← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2486–2525 · переход к 2491.

стр. 2486

به القَدَرُ، فلا يَذْهَلْ عمّا رُوِيّ في الصّحيح عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا وَحُسْنِهَا وَحَسَبِهَا وَدِينِهَا، فَعَلَيكَ بِذَاتِ الدِّينِ تَرِبَت يدَاكَ" رواهُ البخاريّ (١) وغيرُه (٢)، ويَشهَدُ لِصحَّتِه قولُه تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٣). فالمرادُ بالخطابِ بقوله: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ قيل: هم الأزواج. وقيل: هم الأولياء من قريب أو نسيب. والصّحيحُ: أنّهم الأولياء؛ لأنّه قال: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ بالهمز، ولو أرادَ الأزواج لقال ذلك بغير همزٍ، وكانت الألف للوَصْل، وإن كان بالهَمْزِ في الأزواج له وَجْهٌ، فالظّاهر أولى، ولا يُعْدَلُ إلى غيره إِلَّا بدليلٍ. وقال: ﴿وَأَنْكِحُوا﴾ لفظُه بصيغة الأمير، وقولُه: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ﴾ (٤). قيل: تقديرُها وأنْكِحُوا الأيامَى منكم والصَالحين من عبادكم وأَنْكِحُوا إماءَكُم، وتقديرها: وأنْكِحُوا الأيَامَى منكم والصَّالحين من عبادكم بعضكم من بعض. وفيه وجهٌ ثانٍ -وهو الأظهر- أنّه أمرَ بإنكاح العبيد كما أمر بإنكاح الأيامى، وذلك بيد السَّادة في العبيد والإماء، كما هو في الأحرار بِيَدِ الأولياء، إِلَّا من مَلَكَ نفسَهُ وظهر أمرُه وبَدَا رُشدُه. ولعلّمائنا النُّكْتَةُ العظمى: أنّ مالكيَّةَ العبدِ استغرقَتها مالكية السَّيِّد؛ ولذلك لا يتزوّجُ إِلَّا بإذنِهِ إجماعًا، والنِّكاحُ وبَابُهُ إنّما هو من بابِ المَصَالِح، ومصلحةُ العبدِ موكولةٌ إلى

стр. 2487

سَيِّده، وهو يراها وُيقِيمُها للعبد (١). وقولُه: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ الآية (٢). ١ - قيل: يغنيهم الله من فضله بالنّكاح، كقوله: ﴿وَإِنْ يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلًّا مِنْ سَعَتِهِ﴾ (٣) يعني: بالنّكاح من غيره. ٢ - الثّاني: يُغنيهم* بالمال، وهو اختيارُ جماعةٍ من السَّلَفِ؛ فَرُوِيَ عن ابن عمر أنّه قال: عَجِبْتُ لمن لا يَرْغَبُ في الباءَةِ، واللهُ يقول: ﴿إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ* اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (٤)، قال الرَّسولُ ﷺ : "ثَلاثَةٌ كُلُّهُم حقٌّ عَلَى الله عَوْنُهُم: المُجَاهِدُ في سَبِيلِ الله، والنَّاكِحُ يُريدُ العَفَافَ، والمُكَاتَبُ يُريدُ الأَدَاءَ" (٥). اعتراضٌ (٦): فإن قيل: قد نجدُ النَّاكحَ لا يَسْتَغْنِي. قيل: يُغنِيهِ بإيْتَاءِ المال، وقد يوجدُ ذلك. وقيل: يُغنِيهِ عن الباءَةِ بالعِفَّةِ. وقيل: يُغْنِيهِ بغِنَى النَّفْس، ولا يَلْزَم أنّ يكونَ هذا على الدَّوامِ؛ بل لو كان في لحْظَةٍ واحدةٍ لصدَقَ الوعدُ.

стр. 2488

وقال علماؤنا: في هذه الآية دليل على تزويجِ الفقير، ولا يقولنَّ: كيف أتزوّجُ وليس لي مالٌ؟ فإنَّ رِزْقَهُ ورزقَ عِيَالِه على الله، وقد زوَّجَ النّبيُّ ﷺ الّتي وهبت نَفسَها لَهُ من بعضِ أصحابِه وليس له إِلَّا إزارٌ، وليس لها بعد ذلك فسخ النِّكاحِ بالإعْسَارِ عليه؛ لأنّها عليه دخَلَت، وإنّما يكون ذلك على الحُكم إذا دخَلَت على اليَسَارِ فخرج مُعْسِرًا، أو ظهر الإعسارُ بعدَ ذلك. وأمّا قوله: ﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (١). هذا خطابٌ لبعضِ مَنْ تناوَلَتهُ الآية الأولى ممّن يملك نفسَهُ فيستعفُّ ويَتَوَقَّفُ، أو يُقدِمُ على النِّكاح ولا يتخلَّفُ. وأمّا مَنْ زِمَامُه بيَدِ غيرِهِ، فليس له في هذه الآية مَدْخَلٌ، كالمحجور قولَاً واحدًا، والأَمَة والعبد على أَحَدَ قولي العلماء. قال (٢): ولمّا لم يجعلِ اللهُ بين العِفَّةِ والنِّكاح درجةً، دَلَّ على أنَّ ما عَدَاهما محرَّمٌ، ولا يدخلُ فيه مِلْكُ اليمينِ، لقوله تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ﴾ (٣). أمّا قوله: ﴿حَتَّى يُغْنِيَهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِه﴾ (٤). قيل: بالقُدْرةِ على النِّكاحِ. وقيل: بالرَّغبة عنه. وقال بعضُ أشياخنا: يستعفُّ بالصّوم للحديث؛ لقوله: "فَعَلَيهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ" (٥). وفي حديث آخر: "فَعَلَيهِ بِالصَّوم فَإِنهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ وأَحْصَنُ لِلْفَرْج" (٦).

стр. 2489

المقدِّمة الثّالثة في شروط النكاح وهي خمسٌ (١): ١ - الوَلِيُّ. ٢ - والصَّدَاقُ، ويكون من الّذي يُمْلَك وتجوزُ المعاملة به، وأقلُّه رُبع دينار، وقال بعضُ علمائِنا: أو ثلاثةُ دراهم. ٣ - والإعلانُ به، فالسِّرُّ كإخفائه. ٤ - وإجتماعُ الإيجابِ والقَبولِ. ٥ - وخُلُوُّ العقدِ من شيءٍ يُفْسِدُه. أمّا "الوليّ" فله خمسة أوصافٍ (٢): ١ - الإسلام. ٢ - والحرية. ٣ - والبلوغ. ٤ - والعقل. ٥ - والذكوريّة. وأن يكونَ الوليُّ من العصبة أو السُّلطان، وهو القاضي، ويجوز الرَّضِيُّ من المسلمين، على ما يأتي بيانُه مسألةً مسألةً إنَّ شاءَ الله. (٣) فالنكاحُ -الّذي هو الغِشيَانُ- هو الّذي جَبَلَ اللهُ عليه الخَلْقَ، لِمَّا رَكَّبَ فيهم

стр. 2490

منَ الشَّهواتِ ليكون به النَّسْل، حتَّى يكمل به ما قَدَّرَهُ اللهُ من الخَلْقِ. والإباحةُ في الشّرع على وجهين: أحدهما: عَقْدُ النِّكاحِ. والثّاني: مِلْكُ اليمينِ. فلا يَحِلُّ استباحة الفَرْجِ بما عَدَا هذين الوجهين، قال اللهُ : ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ الآية (١). وقولُه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٢) فإنّه (٣) خطابٌ للرِّجالِ خاصّةً، بدليل قولِهِ: ﴿إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ﴾ الآية (٤)، ولا إباحةَ بين النِّساءِ وبين مِلْكِ اليمينِ في الفَرْجِ، وإنّما عُرِفَ حِفْظ المرأة فَرْجها من أدِلَّة، كآيات الإِحصان عمومًا وخصوصًا، وغير ذلك من الأدلَّة. نكتةٌ (٥): قال علماؤُنا: فَخرج من هذه الآية تحريم جميع الإنزال بالإِيلاجِ وغيرِه، وتحريم الاستمناء. قال محمّدُ بنُ عبدِ الحَكَم: سمعتُ حرملة بن عبد العزيز، قال: سألتُ مالكًا عن الرَّجُل يَجْلِدُ عُمَيرَةَ، فَتَلَا هذه الآية: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ﴾ (٦) إلى قوله: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٧)، وهذا لأنّهم كانوا يَكنُونَ عن الذَّكَر بِعُمَيرَةَ، ويُسَمِّيهِ أهل العراق الاسْتِمْنَاء، وهو استفعال من المَنِيِّ، وفيه قول الشّاعر (٨):

стр. 2491

إِذَا حَلَلْتَ بِدَارٍ لا أَنِيسَ بِهَا ... فَاجْلِدْ عُمَيرَةَ لَا دَاءٌ وَلَا حَرَجُ وقال أحمدُ بن حنبل -عَلى وَرَعِهِ- بتجويزهِ، ويحتجُّ بإنّه إخراجُ فَضلَةٍ من البَدَنِ؛ فجازَ عند الحاجةِ، أصلُه الفِصَادَةُ والحِجَامَةُ (١). وعامّةُ الفقهاءِ على تحريمه، وهو الحقُّ الّذي لا ينبغي أنّ يُدانَ اللهُ إِلَّا بِهِ. وقد سُئِلَ ابنُ عبّاس فقال: أفٌ ثمّ تف هو أخفّ من الزِّنَا، ونكاحُ الأَمَةِ أخفّ منه (٢). وقال بعضُ العلّماءِ: إنّه كالفاعل بنفسه (٣)، وهي معصيةٌ أحدَثَها الشّيطانُ وأَجْرَاها بين النَّاسِ حتّى صارت قِيلَة، ويا ليتها لم تُقَلْ، ولو قام دليلٌ على جوازِهَا لكان ذُو المُرُوءَةِ يَعْدِلُ عنها لدَنَاءَتها. فإن قيل: إنّه خيرٌ من نكاح الأَمَةِ. قلنا: نكاحُ الأَمَةِ وإن كانت كافرة -على مذهب بعض العلماء- خيرٌ من هذا، وإن كان قد قال به قائل أيضًا (٤)، ولكنَّ الاستمناءَ ضعيفٌ في الدَّليل، عَارٌ بالرَّجُلِ الدَّنيء، فكيف بالرَّجُل الكبير! (٥). وأمّا قولُه: ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْعَادُونَ﴾ (٦) فَسمّى مَنْ نكحَ ما لا يحلُّ له عاديًا، وأوجب عليه الإثمَ والحدَّ، واللائط عادٍ قرآنًا ولُغَةً، بدليل قوله: ﴿بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ﴾ (٧).

