← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2416–2455 · переход к 2421.

стр. 2416

عن مالك وأصحابه، ولعلّ هذا ليس من أهل الاجتهاد (١). وأمّا من كان من أهل الاجتهاد (٢)، فالصّواب أَلَّا حدَّ عليه إِلَّا أنّ يسكر منه. ومن شرب الخّمْرِ ثمّ تاب، لم تسقط عنه الحدود، ورُويَ عن الشّافعيّ أنّ توبته تسقط عنه الحدّ. مسألة (٢): وقوله (٣): "وأَنَّ عُمَرَ وَعُثمَانَ، وعبدُ اللهِ بنَ عُمَرَ قَد جَلَدُوا عَبيدَهُم نِصفَ حَدِّ الحُرِّ في الخَمرِ" وعمر أمير المؤمنين، وكذلك عثمان؛ ويحتمل أنّ يكوَنا أقاما الحدّ على عبيدهِمَا في إمارتهما، فيكون لهما ذلك بحقِّ الإمامة. وأمّا ابنُ عمر فلم يُقِم الحدَّ على عبيدِهِ إلَّا بحقِّ ملكه، وفي هذا مسألتان (٤): المسألةُ الأولى: في صفَةِ من يُقامُ عليه الحدّ الثانيةُ: في صفةِ من يقيمُ الحدَّ ١ - أمّا من يقيمُ الحدّ، فإنّه يقيمُهُ على الأحرارِ السُّلطانُ، قال محمّد بن عبد الحكم: وأَحَبُّ إليَّ أنّ تُقامَ الحدودُ عند القاضي لِئَلّا يُتَعدَّى فيها، وهذا في الحُرّ، وأمّا العبدُ، فلا بأسَ أنّ يقيمَ عليه سيِّدُهُ الحدَّ إذا كان جَلدًا، قاله مالك وأصحابه، وكذلك في حدِّ الخّمْرِ والزِّنا وغيره.

стр. 2417

٢ - وأمّا صفةُ المحدودِ، فقد تقدّم أنّه إنَّ كان حُرًّا فحدُّه ثمانون، وإن كان عبدًا فحدُّه أربعون؛ لأنّ هذا حدّ يجلد فيه الحرّ ثمانين، فوجب أنّ يجلد فيه العبد أربعينَ كحدِّ القذفِ. فرع (١): فإن كان سكرانًا في غاية السكر، فقد قال بنُ القاسم: لا يضرب وهو سكران، وإن خَشِيَ، أنّ تأتي فيه شفاعة تبطل فيه حقّ الله، فليضربه في حال سكره. ووجه ذلك: أنّ الحدّ للزّجر والرّدع، والسّكران لا يذكر ما يجري عليه (٢). وأمّا إنَّ كان صحيحًا، عُجلَ حدّه، وإن كان مريضًا أُخرَ حتَّى يطيق. وكذلك المرأة تدَّعى أنّها حاملٌ، قال مالك: لا يعجّل عليها الحدّ حتّى يتبيّن أمرُها، فإن تبيَّنَ أنّ لها حملٌ أُقيم عليها الحدّ، وإن تبيَّنَ حملُها أُخِّرَت حتَّى تضع، واستُؤجِرَ لولدِها من يرضِعُه إنَّ كان لَهُ مالٌ، وأقيمت عليها الحدود (٣). ووجه ذلك: أنّ هذه معانٍ يُرْجَى زَوَالُها، وأمّا الهَرِمُ والضّعيفُ عن حمل الحدِّ، فقد قال مالك: يُجلدون ولا يؤخِّرون، إذ ليس لوقت إِفَاقَتِهِم حدٌّ يؤخِّرون إليه.

стр. 2418

باب ما يُنهَى أنّ يُنْبَذَ فيه مالكٌ (١)، عن نَافِع، عن عبدٍ اللهِ بن عُمَرَ؛ أنّ رسُولَ اللهِ ﷺ خَطبَ النَّاسَ في بعضِ مَغَازِيهِ. قال عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: فَأقبَلتُ نَحوَهُ، فَانْصَرَف قبْل أنّ أبْلُغَهُ، فَسَأَلْت مَاذَا قالَ؟ فقِيلَ لِي: "نَهى أنّ يُنْبَذَ في الدباءِ وَالمُزَفت، فهذا حديث أول. فقوله (٢): "نَهَى أنّ يُنْبَذ في الدُّبَّاءِ وَالمُزَفِّتِ" ولم يذكر (٣) مَنْ أَخبرَهُ لَمَّا علِمَ أنّ مثلَهُ لا يَأخذ إِلَّا عمّن يثق به، مع أنّه لا خلافَ في عدالةِ جميع الصّحابة، ولا خلافَ في جواز الاخذ بمراسيلها (٤)، وكذلك يجب أنّ يكون كمن عُلِمَ حَالُه من الأَيِمَّة أنّه لا يرسل إِلَّا عمّن يحتجّ بحديثه. *وإذا أخذ الصَّاحبُ عن الصَّاحبِ، فهو عند أهل الحديث مُسْنَدٌ، وإن ظهرَ فيه الإرسالُ في اللَّفظِ لا في المعنى، وان عدا ذلك إلى سائرِ الأيِمَّة الّذين يعلم منهم أنّهم لا يُرسِلُون إِلَّا في الثّقاتِ، كان ذلك صحيحًا، وارتفع خلاف الشّافعيّ في ترك قَبُولِ المُرسَلِ؛ لأنَّه قد استثنى منها مراسِيلَ سعيد ابن المسيَّب (٥). والحديثُ الثّاني الَّذي أدخلَهُ في البابِ بعدَهُ: مالك (٦)، عنِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرّحمَنِ

стр. 2419

ابن يَعقُوب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَة؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ "نَهى أَنّ يُنْبَذَ في الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ" وهو مُسنَدٌ صحيح. العربيّةُ: "الدُّبَّاءِ" هو القَرعُ (١). و"المُزَفَّتِ" ما طلِيَ بالزِّفت (٢) *. و"النَّبِيذُ"هو المنبوذ، فعيلٌ بمعنى مفعول، من نبذت إذا طرحت وهو ما طرح فيه. و"النقير" ما طُلِيَ بالقار وهو الزّفت. و"الأُدُمُ" جمع أَدِيم، وهو الجلدُ إذا دُبغ و"الحَنْتَمُ" كلُّ فخَّارٍ طُلِيَ بالزُّجاجِ (٣). الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): إنّما نهى عنه لئَلّا يعجل تغيير ما يُنْبَذ فيها (٦)، قال (٧): فأخذ

стр. 2420

مالكٌ بكراهة نبيذِ الدُّبَّاء والمُزَفَّت. وقال ابنُ حبيب: التّحليلُ أَحَبُّ إلينا وبِهِ أقولُ. ووجهُ رواية التَّحريمِ: يريد بذلك منع الفعل وهو الانْتِبَاذ، لنهيه ﷺ والنّهيُ يقتضي التّحريم. ومن جهة المعنى: أنّ هذا معنى يعجِّل شِدَّة المنتبذ، فوجب أنّ يكون ممنوعًا كالخليطَيْن. ووجه ما ذهب إليه ابن حبيب: ما زعم أنّه منْسُوخ، وتعلّق (١) بما رُوِيَ عن بُرَيْدَة الأسلميّ، أنّ النّبىُّ ﷺ قال: "كُنْتُ نَهَيتُكُم عن النَّبيذِ إِلَّا في السِّقَاءِ فَاشَربُوا وَاتَّقُوا كُلِّ مُسكِرٍ" (٢). ومن جهة المعنى: أنّ هذا شرابٌ ليست فيه شِدَّةٌ: مطربةٌ، فوجبَ أنّ يكونَ مباح الانتباذ، أصل ذلك إفراده وانتباذه في السِّقاء. المسألة الثّانية (٣): وهذا إذا كان المزفَّت إناء، وأمّا "الزِّقَاقُ" (٤)، فقد رَوَى أشهب عن مالك (٥) إباحة الانبتاذ في الزِّقَاقِ المزفّتة. والأظهر: أنّ يمنع المزفَّت من ذلك كلّه زِقَاقًا وغيرها؛ لأنّ النّهي وَرَدَ عَامًّا.

стр. 2421

وأمّا "الجِزَارُ" (١)، فروَى أشهب عن مالك (٢) أنّه أجاز نبيذها، ويحتمل أنّ يريد بالجَرِّ العاري من الحَنْتَمِ. ورُوِي عن ابنِ مسعود أنّ النَّبيِّ ﷺ أَرْخَصَ في نَبِيذِ الجَرِّ. ومن جهة المعنى: أنّه معنىً لا يُعجِّل الشِدَّة المُطرِبة، فلم يمنع الانتباذ كالأَسْقِيَةِ. وما رُوى عن ابنِ عمر أنّ النّبيَّ ﷺ نَهَى عن نبيدِ الجر (٣)، لعلَّه يريد: الّذي طُلِيَ بالحَنْتَمِ والمُزَفَّتِ. المسألة الثّالثة (٤): وأمّا "الحَنْتَمُ" (٥) فقد روى ابنُ حبيبٍ عن مالك أنّه أرخص فيه. وقد روى عبد الوهّاب المنع منه على التّحريم. وعندي أنّ المنع منه كالمنع من المزفّت؛ لأنّه يُحدِثُ من إسراع الشِّدَّة ما يُحدِثُه المزفَّت. والأصل في ذلك حديث ابن عبّاس في "البخاريّ" (٦) و (مسلم، (٧) أنّ وفد عَبدِ القَيْسِ أتوا النّبيّ ﷺ فسألوه ... الحديث إلى آخره، ونهاهم عن الدُّبَّاءِ والحَنْتَمِ والمُزَّفَّتِ، وربّما قال الرّاوي: النَّقيرُ، وربّما قال: المُقيَّر. وقال علماؤنا (٨): الوفدُ عبارةٌ عن القومِ القادمينَ بنيَّةِ الرُّجوعِ.

