← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2521–2560 · переход к 2526.

стр. 2521

القاضي أبو العبّاسِ (١) مدرِّسُ البَصْرَةِ: عَقْدُ النِّكاحِ اقتضَى التّمكينَ من الوَطءِ، وهذا خلاف مقتضَى العَقد، والعَقدُ إذا فاتَ مقتضاهُ باطلٌ. فأمّا علماؤُنا- رحمةُ الله عليهِم- فتقاولوا في ذلك كثيرًا، واختلفوا في ذلك قديمًا وحديثًا، جمعتُ شَتاتَ آرأئهم، ونَظمتُ منثورَ أَقوالِهِمْ، وأوضحتُها في "كتب المسائل" أحسنَ إِيضاحٍ، الإشارةُ الكافيةُ إليه؛ أنّ النِّكاح يُرَدُّ عندنا بأربعةٍ وعشرينَ عَيبًا: ١ - الجنونُ. ٢ - الجُذَامُ. ٣ - البَرَصُ. ٤ - الجَبُّ. ٥ - الخِصَاءُ. ٦ - قطعُ الحَشَفَةِ. ٧ - العُنَّةُ. ٨ - الاعتراضُ (٢). ٩ - الرَّتَقُ (٣). ١٠ - القَرَنُ. ١١ - العَفَلُ. ١٢ - الاستِحَاضَةُ. ١٣ - الإفَاضَةُ (٤). ١٤ - نَتنُ الفَرْجِ. ١٥ - حَرْقُ النَّارِ. ١٦ - الزَّمَانَةُ. ١٧ - الذُّبُولُ. ١٨ - الخَشَمُ (٥). ١٩ - القَرَعُ. ٢٠ - *السَّوَادُ.

стр. 2522

٢١ - البَخرُ. ٢٢ - العَمَاءُ. ٢٣ - العَرَجُ. ٢٤ - التَّيتَاءُ*، وكذلك قَيَّدتُه عن التَّبريزي (١) بتاءَين، وقيَّدْتُه عن ثابتِ بنِ بُنْدَارِ (٢) بتاءٍ واحدةٍ. وقد يقعُ في هذا التعديدِ تَدَاخُلٌ، ومَرْجِعُهُ إلى أربعةٍ وعشرينَ، فهذه العيوب كلُّها وأمثالُها ممَّا يُرَدُّ النِّكاحُ عند المالكيّة بها، وإن كان فيها اختلافٌ ونِزَاعٌ، ولكنّ المقصودَ من النِّكاح الأُلْفَةُ والاسْتِمْتَاعُ، وهذه العيوَبُ كلُّها تنفي الأُلْفَةُ وتُفَوِّتُ الاسْتِمْتَاعَ وكمالَهُ، وأيُّ استمتاعٍ في المَذبُولة؛ إنَّ القرْنَاءَ لأقربُ إلى اللّذّة منها. وليس سكوتُ مالكٍ عن مسألة يُوجِبُ أنّ تكونَ خلافَ ما تكلَّمَ عليها، بل يُلْحَقُ النّظيرُ بالنّظير، ويُحْمَلُ المِثْل على الِمثْل، وأيُّها أبعدُ عند النَّظَرِ في الدَّليلِ والرَّدِّ، السّوداءُ أم العمياء؟ فهذه المعاني إنّما تُبنَى على ملاحظة المقصودِ، فما فَوَّتَهُ حُكمًا كالّذي يُفَوِّته حِسًّا، والله أعلم.

стр. 2523

المسألةُ الثالثةُ (١): في ثبوتِ الخِيَارِ لكلِّ واحدٍ من الزَّوجينِ بالمعاني المؤثّرَةِ في منع الاستمتاع، فالأوَّلُ (٢) مروِيٌّ عن مالك، لقول عمر المتقدِّم، وبه قال الشّافعيّ (٣). وقال أبو حنيفة: لا خِيَارَ للزَّوجِ بشيءٍ من ذلك (٤). ودليلُنا من جهة القياس: أنّ هذا أحد الزّوجين، فجازَ أنّ يُرَدَّ بعيبٍ يمنعُ المقصودَ من الاستمتاعِ كالزّوج، وذلك أنّ أبا حنيفة وَافَقَنَا على أنّ الزَّوج يُرَدُّ بالجَبِّ والعُنَّةِ. المسألة الرّابعة: في تفسير المعاني (٥) فأمّا "الجنونُ" و "الجُذَامُ" و "البَرَصُ" و "داءُ الفَرْجِ" فروى ابنُ عبد الحَكَم عن مالك ذلك. وأمّا الأبْهَرِي فقال: إنّما كان ذلك؛ لأنّ هذه المعاني تَمنعُ استدامةَ الوَطءِ وكمالَ الالتذاذِ به. وأمّا "الجُنُونُ" وهو الصَّرْعُ والوَسْوَاسُ الّذي يذهب به العقل، تُرَدُّ به المرأةُ، وكذلك "الجُذامُ" إذا تيقّنَ، قليلًا كان أو كثيرًا. وأمّا "البَرَصُ" فقد سُئِل مالكٌ (٦): أَتُرَدُّ المرأةُ من قليلِ البَرَصِ؟ قال: ما سمعتُ إِلَّا ما في الحديثِ، وما فرَّقَ بين قليلٍ ولا كثيرٍ.

стр. 2524

وقال ابنُ القاسم: تُرَدُّ من قليلِهِ، ولو أُحِيطَ علمًا بِمَا خفَّ منه، لم تُردّ منه. وأمّا "دَاءُ الفَرْجِ" فقال ابنُ حبيب: ما كانَ في الفَرْجِ ممّا يقطعُ لذَةَ الوطءِ، مثل: العَفَلِ والقَرَنِ والرَّتَقِ. وقال عبدُ الوهّاب (١): "داءُ الفَرْج هو: القَرَنُ والرَّتَقُ، وما كان في معناهما". وزادَ ابنُ الجلَّابِ في "تَفْرِيعِهِ" (٢): "البَخَر والإِفضاء" (٣). وأمّا "القَرَعُ الفاحشُ" فقال ابنُ حبيب: له الردّ به؛ لأنّه من معنى الجُذَام والبَرَص، ولم أَرَ ذلك لغيره من أصحابنا، والأظهر أنّه لا يُرَدّ به؛ لأنّه ممّا يُرْجَى بُرْؤُهُ في الأغلبِ، ولا يمنع المقصود من الاستمتاع ولا يؤثِّر فيه. فرعٌ (٤): وأمّا سوى ذلك، فلا تُرَدُّ به المرأةُ، إِلَّا أنّ يشترط الصّحة، كالعَمَى والعَوَر. المسألةُ الخامسةُ (٥): وأمّا ما يُوجِبُ الفُرْقَةَ قبل المَسِيسِ، فإنّه لا يخلو أنّ يكونَ موجودًا بالمرأةِ حينَ العَقْدِ، أو حادِثًا بعد ذلك، فإن كان موجودًا حينَ العَقْدِ، فعَلِمَ به الزّوجُ قبلَ البِناءِ (٦)، فإنّ له أنّ يفارِقَ ولا شيءَ عليه (٧)، أو يَبْنِي وعليه جميعه. ووجهُ ذلك: أنّه عَيْبٌ وليس له بُرْءٌ، وهو بالخيار في ذلك (٨).