стр. 2492

الباب الأوّل ما جاء في خطبة النِّساء التّرجمة والعربيّة: قال علماؤنا: الخِطْبَةُ: استدعاءُ النِّكاح، وهي مشروعةٌ. وقيل: مستحبّة، وهي من الفعل القديم (١). يقال: الخِطْبَةُ -بكسرِ الخَاءِ- في النِّكاح، وبضَمِّها: الكلامُ المنظومُ. وقيل: هي بمعنىً واحد، وهذا ضعيفٌ، وهذه الألفاظ المتّفقة، منها ما يَجتَمِعُ ومنها ما لا يَجْتَمِع، مثل: العين، والميم، والرّاء فتَجْتَمِع حيث كان. ومثل العين، واللّام، والميم تجْتَمِعُ أيضًا، ومثل الميم، والشّين، والتّاء، والرّاء مثل: المشتري الّذي يشتري، والمُشْتَرِي الكوكب، كيف يصحّ ادّعاء الجمع بين هذين! وقول ابن جنيّ: إنّه يُجمع كلُّه، خطأ مَحْضٌ (٢). قال الإمام (٣): وصفةُ الخِطبةِ -بكسر الخاء- أنّ يبدأَ بالخُطبة -بضمِّ الخاء- فيَحْمَدَ اللهَ وُيثْنِي عليه، ويصلِّي على النّبيِّ ﷺ ، ثمّ يقولَ كما رواه التِّرمذيّ (٤): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾ الآية (٥)، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ﴾ الآية (٦)، ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾ الآية (٧)، وإنّ فلانًا رَغِبَ فيكُم وسَرَى إليكم، وفرَضَ من الصّداق لكم

стр. 2493

كَيْتَ وكَيتَ فأَنكِحُوه، هذه هي السُّنَّة. فإن جاء أحدٌ بها فبها ونِعْمَتْ، وإن قَصَّر عنها وأَتَى بالمقصودِ له منها أَجْزَأَتْ، حتّى قال مالك ﵁ لو بَادَرَ رَجُلٌ رَجُلًا، فقال له: هل تُزَوِّجُنِي ابنتَكَ بأَلفٍ؟ فقال له الآخر: نعم، لَزِمَهُ. قال الشّافعيُّ: لا يلزَمُه حتَّى يقولَ له الآخرُ بعد ذلك قَبِلْتُ. وكذلك الخلافُ في البَيْع مثلُه. ولَقَبُ المسألةِ: هل تنعقدُ العقودُ بالاسْتِدْعاءِ أم لا (١)؟ والصّحيح ما ذهب إليه مالكٌ؛ لأنّ الغَرَضَ من القَبُولِ معرفةُ الرِّضَا، وقد حصَلَت معرفةُ الرِّضَا بالاسْتِدْعاء، فإن قال: كنتُ هازِلًا، فَهَزلُ النِّكاحِ جِدٌّ، ومثلُ هذه الدَّعْوَى لا يتطرَّق إلى القَبُول، ولا تُسمَعُ إِجماعًا (٢)، بدليل أنّه لو صَرّحَ بشرطه لم يَجُزْ. قال الإمام: الحديثُ صحيحٌ مشهورٌ، ذكرَ منه مالك بعضَه (٣)، وتمامُه: "لا يَخطُبْ أَحَدُكُم عَلَى خِطبَةِ أَخِيْهِ، ولا يَبِعْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ" (٤). ومعناه أي: لا يَسُم على سَوْمِهِ؛ لأنّ البَيعَ إنْ وقعَ لم يُتَصَوَّر بعدَهُ بيعٌ، وكذلك رواه مسلم في "صحيحه" (٥) فقال: "لا يَخطُبْ أحدُكُم على خِطبة أخيه ولا يَسُمْ على سَوْمِهِ" مُفَسَّرًا مُتقَنًا، والحديثُ عامٌّ بإطلاقه في كلِّ حَالةٍ من أحوال الخِطبَةِ،

стр. 2494

خصَّصَه في عمومه، وحمَلَهُ على بعضِ مُحْتمَلاتِه حسَبَ ما فَسَّرَهُ مالك (١)، إذا رَكَنَا وتقاربا على الصّداق، وهما يحاولان العقدَ ويتناولانِه، أمران بديعان: أمّا أحدُهما: فحديثُ فاطمةَ بنتِ قيسٍ، قال لها النّبيُّ ﷺ : "إِذَا حَلَلْتِ فَلَا تُحْدِثِي شَيْئًا حَتَّى تُؤذِنيني"، فَلَمَّا حلَّت فاطمة بنت قيس جاءت إلَى رَسولِ الله ﷺ فَقَالَت: يَا رَسُولَ اللهِ، خَطَبَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَان وَأَبُو جَهْم بْنُ حُذَيفَةَ، فَقَالَ: "أَمَّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ، أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعْ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ، وَلَكِنِ انكِحِي أُسَامَةَ بنَ زَيدٍ" فَنَكَحَتهُ وَاغتَبَطَت بِهِ (٢). وأمّا الثّاني: فما أشار إليه مالكٌ من قوله (٣): "وهذَا بَابُ فَسَادٍ يَدْخُلُ عَلَى النَّاس" إشارةً إلى ما يقعُ بينهم من التَّقاطُع والشَّحْنَاءِ الّتي فيها فسادُ ذَاتِ البَيْنِ، فخصَّصَ مالكٌ هذا العمومَ وحملَهُ على بعض مُحْتَمَلَاتِهِ بالمصلحة، وهو أصلٌ تفرَّدَ به مالك على سائرِ العلماء. فصل (٤) وأصولُ الأحكامِ خمسةٌ: منها أربعةٌ متَّفَقٌ عليها من الأُمَّة: الكتابُ، والسُّنَّةُ، وإجماعُ الأُمَّةِ، والاسْتِبَاطُ والاجتهاد. فهذه هي الأربعةُ، والمصلحةُ وهو الأصلُ الخامسُ الّذي انفردَ به مالك دُونَهُم، ولقد وُفِّقَ فيه من بَيْنِهِم، وقد بيّنَّا ذلك في "أصول الفقه". اعتراض: ما الفائدةُ أَن أدخلَ مالكٌ هذا الحديثَ، وبدأَ به في كتاب النِّكاح عن ابنِ عمر (٥)

стр. 2495

وأبي هريرة (١): "لاَّ يَخطُبْ أحَدُكُم عَلَى خِطْبَةِ أَخِيهِ"، وفَصَلَ حديثَ ابنِ عمر من حديث أبي هريرة في السَّنَدِ والمَتْنِ. قال علماؤُنا المُحَدِّثة: إنّما فعلَ ذلك لأنّه كان لا يَرَى رأيَ شيجه ابن شهاب في جَمْعِ المُفْتَرِق، كما قال ابن شهاب في حديث الإفك (٢) دخل حديث بعضهم في بعض كلما قال البخاريّ، لابدّ من تفريق المجتمع، وهذا أيضًا مذهب مالك، كما أدخل مالك حديث فضلِ العَتَمَةِ، ثمّ عقبه بقوله (٣): "مرّ رجلٌ في طريقه بغصن شوك"، فترى الجُّهَالَ يتْعَبون في تأويلِهِ وفائدة إدخاله له هاهنا، وإنّما كان ذلك لأنّه سَمِعَه معه، وكذلك يروي البخاريّ الحديث في مواضع، ثمّ يعقبه فيقول: وبه أنّ رسول الله ﷺ قال كذا، والامتناع من جمع المفتّرِق أو فرق المجتَمِع لفائدتين: إحداهما: التّعرض لدَعْوة النّبي ﷺ حين قال: "نَضَر الله امْرَءَ سَمِعَ مَقَالَتِي فَوَعَاهَا فَأَدَّاهَا كَمَا سَمِعَهَا" الحديث (٤). الثّانية: أنّه إنَّ فُتِحَ هذا الباب، تعرَّضَ له من لا يُحْسِن الجَمْعَ والفَرْقَ فَيُفْسِد الأحاديث، فهذا معنى إدخال مالك هذا الحديث، والله أعلم. الفقه في تسع مسائل: المسألة الأولى: أجمعَ الفقهاءُ أنّ الخطبة ليست بواجبة (٥) إِلَّا داود فقال: هي واجبة (٦). ودليلُنا: قولُه ﷺ للّذي لم يجد خاتمًا من حديث: قد مَلَّكتُكها بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرآن (٧). وقوله (٨): "لَا يَخطُبْ أَحَدُكُمْ عَلَى خِطبَةِ أخيه" هو نهيٌ منه أنّ يخطب الرَّجُلُ امرأةً

стр. 2496

قد خطبها أخوهُ المسلم ورَضِيت به (١)، ووافَقَتهُ على صَدَاقٍ معلومٍ، وكذلك رُوِيَ عن ابنِ نافع على رواية "الموطَّأ" (٢). وقال علماؤُنا: إنّما هو على النّهي بعد الرّكون والميل من بعضهما إلى بعض، لا قبلَ ذلك إذا ذكرها وأرسل إليها؛ لأنّه لو كان ذلك لكان في ذلك ضيقٌ وحَرَجٌ على المسلمين أنّ يكون واحدٌ يذكرها ولا يخطبها أحدٌ. المسألة الثّانيةُ (٣): فإذا ثبتَ ذلك وَوُجِدَتِ الموافقةُ، مُنِعَ غيرُه من خِطبتها وإن لم يوجد الإيجاب بعدُ، وهذا بعدَ القطع بتكافىء حالتيهما، فإذا كان الأوّل غير مرضيّ (٤)، وكان الثّاني مرضيًّا، فقد قال ابنُ القاسم في "العتبية" (٥): لا أرى على مَنْ دخلَ في مثلِ هذا شيئًا، ولا أَرَى الحديثَ إِلَّا في المتقاربين، وأمّا فاسقٌ وصالحٌ فلا (٦). المسألة الثّالثة (٧): فيمن خطب على خِطبَةِ أخيه، فقد رَوَى سحنون عن ابنِ القاسِم؛ أنّه يؤدَّب.