стр. 2422

وقال ابنُ حبيب (١):" والحَنْتَمُ الجَرُّ، وهو كلُّ ما كان من فخَّارٍ أخضر أو أبيض"، وهو يحتاجُ إلى تأويلٍ؛ لأنّه ليس كلُّ فخَّارِ حَنتَمٌ، وإنّما الحَنْتَمُ ما طُلِيَ مِنَ الفخَّار بالزُّجاج، والعلَّة فيه: تعجيل شدّة الشَّراب. المسألة الرّابعة (٢): أمّا "النَّقيرُ" فهو العُودُ المنقور. وقد رَوَى ابنُ حبيبٍ عن مالك أنّه أَرخصَ فيه، ورُوِيَ عنه أَنَّه كَرِهَهُ، وهو عنده كالمُزَفَّتِ. ووجهُ الرِّواية الأولى: أنّه لا يبلغ من التّعجيل مبلغ المزفّت، وقد ورد الحديث: "وكُنتُ نَهيتُكُمُ عَن الانْتِبَاذِ في الأَوْعِيَةِ فانتبِذُوا فِيهَا". ووجه الرِّواية الثّانية: إنّه ظرفٌ يعجل تغيير ما ينبذ به، فوجب أنّ يمنع الانتباذ فيه كالمُزَفَّتِ. فصل القول في الخليطين ثبت (٣) عن النّبيّ ﷺ النَّهيُ مطلقًا ومقيدًا، كالبُسْرِ والرُّطَبِ جميعًا، والتَّمْرِ والزَّبِيبِ جميعًا (٤)، وما أشبهَ ذلك. وهذه مسألةٌ ما علمتُ لها وجهًا إلى الآن، فإنّه إنَّ كان المُحَرِّم الإسكارَ، فَدَعْهُ يَخلِطُ ما شاء ويَشْرَبُه في الحال، وأمّا غيرُ ذلك فليس فيه إِلَّا الاتِّباعُ، حتّى إنِّي قد رأيت في ذلك مسألتين غريبتين:

стр. 2423

الأولى: أنَّ ابنَ القاسم قال؟ لا يجوزُ أنّ يُنْبَذَ البُسْرُ المُذَنَّبُ (١)، وهو الّذي يُرَى الإرطاب في ذنَبِهِ، وصدق لأَنّه من باب الخليطين. الثّانيةُ: وذلك أنّ محمّد بن عبد الحَكَم أجرَى النَّهيَ في الخليطّينِ على عمومه، حتّى منع منها في شرابِ الطَّبيبِ، وهذا جمودٌ عظيمٌ على الألفاظ منه. جملةُ فروعٍ: قولُه (٢): "نَهى أنّ يُنْبَذَ البُسرُ وَالرُّطَبُ" دليلٌ على المنع. وقال عبدُ الوهّاب: يقتضي المنع والتّحريم إذا بلغ حدّ المسكر (٣). والأظهر المنع (٤). وإن كانا من جنس واحدٍ، كان كلُّ واحدٍ منهما نبيذًا منفردًا. قال ابنُ حبيب (٥): "لا يجوز شرب الخليطين" (٦). فرع (٧): وأمّا خلط العسل واللّبَن وشربهما، فلا بأس به، قالَهُ ابن القاسم في "العُتبِيّة" (٨). ووجهُ ذلك: أنّ هذا ليس بانتباذٍ، وإنّما هو على معنى خلط مشروبين كشراب الورد والياسمين وغيره. وأيضًا: فإن اللّبن لا يفضي إلى أنّ يسكر، وقد شرطنا أنّ الخليطين إنّما هما ممّا

стр. 2424

ينتهي كلّ واحد منهما إلى الأسكار. فرع (١): وأمّا اختلافُ العلّماءِ في العسلِ تُطرَحُ فيه قطَعُ العجين، فروى ابنُ القاسمِ عنه (٢) أنّه كرهه. وقال مرّةً: لا بأس به، وهو أحبُ إليّ. فرع (٣): وهل يجوز خلطُهُمَا على وجهِ التَّخليل؟. فروى ابنُ عبد الحَكَم عن مالك: لا خير فيه، والخَلُّ والانتباذ في ذلك سواءٌ. قال: وقد قال: لا بأس بذلك للخَلِّ. وجهُ الأُولى: ما قالَهُ الأبهريّ، تَعلّق بعمومِ نهي النّبيِّ ﷺ عن نبيذ الخليطَينِ، فلا يجوزُ ذلك لخَلِّ ولا غيره، ولأنّه يصيرُ نبيذًا ثمّ يصيرُ خلًّا. الروايةُ الثّانيةُ: وَجْهُهَا أنّه لم يقصد بذلك النّبيذ وإنّما قصد الخلّ. فرع (٤): فهذا ثبت ذلك، فَمَن نبذَ الخليطينَ فقد أساءَ، وإن حَدَثَتِ الشِّدَّةُ المُطْرِبَة حرم ذلك، وإن لم يحدث فقد قال عبدُ الوهّاب (٥): يجوز شربه ما لم يسكر. بابُ تَحرِيمِ الخّمْرِ قال الإمام: الأصول في هذا الباب: والدّليل على أنّ كلَّ مسكرٍ حرامٌ، قولُه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ

стр. 2425

وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (٩٠) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (١) فيخرج من الآيتين خمسة أدِلَّةٍ (٢): الدّليلُ الأوَّل: أنّه قال: إنّها رجْسٌ وهذه صفة المُحَرَّم. والدّليلُ الثّاني: أنّه قال: ﴿فَاجْتَنِبُوهُ﴾ والأمرُ يقتضي الوجوب. والدّليلُ الثّالثُ: أنّه وعَدَ على اجتنابها بالفلاح وهو البقاء، ولو كان الفلاح في الخّمْرِ مِنْ ثواب مَنْ لا يجتنبها لما كان لهذا الوعدِ وجةٌ. والدّليل الرّابعُ: أنَّه تعالى وَصَفَها بأنّها تُوقِعُ العداوةَ والبغضاء، وتَصُدُّ عن ذكر الله وعن الصّلاة، وهذه صفة المحرّمات. والدّليل الخامسُ: أنّه تعالى أوعدَ على مواقَعَتِهَا بقولِهِ: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ﴾ (٣) وهذا غاية الوعيد، ولا يُتَوَعَّد إِلَّا على محظور محرَّمٍ. وأمّا الأدلّة من السُّنَّة: فما رُوِيَ عن ابنِ المنكدر، عن جابر، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَليلُهُ حَرَامٌ" (٤). ودليلُنا من جهةِ المعنى: أنّ هذا شرابٌ فيه شدَّة مُطْرِبَةٌ، فوجب أنّ يكون قليلُه حرامًا، أصلُ ذلك عصير العنب (٥). وأصلُ المسأَلَةِ: أنّ التّحريمَ عندنا معلَّقٌ بجملة المُسْكِرِ، كتعليقه بألفاظ سائر

стр. 2426

الأحكام المعلَّقةِ على الجُملِ الشَّرعيَّةِ من الشّهادات والغَصْبِ والسَّرقة. وعند أبي حنيفة (١): أنّ الحكمَ معلَّقٌ على الكَأس المُسْكِر، كتحريم الإِتِّخام معلَّقٌ على اللُّقمة العاثرة، وخُصَّتِ الخمرُ عندَه بالنَّصِّ المتناول لجميعها. وناقض أبو حنيفة بأن قال: إنّ قليلَ الأنبذةِ إنَّما يجوزُ بنيَّةِ التَّداوِي، وإن شَرِبَهُ بنيَّةِ الإِطرابِ حَرُمَ. ولو كان حلال الجِنْسِ لمّا حرَّمَتْهُ نيَّة الإِطرابِ كشراب الجُلّاب. وناقض أيضًا بأن قال: إنّه يجوزُ شُربُهُ ما لم يُسكِر، وجعل حدَّ الإِسكار ما لم يفرّق بين السَّماء والأرض. فَمَزَجَ الحلال بالحرام، ولن يصلَ المرءُ إلى هذا المقدار إِلَّا وقد دخل في التّحريم. قال القاضي ﵁: وللمسألة أربعُ مبادئ وثمان غاياتٍ: ١ - المبدأ الأوّل: مسلك الأخَبارِ في المسألةِ رُوِيَ عن النَّبىِّ ﷺ مِنْ طُرقٍ لكنَّها ليست على شرطِ الصِّحَّة، كقوله: " مَا أسكرَ كَثِيرُهُ فقَلِيلُهُ حَرَامٌ، وَما أسكرَ كَثِيرُهُ فَالأُوقِيَةُ مِنْهُ حَرَامٌ" (٢). وقد قال يحيى بن مَعِين: إنَّ جميعها لا يصحّ عن النّبيِّ ﷺ وليس ينبغي للفقيه أنّ يستدلَّ بشيءٍ منها؛ لأنّ المسألةَ تنبني على رُكنٍ واهٍ. ولهذا المبدإ ثلاث غايات:

стр. 2427

الأولى (١): أنّ يعارضُوهُ بأخبارِهِم، كقوله: "حُرِّمت الخّمْرُ لِعَيْنِهَا وَالسَّكَرُ (٢) مِنْ غَيْرِهَا" (٣). وكما رُوِيَ أنَّ النَّبيِّ ﷺ كان يُنْبَذُ له فَيَشرب (٤) حتّى يتغيّر، فيقول: "اسْقُوهُ الخدم" (٥) إلى نحو ذلك من الأحاديث التّي لا تقومُ على ساقٍ، لأجل هذه الأحاديث الّتي نذكُرُها ينبغي للنَّاظِرِ الاستدلال أوّلًا بالأخبار. الغايةُ الثّانيةُ: من الأدلّة أنّ شرع في غيرها أنّ يعارضُوا أخبارَنا تارةً بالقياس، لضَعْفِها ولمخالَفَتِها الأصول، إذ من أصلهم أنّ الخبرَ إذا خالفَ الأصولَ مردودٌ. ٢ - المبدأُ الثّاني: التعلّق بالأخبار من جهة أخرى لقوله ﷺ : "كَلُّ شَرَابٍ أَسكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ" (٦) ولقوله: "انبِذُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ، غير ألَّا تشربوا مُسْكِرًا" (٧).

