← Общие книги

Общие книги · id 123664

الجزائر الثائرة

الفضيل الورتلاني

Полный текст (484 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

نبذة عن حياة المرحوم الأستاذ الفضيل الورتلاني (١٩٠٠ - ١٩٥٩) نشأته ومولده: ولد الأستاذ الجليل المرحوم السيد / حسين الفضيل بن محمد السعيد بن فضيل المعروف باسم (الشيخ الفضيل الورتلاني) في ٦ فبراير عام ١٩٠٠ بقرية (آنو) بلدية بني ورتلان دائرة بني ورتلان ولاية سطيف، وينحدر من أسرة عريقة ينتمي إلى سلالة الأشراف ولقبه العائلي (حسنسن)، وقد نشأ وترعرع في مسقط رأسه وبه حفظ القرآن الكريم، وزاول دراسته الإبتدائية بالقرية المذكورة، وتلقى فيها مبادئ العلوم على مشائخ القرية نذكر منهم على سبيل المثال العلامة الفقيه المعروف الشيخ السعيد البهلولي وغيره، كما تلقى منذ طفولته المبكرة في أحضان أسرته تربية إسلامية أورثته الحفاظ على تعاليم الدين الحنيف والتشبت بأهدافه، ونشأ على احترام كرم الأخلاق والمثل العليا، والقيم الرفيعة، وجده الأعلى (جد والده) المباشر لأبيه هو العلامة الرحالة سيدي الحسين الورتلاني صاحب الرحلة المعروفة باسم (رحلة الورتلاني). إلتحاقه بالشيخ عبد الحميد بن باديس بقسنطينة: في سنة ١٩٢٨ م انتقل إلى مدينة قسنطينة لمزاولة تعليمه الثانوي على يد الإمام عبد الحميد بن باديس، وبعد تخرجه مباشرة تولى التدريس بالجمعية الخيرية التي كانت نواة التربية والتعليم، وقد تخرج على يده عدد كبير من الطلبة لا يزالون يذكرون ما له عليهم من فضل وإحسان واعتراف له بالفضل والجميل، وقد بعث

стр. 37

في تلاميذه روحا وثابة، وأحدث تطورا فكريا لدى طلابه، ونال بذلك رضا أستاذه بن باديس، لما بذله من جهود معتبرة في خدمة العلم وما يمتاز به من حيوية ونشاط منقطع النظير، بحيث أعجب به الشيخ بن باديس وأخذ يصطحبه معه أينما ذهب وأينما حل وارتحل، خاصة في الجولات التفقدية التي كان يقوم بها بين الفينة والأخرى عبر البلاد، وهكذا لازم الفضيل الورتلاني أستاذه بن باديس عدة سنوات كلها عامرة بالعلم والعمل المثمر البناء، وتأثر بمنازعه الخطابية ومواقفه الوطنية، وسقيت ملكته بغيب ذلك البيان الإلهامي فأصبح فارس منابر، وحضر اجتماعات جمعية العلماء العامة والخاصة، فاكتسب منها الصراحة في الرأي، والجرأة في النقد البناء والاحترام للمبادئ لا للأشخاص، كل هذه الخصال الممتازة في شخص الورتلاني هي التي جعلته يكون محبوبا وأشد ارتباطا بأستاذه بن باديس ويوليه عنايته ويعتمده في المهام الكثيرة. فلا غرو فقد كان يستخلفه أستاذه فى كثير من الاجتماعات والمناسبات وممثلا له في نفس الوقت وهو ما يزال طالبا، وتشتد الحرب المذهبية والصراعات القائمة على أشدها بين أنصار الحركة الإصلاحية من جهة وبين أنصار الطرقية من جهة أخرى فيلعب الفضيل فيها أدوارا إيجابية ذات أثر فعال في ترجيح ميزان القوة لجانب الحركة الإصلاحية على اختلاف أهدافها وتعدد مجالاتها، وبعد هذه الحماسة من حياته وهو ما يزال مواظبا على دروس أستاذه، تناط به مهمة تتلاءم مع طبيعته في حب الإتصال بالجماهير الشعبية وتنسجم مع ميوله نحو الدعوة والتبليغ والتبشير بالمبادئ التي يؤمن بها ويقتنع بصحتها وصدقها، لهذا وجد ضالته في مهمة تمثيل مجلة (الشهاب) التي كانت تصدر في ذلك العهد بمدينة قسنطينة، وقد كان ينشر فيها العديد من البحوث والمقالات القيمة التي يعالج فيها قضايا اجتماعية وثقافية وسياسية، وطاف أطراف البلاد متنقلا باسمها وتكثير أنصارها وتوضيح خطتها وغايتها .. وقد قام بهذه المهمة سنة ١٩٣٢ م.

стр. 38

وفي نفس السنة قام بعدة جولات عبر كامل القطر الجزائري مدنه وقراه مغتنما هذه الفرصة فدعا من الطلبة المتعطشين للعلم والمعرفة للالتحاق بالدروس العلمية بجامع سيدي الأخضر بقسنطينة، وقد لقيت دعوته تلك استجابة واسعة وأقبل الطلبة أفواجا أفواجا يتوافدون إلى جامع سيدي الأخضر من كل حدب وصوب ومن كل فج عميق. هذا بالإضافة إلى تعريفه وشرحه لمبادئ جمعية العلماء التي كانت آنذاك حديثة العهد بالوجود، والتي لاقت من خصوم العلم وأعداء الوطن معارضة شديدة.

стр. 39

الفضيل الورتلاني بين حركة الإصلاح ونشر الدعوة والتعريف بالقضية الجزائرية هجرته إلى أوروبا في إطار الحركة الإصلاحية: وفي سنة ١٩٣٦ م، انتدبته جمعية العلماء المسلمين الجزائرين للقيام بنشر مبادئها والدعوة الإصلاحية بفرنسا وذلك قصد توعية العمال الجزائريين المغتربين بأوروبا بحيث تمكن في ظرف سنتين ونيف من إحداث ما يزيد عن عدة مراكز للدعوة الإسلامية والربط بين الجاليات العربية الإسلامية من جهة، وإسماع صوت الجزائر العربية المسلمة للعالمين الشرقي الإسلامي والغربي الأوروبي من جهة أخرى. وهكذا ظل الفضيل الورتلاني يعمل في باريس بجد وحيوية ونشاط ويؤدي رسالة جمعية العلماء بكل ما أوتي من قوة بيان، وشجاعة نادرة، ومضاء عزيمة في الأوساط العالمية في فرنسا التي مكنته فيما بعد بالاتصال بكثير من أعضاء وممثلي الجاليات الشرقية العربية من مختلف الأقطار العربية. وفي أواخر سنة ١٩٤٠ م، أصبح الفضيل الورتلاني على يقين من أن السلطات الاستعمارية الفرنسية صممت على جعل حد لنشاطه السياسي بعد أن دأبت على تعقب تحركاته تمهيدا لإلقاء القبض عليه، لذلك عقد العزم على السفر إلى مصر، خاصة بعد أن لاحت في الأفق السياسي الغربي بوادر حرب عالمية ثانية فغادر العاصمة الفرنسية بعد توديعه من طرف أنصار الحركة الإصلاحية قاصدا مصر

стр. 40

تكلؤه عناية الله وهناك التحق بالأزهر الشريف معقل الأحرار حيث تابع فيه دراسته العليا إلى أن نال الشهادة العالمية بكلية أصول الدين والشريعة الإسلامية. إستئناف نشاطه السياسي بمصر: وفي سنة ١٩٤٩ م، أسس مكتبا بالقاهرة يحمل اسم (مكتب جمعية العلماء المسلمين الجزائريين) الذي كان ممثلا له، وقد قام بعدة اتصالات لدى كثير من الدول العربية الشقيقة وإقناعها بضرورة مد يد العون والمساعدة لإخوانهم الطلبة الجزائريين الذين سيأتون من الجزائر لاستكمال دراستهم وإتمام معلوماتهم العلمية بكليات ومعاهد الشرق فلبت الدعوة واستجابت للنداء وتم كل ذلك في ظروف جد حسنة، فتوالت البعثات العلمية تلو الأخرى من الجزائر نحو الأقطار العربية الشقيقة، وذلك تحت إشراف مكتب جمعية العلماء المذكور. كما أن للفضيل الورتلاني ﵀ في المشرق العربي أعمال جليلة أخرى، منها: انخراطه في كثير من المنظمات الإسلامية التي كان هو على صلة بها في تلك الفترة بالذات، وكتاباته في أغلب الصحف والمجلات التي كانت تصدر آنذاك في مصر ولها طابع إسلامي عربي تحرري. ففي مجال الدعوة الإسلامية كانت له علاقة أخوية وثيقة ومتينة بجمعيتي "الإخوان المسلمين" و"الشبان المسلمين" في مصر حتى أنه كان يستخلف أحيانا المرشد العام للإخوان المسلمين الداعية الإسلامي الكبير الشيخ حسن البنا ﵀ في محاضراته الإرشادية الأسبوعية، هذا من جهة، ومن جهة أخرى كانت له روابط متينة بالجمعيات الإسلامية المنتشرة في أطراف دنيا الإسلام والمسلمين منها: (جمعية عباد الرحمن) ببيروت، هذه الجمعية التي ما فتئت تكن له صدق المحبة والولاء وأخلص الوفاء، ولم تتخل عنه في أحرج

стр. 41

الظروف حينما تنكر له بعض الأدعياء من ملوك العرب وزبانيتهم المأجورين، ولقد خلدت بعض مآثره حيث أنها قامت بجمع آثاره العلمية وطبعها في كتاب أطلق عليه اسم: ـ[الجزائر الثائرة]ـ طبع هذا الكتاب سنة ١٩٥٦ م. على نفقتهم الخاصة، وأعيد طبعه سنة ١٩٦٣ م، ونحن هنا بصدد إعادة الطبعة الثالثة إن شاء الله - هذا بالإضافة إلى ما كان يكتبه بقلمه حول كبريات الأحداث التي تجري في هذه الأقطار، وقد كان الفضيل الورتلاني على صلات قوية ووثيقة بكثير من أعلام الإصلاح الإسلامي في المشرق العربي منهم أمير شكيب أرسلان، ومحي الدين الخطيب، ورشيد رضا، وجمال عبد الناصر، ومحمد مصدق، وعميد الأدب العربي طه حسين والعقاد وغيرهم فمنهم من قضى نحبه ومنهم من ينتظر وما بدلوا تبديلا. وهدفه من ذلك توثيق عرى الأخوة بين أبناء الوطن الواحد، ومحاولة ربط الجزائريين بتيارات الفكر العربي المعاصر بعد أن ظلت الأبواب موصدة في وجوههم منذ ابتلائهم بالاستعمار والأمبريالية العالمية عبر العصور. وقد نزل ضيفا على الحكومة المصرية في عهد المرحوم جمال عبد الناصر ولقي فيها كل أنواع الإكرام والتقدير والاحترام من طرف أقطاب السياسة ابتداء من جمهوريتها إلى مجلس الوزراء، وكبار المسؤولين في الدولة، ومضى الفضيل الورتلاني في نشاطه هذا غير مكترث بما ستحمله الأيام له في مصر، فكانت لقاءاته بأحرار مصر فرصة للتوعية والتوجيه السياسي. ومن أهم أعماله الجليلة التي قام بها المشرق العربي مساهمته في تأسيس بعض الهيئات والمنظمات السياسية التي سعى في تكوينها وأسهم في نشاطها بحظ موفور: ١ - اللجنة العليا للدفاع عن الجزائر التي أسست بالقاهرة سنة ١٩٤٢ م. ٢ - جمعية الجالية الجزائرية التي أسست أيضا في نفس التاريخ تقريبا.