стр. 2497

وإن عقدَ على ذلك، فهل يُفْسَخ نكاحُه أم لا بعد الرّكون والميل؟ ففي المسألة ثلاثة أقوال: ١ - قولُ ابنِ القاسِم في "الكتاب": أنّ النِّكاحَ ماضٍ، ولا يفسخ لا قبل ولا بعد (١)، وبئس ما صنع. ٢ - القول الثّاني: أنّه يفسخ قبل الدّخول وبعده (٢). ٣ - وقيل: يُفسخ قبل الدّخول ويثبت بعده (٣)، وهو القولُ الثّالثُ. المسألةُ الرّابعة: في التوّجيه. فوجهُ من قال: إنّه يفسخ قبل الدّخول وبعدُ، قال: لأنّه فعلَ ما لا يحِلّ له. ومن قال: إنّه يفسخُ قبلُ وَيثبتُ بعدُ، قال: لأنّه قبل الدُّخولِ ضعيفٌ، فلمّا دخلَ قوي النِّكاح، فثبت بعد الدُّخول. وأمّا قولُ ابنِ القاسم: لا يُفسخَ لا قبل ولا بعد، فإنّ المسألة تنبني على أصلٍ من أصولِ الفقه، وذلك أنّا نقول: إنَّ النّهي على ضربين: ١ - نهىٌ عن الشَّيءِ لمعنىً فيه، فهذا يفسخُ أبدًا، كتحريم الخمرِ، وكنكاح المحرمِ، فهذا لا يجوزُ، أو ما كان به فهذا يفسخ أبدًا. ٢ - وأمّا ما نُهِيَ عنه لمعنىً في غيره؛ فإنّه لا يُفسخ، كالطّلاق في الحَيْض، والذَّبح بالمُدْيَةِ المغصوبة؛ لأنّ السِّكين لم يُنْهَ عنِ الذَّبح بها لمعنًى فيها، وإنّما هو لمعنًى في غيرِها، وذلك المعنى كونها ملكًا للغير، ألَّا ترى أنّ الذَّبْحَ بها قبلَ الغَصْبِ جائزٌ. وأمّا في الحَيضِ، فإنّه أيضًا منهيٌّ عنه لمعنىً في غيره، وإنّما نُهيً عنه لئلَا يطول

стр. 2498

المُكث في عِدَّتها، وكذلك النَّهيُ عن الخِطْبَةِ، إنّما هو للضّرر الّذي في ذلك على الخاطِب الأوَّلِ، وإنّما قال مالك: هو حرٌّ بعد الرُّكُونِ، وجَعلَهُ بعدَ الرُّكونِ ضررًا بدليل آخر، وهو قوله: "لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرارَ" (١) لِمَعْنىً في غيْرِه، وهو أصلُ المصلحة، وهو الأَصلُ الخامسُ الّذي انفردَ به مالك دُونَهُم. المسألة الخامسة: قولُه: "نَهَى أنّ يَخطُبَ الرجُلُ عَلَى خِطبَةِ أَخِيهِ" (٢) هو تغليظ لا على وجه أنّه لا معنى في نفسه، وأمّا النّهيُ عند الفقهاءِ فإنّه يقتضي فساد المنهيِّ عنه (٣)، ولأجل ذلك قال مالك في الروايتين اللّتين رُوِيَتَا عنه: إنّه يُفْسَخُ إذا خطَبَ بعدَ الرُّكونِ والمَيلِ. وأمّا علماؤُنَا المتكلَّمون، فهو عندهم على الوَقفِ (٤) -أعني النّهيّ- حتَّى يدلَّ دليلٌ على صرفِهِ إلى أحد الأحوال: إلى الحظر أو الإباحة أو النّدب. وأمّا وهي في العِدَّةِ، فلا يحلُّ له أنّ يُواعِدَها سِرًا، أي نِكَاحًا (٥)، لقوله تعالى: ﴿لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ الآية (٦)، والمباحُ له التّعريض (٧) لذلك من نصّ القرآن المُطلَق.

стр. 2499

قوله: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ الآية (١). قال (٢): يقولُ لَهَا إنِّي فِيكِ لَمُحِبٌّ ورَاغِبٌ، وَلَوَدِدْتُ أنّي تزوَّجْتُكِ. وقد رَخَّصَ بعضُ العلماء في قوله: إنَّكِ لجميلةٌ، وإنّك لحسناء، وإنّك لنافعةٌ (٣)، وما في معناه قاله الثّوريّ، والشّافعيّ (٤)، والأوزاعيّ، وألفاظُهُم مُتَقَارِبَةٌ. المسألة السّادسة: فإن نكحها في العِدَّةِ جاهلًا، وسمَّى الصّداقَ، وتَوَاعَدَهَا، فقال مالك: فراقُها أحبُّ إلَيَّ. وقال الشّافعيّ (٥): إنَّ نكحَهَا في العِدَّة جاهلًا؛ فإنّه يُترَكُ حتّى تنقضي العِدَّة، ويتزوّجُها بعدَ أنّ يفرّق بينهما. وحديثُ عمر وفِعْلُهُ بحَضرَةِ الصَّحابةِ، ينعقد الإجماع بمثل هذا، فإن وَاعَدَها في العِدَّة ودخلَ بها بعدَ العِدَّةِ، فقال ابنُ القاسِمِ: فيه قولان: يُفْسَخُ، ولا يُفْسَخ (٦). وقال الشّافعيّ: يستغفرُ الله، وهي معصيةٌ إنَّ تزوّجها في تلك الحال (٧).

стр. 2500

المسألة السابعة: في ذِكرِ إباحةِ النَّظرِ إلى المرأةِ في الخِطبَةِ وقبلَ الخِطبَة إذا أرادَ خِطْبَتَها، وفيه حديثٌ صحيحٌ رواه مسلم (١). الفقه في مسألتين: الأولى: أنّ رسول الله ﷺ رخّصَ في النَّظرِ إلى المرأةِ إذا أرادَ نِكاحَها (٢). ورخَّص في ذلك الأوزاعيُّ، وقال: يَنظُر إليها ويجتهد، ويَنظُر إلى مواضع اللَّحم. وقال سفيان: لا بأسَ أنّ يَنظُرَ إلى وجهِ المرأةِ وهي مستَتِرةٌ بثيابِهَا. وقال الشّافعيّ: ينظُر إلى وجهِهَا وكَفَّيْها (٣)، لقولِهِ: "إِنَّ في أَعْيُنِ الأنْصَارِ شَيْئًا" (٤). وقال (٥) ابن مزين: سألت عيسى عن الاطِّلاع للنَّظَر؟ فقال: قد جاءت فيه رخصةٌ. وكان مالك لا يَراهُ، خوفًا من أنّ يَطَّلِعَ على عورة، ولا بأسَ أنّ يستأذِنَ عليها فيدخل. وروى محمّد بن يحيى عن مالك في "المدنيّة": أنّه لا بأس أنّ يَنْظُر إليها وعليها ثيابُها (٦). وروى عيسى عن ابن القاسم عن مالك أنّه قال: لا يعجبني ذلك. المسألةُ الثّامنّةُ: اختلفَ العلّماءُ في القومِ يشترونَ السُّكَّرَ واللَّوْزَ والحَلَاوةَ وما أشبه ذلكَ وقتَ النِّكاحِ.

