← Общие книги

Общие книги · id 123664

الجزائر الثائرة

الفضيل الورتلاني

Полный текст (484 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

حملة رسالة الإسلام الأول من العرب كانوا بدورهم يؤمنون بأن دينهم لا يفرق بين عربي وعجمي، ولا بين أبيض وأسود إلا بالتقوى، من هناك شاع التزاوج بين العرب والبربر، وابتدأ منذ الفتح، وظل يتسع نطاقه حتى يوم الناس هذا، وقد مضى أربعة عشر قرنا على هذا التلقيح، لا يقف في طريقه واقف. لا بربر في المغرب العربي ولا يزال أهل المغرب العربي حتى اليوم، يسمون الأشراف، ذوي النسب المحمدي مرابطين، وكانوا قبل الحركة الإصلاحية للدين - وسنتحدث عنها في المستقبل - يجعلون لأولئك المرابطين منزلة ممتازة، قد يغلون فيها حتى يعطوهم ما لا يليق إلا لله أو لرسوله، ثم أحب البربر اللغة العربية، حب تقديس، لأنها في نظرهم لغة السماء ولسان الخالق، الذي خاطب به عباده والذي يناجونه به في كل صباح ومساء يرجون رحمته، ويخشمون عذابه، لذلك ما تعب العرب الأولون في نشر العربية بينهم، بل كان البربر هم الساعين إلى حفظها والمسارعين إلى تعميمها، حتى أصبحت بعد قليل أو كثير هي وحدها اللغة الرسمية، وأنها لغة الدولة والشعب معا، ولم يكن لها أي شريك يزاحمها، ثم كانت هجرة بني هلال وبني سالم، الجماعية أيام الفاطميين في مصر، هي الموجة الكبرى، التي عم فيها التعريب في الجزائر خاصة، وفي بلاد المغرب عامة، حتى أن بعض المؤرخين يقولون بهذا الصدد ردا على من كان يسمى ببني هلال مخربين، إنما كانوا معربين ولم يكونوا مخربين. وهذا حق لا مرية فيه. والخلاصة في أمر سكان المغرب العربي أنهم قد أصبحوا اليوم بحكم الدين واللغة والإختلاط العنصري. مسلمين عربا. ولا شيء سوى ذلك. وليس هنالك أي جماعة تسمى نفسها بربرا وتطالب بوضع خاص. أو حقوق معينة. كأقلية. أو أكثرية. أو ما أشبه ذلك. أما هذه الضجه التي يسمعها الناس من بعيد، عن البربر وعن الظهير البربري مثلا. فإنما هي من صنع المستعمرين وخبثهم

стр. 72

ليس إلا. والدليل القاطع على صدق ما نقول: أننا نتحدى المستعمرين أنفسهم أن يعثروا لنا على شخص واحد فضلا عن جماعة. أو قبيلة في الغرب العربي، تقول عن نفسها مختارة إنها بربرية. وتطالب بوضع خاص لها. بل الذي أعرفه أنا وأراهن عليه أنك لو قلت لمغربي: يا بربري. لقاتلك بحماس. لأن هذه النسبة يعدها إهانة له. إنما الذي يجب أن يعرفه الناس بهذا الصدد. حتى لا يلتبس عليهم الأمر عند اختلاف التعبير. أو عند قصد التضليل. هو وجود سكان قرى الجبال وأعاليها. وسكان المدن والسهول. فالأولون يتميزون بالشجاعة والخشونة مثلا. وأنهم يرطنون بلغة محلية. هي خليط من اللغات القديمة ومن اللغات العربية نفسها. أما لغتهم الرسمية فهي العربية طبعا. وسكان المدن والسهول. يتميزون بالثقافة من جهة. وبما تستلزمه الحضارة من رقة ولين عيش وما أشبه ذلك من جهة أخرى. ولا يسمى سكان الجبال بربرا. وإنما يسمون في الجزائر بالقبائل، جمع قبيلة. وتسمى لغتهم المحلية بالقبائلية. ويسمى هؤلاء في مراكش بالشلوح. وتسمى لغتهم المحلية بالشلحة. وسكان هذه الجبال فيهم كثرة من الأشراف المنتسبين إلى الدوحة النبوية. ولم تمنعهم هذه النسبة من أن يكونوا من القبائل أو من الشلوح. الأمر الذي يدل دلالة قطعية على أن القبائلية والشلحية. إنما هي نسبة إقليمية. وليست عنصرية، كما لم تمنعهم هذه النسبة من أن يكون فيهم مجاهدون صادقون. وخونة مارقون. فمن الصنف الأول الذي ينسب إلى الرسول العربي، من جهة العروبة، وإلى الشلوح من جهة إقليمية، بطل الريف المجاهد الأمير عبد الكريم الخطابي. ومن الصنف الثاني الذي ينتسب أيضا إلى العروبة من جهة، وإلى الشلوح من جهة أخرى التهامي الجلاوي، الرجل الذي أصبح بالدعاية الفرنسية زعيم البربر، وقائدهم الأكبر، أما مقدار صحة نسبة هذين الاثنين إلى الرسول العربي، فليس من شأني ولا من شأن القارئ. إنما هو من شأن من يدعيها. والناس مصدقون في أنسابهم. جريدة بيروت عدد ٥٣٣٣

стр. 73

ثورة الجزائر كما يوضحها الفضيل الورتلاني حديثه مع مندوب "المنار" الخاص، ومعلوماته عن كفاح المغرب العربي، ثوار الجزائر وعددهم وسلاحهم ومؤيدوهم - قوات فرنسا وخسائرها - الثوار يطالبون بالسيادة والاستقلال التام، واعتراف فرنسا بذلك، وتحقيق وحدة أو اتحاد مع تونس ومراكش بعد إقامة حياة برلمانية. يعرف أبناء العربية، كما تعرف شعوب العالم الإسلامي، المجاهد الغربي الكبير الأستاذ الفضيل الورتلاني، زعيما من كبار زعماء المغرب، الذين أوذوا وشردوا واضطهدوا من أجل الدفاع عن قضايا المغرب العربي، والاستماتة في الدعوة إلى تأبيد مصالح الأمة الإسلامية، في أي صقع وأي بلد، وهو يقيم الآن مؤقتا في مدينة بيروت، فزاره مندوب (المنار) الخاص، وألقى عليه بضعة أسئلة تتعلق بثورة الجزائر، فتلطف حضرته وأجاب عليها بصراحة ووضوح، وننشر فيما يلي نص الحديث الذي دار، والذي يعطينا فكرة حسنة عن ثورة الجزائر، شاكرين للأستاذ الفضيل حديثه وأنسه. س - هل نستطيع أن نعرف حقيقه وضع الثوار الجزائريين، وعددهم، ولونهم، ومدى تأييد الأمم لهم .. ؟ ج - نعم، يستطيع جميع أهل الأرض، أن يعرفوا من هم الثوار في الجزائر حقيقة، بل تستطيع أنت أن تلقاهم بأشخاصهم، وأن تراهم بأم عينك، وأن تتحدث إليهم، ويتحدثوا إليك، والسر أو السبب بسيط جدا، ذلك لأن الثوار في الحقيقة هم جميع أبناء الأمة الجزائرية من رجال ونساء، وكبار وصغار، وأغنياء

стр. 74

وفقراء، وعلماء وصعاليك، ولا شيء من المبالغة في هذا مطلقا، ومن شك فليسافر إلى الجزائر، إذا أذنت له فرنسا، ليلقى هذه الأمة الثائرة، وجها لوجه، وليرى كيف صبرت طويلا، وكيف نفذ صبرها، ثم ليحس عن كثب ما يضطرم في نفوس أبنائها، من حقد عريق على المستعمرين، ذلك الحقد الذي خلقه الاستعمار الفرنسي نفسه، على الرغم من الجزائريين الأطهار، وتعهدوه بالظلم والتربية، منذ كان جرثومة حتى أصبح اليوم عملاقا يدفع دفعا بتلك النسمات الإنسانية البريئة، إلى أحد أمرين، إما إلى سيادة كاملة، أو إلى فناء كريم، أما إذا كنت تقصد بالسؤال، أولئك الأبطال الذين حملوا السلاح فعلا، وانحازوا إلى الجبال، ليزاحموت الأسود في وظيفتها، فاعلم أن أقرب تعريف لهم، هو ما وصف القرآن به فتية أهل الكهف، إذ يقول: ﴿إنهم فتية آمنوا بربهم وزذناهم هدى وربطنا على قلوبهم إذ قاموا فقالوا ربنا رب السماوات والارض لن ندعوا من دونه إلها لقد قلنا إذا شططا﴾ الكهف: ١٣ - ١٤، نعم، لقد حاول الاستعمار الفرنسي في الجزائر، أن يجعل من نفسه ربا يعبده العرب المسلمون، وبذل في سبيل ذلك جهود جبارة، ولكنه لم يفلح طبعا، لأنه كان يحاول مستحيلا. وكان يسمع دائما هذه الصيحة المفزعة، من أفواه الجزائريين حالا ومقالا: ﴿ربنا رب السماوات والارض لن ندعوا من دونه إلها﴾ ولكنه تصامم وكأن في آذانه وقرا، حتى أرغم اليوم إرغاما، على سماعها من أفواه البنادق والمدافع، وبأبلغ لسان، أما عدد المقاتلين من الثوار الذين يمارسون القتال فعلا، فهم بضعة آلاف، ينتشرون في جميع أنحاء القطر الجزائري، على مساحة تقدر بنصف مليون كيلومتر مربع أو نحو ذلك، وهم يشغلون الآن جيشا فرنسيا جرارا، قوامه ٢٥٠ ألفا من الجنود المدربين المسلحين، على أحدث طراز، وقد مضى على هذا الصراع النموذجى الخطير حتى الآن، سنة وبضعة أشهر، لقي الفرنسيون أثناءها الأمرين، وقد ثبت رسميا أن الدولة الفرنسية تنفق على جيشها في الجزائر نحو ٨٠ مليارا من الفرنكات في كل شهر،

стр. 75

وهذا المبلغ الطائل مفزع، ويهدد ميزانية فرنسا بالإفلاس، كما صرح بذلك رجالها الإختصاصيون الماليون أكثر من مرة، أما احتياطي الثوار فهو الأمة الجزائرية بأكملها، فلو أرادت قيادة الثوار، أن تضاعف قوات المقاتلين العددية إلى مئات الآلاف لكان ذلك، من حيث الإقبال على الجهاد ميسورا، لكنها لم تفعل حتى الآن، لعدم الحاجة إلى الكثرة العددية، وقد يكون السبب الآخر قلة الأسلحة وذخائرها. الأمة كلها حزب واحد س - مما هو موقف الأحزاب والهيئات من كفاح الثوار؟ ج - ليس في الجزائر اليوم، من حيث الرأي والعمل، إلا هيئة واحدة، اسمها ومسماها، الأمة الجزائرية الثائرة، فالقوم في تنازع البقاء اليوم، مع وحشية استعمارية لا تعرف الرحمة طريقا إلى قلوب أفرادها، فلا يجوز إذن، أن يكون للجزائريين المهددين بالفناء، إلا رأي واحد وعمل واحد، هو مكافحة هذا الطغيان الإستعماري، حتى الإنتصار النهائي، أو الأعذار بالعجز النهائي، على أن العجز النهائي غير وارد إن شاء الله، وقيام الأحزاب أو الهيئات السياسية في ظل هذه الظروف الإستثنائية المخيفة، معناه أن تتعدد الآراء، وقد يؤدي ذلك إلى خلاف ثم شقاق، ثم فشل، وهذا ما لا يختلف عاقلان في ضرره. ومن حسن الحظ، أن ليس في الجزائر اليوم أكثر من هيئات ثلاث: حزب الشعب، جمعية العلماء، وحزب البيان، وقد أصبحت كلها مؤمنة بالثورة، مؤيدة لها، ظاهرا وباطنا، عاملة على نجاحها بكل ما تملك من قوى، وهي جميعا من حيث الآراء السياسية، في إجازة، إلى أجل غير مسمى، تنتهي إن شاء الله بنجاح الثورة، وإعلان الجزائر دولة مستقلة ذات سيادة، في اتخاد أو