стр. 42

٣ - جبهة الدفاع عن شمال إفريقيا أسست بمصر سنة ١٩٤٤ م. ٤ - جبهة تحرير الجزائر التي تم إنشاؤها بلبنان في فاتح نوفمبر سنة ١٩٥٤ م. مساهته في الثورة التحريرية: ما كادت ثورة الفاتح من نوفمبر ١٩٥٤ م تبرز للوجود في الجزائر حتى ارتفعت أصوات الجزائريين الأحرار في كل أنحاء الدنيا، وكان في مقدمتهم الشيخ الفضيل الورتلاني حيث سارع إلى توجيه نداءات إلى جميع الأحرار في العالم العربي الإسلامي ومنددا في نفس الوقت بأبشع الجرائم الوحشية التي يرتكبها الغلاة الاستعماريين في الجزائر، وقد كان على صلة بكبار قادة جبهة التحرير الوطني مجددين العهد على درب مسيرة النضال حتى النصر. مجندا قلمه ولسانه المتين لإذاعة كل ما يجري من أحداث ضخام بأرض الوطن فأجرى بها أنهارا من الحبر لشرح حقائق هذا النضال الذي يخوضه شعب أعزل من السلاح مجردا من كل وسائل الدفاع سوى سلاح الصبر والإيمان ولكنه قوي بإيمانه وواثق من نصره، فكانت له تلك المساعي الموفقة والمواقف المشهودة، لقد فارق الحياة منذ ثمانية وعشرين سنة وقضى نحبه في بلاد الغربة بعيدا عن وطنه وذويه ولم يفترش جثمانه شبرا أو ذراعا من هذه الأرض التي أحبها وكافح من أجلها ومن أجل تحريرها ورفعة شأنها وإسماع صوتها في عالمي الشرق والغرب. وخلاصة القول أن المرحوم الشيخ الفضيل الورتلاني يعتبر بحق من رواد الحركة الإصلاحية والنهضة الفكرية في العصر الحديث، فعظمته تتجلى في أنه صاحب رسالة آمن بيا وضحى من أجلها منذ نعومة أظافره بكل غال ونفيس، فقد هيأته الظروف وتكوينه التقافي المتين، لكي يتحدى الصعاب وظل كالطود الشامخ لا تهزه

стр. 43

الأعاصير ولا النكبات ولا الدسائس والمؤامرات، فعاش مجاهدا بالقلم واللسان، وناضل طوال حياته دون ملل وبدون توقف، ونضاله الذي يتمثل خاصة في الدفاع عن شخصية الأمة الجزائرية بصفة خاصة والأمة الإسلامية بصفة عامة. إن الذي نذر حياته كلها منذ نعومة أظافره وسخر نفسه لخدمة قضية وطنه دفاعا عن مبادئها المقدسة وحفاظا على ذوبان شخصيتها الغالية، لا جدال بأنه أهل وجدير لأن تكتب عنه مئات المؤلفات وتخصص من أجله العديد من البحوث والدراسات حتى تفوز به الأجيال الصاعدة وتتخذه نبراسا ومصباحا تستضيء به في طريقها الطويل نحو الغد الأفضل. لقد كان المرحوم الفضيل الورتلاني في الصف الأول مع رائد الإصلاح الكبير الشيخ عبد الحميد بن باديس ﵀، وسار مع الفوج الأول يدا في يد لمحاربة الجهل والأمية والبدع والخرافات وكل أنواع الانحراف، وقد كانت المعركة شاملة واسعة النطاق، لأن جميع جوانب الإصلاح الاجتماعي كانت مستوعبة من محاربة المعتقدات البالية والضلالات والبدع إلى التربية الخلقية الإسلامية الصحيحة، والدعوة التي تسني ولا تتوقف إلى نمط جديد من الحياة، يتفق مع الإسلام باعتباره دين التجديد لقد كانت المعركة دائمة متواصلة، لأنها كانت متأنية إرادية ومطالبة حتى اليوم الذي جاء فيد دور السلاح. إن مآثر الرجل الفقيد متعددة لا تفي بها كلمة عابرة مستعجلة كهذه، تكتب كلما دارت دورة الزمن، إذ أن للشيخ الفضيل الورتلاني جوانب متعددة تتطلب دراستها مجلدات، ولعل ذكرى وفاته التي تصادف شهر مارس تكون حافزا للأقلام المتخصصة في الوطن العربي الإسلامي وفي وطنه الجزائر بصفة خاصة، وللذين أتيح لهم الحظ العيش معه، أن يدرسوا ما يزال مادة خاما من مآثره الجليلة التي لا تعد ولا تحصى وأن يستخلصوا العبرة من أعماله ومواقفه النبيلة عبر مراحل

стр. 44

حياته، ومما قدمه من جليل الخدمات للجزائر بصفة خاصة وللعرب والمسلمين بصفة عامة حتى يتاح لجيلنا أن ينعم بالحرية ويستظل براية الاستقلال. لقد بر بوعده بر العظماء، فما مضى يوم من أيام حياته الغالية إلا كان مجاهدا كريما، وقد أصيب في أيام حياته الأخيرة بمرض عضال أخذ يستأثر بجهده الوهي وهو لا يأبه بذلك ولا يسمع إلى أقوال الأطباء إلا قليلا ولطالما وصفوا له الدواء فإذا بالأيام تمر تباعا، والدواء عند رأسه باقيا على حاله، وعندما تدهورت صحته واشتد به المرض نصحه بعض الأصدقاء بالسفر إلى تركيا للعلاج هناك بإحدى المستشفيات فسافر إليها في أواخر سنة ١٩٥٨م. لم تمض على إقامته بالمستشفى المذكور سوى بضعة أيام حيث أجريت له عملية جراحية لم تنجح فكانت خاتمة لحياته ووافته المنية في الثاني عشر من شهر مارس ١٩٥٩م ودفن بتركيا، ثم أعيد رفاته إلى أرض الوطن في ١٢ مارس ١٩٨٧ ودفن بمسقط رأسه بني ورتلان ولاية سطيف. فالمجد والخلود للشهداء الأبرار

стр. 45

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تصدير بقلم الفضيل الورتلاني التعاون مقدس، والتعارف أقدس ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ الحجرات: ١٣. هذا كلام عربي مبين، ومع ذلك فإنا نجد العرب والمسلمين في هذه الأيام، أزهد خلق الله في التعارف، وأزهد ما يكونون مع إخوانهم في الجنس واللغة والدين والمصلحة، وقد يكون لهم عذر أو أعذار، ولكن ذلك غير مبرر، ولا يقلل من أثر الواقع المر الذي باعد بين عقولهم وأفكارهم، وبين قلوبهم وإحساساتهم، حتى كثرت أممهم وهم أمة واحدة، وحتى تعددت دولهم وهم يخافون من دولة مزعومة، وذاك في نظري لسبب أساسي واحد، لأنهم فقدوا المصلحين الأكفاء دراية وإخلاصا، الذين يعرفودن كيف يأتون البيوت من أبوابها، ويدرون من أين تؤكل الكتف، ويعرفون بالتالي كيف يجعلون همهم الأول والأكبر في حشد كل الإمكانات، وكل الوسائل الصالحة لخلق الأمة العربية الواحدة، ذات عقلية واحدة، أو متقاربة، وذات إحساسات واحدة، أو متقاربة، وكل ذاك بلا ريب - لا سبيل إليه البتة إلا من طريق واحد اسمه "التعارف" التعارف في أوسع معانيه وأسماها وأعمقها، التعارف بين العقول والتعارف بين القلوب، والتعارف بين الأفراد والجماعات، والتعارف بين جميع الفئات، من تجار، وزراع، وصناع، وكتاب، وساسة، وحكام، وهلم جرا ..

стр. 46

حتى تتعانق المصالح، بين الجميع نتيجة للتعارف والاختلاط، فتكون هي الضمانة الطبيعية الكبرى، لتكريس التعاون واستمراره، ويومئذ نستطيع أن نقول: لإسرائيل: أنت دولة مزعومة. ولأنكلترا: أنت خبيثة غدارة. ولفرنسا: أنت مجرمة عاتية. ثم نقول للجميع أخرجوا كلكم من أوطاننا وارفعوا أيديكم عن جميع حقوقنا ومصالحنا، وإن أبيتم فإن الجواب ما سترون بأم أعينكم، لا ما تقرأون في احتجاجات شديدة اللهجة. ما هذا الجهل المخجل بينكم أيها العرب ؟ وإن تعجب فعجب أن تجد بين الصفوص العالية في المعاهد بمصر والعراق وغيرها من لا يعرف عن لبنان سوى أنه بلد اصطياف في موسم الحر، وأنه بلد التزلج على الثلوج في موسم الشتاء، ووالله إنك لتجد من بينهم من لا يفرق بين لبنان وليبيا، وألبانيا، وليبيريا، لجامع وجود الباء في كل منها، وقد يسألك أحد شطارهم عن ملك لبنان، أليس هو أحمد زوغو؟ وما أشبه ذلك. وإنك لتجد من بين أهل العلم الكبار من لا يعرف موقر فلسطين بالضبط حتى الآن، وأنه لا يزال يحسب بعد قيام إسرائيل، بأن مصر لا تزال مرتبطة برا بلبنان وسوريا، وأنه يمكن السفر إليهما بالقطار أو السيارة، والشهود على هذه الأمثلة الواقعية لا يزالون على قيد الحياة، وأنك لتجد في بعض بلاد العرب من يعتقد بأن سكان الكويت يعدون بالملايين، وأن جامعاتها مثل جامعات أوروبا. هذا ولا شك بأن الخواص ممن يشتغلون بالصحافه، والقضايا العامة أو غير ذلك من الخصوصيات، هم من الأفراد الذين تستثنيهم القاعدة المشهورة (لكل عموم خصوص).