стр. 2501

فكرهَ ذلك قومٌ منهم: ابن مسعود البَدْرِيّ، وعِكرِمَة وابن سيرين، وعَطَاء. ورخَّصَ فيه الحسن بن أبي الحسن البصري، وإبراهيم النّخعي، وقَتَادَة، وأبو عُبَيْد. قال القاضي أبو بكر: وبه أقولُ؛ لأنَّ النَّبيَّ ﷺ لما نَحَرَ البُدْنَ قال: "مَنْ شاءَ اقتَطَعَ" (١)، فأباح لهم الأخذ من لحومهنّ. وكذلك لَمَّا أباح لهم مالك أخذَ اللَّوزِ والسُّكَّر، فلهم أخذ ذلك. المسألةُ التّاسعةُ: ولا بأسَ أنّ يهدي إليها الهديَّةَ فيما رواهُ ابن حبيبٍ عن مالك، قال: ولا أُحِبُّ أنّ يُفْتَى به إِلَّا مَنْ تحْجِزُهُ التَّقوى (٢). وقال قومٌ: الهدِيَّةُ مستحبَّةٌ لقوله: "تهَادُوا تَحَابُّوا" (٣) فهي على جهةِ الاسْتِحْسَان. الأصول في هذا الباب (٤) اعلم (٥) أنَّ اللهَ تعالى إنَّما خلَقَ الذَّكَرَ والأُنثى لبقَاء النَّسْلِ، وركَّبَ الشَّهْوةَ في الجِبِلَّةِ تيسيرًا لذلك وتحريضًا عليه، حَجَزه عن مُطُلَقِ العمل بمُقتضاها في الآدميَّينَ

стр. 2502

بالتَّكليفِ، وأرسَلَه فيما عداهم لعدم التَّكليفِ. والبارىءُ تعالى غَنِيٌّ عن العالَمين، فنظَّمَهُ بروابطَ، ورتَّبَ ذلك على شرائطَ اختلفَ العلّماءُ فيها اختلافًا كثيرًا، أصولُها عند علمائِنَا خمسةٌ: ١ - المتعاقدان. ٢ - المستأهلان لذلك. ٣ - والصّداقُ الّذي يصلُح أنّ يكونَ صداقًا. ٤ - والوَلِيُّ للزَّوجةِ الّذي يتولَّى العَقْدَ. ٥ - والإعلانُ المفَرِّق بيْنَه وبين السِّفَاح. ولم يَجعلِ الله العَقدَ إلى المرأةِ أوّلًا، مخافَةَ أنّ تَغْلِبَ شهوَتُها عَقلَها فتضَعُ نفسَهَا في غير موضعِهَا، كلما لم يجعل الطَّلاقَ بيدها، لِفَضْلِ القِوَاميَّة في الرِّجالِ؛ لأنَّه لا يُؤمَن أيضًا من تَهافُتها أنّ تَنْبذَ زوجَها عندَ رؤيةِ غيرهِ كنَبْذِها لنَعْلِها، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (١) فخاطَبَ الأولياء بالأمر بالنِّكاحِ في موضعه، كما خاطبهم بالنَّهيِ عن تَغدّي الأمر، فقال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ (٢). وقال النّبيّ ﷺ من رواية أبي موسى: "لَا نِكاحَ إِلَّا بِوَلِيِّ" رواهُ التِّرمذيُّ (٣) وغيرُه (٤). وثبتَ عن النَّبيِّ ﷺ أنّه قال: "أيُّمَا امْرَأةٍ نَكَحَت نَفْسَهَا بغيرِ إِذنِ وَلِيِّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ - قَالَهَا ثَلَاثًا، فَإن مَسَّهَا فَلَهَا المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشتَجَرُوا فالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ" (٥).

стр. 2503

وكما قالت عائش ﵂ آنفًا: فَهَدَمَ اللهُ ذَلِكَ كُلَّهُ، إِلَّا نِكَاحَ النَّاسِ اليَوْمَ. أي نكاح الإسلام (١). فصل (٢) ولمّا كان النِّساءُ على ضربين: ١ - منهنَّ المرأةُ البَرْزَةُ (٣) المُخْتَبِرَةُ للرّجال، العارفةُ بالقَصْدِ، المُطلَقةُ اللِّسان في استدعاء النِّكاحِ ورَدِّه. ٢ - ومنهُن المُخَدَّرَةُ (٤) البَلْهَاءُ الخَفِرَةُ (٥). * جعلَ اللهُ تعالى للأولياء حالتين: ١ - حالةٌ يستبِدُّون بها في العَقْد، وذلك على المُخَدَّرَة البلهاء الخَفِرَةِ*. ٢ - وحالةَ يعْقدُ الرِّجالُ فيها على النِّساء عندَ رِضَاهُنَّ بذلك وطلَبِهنّ له، وهُنَّ الثَّيِّباتُ البوالِغُ المُجَرِّباتُ. وألحق مالكٌ في بعضِ الرِّواياتِ المُعَنَسَّات بالثَّيِّبات؛ لأنَّهنَّ قد علِمْنَ من ذلك، بطُولِ العُمُر وكثرَةِ السَّماع ما يعلمُه الأَيَامَى، وخصَّ هذه العمومات بهذا القياس، وكذلك ﵁ كان يرى تخصيصَ العمومِ بالقياس (٦) والمصلحة (٧).

стр. 2504

وقال في رواية أخرى: المُعَنَّسَةُ كَالبِكْرِ حتَّى تَختَبِرَ، وهذه الرّوايةُ هي الصّحيحةُ في النّظر، فليس الخبرُ كالمعايَنَةِ، وليس عندَ المُعَنَّسَةِ من أمور النِّكاح بالسَّماعِ إِلَّا ما عند العِنِّين. فعلى هذه الرِّواية فليُعَوَّلْ، ويُعْتضَد بما عَضَدَهُ به مالكٌ من قضاءِ عمرَ حين قال: "لَا تُنكَحُ الْمَرْأَةُ إِلَّا بِإذنْ وَلِيِّهَا، أَو ذِي الرَّأيِ من أَهْلِهَا، أوِ السُّلْطَان" (١). وأراد بقوله: "وَلِيِّهَا" الأَدْنى. وأراد بقوله: "أَو ذِي الرَّأيِ من أَهْلِهَا": الأَبْعَدَ. وأراد بقوله: "السُّلْطَان": كلُّ امرأةٍ لا وَلِيَّ لها. واختلفَ قولُ علمائنَا في الأهليَّةِ على ثلاثةِ أقوالٍ: ١ - فقيل: ما وقعَ الاشتِراكُ به في البَطْنِ، كعبدِ الدَّار وهاشم. ٢ - وقيل: ما وقع به الاشترَاكُ في العَشِيرَةِ، كقُصَيٍّ وكِلَاب. وقيل: ما وقعَ الاشتراكُ به في القَبِيلَةِ، ككِنَانة وقُريشٍ. ٣ - وقيل: ما كان من العَصَبَةِ، وبه أقولُ، وتحقيق ذلك في "مسائل الخلاف". تكملةٌ (٢): ولمّا كان النكاحُ بِيّدِ الوليِّ في القسمين جميعًا، شرَعَ اللهُ الإذنَ في البِكْرِ مُستحَبًّا لذِي الشَّفَقَةِ المتناهيَةِ وهوُ الأَبُ، وواجبًا في حقِّ الثَّيِّبِ لكلِّ واحدٍ. ولوروده على هذين الوَجهَينِ مَا أَبْهَمَ به مالك البابَ، فقال (٣): "بابُ استئذانِ الأيِّمِ والبِكْرِ في أَنْفُسِهِمَا" ولم يقُل: "بابُ وُجُوبِ الاستئذانِ" ولا: "بابُ اسْتِحبَابِهِ".

стр. 2505

بَابُ اسْتِئْذَانِ البِكْرِ وَالأَيِّمِ قولُه: "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا من وَلِيِّهَا، وَالْبِكرُ تُسْتَأْذَنُ في نَفْسِهَا. وَإِذنُهَا صُمَاتُهَا" (١). الإسناد: قال القاضي: الحديثُ صحيحٌ في البابِ، قويٌّ في النَّظرِ، واضطربَ (٢) فيه ابن عُيَيْنَة (٣)، وروايةُ مالك فيه أصحّ، وعليها العمل في المدينة أنّ الأبكار يزوجهُنّ آباؤهُنّ بغير إذنهِنَّ، وينفذ ذلك عليهنّ. العربيّة: قوله (٤): "الأَيِّمُ أَحَقُّ بِنَفْسِهَا"، قال أهل العربيّة: الأيّم الّتي لا زوج لها؛ إِلَّا أنّه لا

стр. 2506

يُستعمل إِلَّا في الّتي لا زَوْجَ لها بعدَ أنّ كان لها زوجٌ. وقيل (١): إنَّ الأَيِّمَ الّتي لا زوجَ لها بِكرًا أو ثَيِّبًا. فيخصُّ من ذلك البكر غير ذات الأب. وما تقدَّم أظهر من جِهَةِ عُرْفِ الاستعمال، ومع ذلك فَيُحْمَلُ اللَّفظُ على عمومه. وقال أبو عُبَيد الهروي (٢): الأيّم ههنا الثيّب خاصّة، والأَيِّمُ في غيرِ هذا الموضِعِ الّتي ماتَ زوجُها أو طلَّقَها، وعليه ينطلِق قولُه سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ (٣) وقد يقالُ للبِكرِ الّتي لا زوجَ لَها أيِّمٌ، وكذلك الرّجلُ الّذي لا امرأةَ له. وقد يقالُ: تأيَّمَتِ المرأَةُ: إذا قامت على الأَيمَةِ، وهي الّتي لا تتزوَّج. وفي الحديث أنّه كان ﷺ يَتَعَوَّذُ من الأَيْمَة وَالْعَيمَةِ، والأيْمَةُ: طولُ العُزْبَة، والَعَيْمَةُ: شدَّة الشَّوْقِ (٤) إلى اللَّبَن. الفقه في أربع مسائل: المسألة الأوُلى (٥): قوله: "وَالْبِكرُ تسْتَأذَنُ ... " الحديث. اختلفَ قولُ مالكٍ فيه: فتارةً اعتقدَ في البِكرِ أنَّها اليتيمةُ، وكذلك رُويَ أنّه فَسَّرَهَا شُعْبَة في هذا الحديث فقال: "وَاليَتيمَةُ تُسْتَأذَنُ في نَفْسِهَا" (٦). وتارةً قال: إنّها البِكرُ (٧) في حقِّ الأبِ، وهو الصّحيحُ الّذي ينتَطمُ به مَسَاقُ

