← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2381–2420 · переход к 2386.

стр. 2381

وبينَ المَيتَةِ. ووجه ذلك: أنّ هذا مالٌ لغيره، فهو ممنوعٌ منه لِحَقِّ الله وَلِحَقِّ مَالِكِهِ، فليس له منه إِلَّا ما يردُّ جُوعَهُ ولا يزيد على ذلك شيئًا. وأمّا المَيْتَة، فأنّها ممنوعةٌ لحقِّ الله تعالى، وحقوقُه تعالى إِذا استُبِيحَت للضَّرورةِ تجاوزت الرُّخصةُ فيها موضعَ الضَّرورة، وحقوقُ الآدميِّينَ لا تتجاوز مواضع الضَّرورة، وهذا الفرق إنّما هو على رواية "الموطَّأ" (١)، وأمّا على رواية ابنِ حبيب - وهي الرِّواية الثّانية عن مالك - فلا فرق بينهما. المسألة الخامسةُ (٢): قوله (٣): "وذَلِكَ أَحَب إِلي من أنّ يَأكُل المَيتَةَ يريد: ما أكله من الثَّمر والزَّرع مباحُ العين أيضًا، وإنّما مُنِعَ لحقِّ الغيرِ، وإذا بلغتِ الضَّرورةُ إلى استباحةِ المَيتَةِ، فقد لَزِمَ صاحب الثَّمَر والزَّرع أنّ يعطيَهُ منه ما يردُّ رَمَقَه إنَّ لم يكن عنده ثَمَنٌ، أو يبيعه منه إنَّ كان عنده ثَمَنٌ، فهذا أخذ بِقَدْرِ ذلك فقد تعلَّق به حقّه، وكان مباحًا له من الوجهين: من جهةٍ أنّه مباحٌ في نفسِهِ، ومن جهةِ أنّه قد لزم صاحبه تسليمه إليه. وأمّا المَيتة، فليست بمباحةٍ في نفسها، فكان أكل هذا الطّعام الّذي هو مباحٌ في نفسه أَوْلَى. وإنّما خصّ مالكٌ الزَّرعَ والثَّمَرَ والماشيةَ دون سائرِ الأموالِ؛ لأنّ هذه الّتي ينتفعُ المضطرُّ بوجودِهَا، وفي ذلك آثارٌ خَرَّج التّرمذيُّ في "كتابه" (٤) منها أحاديث في باب الرُّخصة في أكل الثِّمارِ للمارّ بها من حديثِ ابنِ عُمَرَ؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ

стр. 2382

دَخلَ حَائِطًا فَلْيَأكُل وَلَا يَتَّخِذ خُبنَةً (١) " (٢)، وفيه حديثٌ صحيحٌ أيضًا، قوله ﷺ : "مَا مِنْ مُسلِم يَغرِسُ غَرسًا أَوْ زَرْعًا فَيَأكُل مِنْهُ إِنْسَانٌ، أَوْ طَائِرٌ، أَوْ دَابَّةً، إِلَّا كُتِبَت لَهُ حَسَنَاتٌ يومَ القِيَامَةِ" (٣). ورأى فقهاءُ الأمصارِ أنْ كلَّ أحدٍ أَوْلَى بمالِهِ ومِلكِهِ، ولم يكن لهم أنّ يطلقوا النَّاسَ على أموال النَّاس، ففي ذلك فسادٌ عظيمٌ. ورأى بعضهم: أنّ ما كان على طريقٍ لا يُعدَل إليه ولا يُقصَد، فلياكل منه المارّ، ومن سعادَةِ المَرءِ أنّ يكون له مالٌ على الطَّريقِ؛ لأنّه يكسِبُ في ذلك الحسنات والمكارم، والَّذي ينتظمُ في ذلك أنّ المحتاج يأكل، والمستغنى يمسك، وعليه تَدُلُّ الأحاديث. المسألةُ السّادسة: في حلب المواشي بغير إذن أهلها ذكر التّرمذيُّ (٤) فيه حديثَ الحَسَن، عن سَمُرَةَ؛ أنّ النَّبىَّ ﷺ قال: "إِذَا أَتَى أَحَدُكُمْ عَلَى مَاشِيَةٍ فَإن كَانَ فيهَا صَاحِبُهَا فَلْيَستَأذِتهُ، فَإِنْ لَمْ يُجِب فلْيَحْلِبْ وَيَشْرَبْ وَلَا يَحْمِل". قال القاضي: الكلامُ في هذا الحديث إنّما هو في سماعِ الحَسَنُ من سَمُرة (٥)؛ أنّ النّبيّ ﷺ ... الحديث، ولكن الحديث صحيحٌ، وهو محمولٌ على ابنِ السَّبيل المحتاج، وقد خرج النَّبىُّ ﷺ مَعَ أَبِي بَكرٍ مُهَاجرًا إِلَى المَدِينَةِ فَمَرَّا بِغنَمِ فَأَوَيَا إلى ظِلِّ شَجَرَةٍ

стр. 2383

وَوَجدَا رَاعِيًا فَسَألَاهُ، لِمَنِ الغَنمُ؟ فَذَكَرَ رَجُلًا مِنَ قُرَيش، فَاسْتَحْلبَاهُ فَحَلَبَ لَهُم وشَرِبَ النَّبِىُّ، وقد بينَّا في غيرِ مَا موضعٍ وجهَ شربه وأنّه محمولٌ على العادةِ في القَدْرِ اليسيرِ، وعلى العادةِ في احتلابِ المارِّ اللَّبن وشُربِهِ، أو على أنّ ذلك جائزٌ للمحتاجِ أو على النّبيِّ ﷺ ﴿النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ﴾ الآية (١)، أو على أنّ ذلك مال كافرٍ فلم يكن لأحدٍ عليه يدٌ، وقد حقّقنا تلك الأغراض في "النّيِّرين". المسألةُ السّابعةُ (٢): فإن وجدَ المضطرُّ المُحرمُ مَيتَةً وصيدًا، أكلَ الميِّتةَ ولم يُذَكِّ الصَّيدَ؛ لأنّ بذكاته يكون مَيتَة، وقتلُه محرم عليه حَالَ إحرامِهِ، وقال محمّد بن عبد الحكم: لو كان لي ذلك لأكلتُ الصِّيدَ. فرعٌ (٣): فإِن وجدَ المضطرُّ مَيتَةً وخِنْزِيرًا، فالأظهرُ عندي أنّ يأكل الميِّتَةَ ويمتنع من الخِنْزِير؛ لأنّه مَيتَة، ومع أنّه لا يستباحُ بوجهٍ. ولا يجوزُ للمضطرِّ أكل لحم ابن آدم وإن خاف الموت، خلافًا للشّافعيّ (٤). ودليلُنا: أنّ من لا يجوز له قتله لحفظ نفسه فإنّه لا يجوز له أكل لحمه، أصلُ ذلك: أكل لحمه حيًّا. المسألةُ الثّامنةُ (٥): فإذا ثبتَ ذلك، فإنّ المضطرَّ إلى المَيتَة أكثر ما يكون ذلك في السَّفَر على ما

стр. 2384

ذكرنا، وقاله ابنُ حبيب، وأمّا في الحواضر فلا يجوز له، والسَّفرُ في ذلك لا يخلو أنّ يكون سَفَرًا مُباحًا أو مكروهًا أو محظورًا. فأمّا "المباحُ" فهو الّذي يجوزُ لنا أنّ نُرَخِّصَ في أكل المَيتَة. وأمّا "المُحَرِّم" فالمشهورُ من مذهبِ مالك أنّه لا يجوزُ له ذلك، ففرَّق بينه وبين القَصْرِ في سَفَرِ المعصيةِ. وروَى زياد بن عبد الرّحمان أنّ العاصي في سَفَرِه يقصرُ الصَّلاة ويفطر في رمضان، فسوَّى بين ذلك كلِّه، وبه قال أبو حنيفة (١). وقال ابن حبيب: لا يحل له أكل المَيتَة إِلَّا من ضرورةٍ، وبه قال الشّافعيّ (٢). ووجه الأوّل: قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية (٣)، ولأنّه لا خلافَ أنَّه لا يجوز له قتل نفسه بالإمساك عن الأكل، فإنّه مأمورٌ بالأكلِ على وجهِ الوجوب، ومن كان في سفر معصيةٍ لا تسقط عنه الفروض والواجبات من الصّوم والصّلاة؟ لأنّهَ يلزمُه الإِتيان بها كلما ذكرنا. ووجهُ القولي الثّاني: أنْ هذه المعاني على وجه التّخفيف والعون على الأسفارِ المباحةِ للحاجةِ إليها، فلا يُباحُ له أنّ يستعينَ بها على المعاصي، وله سبيلٌ إلى أنّ لا يقتلَ نفسَهُ، قال ابن حبيب: وذلك بأن يتوب ثمّ يتناول المَيْتَة، وقد تعلَّق ابنُ حبيبٍ في ذلك بقوله تعالى: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ﴾ (٤) فاشترطَ ألَّا يكون باغيًا، والمَسافرُ على وجه الحرابة، أو قطع رحم، أو طالب إثم باغٍ ومتعدٍّ، فلم يوجد فيه شرط الإباحة. المسألة التّاسعةُ (٥): فإذا ثبت ما بيَّنَّاه، فمنِ اضطرَّ إلى شرب الخمرِ لجوعٍ أو عطشٍ حيثُ يجوز له أكل