стр. 2428

ووجهُ التَّعلّقِ بذلك: أنّ النّبيّ ﷺ حرَّمَ جنسَ الخمرِ والشَّراب المُسْكرِ، وتحريمُ الجنس يشتملُ على قليلِ النَّوعِ وكثيرِهِ، وغايتُهُم فيه أنّ يردُّوا التَّحريمَ إلى القَدرِ المُسْكرِ، لا إلى الجنسِ المُسكِر. ويترجّح غرضُنا على غرضِهِم بأن يبرز في معرضين، ونُصوِّر الموضوعين بصورة المُجمَل، أو المبتدأ بصورة الخبر، فإن ظهر فيه القَدْر الّذي يعرضون إليه فهو مرامهم، وإن ظهر فيه الجِنْس الّذي يعرض إليه فهو ما قلناه. وصورَتُه أنّ نقول: كلّ شَرَاب أَسكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ، والنَّبيذُ مُسكِرٌ، فالمبيح إذا تولّد فهو حرام، فصار المجمول الموضوع في القضيّة الأُولى المبتدأ محمولًا في القضيَّةِ الثَّانية، ودارَ الأمرُ على الجنس، ولم يظهر القَدر هناك، فلا معنى لترك تعليق الحكم على قضيَّةٍ ظاهرةٍ وتعليقها على معنًى خفِىٌّ لا يسُوغ بحالٍ وهو المقدار. ٣ - المبدأُ الثّالثُ: التّعلُّق بالقياس على الخّمْرِ فإنّ الله حرّمها، والعلَّةُ في تحريمِهَا الشدَّة المُطرِبَةُ الّتي فيها، فنقول: شراب يدعو قليلُه إلى كثيرِهِ فكان محرَّمًا، أصلُه الخمرُ، وغايتُكُم أنّ تقولوا: لا نعلمُ أنَّ تحريمَ الخمرِ معلَّلٌ، بل هو حكمٌ مشروعٌ مبتدأ لا علَّةَ له، فيدلُّ على ذلك الكتاب والإجماع وشهادةُ الأصول. أمّا الكتاب، فقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ﴾ الآية (١)، ولا يخفَى على ذي تحصيلٍ أنّ هذه إشارةٌ إلى زوالِ العقلِ بالشِّدَّةٍ المُطْربَةِ الّتي بها قِوَامُ الخّمْرِ. قالت الصّحابة بأجمعها: "إذا شَرب هذى، واِذَا هذَى افتَرَى، فاجلدُوهُ حَدَّ الفِرْيَةِ" (٢) وأمّا إذا عاد حلالًا، فأثبت الحكمُ الّذي هو التَّحريمُ بثبوت الشِّدَّةٍ المُطْربَةِ ويُعدم بِعَدَمِها.

стр. 2429

غايةٌ وإيضِاحٌ: وهي أنّ يقالَ: ليس كلُّ شيءٍ يدعو إلى شيءٍ يكونُ له حكمُهُ، ألَّا ترى أنَّ الخَلْوَةَ بالأجنبيَّة تدعو إلى الزِّنا وليس لها حكمُه، والتَّمكينُ من الوطىءِ يدعو إلى الوطىءِ وليس له حكمُه. قلنا: إذا دعا الشّيءُ إلى الشّيءِ وكان من جِنسِيهِ كان له حكمُه، كقليل الخّمْرِ والأنبذة مع كَثْرَتها، بخلاف الخَلْوَةِ والتَّمكينِ من الوطىءِ؛ لأنّه ليس من جِنْسِهِ. غايةٌ ثالثةٌ: أنّ يقولوا: إنَّ الكثير من الأَنبِذَة يقعُ به الإسكار دون القليل فكان حرامًا، وحدّه كالاتّخام مع تقدُّمِ الأكل، وهذا يَنْتَقِضُ عليهم بالخمر، فإنّ كثير ما يسكر يحرم قليلها، ويخالفُ الاتخام؛ لأنّ الله تعالى أَذَنَ في الأكلِ مقدارَ الحاجَةِ، وحرَّم الإسرافَ وهو الزائد على ذلك، وهاهنا حرَّم شرب المُسْكرِ، والجنس يعمُّ القليل والكثير. ٤ - المبدأ الرّابع: هو أنّ نقول: إنَّ الله حرّم الخَمْرَ، والنّبيذُ يسمَّى خمْرًا، والدَّليل عليه قوله ﷺ : "إنَّ مِنَ الشَّعِيرِ لَخَمْرًا، وَإنَّ مِن البُرِّ لَخَمْرًا، وَإنَّ مِن الذرَّة لَخَمْرًا، وَإنَّ مِنَ العَسَلِ لَخَمْرًا" (١). وهذا الحديث وإن لم يكن على شرطِ الصِّحَّةِ، فإنَّه قد رُوِي عن عُمر أنَّه قالَهُ على المِنبرِ بحَضرَةِ الصَّحابةِ، ولم ينكر عليه أحدٌ فكان إجماعًا. وإنَّ الخمرَ إنّما سُمِّيت خمرًا لمخامرتها العقل (٢)، وهذا المعنى موجودٌ في النَّبيذِ فوجبَ أنّ يسمَّى خمرًا. ويدخل تحت تحريم الخّمْرِ وغايته أنّ نقول: إنَّ صاحبَ الشّريعةِ ليس له أنّ يضع أسامي، ولا يبيِّن لغة، وإنّما يبيِّن الأحكام الشّرعية، فإذا أشاروا إلى ذلك سَفَّهنَا

стр. 2430

عقولهم، وقلنا لهم: للهِ تعالى أنّ يضعَ الأسامي والأحكام، وان منعونا القياس في اللُّغة، فغير مُستَبعَدٍ أنّ يضع العربي أسامي لشيءٍ يشتقُّه من معنًى فيه، ثمَّ ينقله منه إلى كلِّ مَنْ نجد فيه ذلك المعنى، وقد تقصَّينا ذلك في "كتب الأصول". وأحدُ فوائدِ تلك المسألة من أنّ القياس هل يثبت في الأقدام بهذه المسألة من الفقه، أم لا؟ وذكرتُ لهم سؤالاتهم ثمَّ انفصلتُ عنهم، فقلت لهم: إذا أسكر الكأس الخامسُ فهو المختصُّ بالتّحريم، وإن كان لم يسكر إِلَّا به وبما تقدَّم من الأكواس، وصار ذلك كالسَّفينةِ يكونُ فيها قومٌ يضعونَ فيها عدَّة أقْفِزَةِ من قمحٍ لا تسع أكثر منها، ثمّ يضعُ في السَّفينةِ رجلٌ آخر قَفِيزًا، فيغرق الكلّ، فإنَّ الضَّمان مختصٌّ بالمتعدِّي بوضع القَفِيزِ الزَّائدِ، وإن كان الغرقُ لا يتمُّ إِلَّا به وبما سَبَقَهُ من الأَقْفِزَةِ، فالرَّجلُ الَّذي جعلَ القَفِيزَ الزَّائدَ مُتَعَدٍّ، فَبِتَعدِّيه اختصَّ بالضَّمانِ حينَ اختلفتِ الأَجناسُ واجتمع العادلُ والظّالمُ، فخصَّ بالتّحامل بالغُرمِ الظَّالِم. وهاهنا اتَّفَقَتِ الأكواس، فكان للأوَّل منها حكم الآخِرِ، ومجرى ذلك من الأمورِ يطولُ شَرْحُها. حديث (١): قال رسولُ اللهِ ﷺ : "مَنْ شَرِبَ الخمرَ في الدُّنيَا ثُمَّ لَمْ يَتُب مِنهَا، حُرمَهَا في الآخِرَةِ".

стр. 2431

الإسناد: قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ لا مدفع فيه. الأصول: قال (١) علماؤُنا- رحمة الله عليهم-: أثبت بذلك بالدَّلائل القاطعة دخول العصاة الجنَّة بعدَ الاقتصاصِ منهم بالعذاب أوِ المغفرةِ، ومن دخل الجنَّةَ لم يمتنع عليه منها نعيمٌ، فيكون معنى قوله: "حُرِمهَا في الآخِرَةِ" أي منفعةُ شُربِهَا الّذي يزولُ عنه بها الظَّمَأ، ويطلب الرّاحة عند العذاب وانتظار المغفرة. وقال قومٌ: هو تغليظٌ منه لشُربِهِ الخمرَ، أو هي محرَّمةٌ عليه في وقتٍ دونَ وقتٍ، أو شُربُها في وقتٍ دونَ وقتٍ متى اشتهاها، ولا يمكن شربها على الدَّوامِ كما هي لغيره (٢)، والله أعلمُ. والأحاديث في تغليظ شرب الخّمْرِ كثيرة السِّياق خَرَّج مسلم (٣): "مَنْ شَرِبَ الخَمرَ في الدُّنيَا سَقَاهُ اللهُ في الآخِرَةِ من طِينَةِ الخَبَال، قِيلَ: يَا رَسُولَ اللهِ، مَا طِينَةُ الخَبَالِ؟ قَالَ: عُصارَةُ أَهلِ النَّارِ فِي النَّارِ". تمَّ الكتابُ

стр. 2432

كتاب الأيْمَانِ والنُّذور قال القاضي ﵁: وفي صدر هذا الكتاب ثلاث مقدِّمات: المقدِّمة الأولى قال الله تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآية (١). قيل: بما افترض اللهُ عليهم. وقيل: بما عَقَدُوه على أنفسهِم، ولا ثناءَ أبلغ من هذا، كما أنّه لا فَضْلَ أفضلُ من هذا. والنَّذرُ: هو نَذرُ العتق والصِّيام والصَّلاة، وفي رواية عن مالك (٢): أنّ النّذر هو اليمين. والنَّذرُ في الجملة مكروهٌ للحديث (٣). وأنا قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). والعقودُ واحدُها عَقدٌ، وهي العهود. وقيل: حلف الجاهليّة (٥).