стр. 2507

الحديثِ ويكمُلُ المعنى بذلك. وقال أهلُ العراقِ: إذا بلَغتِ البِكرُ لم يزوِّجها أحدٌ إِلَّا بإذنِها، لا من أبٍ ولا من سواه (١). وهذا فاسدٌ؛ لأنّ النَّبِيَّ ﵇ زوَّجَ ابنةَ عثمان ولم يستأمرها، وكذلك أبَا بَكرٍ زوَّجَ ابنَتَهُ عائشة لرسول الله وهي بنتُ ستّ سِنِينَ (٢)، وبنتُ ستّ سنين لا إذنَ لها. وكان القاسم (٣) وسالم (٤) يفعلان ذلك (٥)، واستدلّ مالك (٦) في ذلك بقصِّةِ شُعَيب ﵇ وموسى ﵇. وأيضًا: فإنَّ الحديث بنَظمِهِ وتَعْلِيلِهِ يقتضي أنَّ مِلك الأب عليها في النّكاح؛ لأنّه إنّما جُعِلَ للثَّيِّب لكونها ثيِّبًا، ولمّا كانت فائدة الوليِّ في النِّكاح حِفْظَ المرأة عن الوقوعِ في غير الكُفءِ، بتلويث نفسها، ولحوقِ العارِ بحَسَبِهَا، رأى مالك أنَّ الدَّنِيَّةَ المقطوعةَ لا يرتبطُ أمرُها بالوَلِيِّ، في إحدى رِواياتِهِ؛ لأنَّ الَّذي يُخَافُ منها والمعنى الّذي اعْتُبِرَ الوَليُّ لأجلِهِ معدومٌ فيها. وتارةً ألحق الدَّنِيَّةَ بالشَّريفةِ؛ أَخْذًا بعموم الحديث، وهو الأَسْلَمُ في النَّظَير، والأَسْلَمُ في الحَسَبِ، فإنَّ تمييز الدَّنِيَّة من الشّريفة يَعْسُرُ في المراتب، فَسَدُّ الباب أَوْلَى. وعلى الجُمْلَةِ: فلم يختلف علماءُ المدينةِ ومكَّةَ في أنَّ المرأةَ مسلوبة العبارةِ في

стр. 2508

النِّكاح؛ كالصّبيّ والمجنون، ولذلك كانت عائشةُ تَخطِبُ وتُقَدَّرُ الْمَهْرَ، ثُمَّ تَقُولُ: "اعقِدُوا؛ فَإنَّ النِّسَاءَ لَا يَعْقِدْنَ" (١). المسألةُ الثّانيةُ (٢): قال علماؤنا: وليسَ من شرْطِ الوَلِيِّ أنّ يكونَ عَدْلًا، خلافًا للشّافعيّ (٣)؛ لأنّ الولاية عِمادُها الشَّفَقَةُ والحَميَّةُ على النَّسَبِ والأَنَفَةُ، والفِسْقُ لا يؤثِّرُ في ذلك. ورأَى الشّافعيُّ أنّ ولايةَ النِّكاح خُطَّةٌ ومَنْزِلَةٌ كريمةٌ، والمراتبُ لا يَنزِلُها الفُسَّاقُ. وقال علماؤُنا: من شَرْطِ الوَليِّ أنّ يكونَ حُرًّا بالغًا عاقلًا مسلمًا، وليس من شَرْطِه أنّ يكون عدلًا كما قدَّمناهُ. المسألةُ الثّالثةُ (٤): اختلفَ علماؤُنا هل يكون الكافرُ وليًّا في نكاحٍ فيه مسلمٌ؟ أو مسلمٌ في نكاحٍ فيه كافرٌ؟ على تفصيلٍ يأتي بيانُه إنَّ شاءَ الله. والصّحيحُ أنّه لا يدخلُ المسلمُ في نكاحٍ فيه كُفْرٌ، ولا الكافرُ في نكاحٍ فيه إسْلَامٌ، إلَّا إِنْكَاحَ السيّدِ لعَبْدِهِ الكافرِ من طريق المِلْكِ، بخلاف طريق الولَاية؛ فإنّ الله أَثبتَ المِلْكَ مع الكفرِ، ولم يُثبِتِ الولايةَ معه؛ بل نَفَاهَا بعَدَمِ الهجرةِ، فقال: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ الآية (٥). المسألةُ الرّابعةُ: (٦) في صفةِ استئذانِ البِكْرِ في إنكاحها وهو أنّ يقولَ لها السَّامعانِ منها: إنَّ فلانًا خَطَبَك على صَدَاقِ كذا، المعجَّل منه كذا، والمؤجَّل منه كذا وكذا إلى أجلِ كذا، والتزَمَ لكِ من الشُّروطِ كذا وكذا، وعقَدَ

стр. 2509

عليك النِّكاحَ ولِيُّكِ فلانًا، فإن كنتِ راضيةً فاصْمُتِي، وإن كنتِ كارهةً فتكلَّمِي، فإن صمَتَت بعدَ ذلك صحَّ. وأَمَّا الثَّيِّب؛ فإنّها لابدّ لها من أنّ تتكلّم أنّها قد رَضِيَت بالنِّكاحِ. باب ما جاء في الصَّدَاقِ والحِبَاءِ قال علماؤنا (١): انْفَرَدَ أبو حَازِم بن دِينَار عن سَهْلٍ بهذا الحديث، أَنَّ النَّبيَّ ﷺ قَالَ لِلرَّجُلِ: "قَدْ أَنكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ الْقُرْآنِ" (٢). قال ابنُ أبي زيدٍ: ذلك خاصٌّ للنّبيّ ﷺ في ذلك الرّجل الّذي أَنكحه المرأة (٣). والدّليلُ على ذلك: أنّ هذه المرأة كانت قد وَهَبَت نَفْسَهَا للنَّبيِّ ﷺ . الفقه في تسع مسائل: المسألةُ الأولى (٤): قال القاضي ﵁: الصَّدَاقُ عَقْدٌ مُنْفَصِلٌ عنِ النِّكاحِ، بائنٌ عنه في ذاتِه وأحكامِه. والدّليلُ على صحّة ذلك: أنّ النِّكاحَ يجوزُ دونَهُ؛ لأنّ عَقْدَ النِّكاحِ قائمٌ بذاتِ الزَّوجِ والزَّوجةِ، كلُّ واحدٍ منهُما يَحِلُّ لصاحبِهِ ويستمتِعُ به، وقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَآتُوا النِّسَاءَ

стр. 2510

صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً﴾ (١)، وقال: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٢)، وقال: ﴿اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ﴾ (٣)، في أزواجِ النَّبيِّ ﷺ ، فرَدَّد الله الصّداقَ بين النِّحْلة المُبتَدَأَةِ الّتي لا يقابِلُها عِوَضٌ وإنّما وَجَبَتْ على الزَّوجِ بفضيلَةِ القِوَامِيَّةِ، وبمنزلة الذّكورية، وبين الأُجْرَةِ والعِوَضِيَّة. وفي هذا ردٌّ على مَنْ أنكرَ من الفقهاءِ تعارُضَ الأدِلَّةِ، وتَرَدُّدَ الفرعِ بين الأَصلَينِ، وحُكمُهُ إذا تردَّدَ بينهما، أنّ يُوَفَّرَ على كلِّ واحدٍ شَبَهُهُ، وُيرَكَّبَ عليه حُكمُهُ، وهو أصعبُ مسائل النَّظَر، ولذلك قال مالك (٤) ﵀ تارةً: النّكاحُ أشْبَهُ شيءٍ بالبيوعِ (٥)، وتارةً جَرَّدَهُ عنها، وعزَلَ حُكمَهُ عنها. المسألةُ الثّانيةُ: اختلفَ العلّماءُ في الصَّدَاقِ هل هو حقٌّ للهِ أو حقٌّ للآدمي؟ ومذهَبُنَا: أنّه حقٌّ لله وللآدَمِيِّ، فأمّا حق الله تعالى فيه، فهو أنّ المتعاقدين لو اتَّفَقَا على عَقدِ النِّكاحِ من غيرِ صداقٍ لم يَجُز. وأمّا حقّ الآدميِّ فإنّه إذا ترك بعد العَقدِ فإنّه يجوز. فإن قيل: إنّه حقّ لله تعالى. قلنا: هذا الكلام يجوزُ بالتّسمية حقًّا بالابتداء؛ لأنّ الابتداءَ حاصلٌ وخالصٌ لله تعالى.

стр. 2511

وإذا سمّيناه حقًا للآدمي: قلنا: إنّه تَبَيَّنَ بذلك بالاستدامةِ والاستِيفَاءِ، فجاز تَسْمِيَتُه بالوجهين. المسألةُ الثّالثةُ (١): اختلفَ قول العلماء في الصّداق الفاسد على ثلاثة أقوالٍ: الأوَّل: أنّه يمضي بنَفْسِ العَقْدِ. والثّاني: أنّه يُفسخُ قبل الدُّخولِ. والثالثُ: أنّه يُفْسَخُ قبلَ الدُّخولِ وبعدَهُ. واختلفَ النَّاسُ في تأويلِ هذه الأقوال: فمنهم من جعلها مُطلَقَةً. ومنهم من قال: إنّها مبنيَّةٌ على قُوَّةِ الفساد وضعْفِهِ. وسيأتي تفصيلُ ذلك في مَوْضِعِه إنْ شاءَ الله. المسألةُ الرّابعةُ (٢): اختلفَ العلّماءُ ﵏ -بعدَ الاتِّفاقِ على وُجُوبه- في تقدِيرِه، على ثلاثةِ أقوالٍ: فمنهم من نَفَى التَّقديرَ، وجوَّزَهُ بكلِّ قليلٍ وكثيرٍ -وهو الشّافعيّ (٣) - وروى في ذلك أحاديثَ ليس لها أصلٌ في الصِّحَةِ، من جُمْلَتِها: "الصّدَاقُ وَمَا تَرَاضَي عَلَيهِ الأَهْلُونَ" (٤).