стр. 2385

المَيْتَة، فهل له أنّ يشربها؟ ففي ذلك روايتان: فروى ابنُ القاسم عن مالك في "العُتبية" (١): لا يشربها ولن تزيدَهُ إِلَّا عطشًا (٢). وقال الأبهري (٣): لا يشربها؛ لأنّها لا تغني من الجوع ولا تُروِي من عطشٍ فيما يقال، وأمّا إنَّ كانت تُشْبع وتروي فلا بأس أنّ يشربها. وفي "النّوادر" (٤) عن ابنِ حبيب فيمن غصّ بطعامٍ وخافَ على نفسهِ، أنَّه يجوز له أنّ يتجرّع الخمرَ، وقاله أبو الفرج (٥). وروى أصْبغُ (٦) عن ابن القاسم: يشرب المضطرُّ، الدَّمَ ولا يشرب الخمرَ، ويأكل المَيتَة ولا يقرب ضوال الإِبل، وقاله ابنُ وهبٍ (٧). المسألة العاشرةُ (٨): وأمّا التّداوي بالمَيْتَة، فالمشهورُ من المذهبِ أنّه لا يحلُّ بوجه. وقال سحنون: لا بأسَ أنّ يُداويَ جرحَهُ بعظام الأنعام المذكّاة، ولا يداويه بعظام مَيْتَة (٩). وإن جعل في قرح أو جرح فلا يصلّي به حتّى يغتسل، وقد خفَّفَ ابن الماجشون أنّ يصلِّي به. فهذا قلنا: لا يجوز التّداوي بها ويجوز استعمالُها للضّرورة، فالفرقُ بين التّداوِي وبين الشُّرب للضّرورة ما قاله، وذلك أنّ التّداوي لا يُتَيَقَّن البُرْء بِهِ، فلم يجز أن يستعمل

стр. 2386

المحظور فيه، وأمّا الشُّرب للعَطَشِ والجُوع فإنّه يُتَيَقَّن البرء به، فجاز استعمالُه لذلك، وظاهر قول مالك في التّداوي بالمَرتَكِ (١) من عظام المَيتَة مع منعه من الصّلاة، يحتمل ثلاثة أوجه: أحدها: أنّها رواية "العُتبِيَّة" (٢) أنّه لا يجوز التَّداوِي بما لا يحلُّ استعمالُه إِلَّا للضَّرورةِ. الثّاني: إِنّما أباحَ في ذلك ما فيه الخلاف، وذلك أنّ ابنَ الماجشون جعلَ ذلك ظاهرًا، وأمّا ما لا خلاف في *نجاسته، فلا يجوز ذلك فيه. والوجه الثّالث: أنّه إنّما وقع الخلاف في* استعمالِهِ خارج البَدَن، فجوَّزهُ مالك، وَمَنعَهُ سحنون. وأمّا شربه وأكله فمحرّم على الوجهين. وقولُ ابن حبيب أنّ النَّار تطهِّر عظامَ المَيتَة، فهو خلاف المذهب؛ لأنّه نجسُ العْينِ، وما ينجس لعَينِه لم يطهر بوجهٍ، وما تنجَّس بالمجاورةِ لم يطهر إِلَّا بالماءِ، وما رواه ابن الماجشون هو ممّا انفرد به عن مالك. تَمَّ الكتابُ والحمدُ للهِ

стр. 2387

كتابُ العَقِيقَةِ وفيه بابان: البابُ الأوَّلُ ماجاء في العقيقةِ الأسناد (١): ذكر مالكٌ في البابِ حديثًا مقطوعًا مجهولًا (٢)، وذكر أنّه سُئِلَ رَسُولُ الله ﷺ عَنِ العَقِيقَةِ؟ فَقَالَ: " لَا أَحِبُّ العُقُوقَ" وكَأَنَّهُ كَرِهَ الاسْمَ. وفي "صحيح البخاريّ" (٣) أنّ النَّبِيَّ ﷺ قالَ: "مَعَ الغُلَامِ عَقِيقَةٌ فَأَهْرِيقُوا عَنْهُ دَمًا، وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى". وقد قال ﷺ : "عَنِ الغُلَام شَاتَانِ مُتَكَافِئَتَانِ، وَعَن الجَارِيَةِ شَاةٌ، تُذبَحُ عَنْهُ يَومَ سَابِعِهِ، وُيحلَقُ رَأسُهُ، وَيُدَمَّى" (٤). تنبيهٌ على وَهْمٍ (٥): قال العلّماءُ: قولُه "يُدَمَّى" هو من تصحيف قَتَادَة، وإنّما هو "يُسَمَّى" (٦)؛ لأنّه ثبتَ

стр. 2388

عن النّبيّ ﷺ أنَّه قال: "وأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَي" (١) ولأ أَذَى أعظمُ من تلطيخ رأسه بالدَّمِ. وفي "الصّحيحين (٢) أنَّه جِيءَ بابْنِ أَبِي طَلحَةَ إلى النّبيِّ ﷺ فَسَمَّاهُ وَحَنَّكَهُ، ولم يذكُر عقيقةً. وقد روَى النَّسائي أنّ النّبيّ ﷺ :"عَقَّ عَنِ الحَسَنِ بِكَبْشِ (٣). ورَوَى التَّرمذيُّ (٤): "أَنَّهُ أَذَّنَ في أُذُنِهِ حِينَ وُلِدَ"، وقال: وهذا حديثٌ صحيحٌ، فصارت تلك سُنَّةً. قال القاضي ﵁: ولقد فعلتُها باولادي، واللهُ يهِبُ الهُدَى لمن يشاء من خلقِهِ. وثبتَ أنّ النَّبِيِّ ﷺ أَمَرَ فَاطِمَة بحَلقِ شَعْرِ رَأْس بَنِيهَا وَأَنْ تَتَصَدَّق بِزِنَتِهِ فِضَّةً (٥). وَكَانَتِ الجَاهِلِيَّةُ تَحْلِقُ رَأسَ المَولُودِ وَتُلَطِّخُهُ بِالدَّمِ، فَشَرَّع النَّبِيُ ﷺ التّصَدُّق بِزِنَتِهِ فِضَّةً. وقال العلّماءُ: يلطّخُ بالخَلُوقِ رأسُه. العربيّة (٦): "العَقِيقَةُ" هي فعيلةٌ من العَقِّ الّذي هو القَطْع، فعيلةٌ بمعنى مفعولة، مثل قتيلة ورهينة.

стр. 2389

واختلفَ العلّماءُ في وجوبِ تسميتها عقيقة: فحكى أبو عُبَيْد (١) عن الأَصمَعِيّ وغيرِهِ: أنّ العقيقةَ الشَّعْر الّذي يكون على رأسِ المَوْلودِ، وإنما سُمَّيتِ الشَّاةُ الّتي تُذبح عنه عقيقة؛ لأنّه يُحلَق رَأسُه عند ذبحها وُيرمَى به، وكانتِ الجاهليَّةُ تفعلُه، ويشهد له قول امْرُىء القَيْس (٢): أيَا هِنْدُ لَاتَنْكِحِي بُوهَةً ... عَلَيْهِ عَقِيقَتُهُ أَحْسَبَا فالعقيقةُ والعِقَّةُ: الشَّعْرُ الّذي يُولَدُ به الطِّفلُ. وقيل في معنى البيت: إنّه لم يعقّ عنه في صِغَرِهِ حتّى كَبُرَ، عَابَهُ بذلك. وقال ابنُ حنبل: إنّما العقيقةُ الذَّبحُ نفسُهُ، وهي قطع الأَوْدَاج والحُلقُومِ (٣)، ومنه قيل للقاطع رَحِمَهُ في أبيه وأُمِّهِ: عاقٌّ، وهو كلامٌ غير مُحَصَّلٍ، والتّحقيقُ فيه ما ذهب إليه، أنَّ العقيقةَ هي الذَّبيحةُ نفسُها؛ لأنّها هي الّتي تُقطّعُ أوداجُها وحلقُومُها، فهي فعليةٌ من العَقِّ الّذي هو القَطْعُ. الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى (٤): والعقيقةُ ممّا كانت الجاهليَّةُ تفعلُهُ، إذا وُلدَ الغلامُ ذبحَ عنه شاة، ولطّخَ رأسُهُ بالزَّغفَران، فجأة الشّرعُ فأسنَّها، فهي سُنَّةٌ من سُنن الإسلام، وشرعٌ من شرائِعِهِ، إِلَّا أنّها ليست بواجبة عند مالك ﵀ وجميع أصحابه، فهي عندهم من السُّننِ الّتي الأخذُ بها فضيلةٌ، وتركُها غير خطيئةٍ (٥). والدَّليلُ على ذلك: أنّ رسولَ اللهِ سُئِلَ عنِي العَقِيقَةِ؟ فقال:"لَا أُحِبُّ العُقُوقَ"

