المسألة، وهو نفسه شيخ طريقة، فهو ينتقد بشدة الأسلوب الذي جرت عليه الطرق، القائمة على التنافس فيما بينها، وتعصب أهل كل طريقة لأنفسهم على من سواهم، وإكراههم الناس على أخذ العهد، ويذكر في ذلك عجائب، منها أن رجلا طلبوه لأخذ العهد فأبى، فاجتمعوا عليه وصرعوه في الأرض، ووضعوا أيديهم في يده، وقالوا: أخذت علينا، مع أنه رجل ضعيف العارضة، ليس فيه ما يصلح لطريقهم ولا لغيرها، فتحير المسكين من قولهم: أخذت علينا، واستعظم طريقهم، قال المؤلف: وجاء مستجيرا، فقلت له: لا حق لهم عليك، فالزم تقوى الله وتلاوة القرآن العظيم، ودع ما سوى ذلك. وقال: حدثني آخر أن رجلا من عربان طرابلس دخل على شيخ من شيوخهم، فقال له: خذ العهد، فقال: يا سيدي، ما أنا إلا قطعي حرامي،

стр. 22

فقال له: خذ العهد تعن على ما أنت عليه، ففعل، وكان ذلك زيادة له في شره، علق المؤلف على ذلك بقوله: وهذه فضيحة له في الآخرة، وضحكة في الدنيا عند من له عقل، على التابع والمتبوع (١). ومن المخالفات التي يذكرها المؤلف فطم الشيوخ أتباعهم عن كل علم سوى ما عندهم، وتسخيرهم في خدمتهم، ويوهمونهم أن ذلك في حقهم منفعة وتطهير لسرهم، مثل قول الشيخ للمريد: السر في التراب، والحكمة في الخدمة، فيقيمه خديما للطاحونة، وحليفا للمسحاة على حد قوله. وعقد المؤلف فصلا للشيوخ الذين يتعززون بالطريقة، ويأكلون بالدين، ويراهم شر الناس، ويحذر الشيوخ الذين يؤثرون المعتقدين لهم على غيرهم، أو يؤثرون الأغنياء وأصحاب الجاه، كما يحذر الذين يمنون أتباعهم بالمقامات، وبما لا يقدرون عليه لأنفسهم، كحسن الخاتمة والثبات عند السؤال والصراط، وقد عرف من الشرع أن هذه المواقف لا ينفع فيها أحد أحدا، ويقول: ما قطع قلوب الأكابر إلا هذه المواقف، وإذا كان حسن الخاتمة أمرا لا يتق به الشيخ لنفسه، فكيف يدعيه في حق غيره، ودعاء الرسل عند الصراط اللهم سلم سلم - كما ورد في الصحيح - وهم أكرم الخلق على الله، فكيف بغيرهم (٢). ٥ - أنواع الطوائف المدعية: يذكر المؤلف عددا من الطوائف المدعية، وهم كثير، فمنها: أ - طائفة تدعي الفناء، وأنها سلبت الاختيار، فتفعل المحرمات والمعاصي، وربما جرى على لسانهم ما يشبه الحقائق، فيظنه الجاهل ناتجا عن أحوال ربانية، وهو في الحقيقة عقارب تلسع، وحيات تلدغ، وربما أراد أحد المعتقدين فيهم التخلي عنهم، فيمسه الشيطان بأمر سوء، فيظنه