стр. 2512

ومن العلماء من قدَّرَهُ واختلفوا في التَّقدِيرِ؛ فقال أهلُ الكُوفَةِ: أقلُّه عشَرةُ دراهمَ (١)، وهو أقلُّ ما تُقطَعُ فيه يدُ السَّارِق عندهم. ومنهم من قَدَّرَهُ برُبعِ دينارٍ، وهم أهلُ المدينةِ (٢). ومنهم من قَدَّرَه بدرهم ونحوه -كالسَّوْط والنَّعْل -وهو ابن وَهْب (٣)، وخالفَ فيه مالك والجمهور. ومتعلَّقُه في ذلك طَلَبُ النَّبيِّ ﷺ في حديثِ سَهْلٍ في الصَّدَاقِ: "التَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ" (٤) وَوَسَطُ قيمته دَرْهمٌ لأجل الصَّنعةِ الّتي فيه. والصّحيح أنّه مُقَدَّرٌ بنصابِ القَطْعِ، وأنَّ القطعَ مقدَّرٌ برُبُعِ دينارٍ، وقد بيَّنَّاهُ في "مسائل الخلاف". المسألة الخامسة (٥): قال علماؤُنا: في حديثِ سَهل بن سَعد هذا دليلٌ على وُجُوبِ الصَّداقِ؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ طَلَبَهُ من طريق، فهذا يدلُّ على تعيِينِهِ وإلزامِهِ حينَ طلَبَ خاتَمًا من حديدٍ ليتعجَّلَ النِّكاحَ وليتزيَّنَ به، ويبقَى الصَّداق في ذِمَّتِهِ، وليس في الحديثِ ما يدلُّ على أنّ الصَّداق يسقطُ عنه. والوجهُ الثّاني: أنّ النّبيَّ ﷺ قال له ذلك على وجهِ التَّقليلِ، كقوله: "مَنْ بَنَى مَسْجِدًا وَلَوْ مثل مَفْحَصِ قَطَاةٍ بَنَى الله لَهُ قَصرًا في الجَنَّة" (٦)، ولا يصِحُّ أنّ يكونَ المسجدُ في الصِّغرِ كذلك.

стр. 2513

وأمّا متعلِّق الشّافعيّ (١)، فقولُه ﷺ :"هَل مَعَكَ شَيءٌ مِنَ الْقُرآنِ"؟ فَقَالَ: نَعَم، فَقَالَ النّبيُّ ﷺ : "قَدْ أَنْكَحْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ". قال علماؤُنا: عن هذا جوابان: ١ - أحدهما: أنّه إنّما أرادَ أنّ يكونَ بَدَلًا من الصَّدَاقِ لما يتوَلَّاهُ من تعليمِهَا، ولعلَّ التَّعليمَ يُسَاوي أكثرَ من ذلك. ٢ - ويحتملُ أنّ يكونَ أرادَ "بِمَا مَعَكَ مِنَ القُرآنِ": أي أَنّكَ أنتَ تصلُحُ لها إنَّ كنتَ من أهلِ القُرآنِ، كما يقول الرَّجلُ: قد زوَّجتُك بصَنْعَتِك، والمَهْر باقٍ في ذِمَّتِهِ؛ لأنّه لا يجوز أنّ يتزوّجَ الرَّجُلُ بألفِ دينار ولا يقدِّم منها شيئًا. المسألةُ السّادسة (٢): اختلفَ العلّماءُ في كونِ الإِجَارَة صَدَاقًا على ثلاثة أقوالٍ، وقد رُوِيَ في الحديث: "عَلّمهَا من القُرآنِ" (٣) وفي "سنن أبي داود" (٤): "قُم فَعَلِّمْهَا عِشْرينَ آيةً". ودخولُ الإِجارَةِ في النِّكاح تحقيقُه في: "الكتاب الكبير"، وفي: "كتب المسائل"، فأمّا هذا الحديث فلَا أدري كيف أَغفَل العلّماءُ حقيقته! فإنّه ليس بجارٍ في شيءٍ من ذلك المضمارِ؛ لأنّه إنَّ كان الصّداقُ تَعلِيمَها، فلابُدَّ من تقدير المُدَّة في إقرائهَا، وإن كان على أنّ يستظهِرَهَا فهي جعَالَةٌ مجهولةُ المُدَّة، فلا يَصِحُّ أنّ تكون صَدَاقًا، وإنّما مخرجُ الحديث أنَّ النّبيَّ ﷺ لمَّا عَدِمَ عندَه الصَّدَاق، تحقَّقَ له الفقرُ، فطلَبَ منه فضيلةً يُزَوِّجُه بها، وليس إِلَّا استِظهَارَ القرآنِ أو شيءٍ منه.

стр. 2514

كما رُوِيَ أنّ أبَا طلحةَ تَزَوَّجَ أمَّ سُلَيْمٍ على الإسلام (١)، ليس أنّ الإسلام كان صداقًا، ولكن لأنّه كانت له فضيلة، فقال النّبيُّ ﷺ : "قَدْ أَنكَحتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِن القُرآنِ" (٢) وقد رُوِيَ: "قَدْ زَوَّجتُكَهَا" (٣) وُيرْوَى: "قَدْ مَلَّكتُكَهَا" (٤). واختلفَ العلّماءُ في النِّكاحِ بغير لفظِ النِّكاحِ، وهي: المسألة السّابعة (٥): فمنعه الشّافعي (٦). وجوَّزَهُ أبو حنيفة بكلِّ لفظٍ يقتضي التّمليكَ على التأبيدِ (٧). وجوَّزَهُ مالك بكلِّ لفظٍ يتفاهَمُ به المتناكحان مَقْصِدَهُما (٨). وتعلّق من جوّزَ النّكاحَ بغيرِ لفظ الإنْكَاحِ بقوله: "قَدْ مَلَّكتُكَهَا" رواه معمرٌ (٩)، ويعقوب اإسكندرانيُّ (١٠)، وعبدُ الواحد بنُ زيادٍ،* وخرّجه البخاريُّ (١١). وقال الدّارقطني (١٢): هذا وهمٌ منهم، خالفهم حمادُ بنُ زيدٍ* وأبو غسَّانَ (١٣)، وفُضَيلُ بنُ سليمانَ، ووُهيبٌ، والثّوريُّ، وابنُ عُيَيِنَةَ، وهم أحفظ، قالوا كلّهم: "قَدْ زَوَّجتُكَهَا".

стр. 2515

نكتةٌ أصوليّة (١): وهي إذا اختلفتِ الألفاظُ في الرِّوايةِ، فتأمَّلُوا الحديثَ، فإن كان ممّا يتكرَّرُ، فكلُّ لفظٍ أصلٌ مُمَهّدٌ وتُبْنَى عليه الأَحكامُ، وإن كان ممّا لا يَتَكرَّرُ، فليُعْلَمُ قطعًا أنّ النّبيَّ ﷺ إنّما قال أحدَها، وأنّ الرّاويَ هو الّذي عبَّرَ عن تلك الحالةِ الواحدةِ بألفاظٍ مترادفةٍ أو متقاربةٍ، فتُعْرَضُ الألفاظُ على الأصولِ والأدِلَّةِ، فما استقرَّ منها عليها فهو الّذي يُبنَى عليها الحكم. قال القاضي: ومسائلُ الصَّدَاقِ تتفاوَتُ في العَدَدِ، وتَلْحَقُها أحكامٌ من البيوع، فلا يُمكِنُ التعرّضُ لها في هذه العُجَالةِ، ذَكَرَ مالكٌ منها في هذا الباب خَمْسَ مسائلَ: ١ - منها مسألةُ المُفَوِّضَةِ، وبيانُها في "مسائل الخلاف". ٢ - ومنها مسألةُ العَفْوِ عن الصَّدَاقِ، وبيانُها في كتاب "الأحكام" (٢). ٣ - ومسالةُ تقديرِ المَهْرِ، وقد سبقتِ الإشارةُ إليها (٣). ٤ - ومسألةُ إنكاحِ الرّجُلِ ابنَه الصَّغيرة، وبيانَها في "المسائل". وأغرب ما فيه قول علمائنا: إنَّ الوَصِي يُزَوَّجُ الصّغيرَ قبل البلوغ، ولا يُزَوّجُ الصّغيرةَ حتّى تَبْلُغَ، وكان ينبغي أنّ تكونَ المسألةُ بالعكس؛ لأنّ زواجَ المرأةِ مِنْحَةٌ، وزواجَ الصّغيرِ عَزمٌ، فلا أراهُ بحالٍ حتّى يبلُغَ ويَعلَمَ قَدْرَ ما يدخُلُ فيه.

стр. 2516

٥ - ومنها مسألةُ عمرَ بن عبد العزيز؛ حيثُ كتبَ إلى بعضِ عُمَّالِهِ: ما كان من شرطٍ يقعُ به النَّكاحُ فهو لابنته ... الحديث إلى آخره (١). وتحقيقُ المسألةِ: أنَّ الوليَّ إنْ شرَطَ الْحِبَاءَ للزّوجةِ فهو لها، وإنْ شرَطَ لنفسهِ فينبغي أنّ يَسقُطَ ولا يكونَ لأَحَدٍ إذا لم يكن للزوجة؛ لأنّه لم يُسَمِّ لها، وأمّا أنَّه لا يكونُ للوليِّ؛ فلأنّه أكلُ مالٍ بالباطل لا مقابلَ لهُ، وإنّما كان شيئًا تفعلُه الأعرابُ في الجاهليّةِ، ثمّ هَدَمَ اللهُ ذلك بالإسلامِ. المسألةُ التّاسعةُ: قال علماؤُنا: ومن تزوَّجَ اليومَ بقرآنٍ فُسِخَ نكاحُهُ؛ لأنّه لم يجد مالكٌ العملَ عليه في المدينة، فإن دخلَ بها، فلها صَدَاق مِثلِهَا في حالها وجمالِهَا ومالِهَا. فإن كان قَبْلَ البناءِ أُجْبِرَ على رُبُعِ دينارٍ، فإن نَكَحَ بأقلّ من رُبُع دينارٍ أُمِرَ قبلَ البناءِ بها أنّ يُتِمَّ لها رُبُعَ دينارٍ، فإن أَبَى فُسِخَ نكاحُهُ، فإن دخل بها أُجْبِرَ على تَمَامِ رُبُعِ دينارٍ. المسألةُ العاشرةُ: (٢) قولُ المرأة (٣): "يا رَسُولَ اللهِ إِنِّي وَهَبْتُ نَفْسِي لَكَ" تريدُ: على وجْهِ النِّكاح. وفيه مسائل: ١ - أحدُها: أنّ هِبَةَ المرأةِ البُضْع يجوزُ من غير عِوَضٍ لغيرِ النَّبيِّ ﷺ . ٢ - والثّانيةُ: في النّكاح بلفظ الهِبَة فأمّا الأوّل، فلا خلافَ أنّه لا يجوزُ نكاحٌ دَونَ مَهْرٍ لغير النّبيّ (٤)، والأصلُ في ذلك: قولُ اللهِ تعالى: ﴿خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾ (٥) فأخبر أنّ ذلك خالصٌ له دونَ سائرِ المؤمنينَ.