стр. 2390

فكأنه إنّما كرِهَ الاسْمَ. وقال "من وُلِدَ له ولُدٌ فَأَحَبَّ أنّ يَنسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَليَفعَلْ" (١). وما روي عنه أنّه قال: "الغُلَامُ مُرتهنٌ بِعَقِيقَتِهِ، تُذبَحُ عنهُ يَوْمَ سَابِعِهِ، ويُحلَقُ رَأسُهُ وَيُسَمَّى" (٢)، يدلُّ على وُجوبِها. وتأويلُ ذلك عند علمائنا: أنّ ذلك كان في أوّل الإسلام، ثمَّ نُسِخَ ذلك بعدُ بقوله: "مَنْ أَحَبَّ أنّ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَليَفْعَلْ" فسقَطَ الوجوبُ. ومِنَ العلّماءِ من تعلّق بما يدلُّ عليه الحديث المذكور وغيره من الوُجُوبِ، فَأَوْجَبَ العَقِيقَةَ، وقال: من لم يُعَقّ عنه وهو صغيرٌ يُعَقَّ عنه وهو كبيرٌ، ؤيلزمُهُ أنّ يفعلَ ذلك بنفسِهِ، على ما رُوِي أنّ رسولَ الله ﷺ عَقَّ عَنْ نَفْسِهِ بَعدَمَا جَاءتهُ النُّبُؤَّة (٣)، ولم يصحّ ذلك عندَ مالك لا سَنَدًا ولا نَقْلًا (٤) وأَنكَرَهُ وقال (٥): أرأيتَ أصحابَ النَّبِيِّ ﷺ الّذين لم يُعَقّ عنهم في الجاهليَّةِ، أَعَقُّوا عن أَنفسهم في الإسلام؟ هذه الأباطيل. المسألةُ الثّانيةُ (٦): إذا ثبت ذلك، فإنّ قوله (٧) "فَأَحَبَّ أنّ يَنْسُكَ عَنْهُ" يقتضي أنّ ذلك في مال الأب عن ابنِهِ، فلو كان للمولودِ مالٌ لكان الأَظهر عندي أنّ تكون العقيقة في مال الأب،

стр. 2391

لقوله ﷺ : "فَمَنْ أَحَب أَنْ يَنْسُك عَنْ ابنِهِ فَليفْعَل" (١) فأثبت ذلك في جهة الأب. وقال (٢) في "المبسوط": "يعقّ عن اليتيم من مالِهِ" وظاهرُ هذا أنّ ذلك لا يلزم أحدًا من الأقارب غير الأب، والله أعلم. المسألةُ الثّالثة (٣): قال علماؤُنا: والعقيقةُ أختُ الأُضحيّة في الصِّفةِ والجِنْسِ والسَّلامةِ، لكنّ مالكًا قال: إنّما يكون ذلك رأسًا واحدا عن الذَّكَرِ والأنُثى، لا يفضل في ذلك الذَّكَرُ الأنثى، وتُكْسَرُ عظامُها، خلافًا لما كانت الجاهلية تفعله. تركيب (٤): قال الإمام الحافظ ابن العربي: وتكلمنا يومًا بالمسجد الأقصى -طَهَّرَهُ اللهُ- مع شيخِنَا أبي بكرِ الفِهرِيِّ ﵁ فقال: إذا ذَبحَ الرَّجلُ أضحيَّتَهُ يوم الأَضحى فعَقَّ بها عن وَلَدِهِ لم تُجزِئهُ؛ لأنّ المقصودَ في العقيقةِ إراقة الدِّم، كما هو في الأضحية، والمقصود في الأُضحيَّةِ التَّصدُّق وإقامة شعار الإسلام، فأمّا لو ذبحَ أضحيَّيهُ يومَ النَّخر وأقام بها سُنَّةَ الوليمةِ في عُرسِهِ لأجزأه؛ لأنَّ المقصودَ في الأُضحيَّةِ إراقةُ الدِّمِ، وقد وقعَ موقعَهُ، والمقصودَ في الوليمة إقامةُ السُّنَّة بالأكل، وقد وُجِدَ ذلك. المسألةُ الرّابعة (٥): إذا ثبتَ ذلك، فإنَّ وقتَ ذبحِ العقيقةِ ضُحّى ساعةَ تُذبحُ الأُضحيةُ، رواه محمّد عن مالك. وقال ابنُ حبيب: لا تُذبَح ليلًا، ولا بالسَّحَر، ولا بالعشىِّ، إِلَّا مِنَ الضُّحى إلى الزَّوال.

стр. 2392

وزاد مالك في، المبسوط،: "من ذبحها قبل الأوانِ الّتي تُذبحُ الأُضجة فيه لم أرها مُجْزِئةً عنه، وليذبح أخرى". ووجه ذلك: أنّه نُسُكٌ يُستحَّبُ إِخراجُه من غير تقليدٍ، فكانت سُنَّة ذبْحِه ضُحّى كالأُضحية. المسألةُ الخامسةُ (١): إذا ثبت ذلك، فإنّها تُذبحُ يوم سابع الصَّبىِّ، وذلك أنّ يمضي له سبعة أيّام، لِمَا رواهُ سَمُرَة؛ أنّ النَّبِيِّ ﷺ قال "الغُلَامُ مُرتَهِنٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذبَحُ عَنْهُ يَوْمَ سَابِعِهِ ويُحلَقُ رأسُهُ وُيسَمَّى" (٢). فأمّا التّسمية يوم سابِعِهِ، فإليه ذهبَ مالك ﵀، والأمرُ في ذلك واسعٌ، رُوِيَ أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قالَ حين وُلِدَ له ابنُه إبراهيم -صلوات الله عليه- قال: "وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ غُلَامٌ سَمَّيتُهُ إِبْرَاهِيم" (٣). ولما رُوِيَ (٤) عنه أنَّه أُتِيَ بعبد اللهِ بنِ أبي طلحة صَبِيحَةَ اللَّيلة الّتي وُلِدَ فيها، فَحَنَّكَهُ بتمرة عجوة، ودعا له، وسمّاه عبد الله، في حديث طويلٍ صحيحٍ. فرع (٥): فإن لم يُعَقَّ عنه يوم سابِعِه، فهل يُعَقَّ عنه بعد ذلك أم لا؟ فروى ابنُ حبيبِ عن ابنِ وهب عن مالك أنّه قال: من ترك ذلك فإنّه يُعَقُّ عنه في السّابع الثّاني، فإن ترك ذلك ففي الثّالث، فإن جاوزَ ذلك فقد فات وقتُها. وروى ابن القاسم عن مالك: لا يجاوز بالعقيقة اليوم السّابع.

стр. 2393

قال الأَبهَرِيُّ: والقول الثّاني أحسن. ووجهُ رواية ابن وهب: أنّ هذا نُسُكٌ، فلم يكن في وقتِ ذبحِهِ أقلّ من ثلاثة أيّام كالأُضحية. ووجهُ الرِّواية الثّانية: أنّه لما كان اليوم الثّامن أقرب إلى السّابع ممّا بعدَهُ، ثمّ مع ذلك لا يذبح فيه، فَبِأَن لا يذبح فيما بعدُ أَوْلَى. المسألة السّادسة (١): قال علماؤنا (٢): ولا يجوز تقديمها قبل السَّابع. وقال مالك في "المبسوط": إنَّ مات الصَبىُّ قبل السَّابع، فليس عليهم أن يذبحوا عنه، فاقتضى ذلك أنّ وقتَ ثبوت حكمها هو الوقت المذكور من اليوم السَّابعِ، وان أدركَ الصَبىُّ ذلك الوقت، ثبت حكمُها، وان مات قبل ذلك بطل حكمها، واللهُ أعلم. المسألةُ السّابعةُ (٣): قيل: يُحسَبُ السّابعُ من غروب الشَّمس. وقيل: من طلوع الفجر. وقيل: من زوال الشّمس. وقيل: يحسب منه بقيّته قبل الغروب. المسألةُ الثامنةُ (٤): قوله (٥): "وَزَنَت فَاطِمَةُ شَعَرَ حَسَنٍ وَحُسَينٍ" فعلُ فاطمة هذا حَسَنٌ لمن فَعَلَهُ، وليس بواجبٍ.

стр. 2394

وقال عبدُ الوهّاب: هو حسن إنَّ فعل (١). وقال ابنُ الجلّاب (٢): أليس على النّاسِ التَّصدُّق بِوَزنِ شَعْر المولود ذهبًا أو وَرِقًا، فمن فعله فلا بأس به". وقال مالك في "العتبيّة" (٣): "ما ذلك من عمل النّاسِ" ومعناه: أنّه ليس بلازمٍ (٤). المسألةُ التّاسعةُ (٥): قال علماؤنا: ويُستَحبُّ أنّ يحلق شعره يوم سابعه، وقالَهُ ابنُ حبيب. وقال ابنُ شعبان: هو معنى قول النّبيّ ﷺ : "وَأَمِيطُوا عَنْهُ الأَذَى" (٦). البابُ الثّاني العمل في العقيقة وفيه أحاديث كلُّها صِحَاحٌ: الحديث الأوّل: حديثُ ابنِ عمر (٧): لَمْ يَكُنْ يَسْأَلُهُ أحدٌ من أَهلِه عَقِيقَةً إِلَّا أَعطَاهُ إيَّاهَا، فَكَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِه بِشَاةٍ شَاةٍ عن الذُّكُورِ وَالإِنَاثِ.