стр. 47

ومع ذلك فإنك لا تستطيع أن تستثنيهم من التفاصيل والجزئيات، التي كان يجب أن يكونوا كمسؤولين عارفين بدقائقها. مثال ذلك أن تجد من بين أولئك المسؤولين، من يحسب أن السودانيين ليسوا عربا بل هم برابرة من الجنس الإفريقي القديم، لذلك يتساءل: ما شأنهم وشأن مصر حتى يتحدوا معها؟ كل ذلك لأنه رأى بعض البوابين النوبيين في بنايات مصر، سمر الألوان، أو سودها وقد يرطنون بلغة محلية نوبية، فظن أن أمة السودان كلها برابرة، لا يمكن أن يتحدوا مع مصر العربية المتحضرة .. وقد كان أكثر باشاوات مصر أنفسهم يجهلون حقيقة السودان والسودانيين، وهم الذين غرسوا النفور والحذر في نفوس هؤلاء الأمجاد باحتقارهم والترفع عليهم، الأمر الذي أدى في النهاية إلى كارثة الإنفصال رغم ما بذل من جهود جبارة لعلاج سياسة الماضي وإصلاحها، والتبعة الكبرى عندي تقع على أولئك الذين فرطوا في آداء رسالة التعارف بين الشعبين كاملة منذ عشرات السنين، إذ قديما قالوا: لا يصلح العطار ما أفسده الدهر، وإلا فالسودانيون إخوان المصريين بلا ريب. وأشهد ويشهد العارفون معي بأن أبناء السودان أقرب إلى العروبة، أخلاقا وعادات ولهجة وغيرة، من أكثر المجموعات العربية. أما حين نصل إلى المغرب العربي وجهل أهل الشرق بأحواله، فهنالك الطامة الكبرى، حتى أن الكثير من إخواننا العرب كانوا حتى الأمس القريب يستكثرون على أبناء هذه البلاد أن تكون ألوانهم بيضاء أو حمراء، لأن الأرض هناك في نظرهم، صحراء محرقة، من وظائفها الطبيعية أن تصبغ البشرة بالسواد أو بالسمرة على الأقل، وكان فيهم من يحسب أن المغاربة كظنهم في السودان برابرة الجنس وما يزالون، وسود البشرة، أعاجم اللغة لا يعرفون من العربية إلا تلاوة بعض سور القرآن من غير فهم، وأن أرضهم لا تزرع ولا تحصد، وليس فيها من أسباب ذلك

стр. 48

لا نهر ولا عيون جارية، ولا سماء ممطرة، وإنما يعيشون على أنواع من التمر يجود به نخيل الصحراء والواحات، وعلى آبار غير ارتوازية تكفي لبل ريقهم وإرواء مواشيهم لا غير، وأن حياة المدن عندهم معدومة البتة. لذلك كانوا يسألون في اهتمام كبير! .. عما إذا كان هناك كهرباء أو ترامواي، وطرق معبدة للسيارات وبيوت مبنية بالحجارة مسقوفة بالحديد والأخشاب. وإنهم لتأخذهم أشد الدهشة حين تخبرهم بأن كل ذلك متوفر، وبصفة أكمل مما هي في مصر والعراق، ولربما كان أكمل مما هي في بعض البلاد الأوروبية نفسها، وأغلب الظن أن أكثرهم ما كانوا في الأول يصدقون، ولقد قضينا في ديار الشرق العزيزة بضع عشرة سنة، لم نكن نشعر أثناءها بالغربة، وقضى غيرنا مثل ذلك أو أقل منه أو أكثر، ويعلم الله لو أن ما أذعناه من كلام بالقلم وباللسان عن ديار المغرب العربي - كان من الكائنات المادية - ثم جمعناه على بعضه، ليشكل أطنانا أو تلالا، ولكن عمل الفرد أو الأفراد مهما كانت أهميته، فإنه قاصر لا يسمن ولا يغني من جوع، لأنه كمن يريد أن يملأ بحرا محيطا بطائفة من الحجارة بقذفها إليه بيده، على أننا لا ننكر فائدة ذلك العمل، فلقد نقل القوم في مجموعهم إلى الصفوف الثانوية في بعض الأوساط وإلى الصفوف العالية في بعض الأوساط الأخرى، ولم يعد على الأقل أهل الحل والعقد في أكثر البلاد العربية، يشكون في وجود أمة بالمغرب العربي مستكملة الشروط للحياة الحرة وجديرة بالإستقلال والسيادة، ولا يشكون في أمر العناية بهم، والاشتراك في بناء مستقبلهم، على أنه من الواجبات القومية والمصلحة التي لا يعفيهم التاريخ في المحاسبة عليها، ولو أن حماسهم نحو العمل في المجموع ظل مع الأسف راكدا فاترا، وبات متوقفا على التحريك الدائم، وتابعا للظروف المحلية وملابساتها، ولأهداف الحاكمين الذين تنصبهم الأقدار على كراسيها لأن

стр. 49

أكثر الحكومات العربية إن لم تكن كلها ليس لها حتى الآن سياسة داخلية ولا خارجية موضوعة ثابتة لها ميزانيتها وجهازها، وبرامجها العملية، كما تفعل الدول في القرن العشرين، ولا كتب الإستقرار للكثير منها، حتى تتمكن من وضع تلك السياسة، وضعا محكما فضلا عن دفعها إلى ميدان العمل والتطبيق، وعلى كل حال فنحن نشكر كل من عمل لنا شيئا على عمله، مهما كان قليلا، ونعتب على كل من قصر وفرط عتاب الأخ لأخيه، وسنظل نذكرهم على الدوام لأن الذكرى تنفع المؤمنين. والمهم أن يفهم الجميع واجبهم، وأن يقدروا مصلحتهم، فواجب العرب أن يتعاونوا فيما بينهم من غير من ولا أذى كما يفعل أعداؤهم من الصهاينة والمستعمرين، وأما مصلحتهم فإنها بلا ريب في قوة إخوانهم وحريتهم، ولو أن ثلاثين مليونا في المغرب العربي يملكون اليوم أمر أنفسهم، لحلوا للعرب في المشرق أكثر مشكلاتهم، وأولها مشكلة فلسطين المستعصية. ويمكن أن تصدقوا بسهولة إذا علمتم بأن هذا المغرب يستطيع أن يعبئ جيشنا من أربعة ملايين مقاتل، شهد لهم كبار قواد الألمان والحلفاء، بأنهم من أعظم المقاتلين في العالم، وثورة الجزائر شاهد قائم، وجديد محسوس، لأن بضعة آلاف من الثوار بالبنادق العادية، وبقروش تجمع لهم سرا من هنا وهناك، قارعوا مئات الآلاف من الجيوش النظامية تساندها أحدث الأساطيل البرية والبحرية والجوية، وتمدها خزينة دولة لا ينضب معينها، ومن ورائهم جبهة الاستعمار التي لا تحصى إمكاناتها. مقالات في كتاب .. وبعد فلقد طلبت مني جماعة عباد الرحمن الكرام ورائدهم المجاهد السيد محمد عمر الدعوق أن آذن لهم في جمع طائفة من المقالات كنت نشرتها بهذه

стр. 50

الفترة القريبة، في جرائد سوريا ولبنان، وما كانوا في حاجه إلى أن يطلبوا مني الإذن في فعل المعروف، ولكنه كرم الخلق منهم، وحسن الأدب فأنا أشكرهم فوق الإذن لهم، وأعتذر عن هذه البضاعة المتواضعة، التي يقدمونها في كتاب إلى الناس لأنها مطبوخة على عجل وللإستهلاك الوقتي، راجيا أن تؤدي عني وعنهم بعض الواجب إن شاء الله. ثم طلبوا مني في إلحاح أن أضع لهم تصديرا فاعتذرت لكثرة المشاغل فلم يعذروني، وكان يكفي بعد القبول أن أقتصر في التصدير على بضعة أسطر ولكن الأسى يبعث الأسى، والألم عند تحريك الجرح يبعث على الأنين والصراخ. فليكن إذن هذا الأنين المضطرب تصديرا. والسلام على من اتبع الهدى

стр. 51

الجزائر تجاهد منذ خمسة قرون بمناسبة موافقة الأمم المتحدة أول مرة على المناقشة في قضية الجزائر، طلب قلم التحرير إلى الزعيم الجزائري المعروف الفضيل الورتلاني المقيم آنذاك في بيروت، كتابة فصل للقراء عن تطور الجزائر في سبيل الإستقلال. وها نحن نقدمه اليوم للقراء في (مقال الأسبوع). يمتد تاريخ نضال الجزائر عبر قرابة ٥٠٠ سنة، وعلى سبيل التحديد بدأ منذ خرج العرب من إسبانيا إذ ما كادت تنتهي المجزرة ضد العرب في داخل إسبانيا عقب سقوط غرناطة حتى ١٤٩٢، حتى توجهت أنظار الإسبان وسواهم إلى شمال إفريقيا، فتوالت على الجزائر حملات جبارة من الإسبان والإنكليز والفرنسيين والبرتغال، فما وهنت الجزائر يوما في رد هذه الحملات، رغم عنفها وجبروتها. ولننتقل الآن إلى نضال الجزأئر ضد فرنسا، الديمقراطية محررة الشعوب وواضعة حقوق الإنسان، هذا النضال الأخير يبتدئ منذ ١٢٥ سنة، حين تجمعت فلول جيوش نابليون الضخمة في باريس، بعد أن كانت تحتل معظم أراضي أوروبا، وخوفا من قيامها بثورة جامحة في الداخل، وجهوها إلى الجزائر للتخلص من خطرها ولإشباع روح الغزو والفتوح المسيطرة على حكام ذلك العهد. غياب الأسطول الجزائري وقيام الأمير عبد القادر وقد شجع الفرنسيين على هذه المغامرة أن الأسطول الجزائري القوي كان قد اشترك مع الأسطولين العثماني والمصري سنة ١٨٢٧ في معركة "نافارين" الشهيرة ضد أساطيل بريطانيا وفرنسا وروسيا، وهلك في تلك المعركة، فلم يبق للجزائريين ألوية بحرية تدافع عن سواحلهم.