стр. 23

المساكين كرامة للشيخ، فيزداد تعلق الناس به، رجاء النفع بصحبته، ولو صبر على الله لحصل على ما يريد من الله، وانتفى عنه الوهم في أقرب وقت، ولكن النفوس مبنية على التوهم. ب - طائفة ادعت أنها ترى رجال الغيب من الخضر (س) وأمثاله، وتخبر بأمور، إما كذبا صراحا، أو تلبس عليها الأمر بخيال شيطاني ونحوه، فهلكت في الهالكين. ج - طائفة ظهرت بالجدب وتصرف المجانين، وما يجري لهم من الأحوال واستماله الخلق، لا سيما الجهلة، فإنهم يؤثرون هذا النوع، ويحبونه ويقومون بخدمته، وغالب من هذا شأنه أن يجانب العلم وأهله، ويعادي العمل الصحيح ومن يلتزمه، ويقولون عن أولئك: هؤلاء هم الرجال، يقول المؤلف: وهذه مصيبة وجهل. د - طائفة على العكس من الطائفة السابقة، لا يرون المجاذيب شيئا، ولا من يعتقدهم، يقول المؤلف: وهم أسلم من الذين قبلهم، لتمسكهم بظاهر الشرع، وأسلم منهما من سلم الأمر، فلم ينتقد إلا بحق، ولم يعتقد إلا بحق، ويترك ما وراء ذلك. هـ - طائفة تدعي المراتب وتتجاسر عليها، وتتقاسم الألقاب والترقيات بينها، كفلان قطب، وفلان من الأبدال، وفلان وتد، ورقي، وأعطي، إلى غير ذلك، يقول المؤلف: وهذه جسارة عظيمة، لأنها من الكذب على الله والرجم بالغيب، من غير دليل ولا برهان. و- فئة المشتغلين بعلم الكنوز والكهانة، والخواتم والعزائم والحروف والطلاسم، والتنجيم، والكلام على المغيبات، والطالبين للاسم الأعظم، والمتعلقين بالأسماء لتحصيل خواصها دون عمل، وغير ذلك من أعمال الشعوذة والسحريات وتسخير الجان في أغراضهم، فهؤلاء جميعا عند المؤلف أطاعوا الشيطان فأطاعهم، وربما حصلت لهم المصادفة فسموها

стр. 24

مكاشفة، وقد تجرهم إلى الكفريات، وقل من تعلق بها فأفلح (١). ٦ - التبرك بالآثار والزيارات: يقول المؤلف: اتفق العلماء على التبرك بآثار رسول الله (ص)، واختلفوا في التبرك بآثار غيره من الصالحين أحياء وأمواتا، وزيارة قبورهم، ويذكر وجهة نظر الفريقين، ويرجح منع التبرك بما كان له أصل تعظيم في عبادة الجاهلية، من خشبة أو شجرة أو حديدة أو حجر أو بناء، ويجوز بما يمتهن أو كان مستهلكا، وإن كان التنزه أولى كما يقول، لمحل الاشتباه، ويحذر كذلك من التمسح بالقبر والإدهان بالماء الذي يكون عليه، لأنه من فعل النصارى، وكذلك نقل التراب منه أو الصلاة عليه أو بناء مسجد عليه للتبرك. والمؤلف مع إباحته زيارة الحي والميت للتبرك، هو يقول: ينبغي ألا يجعل الزائر ذلك عدته، لئلا يضيع به نظام الحق والحقيقة (٢). هذا عرض ملخص لأبرز مباحث الكتاب وقليل من كثير، وإلا فالكتاب حافل بالمسائل النافعة والفوائد النفيسة المبثوثة في تضاعيف فصوله وسطوره جمعت، بين الفقه في الدين ورقائق التصوف وطريق السالكين.

стр. 25

نسخ المخطوط هذا الكتاب (عدة المريد الصادق) - لحسن الحظ - أصوله المخطوطة متوفرة في خزائن المخطوطات في عدد من البلاد: في المغرب وتونس وأسبانيا وطرابلس تحت عناوين مختلفة: (عدة المريد الصادق)، وأحيانا تكتب (عمدة) بدل عدة، وتحت اسم (الرد على أهل البلع)، و (جامع الفوائد والمنافع)، و (النصح الأنفع والجنة للمعتصم من البدع بالكتاب والسنة)، و (جنة المريدين). وقد اعتمدت في هذا العمل على أربع نسخ، يمكن تمييزها إلى فئتين: الفئة الأولى وتشمل: ١ - نسخة (خ) ، وهي نسخة الخزانة العامة بالرباط، وعليها ختم يفيد أنها آلت إلى الخزانة من المكتبة الزيدانية، وعنوانها المدون على ظهر الورقة الأولى (عدة المريد الصادق)، وتشتمل على مائة وثماني ورقات، وليس بها اسم الناسخ، ولا تاريخ النسخ، وخطها واضح لا تصعب قراءته. ٢ - النسخة (ت ١) ، وهي نسخة المكتبة الوطنية التونسية، رقمها ٨٦٣١، وعنوانها المدون على ظهر الورقة الأولى (الرد على أهل البدع)، وتشتمل على مائة وعشرين ورقة، وهي ترجع في أصلها المنقولة منه إلى نسخة المؤلف، فقد جاء في آخرها: قال المصنف ﵁ وأرضاه:

стр. 26

وكان الفراغ من تعليقه مبيضته في اليوم الثاني والعشرين من شهر شعبان المكرم سنة ٨٨٦ هجرية على يد مؤلفه ... إلخ، واسم الناسخ: عبد الله بن محمد الصائم التلمساني نسبا التونسي منشأ ومسكنا، فرغ من نسخها ضحوة يوم الثلاثاء ١٣ صفر ١١٩٠ هجرية، وخطها واضح به تصحيف وأخطاء كتابية كثيرة. هذه النسخة والتي قبلها تكونان فئة واحدة من حيث إنهما تتطابقان تماما في ترتيب فصول الكتاب، وتتشابهان إلى حد كبير في النص، وناسخ النسخة الأولى أكثر ضبطا ودراية بما يكتب. الفئة الثانية وتشمل: ١ - النسخة (ت ٢) ، وهي أيضا من المكتبة الوطنية بتونس، وعنوانها كما هو مدون على ظهر الورقة الأولى بخط مخالف لخط الناسخ - (عمدة المريد الصادق في أسباب المقت في بيان طريق القصد وحوادث الوقت)، ورقمها ٧٠٦٢، وفي آخرها يقول الناسخ: انتهى كتاب عدة المريد، بدل عمدة المريد ... إلخ، الأمر الذي يدل على أن العنوان المدون على الورقة الأولى محدث، وليس من كاتب النسخة، تشتمل هذه النسخة على خمس وسبعين ورقة، كتبها محمد بن أحمد المرنيصي نسبا القيرواني مسكنا، من غير تاريخ. ٢ - نسخة (ق) ، وهي نسخة مكتبة أوقاف طرابلس المحفوظة في مركز جهاد الليبيين بطرابلس الغرب، وعنوانها المدون على ظهر الورقة الأولى: (عمدة المريد الصادق ... إلى آخر الاسم) كما هو على ظهر النسخة السابقة، على حين أنه في آخر النسخة يقول الكاتب: تم الكتاب ... ، المسمى بجنة المريدين في الأمور المحدثة، تشتمل هذه النسخة على تسعة وثمانين ورقة، واسم الناسخ: عبد الرحمن بن محمد بن مسعود الحازمي، كتبه للحاج محمد بالهم بن محمد النجار، وفرغ من نسخها آخر شوال سنة ١٢٣٣ هجرية.

стр. 27

هذه المسحة والتي قبلها تكونان فئة واحدة، فإما أن تكون هذه مأخوذة من تلك، وإما أن تكونا معا مأخوذتان عن أصل واحد، فبينهما شبه كبير من حيث اختيارات ألفاظ النص، أما من حيث ترتيب فصول الكتاب فهما متطابقتان تماما، ومختلفتان عن الفئة الأولى. وللنسخة التونسية في هذه الفئة الثانية ميزة واضحة، وهي كثرة الحواشي المفيدة، والتقييدات النافعة، لتصحيح لفظ أو توضيحه، مع العزو إلى المصادر، كما هي عادة صنيع القدماء، وعلى النسخة أيضا مقابلات بالأصل الذي أخذت عنه، وأحيانا مع غيره، كما هو واضح من الحواشي، ويعبر الكاتب عن هذه المقابلات بكلمة (بلغت) في مواضع عديدة منها، وهذه النسخة تعد أحسن النسخ وأضبطها من حيث الكتابة، حيث تقل فيها الأخطاء الشائعة من الناسخ. وعلى الرغم من اتباعي في التحقيق طريقة (النص المختار) فقد فضلت في ترتيب فصول الكتاب، وكذلك، في ترتيب النص داخل الفصول، فضلت الترتيب الوارد في نسختي الفئة الأولى عند الاختلاف، لأن النص الوارد فيها أكثر استقامة، وأوضح بيانا، وأبسط عبارة، وصححت بعض ألفاظهما من نسختي الفئة الثانية، وعلى الأخص النسخة التونسية، والسبب في اعتمادي نسختي الفئة الأولى بصفة أساسية، أنهما في نظري آخر ما انتهى إليه المؤلف في أسلوب كتابه وترتيبه، والله أعلم.