стр. 2525

فرعٌ (١): فإن ادَّعَى الزّوجُ أنّ بها قَرَنًا، أو داء الفَرْجِ، وأنكرت هي ذلك، ففي "كتاب محمّد" و "ابنِ حبيب": هي مُصَدَّقَةٌ، وليس له ان ينظرَ النِّساءُ إليها (٢). ورُوِيَ عن ابنِ القاسم: لا ينظر النِّساء إليها، وأنكرَهُ سحنون وقال: كيف يُعْرَفُ إِلَّا بِنَظَرِهِنَّ، ورَوَى ابنُه عنه أنّه ينظر إليها النِّساء. وأمّا إنَّ كان حادثًا بها بعدَ العَقْدِ، فَعَلِمَ قبلَ البناءِ، لم يكن له إِلَّا أنّ يفارقَ ويكون عليه نصف الصَّدَاقِ، أو يَبْنِي ويكون عليه جميعه. وقال الشّافعيُّ: يفارِقُ ولا شيءَ عليه (٣). ومذهبُ مالك أَقْوَى في النّظرِ. المسألةُ السّادسة (٤): وأمّا مُوجِبُ الفُرْقة بذلك بعدَ المَسِيسِ، فإنّ ما ظَهَرَ عليها من ذلك، لا يخلو أنّ يحدثَ قبل عَقْدِ النِّكاحِ أو بعدَهُ، فإن كان حدثَ بَعْدُ، فقد وجبَ للمرأة جميع المَهْرِ بالمَسِيسِ، سواءٌ عَلِمَ بذلك قبلَ الوَطءِ أو بعدَهُ، وإن كان بالمرأةِ قبلَ العَقْدِ، ولم يَعْلَم الزَّوجُ به إلّا بعدَ الوَطءِ، فإنّه لابدّ للبُضْعِ المستباحِ من عِوَضٍ، وسيأتي تفسيرُه بعدَ هذا إنَّ شاء الله. المسألةُ السّابعةُ: في نكاحِ التّفويضِ وهو: إذا تزوَّج الرّجلُ امرأةً على نكاحِ التَّفويضِ، وماتَ قبل أنّ يدخلَ بها، ولم يُسَمِّ لها شيئًا من الصَّدَاقِ، فإنّ لها الميراث وعليها العِدَّة، ولا صداقَ لها، قاله مالك (٥).

стр. 2526

وقال الشّافعيّ (١): لا صَدَاقَ لها إِلَّا صَدَاق المِثْل، واتَّفَقوا في الميراثِ والعِدَّة. واحتجّ الشّافعيُّ بأنّ لها الصَّداق، بما رَوَى الدّارقطنيُّ (٢)؛ أنّ ابنَ مسعودِ سُئِلَ عن هذه المسألة فقال: أَقْضِي فِيهَا بِرأيِي، فَإنْ أَصَبْتُ فَمنَ الله، وَإنْ أَخطأتُ فَمِنِّي وَمِنَ الشَّيطَانِ، والله ورسولُه يَرَيَانِ، لَهَا صَدَاقُ مِثلِهَا، ولها الميراثُ وعليها العِدَّةُ، فقام إليه ناسٌ من أشجع فقالوا له: هذا حُكمُ رسولِ اللهِ ﷺ في هذه المسألة، فحَمِدَ الله وأثنَى عليه (٣). وأجاب أصحابُ مالكٍ: بأنْ لا حُجَّة في الحديثِ من وجهين: أحدهما: أنّ الحديثَ ضعيفٌ، لقوله فيه: "فَقَامَ نَاسٌ من أَشجَع" وهم مجهولُونَ. وأجابَ أصحابُ الشَّافعيّ: بأن هذا باطلٌ؛ لأنّه لو كان كذلك لما قبِلَهُم ابن مسعود حين حَمِدَ الله، فإنّه أضاف حكم رسول الله ﷺ إليه. والصَّحابيُّ إذا رَوَى عن الصّحابي فهو مسندٌ يدخل في المسنَدَاتِ على ما بيّنَّاهُ. المسألةُ الثّامنةُ (٤): أنا المحجورُ عليه لِسَفَهِهِ، فالمشهورُ من المذهبِ أنّ الأبَ يُجبرُه على النِّكاحِ، وكذلك الوصيُّ والسُّلطانُ (٥). وقال عبدُ المَلِك: لا يزوِّجه من يلي عليه إِلَّا بِرِضَاهُ (٦).

стр. 2527

فرع (١): فإن تزوّجَ السَّفيهُ بغير إِذنِ الوَصِيّ، فنكاحُهُ موقوفٌ على الفَسْخِ أو الإمضاءِ، فإن رَأَى وجهَ رُشدٍ أَمضاهُ، وإن رأَى غَبنًا رَدَّهُ، كالعبدِ يتزوَّج بغيرِ إذنِ سيِّدِهِ، فإن أجازَهُ (٢) على ما عَقَدَ لَزِمَهُ، فإن ردَّهُ قبلَ البناءِ فلا شيءَ عليهِ من مَهْرٍ ولا غيرِه، وكانت طلْقَة. وإن ردَّهُ بعدَ البِنَاءِ، فقد قال عبد المَلِك: تَرُدُّ الزَّوجةُ ما قبَضَتْ ولا يترك لها شَيءٌ. وقال مالك وأكثر أصحابه: يترك لها. وقولُ مالكٍ استحسانٌ (٣). فهذا قلنا بقول مالك؛ ففي "الموازية" وغيرها عن مالك أنّه يُتْرَك لها رُبُع دينارٍ (٤). وقال مالك في "الواضحة": يُترَكُ لها قَدْر ما يستحلّ به مثلها، ولم يحدّ في ذلك شيئًا. وقال ابنُ القاسِم (٥): يترك رُبعُ دينار للدَّنِيَّة (٦)، ورُوِيَ عنه في الدَنِيَّة أنّه يترك لها ثلاثة دنانير، أو على قَدْرِ الإمكان. فرع (٧): فإن لم يعلم بنكاحِهِ حتَّى مات أحدهما، نُظِرَ، فإن كان هو الّذي مات، فقد قال ابنُ القاسم في "الموازية": لا ميراث بينهما (٨). قال ابن حبيب: ولا صَدَاقَ.