стр. 2433

والصحيحُ أنّها العهود، كأنّه قال: أَوفُوا بالعهودِ الّتي نَذَرْتُمْ. المقدِّمة الثّانية قال علماؤنا (١): الأَيمَانُ يُعتبرُ فيه ثلاثة أشياء: النِّيَّةُ، فإن عُدِمَت النِّيَّةُ فالسَّببُ الّذي حدثت لأجله اليمينُ، فإن عُدمت حُمِلَت على الإطلاق في عُرفِ اللُّغةِ وعادَةِ المخاطب (٢). وأحكام الأَيمَان أربعة أقسامٍ: عَقدُ اليمن. وتوكيدُ اليمينِ. ولغوُ اليمين. والكذِبُ في اليمين. وكفّارتُهُ: ثلاثةُ أنواع مُخَيَّرٍ فيها، والرّابعُ مرتّبٌ بعدَها وهو الصّيامُ. فالثلاثةُ: عِتقُ رقبةٍ مؤمنةٍ تكون رقًّا كلها، يعتقها عن الكفّارةِ وَحْدَهَا. الثّاني: الكسوةُ لعشرةِ مساكينَ، وقَدرُها ما تصحُّ به الصّلاة، فللرَّجُل ثوبٌ واحدٌ، وللنِّساء ثوبان: دِرعٌ وخِمارٌ لكلِّ امرأةٍ منهنَّ. الثالثُ: الإطعامُ للعشرة وسطًا من الشِّبَعِ، وذلك مُدٌّ بالمدينة بِمُدِّ النَّبيِّ ﷺ ، وبالأمصار وسطًا من شِبَعِهم، كرطلين وشبه ذلك، ويكون نوعُه من وَسَطِ قوت أهلِ ذلك البلد، فإن لم يَقدر على ذلك صامَ ثلاثة أيّام (٣).

стр. 2434

المقدِّمة الثّالثة (١) قال الإمامُ: النَّذْرُ هو التزامٌ في الذِّمّةِ بالقَوْلِ لِمَا لا يلزَمُ من القُرَبِ بإجماعٍ من الأُمَّةِ، ويلزَمُ بالنِّيَّةِ عند علمائنا خاصَّةً دون غيرهم من العلماء. والعمدةُ في ذلك: أنّ الالتِزَام إنّما هو بالعَقدِ في القلبِ والقول في النَّفْسِ فيما يختصّ به المرء ولا يتعدَّاهُ إلى غيرِهِ، يَلزَمُه ذلك فيه، وإنمّا يحتاجُ إلى القولِ أو الكتاب فيما يتعلَّقُ بسواه، ويدُورُ بينه وبين غيرِه، وهذا أصلٌ لا تُزَعْزِعُه الاعتراضاتُ؛ لأنّه مَنْ أصحِّ الدَّلالاتِ، وعليه عوَّلَ مالكٌ حين قال فيمن التزَمَ الطّلاقَ بقلبِهِ: إنّه يلزمه، قال: كما يكون مؤمنًا بقلبه وكافرًا بقلبه، ومن عدَاهُ من أصحابه لم يُرْوَ عنه خلافُ هذا (٢)؛ إذا قال الرَّجلُ لزوجتِهِ: اسقِنِي ماءً، ونَوَى الطّلاق، يَلزَمُهُ، وليس هذا اللّفظُ تصريحًا ولا كنايةً، ولا مجازًا ولا حقيقةً، فكأنّه قال: يلزَمُه ما عقَدَهُ بقلبه ولا يُبَالِي عن لفظه، وبهذا تنتظمُ الرِّواياتُ. والأصلُ فيه: الكتابُ، والسُّنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّةِ. أمَّا الكتابُ: فهو تنبيهٌ جليٌّ، وهو ما تَقَدَّمَ من قولِهِ: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٣)، وقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٤). وأمَّا السُّنَّة: فذلك بالنَّصِّ، رَوَت عائشةُ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال:"مَنْ نَذَرَ أنّ يُطِيعَ الله فَليُطِعهُ، وَمَن نَذَرَ أنّ يعصِيَهُ فَلَا يَعصِهِ" خرّجه البخاريّ (٥) وغيره (٦).

стр. 2435

وحديثُ أُم سعد المتّفق عليه (١)، قال لرسولِ الله ﷺ : إنَّ أُمِّي مَاتَت وَعَلَيهَا نَذْرٌ لَمْ تَقضِهِ؟ فقالَ لَهُ: "اقضِهِ عَنهَا"، فَأَمَرَهُ بقضائِهِ من جهةِ البرِّ بها، من جهة الوجوبِ عليه. وحديثُ عمر بن الخطّاب أيضًا المتّفق عليه (٢)، أنَّه قال لرسول الله ﷺ : إنِّي نَذَرْتُ أنّ أَعتَكِفَ لَيلَةً في الجَاهِلِيَّةِ، قالَ لَهُ: "أَوفِ بنَذْرِكَ"، ونَذْرُ الكافرِ لا يلزَمُ، ولكن رَأَى عمرُ أنّ يلتزمَ في الإِسلامِ مثلَ ما كان التزمَ في الجاهليّةِ كفَّارةٌ له، إذ قال له النَّبيُّ:"أَوفِ بِنَذرك"، يعني الثّانِيَ ليس لأوَّلَ. وحديثُ عَمرِو بن شُعَيبٍ عن أبيه عن جدِّه أيضًا بديعٌ، وهو في الحديث الصّحيح، وقد صحّحه الدَّارقطني (٣)، ويكفيك في صحّته تخريجُ مالكِ له في "مُوَطَّئهِ (٤) "، وهو ما رَوَى عَمرُو بنُ شُعيبٍ، عن أبيه، عن جدِّه؛ أنّ امرأَةً جَاءَت إِلَى رسُولِ اللهِ ﷺ في الجاهِلِيَّةِ فَقالَت: إنِّي نَذَرْتَ أنّ أَضْرِبَ عَلَى رَأسِكَ بِالدُّفِّ، فَقَال لها: "أوفِي بِنَذرِكِ" (٥) أوجَبَ أمرَها بذلك. وأمّا إجماعُ الأُمَّةِ: فلا خلافَ بينهم في وجوبِ الوفاءِ به، كما لا خلافَ بينهم في كراهيَةِ التزامِهِ، لِمَا ثبتَ في الحديثِ الصّحيح عن النَّبىِّ ﷺ أنّه قال:"إِنَّ النَّذرَ لَا يَرُدُّ مِنَ

стр. 2436

القَدَرِ شَيْئًا، وَإِنمّا يُستَخرَجُ بِهِ مِنَ البَخِيلِ" (١). قال علماؤنا (٢): والنَّذرُ على أربعةِ أقسامٍ: طاعة، ومعصية، ومكروهٌ، ومباح. والواجبُ منه الوفاء بالطّاعة، والانتهاء عن المعصية، وترك المكروه (٣)، وأمّا المباحُ فمُخَيَّرٌ فيه. والنذرُ (٤) على ضربين: مُطْلَقٌ ومُقَيَّد. والمطلق على ضربين: مُفَسَّرٌ ومُبْهَمٌ. فالمفسَّر: مثلَ أنّ تقول: عليَّ صومٌ، أو صلاةٌ، أو صَدَقةٌ. وأمّا المُبْهَمُ، فمثلَ أنّ تقول: عليَّ نَذْرٌ، وهذا يجزىءُ فيه كفارةُ يمينٍ، لِمَا رُوِيَ عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال:"كَفَّارةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ اليَمِينِ" (٥) معناه المُبهَمِ. وأمّا المُقَيَّدُ، ففيهِ في المذهب تفسيرٌ طويلٌ، أَشَدَّه نَذْرُ اللَّجَاجِ والغَضَبِ، وهو عند مالك يلزمُ بما فَسَّرَهُ على أيِّ حالةٍ كانَ، والأصلُ في ذلك عندَهُ عموماتُ النَّذْرِ الوَارِدةُ من غير تخصيصٍ بحالٍ ولا صفَةٍ، وبه قال أبو حنيفةَ وغيرُه. وقال الشّافعيُّ في اختلافٍ كثيرٍ له: تجزىءُ فيه كفَّارةُ يمينٍ (٦)؛ لأنّه من بابِ الأيمَان حين لم يَقصد به القُربةَ، وإنمّا قصدَ به الإقدامَ والامتناع بالتزام ما عَلِقَ به في الوجهين، وهذا ضعيفٌ؛ لأنّ قَصدَ القُربَة فيه لا يخفَى، وإن كان قصَدَ - كما قال- تأكيدَ الإقدام أو تأكيدَ الامتناع، فإنّما قَصَدَه لمُعَظِّمٍ شاقٍّ عليه خلافه، وسيأتي بيان ذلك إنَّ شاء الله.