стр. 2395

الفقه في مسائل: المسألةُ الأَولى (١): قوله: "لَمْ يَكُنْ يَسأَلُهُ أحد من أَهْلِهِ عَقِيقَةً إِلَّا أَعَطَاهُ" لأنّها مشروعةٌ، وهي من عمل البِرِّ فكان يُعينُ عليها. وقوله: "وَكَانَ يَعُقُّ عَنْ وَلَدِهِ بِشَاةٍ شَاةٍ" هذا مذهبُ مالكٍ إِلَّا يُفَاضِلَ في ذلك وهم عنده سواءٌ. وقال أبو حنيفة (٢) والشّافعىُّ (٣): يَعُقُّ عن الغلامِ بشاتين وعن الجارية بشاةٍ. وقال ابنُ حبيب: رُوِي ذلك عن عائشة، وذلك حَسَنٌ لمن أَخَذَ بِهِ. ودليلُ مالك: الحديث المتقدِّم؛ أنّ النّبيِّ ﷺ عقّ عن الحسن والحسين بشاة شاة، ولا يفعل النّبيّ ﷺ إِلَّا الأفضل، وقد يفعل الجائز ليُبَيِّن جوازه، ولمّا واظبَ على هذا ثبتَ أنّه الأفضل. وعند المخالِفِ أبي حنيفة: أنّ الشِّاةَ الواحدة ليست بمجزئةٍ عن الغلام. ودليلنا على ما نقوله: أنّ هذا ذَبْحٌ مُتَقَرَّبٌ به، فاستوى فيه الذّكر والأنثى، كالأُضحية والهدايا. حديثُ مَالِكٍ (٤)، عَن رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عبدِ الرَّحمَنِ، عَنْ محمّد بن إِبرَاهِيمَ ابْن الحارِثِ التَّيْمِىِّ؛ أَنَّه قَالَ: سَمِعْتُ أَبِي يَسْتَحِبُّ العَقِيقَةَ وَلَوْ بِعُصفُورٍ.

стр. 2396

الإسناد قال القاضي: رَوى مُطَرِّف، وابنُ القاسم، وعليّ (١)، يقولون: عن محمّد بن إبراهيم أنّه قال: "تُستحَبُّ العقيقةُ ولو بعصفورٍ" وليس يقولون: عن أبيه، سقط لهم ذلك، وأثبته يحيى. وفيه خمس مسائل: المسألةُ الأوُلى (٢): قولُه: " تُستَحَبُّ العَقيقَةُ وَلَو بِعُصْفُورٍ" قال ابنُ حبيبٍ: إنّما أرادَ بذلك تحقيق اسْتِحباب العقيقة ولو بعصفور (٣). وقد رُوى ابنُ عبدِ الحَكَم عن مالك أَنَّه لا يعقُّ بِشيءٍ منَ الطَّيرِ ولا الوحش. ووجهُ ذلك: أنّ العقيقةَ نُسُكٌ يُتقَرَّبُ به، فلم يجز من غير بهيمةِ الأنعامِ كالأُضحية والهّديِ. المسألة الثّانية (٤): ولا يُعَقُّ إِلَّا بالضَّأن والمَعْزِ والإِبل والبقر، قاله مالك. وقال ابنُ حبيب (٥): والضَّأنُ أفضلُها. قال (٦) في "المبسوط": ثمّ المعز أحبّ إليَّ من البقر والإبل.

стр. 2397

وقال ابنُ شعبان: لا يُعَقُّ بشيء من الإبل والبقر، وإنّما العقيقةُ بالضَّأن والمَعْزِ، وهو في "العُتبِيّة" (١) عن مالك. ووجهُ روايةِ ابنِ حبيبٍ: أنّ هذا نُسُكٌ، فكان للبقر والإبل فيه مدخلٌ، كالأُضحيَّةِ والهَدْيِ. ووجهُ الرِّواية الثّانية: أنّ النّبيَّ ﷺ : عَقَّ بِشَاةٍ شَاةٍ وأفعالُه على الوجوبِ، إمَّا في وجوبِ الفعلِ، وإمَّا في تعلُّقِهِ بجنسِ العَيْنِ. وقال ابنُ الجلّاب (٢): "وسنّ العقيقةِ سنّ الأضحية" وواهُ عن مالك. وقال ابنُ حبيب: وهذا في شاةِ النُّسُكِ، وأمّا ما يكثر به الطّعام فلا يُرَاعَى فيه جنسٌ ولا سِنٌّ. المسألةُ الثّالثة (٣): قولُه (٤): إِلَّا تُجْزِيءُ فِيهَا العَورَاءُ وَلَا العَجفَاءُ" يريدُ أنَّ حُكمَهَا حكم الضَّحايا. وقولُه (٥): "لا يُبَاعُ شَيءٌ من لَحمِهَا" لأنّه لا يبقى له من معنى المِلْك أكثر من الانتفاع بها والتّصدُّق، فأمّا أنّ يبيعَ منها شيئًا فلا، وقد ذكر ذلك ابن الجلّاب في "تفريعه" (٦). المسألةُ الرّابعة (٧): في صفة الاطعام منها. ففي " العُتبيّة" (٨): أنّه ليس الشَّأنُ عندنا دعاء النَّاسِ إليها، ولكن يأكلُ منها أهلُ البيت والجيران.

стр. 2398

قال مالك: فأمّا أنّ يُدْعى إليها الرِّجال، فإنِّي أكره الفَخْرَ، والأحسن أنّ يدعى إليها الجيران وأهل البيت والقرابات، فعلّله مالك بالفَخْرِ. وأمّا طعام الصَّنيع وهو الإعذار، فليس من سُنَّةِ الضَّحايا ولا العقيقة، فمن أراد أنّ يفعل ذلك بعد أداء سُنَّةِ العقيقة فليفعل، ومن اقتصر على العقيقة فليجرها على سنَّتها. قال مالك: ولو أنّ صاحب العقيقة أكلها لم أرَ بذلك بأسًا، وأحبّ إليّ أنّ يعمل فيها بسُنَّة الضَّحايا، لقوله تعالى: ﴿فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْبَائِسَ الْفَقِيرَ﴾ الآية (١)، وسيأتي حكم الأَطعمةِ وسنَّتها في "باب النكاح" إنَّ شاءَ اللهُ تعالى. المسألة الخامسة (٢): قوله (٣): "وَلَا يُمَسَ الصبِى بِشَيء مِنْ دَمِهَا" يعني أنّهم كانوا في الجاهليَّةِ يُخَضِّبون قُصَّتَه يوم العقيقة، فإذا حلقوا رأس الصَّبيِّ وضعوها على رأسِهِ، فأمرهم النّبيُّ ﷺ أنّ يجعلوا مكان الدَّم خَلُوقًا (٤). وقال عبدُ الوهّاب: ولا بأس بالخَلُوقِ بَدَلًا من الدَّمِ الّتي كانتِ الجاهليّةُ تفعلُه، وهو مباح (٥)، والحمد لله.

стр. 2399

كتاب الأشربة وفيه أبواب: الباب الأوّل ما جاء في الحدِّ في الخمر (١) قال القاضي ﵁: ولابُدَّ في صَدْرِهِ من مُقَدِّمَاتٍ وَتِبْيَانٍ. قال (٢) الله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَكُمْ مِنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ﴾ الآية (٣). وقال تعالى: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً﴾ الآية (٤). وقال تعالى: ﴿وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾ الآية (٥). وَاختُلِفَ في السِّكَرِ ما هو؟ فقيل: إنّه اسْمٌ من أَسْمَاءِ الخَمرِ وإنَّه يَقَعُ على كُلِّ مُسْكِرٍ من التّمر وَالعِنَبِ والخمرُ ما أسكر من العِنَب (٦). وقيل: السُّكَر هو الطُّعمُ، يقال: قد جَعَلْتُ هذا لك سَكرًا أي، طُعمًا،

стр. 2400

وهذا له سَكَرٌ، أي طُعْم (١). وقيل: السّكَرُ مَا سدَّ الجوعَ، فالآية على هذا المعنى بيِّنَةٌ غير مفتقرة إلى تَأوِيلٍ وَتَفْسِيرٍ. وأمّا الّذين ذهبوا إلى أنّ السّكَر ما أسكر من كلِّ شيءٍ، أو ممَّا عدا العِنَب، فإنّهم اختلفوا في معناها: فمنهم من ذهب إلى أنّها إخْبارٌ عمّا يصنعون ويتَّخذون من ذلك، فيقتضي الإباحة، وأنّ الله قد نسخ ذلك بما أتى من تحريم الخمر في سورة المائدة وغيرها (٢). ومنهم من ذهب إلى أنّ الآية لا تقتضي الإباحة؛ لأنّ الله لم يأمر فيها باتِّخاذ السَّكَرِ ولا أباحه، وإنّما أخبر فيها بما يتَّخذون من الخمر المُحَرَّمَةِ عليهم في سورة المائدة وغيرها. والأوّلُ أظهر. قال أبو بكر بن العربي: والسّكْرُ عبارةٌ عن حَبْسِ العقلِ عن التَّصرُّف على القانون الّذي خُلِقَ عليه في الأصل المعتاد له، ومنه سَكرُ الأنّهار: الّتي حُبِسَ ماؤُها، فكل ما حَبَسَ العقلَ عن التّصرُّفِ فهو سكرٌ، وقد يكون من الخمر، ومن النّوم، ومن الفرح، ومن الهمِّ والحزن.