стр. 2528

المسألةُ التَّاسعةُ (١): فإذا وقعَ الفسادُ في النِّكاحِ لفسادِ المَهرِ (٢)، فقد قال عبدُ الوهَّابِ (٣): "لَا خِلافَ في مَنْعِهِ ابتداءً، فإن وقَعَ ففيه روايتان: إحدَاهُما: الفسخ للعقد قَبلَ البِنَاءِ وبعدَهُ. والأخرى: يُفْسَخُ قبل البِنَاءِ ويثبت بعدَهُ، ويجبُ مَهْرُ المِثلِ، خلافًا لأبي حنيفة والشّافعي (٤) في قولهما: إنَّ النِّكاحَ صَحِيحٌ، ولا يفسد بفسادِ المَهْرِ، ويجبُ فيه مَهْرُ المِثْلِ. فإذا قلنا: إنَّ العَقدَ فاسِدٌ، فوَجْهُهُ قولُه تعالى: ﴿أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ﴾ الآية (٥)، فعلَّقَ الإِحلالَ بشرطِ أنّ نبتغي بأموالنا، والخمر والخنزير ليس بمالٍ لنا". وهذا عندي (٦) على القول بدَلِيلِ الخطابِ. المسألةُ العاشرةُ: فيما يُعتبر به مَهرُ المِثْل (٧) فإنّه يُعتبرُ بأربعِ صِفَاتٍ: ١ - الدِّينُ. ٢ - والجمالُ. ٣ - والحَسَبُ. ٤ - والمالُ. وقد حكَى الطّحاويُّ (٨) عن أبِي حنيفة أنّه يُعتَبَر نساء قومها اللّواتي معها في عشيرتها، فدخل فيها سائر العَصَبَات والأُمَّهات والخَالَات دون الأجانب. وقال ابنُ أبي ليلى: يعتَبر بذَوَاتِ الأرحامِ (٩).

стр. 2529

ودليلُنا: قوله ﷺ : "تُنْكحُ المَرْأَةُ لأَرْبَعٍ: لِمَالِهَا، وَلِحَسَبِهَا، وَلِجَمَالِهَا، وَلِدينِهَا، فَاظفَز بِذَاتِ الدِّينِ تَربَتْ يَدَاكَ" (١). ودليلُنا من جهةِ المعنى: أنَّ هذه زوجةٌ، فوجبَ أنّ يُعتبرَ في مَهْرِ مثلِهَا مَنْ كان على مِثلِ حالِهَا، وإن لم تكن مِنْ قومها، كالّتي لا عَشِيرةَ لها. بابُ إرخاء السُّتورِ الأصول (٢): قال علماؤُنا: إرخاءُ السُّتور يُوجِبُ الصَّدَاقَ في حالةٍ، وهي ذِكرُهُ وتسميَتُه، وفي حالةِ استقرارِهِ وهي بالدُّخول؛ لأنَّ اللهَ تعالى عَلِمَ أنَّ الدُّخولَ سِرٌّ لا يُطَّلَعُ عليه، فنصب عليه علامةٌ من الخَلْوَةِ بالتَّمَكُنَّ من الاستيفاءِ، فقام ذلك مقام العِيَانِ فيه، لهذا المعنى وقَعتِ الإشارةُ بأنَّ عمرَ بنَ الخطابِ قَضَى في المرأَةِ إذا أُرْخِيَتِ السُّتورُ عليها فقد وجبَ الصَّدَاقُ. وقد شرَطَ بعضُ العلّماءِ أنّ يكون ذلك في بَيْتِ البِنَاءِ؛ لأنَّ الخَلْوَةَ في غيره لم تُوضَع لهذا، فَرُبَّما وقعَ ورُبَّما لم يَقَعْ، والأصلُ العَدَمُ، فلا يتحقّقُ الوجودُ إِلَّا بيقينٍ، أو بظاهرٍ يدُلُّ عليه، وهذا هو اختيارُ سعيدِ بن المُسَيِّبِ. وسوَّى سائرُ العلماء بين الأمرين؛ لأنّ الخَلْوَةَ في غيرِهِ لم تُوضَع له إذا وقعت، ولا وازعَ من الطَّبْعِ ولا من الشَّرْعِ، فالظَاهرُ وقوعُ الوطءِ، فَقُضِيَ به، وهذا بناءً

стр. 2530

على مسألة من أصولِ الفقهِ قد قدَّمنَاهَا؛ وهي: إذا تَعارَضَ نصٌّ وظاهِرٌ، بِمَ يُقْضَى منهما؟ وأحكامُه مختلِفَةٌ، والأدِلَّةُ مُتَبَايِنَةٌ، وقد بيَّنَّاهَا في "المسائل". الفقه في ثلاث مسائل: الأولى (١): قوله (٢): "إذا أُرْخِيَتِ السُّتُورُ فقَدْ وَجَبَ الصَّدَاقُ" يريدُ: إذا خَلَيَا وانفَرَدَا، وهذا اللَّفظ يَقتَضِي أنّ بالخَلْوَة يجبُ على الزَّوج إكمال الصَّدَاقِ وإن لم يكن المَسِيس، غير أنّ معناه عند مالك (٣): الخَلوَة لا غير؛ لأنّ (٤) الخَلْوَة عنده سبيلٌ للالتذاذ بالزّوجة، والتَّمتُّعِ بها بالوَطءِ، والنَّظَرِ إلى محاسِنِهَا. المسألةُ الثّانيةُ (٥): فإن أقرَّ بالخَلوَةِ، أو قامت بِهَا بيِّنَةٌ، فالحُكمُ بما قدَّمناهُ، وإن لم تكن بيّنةٌ ولا إقرارٌ، فقد روى ابنُ حبيبٍ عن مالك أنّ اليمين على الزَّوجِ في دَعْوَى المَسِيس (٦). وقد كان ابنُ القاسِم يقول: إذا ادَّعت المرأةُ المَسِيسَ في أهلها، وقد عُرِفَ اختلافُه إليها أو لم يُعْرَف، لَزِمته اليمينُ في الأمرين، فإن حَلَفَ بَرِيءَ، وإن نَكَلَ غَرِمَ جميع الصَّداقِ. ووجه ذلك: أنّ الأصلَ في استصحاب حالِ العقل عدم ما يشهد لها ويجعل قولها الأظهر (٧).

стр. 2531

فرع: فإذا تزوَّجَ رجلٌ بِكرًا فقالت: إنّه وطِيءَ، وأنكر هو، فمذهبُ مالكٍ أنّ القولَ قولُها مع يَمِينِهَا ولا ينظر إليها النِّساء. ومذهبُ المتَأخرِّينَ من البغداديِّينَ؛ أنّه ينظر إليها النّساء؛ لأنّ هذا أمرٌ مُشَاهَدٌ يتعلَّقُ بالنِّساء، فجاز النّظرُ إليها كالإيماء. ووجهُ القولِ الأوّلِ: أَنَّ الحُرَّة لا ينظر إليها النّساء؛ لأنّها مُصَدَّقَةٌ، بخلافِ الإِماءِ فإنّهَنَّ سِلْعَةٌ من السِّلَع. المسألةُ الثالثةُ (١): فإذا ثبتَ ذلك، فإنَّ المُوجِبَ عندنا في كمالِ الصَّدَاقِ بالبناء هو الوَطءُ بمغيب الحَشَفَةِ، وإنْ لم يكن عند ذلك إنْزَالٌ، هذا قولُ جماعةِ شيوخِنَا. ووجهُ ذلك: أنّ الأحكام إنّما تتعلّقُ بمغِيبِ الحَشَفَةِ، من وُجُوب الغُسْلِ، ووُجُوبِ الحَدِّ، وإحلالِ المطلَّقَة، وإفسادِ الحَجَّ، والصَّومِ، وغيرِ ذلك من الأحكام الّتي بَيَّنَاهَا قبلُ. باب المُقَامُ عند الأَيِّم والبِكر الأحاديثُ في هذا البابِ كثيرة المساقِ، صِحَاحٌ كلُّها، خَرَّجَها الأَيِمَّةُ. وفي "مسلم" (٢) قوله ﷺ لأمِّ سَلَمَة إذ أصبح عندها: "لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ، إنَّ شِئْتِ سَبَّعتُ عِنْدَكِ ... " الحديث (٣).