стр. 2437

الفقه في عشر مسائل: الأُولى (١): قولُه في الحديث (٢): "استَفتِ لِي رسُول اللهِ ﷺ " يريدُ: اسأَلهُ لي سؤالَ المُلتَزِمِ لحُكمِه، وذلك إنّما يكون لجميع الأُمَّةِ مع النّبيّ ﷺ ، وللعالِمِ مع الجاهل، فأمّا العالِمَان اللّذانِ يَسُوغُ لكلِّ واحدٍ منهما الاجتهاد، فإنّه إذا سأل أحدهما الآخر، لا يخلو أنّ يكون على وجهِ الاختبار والمذاكرة، أو على وجهِ التَّقليدِ، فأمّا الأوَّل فجائزٌ لهما إذا الْتزما شروطَ المناظرةِ من الإِنصاف وقصد إِظهارِ الحَقِّ، وقد فعلَ ذلك الصّحابة -رضوان الله عليهم- ومَن بعدَهُم إلى وَقتِنَا. وأمّا سؤالُه إيَّاهُ مُستَفْتِيًا، فإنّه لا خلافَ أنّه لا يجوزُ مع تساوِيهِمَا في العِلْم (٣)؛ لأنَّ فرضَ كلِّ واحدٍ منهما الاجتهاد، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما شُفُوفٌ (٤)، فهل يجوزُ للّذي دونه أنّ يقلِّدَه مع تمكُّنهِ من النَّظَر والاستدلال أم لا؟ فالّذي عليه جمهورُ العلماءِ أنّه لا يجوزُ له تقليده. وقد قال بعضُ أصحابِ أبي حنيفة: ذلك جائزٌ له (٥).

стр. 2438

ودليلُنا: ما قدَّمناه أنَّ فرضَهُ الاجتهادُ دونَ السُّؤالِ. المسألةُ الثّانيةُ (١): وأمّا إذا خافَ العالمُ فَوَاتَ الحادثةِ، فهل له أنّ يستفتيَ غيره أم لا؟ فذهب عبدُ الوهّاب إلى جوازِ ذلك (٢)، ومَنَعَ منه سائرُ الأصحاب وقالوا: تُخَلَّى القضيَّةُ (٣) ويتركها لغيره، وهذا يُتَصَوَّر فيما يُستَفْتَى فيه، وأمَّا ما يخصُّه، فلابدّ فيه ممّا قاله عبد الوهّاب. المسألة الثّالثة (٤): قولُه (٥):"إِنَّ أُمَّي مَاتَت وَعَلَيهَا نَذرٌ" يقتضي أنَّ النَّذر مباحٌ؛ لأنّ النَّبيِّ ﷺ سَمِعَه ولم يُنكره، بل أمرَهُ أنّ يقضيَهُ، ولا خلافَ في جوازِهِ. وأمَّا ما رُوِيَ عن ابنِ عمرَ: نَهَى النَّبِيُّ ﷺ عَنَ النَّذْرِ، وقال: "إِنَّهُ لَا يَرُدُّ مِنَ القَدَرِ شَيئًا، وَلَكِنَّهُ يُستَخْرَجُ بِهِ مِنَ البَخيلِ" (٦) فإنَّما معنى ذلك: أنّ ينذر الأمرَ من أمورِ الدُّنيا، مثل أنّ يقولَ: إنْ شفاني اللهُ من مرَضِي، أو يقدم غائبي، أو نحوه، فإنّي أصوم يومين، أو أُصلِّي صلاة، أو أتصدَّق بكذا، فهذا هو المكروه المنهيّ عنه، وانمَّا كان يُستحبُّ أنّ يكونَ فعلُه ذلك للهِ تعالى رَجاءَ ثوابِه. المسألةُ الرّابعةُ (٧): فإذا ثبت هذا، فإنَّ النَّذْرَ يلزم في الجملة. والأصلُ في ذلك: قولُه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ الآية (٨). ومن جهة السُّنَّةِ: ما رُوِيَ عن عِمْران بن حصين عن النَّبيِّ ﷺ ، أنَّه قال: "خَيرُكُمْ

стр. 2439

قَرْنِي، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهُمُ، ثُمَّ يَخرُجُ قوْمٌ يَنْذِرُونَ ولا يُوفونَ، ويخونون ولا يُؤتَمَنُون، ويَشْهَدُونَ ولا يُسْتَشْهَدُون ويظهر فيهم السِّمَنُ" (١) فعابهم بأنّهّم ينذرون ولا يُوفون، وهذا يدلُّ على أنّه غير جائز ولا مباح، ولو كان جائزًا ترك الوفاء بالنَّذْر لما عاب به القَرْنَ. المسألة الخامسة (٢): قوله (٣):"وعَلَيهَا نَذْرٌ" قال علماؤنا (٤): يحتمل أنّ يكون مُطْلَقًا، ويحتملُ أنّ يكون مقيَّدًا، فالمطلقُ مثل أنّ يقول المكلَّفُ: لله عَلَيَّ نَذْرٌ، ولا يجعل له مخرجًا. والمقيّد مثل أنّ يقول: لله عَلَيَّ صومٌ أو صلاةُ ركعتينِ، وكِلَا النَّذْرين جائزٌ. فإن كان مطلقًا، فإنَّ فيه كفّارة يمين عند مالك. وعن الشَّافعيّ في ذلك قولان: أحدهما: أنّه لا ينعقد هذا النَّذْر (٥). والثّاني: أنّه ينعقد ويجب فيه أقلّ ما يقع عليه الاسم. والدَّليلُ على انعقاده: قوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ﴾ الآية (٦). ودليلُنا من جهةِ السُّنَّةِ: خبر ابن عبّاس هذا، والأظهرُ أنَّه مطلقٌ؛ لأنّه لو كان مقيَّدًا لاسْتَفْسَرَهُ النّبيُّ ﷺ عما نَذَرَ؛ لأنّ مِن النَّذْر المقيَّدِ ما يجبُ الوفاء به، وهو أنّ ينذر مباحًا، ومنه ما لا يجب الوفاء به، وهو أنّ ينذر محرّمًا، فلمَّا لم يسأل، كان الأظهرُ أنَّه النَّذْر المُطلَق الّذي لا يكونُ منه ما لا يجوز وما لا يلزم. ودليلُنا من جهة القياس: أنّه نَذرٌ قصد به القُرْبَة، فوجب أنّ يتعلَّقَ به حُكْمُ

стр. 2440

الواجبِ، أصلُ ذلك إذا كان مقَيَّدًا بما فيه قُربَةٌ. المسألةُ السّادسة (١): فإذا قلنا: إنَّ نَذْرَها (٢) يصحّ أنّ يكون مطلقًا، ويصحُّ أنّ يكون مقيَّدًا، فقد مضَى الكلام في المُطلَقِ. فأمّا المقيَّدُ، فإنّه قد يُقَيَّدُ بما فيه قُربة، ويُقَيَّدُ المباحُ بما لا قُربَةَ فيه، ويُقَيَّدُ بالمُحرِّم، فإذا قُيَّدَ بما فيه قُرْبَة، فإنّه يلزَم وإن لم يتعلَّق بشرطٍ ولا صِفَةٍ، مثل قوله: للهِ عَلَيَّ أنّ أصلِّيَ صلاةً، أو أصومَ يومًا. قال بعضُ أصحاب الشَّافعىّ: لا يلزم إلّا أنّ يُعَلِّقَ بشرطٍ أو بصفةٍ. ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿يُوفُونَ بِالنَّذْرِ﴾ (٣) ولم يفرِّق (٤)، فيجبُ أنّ يُحمَلَ على عمومِهِ. ومن جهةِ السُّنَّة: قولُه ﷺ :"مَنْ نَذَر أنّ يُطِيع اللهَ فَليُطِعْهُ، وَمَن نَذَرَ أنّ يَعصِيَهُ فَلَا يَعْصِهِ" (٥) وقولُه ﷺ :"اقْضِهِ عَنْهَا": يقتضي أَداء ذلك عنها، وإن كان لفظُه لفظ الأمر، فإن مقتضاه النَّذْر، لقوله تعالى: ﴿أَلَّا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (٦)، فلا يجوزُ أنّ يلزَمه هذا النَّذْر بنَذْرها، ولا يجبُ عليه القضاء عنها.