стр. 28

وصية المؤلف لمن نسخ كتابه الحمد لله، يقول مؤلف هذا الكتاب، العبد الفقير إلى رحمة مولاه تعالى، أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي ثم الفاسي - غفر الله له -: ليعلم الناظر في هذا الكتاب، والمتأمل لما فيه من حق وصواب، أنا لم نقصد به الطعن على الناس والقدح فيهم، ولا الاشتغال بمساوئهم ولا إظهار عيوبهم، ولا أردنا الاستظهار بالمزية عليهم، وإنما قصدنا فيه التحذير من الوقوع فيما حذرنا منه، والتحرير لما نبهنا عليه، ليكون عدة للصادق في دينه، وإعانة للمحقق في يقينه، ورحمة للمسكين في حاله، فمن قصده لشيء مما قصدناه به فالله المسؤول في إعانته ونفعه، ومن قصده لغير ذلك فالله المستعان على إتلافه عنه ومنعه، وأن يعمي عنه من يريد به هتك أستار الناس ويريد به إظهار اللبس والالتباس، ومن قصده لذلك فالله حسيبه وسائله ومتولي الانتقام منه، لأن من تتبع عورة أخيه تتبع الله عورته حتى يفضحه ولو في جوف بيته، والمؤمن يلتمس المعاذير، والمنافق يتتبع العيوب، والله في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه، ويعلم الله لولا الشفقة على بعض الإخوان الصادقين ما كتبت منه حرفا، مع ما أخذ الله على من علم شيئا أن يبينه ولا يكتمه، وما ورد من الوعيد في سكوت العالم عند ظهور البدع، مع ما انضم إلى ذلك من أسباب خاصة وعامة، وعلى الله المعتمد في عموم النفع به، وأن يجعله رحمة وبركة حيثما حل، ثم أرغب لمن كتبه أن يكتب هذه المقدمة في ظهر نسخته، لنبرأ من جهل الجاهلين، وعلى الله ثوابه وهو حسبنا ونعم الوكيل، وصلى الله على سيدنا ومولانا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما، انتهى.

стр. 29

ثانيا - النص مقدمة المؤلف وصلى الله على سيدنا محمد وسلم، قال الشيخ الفقيه الإمام الصالح، العلم الأوحد، الشهير الصدر الكبير، أبو العباس أحمد بن محمد بن عيسى البرنسي، عرف بزروق ﵀ آمين-: الحمد لله الذي رفع عماد السنة وأعلى منارها، وخفض بساط البدعة وكسف أنوارها، وأوضح شواهد الحقيقة (١) وأظهر أسرارها، وكشف طرائق الباطل وطمس آثارها، وأحكم بناء التحقيق وشيد أسوارها، وأمر باتباع السنة وألزم إيثارها، فالسعيد من استبصر فأبصر، والموفق من نبه فتذكر، والمحروم من وقف فتحيرا فلا هو مقتول ففي الموت راحة، ولا هو ممنون عليه فيعتق، والشقي من بدل في الدين وغير، جعلنا الله من الفرقة الناجية، ومتعنا بالسنة في هذه الدار الفانية، وشملنا في الدارين بالعافية، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وهو حسبنا ونعم الوكيل. أما فبل، ومع، وبعد، فإن في كل واد بني سعد، من اطمأن إليهم أتلفوه، ومن تعلق بهم كشفوه، ومن استغاث بهم أوقفوه، أعني الذين اتخذوا الجهل مهادا، والبدعة وسادا، والهوى عمادا، وادعوا أن ذلك هو الدين