стр. 2532

وقال الشّافعيّ (١): إنَّ للبِكر سَبْعًا، وللثَّيِّبِ ثلاثة، بنَصِّ هذا الحديث، ثمّ رجع عنه فقال: للبِكرِ سَبعٌ وللثَّيَّب سَبْعٌ، وهو مذهبُهُ. وأخذ مالك بحديثِ أنس أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لِلبِكْرِ سَبْعٌ، وَللثَّيِّبِ ثلاثٌ" (٢). وحديثُ أمِّ سَلَمَةَ أصحّ لأنّه مُسنَدٌ، وحديثُ أَنَس موقوفٌ، لكن يُقَوِّي مالك حديث أنس بعمل أهلِ المدينةِ (٣). ويعترضُ الشّافعيُّ بأنّ النّبيَّ ﷺ قال: "إنَّ شِئْتِ سَبَّعْتُ عِنْدَكِ فَخيرٌ" وكيف يصحُّ لها الخِيَار، وللزَّوجةِ الأُخرى أنّ تقول: هذا يومي، فلا أترُكُهُ، فلعلِّي لا أدركه. فإن كان له زوجاتٌ، كان رجوعُهُ بعدَ خُرُوجِهِ من عُرْسِهِ إلى الّتي وجبت لها اللّيلة قبلُ. الفقه في خمس مسائل: المسألةُ الأولى (٤): اختلفَ أصحابُنا في ذلك (٥)، هل هو حقٌّ للزّوجِ أو للزّوجةِ؟ فقال عبد الوهّاب (٦): "في ذَلِكَ رِوايَتَان" قال: "وفائدةُ الخلافِ: أنّه إذا كان حقًا له جاز فعلُه وتَرْكُه، وإذا كان حقًّا لها لم يكن له تركُهُ إِلَّا بإذنها". توجيهٌ: فوجهُ القولِ الأوَّلِ: قولُه: "لَيْسَ بِك عَلَى أَهْلِكَ هَوَانٌ" فأخبر أنّ ذلك على وجهِ الإكرام، ولو كان ذلك من حقوقها لقال: ليْسَ لنَا مَنْع حقّك. ووجه القول الثّاني (٧): قولُه في حديث أنس: "لِلبِكْرِ سَبْعٌ، وَلِلثَّيِّبِ ثَلاثٌ" وقد

стр. 2533

أسْنَدَهُ ابن وهب (١) في غير "الموطَّأ". وحَكَى ابنُ القصَّار (٢) أنّ ذلك حقٌّ لهما، وهو قولٌ صحيحٌ عندي، والله أعلم. توجيه آخر: فإن قلنا: إنّه حقٌّ للزّوجةِ، فهل يُقضَى به على الزّوج أم لا؟ قال أَصْبَغُ في "الموازية": هو حقٌ عليه، ولا يُقْضَى به عليه كالمُتْعَةِ (٣). وفي "النوادر" (٤) عن ابن عبد الحَكَم أنّه يُقْضَى به عليه. فرع: وهل يكون للزّوجة ذلك إذا لم يكن عندَهُ غيرها؟ فروى أبو الفَرَج المالكيّ عن ابن عبد الحَكَم: أنّ ذلك عليه. وقال ابنُ حبيبٍ: لا يلزمه المقام عندها إذا لم يكن له غيرها. فإن كان له نساءٌ كثيرةٌ، فإنّه يقسم بينهنّ في ذلك. فرع: * قوله: "للبِكْرِ سبعٌ وللثَّيِّبِ ثلاثٌ" يقتضي ظاهره أنّه حق للمرأة، وبهذا قال من الصّحابة أنس، ومن التّابعين فمن بعدهم النّخعي والشّعبيّ والشّافعيّ (٥) وأحمد بن حنبل (٦). وقال سعيد بن المسيِّب والحسن البصري*: للبكر ثلاثة أيّام وللثَّيِّب يومان، * وقال حَمَّاد بن أبي سليمان وأبو حنيفة (٧) *: ولا تُفَضَّلُ الجديدةُ على القديمةِ بِكْرًا

стр. 2534

كانت أو ثَيِّبًا. ودليلُنا ما في البخاريّ (١) * عن أنس قال: من السُّنَّة إذا تزوّج الرّجل البكر أقام عندها سبعًا وقسم، وإذا تزوّج الثَّيِّبَ أقام عندها ثلاثًا ثمّ قسم*. المسألةُ الثّانيةُ (٢): في أيِّ وقتٍ يبدأ بالمشيِ على نسائه؟ فقال مالك في "كتاب محمّد": يبدأُ باللّيل قبلَ النَّهارِ، أو بالنَّهارِ قبلَ اللَّيل. ووجه ذلك: أنّ الّذي عليه أنّ يكملَ للواحدةِ يومًا وليلةً، وهو المُخَيَّر في أنّ يبدأ بأيَّ الزَّمانَين شاءَ. على أنّ الأظهرَ من قولِ علمائنا: أنّه يبدأ باللّيل. المسألةُ الثّالثةُ (٣): في وجه القسمة بين النِّساء فقال عبد الملك: يكونُ عند كلِّ واحدةٍ يومًا وليلةً (٤). قال أصحابنا: ولا يجوز أنّ يقسم لكلَ واحدة يومين، رواه ابن الموّاز عن مالك (٥). وسواءٌ في ذلك الصّغيرة والكبيرة، والصّحيحة والمريضة الّتي لا توطأ، والطّاهر والحائض. زاد ابنُ حبيبٍ: والمسلمة والكتابيّة والنُّفَسَاء وغيرها. المسألةُ الرّابعةُ (٦): وهل يتخلّف العروس عن الجُمُعَةِ والجماعة؟ رَوِيَ في "العتبيّة" (٧) عن ابن القاسم عن مالك: لا يتخلّف عنها (٨). قال سحنون:

стр. 2535

وقال بعض العلماء: لا يخرج، وذلك لها بالسُّنَّةِ (١). ووجهُ قول مالك: أنّه إنَّ كان حقًا للزّوج، فإنّ الزّوجة لا تملكه، وإن كان حقًّا لها فإنّها لا تملك منه إلّا ما زادَ على أداء الصّلاة. ووجهُ رواية سحنون: أنّ من ملك منافع أجير في مدَّةٍ، فإنّه يسقط عنه بذلك فرائض الجُمُعَة وحقوق إتيان الجماعة، كالسَّيِّد في عبده. باب ما لا يجوزُ من الشّروطِ في النّكاح الأُصولُ (٢): قال القاضي ﵁: هذه مُعْضِلَةٌ، اختلفَ النَّاسُ فيها قديمًا وحديثًا، وتعارضَ فيها أصلان عظيمان: أحدُهما قريبُ المَرَامِ؛ وهو ما رُوِي عنه ﷺ أنّه قال: "أَحَقُّ الشُّرُوطِ أنّ يُوَفَى بِهِ مَا استَحلَلْتُم بِهِ الفُرُوجَ" (٣). والأصل الثّاني: قولُه: "كُلُّ شَرْطٍ لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ" (٤) وهو بعيدُ الغَوُرِ؛ لأنّ المرادَ بقوله: "لَيْسَ في كِتَابِ اللهِ" أي: في حُكْمِ اللهِ، فأحالَ رسولُ الله ﷺ المجتهدَ على ملاحظة الشّرط، وإن كان في كتاب الله جائزًا بدليلٍ يدلُّ عليه