стр. 76

فى وحدة، مع مراكش وتونس، ويومئذ يتسع المجال، لتعدد الأحزاب والهيئات، ويومئذ يجوز أن تكثر الآراء وتتنوع الأعمال. الثوار وحدهم هم أصحاب الكلمة س - ما هي مطالب الجزائريين الأساسية، ومن الذي تراه صالحا ليتولى المفاوضات مع فرنسا؟ ج - إن مطالب الجزائريين الأساسية مختصرة جدا، ويمكن أن نعبر عنها بكلمة واحدة، هي "الاستقلال" أما مفاوضات مع فرنسا، فلها في نظري مرحلتان. المرحلة الأولى، يجب أن تستهدف إيقاف العمليات الحربية بين الفريقين المتقابلين، وإعلان الجانب الفرنسي حق الجزائر في السيادة والاستقلال، فهذه المرحلة لا يجوز في نظري أن يتولاها إلا الثوار أنفسهم، ثم لا يجوز حتى بعد ذلك الإعلان، أن يضعوا أسلحتهم حتى يتم إعطاء كل الضمانات: لتحقيق الاستقلال بأسرع ما تسمح به الظروف المعتادة في القرن العشرين. أما المرحلة الثانية للمفاوضات، فيجب أن تقوم بين طرفين متكافئين ومتساويين في الصلاحيات، أعني بين ممثلي فرنسا، الذين تنتد بهم حكومتها الشرعية، وبين ممثلي الجزائر الذين تنتد بهم حكومتها الشرعية أيضا، تلك الحكومة التي يجب أن تكون منبثقة عن مجلس منتخب إنتخابا حرا، لأجل أن يضع دستور البلاد، ولأجل أن يشرق على حكومة حرة تضع القواعد للإستقلال الفعلي، ويكون من مهام هذه الحكومة طبعا، أن تفاوض فرنسا وتفاوض غير فرنسا إذا لزم الأمر، وأن تكون مسؤولة أمام ذلك المجلس، حسبما جرت العادة في البلاد الديمقراطية بالعالم.

стр. 77

ليس في الجزائر أقليات س - قرأنا في صحف المغرب العربي هذه الأيام، أن الجزائريين قد قاموا بمقاطعة بني ميزاب، فمن هؤلاء الميزابيون؟ وعلام تلك المقاطعة، ثم ما مقدار تأثير ذلك على الكفاح؟ ج - إن الميزابيين أو بني ميزاب في الجزائر، هم كبقية أبناء الأمة تماما، فهم جزائريون عرب مسلمون، لا يختلفون عن سواهم في شيء، وإنما ينسبون إلى بلد في جنوب الجزائر الصحراوية، إسمها ميزاب، فيقال لهم: بنو ميزاب أو الميزابيون، كما يقال لأهل حلب مثلا حلبيون، لأهل البقاع بقاعيون، وعدد الميزابيون نحو ٥٠ ألفا، ومذهبهم إباضي وهم مشهورون بغاية النشاط الاقتصادي والاستقامة الخلقية، ويمتازون عن سواهم بإتقان فن التجارة والتخصص فيه، وهم منتشرون في جميع مدن القطر من أقصاه إلى أقصاه، ويزاحمون اليهود في التجارة مزاحمة فعالة، الأمر الذي تحتاج إليه البلاد أشد الاحتياج، واشتهروا كذلك بالأخلاق الإسلامية الكريمة والحازمة، حتى لقلما يسمع الناس بمرتكب معصية في جماعتهم، لأن من تعاليم مذهبهم، مقاطعة العاصي في جميع المعاملات، وحتى في الكلام، إلى أن يعلن توبته في ملأ من الناس وفي المسجد الجامع، ونحن نعتز بنشاطهم ونفتخر بأخلاقهم، ولا يعتبرهم عاقل جزائري بأنهم شيء آخر غير جزائريين، ولا عاقل منهم يعتبر نفسه شيئا غير ذلك، وعليه فهم في ميزاب الوطنية، إنما يعد محسنهم كأي جزائري آخر، ومسيئهم كذلك، أما هذه الضجة التي تسمعونها عن مقاطعتهم، فرغم كوني غير مطلع على تفاصيلها، فإني أفترض أنه مبالغ فيها من جهة، وأنها إذا حصل شيء منه فلن يكون بنو ميزاب مقصودين بها كطائفة من جهة أخرى، إنما الممكن المعقول، أن يكون بعض التجار منهم، قد

стр. 78

عدوا من المقصرين، لا كميزابيين، ثم استغل الإستعماريون ذلك بأساليبهم الشيطانية المعروفة، محاولين أن يخلقوا طائفية لم تكن موجودة، فيلعبون بها آخر أوراقهم التفريقية، ولكن الجزائر لا تملك المواد الخام لهذه الطائفية الممقوتة والحمد لله، لذلك فالأمر هين جد، وفي غاية البساطة. جريدة المنار وجريدة الأبناء

стр. 79

ثوار الجزائر يتكلمون ويوضحون أهدافهم ووسائلهم في الجزائر اليوم، حرب ضد الاستعمار، مقدسة معلومة، ويشترك أهل هذه الديار جميعا، على اختلاف مشاربهم في تأييدها، ولم يعد من بينهم متطرف ومعتدل، ومحارب ومسالم، بل أصبح الكل متطرفا ومحاربا، والكل يطالب بالانفصال عن فرنسا، وبالإستقلال التام، والسيادة الكاملة. من أجل ذلك، صارت زمام الأمور مجتمعة كلها بين يدي المقاتلين وقادتهم، وسائر أبناء الأمة تبع لهم، وإنما تنقسم الحركة اليوم عندهم من حيث الاختصاص إلى شعبتين، إحداهما حربية، توجهها قيادة جيش التحرير، والثانية سياسية، تقودها جبهة التحرير، وهما في الواقع شيء واحد، وبما أن كل ما يصدر عن هذه الناحية، من بيانات، هو وحده المعتمد، لذلك نرى من المهم جدا، أن نثبت هنا، وجهة نظرهم السياسية والحربية، في طائفة من مناشيرهم الرسمية، وبين أيدينا الآن جملة منها صالحة، نشرها رجل فرنسي كبير، هو السيد مندوز، - الأستاذ بكلية الآداب بجامعة الجزائر، ومدير مجلة: "الكونسيونس مغربيان" أي "الضمير المغربى"، جمعها في جزء خاص في مجلته، واعتمدنا في ترجمتها على جريدة الصباح التونسية، ومن هذه المناشير الرسمية، يستطيع القارئ أن يعرف جيدا، موقف الثوار السياسي والحربي من قضية الجزائر، ومن قضية المغرب عامة، كما يستطيع أن يأخذ فكرة واضحة، عن قيمة رجال هذه الجبهة، وما يتحلون به من سعة التفكير، ووضوح الاتجاه، ونبل الغاية، وإليك ما جاء في المنشور الأول:

стр. 80

للتوضيح إلى الشعب الجزائري إلى أنصار القضية الوطنية إليكم أنتم المدعوين إلى الحكم علينا، - الشعب بصفة عامة والأنصار بصفة خاصة - نتجه بهذا البيان. وغايتنا هي أن نوضح الأسباب العميقة، التي دفعتنا لأن نشرح لكم برنامجنا، ومغزى حركتنا، التي بقي هدفها دائما هو تحقيق الاستقلال الوطني في نطاق الشمال الإفريقي. ولنا غاية أخرى في ذلك، وهي نجنبك الوقوع في الغموض الذي يريد الاستعمار أن يحفكم به، هو وعملاؤه من رجال الإدارة والسياسيين المنحرفين. إننا نعتبر قبل كل شيء، أن الحركة الوطنية قد دخلت مرحلتها النهائية، بعد مراحل طويلة مرت بها. ذلك أن هدف الحركة الثورية، قد توفرت الآن جميع شروطه المرضية، التي تيسر لهذه الحركة أن تشن الحملة التحريرية. ونحن نرى أن الشعب تحت ضوء ظروفه الداخلية، قد أصبح متحدا وراء فكرة الاستقلال والعمل، وإنه تحت الظروف الخارجية قد بلغ مرحلة مرضية، لحل المشاكل الصغرى، التي من بينها مشكلة بلادنا، وذلك بفضل المساعدة السياسية التي يبذلها لنا إخواننا العرب والمسلمون، وحوادث تونس ومراكش، لها مغزاها في هذا الصدد، وهي تسجل جانبا عظيما من جوانب قضية تحرير شمال إفريقيا، ولنسجل في هذا الصدد، أننا كنا منذ زمن طويل، حريصين على وحدة العمل، الذي لم يحقق مع الأسف بين أقطارها الثلاثة.

стр. 81

ساعة الخطر أما اليوم فإن كلا من تونس ومراكش قد دخلتا في هذه الطريق، وبقينا نحن من ورائها نتحمل عواقب من فاتهم الركب، وهكذا فإن حركتنا الوطنية، التي مرت عليها سنوات من الجمود، والتوجيه المنحرف، وفقدان المساندة الشعبية الضرورية، قد أخذت شيئا فشيئا، في الحالة التي يغتبط بها الاستعمار أعمق الاغتباط، حتى أصبح يعتبر أنه تحصل على أكبر انتصار، على قيادة الحركة الوطنية الجزائرية. إن الساعة ساعة خطر، وأمام هذه الوضعية التي توشك أن تصبح ميؤوسا منها، رأى جمع من الشباب المسؤولين الواعين لهذا الخطر، والذين جمعوا حولهم عناصر سالمة، ذات تصميم واضح، رأت أن الوقت قد حان، الخروج بالحركة الوطنية من المأزق الذي تردت فيه، بسبب تناحر الأشخاص، وتزاحم النفوذ، وعزموا على أن ينطلقوا إلى جانب إخوانهم التونسيين والمراكشيين، في معركة التحريرية الحقيقة. ونحن نحب أن نؤكد في هذا الصدد، أننا مستقلون عن الطرفين، اللذين يتنازعان النفوذ في الحركة الوطنية. وحركتنا التي وضعت المصلحة الوطنية فوق جميع الاعتبارات الحقيرة، حول الأشخاص ومكاناتهم، والتي تتمشى مع المبادئ الثورية، لا عدو لها تقاومه إلا الاستعمار الأعمى، الذي لم يتح لنا في أي وقت من الأوقات، أن ننظم نضالا سليما. جبهة التحرير هذه هي الأسباب التي جعلتنا نتقدم بحركتنا تحت إسم "جبهة التحرير الوطني". وبذلك تتيح هذه الحركة لجميع الوطنيين الجزائريين، مهما كانت طبقاتهم الاجتماعية، ومهما كانت أحزابهم وحركاتهم الجزائرية الخالصة، أن يندمجوا في معركة التحرير دون أي اعتبار آخر.