стр. 52

هكذا عبأت فرنسا جيوشها وأرسلتها في حملة مؤلفة من ٣٧ ألف جندي على أسطول قوي، فنزلت على ساحل "سيدي فرخ " قرب مدينة الجزائر، في ١٤ جوان سنة ١٨٣٠ ثم فاوض الفرنسيون الباي التركي يومذاك وحملوه على التسليم، وجلوا العاصمة في ٥ جويلية من السنة ذاتها. وأستطيع أن أؤكد أن النضال بين الجزائر وفرنسا قد ابتدأ من ذلك اليوم ولم ينته حتى هذه الساعة، وقد قاد المرحلة الأولى من ذلك النضال العنيف الأمير عبد القادر الجزائري الذي بايعته البلاد يومذاك بيعة شرعية اجتماعية، فدافع عن الجزائر في حملة استمرت (١٨) سنة في وجه عدو استخدم وسائل دولة كبرى ضد شعب مغلوب على أمره. رأس جزائري بخمسة فرنكات وكانت قيادة الجيوش الفرنسية تبيح للجندي الفرنسي أن يقتل العربي الجزائري كيفما كان وضعه، ذكرا كان أم أنثى، صغيرا كان أم كبيرا، في حالة أمن أو في حالة حرب، وله مقابل كل رأس عربي خمسة فرنكات مكافأة، ثم تحسنت الأسعار حتى بلغت خمسة فرنكات للأذن المقطوعة!. ولما نفذت قدرة الأمير عبد القادر الحربية اضطر إلى التسليم باتفاقية نقضتها فرنسا، وغدرت بالأمير قبل أن يجف حبرها، وقبل أن يترك مياه البحر الأبيض في طريقه إلى إسطنبول التي وعدت بنقله إليها، إذ اعتقلته خيانة ووضعته في أحد قصور ملوكها، هو وأهله وحاشيته ولم يفرج عنه ويطلق سراحه ليواصل طريقه إلى عاصمة الخلافة حتى جاء إلى الحكم نابليون الثالث. وفي هذه الأثناء كانت أطراف البلاد الجزائرية عاصية ثائرة، فما تكاد فرنسا تقهرهم في جهة، حتى تكون الجهة الأخرى قد ثارت من جديد، وكانت فرنسا تنتقم

стр. 53

من الثوار بالقتل والحبس والنفي ومصادرة الأملاك، حتى أنها قد صادرت إثر ثورة واحدة نصف مليون هكتار من الأراضي، أي خمسة ملايين من الدونمات دفعة واحدة وبهذه الطريقة سلبت الجزائريين أراضيهم وأعطتها للمستعمرين الفرنسيين. ثورة المقراني وابن الحداد وأشهر ثورة بعد حرب الأمير عبد القادر هي التي قامت عام ١٨٧١ بقيادة الثائر الجزائري المجاهد الباش آغا المقراني ثم التي تلتها مباشرة بقيادة العلامة الجزائري الشيخ ابن الحداد، ثم تلتها ثورات متوالية ومتقطعة. ولما انتهت الحرب العالمية الأولى، تغيرت أساليب النضال في جميع أطراف العالم، وأصاب الجزائر من هذا التغيير قسط كبير إذ أدخلت في أسلوب نضالها الدعاية باللسان والقلم، والتعبير عن السخط بالاحتجاج والإضراب والمظاهرات وما أشبه ذلك. وكانت هذه الأساليب تأخذ أحيانا طابع العنف فتنتهي إلى ثورة أو ما يشبه ثورة ثم لا يخلو المحصول من قتلى وجرحى واعتقالات وغرامات وما أشبه ذلك. ثورة من أجل يهودي يسب دين الإسلام وأبرز الأحداث التي انتهت إلى عنف ظاهر في هذه الفترة كانت عام ١٩٣٣، حين مر جندي فرنسي يهودي بالقرب من المعهد الذي كان يرعاه ويديره باعث الجزائر الجديدة العلامة عبد الحميد بن باديس، إذ دخل ذلك الجندي في نقاش مع عربي، سب أثناءه الجندي الدين، فكانت تلك الكلمة الملعونة بمثابة الشرارة الأولى في ثورة عمت مدينة قسنطينة في بضع ساعات، ثم انتشرت في أطراف البلاد، وقد سقط في هذه الثورة مئات من القتلى وآلاف من الجرحى، وحوكم الألوف.

стр. 54

وأخيرا انفجار كبير حدث عام ١٩٤٥ إثر إنتهاء الحرب، حين احتفلت الأمم الحرة جميعها بيوم النصر، فكان من الطبيعي أن يشترك الجزائريون في الاحتفال، وكان من الطبيعي أن يعبروا عن آمالهم في الحرية التي يحتفلون بانتصارها فحملوا أعلاما جزائرية، ولافتات كتب عليها ما يعبر عن هذه الآمال في الاستقلال والسيادة. ولكن هذه الظاهرة لم ترق للمستعمرين، فتحرش البوليس والجيش والمدنيون الفرنسيون بالجزائريين، فانتهى ذلك النزاع إلى ثورة جامحة عمت جميع أطراف الجزائر تقريبا، وكان محصولها نحو أربعين ألفا من القتلى المدنيين من النساء والأطفال والعجزة، وفي قراهم غير المحصنة، إذ تولت الطائرات الفرنسية تدميرها ثم أحرقتها قنابل "النابالم"!. ولا يستغربن القارئ هذه الأساليب، ففي الماضي طبقها الفرنسيون على مراكش، إذ أطلقوا دباباتهم تهاجم قرى منطقه "وادي زم" فدمرت عشر قرى بيتا بيتا، وقتلت كل من وجدته من رجال ونساء وأطفال، انتقاما للثمانين فرنسيا الذين قتلهم رجال القبائل. وهكذا أباد الفرنسيون نحو عشرة آلاف شخص بهمجية تثبت أن العسكريين الاستعماريين الفرنسيين هم مجرمون أبدا حيثما كانوا. وعند السوريين واللبنانيين الخبر اليقين في ثورة ١٩٢٥!. حقوق اللصوص أما الثورة الأخيرة فقد بدأت في خريف ١٩٤٥ في جبال "الأوراس"، وامتدت إلى جبال جرجرة وسراها، وقد قرأت في الصحف الفرنسية أن عدد الثوار الجزائريين يقدر بمئتي ألف شخص، أما أنا فأعتقد أن أساليب الهمجية الاستعمارية قد جعلت كل جزائري ثائرا، وأنا واثق أن هذه الثورة ستستمر إلى أن يعترف الفرنسيون بحق الجزائر في الاستقلال!.

стр. 55

هذه فذلكة عابرة عن النضال في الجزائر ضد المستعمرين الفرسيين وهي تدل دلالة قاطعة على أن هذه الأمة العريقة، لم تعترف ولا يوما واحدا بضيافة الاستعمار الفرنسي في ديارها، ولا وضعت السلاح ضده مختارة لترتضيه قيما عليها. أما الحقوق المكتسبة التي يدعيها اليوم في الجزائر حكام فرنسا من جنس حقوق اللصوص بأن يقبص عليهم البوليس داخل البيت متلبسين بالجرم المشهود، فيدعون بأن القضية داخلية لا يجوز للبوليس الفضولي أن يتدخل فيها، وهذا عين ما صنعه وفد فرنسا في هيئة الأمم المتحدة حين حرد على "فضول" الهيئة وتدخلها في قضية داخلية بين اللصوص الفرنسيين والجزائريين المنكوبين. جريدة الحياة عدد ٢٨٩٤ لماذا يستميت الجزائريون بنضالهم حيث الكرامة أغلى من الموت النظام النيابي، القائم على التمثيل الشعبي والحريات السياسية، هذا النظام الذي أقامت فرنسا الثورية الحرب من أجله لم تعرفه الجزائر في ظل الحكم الفرنسي إلا عقب الحرب العظمى الأولى. ولما جاء الفرنسيون أخيرا بقانون تمثيلي، مكافأة للجزائر على مئات الآلاف من الجزائريين الذين ذهبوا ضحية الدفاع عن الأم الكريمة، جاءت روح هذا القانون صورة طبق الأصل لقانون الأهالي الذي تحدثنا عنه سابقا، فهو يعطي ثلاثة أرباع المليون من الفرنسيين والمتفرنسين ثلاثة أخماس المقاعد، ويعطي لعشرة ملايين من الأهالي العرب أصحاب البلد الأصليين الخمسين الباقية. ولا يجيز هذا القانون لعربي أن يكون رئيسا للمجلس ولا نائبا له، ولا يجيز للعربي أن يكون رئيس بلدية، ولا نائبا له، هذا من حيث الشكل، وأما من حيث

стр. 56

الجوهر والتطبيق فلقد كانت مهزلة لا تليق إلا بألاعيب الأطفال، لأن إنتخابات الأهالي كان جريانها على الدوام صوريا، فهي في الحقيقة تعيين وليس بتمثيل، أو هي تمثيل حقا، ولكنه تمثيل بالمعنى الفني الحديث. هذا نموذج مجمل لطبيعة الاستعمار الفرنسي في الجزائر وتحته فروع وفروع. الورتلاني يشرح قضايا التحرر في المغرب العربي اتحاد أقطار المغرب في دولة واحدة واجب مقدس، يسعى إليه كل عربي في الإتفاقية الفرنسية ثلاث سوابق فائقة الخطورة، أرجو أن لا يقع المسؤولون بمراكش في مثل ما وقع فيه التونسيون. قابل مندوبنا السيد الفضيل الورتلاني المجاهد الجزائري المعروف وطرح عليه بعض الأسئلة المتعلقة بالحركة التحررية في المغرب العربي، وهذه هي أجوبة السيد الورتلاني التي تلقي ضوءا على قضية المغرب العربي: س - هل يمكن في المستقبل أن تتوحد أقطار المغرب العربي في دولة واحدة أو متحدة؟ وما هي العقبات التي يحتمل أن تعترض هذا الإتحاد؟ ج - إن اتحاد أقطار المغرب العربي، في دولة واحدة أو متحدة، ليس أمرا ممكنا فحسب، بل هو الواجب المقدس الذي يسعى إليه كل مواطن حر صادق، وأسباب ذلك ومقتضياته بحمد الله قائمة، على أكمل وجه، ولو أردت أن تقابل بين مجموعة العوامل التي تربط بين أبناء المغرب العربي، وبين أي مجموعة أخرى من جميع أطراف العالم، لوجدت روابط الأولى أكثر وأمتن. فالجنس واحد والدين واحد، والمذهب واحد، واللغة واحدة، وأخيرا فإن الألام والأمال واحدة لأن الظالم المستعمر الغاصب واحد. وقديما قال أمير الشعراء: إن المصائب يجمعن المصابينا: أما عن العقبات، فإن