стр. 2536

مضَى، وإلّا ارتدّ، فتباينَ العلّماءُ في ذلك على وُجُوهٍ بيانُها في "الكتاب الكبير" لُبَابُه؛ أنّ علماءَنَا قالوا: إنْ خالفَ الشّرطُ* مُقتَضَى العَقدِ، فليس من كتاب الله ، وإنْ وافقه أو لم يعترض عليه، فقد أَذِنَ اللهُ فيه؛ لأنّه إذا خالَفَ الشَّرْطُ* مقتضى العقد صارَ تَنَاقُضًا، والتّناقضُ ليس من الشَّريعةِ، فَرَكِّب على هذه المسألة مسألةَ سعيد بن المسيِّبِ الواقعةَ في هذا الباب: "إِذَا شَرَطَتِ المرأةُ أَلاَّ يُخرِجَها من بَلَدِها" (١) فإنّ هذا شرطٌ يخالفُ القِوَاميةَ الّتي فَضَّلَ اللهُ بها الرِّجال على النِّساءِ وخَطَت الدّرجةَ الّتي أنزَلَهُم فيها وقدَّمَهُم عليهنّ بها، فقال: ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ﴾ الآية (٢)، فعلى هذا يكونُ الشَّرطُ ساقطًا. ونظر ابنُ شهابٍ وغيرُه إلى أنّه شرطٌ استُحِلَّ به الفَرْج، فلزم الوفاء به بالحُكمِ الواقعِ من صاحبِ الشّرطِ، و"أحَقُّ الشروطِ أنّ يُوَفَى به ... " الحديث المتقدِّم. فاختارَ علماؤُنا قولَ سعيدٍ، وحَمَّلُوا الشّروطَ الواقعةَ في إحلالِ الفَرْجِ بما تعلَّقَ بالنِّكاح من صّدَاقٍ ونِحْلَةٍ وجِهَازِ شُوْرَةٍ، ممّا تَنمِي (٣) معه الحالةُ، وتسكُنُ معه

стр. 2537

الأُلْفَةُ، لا فيما يُنافِر موضوعه ويُخالِفُ مقتضاهُ. وتقصَّى مالك الشُّروطَ المقترنةَ بالعقود في فَتَاوِيهِ، فرآها على ثلاثةِ أقسامٍ: منها: شرطٌ يُبطِلُ العقدَ رأسًا. ومنها: شرطٌ يُبْطُلُ في نفسه. ومنها: شرطٌ إنَّ جُزِلَ (١) العَقْدِ صحَّ، وإن رُبِطَ به بَطَلَ، وقد استوْفَينا ذلك في "الكتاب الكبير". الفقه في مسائل: الأولى (٢): إذا ثبت ذلك، فإنّ هذه الشُّروط على ضربين: أحدهما: غير مؤثّرةٍ في النِّكاح. الثّاني: أنّ تكون مؤثِّرةً فيهِ. فأمّا الّتي لا تُؤَثِّر فيه، فهي الّتي لا تُؤَثِّر في جَهَالةِ المَهْرِ، ولا تُغيِّر مقتضى العَقْد، مثل أنّ تشترط عليه إِلَّا يتزوّج عليها، ولا يَتَسَرَّى، ولا يتّخذ أمّ ولد، ولا يخرجها عن بلدها، ونحو ذلك من الشّروط. فهذه الّتي قال ابنُ حبيب: لا يبلغُ من كراهيّة أهل العلم لها أنّ تكون حَرَامًا، أو يُفسَخُ بها النّكاح. والضّرب الثّاني: هو الّذي يُؤثِّر في عَقْدِ النّكاحِ، فهو ما أثّر جهالة في المَهْرِ، أو غَيَّر بعض مقتضى العَقْد، كالخِيَارِ ونحوِهِ، وذلك مثل أنّ تشترط من النَّفَقَة كذا في كلِّ

стр. 2538

شهرٍ، أو تشترط نَفَقَة خادم لها، أو نَفَقة ابنها من غيره، أو على أنّ لا نَفَقَة لها، فهذا كلّه يُفْسَخُ قبلَ البناءِ، ويثبت بعدَهُ، ويسقط الشَّرط. ووجه ذلك: ما قدّمناهُ من أنَّ هذا الشّرط قد أَثَّر جهالةً في العِوَضِ، ففسدَ لذلك العَقْد قبل البناءِ، ويثبت بعدَهُ. باب المُحَلِّل وشبهه الإسناد: قال الإمام: قولُه (١): "عَنِ الزَّبِيرِ" رَوَاهُ يحيى وجماعةٌ بفَتحِ الزّاي، وقال ابنُ بُكَيْر (٢): بضَمِّ الزّاي. وقال الدّارقطنيّ (٣) وعبد الغَنِيّ (٤) وغيرهما من الحفّاظ: هو الصّواب (٥). وهو الزُّبِيرُ بنُ عبد الرّحمن بن الزُّبِيرِ اليهودّي القُرَظَيّ، قُتِلَ يوم قُرَيْظَة (٦)، والله أعلم.

стр. 2539

الفقه في مسائل: المسألة الأولى (١): قوله (٢): "طَلَّقَ امْرَأتَهُ ثَلاثًا" يحتمل أنّ يُوقعها في مرَّةٍ واحدةٍ. ويحتمل أنّ يوقعها في ثلاث مراتٍ. وقولُه: "فَذَكَر ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَنَهَاهُ" وأعلَمَهُ أنّ المانِعَ له من نِكَاحِها باقٍ، وهو ظاهر اللّفظ؛ لأنّه قد قال له: "حَتَّى تذُوقَ الْعُسَيْلَةَ" فأخبرَهُ أنّ المُحَلِّلَ إنّما هو الوطء دونَ العَقْد. وانْفَردَ ابن المُسَيِّب بقولِهِ (٣): إنَّ عقد الثّاني يُحلُّها للأوَّلِ وإنْ لم يكن وطء. ولعلّه لم يبلغه الحديث؛ لأنّه نصٌّ في مخالفةِ قوله. وقد رَوَى ابنُ القاسم عن مالك أنّه قال: العُسَيلَةُ فيما نَرى - والله أعلم - اللَّذَّة، ومجاوزة الخِتَان الخِتَان (٤). المسألة الثّانية (٥): اختلفَ النَّاسُ فيه (٦): فجوَّزَهُ أهلُ العراقِ (٧)، ومنَعَهُ سائرُهم، وغلا فيه بعضُهم، حتَّى سمعتُ مِن علماءِ الحنفيَّةِ من يقول: إنّه قُرْبَةٌ؛ لأنّ فيه سَعَةَ ضِيْقٍ وإباحةَ تحريمٍ أَذِنَ اللهُ فيها.