стр. 82

ولكي نزيد الأمر تفصيلا وتوضيحا، فها هي الخطوط العامة لبرنامجنا السياسي: الهدف - هو الاستقلال الوطني، بواسطة إيجاد دولة جزائرية، ذات سيادة ونظام ديمقراطي اشتراكي، في دائرة المبادئ الإسلامية، مع احترام جميع الحريات الأساسية، دون أي ميز في الدين أو المعتقد. وغايتنا في الميدان الداخلي، هي التطهير السياسي، وذلك بإعادة الحركة الوطنية في طريقها الثوري الصحيح، والقضاء قضاء مبرما على جميع ألوان الاحتيال، والدخول في سياسة الإصلاحات، التي هي سبب تقهقرنا الحالي. وغايتنا هي أيضا لم شتات جميع الطبقات السليمة للشعب الجزائري، لتصفية حساب النظام الاستعماري. وغايتنا في الميدان الخارجي، هي تدويل القضية الجزائرية، وتحقيق وحدة شمال إفريقيا في نطاقها الطبيعي، الذي هو النطاق العربي الإسلامي. وموقفنا في دائرة ميثاق هيئة الأمم المتحدة، هو تأكيد صداقتنا الفعالة لجميع الدول التي تساند قضيتنا التحريرية. أما وسائل الكفاح فهي - تبعا للمبادئ الثورية، ونظرا للوضعية الداخلية والخارجية - هي مواصلة الجهاد بجميع الوسائل إلى أن يتحقق هدفنا إن شاء الله. مهمتان مرهقتان وجبهة التحرير الوطني، لكي تحقق هذا الغرض، يجب عليها أن تقوم بمهمتين أساسيتين متماشيتين في وقت واحد. أولاهما: عمل داخلي في الميدان السياسي، وفي ميدان العمل والكفاح. وثانيهما: في الميدان الخارجي، حتى تصبح المشكلة الجزائرية حقيقية في نظر العالم كله، بمساعدة جميع حلفائها الطبيعيين.

стр. 83

وهذه المهمة المزدوجة مهمة ثقيلة الوطأة مرهقة، تتطلب تجنيد جميع الطاقات، وجميع الموارد الوطنية، وصحيح أن المعركة ستكون طويلة الأمد، ولكن انتصارنا فيها لا شك فيه إن شاء الله. وأخيرا لكي يقع تجنب جميع التأويلات الخاطئة أو المغرضة ولكي يقع تجنب إزهاق الأرواح وإراقة الدماء - فإننا نقدم أسسا شريفة، لمفاهمات مع السلطات الفرنسية، إذا كانت لهذه السلطات استعدادات طيبة، للاعتراف أخيرا للشعوب التي تتحكم فيها بحقها في تقرير مصيرها. وهذه الأسس هي: أسس المفاوضات ١ - فتح مفاهمات مع الممثلين الحقيقيين للشعب الجزائري، على أساس الاعتراف بالسيادة الجزائرية، الموحدة التي لا تتجزأ. ٢ - إيجاد جو من الثقة، وذاك إطلاق سراح جميع المساجين السياسيين، ورفع جميع التدابير الاستثنائية، والتوقف عن تتبع قوات المقاومة. ٣ - الاعتراف بالشخصية الجزائرية في تصريح رسمي، ينسخ جميع القوانين التي صيرت الجزائر أرضا فرنسية، بالرغم من التاريخ، والجغرافيا، واللغة والدين، والعوائد التي يتصف بها الشعب الجزائري. وفي مقابل ذلك نتعهد بما يلي: ١ - أن المصالح الفرنسية الثقافية والاقتصادية، التي تحصلوا عليها بطريقة شريفة تكون مضمونة، وكذلك الأشخاص والعائلات. ٢ - جميع الفرنسيين الراغبين في البقاء بالجزائر يكون لهم الخيار بين جنسيتهم الأصلية - وفي هذه الحالة يعتبرون أجانب بالنسبة للقوانين المعمول بها وبين

стр. 84

الجنسية الجزائرية - وفي هذه الحالة يكونون معتبرين جزائريين لهم ما للجزائريين من حقوق وعليهم ما على الجزائريين من واجبات ... ٣ - العلاقات بين فرنسا والجزائر، يقع تحديدها وتكون موضوع مفاوضات بين الدولتين، على قدم المساواة والاحترام المتبادل. وبعد؛ فيا أيها المواطن الجزائري الحر .. إننا ندعوك إلى التأمل في هذا الميثاق، وأن واجبك المقدس يدعوك إلى الانضمام إليه، لإنقاذ بلادنا وإعادة حريتها إليها. إن جبهة التحرير الوطني جبهتك، وانتصارها هو انتصارك. أما نحن الذين عزمنا على مواصلة الكفاح، والذين لا نشك في عواطفك المعادية للاستعمار، والذين نعتبر أنفسنا أقوياء بمساندتك وتأييدك - فإننا سنهب أعز ما نملك لوطنا. جريدة الصباح ١١ - ١ - ٥٦ رأي الثوار في النظام والدعاية والجبهة والاعتدال نواصل نقل بعض مناشير الثوار التاريخية الهامة، من مجلة (الكونسيونس مغربيان) أي (الضمير المغربي) وفيما يلي المنشور الثاني. التنظيم إن جبهة التحرير الوطني منظمة كفاح، والمهام التي تواجهها متعددة، وهذا ما يدعوها لأن تكون منظمة تنظيما متينا. فالامتثال فيها يجب أن يكون صارما. وتعليماتها التي تصدرها يجب أن تنفذ بكل دقة. وأعضاء الخلية لا يجب أن يعرفوا بأي شكل كان عن الخلايا الأخرى شيئا، والمسؤولون مهما كانت

стр. 85

درجاتهم، يجب أن يسهروا على حمل أعضاء الخلايا، على التخلص من بعض العادات السيئة، التي ورثوها عن منظمة "حركة انتصار الحريات الديمقراطية". مثل المجيء إلى الموعد بعد الوقت المحدد، أو إهمال تنفيذ بعض التعليمات، والإكثار من اللغو والحديث، الخ ... إن بعض الأعضاء قد ألقي عليهم القبض وحكم عليهم بالسجن، لأن إخوانا لهم لم يراعوا القوانين الأولية للعمل السري. وبما أن جبهة التحرير لا عدو لها إلا الاستعمار، فإنها تطلب من أعضائها أن يفعلوا كل شيء لتقليل خطط أعوان البوليس، وخاصة من ينقل إليهم الأخبار، والأعضاء يستطيعون أن يفعلوا ذلك، إذا نظموا حياتهم الحزبية بدقة (وللمسؤولين في الخلايا تعليمات يعطونها للأعضاء في هذا الصدد). الدعاية إجابة عن الحملة الدعائية التي قامت بها الإذاعة والصحافة الاستعمارية، إثر إلقاء القبض على ياسف سعدي، والتي زعمت فيها أن جبهة التحرير، قد خسرت دعامة أساسية من دعائمها في هذا الشخص، نقول: أن الاستعمار يخادع نفسه بنفسه، لأن جبهة التحرير، هي اليوم قائمة على قواعد من النظام، أمتن وأقوى من أي وقت - مضى، وإلقاء القبض على ياسف سعدي، معناه أن عضوا منا قد خسرناه، فقام مقامه عضو آخر في الحال، والكفاح مستمر. ذلك أن منظمتنا قائمة على مبادئ من التنظيم، نجعل كل عضو إذا فقد يقوم مقامه عضو آخر حالا، ويكون مستعدا لذلك في الصفوف السرية من قبل. وهكذا فإن إلقاء القبض على مصطفي بن بولعيد لم يعرقل قط الفرق المسلحة ولم يمنعها من أن تقوم بعملها في منطقة الأوراس، ومن تسديد ضرباتها القاتلة للقوات الاستعمارية، لقد ألقي القبض على بن بولعيد، فانطلق خمسون بن بولعيد آخرون من الجبال، التي نبتت من قبلهم أبطال الكاهنة،

стр. 86

وكذلك فقدان مراد ديدوش، لم يعرقل على الإطلاق فرق الثوار العاملة في شمال مقاطعة قسطينة، من أن تزداد عظمة، حتى أصبحت المنطقة كلها تحت رقابتها، بالرغم من النجدات العسكرية، التي تتوالى في كل يوم على هذه المنطقة. الجبهة والثوار إن جبهة التحرير، هي العين التي ينظر بها جيش التحرير، وهي الأذن التي يسمع بها، وأعضاء الجهة أذن، يجب أن يفعلوا المستحيل، لكي يسهلوا مهمة جيش التحرير في جميع الميادين، واستفاء المعلومات والأخبار، يجب أن يكون هو العنصر الأول الذي يحرص عليه م عضو في الجهة. ذلك أن فرقنا المسلحة لا تستطيع أن تعمل بنجاح، إلا إذا كانت تملك معلومات دقيقة. والعمل من أجل إستقاء الأخبار والمعلومات، يجب أن يكون متمشيا مع العمل اليومي للدعاية. وأعضاء الجهة ينبغي أن يفضحوا اتباع مصالي، الذين يريدون أن يشيعوا الغموض وكذاك اتباع اللجنة المركزية لحركة الإنتصار، الذين يتفرجون من بعيد. ونحن نلفت أنظار الأعضاء إلى ما يلي: وهو أن جبهة التحرير ليست إعادة لحركة الإنتصار. إن جبهة التحرير عبارة عن تجمع الطاقات السليمة في الشعب الجزائري ... إن حركة الإنتصار، كانت تعقد أن تحرير الجزائر عمل حزبي - وهذا خطأ - وجبهة التحرير تؤكد أن تحرير الجزائر هو عمل يشارك فيع جميع الجزائريين، لا جزء واحد منه مهما كانت قيمته ... لذلك تنظر جبهة التحرير بعين الإعتبار، لكفاح جميع العناصر المناهضة للإستعمار، حتى ولو كانت بعض هذه العناصر ما تزال خارجة عن رقابتها.