стр. 57

العقبة الوحيدة التي يمكن أن تعرقل هذه الوحدة أو هذا الإتحاد، فهي الاستعمار الفرنسي فقط. وهذا الاستعمار، إذا فاته أن يعرقل استقلال هذه البلاد فلا يقصر في بذل أعظم الجهود، لعرقلة وحدتها أو إتحادها، فالاستعمار الفرنسي مثل الشيطان تماما، والشيطان يهمه أن يحمل الإنسان على الكفر بالله، فإذا عجز عن ذلك، أقنع بأن يضعف إيمانه على الأقل، أما وجود سلطان في مراكش، وباي في تونس، فإني أؤكد أنه لا يشكل عقبة دون الوحدة أو الإتحاد مطلقا، فلقد رأيت السلطان الشرعي "محمد بن يوسف" يجازف بعرشه حين ساومه الاستعمار الفرنسي على مصالح بلاده والشعب العربي في مراكش، وكذلك فعل ملك تونس السابق الشهيد "المنصف باي". عدد الثوار س - كم هو عدد الثوار في ظنك، وإلى أي حد يتمتعون بتأييد الأمة الجزائرية .. ؟ ج - إن عدد الثوار في الجزائر هو في نظري على قدر عدد نفوس الأمة الجزائرية نفسها، فالأمة الجزائرية برجالها ونسائها، وصغارها وكبارها، كلها ثائرة وكلها متألمة ومقاومة وآيسة، فمن استطاع من الجزائريين أن يصعد إلى الجبل ويحمل السلاح، فهو الآن في الجبل، ومن لم يستطع ذلك أو ليست رسالته هي حمل السلاح فمثل هذا أيضا ثائر وهو في بيته، أو في دكانه، أو في مكتبه، أو في مزرعته، وثائر في أي مكان تظله فيه السماء وتوحي إليه باسترداد حريته وحقه أو الإستشهاد والفناء دون ذلك، ويكاد يكون الحال كذلك في مراكش وآمل أن يصير مثل ذلك أو قريب من ذلك في تونس أيضا أما تأييد الأمة الجزائرية للثوار، فليس له حد ولا نهاية، لأن المفروض أن الأمة كلها ثائرة، وأنها جميعا هي الثوار فهي المؤيدة "بالفتح" والمؤيدة "بالكسر". ومن نعم الله على الجزائر بالذات أن الفرنسيين فيها، رغم دهائهم ومكرهم

стр. 58

وسخائهم في شراء الذمم، فإنهم لم يستطيعوا أن يعثروا حتى الآن، على خائن واحد، يصنعون منه محمد عرفة ثانيا، أو "كوسلينج" ثانيا، أو دمية من أمثالها. قيادة الحركة س - ما هي الهيئات الرسمية الموجودة في الجزائر ذات الأهمية والمسؤولية التي تتمتع بثقة الأمة الجزائرية؟ ج - في الجزائر اليوم، من الناحية العملية الجوهرية، هيئة واحدة فقط إنها الأمة الجزائرية الثائرة، وهذه الأمة الثائرة على اختلاف طبقاتها، ومشاربها، ودرجاتها في الحماس والعمل، هي جميعا قوة متراصة، تمد المجاهدين الأبطال، بأعز ما تملك من نفس ونفيس، وما عرفنا حتى هذه الساعة، من خرج على هذا الإجماع أو من فكر في الخروج عنه، إلا بعض الأفراد التافهين الذين قد يغريهم أحيانا ترغيب أو ترهيب، وليس لهؤلاء أي قيمة، أو أهمية. أما من الناحية الرسمية والشكلية فإنه يوجد في الجزائر هيئات ثلاث الأولى: "حزب الشعب الجزائري" والتانية: "جمعية العلماء الجزائرين" والثالثة: "حزب البيان الجزائري، وحزب الشعب غير معترف به رسميا" والآخرون لم يعودوا يشتغلون كهيئات إنما أصبحوا جميعا يشتغلون كأمة ثائرة تكافح في سبيل تقرير مصيرها، ومصير الأجيال من أبنائها وأحفادها. والفرنسيون يحاولون دائما ولا ييأسون في السعي لإيجاد تفرقة ينفذون من خلالها، لإيجاد الوهن في الصفوف. ولكنهم فاشلون حتى الآن، ونأمل أن يكون نصيبهم على الدوام الفشل، حتى يكتب الله النصر للجزائريين والمغاربة، وهو نصر للحق الذي ينشده جميع البشر من الأحرار. ومع ذلك، فإن الحزم يقتضي منا أن لا نبالغ في التفاؤل. حتى نقدر بأن الجزائريين والمغاربة معصومون لا يمكن أن يوجد من بينهم ضعفاء أو أنانيون

стр. 59

جهلاء، بل هذا جائز على جميع البشر، قديما وحديثا، من أجل ذلك نحن نناشد على الدوام كل جزائري، وكل مغربي، ونحذرهم من أن يدعوا شيئا يساعد على إيجاد أدنى فرقة في صفوف الأمة، وحتى كرامة الفرد في مثل هذه الظروف الدقيقة يجب أن تهون وتبذل في سبيل كرامة الأمة ومستقبلها. الإتفاقية التونسية س - ما رأيك في الإتفاقية التونسية الفرنسية وفي المفاوضات المنوي إجراؤها بين فرنسا ومراكش؟ ج - إن موضوع الإتفاقية التونسية، ذو شقين الأول والأهم، يتعلق بالإتفاقية نفسها. والثاني: ثانوي يتعلق بالأفراد الذين ارتضوا تلك التجربة الخاطئة أما الأفراد فإني لا أريد أن أتعجل، فأحكم على أحد منهم بسوء فضلا عن الخيانة. وكلهم إخواننا لهم ماضيهم وتضحياتهم المحفوظة والمحترمة، وإنما الذي أحكم به من غير تردد هو أنهم في قبولهم لهذه الإتفاقية نفسها وما سبقها ولحقها من ملابسات، ولقد حصل فيها مع الأسف الشديد سوابق ثلاث هي في غاية الخطورة، السابقة الأولى: هي دعوة المجاهدين التونسيين الذين كانوا في الجبال يكافحون الإستعمار الفرنسي لتسليم أنفسهم وأسلحتهم، لمجرد وعد صدر عن رئيس حكومة فرنسا في ذلك الوقت "منديس فرانس" "يعدهم بأنه سيفاوض التونسيين ويعطيهم استقلالا ذاتيا" ونحن وأهل الدنيا جميعا قد عرفنا وعرفوا من هذه الوعود المطاطة الزائفة المئات والآلاف، وما عرفناهم يوما بصادقين، ثم أن إخواننا الزعماء فعلوا ذلك في وقت كانت الجزائر ومراكش في بداية الإنفجار والثورة، والمفروض عندنا وعند إخواننا المسؤولين في تونس، أن هذه الأقطار الثلاثة - تونس والجزائر ومراكش - إنما تشكل أمة واحدة وقضية واحدة، لا يجوز أن نرضي رغبة المستعمرين بتجزأتها، وتفريق كفاحها الحربي والسياسي.

стр. 60

والسابقة الثانية: هي أن الإتفاقية التونسية الفرنسية، تجعل للفرنسيين الدخلاء حقوقا مشروعة، وتكاد تكون أبدية، وذلك في مقابل إصلاحات طفيفة، في شكل الحكم هي بنظري في غاية التفاهة، بينما كان الوجود الفرنسي قبل الإتفاقية إنما هو وجود استعماري ظالم غير مشروع. والتالي فهو طبعا غير مؤيد، لأن الأبدية إنما هي لله الواحد القهار .. والسابقة الثالثة: هي قبول وزير يهودي في أول حكومة وطنية عرفتها تونس بعد الاحتلال الفرنسي. اليهود في تونس ويجب أن يعلم القراء، أن اليهود في تونس، لا يتجاوز عددهم خمسين ألفا وبعضهم يحمل الجنسية الفرنسية بينما سكان تونس العرب يزيدون على أربعة ملايين، ثم أن هذا اليهودي الغني الخطير، لا يشك عاقل في صهيونيته، ومعنى ذلك فإن إسرائيل غير المزعومة، أصبحت ممثلة في حكومة تونس العربية الحرة. ويجب أن يعلم القراء في الوقت نفسه، أن اليهود المواطنين في جميع أقطار المغرب العربي، وعدد سكانه ثلاثون مليونا لا يتجاوز عددهم مائة وخمسين ألفا، ويلاحظ أن السبعين ألف يهودي في الجزائر، ليسوا مواطنين جزائريين، لأن جنسيتهم فرنسية منذ ١٨٧١ بموجب قانون "كريميو" اليهودي المشهور، وليس معنى هذا أن الجزائر تنوي أن تحرمهم الجنسية الجزائرية إذا تم استقلالها، بل ذلك أمر آخر غير وارد هنا، هذا رأيي إجمالا في الإتفاقية التونسية الفرنسية، ويجب في رأيي أن يعاد النظر فيها على أسس ثورة المغرب العربي العامة، وذلك في نظري لمصلحة الطرفين معا إذا حضر عقل المسؤولين الفرنسيين وبعد نظرهم، ثم غابت الأنانية وشهوة المستعمرين. من الفئة الإستغلالية الضئيلة. ومراكش أما مراكش فإن الأسلوب المتبع معها حتى الآن في نظري أضعف من الذي اتبع مع تونس، لأنه قائم كله على تفريق ومغالطة، وعلى مساومة تحمل ظواهرها سوء

стр. 61

النية واضحة وأرجو أن لا يقع إخواننا المسؤولون المراكشيون في مثل ما وقع فيه إخواننا التونسيون، لا سيما وأن الكفاح الآن، قد أخذ طابعا جديدا من الحزم والإتحاد، فمن التفريط الخطير، بل من الخيانة العظمى، أن يطعن المكافحون من السياسيين في ظهورهم، وأن رأيي القديم الذي أغتنم هذه الفرصة لتجديد إعلانه هنا، هو أن لا يقبل فرد أو هيئة في الأقطار الثلاثة أي نوع من المفاوضات إلا على قاعدتين أساسيتين الأولى: هي الإستقلال التام، والثانية: أن المغرب العربي له قضية واحدة، فيجب أن تحل هذه القضية الواحدة مجتمعة غير مفرقة. وهذا ما نأمل أن يكون بإذن الله. جريدة الجريدة عدد ٨٧٠ أسطورة الوجود الفرنسي بالمغرب العربي وجهت (الجريدة) إلى السيد الفضيل الورتلاني الزعيم الجزائري المعروف أسئلة عن الوضع الداخلي، والدولي للجزائر. وطلبت إليه ببسط رأيه في ما تزعمه فرنسا من أن الجزائر فرنسية، وأن قضيتها داخلية .. كما سألته عما يريده الفرنسيون من إدماج الجزائر في فرنسا، وما يعنون بهذا الإدماج، وأخيرا سألته عن طبيعة المصالح الفرنسية بالجزائر، ومصير هذه المصالح إذا استقلت الجزائر، وفيما يلي ردود الزعيم الجزائري على أسئلة (الجريدة). س - ماذا يعني الفرنسيون بدعواهم: أن الجزائر فرنسية، وأن الجزائريين فرنسيون، وبالتالي فإن قضيتها داخلية بحتة لا تعني إلا أهلها؟ ج - إن هذا السؤال لخطير، أشد الخطورة، والجواب عنه يحتاج إلى شيء من الإفاضة، والحقيقة أن أسخف بدعة سياسية، عرفها القرن العشرين، هي هذه