стр. 2517

ومن جهة السُّنَةِ: أنّ المرأةَ قد قالت له: إنّي قَدْ وَهَبتُ نَفسِي لَكَ، فلم يُنْكِر ذلك عليها، فلو كان مُنْكرًا لأنْكرَهُ؛ لأنّ النَّبيَّ ﷺ لا يقرُّ على المُنْكَر، ثمّ إنّه لما سأل القائم نكاحها، لم يجعل له إلى ذلك سبيلًا دون صَدَاقٍ، حتَّى أَنكَحَهُ إيَّاها بما معه من القرآن. وهو على ضربين -كما قدّمنا-: إنْ عَنَت به هِبَة النّكاح، ولم تَعْنِ به هبةَ الصَّدَاق، فهذا يفسخ قبلَ البناء، ويثبت بعدَهُ، ولها صَدَاق المِثْلِ (١). قال (٢): فإن عَنَتْ (٥) به نكاحًا بغيرِ صداقِ، فلا يجوزُ (٣)؛ لأنّه سِفَاحٌ لا نكاحٌ يثبُتُ فيه الحدّ، ولا يلحقُ فيه النَّسَبُ، وإذا أراد به عَقْد النِّكاح من غير صَدَاقٍ، ففي "المدوّنة" (٤) عن ابن القاسم قولان: أحدهما: أنّه يُفْسَخُ قبلَ الدُّخول. والثّاني: قبل الدُّخولِ وبعدَهُ. وقال ابنُ القصّارِ (٥)، وهو الصّحيحُ عندي. وقال ابنُ شعبان: فيه ثلاثُ رواياتٍ، الرّوايتان المتقدِّمتان، والثالثة: أنّه بمنزلةِ نكاح التَّفويضِ، وهذا يقتضي إمضاءهُ قبلَ البِنَاء وبعدَه. وأمّا إذا قلنا: يُفْسَخُ بَعْدَ البناءِ، فقد قال أشهبُ: لها ثلاثةُ دراهم. وقال أَصْبَغ: لها مَهْرُ المِثْلِ.

стр. 2518

وإذا قلنا يثبت بعدَ البِنَاءِ، فقد قال مالك: لها مَهْرُ المِثْلِ. ٣ - وأمّا المسألةُ الثالثةُ: في حُكْم النِّكاح بلفظِ الهِبَةِ مع ذِكرِ العِوَضِ (١) وذلك كأن يقول: وهَبْتُ لك ابنتي أو وَلِيَّتي على أنّ تُصْدِقَها مِئَةَ دينارٍ، أو ما اتَّفَقَا عليه؛ ويقع العَقْدُ بذلك، فقد حَكَى ابنُ القصّار (٢) وعبدُ الوهَّاب في "إشرافه" (٣) أنّ النِّكاحَ ينعقدُ بلَفْظٍ يقتضي التّمليك المُؤبَّدَ كالبَيْعِ والهِبَةِ، دونَ ما يقتضي التَوقيت، زاد ابنُ القصّار (٢): ولفظ الصّدقة، قال (٢): وسواء عندي ذَكرَ المَهر أو لم يذكُرْهُ في لفظِ الهِبَةِ والبيعِ والصَدَّقَةِ إذا عُلِمَ أنّه قصد النّكاح، وبهذا قال أبو حنيفة. وقال الشّافعي: لا ينعقدُ إِلَّا بلفظ النِّكاح، وقد تقدَّمَ بيانُه (٤). - المسألة الرّابعة (٥): قولُ الرَّجُلِ (٦): "زوِّجنِيهَا إنَّ لم تكُنْ لك بها حَاجَةٌ" فيه دليلٌ على جوازِ خِطبَةِ الّتي أجابت إلى النِّكاح باستئذان الّتي أجابته، وأنّ المنعَ من أنّ يخطبَ أحدٌ على خِطْبَةِ أخيه إنّما هو لحقّ النّاكح، فإذا استُؤذِنَ في الخِطبَةِ، وصرف الأمر إليه في ذلك فلا حَرَجَ، وهذا يقتضي أنَّ النِّكاحَ مباحٌ للفقير. والنِّكاحُ في الجملةِ مندوبٌ إليه كما بينّاه قبلُ (٧)، ولا يتعيّن وجوبُه، إِلَّا أنّ يخشَى أو يخاف العنَتَ ولم يجد ما يتسرّر به، وقد يتعلّق المنع بذلك إذا اسْتَغنَى عنه وعَجَزَ عن المَهْرِ.

стр. 2519

٥ - المسألةُ الخامسةُ (١): وقوله ﷺ (٢): "هَلْ مَعَكَ شَيءٌ" دليل على أنّ النِّكاحَ لا يجوزُ بغيرِ صَدَاقٍ. وقولُ الرَّجُل: "ما عِنْدِي إِلَّا إِزَارِي" إظهارٌ لفَقْرِه. وقولُه: "إنَّ أَعْطَيتَهَا إيَّاهُ جَلسْتَ لَا إِزَارَ لَكَ" يقتضي معنيَيْن: أحدهما: أنّه لا يصِحُّ أنّ يُصْدِقَها إيَّاهُ، إِلَّا بأن يمكنه تسليم الإزار إليها. والثّاني: أنّه لا يجوزُ تسليمه إليها؛ لأنّ ذلك يؤدِّي إلى البقاء على حالةٍ لا تجوز من كشف العورة، ولذلك لا يباعُ هذا من الثّياب في دَينٍ ولا يُقْضَى به حقٌ (٣). ٦ - المسألةُ السّادسةُ: قولُ الرّجُلِ (٤): "مَا أَجِدُ شَيئًا" وإن كانت لفظة "شَيْءٍ" تقع على القليلِ والكثيرِ ممّا يَصِحُّ أنّ يُمْهَرَ، ومما لا يصحُّ أنّ يُمْهَرَ، إِلَّا أنّه مستندٌ إلى قولهِ: "هَل عِنْدَكَ من شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إيّاهُ" فكأنّه قال: التمِسْ شيئًا ممَّا يمكن أنّ يكونَ مَهرًا، فلم يجد، وهو متعلِّقُ الشّافعيّ أنّه يجوز النّكاح بالقليلِ والكثيرِ، وقد حقَّقنا ذلك كلّه في أَوَّلِ البابِ (٥). حديث عُمَرَ بن الخَطَّاب (٦): "أيُّمَا رَجُل تَزَوَّجَ امْرَأَةً وَبِهَا جُنُونٌ، أَو جُذامٌ، أَوْ برَصٌ، فَمَسَّهَا، فَلَهَا صَدَاقُهَا".

стр. 2520

قال مالكٌ: "وَذلك لِزَوْجِهَا غُرْمٌ عَلَى وَليِّهَا". قال الإمامُ: الحديثُ صحيحٌ، وفيه فِقْهٌ كثيرٌ وعلمٌ جليلٌ، أرْبَينا فيه على علمائنا، والحاضرُ الآنَ في الخاطرِ عَشْرُ مسائلَ: المسألة الأولى (١): هذه المسألة من أكبر مسألةٍ في الفقه، فقد اختلَفَ العلّماءُ فيها اختلافًا كثيرًا، لُبَابُهُ؛ أنّ أهلَ الكوفةِ قالوا: لا تُرَدُّ المرأةُ إِلَّا من عَيْبٍ يَمنعُ من تقديرِ الصَّدَاقِ. وقال الشّافعيُّ (٢): يُرَدُّ النِّكاحُ بأربعة عيوبٍ: الْجُنونُ، والجُذَامُ، والبَرَصُ، وداءُ الفَرْجِ. وأبو حنيفة قال: لا تُرَدُّ المرأةُ إِلَّا بما يَمْنَعُ الوطءَ لا غير (٣). وعند مالك تُرَدُّ بالعيوبِ المذكورةِ، ودليلُه حديث عمر المتقدِّم. وأبو حنيفة لا ينعقد عندَهُ الإجماع إِلَّا بهذا القَدْر، فأمّا إذا دخلَ بها عالمًا بما بها من العيوب، فالصَّداقُ كلُّه عليه قولٌ واحدٌ. وإذا لم يعلم بهذه العيوب الّتي في المرأة، ففيه عند علمائنا ثلاث رواياتٍ: أحدها: عليه صداق المِثْلِ. والثّاني: ينظر، فإن كان صداقُها أكثر من صَدَاقِ المِثْلِ، فلها صَداق المِثْل، وإن كان صَدَاقُها أقلّ من صداق المِثْلِ، فلها صَداقُها. والثّالث: أنّ فيها رُبُع دينارٍ. قال القاضي ﵁: سمعت الفِهرِيّ يقولُ لإمام الحنفيَّة (٤): لا تُرَدُّ المرأةُ بالجُنونِ؛ لأنّه يُمْكِنُه الوطءُ وهي مقيَّدةٌ؛ أو في حالٍ لا يأخذُها الجنونُ، فقال له