стр. 87

الوطنيون المعتدلون تجرى إشاعات تتأكد يوم بعد يوم، عن وجود اتصالات سرية بين سوستيل وفرحات عباس، وبين شخصيات من وزارة الداخلية الفرنسية ومصالي. والإدارة الإستعمارية، مع استمرارها على توريد الإمدادات العسكرية لتحطيم حركتنا المسلحة، تحاول منذ الآن أن تفتح الباب للخروج، وبعد مرور برهة من الوقت ستقول للاستعماريين الكبار في الجزائر، أن سياسة القوة لم تعط أية نتيجة، فلنحاول سياسة المرونة وستحاول بواسطة - فرحات عباس وكيوان ومصالى - أن توقف العمل, المسلح، مقابل بعض الإصلاحات السياسية. ونحن ننبه إلى أن هذا خطأ عظيم. وأن جيش التحرير، لا يعترف لأي كان بأن يتكلم باسمه، والأشخاص الوحيدون الذين لهم الحق في التكلم باسم جيش التحرير هم أعضاء جبهة التحرير الموجودون داخل الجزائر وخارجها. ومن أراد من غير هؤلاء أن يشرف بهذا المسعى، فليشمر على ساعديه وليقبل بهذه الشروط، فهي وحدها التي قد تجعل جيش التحرير مستعدا لأن يسمعهم. قائمة الثوار لتسعة أشهر المنشور الثالث مرت الآن تسعة أشهر، منذ أن بدأ بعض الشبان الوطنيون في الجزائر، عملهم للخروج بالحركة الوطنية، من المأزق الذي ساقه إليه قادتنا السابقون. فما زلنا نذكر كيف أن قادة الاتجاهين - مصالي واللجنة المركزية - كانا يتنازعان النفوذ الحزبي، في حين كان شبابنا الوطنيون يتدكون في الشوارع أمام المستعمرين، الذين امتلأت قلوبهم غبطة، وسرورا، وكانت مشاهد مؤلمة تدمي لها

стр. 88

قلوب الوطنيين الصادقين، لأن حركتنا الوطنية، التي لم يستطع أي بطش أن يحطمها، أخذت تنهار من الداخل، بينما تنظر عين الاستعمار بالغبطة، وتنتظر اللحظة الأخيرة لتجهز عليها الإجهاز المميت. وهكذا رأت نخبة من شبان إطارات المسؤولين في الحزب، والبعيدين عن هذه الخصومة حول النفوذ الشخصي الحقير، أن تقرر أمرها. فجندت جميع العناصر السليمة في البلاد، ودخلت في معركة التحرير مع الأمل - الذي خاب مع الأسف - في أننا سنجند أنفسنا جميعا في المدن وفي الجبال، لمقاومة الاستعمار الفرنسي. ولكن جماعة مصالي وجماعة اللجنة المركزية، لم يكفهم أن يرفضوا مشاركتنا في الكفاح فقط، وإنما بقي بعضهم متمسكين بعدوانهم للإرهاب. وذلك بتعطيلهم لروح الكفاح في الشعب، وبدخولهم في سياسة الإصلاحات مع الاستعمار، وبقي البعض الآخر يبث الدعايات المضللة، مؤكدا أن "أبناء مصالي هم الذين يقومون بالكفاح في الأوراس، وفي بلاد القبائل" إلى غير ذلك من المضحكات. القائمة الرهيبة ولكن فلنترك هنا هذه القضية، ولنتحدث عن قائمة الكفاح. في بحر تسعة أشهر، قامت وحداتنا المسلحة، التابعة لجيش التحرير بعملها - اليومي، وكبدت العدو خسائر جسيمة، أكثر من ألفين وخمسمائة ضابط وجندي من الجيش الفرنسي، يعدون أمواتا أو جرحى أو أسرى، وأكثر من ثلاثمائة عربة نقل حطمت أو أعطبت، يضاف إلى ذلك حوالي العشرين طائرة عمودية (هيليكوبتر) حطمت أو أعطبت بمدفعيتنا المضادة للطيران، التي تكونت في الشهور القليلة الماضية، كما أخذ سلاح عظيم من العدو.

стр. 89

وخسائرنا كانت مع الأسف جدية: ما يقرب من ثلاثمائة وخمسين قتيلا في المقاطعات الثلاث، وما يقرب من مائة جريح، ونحن نحب هنا أن نؤكد إعجابنا للنخبة من قواتنا المسلحة، التي أظهرت شجاعة مدهشة وإخلاصا ونزاهة، وقد وقع حادث نريد أن نعبر عن أسفنا بصدده، وهو جرح أحد الأطباء من طرف عناصرنا في منطقة "أوراصيف". وقد أرسلت رسالة اعتذار في الوقت لعائلة الطبيب. والقتال الذي نقوم به ضد الجيش الفرنسي لم ينسنا الخونة منا فقد قتل منهم عدد كبير، ومئات آخرون منهم سيظلون محتفظين بعلامة خيانتهم طيلة حياتهم في وجودهم. إن الصحافة الاستعمارية والإذاعة، قد فعلت كل شيء لتجند ضدنا الرأي العام داخل الجزائر وخارجها، فهي تصورنا بكوننا مجرمين ومطاردين، بمقتضي الحق العام، ممن لا يخسرون شيئا في المغامرة، ونحن نؤكد أن ٩٩ في المائة من قواتنا العاملة، هم من الفلاحين الطيبين، وتكاد تكون أكثريتهم الساحقة من أباء العائلات، ومن شبان المدن الذين لم يدخلوا السجن قط في حياتهم، والواحد في المائة هم من المساجين السياسيين. ويحاول المستعمرون أن يتهمونا بأننا عملاء موسكو، ومرة بأننا عملاء القاهرة أو تطوان أو لندن أو واشنطن، ونحن نجيب بأننا لسنا ملكا لأحد، فنحن نخدم قضية الجزائر وحدها، ولا يوجد في صفوفنا أي أجانب، لا تونسيون، ولا مصريون ولا ألمان. إن الجزائريين والجزائريون وحدهم هم الذين يقومون بالقتال ويديرون دفته. مسألة السلاح والإستعمار يعلل نجاحنا العسكري بورود السلاح إلينا من الخارج، وهذه أيضا كذبة ضخمة، إن السلاح الذي بأيدينا قد أخذناه من العدو. على أنه صحيح أن

стр. 90

عددا كبيرا من الشبان الجزائريين الموجودين في الجيش الفرنسي يفرون من الجيش ويلتحقون بصفوفنا، مع ما عندهم من عتاد وسلاح. والاستعماريون يريدون أن يصورونا في صورة المتوحشين الظامئين للدماء، الفاقدين للعاطفة الإنسانية، الجاهلين لقوانين الحروب، وهنا نكتفي للرد على ذلك بشهادة جنود المظلات الستة الذين - وهذا بين قوسين - قد أطلقنا سراحهم ولم يفروا من عندنا كما قالت الأنباء، وذلك بعد أن أعطونا كلمة الشرف، بأنهم سيقولون الحقيقة التي رأوها بأعينهم. أما الأسرى فإننا لم نعدم فردا واحدا منهم، في حين لا يستطيع الجيش الفرنسي أن يدعي ذلك. ويتحدث المستعمرون كذلك عن وجود تضامن بيننا وبين الشيوعيين، وكل واحد يعلم أن الشيوعيين لا وجود لهم في جبالنا، وأن عناصر هذا الحزب منحصرة في بعض المدن الكبرى، إنه لا يوجد بيننا حتى شيوعي واحد. وليس لنا أية علامة مع هذا الحزب. مسألة حرية أما المستعمرون الجدد، فيزعمون أخيرا أننا حملنا السلاح لأننا جعنا ولأننا بطالون، ولأن الاستعمار الأعمى قد استغلنا استغلالا شديدا قاسيا، وهذا أيضا خطأ - إنه خطأ ضخم - لقد حملنا السلاح لكي تسترجع الجزائر حريتها واستقلالها، لقد قال أحدهم يوما: "لو كنا في عيشة رغدة مع الاستعمار الفرنسي لما منعا ذك من حمل السلاح من أجل الاستقلال"، وهذا هو الواقع والصواب. إن أي فرنسي لا يقبل أن يصبح إيطاليا، والأمر كذلك بالنسبة إلينا، إننا جزائريون ونريد أن نبقى جزائريين لأننا فخورون بجزائريتنا. ولا يمكن لأي بطش أو قمع أن يصيرنا فرنسيين، وكذلك لا يمكن لأي رخاء أن ينسينا حريتنا المفقودة، وليعلم فور وسوستيل، والجنرال وبرلانغ وضباط الشؤون الأهلية، أن شعب المغرب العربي في سنة ١٩٥٥ لم يعد ما كان عليه في سنة ١٩٢٥.

стр. 91

أيها الشعب الجزائري! إننا نبعث إليك بندائنا، أنت - بعد الله - الذي تعتبره الحكم الوحيد لأعمالنا، لكي تواصل تأييدك لنا كما فعلت إلى الآن، إن الكفاح سيكون طويل الأمد. ولكن الانتصار مؤكد إن شاء الله. أما نحن - قادة وجنود جيش التحرير الوطنى - فإننا نحب أن نؤكد مرة أخرى أمام الملأ أننا أعطينا للجزائر أفضل ما عندنا وأننا لن نضع السلاح إلا بعد أن يعترف لبلادنا بسيادتها وحريتها كاملة. جريدة الصباح أيها الجاهدون الأحرار: يسرنا جدا، أن تعلموا بأن الكفاح طويل الأمد. وأن تؤمنوا في الوقت نفسه، بأن النصر مؤكد، فاصدقوا مع الله يضمنه لكم، لأن النصر مؤكد، فاصدقوا الله يضمنه لكم، لأن الله ينصر من ينصره، وعدا منه ناجزا لا يتخلف، واجمعوا الأمة على كلمة سواء، لأن يد الله مع الجماعة، وطهروا نفوسكم من الحسد والطمع، لأن ذلك ليس من شأن المجاهدين، ومن تعلوا بهم الرتب. أيها العربي ماذا تعرف عن المغرب العربي يسر بيروت - المساء، أن تخصص هذه الزاوية لسلسلة من المقالات يكتبها المجاهد العربي الكريم، الأستاذ الفضيل الورتلاني، وإننا إذ نشكر الأستاذ الجليل، نضم صوتنا إلى صوته، في وجوب الاهتمام بهذا الجزء الغالي من العالم العربي العزيز على كل قلب، قال الأستاذ حفظه الله: نحن في عصر يؤمن الواعون فيه بجدوى التكتل أشد الإيمان، وليس هذا الإيمان قاصرا على الضعفاء، بل ربما كانت أعراضه عند الأقوياء، أظهر وأوضح:

стр. 92

خذ مثلا أكبر دولة في العالم، خذ هؤلاء الأمريكان (أعني الولايات المتحدة) الذين يلغ تعدادهم اليوم مئة وستين مليونا، وانظر إليهم كيف يستقلون هذا العدد الضخم، فيروح رجالهم العباقرة، يبحثون عن التكتل والترتيب في جميع القارات العامرة، تحت أسماء تنظيم في هذا العقد اللامع، (مشروع مارشال النقطة الرابعة) ومساعدة المناطق المتأخرة اقتصاديا، وبالتحالف، والنايلون وما أشبه ذلك. ثم لما ضاقت بهم الأرض وبأبحاثهم، راحوا يبحثون في السماء من بين الكواكب السيارة، والنجوم الثابتة حتى عثروا على من يزعم لهم، بأن الوصول إلى المريخ أمر غير مستحيل. فآمنوا بسرعة، وهم الآن بصدد إعداد الأسباب ليصعدوا إليه في الغد القريب أو البعيد. وهذا العصر بالذات يؤمن بجدوى رابطة المصلحة أشد الإيمان، حتى قال قائلهم، وقائد قافلتهم في الحرب والسلم، المستر تشرشل، "لا مانع عندي من محالفة الشيطان، إذا كان ذلك في مصلحة أمني ووطني". جربوا والعبوا ورقتكم الرابحة والواعون اليوم، في سباق جنوني نحو رابطة المصلحة، إلا العرب المساكين ويا ما أتعس العرب المساكين، فإن أمامهم أربح ورقة في عالم التكتيل والمصلحة، ما جربوا أن يلعبوا بها جديا في يوم ما. وأنه ليعيش حولهم ثمانون مليونا من بني جنسهم ولغتهم، ويعيش في دنياهم ستمائة مليون، يدينون بعقيدتهم، ويتوجهون خمس مرات في اليوم إلى كعبتهم، ويشغل هؤلاء، وهؤلاء مساحة تناهز نحو ثلاثين مليونا من الكيلومترات المربعة، تحمل فوقها، وفي بطنها، كل مقومات الحياة السعيدة، ولكنهم مع الأسف ما فطنوا أو بالأحرى، ما أحسوا بأن التعارف بينهم، ولو لمجرد المصلحة (فضلا عن الروابط المثالية الأخرى التي يؤمن بها اليوم جميع الناس) إنما هي عملية مقدمة تؤدي إلى إسعادهم وإعزازهم.