стр. 2441

المسألةُ السّابعةُ (١): إذا ثبت ذلك من أنّه لا يجب عليه ويجوز له فعلُه، فإنّه إنَّ كان مُطلَقًا، فإنّ كفّارتَه كفارةُ يمينٍ، وهو معنًى متعلَّقٌ بالمال، وإن كان مُقَيَّدًا، فإنَّه لا يخلو أنّ يكونَ مختصًّا بالبَدَنِ كالصّلاةِ والصّيامِ، أو يكونَ له تعلُّقٌ بهما كالحجِّ والجهادِ، وإن كان مختصًّا بالمالِ كالصَّدَقةِ، فإنَّه لا خلافَ في جوازِ النِّيابة فيه. وإن كان ممَّا يختصّ بالبَدَنِ، فإنّه لا يصحُّ أنّ يقضِيَهُ أحدٌ عن أَحَدٍ. وإن كان ممّا يتعلَّقُ بهما كالحجِّ، فقد قال مالك: إنَّه يجوزُ أنّ ينفِّذَ فيه وصيَّةَ المُوصِي بأن يَحُجَّ عنه، وهذا يقتضي أنَّه يحجَّ عنه من شاء من ورثته بعدَهُ ويصحّ حجُّه. المسألةُ الثّامنةُ (٢): قولُه (٣): "جَعَلَتْ عَلى نَفسِهَا مَشْيًا إِلَى مَسجِدِ قُبَاءٍ" يقتضي أنّها اعتقدته قُرْبَة، ولا خلافَ في كونِه قُربَة لمن قرب منه. ويدلُّ على ذلك: ما رُوِيَ عنه ﷺ أنّه كان يأتي قُبَاء راكبًا وماشيًا (٤)، فمن كان في المدينة ونَذَرَ مشيًا إلى مسجد* قُبَاء، فقد رَوَى ابن حبيب عن ابن وهب، عن مالك، فيمن نَذَرَ مشيًا إلى مسجدٍ* وهو معه بالبلد، فإنَّه يمشي إليه، وقد أَوْجَبَهُ ابنُ عبَّاسٍ في مسجدِ قُبَاء من المدينة (٥)، وهو على ثلاثةِ أميالٍ من المدينةِ وفي "كتاب ابن الموّاز (٦) ": من نَذَرَ أنّ يصلِّيَ في غيرِ المساجد الثّلاثةِ، فَليُصَلِّ

стр. 2442

في موضعه، إِلَّا أنّ يكونَ قريبًا جدًّا (١). والأصلُ في ذلك: قولُه ﷺ :"لا تعمل المطيّ إِلَّا إلى ثلاثة مساجد" (٢) المسألةُ التّاسعة (٣): ومن نَذَرَ مشيًا إلى مسجدِ النَّبيِّ ﷺ أو بَيْتِ المقدسِ، فإنّ عند مالك يلزمه ذلك (٤)، خلافًا للشّافعىِّ (٥). ودليلُنا: الحديثُ المتقدِّمُ. ومن جهةِ القياس: أنّه مسجدٌ وَرَدَ الشَّرعُ بإِعمالِ المطيِّ إليه، فوجبَ أنّ يلتزم قصده بالنَذْر كالمسجد الحرام. المسألةُ العاشرةُ (٦): قولُه (٧):"فأَفْتَى ابْنُ عَبَّاسٍ ابْنَتَهَا أَنّ تَمْشِيَ عَنْهَا" وعلى هذا القول في قَصْدِ مسجدِ النَّبيِّ ﷺ وقَصْدِ بيتِ المقدسِ تصحُّ النِّيابة في الأعمالِ وقصد البُقَعِ. وقد قال مالك في "العُتبيَّة" (٨) في الّتي نَذَرَتِ المَشْيَ إلى مسجد النَّبيِّ ﷺ فماتَتْ قبلَ ذلك، فقال: لا يفعلُ ذلك (٩) أحدٌ عن أحدٍ، وإن شاءُوأ تصَدَّقُوا عنها بقَدرِ كِرَائها وَزَادِهَا (١٠)، وهذا لا يمنعُ من النِّيابة فيما ذَكَرنا، والله أعلمُ.

стр. 2443

خاتمةٌ: قولُ مالك في آخر هذا الباب: "وهَذَا الأَمرُ عِندَنَا" (١) هو ممّا انفردَ به يحيى، وليس هو عند ابنِ القاسِم، ولا عليّ، ولا مطرِّف، ولا القَعْنَبِيّ. باب ما جاء فيمن نَذَرَ مشيًّا إلى بَيْتِ الله تعالى الفقه في مسألتين: المسألةُ الأوُلى (٢): قال القاضي: المشيُ عملٌ من الأعمالِ، وقد يكونُ طاعةً، وقد يكون معصيةً. فإذا نَذَرَ مشي معصيةٍ فليستغفرِ الله تعالى وَليَتُبْ إليه، وإذا نَذَرَ مشيَ طاعةٍ، فقد قالَ رسولُ الله ﷺ :"لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إِلَّا إِلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ: مَسجِدِي هَذَا، وَالمَسْجِدِ الحَرَامِ، وَالمَسجِدِ الأَقْصَى" (٣) هذا بقوله: وكَانَ يَأتِي قُبَاءَ كُلَّ سَبتٍ رَاكِبًا وَمَاشِيًا (٤). فإذا نَذَرَ الإنسانُ طاعةً في المساجدِ الثّلاثةِ لَزِمَهُ إتيانُها، ولا يلزَمُ إتيانُ مسجدِ قُبَاءٍ؛ لأنّ القولَ قد قَضَى على الفعلِ، وتبيِّنَ أنّ ذلك الفعل كان مخصوصًا. قال علماؤنا: إنّما كان ذلك منه في مسجد قُبَاء تشديدا لعَهْدِهِ وتأنِيسًا لأهَلِهِ.

стр. 2444

ومن أغرب ما قال علماؤُنا: إنَّ مَنْ نَذَرَ المشيَ إلى الصَّفَا والمَرْوَة، أو إلى عَرَفَةَ، أو إلى مِنًى لا يَلْزَمُه، وإن كانت مواضع قُرَبٍ؛ فرائض ونوافل، ولعلّهم تعلّقوا بقوله:"ثَلَاثَة مَسَاجِد" فعيَّنَ المسجديَّةَ. قال علماؤُنا: فيأتي المسجدَ الحرام حَاجًّا أو مُعتَمِرًا. هذا إذا قلنا: إنَّ مكَّةَ لا تُدْخَلُ إِلَّا بإحرام على المشهورِ، فإن قلنا على الرّوايةِ الأُخرى: إنَّ مكةَ تُدخَلُ بغير إحرامٍ، فلا يَخْلُو أنّ ينويَ هو صلاةً أو حجًّا أو عمرةً، فإن نَوَى حجًّا أو عمرةً فإنّه يدخلُها بإحرامٍ ويفعلُ ما نَوَاهُ منهما، وإنْ نَوَى الصّلاةَ دخل مُصَلِّيًا وإن أطلقَ اللَّفظَ ولم تكن له نيةٌ. فإن قلنا: إنَّ اليمينَ محمولةٌ على العُرْفِ -وهو المشهور-، لَزِمَهُ أنّ يدخُلَها حاجًّا أو معتمرًا؛ لأنّ ذلك هو العُرْفُ، وإن لم يُلتَفَت إلى العُرفِ في اليمينِ على الرِّوايةِ الأُخرى، دخلَ المسجد كيف شاء. هذا مذهبُنا في هذا الباب، وقد خالَفَنا جماعةٌ من العلّماءِ فقالوا: إنَّ المشيَ لا يلزَمُ؛ لأنّ القُربَةَ في قَصدِهِ لا في صِفَةِ القَصدِ، وقد قال تعالى: ﴿وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ يَأْتِينَ مِنْ كُلِّ فَجٍّ عَمِيقٍ (٢٧)﴾ (١)، وأمرَ النَّبيُّ ﷺ بالصَّدَقةِ ونَهَى عن المُثلَةِ، وقال: "إِنَّ المُثلةَ أَنْ يَنْذِرَ الرجُلُ أنّ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَمَنْ نَذَرَ أَنْ يَحُجَّ مَاشِيًا، فَليُهدِ هَدْيًا وَليَركَبْ" (٢).

стр. 2445

قال القاضي: ومَخرَجُ هذا الحديث عزيزُ الوجودِ، ما روِّيناهُ إِلَّا من طريقٍ واحدةٍ، ولا يصحّ، والله أعلم، وكيف يَصِحُّ وقد قال اللهُ تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا﴾ الآية (١)، ولو كان مُثلَةً ما ذَكَرَهُ في مَعرِضِ الامتنانِ والعبادَةِ، ولعلّ معنى الكراهة إذا نَذْرٌ وهو عاجزٌ، كما رَوَى مسلم (٢) عن عُقبَة بن عامِر قال: "إنْ أُخْتِي نَذَرَتْ أنّ تَمشِيَ إِلَى البَيتِ حَافِيَةً، فَقَالَ النَّبيِّ ﷺ : لِتَمشِ وَلتَركَب". وفي "التّرمذيّ" (٣) و"النّسائيِّ" (٤) و"أبي داودَ" (٥): "تَختَمِرُ وَتَركَبُ وَتَصومُ ثَلَاثَةَ أَيَّامِ"، وانفرد أبو داود بقوله:"تَركَبُ وَتُهدِي بَدَنَةَ" (٦). وإذا كان عاصيًا فالنَّذْرُ معصيةٌ، وعليه بَوَّبَ مالكٌ (٧) وأدخلَ حديثَ أبِي إسرائيل (٨): نَذَرَ أنّ يقومَ ولا يَقعُدَ، ولا يستَظِلَّ، ولا يتكلَّمَ، ويصومَ، فقال النّبيّ ﷺ : "مُرُوهُ فَليَتَكَلَّم، وَليَسْتَظِلَّ، وَليَجْلِس، وَليُتِمَّ صَومَهُ" (٩). فأمَّا "القيام والضُّحِيُّ، فلم يكونا قَطُّ شرعًا ولا طاعةً.