стр. 62

الدعوى الصبيانية، التي لا يستحي كبار الفرنسيين من ترديدها في كل مكان، وأن يسجلونها بحماس في المحافل الدولية بالذات. والغريب أن الدليل الوحيد عند الفرنسيين، بأن الجزائر حقا، وصدقا فرنسية: هو مجرد وجودهم في هذه الديار، بجنود هم وشرطتهم، وأسلحتهم، وظلمهم، وطغيانهم. نعم هذا هو دليلهم الوحيد، وإننا نتحداهم على ملأ من الدنيا، إذا كانوا يملكون دليلا آخر سواه. وهل هذا الدليل العتيق لما يصلح الإستدلال به على جواز استبعاد الشعوب في القرن العشرين؟ يجب أن تكون فرنسا أذن ألمانية .. ! ولو أن حجة الفرنسيين قد صحت في الجزائر لهم، فإنه يجب أن تصح هذه الحجة نفسها عليهم بفرنسا، ذلك لو أن الألمان كانوا قد ادعوا أثناء إحتلالهم الأول والثاني لفرنسا، بأنها المانية، إذن لوجب على العالم الحر، وغير الحر، أن يسلم فرنسا قد أصبحت ألمانية فعلا وأن قضيتها داخلية بحتة، لا تعني إلا أهلها .. الألمان. فهل يا ترى لو زعم الألمان يومئذ مثل هذا الزعم، ثم صدقهم العالم الحر، وغير العالم الحر من الناس، هل كان الفرنسيون يجدون في ذلك الزعم، ق ذلك التصديق شيئا من المنطق، أو شيئا من الحق والنبل؟ أم أنهم كانوا يركلون الأرض بأرجلهم، غضبا وسخطا، ثم ينطلقون في طريق الكفاح يعملون على تحرير وطنهم المقدس؟ لا أظن أنه يوجد فرنسي واحد في الدنيا، كان يمكن أن يعترف بملكية بلده للغزاة لمجرد كونهم غزاة غالبين .. لقد فعل ما هو أهون من هذا بكثير، رجال عظام من قومهم مع لألمان، وفي مقدمتهم بطل فردان المرشال بيتان والرئيس لافال، وغيرهم. ولم يتجاوز ما فعله هؤلاء الفرنسيون العظام التعاون مع الألمان، وهم يحسبون أن ذلك في مصلحة فرنسا. غير أن جراءهم كان التشهير ثم الإعدام. أما الفرنسيون الذين ثاروا على الألمان الغزاة، ولم يعترفوا

стр. 63

بشرعية وجودهم في أرض الوطن هؤلاء كانوا يسمونهم الأحرار، ورجال المقاومة الأبطال، ولقد كانوا ولا يزالون محل تقديس جميع الفرنسيين حتى هذه الساعة. المنطق المعكوس هذا هو منطق الفرنسيين أنفسهم عند حكمهم على قضاياهم القومية. فإنهم يرون مثلا، أنه من الجريمة الكبرى والخيانة العظمى، أن يعترف فرنسي لغاز، أو فاتح بحق في وطنهم، ولو كان هذا الفاتح يملك أدوات الموت، وأدوات السموات والأرض، أو كان يملك جميع أسباب القهر والغلبة. ويرى الفرنسيون من جهة أخرى أن الواجب المقدس، والمثل الأعلى يوجب على المواطن أن يضحي بكل عزيز لديه في سبيل طرد الغزاة الفاتحين من أرض وطنه. هذا منطقهم في قضاياهم القومية الخاصة. وأما حينما يحاكمون قضايا الناس القومية، ويكونون هم الطرف المدعى عليه، فإن هذه المفاهيم الجميلة، والقوانين المقدسة، تنقلب عندهم رأسا على عقب، وتصبح أوطان ضحاياهم المغلوبين ملكا لهم، لمجرد كونهم غزاة فاتحين، ومنتصرين بالقوة ومسيطرين على الحق، وتصبح قضايا ضحاياهم المغلوبين داخلية بحتة لا تعني أهلها أي لا تعني إلا الغالبين وهم الفرنسيون: ولا يجوز للعالم الحر، ولا لغير العالم الحر أن يتدخل فيها، وإلا عد تدخله فضولا وقحة، وجرأة سافلة دنيئة (كما صرح رئيس وزراء فرنسا إدغار فور في الجمعية الوطنية الفرنسية) ويصبح المقاومون المكافحون للاستعمار لصوصا، وقطاع طرق، وسفاكين خارجين على القانون، يجب في نظر فرنسا أن يتعاون معها العالم الحر، ودول ميثاق الأطلسي على تأديبهم، والقضاء على شغبهم. إدماج الجزائر بفرنسا، دونه قارات وبحار وتاريخ أما الحق الذي تذوب الأباطيل كلها، ويبقى هو شاهدا، ودليلا على نفسه، فهو أن الجزائر ليست فرنسية، وأن الوطن الجزائري، والأمة الجزائرية موجودة منذ آلاف

стр. 64

السنين أي قبل أن توجد فرنسا بوضعها الحالي. وأن الجزائر تقع في قارة، وفرنسا تقع في قارة أخرى، يفصل بينهما بحر عظيم اسمه البحر الأبيض المتوسط ... وأن الجزائر أمة شريقية، عربية مسلمة من قبل ومن بعد، وليست فرنسا في شيء من ذلك كله .. وإن فرنسا ظالمة بكل ما في الظلم وأن الجزائر مظلومة بكل ما في الظلم من معنى، ولا يزال قانون الظالم مع المظلوم، هو وحده السائد في ربوعها. وإذن .. ؟ فما معنى هذا الإلحاح الفرنسي بأن الجزائر فرنسية، وأن الجزائريين فرنسيون؟ أن معنى ذلك في المنطق الإستعماري الفرنسي وقصده أن هذه الأرض الجزائرية قد غزاها آباؤهم وأجدادهم، فتغلبوا عليها. وعلى هذا وجب أن تكون ملكا لهم، كما ضيعتك أنت ملكا لك أو كما يكون بستان زيد أو دار عمر ملكا لهما .. غير أن هناك فرقا واحدا هو أن البشر الموجودين في ضيعتك ليسوا ملكا لك، أما البشر الموجودون في "ضيعة" الجزائر فإنهم ملك للفرنسيين الغزاة لأنهم تابعون للضيعة، كتبعية: بقرك، وغنمك، وحميرك وما أشبه ذلك .. ماذا يقصد الفرنسيون بالإندماج س - ماذا يعني المسؤولون الفرنسيون بالإندماج الجزائري الذي كثر اللغط حوله في هذه الأيام، والذي يبدو أنهم مصرون على تحقيقه؟ ج - إن الإدماج، أو الإندماج في لغة الناس هو أن يختلط شيء بشيء آخر، أو بأشياء كثيرة أخرى حتى تذوب كلها أو يذوب بعضها في بعض، ثم تصبح بعد ذلك شيئا واحدا جديدا، له حكم واحد. وقيمة واحدة، واعتبار واحد. وحتى إذا كانت المدموجات مما يقوم بالنقود، فلا يكون لها إلا سعر واحد. ومثال ذلك بالبساطة، حال الطبخة التي تصنع من مواد مختلفة فإنها بعد الإندماج، إنما تصير آكلة واحدة ذات قيمة واحدة، وقس على ذلك.

стр. 65

أما الإدماج في لغة الفرنسيين، فهو شيء غير ذلك تماما. وتوضيحه أن إدماج الجزائر مثلا، قد حصل في نظرهم فعلا، وهو قديم قد مضى عليه عشرات السنين. ومع ذلك .. هل تحقق شيء من معاني الإندماج أو من الصفات التي توفرت في الطبخة كما ضربنا المثل بها. كلا لم يتحقق شيء منه على الإطلاق. ذلك بأن عناصر "الطبخة" وموادها في إدماج الجزائر ما زالت منفصلة محتفظة بمزاياها الفردية. ولم تتحقق عناصر المساواة الحقيقية التي يجب أن تتوفر حتى في صنع "الطعام" .. أما الذي حصل بالفعل، والذي يشهد به الواقع حتى اليوم، هو أن الجزائريين إنما يعيشون مع الفرنسيين، كما يعيش العبيد مع السادة .. فالغنم كله للفرنسيين والمتفرنسين، والعزم كله على الجزائريين المنكوبين. ولو أن المقام مقام تفصيل لسردت مئات الأمثلة على ذلك. إلا أنني أقدم نموذجا يصح القياس عليه دون الحصر. فمن مظاهر هذا الإندماج الجزائري الفرنسي المزعوم، الفروق الآتية: دلائل الإندماج المزعوم يجوز للفرنسي، بل من حقه الطبيعي أن يتمتع بجميع وظائف الدولة، الإدارية، والقضائية والعسكرية. فيجوز له مثلا أن يكون رئيس جمهورية، أو رئيس حكومة، أو أن يكون وزيرا، وقائدا للجيش وما إلى ذلك: أما الجزائري "المندمج" فإن القانون الفرنسي "الإندماجي" لا يتيح له أن يتمتع بما فوق وظيفة مختار. أي لا يجوز له أن يكون "قائم مقام" ولا معاونا له، ولا يجوز له أن يكون قاضيا في محكمة أهليه، ولا نائبا للقاضي: ولا يجوز له كذلك أن يكون رئيس قسم بوليس، ولا معاونا له. ولا يجوز أن يرقى في الجيش إلى رتبة أعلى من رئيس كما لا يجوز أن يكون رئيس بلدية، أو نائبا أول.