стр. 2540

ورأَى أهلُ المدينةِ أنّها معصيةٌ مُوجِبةٌ للنَّارِ، حتَّى قال بعضُهُم (١): لا يكونُ مِسَمارُ نارٍ في كتاب الله. وقد كان من العلماء الماضين من يَرَى أنّ مجرَّدَ العَقْدِ كافٍ في التَّحليلِ، لقول الله سبحانه: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٢). وقد بيَّنَتِ السُّنَّة ذلك التّحليل، فقال النّبي ﷺ : "أتُرِيدينَ أنّ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ؟ لَا، حَتَّى تذُوقِي الْعُسَيلَةَ" الحديث (٣)، فَبَيَّنَ النَّبي ﷺ اشتراطَ الغَايةِ في الغايةِ؛ لأنّه قال: ﴿حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ﴾ (٤) فهذه غايةٌ، وابتداءُ النِّكاحِ عَقدٌ، وغايتُه وَطءٌ، فهذه غايةٌ أخرى. ومِن ههنا قال علماؤُنا: إنَّ البِرَّ والحِلَّ لا يكونُ إِلَّا بِأكْملِ الأشياءِ، ويقتضيه المعنى؛ لأنّه إنّما اشترط الزّوج في الطّلاق الثّلاثِ إرغامًا له؛ حيثُ اقتحمَ بَتَاتَ العصمة، والإرغامُ والمَذَلَّةُ إنّما يكون بالوطءِ لا بالعَقْدِ، حتّى يكون ذلك واعظًا لغيره ألّا يقعَ فيها، وزاجرًا له حتّى لا يعودَ إليها. وإذا انْتَظَمَ المعنى والسُّنّةُ، لم يبقَ لأحدٍ حُجَّة، اللهمّ إِلَّا أنّه تعترضُ ههنا مسألةُ أبي حنيفةَ في نكاح المُحَلِّلِ، فلو صحّ قولُه: "لَعَنَ اللهُ المُحَلّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ" (٥) لكان ذلك أصلًا في فسادِ النّكاحِ، وإذا لم تَثبُث له قَدَمٌ في الصِّحَّةِ، فلم يبقَ إِلَّا حظُّ

стр. 2541

المعنى، وهو عظيمٌ في هذا البابِ، وهو أنّ قاعدةَ النِّكاحِ تَمَهَّدت في الشَّريعة برُكنَين: أحدهما: القصْدُ إلى التأبيد، إِلَّا أنّ يعْرضَ عارِضٌ من خوفِ التَّعدِّي في حُدودِ اللهِ. والثّاني: أنّ يكون ذلك معقودًا لنفسه قُرْبَةً لربِّه وعِفَّةً لدينه. فإذا عَقَدَهُ على غير هذين الرُّكنَينِ، فقد وَضَعَهُ في غيرِ مَوْضِعِهِ، فلم يكن نِكاحًا شرعيًّا، فوجبَ القضاءُ ببُطْلانهِ، وهذه قاعدةٌ لا تُزَعْزِعُها رياحُ الاعتِراضاتِ، ولا يتوجَّهُ لأحدٍ عليها سؤالٌ يَنْفَعُ، ولم يبقَ بعدَ هذا إِلَّا تفصيلُ تركيب الفُروع على هذه الأصولِ في صفَةِ الوَطء وَوُقوعِه، وخُلُوصِهِ في الحِلِّ أو تحريمه، وكمالِ الوطءِ أو نُقصانِه، ووقوع الاتّفاقِ عليه من الزَّوْجَين أو اختلافِهِمّا فيه، وكذلك بَيَّنَّاهُ في موضعه إنْ شاءَ الله. باب ما لا يُجْمَعُ بينَه من النّساء قال الإمام: الأصلُ في هذا الباب قولُه تعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ﴾ الآية (١). فالمحرَّمُ (٢) منهُنّ أربعونَ قرآنًا وسُنَّةَ، منهنّ: أربعٌ وعِشرون تحريمُهُنَّ مُؤَبَّدٌ لازِمٌ، ومنهنّ: ستّ عَشْرَةَ تحريمُهُنّ لعارِضٍ. فأمّا الأَرْبَعُ والعِشْرونَ فهُنَّ: الأمُّ (٣)، والبنتُ (٤)، والأُخْتُ (٥)، والعَمَّةُ (٦)،

стр. 2542

والخالةُ (١)، وبنتُ الأخ، وبنتُ الأخت (٢)، فهؤلاء سبعٌ، ومن الرِّضاعِ مثلُهنّ، لقوله ﷺ : "يَحْرُمُ مِنَ الرِّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ" (٣)، فهُنَّ أربعَ عَشرَةَ. ومن الصِّهرِ أربعٌ: أمُّ الزّوجةِ، وبنتُها، وزوجةُ الابنِ، وزوجةُ الأبِ (٤). ومن الجَمْعِ ثلاثٌ: الأختان قرآنًا، المرأةُ وعمَّتُها، والمرأةُ وخالتُها سُنَّةً، والمُلاعِنَةُ سُنَّةً، والمُنْكَحَةُ في العِدَّةِ بإجماعٍ من الصَّحابَةِ في قضاءِ عُمَرَ، وزوجاتُ النَّبيِّ ﷺ ، وقد سَقَطَ ذلك (٥). وأمّا التّحريم العارضُ: فالخامسةُ، والمُزَوَّجة، والمُعْتَدَّةُ، والمُستبرَأَةُ، والحامِلُ، والمطلّقةُ ثلاثًا، والمُشْرِكةُ، والأَمَةُ الكافرةُ، والأَمَةُ المسلمةُ لوَاجِدِ الطّوْلِ، وأَمَةُ الابنِ، والمُحْرِمَةُ، والمريضةُ، ومَن كان ذا مَحرَمٍ من زَوْجِهِ اللّائي لا يجوزُ الجمعُ بينهنّ وبينها، واليتيمةُ الصّغيرةُ، والمنكوحةُ يومَ الجمعةِ عند النِّداء، والمنكوحةُ عند الخِطبَةِ بعدَ التَّرَاكنِ. هذا منتهَى الكلام، ولعلّمائنا في ذلك تفصيلٌ طويلٌ. ورأيتُ لسُحنونِ قد زاد فيهنّ: الثَّيِّبُ الصَّغيرةُ إذا رجعَت إلى وَالِدِها قبلَ

стр. 2543

البُلوغِ، وفي ذلك كلِّه تفصيلٌ طويلٌ بيّنّاه في "كتب المسائل". الفقه في ستّ مسائل: الأولى (١): قوله (٢): "لَا يُجْمَعُ بَينَ الْمَرأَةِ وَعَمَّتهَا، وَلا بَينَ الْمَرأَةِ وخَالَتِها" يقتضي العمومَ، غير أنّ التّحريم إذا عُلِّقَ على النِّساءِ، فإنّ المفهومَ منه الوَطءُ، كما أنّه إذا عُلِّق على الطَّعام فُهِمَ منه الأكلُ، فيجبُ أنّ يُحْمَلَ على الوطءِ، أو على كلِّ معنى مقصوده الوطء، فأمّا الوطء فإنّه بملك اليمين، وأمّا العَقْد الّذي مقصوده الوطء فإنّه النِّكاح، وُيخَالِفُ في ذلك مِلْكُ اليمينِ، فإنّه بجوزُ للإنسانِ أنّ يَمْلِكَ مَنْ لا يطأ، كالأُختِ من الرِّضاعَة، والخَالَة، والعَمَّة من النّسب، ولا يجوز عقد النّكاح على من لا يجوز للرَّجُل وطؤُها من النِّساء. المسألة الثّانية: وفي "المدوّنة": أنّه إذا تزوّجَ الرَّجُلُ امرأةً وعمّتها، أو خالتها، وجَمَعَ بينهُمَا، فلا حدَّ عليه، وعليه التَّعزير، سواء كان جاهلًا أو عالمًا، قالَهُ ابنُ القاسم (٣). ووجه قوله: أنّه تحريمُ خَبَرٍ لا تحريمُ كتابٍ، والخبرُ مَظْنُونٌ، والظَّنُّ لا يُوجِبُ