стр. 2521

القاضي أبو العبّاسِ (١) مدرِّسُ البَصْرَةِ: عَقْدُ النِّكاحِ اقتضَى التّمكينَ من الوَطءِ، وهذا خلاف مقتضَى العَقد، والعَقدُ إذا فاتَ مقتضاهُ باطلٌ. فأمّا علماؤُنا- رحمةُ الله عليهِم- فتقاولوا في ذلك كثيرًا، واختلفوا في ذلك قديمًا وحديثًا، جمعتُ شَتاتَ آرأئهم، ونَظمتُ منثورَ أَقوالِهِمْ، وأوضحتُها في "كتب المسائل" أحسنَ إِيضاحٍ، الإشارةُ الكافيةُ إليه؛ أنّ النِّكاح يُرَدُّ عندنا بأربعةٍ وعشرينَ عَيبًا: ١ - الجنونُ. ٢ - الجُذَامُ. ٣ - البَرَصُ. ٤ - الجَبُّ. ٥ - الخِصَاءُ. ٦ - قطعُ الحَشَفَةِ. ٧ - العُنَّةُ. ٨ - الاعتراضُ (٢). ٩ - الرَّتَقُ (٣). ١٠ - القَرَنُ. ١١ - العَفَلُ. ١٢ - الاستِحَاضَةُ. ١٣ - الإفَاضَةُ (٤). ١٤ - نَتنُ الفَرْجِ. ١٥ - حَرْقُ النَّارِ. ١٦ - الزَّمَانَةُ. ١٧ - الذُّبُولُ. ١٨ - الخَشَمُ (٥). ١٩ - القَرَعُ. ٢٠ - *السَّوَادُ.

стр. 2522

٢١ - البَخرُ. ٢٢ - العَمَاءُ. ٢٣ - العَرَجُ. ٢٤ - التَّيتَاءُ*، وكذلك قَيَّدتُه عن التَّبريزي (١) بتاءَين، وقيَّدْتُه عن ثابتِ بنِ بُنْدَارِ (٢) بتاءٍ واحدةٍ. وقد يقعُ في هذا التعديدِ تَدَاخُلٌ، ومَرْجِعُهُ إلى أربعةٍ وعشرينَ، فهذه العيوب كلُّها وأمثالُها ممَّا يُرَدُّ النِّكاحُ عند المالكيّة بها، وإن كان فيها اختلافٌ ونِزَاعٌ، ولكنّ المقصودَ من النِّكاح الأُلْفَةُ والاسْتِمْتَاعُ، وهذه العيوَبُ كلُّها تنفي الأُلْفَةُ وتُفَوِّتُ الاسْتِمْتَاعَ وكمالَهُ، وأيُّ استمتاعٍ في المَذبُولة؛ إنَّ القرْنَاءَ لأقربُ إلى اللّذّة منها. وليس سكوتُ مالكٍ عن مسألة يُوجِبُ أنّ تكونَ خلافَ ما تكلَّمَ عليها، بل يُلْحَقُ النّظيرُ بالنّظير، ويُحْمَلُ المِثْل على الِمثْل، وأيُّها أبعدُ عند النَّظَرِ في الدَّليلِ والرَّدِّ، السّوداءُ أم العمياء؟ فهذه المعاني إنّما تُبنَى على ملاحظة المقصودِ، فما فَوَّتَهُ حُكمًا كالّذي يُفَوِّته حِسًّا، والله أعلم.

стр. 2523

المسألةُ الثالثةُ (١): في ثبوتِ الخِيَارِ لكلِّ واحدٍ من الزَّوجينِ بالمعاني المؤثّرَةِ في منع الاستمتاع، فالأوَّلُ (٢) مروِيٌّ عن مالك، لقول عمر المتقدِّم، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة: لا خِيَارَ للزَّوجِ بشيءٍ من ذلك (٤). ودليلُنا من جهة القياس: أنّ هذا أحد الزّوجين، فجازَ أنّ يُرَدَّ بعيبٍ يمنعُ المقصودَ من الاستمتاعِ كالزّوج، وذلك أنّ أبا حنيفة وَافَقَنَا على أنّ الزَّوج يُرَدُّ بالجَبِّ والعُنَّةِ. المسألة الرّابعة: في تفسير المعاني (٥) فأمّا "الجنونُ" و "الجُذَامُ" و "البَرَصُ" و "داءُ الفَرْجِ" فروى ابنُ عبد الحَكَم عن مالك ذلك. وأمّا الأبْهَرِي فقال: إنّما كان ذلك؛ لأنّ هذه المعاني تَمنعُ استدامةَ الوَطءِ وكمالَ الالتذاذِ به. وأمّا "الجُنُونُ" وهو الصَّرْعُ والوَسْوَاسُ الّذي يذهب به العقل، تُرَدُّ به المرأةُ، وكذلك "الجُذامُ" إذا تيقّنَ، قليلًا كان أو كثيرًا. وأمّا "البَرَصُ" فقد سُئِل مالكٌ (٦): أَتُرَدُّ المرأةُ من قليلِ البَرَصِ؟ قال: ما سمعتُ إِلَّا ما في الحديثِ، وما فرَّقَ بين قليلٍ ولا كثيرٍ.

стр. 2524

وقال ابنُ القاسم: تُرَدُّ من قليلِهِ، ولو أُحِيطَ علمًا بِمَا خفَّ منه، لم تُردّ منه. وأمّا "دَاءُ الفَرْجِ" فقال ابنُ حبيب: ما كانَ في الفَرْجِ ممّا يقطعُ لذَةَ الوطءِ، مثل: العَفَلِ والقَرَنِ والرَّتَقِ. وقال عبدُ الوهّاب (١): "داءُ الفَرْج هو: القَرَنُ والرَّتَقُ، وما كان في معناهما". وزادَ ابنُ الجلَّابِ في "تَفْرِيعِهِ" (٢): "البَخَر والإِفضاء" (٣). وأمّا "القَرَعُ الفاحشُ" فقال ابنُ حبيب: له الردّ به؛ لأنّه من معنى الجُذَام والبَرَص، ولم أَرَ ذلك لغيره من أصحابنا، والأظهر أنّه لا يُرَدّ به؛ لأنّه ممّا يُرْجَى بُرْؤُهُ في الأغلبِ، ولا يمنع المقصود من الاستمتاع ولا يؤثِّر فيه. فرعٌ (٤): وأمّا سوى ذلك، فلا تُرَدُّ به المرأةُ، إِلَّا أنّ يشترط الصّحة، كالعَمَى والعَوَر. المسألةُ الخامسةُ (٥): وأمّا ما يُوجِبُ الفُرْقَةَ قبل المَسِيسِ، فإنّه لا يخلو أنّ يكونَ موجودًا بالمرأةِ حينَ العَقْدِ، أو حادِثًا بعد ذلك، فإن كان موجودًا حينَ العَقْدِ، فعَلِمَ به الزّوجُ قبلَ البِناءِ (٦)، فإنّ له أنّ يفارِقَ ولا شيءَ عليه (٧)، أو يَبْنِي وعليه جميعه. ووجهُ ذلك: أنّه عَيْبٌ وليس له بُرْءٌ، وهو بالخيار في ذلك (٨).

стр. 2525

فرعٌ (١): فإن ادَّعَى الزّوجُ أنّ بها قَرَنًا، أو داء الفَرْجِ، وأنكرت هي ذلك، ففي "كتاب محمّد" و "ابنِ حبيب": هي مُصَدَّقَةٌ، وليس له ان ينظرَ النِّساءُ إليها (٢). ورُوِيَ عن ابنِ القاسم: لا ينظر النِّساء إليها، وأنكرَهُ سحنون وقال: كيف يُعْرَفُ إِلَّا بِنَظَرِهِنَّ، ورَوَى ابنُه عنه أنّه ينظر إليها النِّساء. وأمّا إنَّ كان حادثًا بها بعدَ العَقْدِ، فَعَلِمَ قبلَ البناءِ، لم يكن له إِلَّا أنّ يفارقَ ويكون عليه نصف الصَّدَاقِ، أو يَبْنِي ويكون عليه جميعه. وقال الشّافعيُّ: يفارِقُ ولا شيءَ عليه (٣). ومذهبُ مالك أَقْوَى في النّظرِ. المسألةُ السّادسة (٤): وأمّا مُوجِبُ الفُرْقة بذلك بعدَ المَسِيسِ، فإنّ ما ظَهَرَ عليها من ذلك، لا يخلو أنّ يحدثَ قبل عَقْدِ النِّكاحِ أو بعدَهُ، فإن كان حدثَ بَعْدُ، فقد وجبَ للمرأة جميع المَهْرِ بالمَسِيسِ، سواءٌ عَلِمَ بذلك قبلَ الوَطءِ أو بعدَهُ، وإن كان بالمرأةِ قبلَ العَقْدِ، ولم يَعْلَم الزَّوجُ به إلّا بعدَ الوَطءِ، فإنّه لابدّ للبُضْعِ المستباحِ من عِوَضٍ، وسيأتي تفسيرُه بعدَ هذا إنَّ شاء الله. المسألةُ السّابعةُ: في نكاحِ التّفويضِ وهو: إذا تزوَّج الرّجلُ امرأةً على نكاحِ التَّفويضِ، وماتَ قبل أنّ يدخلَ بها، ولم يُسَمِّ لها شيئًا من الصَّدَاقِ، فإنّ لها الميراث وعليها العِدَّة، ولا صداقَ لها، قاله مالك (٥).
следующие страницы →