стр. 2401

وقد اتفق العلّماءُ عن بَكرَةِ أبيهِم أنّ المرادَ به سكر الخمر، إِلَّا الضّحاك فإنّه قال: من النّوم (١). المقدِّمة الثّانية أجمعَ (٢) العلّماءُ على أنّ الخمرَ محرَّمةٌ في كتابِ الله تعالى، إِلَّا أنّهم اختلفوا هل هي محرَّمةٌ بالنص أو بدليل؟ والصّحيحُ أنّها محرَّمةٌ بالنص؛ لأنّ المُحرَّم هو المنهيّ عنه الّذي تَوَعَّدَ الله به عبادَهُ على استباحته، وقد نهى عنها في كتابه وأمر بِاْجتِنَابِهَا، وتوَعَّدَ (٤) اللهُ عليها عِبَادَه، وقد قال النّبيّ ﷺ : "إِن اللهَ حَرَّمَهَا" (٣). وأجمعت الأُمةُ على تحريمِهَا، فتحريمُهَا معلومٌ من دِينِ النَّبيِّ ﷺ ضرورةً. فمن قال: إنَّ الخمرَ ليست بحرامٍ فقد كَفَرَ، وهو كافرٌ بإِجماعٍ، يستتَابُ كما يُسْتتابُ المرتدُّ، فإنْ تابَ وإلَّا قُتِلَ. وشُزبُ الخمر من أعظَيم الكبائرِ، والآثارُ الواردةُ في التَّشديدِ في شُربِ الخمرِ كثيرةٌ، وقد أكثر النَّاسُ من ذِكرِهَا، *وأكثرها ليست بصحيحة، وأمثلها ما أوَردناه في "الكتاب الكبير في الوعظ والعلوم" فلينظر هنالك، فلا معنى للأطناب فيها" (٤). وقال علماؤنا (٥): والخمرُ ما أَسكر وخامرَ العقلَ، قال رسولُ اللهِ ﷺ "كُلُّ مُسْكِرٍ خَمرٌ، وَكُلُّ خَمرٍ حَرَامٌ" (٦)، وكلُّ ما أسكرَ من جميعِ الأشرِبَةِ فقليلُه حرامٌ وكثيرُه

стр. 2402

حرامٌ، وهذا هو مذهب مالك ﵀ وجمهور أصحابه وأكثر أهل العلم. وخالفهم في ذلك أهل العراق، فمنهم من ذهب إلى أنّ الخمرَ المحرَّمة العين هي الخّمْرِ من العنب - على اختلافٍ بينهم - وما سوى ذلك عندهم من الأَشربة والأنبذة المُسْكِرَةِ النَّيِّئَة والمطبوخة فإنّ السّكر منها حرامٌ (١). استدلٌ آخر: قال علماؤنا (٢): كلُّ مسكرٍ مُطربٍ من أيِّ نوعٍ من الأشربةِ محرَّمُ العينِ، نجس الذَّات؛ لأنّ الله تعالى سمَّى الخّمْرِ رجسًا (٣)، كما سَّمى النّجاسات من المَيْتَة والدَّم المسفوح ولحم الخنزير رجسًا، الآية (٤). وليس قولُنا: "إنَّ الخمرَ نجسةُ الذَّاتِ" أنَّ ذاتها نجسةٌ، إذ لو كانت ذاتُها الّتي هي جسمُها نجسةً، لمّا انتقلت بتبدُّلِ صفاتها إلى الطّهارة، وإنّما معنى قولنا: "إنّها نجسة الذّات" أنّ ذاتها نجسة بحلول الخّمْرِ (٥) فيها كما حرمت بذلك، ألَّا ترى أنّها قد كانت طاهرةً حلالًا حين كونها عَصيرًا قبل حُلول الخَمْرِ فيها، فلمَا حلّت فيها صِفَاتُ الخّمْرِ نجست بذلك وحَرُمَتْ. وعلى هذا اتّفقَ العلّماءُ على حِلِّ الأشربةِ بأجمَعِها، إِلَّا ما كان مُسْكِرًا، لَمَّا كان في شُربِهِ ضَرَرٌ.

стр. 2403

حرَّم اللهُ الخمرَ في مُحكمِ كتابِهِ وعلى لسانِ نبيِّهِ ﷺ ، روى مسلم في "صحيحه" (١) أنّ النَّبيَّ ﷺ سُئِلَ عَنِ التَّدَاوِي بالخّمرِ فَقَالَ: "إنَّهَا لَيسَت بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهَا دَاءٌ". واختُلِفَ في الخمرِ هل ينطلقُ على كلِّ شرابٍ مسكِرٍ، أو يختصُّ بعصيرِ العنبِ وحدَه؟ قال القاضي: وإنِّي لأعجب ممّن قال ذلك من الفقهاء، ومن سلف من علماء من مَضَى، مع أنّ الصّحابةَ -رضوان الله عليهم- لمَّا حرِّمت عليهم الخمرُ أراقوها وكسرُوا دِنَانَها، وبادروا إلى امتثال الأمرِ فيها، مع أنّهم لم يكن عندهم بالمدينة خمرٌ من عصيرِ العنب، وإنّما كان جميعُه نبيذَ تمرٍ. وقد رَوَى المصنّفون (٢) عن النُّعمان بنِ بشيرٍ؛ أنّ النّبيَّ ﷺ قال: "إِنَّ مِن الْعِنَبِ خَمرًا، وَمِنَ الزَّبِيبِ خَمرًا، وَإنَّ مِنَ البُرِّ خَمرًا، وَإِنَّ مِنَ الشَّعِيرِ خَمرًا، وَإِنَّ مِنَ العَسَلِ خَمرًا، والخمر مَا خَامَرَ العَقلَ". وفي "الصّحيح" أنّ عمرَ قالَهُ على المنبر، وكان يستشهد به ويُنبّه عليه وهو على المنبر (٣). وقا وقع في القرآن تحريمُها بحيث لا يَخفَى على ذي لُبٍّ حاضرٍ ولا قلبٍ سليمٍ،

стр. 2404

وذلك قولُه تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ﴾ (١). وقد لعنَ رسولُ اللهِ ﷺ في الخّمْرِ عشرةً (٢): الخمر عاصرَها، وبائعَها، ومُبْتَاعَها، وشاربَها، وساقِيَهَا، وحامِلَها، والمحمولَة إليه، وشاهِدَها (٣). وفي الصّحيحِ المشهورِ والخبَرِ المَأثورِ عن سيد البَشرِ ﷺ ؛ أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ البِتعِ. وَهُوَ نَبيذٌ يُصنَعُ مِنَ العَسَلِ. فَقَال: "كُلُّ شَرَابٍ أَسكَر فَهُوَ حَرَامٌ" (٤)، فأجاب النَّبىُّ ﷺ على الجنس لا على القَدْرِ وسمعتُ عن بعضِ العلّماءِ من أصحاب أبي حنيفة أنّه قال: لو جُعِلَ السَّيفُ على رأسي أنّ أشرب النَّبِيذَ ما شربتُه، ولو جُعِل السَّيفُ على رأسي أنّ أحرِّمَه -يعني النّبيذ- ما حرّمتُه، لأنّ أصحاب النَّبىِّ ﷺ شرِبُوهُ. وهذا القولُ لا يَصِحُّ، ما شربَهُ قطُّ أحدٌ منهم بعد ما حُرِّمَ، إنّما الّذي ثبت عن النَّبيِّ ﷺ أَنَّهُ كانَ يُنْبَذُ لَهُ فَيَشرَبَه، فَإِذَا تَغيَّرَ سَقَاهُ الخَدَمَ (٥)، يريد أنّهُ تغيّر ولم يبلغ حدَّ الإسكار.

стр. 2405

نكتةٌ (١): قال علماؤُنا: ويدخل في لعنِ النَّبيِّ ﷺ بائعَ الخمرِ، مَنْ باع عِنَبًا ممّن يعملُ منه خمرًا، ويَعلَمُ أنّه يَعصرُهُ خمرًا ما لم يكن ذِمِّيًّا، فإنْ كان ذِمِّيًّا؛ فإن العلّماءَ اختلفوا فيه لاختلافهم في مخاطبتهم بتحريم الخّمْرِ. وفي مسائل المساقاة من "المدوّنة" (٢): "ولا بأس بمُساقاةِ الذِّميِّ في الكَرم إذا أَمِنتَ أنّ يَعصرُهُ خمرًا، ولو لم تكن عنده مُحرَّمةً عليهم ما مَنَعَهُ من مُساقاته. نكتةٌ (٣): كان النّبيُّ ﷺ قد نهَى عن الانْتِباذِ في بعض الظُّروف الّتي يُسرعُ إليها الإِسكارُ، ثمّ نُسِخَ ذلك (٤) فأجازَ الانتباذَ في كلِّ إناءٍ: "ولا تَشرَبُوا مُسْكِرًا" (٥)، وهذا نصٌّ على أبي حنيفة، وما تعلَّق به علماؤُنا من الحديثِ أَنَّ مَا أَسكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ" (٦) ليس بصحيحٍ، فليُترَك وَليُعَوَّل على ما سبق من الدَّلائلِ، والحمد لله.