стр. 66

وفي المجالس النيابية المحلية، يمثل ثلاثة أرباع المليون من المتفرنسين ثلاثه أخماس في بعضها، وثلثان في البعض الآخر، بينما يمثل عشرة ملايين من الجزائريين العرب خمسان في بعضها، وثلث في البعض الآخر، وعلى هذه القاعدة الإندماجية فإن عشرة ملايين من الجزائريين لا يعادلون نصف مليون من المتفرنسين. والقانون العام الذي يحكم الجزائريين. فإنه خاص بهم يسمى "قانون الأهالي". وهذا القانون الشاذ ما عرفت العصور البربرية المظلمة مثله. أما لغة الجزائريين العربية، المتوارثة منذ أربعة عشر قرنا، أبا عن جد، فإن القانون الفرنسي "الإندماجي" يعتبرها لغة أجنبية في وطنها الجزائر .. وهكذا سائر الأوضاع الأخرى. التي لا تجد فيها مساواة بين جزائري، وفرنسي، حتى في أبسط الأمور التي يطمع حتى الحيوان في القرن العشرين أن يساهم فيها. هذا توضيح بسيط أقدمه إلى القارئ ليدرك أن الفرنسيين أنفسهم. كانوا كاذبين في دعوى إدماج الجزائر في فرنسا، ولا يزالون يكذبون حتى اليوم، ويغالطون، وإننا لنتحدى فرنسا أن تثبت غير ذلك. أما الذي يجب أن يعرفه الناس جميعا، فإن الجزائر أمة قائمة بذاتها، مستكملة الشروط والخصائص، وأنها كانت قائمة موجودة قبل وجود فرنسا، ولا تزال، وستظل موجودة إلى ما شاء الله، ثم أن الجزائريين أحرار مثل الفرنسيين أنفسئهم لا يريدون إندماجا ولا إلتحاقا، وكانت دواعيه وملابساته متوفرة، وموانعه غير قائمة، لما كان هذا الإندماج إلا بإخوانهم العرب دون سواهم. مصالح الفرنسين هي استعباد الجزائريين س - ما هي طبيعة المصالح الفرنسية في الجزائر التي يدعونها، وماذا يخشون عليها لو استقلت الجزائر؟ ج - إن ما يقصده الفرنسيون المستعمرون بمصالحهم في الجزائر، لا يمكن أن يخطر لعاقل ببال .. لأن معنى المصالح عندهم أن يكونوا على الدوام سادة، وأن

стр. 67

يكون الجزائريون على الدوام عبيدا .. والقاعدة معلومة .. وهي أن العبد وما ملك لسيده .. والواقع أن مجرد الكلام في رفع صفة الرق عن الجزائريين، كان دوما يهيج المستعمرين، ويجعلهم ينادون ويهددون بالويل، والثبور، وعظائم الأمور .. ثم يندبون مصالحهم المهددة بالخطر والزوال. وهذا هو بعينه ما اصطلحوا على تسميته بالوجود الفرنسي، يعنون به الاستعباد الفرنسي للجزائريين، ولجميع سكان المغرب العربي. ولعله يسهل على العاقل أن يصدق هذا بالهين مع أنه خال من كل مبالغة بل يقصر عن الحقيقة، ونحن نتحدى الفرنسيين دائما إذا استطاعوا أن ينفوا شيئا منه. والدليل الواضح أن الجزائريين الذين يطالبون بالاستقلال وهو حقهم الطبيعي في الحياة والكرامة. والذي لا يوحي لهم به أحد، ليعترفون للمستعمرين الفرنسيين بالجنسية الجزائرية وبالمساواة المطلقة مع الجزائريين الأصليين وفي جميع الحقوق والواجبات، وإنهم ليعترفون لهم فوق ذلك بالحقوق المكتسبة أو بالأحرى بالثروات المغتصبة من الجزائريين المساكين، والمكدسة طول قرن وربع القرن من حكمهم الجائر الجبار، هذا وحتى لو تم للجزائر استقلالها اليوم بالفعل، فسيظل الفرنسيون متفوقين مدة نصف قرن أو تزيد، وذلك لما تجمع لديهم من مال وثقافة، أو بما أصاب الجزائريين مقابل ذلك من فقر مدقع، وحرمان من الثقافة والتعليم في الكيفية والكمية. وأما مصالح فرنسا في الجزائر كدولة، فإن الجزائر المستقلة ستكون عاقلة منصفة، إذا أرادت فرنسا أن تسير في طريق العقل والعدل والإنصاف، ولقد جربت فرنسا أساليب التهور والغطرسة في سوريا ولبنان، وجربتها في الهند الصينية ويذكر القارئ أنها قد خرجت من هذه البلدان جميعا بأقبح وداع، وأسوأ الذكريات. جريدة الجريدة عدد ٨٦٠

стр. 68

الفضيل الورتلاني يحدثنا عن الدين والعرق في المغرب العربي ليس في المغرب العربي بربر ... لأن البربر استعربوا استعرابا تاما. جمعتنا صدفة بالمجاهد الجزائري المعروف، الأستاذ الفضيل الورتلاني وكان طبيعيا أن يدور الحديث حول الثورة القائمة اليوم في بلاد المغرب، وبصورة خاصة عن وجود عنصرين مختلفين هناك، هما العرب والبربر على ما تروجه دعايات المستعمرين الفرنسين، وقد شرح حضرته المسألة كما يلي: من القواعد الأساسية التي يبني عليها الإستعمار قديما وحديثا، قاعدة "فرق تسد" فما غزا يوما قوي ضعيفا، إلا وحاول قبل العمليات الحربية، أن يوهن صفوفه بإشاعة الخلاف والتفرقة بين أفرادها، وإذا غزا شعبا بالفعل، وكتبت له الغلبة عليه، ظلت القاعدة "فرق تسد" هي العامل الأول والأكبر لضمان استغلاله وتخليد سلطانهم عليه، ثم لما كان الخلاف يقوم بين قوم، إلا على أصل من النفور بين أفراده، كان من الطبيعي، أن يبحث المستعمرون المفرقون، أول ما يبحثون على عوامل نفسية، تصلح أن تكون مادة فعالة، لإثارة ذلك النفور والحذر، وإشاعة سوء الظن والكراهية بين الأفراد والجماعات من ضحاياهم، والغرض واضح، هو رفع الثقة بين المتساكنين المظلومين، حتى يتعذر التعاون بينهم ضد الظالمين، وليصير بأسهم بينهم شديدا، ويكفي الله المستعمرين القتال. ومن المعلوم أن أقوى العواطف وأشدها سلطانا في النفوس، هي عاطفة الدين، ثم الجنس، من أجل ذلك كان المستعمرون ولا يزالون يدخلون على ضحاياهم، لتشتيت شملهم، من هذين البابين الواسعين، باب الدين، وباب العنصرية فلعله

стр. 69

إذن يحسن أن تعرف ماذا صنع المستعمرون الفرنسيون في استغلال هذين الأمرين الخطيرين بالجزائر والمغرب العربي عامة. الدين في المغرب العربي وقبل أن أعرض لشرح واقع الدين في هذه البلاد، يهمني أن أنبه القارئ إلى أنني لست الآن بصدد تفضيل دين على آخر، أو مذهب على آخر، فذلك ليس من شأني الآن، وله مجال غير هذا المجال، وإنما أنا الآن بصدد شرح حقيقة، وتصوير واقع كما يفعل المؤرخ تماما، ويتعين في نظري على العرب جميعا، أن يعرفوا هذا الواقع جيدا، وأن يقدروه حق قدره. يجب أن يعلموا أولا: أن سكان المغرب العربي لا يقل تعدادهم على ثلاثين مليونا، والأهم من ذلك أن هذه الملايين الثلاثين، إلا - القليل النادر - يعتنقون دينا واحدا، هو الإسلام، وليس فيهم من اليهود أكثر من مائة ألف، لا يزالون يتمتعون بالجنسية المحلية شكلا، ولكنهم في الناحية الجوهرية إنما يعيشون مع مصالحهم الإستغلالية واليهودي لا يهمه شيء سوى ذلك، وأهل المغرب جميعا سنيون، وإنما يوجد قرابة خمسين ألفا من الإباضية، هم من خيرة المواطنين المغاربة، نشاطا واستقامة، ولا يشعر أحد بأنهم أقلية، أو أنهم شيء آخر غير بقية المواطنين، فأنت ترى بعد هذه الفذلكة، بأن باب الدين مسدود تماما، وأنه محكم الغلق في وجه التفريق الإستعماري، ولقد حاولوا بالفعل أكثر من مرة أن يجدوا منفذا منه إلى التشويش والتفرقة، فما أفلحوا ولن يفلحوا أبدا بإذن الله. العنصرية في المغرب العربي هذا هو الوضع الديني في المغرب العربي، والوحدة فيه واضحة لا قلق فيها، أما الذي سيكون محل استغراب القراء حتما، فهو ما أدعيه من أن المغرب العربي بملايينه

стр. 70

الثلاثين كلهم عرب لا بربر فيه، وقد لا يصدق القارئ هذا الادعاء بسهولة، وهو يقرأ كل يوم في الصحف السيارة، ويسمع في الإذاعات العالمية، أحاديث طويلة ومتنوعة، عن البربر وعن أعمالهم ضد السلطان مرة، وضد الفرنسيين مرة أخرى، ويسمع ما يملأ آذانه من الحديث عن زعيمهم الأكبر، الجلاوي باشا مراكش، إلى غير ذلك من الروايات المستفضية التي تجعل وجود البربر في المغرب العربي ثابتا بالتواتر، أجل مع هذا كله فإني أزعم، وبعض الزعم حق، أن ليس في المغرب بربر على الإطلاق، وأتدى من يستطيع أن يثبت غير ذلك، وإليك توضيح الأمر .. كان سكات المغرب العربي قبل دخول الرسالة الإسلامية العربية، بربرا لا خلاف في ذلك، ولا يهمني ما يذهب إليه بعض المؤرخين، من أن هؤلاء البربر أنفسهم إنما هم من أصل عربى، وإنما الذي يهمني، والذي لا شك فيه أن أولئك البربر قد تعربوا جميعا بعد الهجرات العربية المتوالية على ديارهم، ولم يبق اليوم على أرض المغرب العربي من يقول: أنا بربري، أو يرضى أن يصفه أحد من الناس بذلك. التقارب العربي أما أهم أسباب هذا التعريب فثلاثة: الدين واللغة والتزاوج. وكان الدين أسبق الثلاثة إلى التحكم في مصير البربر، فلقد اعتنقوا الإسلام عن شوق وقناعة، وأحبوه من أعماق قلوبهم وأخلصوا لتعاليمه أشد الإخلاص، ثم أحبوا معه، ومن أجله كل ما صحبه من مقومات، أحبوا أهله العرب حبا لم يكن يخلو من الغلو، حتى كان البربري يرى أن الأسهار إلى العربي والتقرب منه إنما هو شرف كبير له، بل هو فى نظره ضرب من العبادة والتقرب إلى الله، لأن هذا العربي في نظره إنما هو رسول الله إليه، وأنه مجاهد في سبيل تبليغ رسالة الحق المقدسة، وأنه مرابط في الثغور، بعيدا عن أهله وعن وطنه، وأنه يفعل كل ذلك في سبيل إعزاز كلمه الدين والحق، وفي سبيل نشر مبادئه السمحة الخالدة، وساعد في تسهيل التزاوج والاختلاط، أن