стр. 2544

القطعَ، وكيف يستحلُّ دم هذا أو حدّه؟ وقال عليّ بن زيّاد عن مالك: إنَّ كان بِكرًا جُلِدَ، وإن كان ثَيِّبًا رُجِمَ، وهذا أصحّ إنَّ شاء الله؛ لأنّه يقال لابْنِ القاسِم: بأيّ شيءٍ يقتل تارك الصَّلاة ولم يأتِ في القرآن ولا في السُّنَّة، تقْتُلُهُ بالقياس؟. المسألةُ الثَّالثةُ: في صِفَةِ الجَمْعِ (١) قال علماؤُنا (٢): والجمعُ بينهُمَا بالنَّكاحِ في عَقدٍ واحدٍ يكونُ على ضربينٍ: أحدُهما: أنّ يجمَعَ بينهُمَا في عَقدٍ واحدٍ. والثّاني: أنّ ينكِحَ إحداهما بعد الأخرى. فأمّا الأوّل: فقد قال مالك في "المدوّنة" (٣): إنَّ كلَّ امرأتين يجوزُ له أنّ ينكِحَ إحداهُما بعد الأخرى، لا يجوزُ له أنّ يجمع بينهما، فإن جَمَعَ بينهما في عَقْدٍ واحدٍ، فإنّه يُفْسَخ نكاحُه لهما جميعًا، وليس له أنّ يحبسَ واحدة منهما، بني بهما أو بواحدة منهما* أو لم يبن. وَجْهُهُ: أنَّه قد مُنِعَ أنّ يجمعَ بينهُما في عَقْدِ النِّكاح، فإذا انْعَقَدَ نكاحُهما على الوَجْهِ الممنوعِ بِه، فُسِخَ نكاحُهُ قبلَ البِناءِ وبعدَهُ؛ لأنَّ الفسادَ في العَقْدِ. المسألةُ الرّابعةُ (٤): فإن أفردَ كلَّ واحدةٍ منهُما بعَقدٍ، ثَبَتَ نكاحُ الأُولى، وفُسِخَ نكاحُ الثَّانيةِ، دخلَ

стр. 2545

بهِمَا أو بإحداهما، كانت الأُولى أو الأخرى (١). المسألةُ الخامسة (٢): وأمّا إذا ملك عِصْمَة إحداهما، وَوَطِىء الثّانية بمِلْكِ اليمينِ، فلا يخلو أنّ يكون عَقدُ النِّكاحِ أوَّلًا أو آخِر، فإن كان السّابق، فقد روى محمدٌ عن ابن القاسمِ؛ أنّه إنَّ نكحَ إحدى الأُختين، فلم يبْنِ بها حتّى وَطِىء الثّانية بِمِلكِ اليمينِ، أنّه يوقَف عنها حتّى يُحَرِّمَ فَرْجَ أَمَتِهِ عليه، ولا يفسد ذلك النِّكاح. وقال أشهبُ: بل يطأ الزَّوجة؛ لأنّ فَرْجَ أَمَتِهِ عليه حرامٌ منذ عَقَدَ على أُختها عَقْدَ نِكاحٍ. توجيهٌ: ووجهُ قولِ ابنِ القاسمِ: أنّه قد وُجِدَ منه في كلِّ واحدةٍ ما يمنَعُ من الأُخرى، فوجبَ أنّ يُوقَفَ عنهما، كما لو كانتا أَمَتَيْنِ فَوَطِئَهُما. ووجهُ قولِ أشهب: أنَّ النِّكاحَ من بابِ الاسْتمتاع، ومَنْعَهُ أَقْوَى من مِلْكِ اليمينِ؛ لأنّ مقصودَهُ الوَطءُ. ومقصودَ مِلْكِ اليمينِ المِلْكُ دونَ الوَطءِ. فرعٌ: فإن وَطِىءَ إحداهُما بملْكِ اليمين، ثمّ تزوَّجَ الأُخرى قبل أنّ يُحَرِّم الأَمَة على نفسِهِ، فقد قال محمّد: اختُلِفَ فيها: فقال ابنُ عبد الحَكَم وأَشهَب: نكاحُه جائزٌ. وقال ابنُ القاسم: لا يجوزُ أنّ يعْقِدَ النِّكاحَ حتَّى يُحَرِّم الأَمَة على نفسه، فإن فَعَلَ، وَقَفَ بعدَ النِّكاحِ ولا يَقرُب واحدة منهما حتَّى يُحَرْم على نفسِهِ أيّتَهُمَا شاءَ. وقال عبدُ المَلِك: يُفْسَخُ النِّكاحُ ولا يُقَرُّ على حالٍ، وهذا القولُ مع الّذي قَبلَهُ لابْنِ القاسِم في "المدوّنة" (٣).

стр. 2546

فرع: ويجوزُ للرَّجُل الجمع ببن المرأةِ وزوجة أبيها، قالَهُ غير واحدٍ من أصحابِنا، وذلك أنّه لا يُتَصَوَّر في الطَّرَفَينِ أنّ تكون كلّ واحدةٍ منهُما ذَكَرًا، فيجوز له نكاحُ الأُخرَى أو يحرم عليه؛ لأنّه لا يُتَصَوَّر أنّ تكون زوجة الأَبِ ذَكَرًا. المسألةُ السّادسةُ (١): قولُه (٢):"وَأَنْ يَطأَ الرَّجُلُ وَليدَةً، وَفِي بَطنِهَا جَنِينٌ من غَيرِهِ" ولا يخلو أنّ يكون من نكاحٍ، أو وَطءِ بمِلْكِ يَمينٍ، أو زِنًا، والنّكاح على ضربين: ١ - ضَرْبٌ في حال يتعقَّبُهُ السِّباء. ٢ - أو نكاحٌ في حالٍ لا يتعقَّبُهُ السِّباءُ. فأمّا النّكاحُ في حالٍ يتعقَّبُها السِّباءُ، فهو أنّ يَتَنَاكَحَ المشركانِ في دارِ الحَرْبِ، ثمَّ تُسبَى المرأةُ حامِلًا، فإنّه لا يجوزُ وطؤُها على حالٍ حتّى تَضَع. والأصلُ في ذلك قوله ﷺ : "لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا حَائِلٌ حَتَّى تَحِيضَ" (٣). ومن جهة المعنى: أنّ ذلك يوقع تلبيسًا في النَّسَبِ، والشَّرْعُ موضوعٌ على تخليصِ الأنساب، ولهذا شرِعَتِ العِدَّةُ والاِستبراءُ. المسألة السّابعةُ (٤): وأمّا النِّكاحُ الّذي لا يتعقبه السِّباء، فالأَمَةُ المسلمةُ يطلِّقُها زوجُها، أو يموت عنها حاملًا، فإنّه لا يجوزُ لسيِّدِها أنّ يطأَها حتّى تضع حَمْلَها.