стр. 2406

الباب الأوّل في الحدِّ في الخّمْرِ وقد سبق أوّل الكتاب: الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قول عمر ﵁ (٢): "إنِّي وَجَدتُ مِنْ فُلَانٍ رِيحَ شَرَابٍ" يقال: إنَّ الّذي وجد منه ريح الشّراب هو ابنه، روى معمر عن الزّهريّ هذا الحديث فقال: إِنِّي وَجَدتُ مِنْ عُبَيْدِ الله رِيحَ شَرَابٍ" (٣) والأصحّ أنّه ابنه عبد الرّحمن الأوسط "وكان له ثلاثة بنين ذكور (٤). المسألةُ الثّانيةُ (٥): قوله:: "رِيحَ شرابٍ" اسمُ الشَّرابِ ينطلقُ على كلِّ مشروبٍ مُسكِرٍ وغيره، وإنّما وجد عمرُ منه ريحَ شراب ولم يتميّز له هل هو ريح مسكرٍ أو غيره، ولو تبيَّن له لما احتاجَ أنّ يسأل (٦).

стр. 2407

وقد اختلفَ الفقهاءُ في وجوبِ الحدِّ بالرَّائحةِ: فذهبَ مالكٌ وأصحابُهُ إلى أنَّ الحدَّ يجب على من وُجِدَ منه ريحُ المُسْكِر. ومنَعَ من ذلك أبو حنيفة (١) والشّافعيّ (٢) وقالا: لا حدَّ عليه. ودليلُنا: ما روِيَ عن السَّائب بنِ يزيدَ؛ أَنَّه حضرَ رَجُلًا يُجْلَدُ وُجِدَ منه ريحُ الخمرِ، فجُلِدَ الحّد ثمانينَ (٣)، ولم ينقل خلاف عليه، ولا ذَكَرَهُ أحدٌ، فثبتَ أنّه إجماعٌ. ومن جهة المعنى: أنّ هذا معنًى تُعلَمُ به صفاتُ ما شَرِبَهُ، فوجبَ أنّ يكون طريقًا إلى إثباتِ الحدِّ، أصلُه: الرُّؤْيةُ لما شربه، بل الرّائحةُ أقوى في معرفةِ حالِ المشروبِ؛ لأنّ الرُّؤيةَ لا يعلم بها أَمُسكِرٌ هو أم لا، وإنّما يُعلمُ ذلك بالرّائحةِ. فهذا ثبت ذلك ففي هذا ثلاثة فصولٍ: الفصلُ الأوَّلُ: في بيان من يجب استكاهُهُ ممّن لا يجب. الفصلُ الثّاني: فيمن يثبت بشهادته ذلك. الفصلُ الثالثُ: فيما يجب إذا تيقَّنَت رائحة المسكر أو أُشكِلَت. فأمّا الفصل الأوّل (٤) فيمن يجب استنكاهه فإن ذلك بأن يَرَى الحاكمُ فيه تخليطًا في قولٍ أو مشيٍ، ففي "الموازية" من

стр. 2408

رواية أَصْبَغ عن ابنِ القاسم: أنّه إذا رأَى ذلك منه أَمَرَ باستنكاهه؛ لأنّه قد بلغ إلى الحاكم فلا يَسَعُهُ إِلَّا تحقيقُة، فإذا ثبتَ الحدُّ أقامَهُ (١). فرعٌ: وكذلك لو شمَّ منه رائحة يُنكِرُها، أو أخبرَهُ بحضرته مَنْ ينكرِها منه، فعندي أنّه قد تعيَّنَ عليه استنكاهُهُ؛ لأنّ هذه صفة يُسْتَرَابُ بها، ويقوى بها الظَّنّ في وجوب الحدِّ عليه، فوجب بذلك اختبارُه، كالتّخليط في القول والمشي. فرع: فإن لم يظهر منه شيءٌ من ذلك لم يستنكهه، رواه أَصْبَغُ عن ابن القاسم في "العُتبيّة" (٢) "والموازية"، قال: ولا يتجّسس عليه. ووجه ذلك: أنّه لم يرَ منه شيئًا يُنكره، ولا خروجًا عن الحالِ المعهودةِ، فلا يجوز التَّجسُّس على النَّاس ولا التَّعرض لهم من غير ريبةٍ. الفصل الثّاني (٣) فيمن يثبت ذلك بشهادته فإنّه يُحتاج إلى معرفة صفتهم وعَدَدِهم، فأمّا صفتهم، فقال ابن القصّار في "كتابه" (٤): "صفةُ الشّاهِدَين على الرّائحةِ، أنّ يكونَا عَدلَين، وأن يكونا ممّن خبر شربها في وقتٍ، إمّا على كفرهِمَا أو في إسلامهما، فجُلِدَا ثُمَّ تابَا، حتّى يكونا ممّن يعرفها برائحتها".

стр. 2409

وهذا فيه نظرٌ؛ لأنّ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ مَعدُومٌ (١)، ولو لم تثبت الشّهادةُ إِلَّا بمن هذه صفته، لبطلتِ الشّهادةُ بها في الأغلب. وأيضًا: فإنّه قد يكون من لم يشربها قطُّ يعرف رائحتها، بان يُخبره بها المرّة بعد المرّة من قد شربها أنّها هي الرّائحة المعلومة بريح الخّمْرِ، حتّى يعرف ذلك كما يعرفها الّذي قد شربها مرارًا. فرع: فأمّا العدد، فلا يخلو أنّ يكون الحاكم أمَرَ الشُّهود بذلك، أو فعلوه ابتداءً، فإن كان الحاكمُ أَمَرَهُم بذلك، فقد رَوَى ابنُ حبيب عن أَصْبَغ أنّه يُستحبُّ أنّ يأمرَ شاهِدَيْنِ، وان لم يكن إِلَّا شاهدٌ واحدٌ وجبَ به الحدّ. وأمّا إنَّ فعلوا ذلك من قِبَلِ أَنفُسِهِم، فلا يجزئ بأقلّ من اثنين كالشّهادة على الشّراب، وقد رَوَى ابن وهب عن مالك أنّه إنَّ لم يكن مع الحاكم إِلَّا واحدٌ فليرفعه إلى من فوقه، وما رواه ابنُ حبيب عن أَصْبَغ فَيُبْنَي عندي على أنّ الحاكم يحكُم بعلمه، فلذلك جاز عنده علم من استعمله، وإلّا فقد وجب إِلَّا يجزئ ذلك حتّى يشهدَ عنده فيه شاهدان. الفصل الثّالث (٢) فيما يجب بشهادة الاستتكاه فلا يخلو أنّ يكون الشُّهود متيقِّنينَ (٣) أو شاكِّين، فإن كانوا متيقّنين لها، فلا يخلو أنّ يتّفقوا على أنّها رائحة مسكرٍ، أو على أنّها رائحة غير مسكر، أو يختلفوا، فإن اتّفقوا على أنّها رائحةُ مُسْكِرٍ، فلا نعلم في المَذهَب خلافًا في وجوبِ الحدِّ بذلك، وان اتّفقوا

стр. 2410

على أنّها رائحة غير مُسكِرٍ فلا حدّ عليه. وان اختلفوا (١)، فقد قال ابن حبيبٍ: إذا اجتمع منهم اثنان على أنّها رائحة مُسكِرٍ حُدّ. ووجه ذلك: أنّ الشّهادةَ قد كَمُلَت باجتماعِ اثنَيْنِ على أنّها رائحة مُسكِرٍ، فلا يؤثر في ذلك نفي مَنْ نَفَى، كما لو شَهِدَ اثنان فقالوا: رأيناه يشرب خمرًا، وقال آخر ان: لم يشرب خمرًا. فرع: فإن شَكَّ الشّهودُ في الرائحةِ هل هي رائحةُ مُسكِرٍ أو غيره؟ نُظِرَ (٢)، فإن كان من أهل التَّصَاوُنِ خُلَّيَ سبيلُه، وإن كان من أهل السَّفَهِ نُكِّلَ، حكاه ابنُ القاسم عن مالك في "العُتبِيّة" (٣) و "الموازية". مسألة (٤): قولُه (٥): فإن كان يُسكِرُ جَلَدتُهُ" ظاهِر في أنّ ما يُسْكِر عندهم يجب به الحدّ وإن لم يبلغ الشّارب حدّ السُّكر، ولو بلَغَهُ لم يحتج أنّ يسأل عن الشّراب؛ لأنّه إنّما ذَكَرَ الجنسَ ولم يذكر المقدار، ولو اعتبر في ذلك بالمقدار لقال: إنّه شرب يسيرًا. وقولُه (٦):" فَجَلَدَهُ عُمَرُ الحَدَّ تَامًّا" يريدُ أنّه جَلَدَهُ حدَّ الخمرِ ولم يعزِّره، على ما