стр. 93

ماذا أريد أن أقول، والحديث ذو شجون، ومساحة هذه الجريدة الكريمة تقتضى الإيجاز، إن في بلاد المغرب العربي، ٣٠ مليونا من إخوان لكم أخيار أبرار وأبطال وموصوفون بكل فضل يرغب به الناس ويرهبه، ويشغلون مساحة عن الأرض تناهز أربعين مليونا من الكيلومترات المربعة، تنتج كل الخيرات، وهي من دياركم على مسافة بضع ساعات بالطائرة، ثم إتي أشهد الله أنهم يحبونكم من أعماق قلوبهم، ويبحثون عنكم بحث شحيح ضاع في الترب خاتمه، أو ليس ما أقول من العار! أو من الحرام! أو من العيب ولكني أقول أو ليس من الخسارة أن يزهد العرب في إخوانهم هؤلاء، وهم يشكلون نصف أمتهم تقريبا؟ ولا يقولون لي أحد ما زهدنا، لأن الواقع المر يشهد بأن العرب اليوم وفي غالب الشرق، يعرفون عن باريس ومرسيليا أكثر مما يعرفون عن فاس والدار البيضاء، ويعرفون عن نيويورك وواشنطن، أكثر مما يعرفون عن قسنطينة وعناية بالجرائر. ويعرفون عن أهل كوريا والصين، أكثر مما يعرفون عن إخوانهم في المغرب العربي، أما من المسؤول عن ذلك فلندعه لوقت آخر، فعفي الله عما سلف، وهيا نتعاون على هذا الواجب المقدس، وأرجو أن ألقاكم في أحاديث متوالية أو متقاربة عن المغرب العربي على صفحات هذه الجريدة المجاهدة. وإلى اللقاء جريدة بيروت المسار عدد ١٨٢٩ وجريدة المنار. إلى المجاهدين الأخيار: لقد بعتم أشكم لله والوطن، فاصدقوا مع الشاري الجبار، إنه الواحد القهار، الذي لا يعجزه شيء في السموات ولا في الأرض. واجعلوا من أورادكم اليومية، قوله تعالى: ﴿ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ المنافقون: ٨. وقوله تعالى: ﴿قل إن الموت الذي تفرون منه فإنه ملاقيكم ثم تردون إلى عالم الغيب والشهادة فينبئكم بما كنتم تعملون﴾ الجمعة: ٨.

стр. 94

نموذج من ديمقراطية فرنسا في الجزائر مهداة إلى أصدقاء فرنسا لقد أصبحت المعاني في هذه الأيام، مثل البضائع والمصنوعات تماما، بحيث تختلف باختلاف موادها الخام، واختلاق جودة الصنع وزيفه، وما أشبه ذلك، فنايلون الإنكليز مثلا، يختلف عن نايلون الأمريكان، ودبابات إيطاليا تختلف عن دبابات تشكوسلوفاكيا، وهلم جرا، فكذلك الديمقراطية، والإشتراكية، والحرية والعدالة، إلى غير ذلك من المعاني، فإنها تختلف كلها، باختلاف صانعيها، ومروجيها، فتعال معي إذن في جولة قصيرة إلى الجزائر العربية، لنشاهن فيها نموذجا من ديمقراطية فرنسا العريقة، واضعة وثيقة حقوق الإنسان، ولو كانت هذه الجريدة واسعة لسردت مئات الأمثلة، ولكنني أكتفي بواحدة فقط؛ وفيه غناء. جزاء الجزائريون من فرنسا بعد الحرب اشترك الجزائريون في الحرب العالمية الأخيرة بنحو مليون ونصف من شبابهم الزاهر، ما بين جنود في الميدان، وما بين عاملين لتموين الجنود من وراء الميدان، وفعلوا ذاك على أساس أنها حرب بين الحرية والديمقراطية، التي تمثلها فرنسا وحلفاؤها، وبين العبودية والفاشستية، التي تمثلها ألمانيا وحلفاؤها، هكذا قالوا لنا، وكنا طبعا عبطاء، فصدقنا مختارين أو مرغمين. ثم مات من مات، وشوه من شوه من الجزائريين، فرملت نساء ويتم أطفال ... إلخ ولكن المعركة على كل حال إنتهت بانتصار الحرية في سنة ١٩٤٥ وظن الجزائريون - وبعض الظن إثم - إنه نصر ديمقراطي يشترك في ثمراته جميع الناس، أو على الأقل يشترك فيها حتما، أولئك الذين دفعوا ثمنه غاليا، فأصبحوا في يوم النصر يحتفلون، مع المحتفلين، وكتبوا على لافتاتهم عبارات: الديمقراطية والحرية، والاستقلال وهتفوا بها من أعماق أنفسهم، وبأعلى

стр. 95

أصواتهم، وكان مقتضى الديمقراطية الأصيلة أن تكون نفوس الفرنسيين صدى لتلك الهتافات الحبيبة، التي كان يرددها - الجنرال ديغول - ورجال المقاومة أيام الإحتلال النازي - لام الحريات باريس - ولكن الواقع، الذي حصل بالضبط، أن هجم الجيش الفرنسي والبوليس والمدنيون الفرنسيون، هجموا بالبقية الباقية من بنادقهم ودباباتهم، على الجزائريين العزل، المحتفلين بيوم انتصار الديمقراطية، فأشبعوهم تقتيلا وتجريحا وتشويها، ولما رد عليهم الجزائريون بالعصى وبعض المسدسات، ولم يكونوا يملكون غيرها، تمرجلت الست فرنسا، وهاجت نخوتها، ولم تكد ترفع رأسها بعد إلى فوق من إثر إذلال الألمان، وأعلنت حربا شعواء على أنصارها الجزائريين، لم تكن فيها أدنى هوادة، استعملت فيها أسلحة الإنكليز والأمريكان التي كانوا يسمونها الإعارة والتأجير، وكانت حصيلة هذه المجزرة الحقيرة، التي دامت نحو ستة أشهر، زهاء سبعين ألف قتيل من الجزائريين، ولم يكونوا من الثوار، لأن الجيش الفرنسي كان ولا يزال أعجز من أن يصل إلى الثوار، ولكنهم كانوا من العزل المسالين الآمنين، الملازمين لقعر ديارهم، قتلوهم جملة، بهمجية وبربرية لم يعرف التاريخ لها نظيرا. وقد تم ذلك بواسطة حملة جوية مدبرة بليل، حملت الطائرات الديمقراطية الفرنسية نوعا من القنابل الجهنمية، فأفرغتها على أربعين قرية، كأنت آمنة مطمئنة، فدمرتها عن بكرة أبيها، ثم عادت فأفرغت عليها نهرا من البنزين، فأحرقت جميع من فيها حتى الكلاب والقطط، وكان هذا الحادث الفظيع يومئذ موضوع مناقشة مجلس النواب الفرنسي. فلم تستطع الحكومة أن تنكره، وقد سجن أثناء هذه الحوادث زهاء ثمانين ألفا، من خلاصة الشعب وشبابه باسم المشبوهين. ويذكرني بهذا: تقرير وصل إلينا من أيام يقول ملخصه: لتسقط الديمقراطية الفرنسية وتحيا الثورة الجزائرية والمغربية إن الجيش الفرنسي الذي يلاحق الثوار، قوامه ٢٥٠ ألفا، لكنه عاجز عن الوصول إليهم عجزا تاما، لذلك أفرغ جام غضبه على المدنيين، فدبر حملة وحشية

стр. 96

من الطيران، فدمرت ٤٠ قرية وأهلكت جميع من فيها، وهذا الحادث وقع في منطقة واحدة ما بين قسنطينة وعنابة فقط، وهو واحد من العشرات أو المئات. ولما قرأت هذا التقرير قلت: ما أشبه الليلة بالبارحة، ثم قلت: تسقط الديمقراطية الفرنسية، وتحيا الثورة الجزائرية والمغربية، وبعد، أفتستحق هذه الدولة المسخرة لمئتي أسرة استغلالية، أفتستحق صداقة الأحرار، إذا لم تتب سريعا. أما إذا تابت توبة نصوحا، وعادت إلى المبادئ التي نقشتها على نقودها، الأخوة، الحرية، العدالة، حينئذ سنكون نحن أول من يهتف بحياتها وصداقتها. جريدة بيروت المساء عدد ١٨٣١ وجريدة المنار محنة اللغة العربية في الجزائر جريدة بيروت المساء بالمنار الدمشقية، اللغة هي مظهر كرامة الأمة، وعنوان بقائها! .. إن اللغة مظهر مقدس من مظاهر كرامة الأمة، التي تحترم نفسها، وعنوان من عناوين مجدها ووجودها. ولا يجوز أن يقل اعتبار اللغة في مجال الكرامة، عن اعتبار العلم "والببرق" أو تعبير النشيد الوطني، الذي يعاقب القانون والعرف، من لا يقوم له إجلالا عند سماعه. واللغة العربية ليست لغة الجزائريين وحدهم، وإنما هي لغة الأمة العربية كافة، وعنوان كرامتها ووجودها، فمن أهانها إنما يهين العرب أجمعين، هذا هو المنطق يوم كان للمنطق سلطان، وعلى هذا الأساس، أتحدث اليوم إلى العرب عما أصاب لغتهم من ازدراء وإهانة في عقر دارها بالجرائر، وما ألحقه الفرنسيون بها في أرضها، وللغة في نظري عرض كما للأشخاص أو أشد وإليك القصة باختصار:

стр. 97

احتل الفرنسيون الجزائر عام ١٨٣٠ فوجدوا أهلها يدينون بالإسلام، ويتكلمون بالعربية، ويقدسونها منذ اثنتي عشر قرنا ونيف، فعز على المستعمرين أن يكون لهذه الأمة مقدسات، أو مقومات حياة، لأنهم بيتوا قتلها وإفناءها، أو مسخها على الأقل، فرأوا أن يصوبوا أول ضربة حازمة إلى اللغة، مظهر كرامة الأمة وعنوان بقائها، فأصدروا قانونا يجعل اللغة الفرنسية في الجزائر هي اللغة الرسمية وحدها، وصيروها لغة المدرسة ابتداء من روضة الأطفال، إلى الصفوف العالية في الجامعة، وجعلوها لغة المعاملة العامة، ابتداء من مختار الحارة حتى تنتهي إلى الحاكم العام، وهذا أمر قد يسهل تصديقه، إنما الذي يعز - ولا شك على القارئ، تصديقه هو أن الفرنسيين الديمقراطيين، قد أصدروا قانونا آخر يعتبرون اللغة العربية بين أهلها لغة أجنبية، وهذا ما حصل بالذات، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوزه إلى اصطناع كل أنواع الإهانات لها، فكل مدرسة أهلية للعربية، إذا سمح بفتحها، إنما تخضع لقانون الصحف الأجنبية، وإذا كتبت أنت إلى صديق لك رسالة في الجزائر، وجعلت العنوان بالعربية إنما ترمى في سلة المهملات ثم إن السماح بفتح المدارس للعربية إنما هو محض افتراض، وإلا فإن فتح مدرسة لتعليم اللغة العربية في الجزائر، كان ولا يزال في نظر الفرنسيين، أخطر من فتح محششة يدار فيها الأفيون والكوكايين وبقية السموم، فلقد شهدت المحاكم في الجزائر مناظر مخجلة يساق فيها معلم العربية في موكب اللصوص والقتلة والمجرمين، لمحاكمتهم على صعيد واحد، وقد تنال رحمة القضاة الفرنسيين، بعض القتلة واللصوص، ولكن ما جربت يوما أن تنال معلم اللغة العربية أبدا، وعلى كل حال، فإنه لا يحسن بي أن أفارق القارئ العربي قبل تطمينه على لغته ومظهر كرامته، فأؤكد أنها اليوم بحمد الله في ألف خير. لأن أهل الجزائر قد داسوا تلك القوانين الحقيرة بأقدامهم، واستهانوا بكل تعذيب يصيبهم في سبيلها. فرحبوا بالسجون والغرامات وبكل مؤلم من أجل لغتهم، فما زالوا كذلك حتى عجزت بربرية الاستعمار، أمام إرادة الجزائريين الجبارة، فسكتت مرغمة، ولو كانت قوانينها لا تزال نظريا قائمة، لكنها غير منفذة.

стр. 98

وبعد فإن وظيفتي هنا هي أن أشكو إلى العرب ما أصاب لغتهم، وعنوان مجدهم، من إهانة ومطاردة، ثم لا أوصيهم بماذا يصنعون مع المجرمين، لأنهم أدرى. برقية لحضرات رؤساء الكتلة الإفريقية الآسيوية في هيئة الأمم المتحدة المحترمة. باسم الجزائر والمغرب العربي وما يبذلونه من دم وعرق، مرغمين صونا لحريتهم وبقائهم، وباسم عامة الأحرار الحاضرين والغائبين من الأجيال، نشكركم على جهودكم النبيلة الموفقة، حيث استطعتم بصبركم رغم عراقيل المستعمرين والطغاة، أن تثبتوا لدى هيئة الأمم والعالم، مبدأ حق الجزائر في السيادة والاستقلال، وأملنا وطيد بأن تواصلوا مساعيكم المتنوعة، لجني الثمرة المطلوبة إذ تعلمون، أن الأعمال بالخواتيم وفقكم الله. ١٣ أكتوبر ١٩٥٥ هل المقاتلون في الجزائر ثوار أم لصوص ؟ جريدة بيروت المساء والمنار الدمشقية إن أبرز صفة في الاستعمار الفرنسي، الجرأة على الكذب، والمكابرة فيه، فإذا قالوا لك مثلا: إن الجزائر فرنسية، وأن أهلها فرنسيون، وأن قضيتها داخلية، لا تعني أحد سوى أهلها، أي سوى فرنسا، ثم جئت أنت وأنا وهو، بل وجاء الناس أجمعون، لدحض هذه المزاعم ولإقامة ألف دليل مستقاة من أقوال الإفرنسيين أنفسهم، ومن أفعالهم اليومية، على أن الجزائر ليست فرنسا، كما أن السماء ليست بالأرض، وكما أن الملائكة ليسوا بشياطين، ومع هذا يظل المستعمرون الافرنسيون، يؤكدون بكل وقاحة في مناسبة وغير مناسبة، وأمام الدنيا جميعا، بأن الأمر إنما هو كما يزعمون، أحب الناس أم كرهوا، وأنها - عنزة ولو طارت - من هذا القبيل ما

стр. 99

دأبوا يصفون به ثوار المغرب العربي عامة، وثوار الجزائر بصفة خاصة، من أنهم لصوص، وقطاع طرق، وخارجون على القانون، وما أشبه ذلك من نعوت الإزدراء، وأن هؤلاء اللصوص، إنما هم شرذمة قليلة تافهة لا قيمة لها، وأما بقية الأمة وسوادها الأعظم، فهي في ألف خير تسبح بحمد حكامها المستعمرين، وتصلي عليهم قبل الصلاة على الأنبياء والمرسلين. تهديد فرنسا يعطي نتائج معكوسة ولا يزال الإفرنسيون حتى هذه الساعة، رغم الإجماع المنعقد على تسفيه زعمهم يؤكدون هذا الزعم، وبعد أن أنفقوا مئات الملايين من الفرنكات، وبعد أن اعتقلوا عشرات الألوف من خواص أبناء الأمة إرهابا للآخرين، من أجل أن يعثروا على جماعة مهما كانت تافهة الكم والكيف؟ تقول بأنها ضد الثورة، أو الثوار، فلم يعثروا على فرد واحد فضلا عن جماعة، بل الذي حصل هو العكس تماما، إذ كلما حاولوا حمل فرد أو جماعة، على أن ينكر عمل الثائرين، وضعوا عليه أو هددوه، حمل في اليوم الثاني بندقيته وما تيسر من الزاد، ثم التحق بأولئك الثائرين في الجبال، وجعل حياته تحت تصرفهم، لطرد المستعمرين. ولم يشذ عن ذلك رجال السياسة من متطرفين ومعتدلين. وحتى أولئك الذين كانوا بالأمس القريب، يؤمنون بوجوب التعاون مع فرنسا، والارتباط إلى يوم الدين معها، لم يبق من هؤلاء من لا يهتف في ملاء من فرنسا نفسها، بحياة الثورة والثوار، والذي يجب أن يعرفه الناس، بمزيد من العناية عن ثورة الجزائر، أمران اثنان: الأمر الأول: أن الثائرين في الجزائر إنما هم جميع الجزائريين، لا فرق بين الكبار والصغار. والذكور والإناث، والأغنياء والفقراء. والعلماء والعوام، كما لم يفرق ظلم الفرنسيين بين هؤلاء جميعا.

стр. 100

وإنما تخصص فريق من أبطال شبابهم. بحمل السلاح فعلا، وبمواجهة المستعمرين بالقتال، وأولئك الأبطال المقاتلون، هم اليوم جيش الأمة الذي تفديه بكل ما تملك من نفس ونفيس، لا مزاح فيه، وهو استرداد سيادة البلاد واستقلالها، وأن هذه الثورة لن تنتهي إلا بتحقيق ما قامت من أجله أو بعد الاستشهاد في سبيله. وبعد فعلى ضوء هذا الاستعراض. يستطيع القارئ أن يعرف أولا: ناحية خطيرة من طباع الافرنسيين ويستطيع ثانيا: أن يحكم بمنطقه الخاص فيما إذا كان المقاتلون في الجزائر ثوارا أم لصوصا. إلى ميسيو ادغار فور رئيس وزراء فرنسا. الجزائر لا تريد إلا الاستقلال، والمغرب العربي لا يريد إلا الوحدة. وكل محاولة خارج هذه الحقيقة، هي تضييع للوقت، ومضاعفه لتعقيد الأمور، وتكبيد الخسائر في الدماء والأموال، وإنما للضغائن والأحقاد، أما إذا سارت الأمور في ذلك الطريق السوي، بصدق نية وسرعة، فإن مصالح فرنسا ومصالح جاليتها، يمكن أن تكون محفوظة بسخاء، ويمكن أن تقوم بعد ذلك صداقة بين البلدين متينة، وتعاون واسع ممتاز، على قدم المساواة، أرجو تلاوة برقيتي على أعضاء الجمعية الوطنية مشكورين. تلغراف باريس في ١٢/ ١٠/ ١٩٥٥

стр. 101

فرنسا تحارب الإسلام علنا في الجزائر جريدة بيروت المساء والمنار الدمشقية أما أن الفرنسيين ظلمة فجرة، فهذا ما لا يختلف فيه عارفان منصفان، ولكن هؤلاء المستعمرين هم إلى جانب فجورهم، مجانين أيضا، لا حكمة في تصرفاتهم البتة فكثيرا ما يقررون القيام بعمل وهو من رابع المستحيلات، ومن قبيل من يريد أن ينقل جبلا من مكانه وأن يحفره بأظافره، فمثال ذلك أن حضراتهم قد قرروا لأول ما تغلبوا على الجزائر، محو الإسلام في جميع ربوعها، وانتزاعه من أمة عاشت تقدسه مدة تزيد على ثلاثة عشر قرنا، ثم لم يكلفوا أنفسهم معرفة هذه الأمة، حتى يتبينوا ما يمكن أخذه منها، وما لا يمكن، وحتى يتبينوا في الوقت نفسه، الكيفية التي تضمن لهم أخذ الممكن حينما يريدون، من أجل ذلك، ومن حسن حظ الجزائر، أنهم جهلوا من بين ما جهلوا، أعرق صفة في تلك الأمة وأعمقها، وهي المقاومة والعناد، ولعل الفرنسيين كان يمكنهم، أن يضعوا شأن الإسلام في نفوس الجزائريين لو أنهم كانوا نفسانيين حكماء، يتقنون فن الوصول إلى الأراضي البعيدة الخطيرة من طريق البنج والحيل، ولكنهم أعلنوها حربا صارخة على دين الإسلام. فأول ما نزلوا إلى أرض الجزائر، عمدوا حالا إلى مصادرة جميع أوقاف المسلمين، التي كانت تقدر بمئات الملايين، ومبالغة في النكاية، جعلوا تك الأوقاف بين يدي المبشرين، ثم عمدوا إلى المساجد، فحولوا أكثرها إلى كنائس، وبعضها حول إلى مكاتب وإدارات وثكنات عسكرية، ولم يفتهم أن يحولوا البعض الآخر إلى اسطبلات، يدوس حرمتها، الخيل والبغال والحمير، ثم التفتوا إلى المدارس الإعلامية فمنعوها من