стр. 2446

وأمّا "الصَّمتُ" فقد كان شرعًا لمن قبلَنَا، لكنَّه نُسِخَ في مِلَّتنا. وأمّا "الصَّيامُ" فإنَّه بَقِيَ مشروعًا لازمًا يَلزَمُهُ، فأمَّا ما قطع المعاش أو أَثَّر في الصِّحَّةِ فإنّه يَسقُطُ عنه؛ لأنّه معصيةٌ (١)، وليس يختلفُ في هذا أحدٌ، والله أعلم. المسألةُ الثّانيةُ (٢): فإن قالوا: إنَّ المشيَ يتعلَّقُ بالمكانِ. قلنا: هو على ثلاثة أضرُبٍ: ١ - ضربٌ: إذا عُلَّقَ المشيُ به، وجبَ المسير إليه والمشي فيه. ٢ - وضربٌ: إذا عُلَّقَ المشيُ به، لم يجب المسير إليه ولا المشي. ٣ - وضربٌ: إذا عُلَّقَ المشيُ به، وجب المسير إليه ولم يجب المشي إليه. فأمَّا الأوَّل، فإنَّ منه ما اتَّفَقَ عليه علماؤُنا، ومنه ما اختلفوا فيه، فأمَّا ما يتعلَّقُ بالمشي كقوله: إلى بيت اللهِ، وإلى كعبةِ اللهِ، أو إلى شيءٍ منه، كقوله: إلى الرُّكن والحِجْرِ، أو بما يشتملُ على البيتِ من جهةِ البنيان، فهذا لا خلافٌ في المذهبِ في وجوبِ المسيرِ إليه والمشي. المسألةُ الثالثةُ: العمل في المشي إلى الكعبة (٣) قولُه (٤):"في الرَّجُلِ وَالمَرْأَةِ تَحْلِفُ بِالمَشْيِ إِلَى بَيْتِ اللهِ، فَيَحْنَثُ .... " إلى آخر

стр. 2447

المسألةِ، يقتضي أنّها يمينٌ تلزم، لم يختلفُ في ذلك أصحابُتا، وما يُغزَى في ذلك إلى ابنِ القاسمِ أنّه أفتى في النَّذْرِ بكفَّارةِ يمينٍ لا يصحُّ، وبهذا قال جماعةٌ من العلماءِ، وبه قال أبو حنيفة (١). وقال الشّافعيُّ (٢): يلزمُ المشي إلى مكَّة بالنَّذْرِ، وعليه أنّ يمشي إلى مكّة، وأمّا من حلف بها وحنث فعليه كفّارة يمين. والدّليلُ على ما نقوله: أنّ هذا معنًى يلزم به العِتْق، فيلزم به المث في إلى مكّة، أصلُه النَّذْر. باب مالًا يجوزُ من النَّذْرِ في مَعْصِية الله مالك (٣)، عن حُمَيدِ بنِ قَيْسٍ، وثَوِرِ بْنِ زَيْدٍ؛ أَنَّهُمَا أخْبَرَاهُ عَنْ رَسُول اللهِ ﷺ ، وَأَحَدُهُمَا يَزِيدُ فِي الحَدِيثِ عَلَى صَاحِبِهِ، أَنَّ رسُولَ اللهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا قائِمًا في الشَّمْسِ فَقالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ، وَلَا يَجْلِسَ، وَيَصُومَ. فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ : "مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ، وَليَسْتظِلَّ، وَلْيَجْلِسَ، وَليُتِمَّ صَوْمَهُ". قال مالك: وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ الله ﷺ أَمَرَهُ بِكَفَّارةٍ، وَقَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللهِ ﷺ أنّ يُتِمَّ مَاكان لله طَاعَةً، وَيَتْرُكَ مَا كان للهِ مَعْصِيَةً.

стр. 2448

الفوائد المتعلّقة بهذا الحديث: وهي ثلاث: الأولى: في هذا الحديث من الفقه: أنّ للرَّجُل المارَّ إذا رأى أمرًا يُنْكِره فليقل: ما بالُ هذا الأمر، وما بالُ النَّاس، كما قال النَّبىُّ ﷺ . الفائدةُ الثّانيةُ: فيه من الفقه: أنّ للرَّجلِ الكريمِ العظيم الشَّأْنِ أنّ يتصرَّفَ في حوائجه، وأن يمشي في أَزِقَّةِ المدينةِ، فإن رأى منكَرًا غَيَّرَهُ، كان رَأى طاعةً أعانَ عليها. الفائدةُ الثّالثة: وفيه: أنّ للرجلِ إذا مَرَّ على شيءٍ يُنكِرُه فليقل: مَا بَالُهُ، وليسأل عنه كما فعل النّبيُّ ﷺ . الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى (١): قولُه: "نَذَرَ ألَّا يَتَكَلَّمَ، وَلَا يَسْتَظِلَّ" إلى آخر الكلام، هذه المعاني منها ما يلزم بالنَّذْرِ (٢)، ومنها مالًا يلزم لكونه غير طاعة، وإنّما يَلْزَمُه المشي إلى مكّة لأنّ فيه قُرْبَة؛ لأنّ المشي في الطّواف والسّعي قُرْبَةٌ. وقد قال جماعة من العلماء: إنَّ في حجّ الماشي من القُرْبَةِ ما ليس في حجَّ الرّاكبِ. المسألةُ الثّانيةُ (٣): قوله (٤): "وَلَمْ أَسْمَعْ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ أَمَرَهُ بِكَفَّارَةٍ" يريد: فيما تركه من نَذرِ ما لم

стр. 2449

يجب عليه من القيام في الشّمس والصّمت. وقد بيَّنَّا قبلُ أنّ القيام في الشّمس ليس بطاعةٍ ولا شرع، وأمّا الصّيام؛ فإنّه بَقِيَ مشروعًا لازمًا يلزمه، وما قُطِعَ في المعاش (١) أو أثّر في الصَّحَّة فإنّه يسقط عنه لأنّه معصيةٌ. المسألةُ الثّالثة (٢): *وأمّا نَذْرُ المعصيةِ، فلا يلزم به عِنْدنَا شَيءٌ. وقال* أبو حنيفة (٣) والثّوريّ: إنَّ عليه (٤) كفّارة يمين. ودليلُنا: قوله ﷺ : "ومَنْ نَذَز أنّ يَعْصِيَ اللهَ فَلَا يَعْصِهِ"، وهذا موضع تعليمٍ، فاقتضى ذلك منع موجبه ومن جهة المعنى: أنّ هذا نَذرُ ما لا قُرْبَةَ فيه، فلم يجب به شيءٌ:، أصلُ ذلك إذا نَذَر الجلوسَ. حديثُ مالكٍ (٥)، عن يَحْيى بْنِ سَعيدٍ، عن القَاسِم بن مُحَمَّدٍ؛ أنَّهُ سَمِعَهُ يَقُولُ: أَتَتِ امْرَأَةٌ إِلَى عَبْدِ الله بْنِ عَبَّاس، فَقَالَتْ: إِنِّي نَذَرْتُ أَنْ أَنْحَرَ ابْنِي. فَقَال ابْنُ عَبَّاسٍ: لَا تَنْحَرِي ابْنَكِ وَكَفَّرِي عنْ يَمِينِكِ؟ الحديث إلى آخره.

стр. 2450

الأسناد: صحيح. الفقه في ثلاث مسائل: المسألةُ الأوُلى (١): قولُ ابنُ عبَّاسٍ:"كَفِّرِي عَنْ يَمِينِكِ": اختلفَ العلّماءُ فيه: فقيل: هو مذهبُه خاصّةُ، وهذه معصيةٌ لا كفَّارةَ فيها. وقيل: تُهْدِيْ هَدْيًا، وعليه عوَّل علماؤنا. وقيل: تُكَفِّرُ كفارةَ اليمين بالله، فلمّا اعترض هذا السائلُ عَلَى ابنِ عبّاس بأنّها معصيةٌ، فكيف يلزمُ فيها كفارةٌ؟ قال له: كما أنّ الظَّهَارَ معصيَةٌ وتجبُ فيهِ الكفّارة. وهذا ممّا يجبُ أنّ تفهَموهُ وتتّخذوه دستورًا؛ وذلك أنّ ابنَ عبّاسٍ لم يُرِدْ أنّ يجعلّ الظِّهارَ أصلًا للكفَّارةِ في كلِّ معصيةٍ، وإنّما أرادَ أنّ يُمَهَّدَ في نَفْسِ السائلِ الفَتْوَى بما وردَ من الأثَرِ في ذَبْحِ الوَلَدِ، على ما رُوِيَ أيضًا في الظِّهَارِ، والظِّهارُ رُخصةٌ في الشّريعةِ، على ما يأتي بيانُه إنَّ شاءَ الله. والأصلُ عند علمائنا في نَحْرِ الولدِ: قصّة إبراهيم ﵇، وقد وَهَمَ فيه العلماء وَهْمًا قبيحًا، فظَنَّوا أنَّ هذه الآية فيها نَسْخُ الأمرِ قبلَ الفعل (٢) كما جرَى في فَرْضِ الصّلاةِ، وليس كذلك، وقد بَيَّنَّا في "أصول الفقه" و"مسائل الخلاف" وحيثُ ورَدَ من كلامِنَا بكلامٍ طويلٍ لُبَابُهُ: أنّ إبراهيم ﵇ رأى في المنام أنّه يُضجِعُ ولدَهُ ويذبَحُه، لا أنّه قيل له: اذبَخ وَلَدك، ورُؤيا الأنبياء وحيٌ، فإنّ الرُّؤيا على ثلاثةِ أقسامٍ- على ما يأتي بيانُه