стр. 30

القويم، والصراط المستقيم، فرفضوا السنة والجماعة، ووصفوا المعصية وصف الطاعة، وتركوا السنة وأسبابها، وآثروا البدعة وفتحوا أبوابها، فكانوا دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها، كما أخبر الرسول (ص) فيما أخرجه البخاري عن حذيفة بن اليمان (ض)، قال: "كان الناس يسألون رسول الله (ص) عن الخير، وكنت أسأله عن الشر مخافة أن يدركني، فقلت: يا رسول الله، إنا كنا في جاهلية وشر، فجاء الله بهذا الخير، فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: "نعم"، قلت: فهل بعد ذلك الشر (١) من خير؟ قال: "نعم، وفيه دخن"، قلت: وما دخنه؟ قال: "قوم (٢) يهدون يغير هديي، تعرف منهم وتنكر"، قلت: فهل بعد ذلك الخير من شر؟ قال (٣): "دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها"، قلت: يا رسول الله، صفهم لنا، قال: "هم من جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، قلت: فما تأمرني إن أدركني ذلك؟ قال: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"، قلت: فإن لم تكن لهم جماعة ولا إمام؟ قال: "فاعتزل تلك الفرق كلها، ولو أن تعض على أصل شجرة حتى يأتيك الموت وأنت على ذلك" (٤) وكان (ص) يقول في خطبته: "إن أحسن الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمد (ص)، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، والضلالة وصاحبها في النار" (٥)، رواه النسائي من طريق جابر، وأصله في مسلم، وقال ﵊: "ستفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، ثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة، وهي الجماعة" (٦)، أي السنة، لقوله في الرواية الأخرى: "ما أنا عليه

стр. 31

وأصحابي" (١) وقال سفيان الثوري (٢) (ض): "لو أن فقيها في رأس جبل لكان هو الجماعة" (٣) ونحوه عن ابن المبارك (٤)، وغيره، وبذلك فسره ابن أبي جمرة (٥) في حديث حذيفة (ض)، وفي تمام الحديث المذكور: "وإنه سيخرج في أمتي أقوام تتجارى بهم تلك الأهواء، كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى فيه عرق ولا مفصل إلا دخله" (٦) نسأل الله السلامة، وقال رسول الله (ص): "إذا ظهرت البدع وسكت العالم فعليه لعنة الله" (٧). وقال (ص): "يحمل (٨) هذا الدين من كل خلف عدوله، ينفون عنه تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين" (٩) وما ذلك إلا

стр. 32

بالتبصر في الدين، قال الله تعالى: ﴿قل هذه سبيلي أدعوا إلى الله على بصيرة أنا ومن تبعني﴾ (١) وقال تعالى: ﴿ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن﴾ (٢) وقال عز وعلا: ﴿وأن هذا صراطي مستقيما فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله﴾ (٣). قال الجنيد (٤) (ض): الصراط المستقيم طريق محمد (ص)، وقال أيضا: الطرق كلها مسدودة إلا على من اقتفى سنة الرسول (ص)، وقال أيضا: علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة، فمن لم يسمع الحديث ويجالس الفقهاء، ويأخذ أدبه عن المتأدبين أفسد من اتبعه. وقال سهل بن عبد الله (٥) (ض): بنيت أصولنا على ستة أشياء: كتاب الله، وسنة رسوله (ص)، وأكل الحلال، وكف الأذى، واجتناب الآثام، والتوبة، وأداء الحقوق (٦) وقال أبو عثمان الحريري (٧) (ض) من أمر