стр. 71

حملة رسالة الإسلام الأول من العرب كانوا بدورهم يؤمنون بأن دينهم لا يفرق بين عربي وعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى، من هناك شاع التزاوج بين العرب والبربر، وابتدأ منذ الفتح، وظل يتسع نطاقه حتى يوم الناس هذا، وقد مضى أربعة عشر قرنا على هذا التلقيح، لا يقف في طريقه واقف. لا بربر في المغرب العربي ولا يزال أهل المغرب العربي حتى اليوم، يسمون الأشراف، ذوي النسب المحمدي مرابطين، وكانوا قبل الحركة الإصلاحية للدين - وسنتحدث عنها في المستقبل - يجعلون لأولئك المرابطين منزلة ممتازة، قد يغلون فيها حتى يعطوهم ما لا يليق إلا لله أو لرسوله، ثم أحب البربر اللغة العربية، حب تقديس، لأنها في نظرهم لغة السماء ولسان الخالق، الذي خاطب به عباده والذي يناجونه به في كل صباح ومساء يرجون رحمته، ويخشمون عذابه، لذلك ما تعب العرب الأولون في نشر العربية بينهم، بل كان البربر هم الساعين إلى حفظها والمسارعين إلى تعميمها، حتى أصبحت بعد قليل أو كثير هي وحدها اللغة الرسمية، وأنها لغة الدولة والشعب معا، ولم يكن لها أي شريك يزاحمها، ثم كانت هجرة بني هلال وبني سالم، الجماعية أيام الفاطميين في مصر، هي الموجة الكبرى، التي عم فيها التعريب في الجزائر خاصة، وفي بلاد المغرب عامة، حتى أن بعض المؤرخين يقولون بهذا الصدد ردا على من كان يسمى ببني هلال مخربين، إنما كانوا معربين ولم يكونوا مخربين. وهذا حق لا مرية فيه. والخلاصة في أمر سكان المغرب العربي أنهم قد أصبحوا اليوم بحكم الدين واللغة والإختلاط العنصري. مسلمين عربا. ولا شيء سوى ذلك. وليس هنالك أي جماعة تسمى نفسها بربرا وتطالب بوضع خاص. أو حقوق معينة. كأقلية. أو أكثرية. أو ما أشبه ذلك. أما هذه الضجه التي يسمعها الناس من بعيد، عن البربر وعن الظهير البربري مثلا. فإنما هي من صنع المستعمرين وخبثهم

стр. 72

ليس إلا. والدليل القاطع على صدق ما نقول: أننا نتحدى المستعمرين أنفسهم أن يعثروا لنا على شخص واحد فضلا عن جماعة. أو قبيلة في الغرب العربي، تقول عن نفسها مختارة إنها بربرية. وتطالب بوضع خاص لها. بل الذي أعرفه أنا وأراهن عليه أنك لو قلت لمغربي: يا بربري. لقاتلك بحماس. لأن هذه النسبة يعدها إهانة له. إنما الذي يجب أن يعرفه الناس بهذا الصدد. حتى لا يلتبس عليهم الأمر عند اختلاف التعبير. أو عند قصد التضليل. هو وجود سكان قرى الجبال وأعاليها. وسكان المدن والسهول. فالأولون يتميزون بالشجاعة والخشونة مثلا. وأنهم يرطنون بلغة محلية. هي خليط من اللغات القديمة ومن اللغات العربية نفسها. أما لغتهم الرسمية فهي العربية طبعا. وسكان المدن والسهول. يتميزون بالثقافة من جهة. وبما تستلزمه الحضارة من رقة ولين عيش وما أشبه ذلك من جهة أخرى. ولا يسمى سكان الجبال بربرا. وإنما يسمون في الجزائر بالقبائل، جمع قبيلة. وتسمى لغتهم المحلية بالقبائلية. ويسمى هؤلاء في مراكش بالشلوح. وتسمى لغتهم المحلية بالشلحة. وسكان هذه الجبال فيهم كثرة من الأشراف المنتسبين إلى الدوحة النبوية. ولم تمنعهم هذه النسبة من أن يكونوا من القبائل أو من الشلوح. الأمر الذي يدل دلالة قطعية على أن القبائلية والشلحية. إنما هي نسبة إقليمية. وليست عنصرية، كما لم تمنعهم هذه النسبة من أن يكون فيهم مجاهدون صادقون. وخونة مارقون. فمن الصنف الأول الذي ينسب إلى الرسول العربي، من جهة العروبة، وإلى الشلوح من جهة إقليمية، بطل الريف المجاهد الأمير عبد الكريم الخطابي. ومن الصنف الثاني الذي ينتسب أيضا إلى العروبة من جهة، وإلى الشلوح من جهة أخرى التهامي الجلاوي، الرجل الذي أصبح بالدعاية الفرنسية زعيم البربر، وقائدهم الأكبر، أما مقدار صحة نسبة هذين الاثنين إلى الرسول العربي، فليس من شأني ولا من شأن القارئ. إنما هو من شأن من يدعيها. والناس مصدقون في أنسابهم. جريدة بيروت عدد ٥٣٣٣

стр. 73

ثورة الجزائر كما يوضحها الفضيل الورتلاني حديثه مع مندوب "المنار" الخاص، ومعلوماته عن كفاح المغرب العربي، ثوار الجزائر وعددهم وسلاحهم ومؤيدوهم - قوات فرنسا وخسائرها - الثوار يطالبون بالسيادة والاستقلال التام، واعتراف فرنسا بذلك، وتحقيق وحدة أو اتحاد مع تونس ومراكش بعد إقامة حياة برلمانية. يعرف أبناء العربية، كما تعرف شعوب العالم الإسلامي، المجاهد الغربي الكبير الأستاذ الفضيل الورتلاني، زعيما من كبار زعماء المغرب، الذين أوذوا وشردوا واضطهدوا من أجل الدفاع عن قضايا المغرب العربي، والاستماتة في الدعوة إلى تأبيد مصالح الأمة الإسلامية، في أي صقع وأي بلد، وهو يقيم الآن مؤقتا في مدينة بيروت، فزاره مندوب (المنار) الخاص، وألقى عليه بضعة أسئلة تتعلق بثورة الجزائر، فتلطف حضرته وأجاب عليها بصراحة ووضوح، وننشر فيما يلي نص الحديث الذي دار، والذي يعطينا فكرة حسنة عن ثورة الجزائر، شاكرين للأستاذ الفضيل حديثه وأنسه. س - هل نستطيع أن نعرف حقيقه وضع الثوار الجزائريين، وعددهم، ولونهم، ومدى تأييد الأمم لهم .. ؟ ج - نعم، يستطيع جميع أهل الأرض، أن يعرفوا من هم الثوار في الجزائر حقيقة، بل تستطيع أنت أن تلقاهم بأشخاصهم، وأن تراهم بأم عينك، وأن تتحدث إليهم، ويتحدثوا إليك، والسر أو السبب بسيط جدا، ذلك لأن الثوار في الحقيقة هم جميع أبناء الأمة الجزائرية من رجال ونساء، وكبار وصغار، وأغنياء

стр. 74

وفقراء، وعلماء وصعاليك، ولا شيء من المبالغة في هذا مطلقا، ومن شك فليسافر إلى الجزائر، إذا أذنت له فرنسا، ليلقى هذه الأمة الثائرة، وجها لوجه، وليرى كيف صبرت طويلا، وكيف نفذ صبرها، ثم ليحس عن كثب ما يضطرم في نفوس أبنائها، من حقد عريق على المستعمرين، ذلك الحقد الذي خلقه الاستعمار الفرنسي نفسه، على الرغم من الجزائريين الأطهار، وتعهدوه بالظلم والتربية، منذ كان جرثومة حتى أصبح اليوم عملاقا يدفع دفعا بتلك النسمات الإنسانية البريئة، إلى أحد أمرين، إما إلى سيادة كاملة، أو إلى فناء كريم، أما إذا كنت تقصد بالسؤال، أولئك الأبطال الذين حملوا السلاح فعلا، وانحازوا إلى الجبال، ليزاحموت الأسود في وظيفتها، فاعلم أن أقرب تعريف لهم، هو ما وصف القرآن به فتية أهل الكهف، إذ يقول: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزذناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والارض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا﴾ الكهف: ١٣ - ١٤، نعم، لقد حاول الاستعمار الفرنسي في الجزائر، أن يجعل من نفسه ربا يعبده العرب المسلمون، وبذل في سبيل ذلك جهود جبارة، ولكنه لم يفلح طبعا، لأنه كان يحاول مستحيلا. وكان يسمع دائما هذه الصيحة المفزعة، من أفواه الجزائريين حالا ومقالا: ﴿ربنا رب السماوات والارض لن ندعوا من دونه إلها﴾ ولكنه تصامم وكأن في آذانه وقرا، حتى أرغم اليوم إرغاما، على سماعها من أفواه البنادق والمدافع، وبأبلغ لسان، أما عدد المقاتلين من الثوار الذين يمارسون القتال فعلا، فهم بضعة آلاف، ينتشرون في جميع أنحاء القطر الجزائري، على مساحة تقدر بنصف مليون كيلومتر مربع أو نحو ذلك، وهم يشغلون الآن جيشا فرنسيا جرارا، قوامه ٢٥٠ ألفا من الجنود المدربين المسلحين، على أحدث طراز، وقد مضى على هذا الصراع النموذجى الخطير حتى الآن، سنة وبضعة أشهر، لقي الفرنسيون أثناءها الأمرين، وقد ثبت رسميا أن الدولة الفرنسية تنفق على جيشها في الجزائر نحو ٨٠ مليارا من الفرنكات في كل شهر،

стр. 75

وهذا المبلغ الطائل مفزع، ويهدد ميزانية فرنسا بالإفلاس، كما صرح بذلك رجالها الإختصاصيون الماليون أكثر من مرة، أما احتياطي الثوار فهو الأمة الجزائرية بأكملها، فلو أرادت قيادة الثوار، أن تضاعف قوات المقاتلين العددية إلى مئات الآلاف لكان ذلك، من حيث الإقبال على الجهاد ميسورا، لكنها لم تفعل حتى الآن، لعدم الحاجة إلى الكثرة العددية، وقد يكون السبب الآخر قلة الأسلحة وذخائرها. الأمة كلها حزب واحد س - مما هو موقف الأحزاب والهيئات من كفاح الثوار؟ ج - ليس في الجزائر اليوم، من حيث الرأي والعمل، إلا هيئة واحدة، اسمها ومسماها، الأمة الجزائرية الثائرة، فالقوم في تنازع البقاء اليوم، مع وحشية استعمارية لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلوب أفرادها، فلا يجوز إذن، أن يكون للجزائريين المهددين بالفناء، إلا رأي واحد وعمل واحد، هو مكافحة هذا الطغيان الإستعماري، حتى الإنتصار النهائي، أو الأعذار بالعجز النهائي، على أن العجز النهائي غير وارد إن شاء الله، وقيام الأحزاب أو الهيئات السياسية في ظل هذه الظروف الإستثنائية المخيفة، معناه أن تتعدد الآراء، وقد يؤدي ذلك إلى خلاف ثم شقاق، ثم فشل، وهذا ما لا يختلف عاقلان في ضرره. ومن حسن الحظ، أن ليس في الجزائر اليوم أكثر من هيئات ثلاث: حزب الشعب، جمعية العلماء، وحزب البيان، وقد أصبحت كلها مؤمنة بالثورة، مؤيدة لها، ظاهرا وباطنا، عاملة على نجاحها بكل ما تملك من قوى، وهي جميعا من حيث الآراء السياسية، في إجازة، إلى أجل غير مسمى، تنتهي إن شاء الله بنجاح الثورة، وإعلان الجزائر دولة مستقلة ذات سيادة، في اتخاد أو
следующие страницы →