стр. 2411

قاله بعض العلّماءِ: إنّه يعزَّر وينكَّل إذا أُشكِلَ أَمرُهُ وتعلّقَتِ الظِّنَّةُ به. مسألة (١): وقوله (٢): إِنَّ عُمَرَ استَشَارَ في الخَمرِ وَجَوَابُ عَلِيٍّ، يدلّ على أنّه استشارَ في قَدرِ الحدِّ، وإنّما كان ذلك لأنّ الأصحّ أنّه لم يتقدَّم في زمَنِ النّبيّ ﷺ قَدرٌ لا يُزاد عليهِ ولا ينقص منه، وإنّما كان يضربُ مقدارًا قَدَّرَتهُ الصّحابة، واختلفوا في تقديره. يدلُّ على ذلك: ما رُوِيَ عن عليَّ أنّه قال: "مَا من رَجُلٍ أَقَمتُ عَلَيهِ الحَدَّ فَمَاتَ، فَأَجِدُ في نّفْسِي منه شَيئًا إِلَّا شَارِب الخّمْرِ فَإِنَّهُ إنَّ مَاتَ فيه وَدَيتُه؛ لأنّ رسولَ الله ﷺ مَاتَ وَلَمْ يَسُنَّهُ" (٣)، ومعناه: لم يحدّه بحدٍّ يمنعُ الزِّيادةَ فيه والنّقص منه. وقد (٤) كان ﷺ يَجْلِدُ في الخّمْرِ بِالنِّعَالِ، وَالجَرِيدِ (٥)، وَالثِّيَابِ، مِن غَيرِ تَقدِيرٍ وَلا تحدِيدٍ، إِلَّا أنّ الصّحابةَ قدَّرُوها بالأربعينَ، واستمرّتِ الحالُ على ذلك خلافةَ أبي بكرٍ، فلمّا تَتَايَعَ النَّاس في زمنِ عمرَ استشارَ في حدِّ الخمرِ، فقالَ له عليّ: "إِذَا سَكِرَ هذَى. وإِذَا هَذَى افتَرَى فَاجلِدْهُ حَدَّ الفِريَةِ أَوِ المُفتَرِي" (٦)، فكان هذا اتِّفاقًا من الصَّحابة على إثباتِ الأحكامِ بالقياس. ثمَّ جلدَ علىٌّ الوليدَ بنَ عقبةَ في زمنِ عثمانَ أربعينَ (٧)، ثمَّ استقرَّتِ الحالُ عندَ استواءِ الأمر لمعاويةَ على ثمانينَ، وقال بذلك مالك وأبو حنيفة (٨).

стр. 2412

وقال الشّافعيّ (١): الحُكمُ في ذلك ما قُدَّرَ في زمانِ النّبيِّ ﷺ ، وما حَكَمَ به أبو بكرٍ، وهو مَحجُوجٌ بإجماعِ الصَّحابةِ في زمَنِ معاوية، لاسيَّما بانهماك النَّاسِ اليومَ فيها، فلو أمكنتِ الزِّيادةُ على ثمانينَ لكانوا أهلَها. وقد (٢) رَوَى ابنُ الموّاز: أنّ عُمَر جَلَدَ قُدَامَةَ في الخّمْرِ ثَمَانِينَ وَزَادَهُ ثَلَاثِينَ، وقال له: "هذه الزِّيادة لتأويلِكَ كتاب الله على غيرِ تاويلِهِ"، ويقتضي هذا أنّ عمر ضَرَبَهُ ذلك حَدًّا لا تعزيرًا. وفي ذلك خمس مسائل: الأولى: صفة الشّهادة الّتي ثبت بها الحدّ. والثّانية: في صفة الضّرب وصفة ما يُضرب به. والثّالثة: فيما يُضَافُ إلى الحدِّ. والرّابعة: في تكرار الحدِّ. والخامسة: فيما يُسقِطُ الحدَّ. المسألة الأولى: في صفة الشّهادة (٣) بأن يشهد اثنانِ أنّه شرِبَ مُسكرًا، إمّا بمعاينته، وإمّا بإقراره، أو بِشمِّ رائحةٍ منه، ولو شهِدَ أنّه قاءَ خمرًا لوجب الحدُّ؛ لأنّه لا يقيئها حتّى يشربها، فقد رُوِيَ نحو هذا عن عمر ﵁ (٤) -. فرع (٥): فإن شَهِدَ واحدٌ أنّه شَرِبَ خمرًا، وشَهِد آخر أنَّه شرب مُسْكِرًا، جُلِدَ الحدَّ، رواه أَصْبَغُ عن ابنِ القاسم في "العُتبِيَّة" (٦).

стр. 2413

ووجهه: أنّهما قد شَهِدَا أَنَّه مسكر؛ لأنّ اسمَ الخمرِ لا يقعُ إِلَّا على مسكرٍ، وعندنا أنَّ كلَّ مُسْكِرٍ (١) خمرٌ، فقدِ اتّفقا في المعنى، فلا اعتبارَ بالألفاظِ. المسألةُ الثّانيةُ: في صفةِ الضَّربِ وما يُضربُ به (٢) فقد روى محمّد: أنّه لا يتولَّى الضّربَ قوِيٌّ (٣) ولا ضعيفٌ، ولكن وسطٌ. ورُوِيَ عن مالك: أنّه يُضربُ ضربًا بين ضربينِ (٤). وروى محمّد عنه: أنّه يُضرب على الظهر والكَتِفَينِ دون سائرِ الأعضاء، ويكون قاعدًا لا يُربط ولا يمدّ. وقال مالك في "العتبيّة" (٥): ويجرَّد الرَّجلُ للضَّرب، ويُترك على المرأةِ ما يسترها ولا يَقِيهَا الضَّرب (٦). فرع (٧): ويُضربُ بسوطٍ بين سوطينِ، ولا يقام حدّ الخّمْرِ إِلَّا بالسَّوطِ.

стр. 2414

قال أبو زيد عن ابني القاسم (١): فإن ضرب على الظّهر بالدِّرَّةِ أَجْزَأَهُ، وما هو بالبَيِّن. المسألة الثّالثة: فيما يضافُ إلى الحدِّ (٢) هل يضافُ إليه حَلق الرّأسِ أم لا؟ فروى أشهب عن مالك في "العُتبِيَّةِ" (٣): لا يحلق رجل ولا امرأة في الخّمْرِ ولا القذف (٤). ووجهه: أنّ الحَلقَ تمثيلٌ وزيادةٌ في الحدِّ من غير جنسه، فلم يلزم حلق لحيته ولا رأسه ولا غير ذلك من وجوه التَّمثيلِ به؛ لأنّ النَّبىَّ ﷺ والصّحابة جلدوا ولم يُروَ عن أحد منهم أنّه فعل ذلك. فرع (٥): وهل يطافُ به جميعَ المِصر؟ فقال ابنُ حبيب: لا يطافُ به ولا يُسجَن إِلَّا المُدمِن المشهور بالفسقِ، فإنّه لا بأس أنّ يُطافَ به ويُفضَح، ومثلُه رَوَى أشهب عن مالك في"العُتْبيَّة" (٦). ووجه ذلك: أنّ فيه رَدعًا وإذلالًا وإعلامًا بحالِهِ، فلا يغترّ به أحدٌ منَ أهلِ الفضلِ في نكاحٍ ولا غيرِهِ. فرع (٧): وأمّا السّجنُ، فقد قال ابنُ حبيب: واستحبَّ مالكٌ للمُدمِنِ المشهورِ بالفسقِ أنّ يلزمَ السِّجن. وقال ابنُ الماجشون في "العُتْبيَّة" (٨): من أُقِيمَ عليه الحدّ في الخّمْرِ أو غيره من الحدود، فليُخّلَّ سبيلُه ولا يُسجَن.