стр. 33

السنة على نفسه قولا وفعلا نطق بالحكمة، ومن أمر الهوى على نفسه نطق بالبدعة، قلت: وهو أن يأتي بأمر لا وجه له ولا دليل من صاحب الشريعة، كان خيرا أو غيره (١) قال الله تعالى: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (٢). وقال أبو العباس بن عطاء الله (٣) (ض): من ألزم نفسه آداب السنة نور الله قلبه بنور المعرفة، ولا مقام أشرف من متابعة الحبيب (ص) في أوامره وأفعاله وأقواله وأخلاقه. وقال أبو حمزة البغدادي (٤) (ض) من علم طريق الحق سهل عليه سلوكه، ولا دليل على الطريق إلى الله تعالى إلا متابعة الرسول (ص) في أقواله وأفعاله وأحواله. وقال أبو القاسم النصراباذي (٥) (ض): (أصل الخوف ملازمة الكتاب والسنة، وترك الأهواء والبدع، وتعظيم حرمات المشايخ، ورؤية أعذار الخلائق، والمداومة على الأوراد، وترك الرخص والتأويلات. قلت: هذه هي الأصول التي من ضيعها حرم الوصول، وأكثر أهل الزمان على ذلك، إلا من عصم الله ، وقليل ما هم، وقد

стр. 34

قال رسول الله (ص): "إن مما في صحف إبراهيم (س) ... ، وعلى العاقل أن يكون عارفا بزمانه، مقبلا على شأنه ممسكا للسانه" (١) الحديث، فمعرفة الزمان وأهله صعب، والكلام فيه متسع رحب، وفيه من الآفات الدنيوية، ما نسأل الله السلامة منه، ومن تحريك الآثار النفسانية، مما نرغب إلى الله في الخلو عنه، لا سيما ما يشتبه فيها الحق بالباطل، ويظهر المتحلي به كالعاطل، فإن النفوس تسرع لإنكاره، ولا يصح من المشفق على نفسه وجود إظهاره، لما يحرك من عقارب التعصب والإذاية، وما يوجبه من اشتداد ظلمة الغواية، لكن الحق أبلج، والباطل لجلج، والدين النصيحة، والسكوت في الحق فضيحة، فوجب أن نأتي من ذلك، بما هو الأهم، لشيوعه في الوقت، حماية لمن وقف عليه من أسباب البعد والمقت، فنذكر أمورا يدعي أهلها أنهم على طريقة السادة الصوفية، ويرون أنهم في ذلك على حالة سنية، من غير دليل واضح قاطع، ولا نور ظاهر ساطع، ويدعون إلى ذلك بحسب إمكانهم، ويمنعون مما سواه كافة إخوانهم، ويقولون: إن قبولهم ذلك من قوة إيمانهم، وتحقق إحسانهم، وإن ذلك هو عين الحقيقة، ومنهاج سلوك السبيل والطريقة، وإنما هي طريقة معوجة، وأمور ملبسة مروجة، يغتر بها الجاهل، فيتبع، ويحتج بها المتعصب، فيضل ويبدع، أعاذنا الله مما ابتلاهم به، وسلك بنا طريق الحق بفضله، وإنما يظهر الحق في ذلك بالتبصر، ويزول اللبس فيه ويذهب التستر، وهذا حين نشرع في المقصود وبالله التوفيق، فنقول:

стр. 35

١ - فصل في حقيقة البدعة وأحكامها وخواصها . أما حقيقة البدعة، فشرعا: إحداث أمر في الدين يشبه أن يكون منه، وليس منه، سواء كان بالصورة أو بالحقيقة، لقول رسول الله (ص): "من أحدث في أمرنا (هذا) (١)، ما ليس منه فهو رد" (٢) وقوله (ص): "كل محدث بدعة، كما تقدم ... "، وقد بين العلماء (ض) أن المعنى في الحديثين المذكورين راجع لتغيير الحكم، باعتقاد ما ليس بقربة قربة، لا مطلق الإحداث، إذ قد تتناوله الشريعة بأصولها، فيكون راجعا إليها، أو بفروعها فيكون مقيسا عليها، وقالوا: بحسب هذا فلا تكون البدعة إلا محرمة أو مكروهة، لأنها إن قويت شبهتها لا يصح أن يبلغ بها التحريم، وإن ضعفت شبهتها جدا كانت محرمة، لا سيما إن كانت في مقابلة منصوص عن الشارع، ومخالفة لأصل الملة، أو خارجة عن قواعد الأحكام الشرعية. قال المحققون: وإنما قسمها بعضهم لأقسام الشريعة، اعتبارا بمطلق الإحداث ومن حيث اللغة، ومنه قول عمر (ض) في شأن التراويح: (نعمت البدعة هذه) (٣) فسماها بدعة من حيث صورة إثباتها وإلا فهي سنة بفعل النبي (ص) ثلاث ليال من رمضان في حياته، ثابت إقامتها بقوله (ص): "وإني خشيت أن يفرض عليكم" (٤) فنبه على العلة ليشعر بثبوت الحكم عند ارتفاعها، كما أثبته عمر (ض) بإجماع من الصحابة في قوله، فإن قلت: كيف تكون البدعة المكروهة ضلالة مع أن المكروه من قبيل الجائز، والنبي (ص) قد حكم على كل بدعة بأنها ضلالة، قلت: الكراهة مصروفة للعمل بها،