стр. 102

التدريس والتفهيم، ولكن أذنوا لها بالأول، في تحفيظ القرآن غيبا على شرط أن يكون عن غير فهم، ثم تدرجوا بعد قليل إلى منع التحفيظ الببغائي نفسه، إلا بإذن لا يحصل عليه الراغبون إلا بشروط، هي أقسى وأمنع من شروط الزواج بجارية بنت سلطان، ثم توجه إلى لغة الإسلام العربية، فجردوها من كل حرمة وكرامة، وجعلوها لغة أجنبية غير مرغوب فيها لا حول لها ولا قوة. فعلوا كل ذلك وأكثر من ذلك، لأجل أن يقضوا على دين الإسلام في الجزائر، ولكن فاتهم أن الذي فعلوه، أمام طبيعة عناد الجزائريين وصلابة المقاومة في أصول أخلاقهم، إنما هو عامل تثبيت، لذلك الإسلام في نفوسهم، وذلك ما قد حصل بالفعل، فلقد تعصب الجزائريون لدينهم أشد التعصب، وتحدوا كل القوانين المسنونة ضدهم، فمارسوه في بيوتهم سرا وفي شوارعهم علنا، وفي جبالهم وسهولهم وفي مساجد أقاموها من جديد لهم، ودخلوا السجون، وسيقوا إلى المعتقلات، ودفعوا أفدح الغرامات، لأجل مخالفتهم القوانين المحاربة الدين، وأخيرا وليس آخرا، راح الجزائريون يطمعون في نشر الإسلام بداخل فرنسا نفسها، فنقلوا الدعوة إلى عقر ديارها، وفتحوا في قلب باريس نفسها وفي غيرها من أمهات مدن فرنسا، ذهاء ثلاثين مركزا لتدريس الإسلام، وممارسة تعاليمه، فكان يغشاها عشرات الألوف من أبناء الجزائر ومن أبناء الافرنسيين، وإني بهذه المناسبة أشهد الله، أننا وجدنا في الشعب الفرنسي، داخل بلاده، أحرارا كثيرين، لا أثر للتعصب فيهم، ونرجو مخلصين أن يتغلبوا على المتعصبين الحاقدين يوما، فيخدمون بذلك فرنسا والإنسانية.

стр. 103

الجزائر وأسبوع التسلح لجيش سوريا هل أصبح العرب أضحوكة البشر ؟ جريدة بيروت المساء والمنار الدمشقية إسرائيل دمل مصطنع عن قصد وسابق إصرار، لأجل إقلاق راحة العرب. لقد كانت مظاهرة طيبة، تلك الحركة التي قامت في أكثر البلاد العربية، بمناسبة ما يسمونه أسبوع التسلح لسورية الشقيقة، ولعل الحركة كانت تهدف إلى تحقيق أمرين اثنين، كلاهما ذو أهمية في ناحيته، ويكمل بعضهما بعضا عند الاجتماع. الأمر الأول: هو جمع المال لأجل التسلح وهو ظاهر، والأمر الثاني: هو تذكير العرب بخطورة عدوهم الجديد، إسرائيل، ورفع معنوياتهم، وتغذية حماسهم، وقد يكون غيري من الناس راضيا بهذا الأسلوب ونتائجه، كل الرضى أو بعضه، ولكنني أنا غير راض مطلقا، وقد أكون مخطئا، ذلك لأن أعداءنا جادون كل الجد، في جميع تصرفاتهم، ذات الصلة في خصومتهم معنا، بينما نحن العرب ودولنا المستقلة قد ظلت تصرفاتنا منذ ثمانية أعوام مرت على الكارثة والنذير، لم تتغير ... إلا قليلا جدا، فما يزال الأسلوب عتيقا وهزيلا، وما تزال حتى هذه الساعة تعتمد في الأكثر، على الخطب والقصائد والمقالات، وعلى البيانات والإحتجاجات وحدها، ونحن دول تسع مستقلة، نملك من أن نسن القوانين الحازمة، ونصدر الأوار الصارمة، وما تزال خلافاتنا الفردية والدولية تستغرق أكبر نسبة من طاقتنا، بينما نرى بأم العين بداية النيران تندلع حول بيوتنا جميعا، وتوشك أن تأتي على ما فيها ومن فيها، وإذا خطونا خطوة بسيطة، في عالم الجد والإستعداد، فضحنا أنفسنا بأنفسنا، ونبهنا الأعداء إلى عرقلتنا، بما نحشده من أنواع الدعاية، والإعلان، والمباهاة.

стр. 104

أما اليهود، فإنهم يتسلحون ليلا ونهارا، ومن جميع أطراف الدنيا، وهم صامتون والصهيونيين في داخل إسرائيل، يعدون أنفسهم اليوم بالإجماع، في حكم المجندين، لأجل غزو بلاد العرب واستعمارها، ثم لا يتكلمون إلا بمقدار، ولقد جعلوا كل ما يملكون حتى الحياة، تحت تصرف القوات المسلحة، فأغناهم ذلك عن أسبوع التسلح وشهره، وإخوان اليهود في جميع بقاع الأرض، يجمعون لهم مئات الملايين من الدولارات، ثم لا نستمع لهم من الضجيج إلا قليلا. متى تختفي إسرائيل من الوجود ؟ أمام هذا الواقع المر، فإن الذي يرضيني أنا ويرضي الأجيال، هو أن يعمد المسؤولون العرب أولا: إلى خلافاتهم، فلا يدفنونها دفنا، إلى يوم الدين، ذلك ما لا أطمع فيه، ولكن يضعونها في صندوق محكم الغلق، ثم لا يفتحونه، حتى يختفي الاستعمار من أوطانهم، وحتى تختفي إسرائيل من الوجود، وأن الذي يرضينا أن يستعد العرب مثل إسرائيل وأكثر من إسرائيل، لأن العرب معتدى عليهم، في بقعة مقدسة من أراضيهم، وأنهم مهددون بالاعتداء، في بقية تلك الأراضي جميعا، وأن الذي يرضيني أنا والأجيال أخيرا، أن تعبئ حكوماتنا الحرة، كل بما تملك من مال ورجال، وعن طريق القوانين والأوامر، من غير إعلان ولا ضجيج، ومن غير تسول. والأمة العربية، ليس من حقها وواجبها، أن تدفع إسرائيل عن نفسها فحسب، ولكن من حقها وواجبها، أن تقذف بها إلى العدم، لأنها دمل مصطنع عن قصد وسابق إصرار، لأجل إقلاق راحة العرب، وقد يقول بعض القراء العاجزين الانهزاميين، أنني في هذه المطالب شاعر فيلسوف، فلا يهمني قولهم، لأنني لست إلى قصار النظر أكتب، وفي الكلمة التالية أخلص إلى محل الشاهد، وأسأل العرب الأشقاء: ماذا فعلوا لإخوانهم المكافحين في الجزائر والمغرب العربي.

стр. 105

برقية إلى حضرة الرئيس إسماعيل الأزهري المحترم باسم ثلاثين مليونا من إخوانكم المكافحين في الجزائر والمغرب العربي، أهنيكم والشعب السوداني الشقيق، بتحقيق الحرية والاستقلال، ثمرة جهادكم الطويل وأذكركم في هذه المناسبة الكريمة، بمعركة تنازع البقاء القائمة اليوم في الجزائر على أشدها، بين قوى الشر الاستعمارية، وبين طلاب الاستقلال المجاهدين أمثالكم، والثورة الآن في الجزائر المحرومة، تقاتل ثلاثمائة ألف جندي فرنسي مدججين بأحدث الأسلحة، ومصيرها إنما يتقرر تبعا لانتصارها ولانكسارها لا سمح الله، فمعونتكم إذن، ومعونة العرب أجمعين ماديا وأدبيا، أصبح وجوبها متضاعفا وأنها لتفقد قيمتها إذا لم تكن بالسرعة المناسبة للظروف. عام ١٩٥٥ الفضيل الورتلاني نريد أسابيع التسلح للجزائر جريدة بيروت المساء والمنار الدمشقية إن في الجزائر وحدها اليوم، ما يناهز ثلاثمائة ألف جندي فرنسي، يقاتلون بضعة آلاف من الثوار بالفعل، ومن وراء هذه القوى من الجنود المسلحين على أحدث طراز، دولة جبارة حاقدة، هي خامسة خمسة في مجلس الأمن، ولها حلفاء وأصدقاء، هم الذي يديرون دفة العالم اليوم، وفي مقابل ذلك هذا الشعب الجزائري الأعزل المحروم، الذي لا يملك سوى الإيمان بالله، والإيمان بحقه في الحياة الحرة، لا يملك حكومة ولا ميزانية، بل الذي يحكمه هو عدوه اللدود وميزانية بلادهم الضخمة، إنما ينفقها ذلك العدو على مقاتلته وإذلاله، والقانون السائد عليه في داخل بلاده، يعد رجاله المكافحين عصاة وخارجين على الدولة، تهدر دماؤهم، وتستباح أموالهم وأعراضهم، والأموال المتواضعة التي يمكن أن تجمع للثوار المقاتلين سرا، إنما هي من أمة أفقرها الاستعمار، وقد ظل يمتص ثروتها منذ قرن وربع، وعملية الجمع تعرض القائمين عليها لأخطر العواقب، وقد امتلأت بهؤلاء المغامرين

стр. 106

السجون والمعتقلات فعلا، إلا أن الجزائريين كلهم مقاتلون بالطبع وبالممارسة، وفي استطاعتهم أن يحشدوا مئات الآلاف للقتال، وفي استطاعتهم أن يقلقوا راحة فرنسا لعشرات السنين، حتى تمل وتعجز، ثم تخرج مطأطأة الرأس من حيث دخلت، وهي رافعة إياه، ولكن ذلك متوقف على المال أولا ... وثانيا ... وثالثا ... ولا شيء ينقص المكافحين، في تلك الديار سوى المال، فمن أين يأتي هذا المال الضروري، عصب الحرب كما يقولون أيها العرب؟ .. هل تريدون أن نأخذه من الشيوعيين، أم نأخذه من المستعمرين الآخرين غير الفرنسيين، إن كل هؤلاء أعداؤكم، وإن كل هؤلاء أخباث. نطالبكم بحق وليكن دينا علينا إننا اليوم مضطرون كل الاضطرار، لنعلن عتبنا الشديد على إخواننا العرب، لأننا نفتقر إلى القليل من مالهم، الذي ينفقونه في الكماليات، وفد يكفينا لنحرر به أنفسنا من الاستعباد، ونحن حينما نطالبهم بذلك، فلا نشعر مطلقا بأننا متسولون، أو أنهم يد عليا ونحن يد سفلى، لأننا نطالب بحق أولا، ولأن هذا الحق ثانيا، سيكون دينا علينا نرده إليهم في القريب، وربما يكونون يومئذ في أشد الحاجة إليه وإلينا، وإني أحلف غير حانث، لو أن المغرب العربي قد تحرر وتم استقلاله، لكفى العرب شر إسرائيل وغير إسرائيل، وأن أعدائكم مع الأسف أيها العرب، ليفهمون ذلك ويقدرونه أحسن منكم، فأقرضوا لإخوانكم الأوفياء قرضا حسنا يضاعفه الله لكم، ولكم أجر كريم. وبعد؛ فيا أيها العرب الكرام: اعلموا جيدا أنه، إن كانت سوريا الشقيقة في حاجة إلى أسبوع للتسليح، فإن تسليح الجزائر والمغرب العربي المحروم، يحتاج إلى أشهر وأعوام، ويهمني هنا أن أسجل عتبا آخر، على أولئك الذين تبرعوا بمبالغ متواضعة، وأنهم مع الأسف، جعلوها باسم المنكوبين، ثم حاولوا أن يوصلوها إليهم، من طريق المستعمرين أنفسهم، إنه لشيء يبعث حقا على الحزن والضحك في آن واحد، إذ متى كان الذئب راعي غنم أمين، ومن ذا الذي نكب الجزائريين والمغاربة سوى الاستعمار الفرنسي، الذي تطمعون أن يساعدكم على مواساة إخوانكم هناك.