стр. 2415

ووجه قول مالك: أنّ في إلزامِهِ السِّجنَ منعًا له ممّا لم ينته عنه بالحدِّ. ووجهُ قولِ ابن الماجشون: أنَّ الحدَّ يأتي على جميعِ ذلك وعلى ما يجب عليه (١). المسألةُ الرّابعةُ: في تكرار الحدِّ (٢) فهذا تكرَّرَ منه شرب الخمرِ لَزِمَهُ حدٌّ واحدٌ، فإن شربه بعد ذلك لَزمَهُ حدَّانِ، قاله مالك وأصحابُه، ولا نعلمُ بينهم في ذلك خلافًا (٣)، وذلك أنّ هذا الحكمَ من حقوق الله، فمتَى فعلَهُ أُقيمَ عليه الحدُّ، وأُخذ منه حقّ الله لمخالفته الأوامر وارتكابه المنهيّ (٣) عنه. المسألةُ الخامسةُ: فيما يُسقِطُ الحدَّ عن شاربِ الخمرِ (٤) فإنَّ الأعجمىَّ الّذي دخلَ في الإِسلامِ، ولا يعلمُ بتحريمِ الخمرِ، لا عُذرَ له، رواه محمّد (٥) عن مالك وأصحابه، إِلَّا ابن وهب فإنّ أبا زَيدٍ رَوَى عنه أنّه إذا كان البدويّ الّذي لم يقرأ الكتابَ ولم يعلمه فإنّه يُعذر. قال محمّد: واحتجَّ مالكٌ لذلك: بأنّ الإِسلامَ قد فَشَا، ولا أَحَدَ يجهلُ شيئًا من الحدودِ. فرع (٦): ومن تأوّلَ في المُسْكِرِ من غير الخمرِ أنّه حلالٌ، فلا عُذرَ له ويُحَدُّ، رواه محمّد

стр. 2416

عن مالك وأصحابه، ولعلّ هذا ليس من أهل الاجتهاد (١). وأمّا من كان من أهل الاجتهاد (٢)، فالصّواب أَلَّا حدَّ عليه إِلَّا أنّ يسكر منه. ومن شرب الخّمْرِ ثمّ تاب، لم تسقط عنه الحدود، ورُويَ عن الشّافعيّ أنّ توبته تسقط عنه الحدّ. مسألة (٢): وقوله (٣): "وأَنَّ عُمَرَ وَعُثمَانَ، وعبدُ اللهِ بنَ عُمَرَ قَد جَلَدُوا عَبيدَهُم نِصفَ حَدِّ الحُرِّ في الخَمرِ" وعمر أمير المؤمنين، وكذلك عثمان؛ ويحتمل أنّ يكوَنا أقاما الحدّ على عبيدهِمَا في إمارتهما، فيكون لهما ذلك بحقِّ الإمامة. وأمّا ابنُ عمر فلم يُقِم الحدَّ على عبيدِهِ إلَّا بحقِّ ملكه، وفي هذا مسألتان (٤): المسألةُ الأولى: في صفَةِ من يُقامُ عليه الحدّ الثانيةُ: في صفةِ من يقيمُ الحدَّ ١ - أمّا من يقيمُ الحدّ، فإنّه يقيمُهُ على الأحرارِ السُّلطانُ، قال محمّد بن عبد الحكم: وأَحَبُّ إليَّ أنّ تُقامَ الحدودُ عند القاضي لِئَلّا يُتَعدَّى فيها، وهذا في الحُرّ، وأمّا العبدُ، فلا بأسَ أنّ يقيمَ عليه سيِّدُهُ الحدَّ إذا كان جَلدًا، قاله مالك وأصحابه، وكذلك في حدِّ الخّمْرِ والزِّنا وغيره.

стр. 2417

٢ - وأمّا صفةُ المحدودِ، فقد تقدّم أنّه إنَّ كان حُرًّا فحدُّه ثمانون، وإن كان عبدًا فحدُّه أربعون؛ لأنّ هذا حدّ يجلد فيه الحرّ ثمانين، فوجب أنّ يجلد فيه العبد أربعينَ كحدِّ القذفِ. فرع (١): فإن كان سكرانًا في غاية السكر، فقد قال بنُ القاسم: لا يضرب وهو سكران، وإن خَشِيَ، أنّ تأتي فيه شفاعة تبطل فيه حقّ الله، فليضربه في حال سكره. ووجه ذلك: أنّ الحدّ للزّجر والرّدع، والسّكران لا يذكر ما يجري عليه (٢). وأمّا إنَّ كان صحيحًا، عُجلَ حدّه، وإن كان مريضًا أُخرَ حتَّى يطيق. وكذلك المرأة تدَّعى أنّها حاملٌ، قال مالك: لا يعجّل عليها الحدّ حتّى يتبيّن أمرُها، فإن تبيَّنَ أنّ لها حملٌ أُقيم عليها الحدّ، وإن تبيَّنَ حملُها أُخِّرَت حتَّى تضع، واستُؤجِرَ لولدِها من يرضِعُه إنَّ كان لَهُ مالٌ، وأقيمت عليها الحدود (٣). ووجه ذلك: أنّ هذه معانٍ يُرْجَى زَوَالُها، وأمّا الهَرِمُ والضّعيفُ عن حمل الحدِّ، فقد قال مالك: يُجلدون ولا يؤخِّرون، إذ ليس لوقت إِفَاقَتِهِم حدٌّ يؤخِّرون إليه.

стр. 2418

باب ما يُنهَى أنّ يُنْبَذَ فيه مالكٌ (١)، عن نَافِع، عن عبدٍ اللهِ بن عُمَرَ؛ أنّ رسُولَ اللهِ ﷺ خَطبَ النَّاسَ في بعضِ مَغَازِيهِ. قال عَبْدُ الله بْنُ عُمَرَ: فَأقبَلتُ نَحوَهُ، فَانْصَرَف قبْل أنّ أبْلُغَهُ، فَسَأَلْت مَاذَا قالَ؟ فقِيلَ لِي: "نَهى أنّ يُنْبَذَ في الدباءِ وَالمُزَفت، فهذا حديث أول. فقوله (٢): "نَهَى أنّ يُنْبَذ في الدُّبَّاءِ وَالمُزَفِّتِ" ولم يذكر (٣) مَنْ أَخبرَهُ لَمَّا علِمَ أنّ مثلَهُ لا يَأخذ إِلَّا عمّن يثق به، مع أنّه لا خلافَ في عدالةِ جميع الصّحابة، ولا خلافَ في جواز الاخذ بمراسيلها (٤)، وكذلك يجب أنّ يكون كمن عُلِمَ حَالُه من الأَيِمَّة أنّه لا يرسل إِلَّا عمّن يحتجّ بحديثه. *وإذا أخذ الصَّاحبُ عن الصَّاحبِ، فهو عند أهل الحديث مُسْنَدٌ، وإن ظهرَ فيه الإرسالُ في اللَّفظِ لا في المعنى، وان عدا ذلك إلى سائرِ الأيِمَّة الّذين يعلم منهم أنّهم لا يُرسِلُون إِلَّا في الثّقاتِ، كان ذلك صحيحًا، وارتفع خلاف الشّافعيّ في ترك قَبُولِ المُرسَلِ؛ لأنَّه قد استثنى منها مراسِيلَ سعيد ابن المسيَّب (٥). والحديثُ الثّاني الَّذي أدخلَهُ في البابِ بعدَهُ: مالك (٦)، عنِ العَلَاءِ بنِ عَبدِ الرّحمَنِ

стр. 2419

ابن يَعقُوب، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَة؛ أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ "نَهى أَنّ يُنْبَذَ في الدُّبَّاءِ وَالمُزَفَّتِ" وهو مُسنَدٌ صحيح. العربيّةُ: "الدُّبَّاءِ" هو القَرعُ (١). و"المُزَفَّتِ" ما طلِيَ بالزِّفت (٢) *. و"النَّبِيذُ"هو المنبوذ، فعيلٌ بمعنى مفعول، من نبذت إذا طرحت وهو ما طرح فيه. و"النقير" ما طُلِيَ بالقار وهو الزّفت. و"الأُدُمُ" جمع أَدِيم، وهو الجلدُ إذا دُبغ و"الحَنْتَمُ" كلُّ فخَّارٍ طُلِيَ بالزُّجاجِ (٣). الفقه في أربع مسائل: المسألة الأولى (٤): قال علماؤنا (٥): إنّما نهى عنه لئَلّا يعجل تغيير ما يُنْبَذ فيها (٦)، قال (٧): فأخذ

стр. 2420

مالكٌ بكراهة نبيذِ الدُّبَّاء والمُزَفَّت. وقال ابنُ حبيب: التّحليلُ أَحَبُّ إلينا وبِهِ أقولُ. ووجهُ رواية التَّحريمِ: يريد بذلك منع الفعل وهو الانْتِبَاذ، لنهيه ﷺ والنّهيُ يقتضي التّحريم. ومن جهة المعنى: أنّ هذا معنى يعجِّل شِدَّة المنتبذ، فوجب أنّ يكون ممنوعًا كالخليطَيْن. ووجه ما ذهب إليه ابن حبيب: ما زعم أنّه منْسُوخ، وتعلّق (١) بما رُوِيَ عن بُرَيْدَة الأسلميّ، أنّ النّبىُّ ﷺ قال: "كُنْتُ نَهَيتُكُم عن النَّبيذِ إِلَّا في السِّقَاءِ فَاشَربُوا وَاتَّقُوا كُلِّ مُسكِرٍ" (٢). ومن جهة المعنى: أنّ هذا شرابٌ ليست فيه شِدَّةٌ: مطربةٌ، فوجبَ أنّ يكونَ مباح الانتباذ، أصل ذلك إفراده وانتباذه في السِّقاء. المسألة الثّانية (٣): وهذا إذا كان المزفَّت إناء، وأمّا "الزِّقَاقُ" (٤)، فقد رَوَى أشهب عن مالك (٥) إباحة الانبتاذ في الزِّقَاقِ المزفّتة. والأظهر: أنّ يمنع المزفَّت من ذلك كلّه زِقَاقًا وغيرها؛ لأنّ النّهي وَرَدَ عَامًّا.
следующие страницы →