стр. 36

وإحداثها حرام (١) لأنه افتيات على الشارع، وتقدم بين يديه، وتغيير لأحكامه مع وجود شبهة منه، (ثم من شؤم البدعة وشأنها لا تزال تتسع حتى تصل إلى محرمات، فضلا عن محرم واحد) (٢). ثم من خواص البدعة ثلاثة: أحدها: أنها لا توجد غالبا إلا مقرونة بمحرم صريح، أو آيلة إليه، أو يكون تابعا لها، ومن تأمل ذلك وجده في كل أمر قيل: إنه بدعة، لا ينخر م بحال، كما ننبه على بعضه إن شاء الله تعالى. الثاني: أنها لا توجد غالبا إلا في الأمور المستغربة، غير المألوفة في الدين، وفي الكيفيات من المندوبات وتوابع الأعمال، وما تميل إليه النفوس وتستحسنه، كالذكر والتلاوة والصلاة والصوم، بما يدخلون عليها من الكيفيات ونحوها والسلوك والتربية ونحو ذلك فتأمله. الثالث: أنها لا توجد غالبا إلا مسندة لوجه من الشريعة، أو معنى من الحقيقة يلتبس على قليل العلم، فيتحير أو يسلم، ويتروج على الجاهل فيظنه دينا قيما من حيث لا يعلم، وما غره بذلك إلا شبهة الأصل وتسليم من يعتقد فيه العلم والفضل، ولكن لكل شيء ميزان، يظهر به الحق من الباطل، يعرفه العالم، وينفيه الجاهل، فيكون ضالا بفعله، مضلا بدعوى الخلق إليه، غير معذور في أمره، لعدم تبصره، إذ الدين مبني على التبصر، وبالله التوفيق. ...

стр. 37

٢ - فصل في موازين البدعة . وهي ثلاثة: الميزان الأول: أن ينظر في الأمر المحدث، فيما له مستند شرعي بوجه شامل محيط هو جملة الشريعة ومعظمها، فإن كان هذا الأمر مما شهد له معظم الشريعة وأصلها وذمتها، فليس ببدعة، وإن كان مما يأباه ذلك بكل وجه، فهو باطل ضلال مبتدع إلحاد (إن كان) (١) في جانب الاعتقاد ونحوه، وإن كان مما تراجعت فيه الأدلة، وتناولته الشبهة، واستوت فيه الوجوه، اعتبرت وجوهه، فما ترجح فيه من ذلك رجع إليه. الميزان الثاني: اعتبار قواعد الأئمة وملف الأمة العاملين بطريق السنة، فما خالفها بكل وجه فلا عبرة به، وما وافق أصولهم فهو حق، وإن اختلفوا فيه فرعا وأصلا فكل يتبع أصله ودليله، وقد عرف من قواعدهم أن ما عمل به السلف وتبعهم الخلف لا يصح أن يكونوا قد أحدثوه من عند أنفسهم، لعصمة الإجماع، كما في الحديث (٢)، فلا يصح أن يكون بدعة ولا مذموما، وما تركوه بكل وجه واضح لا يصح أن يكون سنة ولا محمودا، وما أثبتوا أصله ولم يرد عنهم فعله، فقال مالك (ض): هو بدعة، لأنهم لم يتركوه إلا لأمر عندهم فيه، فإنهم كانوا أحرص على الخير وأعلم بالسنة، وهو مقتضى قول ابن مسعود (ض)، إذ قال لقوم رآهم يذكرون جماعة: (تالله لقد جئتم ببدعة ظلما، ولقد فقتم أصحاب محمد (ص) علما) (٣)، ذكره ابن