стр. 107

شيئا من الشجاعة أيها العرب .. ولو إكراما لشهامة أسلافكم في التاريخ. برقية إلى حضرة الباشا الفاطمي بن سليمان. الرباط - مراكش - نعيذك بالله، من أن ترأس سومة مراكشية، من طراز حكومة ابن عمار التفاوضية في تونس، إنه لمن الجائر جدا، وأنت بشر أن يغريك المنصب الرفيع لأول مرة. ولكن يجب أن تذكره، إننا في عصر لا يغتصب المرء فيه شيئا لنفسه، على حساب الوطن، إلا ودفع ثمنه غاليا والمجاهدون الوطنيون، لا يفرقون كثيرا، بين العدو الأصلي، وبين أدوات العدو. وعلى كل حال فإن أملنا في ذلك وطيد، بأن يعيشوا وطنيين مخلصين، حتى يلقوا ربهم مغتبطين، ثم ثق بأن ساعة الخلاص آتية بأسرع مما يظن المخطئون. ٢٠ - ١٠ - ١٩٥٥ الفضيل الورتلاني هل ثوار الجزائر خونة! .. لأنهم يستعينون بدول أجنبية ؟ جريدة بيروت المساء والمنار الدمشقية قال لي صاحبي: لاحظت على ألسنة المسؤولين الفرنسيين، وعلى صفحات جرائدهم، أنهم يتهمون ثوار الجزائر خاصة، وثوار المغرب عامة، بأنهم على اتصال بدول أجنبية، تمدهم بالأسلحة والذخائر والمال، فما رأيك في هذه التهمة؟ فأجبت: أرجو أن تكون هذه التهمة صحيحة كل الصحة، لأن صحتها قد تدل على أن في هذه البشرية الغربية أو الشرقية، بقية من إنسانية ومروءة، أو أن من بين هذه الدول القوية المتعفنة، بقية من خلاق مفيد، يمكن للمستضعفين بفضله أن يتنفسوا، وأن يعيشوا أحرارا كبقية الناس، ويا حبذا لو يتحقق ذلك، ولا يهمني بعد تحقيقه، أن تكون الدولة المساعدة للثوار الأحرار غربية أو شرقية، ديمقراطية أو شيوعية، أم فاشستية، أو أن يساعد ثوران كل هؤلاء مجتمعين، لأن البندقية والمدفع

стр. 108

والقنبلة وسائر أنواع الأسلحة والذخائر، ليس لها دين ولا مذهب، إنما لها صولة فقط والثائر الحر لا يهمه، إلا أن يمتلك تلك الصولة ليستعملها في الدفاع عن نفسه، وفي سبيل استرداد السيادة المغتصبة من أمته، ولكن مما يدعو إلى الأسف الشديد، أنني لا أعلم حتى هذه الساعة أن دولة ما تقدم مساعدة جدية للمجاهدين في الجزائر والمغرب العربي، ونحن لا نخفي على الناس، ولا نخشى من فرنسا أن تعلن للدنيا جميعا، بأن ثورة الحرية في المغرب العربي، في حاجة ملحة إلى معونة كل حر وكل من يدعي الحرية على الأقل، وهم حينما يساعدون قوما يجودون بالحياة في سبيل حريتهم، إنما يقومون ببعض الواجب، وإنما يكفرون عن بعض سيئاتهم الطائلة، أما نحن فلولا الخوف من عرقلة وصول هذه المعونات الحربية وغير الحربية إلى أيدي الثوار، لكان عندنا الجرأة الكافية لنشرها في الصحف والإذاعات، ولشكرنا أهلها وباهينا بعملنا وبفضلهم، لأننا وإياهم إنما نفعل جميلا. وعاد صاحبي يقول: إن الفرنسيين يسمون استعانتكم بالدول الأجنبية خيانة، لأن هذه المعونة في نظرهم لا تكون بالمجان، بل لا بد لها من ثمن وسيكون ذلك الثمن على حساب مصالحكم ومصالحهم، ويعنون أنكم ستستبدلون استعمارا باستعمار. قلت لصاحبي: إن كنت قد نسيت التاريخ القريب فإني مذكرك به، ليستقيم معك المنطق في الحكم على القضايا العظيمة، وذلك أن فرنسا هذه، قد سقطت عام ١٩٤٠ صريعة العدوان الألماني فاحتل الألمان أراضيها واستذلوا شعبها وطعنتها إيطاليا في ظهرها، ثم راجت الخيانة في ربوعها حتى شملت التهمة رئيسها العظيم بطل فردان المارشال بيتان، ويومئذ قام مثلنا من بين أبناء فرنسا ثوار في الداخل والخارج، يصرخون بأعلى أصواتهم، يخاطبون الضمير الإنساني في جميع أطراف الأرض، ويدعون الدول والشعوب جميعا لا فرق بين مسلمها ومسيحيها، إلى الغوث والإسعاف والإنقاذ، واستعملوا في ذلك أبلغ العبارات وأحر الدموع، واشتهر حامل تلك الراية بالبطولة النادرة ودعى يومئذ برجل فرنسا الأول أعني الجنرال ديغول، وقد قاسم الجنرال هذا

стр. 109

الجد العظيم، ثوار فرنسا ورجال المقامة فيها، ولا يزالون يعيشون على فتات ذلك المجد العظيم، وما قال لهم قائل فرنسي أو غير فرنسي أنكم خائنون. وبعد؛ فمن هم هؤلاء الأبطال وماذا صنعوا حتى يستحقوا كل هذا التمجيد هنا محل الشاهد: لأن هؤلاء إنما كانوا ثوارا يقاتلون المحتلين الألمان، ويعني ذلك أنهم إنما صنعوا مثل ما يصنع الثوار الجزائريون اليوم تماما، وثوارا استعانوا بجميع دول الأرض وشعوبها، ودعوا جيوشها للنزول في أراضيها مؤقتا، وقبل ذلك أخذوا من الأمريكان أسلحة ودولارات، ومن الإنكليز ذخائر وجنيهات، ومن الروس الأسلحة والذخائر معا، ثم الرجال والروبيلات، وأملنا في أبطال فرنسا الأسوة الحسنة، ففي سبيل تحرير وطننا نحن مستعدون لقبول كل ذلك، ومن أي جهة كانت حتى من فرنسا نفسها، بل يعلم الله أن لو كان ذلك من فرنسا لكان أحب الأشياء إلى نفوسنا. أما تسميتها للعمل الواحد باسمين متناقصين، بطولة منها، وخيانة منا، فإنه من دواعي سخرية العالم بمنطقها. أما إن كانت الدول المساعدة لثوار المغرب العربي هم العرب والمسلمون، فأغلب ظني أنه لا اعتراض عليه، لأنه صلة رحم واجبة، ويا ليتها كانت، يبقى الزعم بأن العون الأجنبي لا بد له من ثمن، فإنه سخف لأن هؤلاء الأجانب أنفسهم هم الذين حرروا فرنسا من قبل، ولم يقبضوا أي ثمن إيجابي سوى التنكيل بأعدائهم. وأخيرا فإنما الذي يهمنا أن يعلم ويطمئن من يعنيه أمر مستقبلنا بحق، أن لا استعمار بعد اليوم في المغرب العربي بإذن الله، ولو جاء من قبل سكان السماء. الكلمة في انتخابات الجزائر هي للثوار وحدهم جريدة بيروت المساء سنة ١٩٥٦ والمنار الدمشقية قال لي صاحبي: الآن وقد حلت الحكومة الفرنسية مجلسها النيابي، وقررت إجراء انتخابات جديدة، فما رأيك في موقف الجزائر منها؟

стр. 110

قلت لصاحبي على الفور: إن الكلمة اليوم في الجزائر هي للثورة والثوار، ليس غير، لأن صوتهم - صوت النار والحديد - هو وحده الذي يستطيع أن يسمع الاستعمار الفرنسي، وهؤلاء الثوار هم جيش الأمة المغلوبة على أمرها، وهم يعملون عملهم اليوم في شجاعة وشرف، ويؤدون رسالتهم المقدمة في أمانة ونبل، والأمة من ورائهم تؤيدهم وتفيدهم بكل مرتحض وغال، والله فوق الجميع لا يضيع أجر من أحسن عملا، إذا أخلص فيه. قال صاحبي: وما رأيك الخاص؟ هل ترى رجحان المصلحة في اشتراك الجزائريين بهذه الانتخابات البرلمانية، أم ترى المصلحة في مقاطعتها؟ قلت: يجب أن تعرف أولا: ما هي نسبتنا نحن معشر الجزائريين في مجلس نواب باريس، وما هو طراز هذه النسبة وما هي فائدتها؟ إن نسبة نواب الجزائر، التي قررتها الديمقراطية الفرنسية، في أحدث دستور لها سنة ١٩٤٧ كانت (١٣) نائبا يمثلون ١١ مليونا من العرب، لأنهم عرب، بينما جعلوا نفس النسبة لخليط المتفرنسين وعددهم (٨٠٠) ألف، ومزية المتفرنسين هؤلاء الوحيدة، إنهم ليسوا بعرب فقط، ولعل هذه القسمة، من ضن ما يصلح في نظر فرنسا، أن يكون دليلا على أن الجزائر فرنسية، وأن الجزائريين فرنسيون، على أن هذه الشركة نفسها، التي لم نعترف نحن بشرعيتها في يوم من الأيام، أو أنها على علاتها كانت مبنية على قواعد العدل، وقائمة على أصول الحرية، لكان عدد نواب الجزائر في برلمان باريس نحو (١٤٠) نائبا بدل (١٣) أما طراز نوابنا هؤلاء فإن أكثريتهم الساحقة، إنما هم معينون في صورة منتخبين، إذ ما عرفت الجزائر العربية يوما انتخابا حرا، أو شبه حر في جميع مجالسها، ومن مكر فرنسا أنها كانت تتعمد دائما، ترك عدد قليل من الوطنيين الأحرار ينجحون لتستدل بهم على حرية الانتخابات، وعلى وجود معارضة ظاهرة، على أنها تعلم طبعا أنها معارضة لا تسمن ولا تغني ...
следующие страницы →