стр. 2451

إنَّ شاء الله- أحد الأقسام: حديثُ النّفس، ولم يُحدِّث إبراهيمُ قَطُّ نَفْسَهُ بذبحِ ولَدِهِ، وأمّا تحْزِين الشّيطانِ، فليس له على الخليل سبيلٌ، فلم يبقَ إِلَّا أنّه مِنَ الله على طريقِ البرهانِ، فَعَرّضَهَا حينئذٍ على إسماعيلَ، فقال له: ﴿يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَر﴾ الآية (١)، وجعلَ الصُّوْرةَ أمرًا؛ لأنّها تستدعي الامتثالَ لتحقيقِ المنامِ، فيكونُ المجازُ في قوله: ﴿تُؤْمَر﴾ خاصّةً، وعلى القول بالنَّسخِ يكون دَعْوَى، ويكون في قوله: ﴿إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ﴾ لآية (٢) مجازٌ كثيرٌ بعيدٌ فأضْجَعَهُ ليَمتَثِلَ ما رأى فيه، فنُودِيَ ﴿أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا﴾ الآية (٣)، معناه: بتَعَاطِيكَ الامْتثالَ، وبمبادَرَتِكَ إلَى الظّاهر والاسْم، ولكن خُذِ التَّأويل، واعْطِ الفِدْيةَ، وكَمِّلِ التّصديقَ والابتلأءَ، وصار إلى يومِ القيامةِ سنَّةً في الاقتداءِ. وقيل: الرُّؤيا على قسمين: اسم، وكُنْيَة. فالاسم: أنّ تَخرُجَ بصورتها. والكُنْيَةُ: أنّ تخرُجَ بتأويلها. ولذلك قال النَّبيُّ ﷺ لعائشة ﵂ حين بَنَى بها: "رَأيتُكِ في الْمَنَامِ فِي سَرَقَةِ حَرِير، فَقَالَ ليَ المَلَكُ: هَذِهِ زَوْجُك، فَكَشفْتُ عَنْكِ فَإِذَا هِيَ أَنْتِ، فَقُلْتُ: إِنْ يُكُنْ هَذَا مِنْ عِنْدِ الله يُمْضِهِ" (٤) فتأمَّل ظاهرَ هذا، كيف يقولُ النّبيُّ ﷺ : "فَقالَ لِيَ المَلَكُ: هَذِهِ زوْجُكَ" ثمَّ يقولُ رسولُ الله: "إنَّ يَكُن من عِنْدِ اللهِ يُمْضِهِ" والجاهلُ يَظُنُّ أنّ هذا شكًّ في التَّصديقِ للرُّؤيا، والمعنى: إنْ يَكُ هَذَا من عِنْدِ اللهِ بظاهره يُنْفِذُهُ ويُمْضِهِ، وإنْ يَكُ تأويلًا أو كُنْيَةً بسَمِيَّتِهَا

стр. 2452

أو شبيهتها أو جارتها، أو أختها أو قريبتها، فسَيَظهرُ أيضًا. فهذه تحقينُ الإشارةِ إلى هذه الأغراض، واللهُ الموفّقُ للصّواب. المسألةُ الثالثةُ (١): قال عبدُ الوهّاب (٢): "من نَذَرَ ذبحَ ابنِهِ في يمينٍ، أو على وجهِ القُرْبَةِ، فعليه الهَدْي، وإن نَذَرَهُ نَذْرًا مجرَّدًا لا يقصد به القُرْبَة، فلا شيءَ عليه"، وهو المشهورُ في المذهب، والله الموفِّقُ للصّواب. باب اللَّغْو في اليمينِ الفقه في خمس مسائل: المسألةُ الأوُلى (٣): قول عائشة ﵂ (٤): "لَغوُ اليَمِينِ: لَا وَاللهِ، وبَلَى واللهِ". قال علماؤنا (٥): يحتمل وجوهًا: أحدها: أنّ اللَّغوَ لا يكونُ إِلَّا في هذه اليمين (٦)، وأمّا اليمين بغير ذلك مثل المشي إلى مكَّة أو الطَّلاق، فإنّه لا لَغوَ فيه، وقد قال مالك ذلك في "العُتْبِيّة" (٧) وغيرها.

стр. 2453

ووجه ذلك: أنَّ اليمينَ بغيرِ اللهِ محظورٌ، فلم يَعْفُ عن الحَالفِ بها على وجهٍ من الوجوهِ. وأمّا اليمينُ باللهِ تعالى* فَمُبَاحةٌ، لذلك دخلها التّخفيفُ والعَفْوُ عن لَغْوِها، وكذلك كلّ يمين كفّارتُها كفّارة اليمين* كالنَّذْر الّذي لا مَخْرَجَ له، وما جرى مجرى ذلك. ويحتملُ أنّ يُريدَ أنّ اللَّغوَ قولُ الرّجلِ: لَا وَاللهِ، فيما يَعتقِدُ صحّتَة وإن كان الأمر خلافه، حسب ما ذهب إليه مالك. ويحتملُ وجهًا ثالثًا، وهو أنّ يريدَ ما يجرِي في تراجُعِ النَّاسِ، من قولهم: لَا وَاللهِ، وبلى والله، من غير اعتقادٍ (١). وإلى هذا ذهب الأَبْهَرِيّ. المسألةُ الثّانيةُ (٢): قوله (٣): "وَعَقدُ الْيَمِينِ، أنّ يَحْلِفَ الرَّجُلُ ... " إلى آخر الكلام، هو كما قال. قال القاضي ﵁: والأَيمَانُ على ضربين: ١ - يمينٌ على المستَقْبَلِ. ٢ - ويمينٌ على الماضي. فأمّا الأوُلى: فلا يدخلها في قولِ مالك لا لَغوٌ ولا غَمُوسٌ، وإنمَّا يدخلها البرّ، فلا تجِب فيها كفّارة إِلَّا بالحِنْثِ. وأمّا الثّانيةُ: فتنقسم قسمين: ١ - قسمٌ يقتضي المنعَ، مثل قوله: والله لا لبستُ هذا الثّوب، ولا أكلتُ هذا الخبزَ، فهذا إنَّ أَطلَقَ الفعل ولم يعلِّقه بوقتٍ ولا مكانٍ ولا صفَةٍ، منعتِ اليمينُ

стр. 2454

ذلك على التّأبيدِ، فمتى فعلَهُ حَنِثَ ولَزِمَتهُ الكفّارةُ. ٢ - فإن قيَّدَهُ بوقتٍ، مثل قوله: واللهِ لا لبستُ هذا الثّوب غدًا، ولا لبسته بمكَّةَ، ولارَاكِبًا، فمتى فعلَهُ علَى شيءٍ من ذلك حَنِثَ. المسألةُ الثالثةُ (١): وأمّا إنَّ كانتِ اليمينُ على إتيانه بالفعلِ (٢)، فإن علّقها بزمانٍ أو مكانٍ أو صفة،* لم يبرّ إِلَّا بفعله ني تلك المدّة، أو في ذلك المكان، أو على تلك الصِّفة*، فإن فات شيءٌ من ذلك وكان ممّا يفوت، مثل أنّ يَحْلِفَ: ليفعلن ذلك في شهر معيَّنٍ، فينقضي، أو يَحْلِف: ليفعلن ذلك ماشيًا، فيتعذّر ذلك عليه بعذرٍ يعلم أنّه لا يقدر عليه بقيّة عُمُرِه، وقع الحِنْثُ بفوات ذلك. كان أطلق يمينَهُ لم يحنث إِلَّا بموته (٣). المسألةُ الرّابعةُ (٤): وقوله (٥): "فَهَذَا الَّذِي يُكَفِّرُ صَاحِبُهُ يَمِينَهُ، وَلَيسَ في اللَّغْوِ كَفَّارَةُ يَمينٍ" يريدُ أنّ اليمينَ على المستقبل هي الّتي تدخلها الكفّارة لتحلّها، أو ترفع مأثمها، وأمّا لغو اليمين فلا كفَّارة فيها؛ لأنّها على مذهبِ مالك متعلّقةٌ بالماضي، وهو مثل أنّ يحلِفَ في

стр. 2455

رجل (١) فيقول: إنّه زيدٌ، وهو يعتقد ذلك فيه، فإذا قَرُبَ تبيَّنَ له أنّه غيرُه، فهذا لا كفَّارَةَ فيه. ووجه ذلك: أنّها ليست بيمينِ تنعقدُ ليفعل أو ليترك، وإنّما هي يمين تصديق، فلا يبقى لها بعد تمام اللّفظ حُكْمٌ؛ لأنّها لا تمنع من فعل فَتُبيحُ ذلك الكفّارة، ولا تُوجبُ فعلًا فتبيح ترك الكفارة. المسألةُ الخامسةُ (٢): وأمّا قوله (٣): "فَأمَّا الذِي يَحْلِفُ عَلَى الشَّيءِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ آثِمٌ ... فَهُوَ أَعْظَمُ من أنّ تَكُونَ فِيهِ كفَّارَةٌ" فإن هذه اليمين ليست من جنسِ ما تتعلّق بها الكفّارة؛ لأنّها يمينٌ على ماضٍ، ويمينُ الماضي لا تخلو من ثلاثة أحوالٍ، لا يجب بشيءٍ منها كفّارة: أحدُها: أنّ يحلِف على شيءٍ أنّه قد كان، أو ما كان، فيكون كما حَلَفَ عليه، فهذا برّ في يمينه. الثّاني: أنّ يحلِفَ على شيءٍ أنّه قد كان كذا، وهو يعتقد صِحَّة ذلك، فيكون الأمرُ على خلافِ ما حَلَفَ عليه، فهذه لغو اليمين عند مالك، ولا كفّارة عليه ولا إِثمَ. الثالثُ: أنّ يحلِفَ على ذلك، ولا يعتقد أنّ الأمرَ على ما حَلَفَ عليه، إمّا أنّه يعلم ضدّ ذلك، وإما أنّه يشكُّ، فهذه اليمين الغَمُوس، سمِّيَت بذلك لأنَّها تَغْمِسُ صاحبَهَا في الإثم، ولا كفَّارةَ لها لكونها متعلّقة بالماضِي، وإنمّا قال:"إنَّهَا أَعْظَمُ من أنّ تَكُونَ فِيهَا كَفَّارَة"؛ لأنّها انعقدت على الإثم، والّتي تكفّر لم تنعقد على إثم، وإنّما
следующие страницы →