стр. 38

الحاج (١) في المدخل فانظره، وقال الشافعي (ض): كل ما له مستند من الشرع فليس ببدعة وإن لم يعمل به السلف، لأن تركهم للعمل به قد يكون لعذر قام لهم في الوقت، أو لما هو أفضل منه، أو لعله لو بلغ جميعهم عمل به، والأحكام مأخوذة من الشارع وقد أثبته، نعم، واختلفوا أيضا فيما لم يرد في السنة له معارض ولا مثبت هل هو بدعة؟ وقاله مالك، أو ليس ببدعة؟ وقاله الشافعي، مستندا لحديث: "ما تركته لكم فهو عفو" (٢) ذكره ابن الحاج في باب الذكر، والله أعلم. وعلى هذا اختلافهم في حزب الإدارة (٣) والذكر بالجمع والجهر، والدعاء كذلك (٤) إذ ورد في الحديث الترغيب فيه ولم يرد عن السلف

стр. 39

فعله، ولا ورد في كيفيته شيء، فقال الشافعي: سنة، وقال مالك: بدعة مكروهة لقيام الشبهة، ثم كل قائل لا يكون مبتدعا عند القائل بمقابله، لحكمه بما أداه إليه اجتهاده الذي لا يجوز له تعديه، ولا يصح له القول ببطلان مقابله لقيام شبهته، ولو قيل بذلك لأدى لتبديع الأمة كلها، لأن على كل قائل قائلا، وقد عرف أن حكم الله في مجتهد الفروع ما أداه إليه اجتهاده، سواء قلنا المصيب واحد أو متعدد، وقد قال رسول الله (ص): "ألا لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة" (١)

стр. 40

فأدركهم العصر في الطريق، فقال بعضهم: إنما أمرنا بالعجلة وصلوا بالطريق، وقال آخرون: إنما أمرنا بالصلاة هناك فأخروا، ولم يعب (ص) على واحد منهما، فدل ذلك على صحة العمل بما فهم عن الشارع إذا لم يكن هوى، وبالله التوفيق. الميزان الثالث: ميزان التمييز بشواهد الأحكام، وهو تفصيلي ينقسم إلى أقسام الشريعة الستة، أعني الوجوب والندب والتحريم والكراهة وترك الأولى، والإباحة، فكل ما انحاز لأصل بوجه صحيح واضح لا بعد فيه ألحق به، وما لا فهو بدعة، وعلى هذا الميزان جرى كثير من المحققين في تقسيم البدع واعتبارها من حيث اللغة للتقريب، والله أعلم. ٣ - فصل في البدعة ومجاريها . وأقسام البدع ثلاثة: أولها: البدع الصريحة، وهي ما أثبت من غير أصل شرعي في مقابلة ما ثبت شرعا من واجب أو سنة أو مندوب أو غيره، فأماتت سنة، أو أبطلت حقا ثابتا، وهذه شر البدع وإن كان لها مستند من الأصول والفروع، فلا عبرة به. الثاني: البدع الإضافية، وهي التي تخاف لأمر لو سلم منها لم تصح المنازعة في كونه سنة، أو غير بدعة بلا خلاف، أو على خلاف مما تقدم، وهذه أكثرية بل غالبة في الزمان، لولا الإطالة لسردنا منها جملة. الثالث: البدع الخلافية، وهي المبنية على أصلين، يتجاذبها كل منهما بحكمه، فمن قال بهذا قال: بدعة، ومن قال بمقابله قال: سنة، كما تقدم في حزب الإدارة، وذكر الجماعة، وغير ذلك فتأمله.
следующие страницы →