стр. 2547

وأمّا إنَّ كان حملُها من مِلْكِ اليمين، مثل أنّ يطأَها سيَّدها فيبيعها من غيره أو يزوّجها، فإنّه لا يجوز وطؤها، بل لا يحلُّ نكاحُها ولا ابتياعُها بوجهٍ، وسنذكرُ ذلك كله في بابه إنَّ شاء الله. باب ما لا يجوزُ من نِكاح الرَّجُل أمّ امرأته قال الإمام (١): قولُه (٢): "لا، الأمُّ مُبْهَمَةٌ" يريدُ أنّ ذِكرَهَا في آيةِ التَّحريمِ مُطلَقٌ غير مقيَّد بصِفَةٍ؛ لأنّه قال تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ الآية (٣)، فلم يُقيِّد بالبِنَاء ولا غيره. وقولُه (٤): سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ الأُمِّ بَعْدَ الإبْنَةِ، إذا لَمْ تكُن الإبْنَةُ مُسَّتْ، فقال: لَا، الأُمُّ مُبْهَمَةٌ، ليسَ فِيهَا شَرْطٌ. وَإِنّمَا الشَّرْطُ في الرَّبَائِبِ. العربيّة: قال أبو إسحاق الزَّجّاج: المُبْهَمُ في كلامِ العرب هو الكلامُ الّذي لا منفذ له (٥). وقول (٦) زيد: "إِنَّمَا الشَّرْطُ في الرَّبَائِبِ" يعني قوله: ﴿وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ﴾ الآية، إلى قوله: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ﴾ (٧) يعني: نكاح

стр. 2548

الرّبيبة غير المدخول بأمّها إذا طلّق أمّها قبل أنّ يدخل بها، وهذا الّذي قالَهُ زيد هو قولُ الجمهور من الصّحابة. المسألةُ الثّانيةُ (١): قولُه (٢): "وَتَحْرُمَانِ عَلَيهِ أَبَدًا" هو كما قال مالك، وذلك أنّ نِكاحَ المرأةِ على ابنَتِها حَرامٌ، فإذا وَطِئَهَا حرمت عليه الابنةُ بِوَطْئِه أمّها، وحرمت عليه الأمُّ بعَقْدِ نكاحِ ابنتِها قبلّها، فحرمتا عليه جميعًا تحريمًا مُؤبَّدًا. المسألةُ الثّالثة (٣): اعلم أنَّ كلَّ امرأةٍ يجوزُ العَقْدُ عليها، التَّحريمُ فيها لمعنًى، وذلك التّحريمُ بنقسمُ إلى قسمين: مُؤَبَّدٌ، وغير مُؤَبَّدٍ. وأمّا الّذي ليس بمُؤَبَّدٍ، فينقسم قسمين: إلى صِفَةٍ في المرأةِ. وإلى صِفَةٍ في العَقْدِ. فأمّا الصِّفةُ الّتي تكونُ في المرأةِ فيثبت بثبوتها وتزولُ بزوالها، وجملة مسائلها عشرة: ١ - أوّلها: المُعْتَدَّةُ. ٢ - والمُستَبْرَأَةُ. ٣ - والمُحْرِمَةُ. ٤ - وذاتُ الزَّوْجِ. ٥ - والأَمَةُ المسلمةُ. ٦ - والأَمَةُ الكتابيةُ. ٧ - والمُرْتَدَّةُ. ٨ - والمَجُوسيَّةُ.

стр. 2549

٩ - والرَّجُلُ في أَمَتِهِ (١)، وفي أمَةِ ابنه، وأَمَة مُكاتَبِهِ. ١٠ - والمرأةُ في عَبدِها ومُكَاتِبَهَا. فإذا ثبت هذا، فالمُعْتَدَّةُ فيها ستُّ مسائلَ: الأولى (٢): لا يجوزُ نكاحُها، والأصلُ في ذلك، قولُه تعالى: ﴿وَلَا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ﴾ الآية (٣). المسألة الثّانية (٤): ولا يجوزُ خطبتها، والأصلُ في ذلك، قولُه تعالى: ﴿وَلَكِنْ لَا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا﴾ الآية (٥). ولا بَأسَ بالتَّعريضِ، قال ابنُ عبّاسٍ: هو أنّ يقول لها: إنِّي فِيكِ لَرَاغِبٌ (٦)، وإنِّي عَلَيكِ لَحَريصٌ. المسألةُ الثالثةُ (٧): إنَّ خطَبَها في العِدَّةِ ونكحها (٨)، ففيها قولان: يُفْسَخ، ولا يُفْسَخ. ووجهُ القولِ بالفَسْخِ: أنّه نُهِي عن نكاحِهَا (٩)، والنَّهْيُ يقتضي التَّحريم وفساد المنهيّ عنه، فمتَى وُجِدَ فُسِخَ.

стр. 2550

ووجهُ من قالَ لا يُفْسَخ: أنّه نهىٌ يتعلَّقُ بنكاحٍ، فلم يقع التَّحريم فيه بلَفظِهِ، أصلُه المُحرِمَة (١). المسألةُ الرّابعةُ (٢): إنَّ تزوَّجَها في العِدًةِ ودَخلَ بها، فَيُفْسَخُ النِّكاحُ، ولا تحِلُّ له أبدًا، قَولًا واحدًا، خلافًا للشّافعيّ (٣) وأبي حنيفة (٤). والدّليلُ على ذلك: فعلُ عمر حين فَرَّقَ بينهُما، وقال: "لا تَحِلُّ لَك أَبَدًا" (٥) وكانَ بحضرةِ الصَّحابةِ، فلم يُنكِر عليه أحدٌ، فكان إجماعًا (٦). المسألةُ الخامسة (٧): إذا تزوَّجَها في العِدةِ، ودخل بها بعدَ العِدَّةِ، ففي الفَسْخِ قولٌ واحدٌ. وفي تّحريم التّأبيد قولانِ (٨): ١ - يحرمُ أَبدًا. ووجهُهُ: أنّه نكاحٌ وُجِدَ في العِدَّة. ٢ - الثّاني: لا يكونُ مُؤَبَّدًا؛ لأنّ التَّأبِيد عقوبةٌ للوَطْىء الّذي يخلِطُ الإنساب، ويُفسدُ الفَرْشَ، ولم يوجد في هذا. المسألةُ السّادسةُ (٩): إذا تزوَّجها في العدَّةِ ولم يدخل، قولٌ واحدٌ أنّه يُفْسَخ.

стр. 2551

وهل يكونُ التَّحريمُ مُؤَبَّدًا أم لا؟ ففيها أيضًا روايتان محمولتان على الخامسة وما يتَّصِلُ بِها. فصلٌ وأمّا مسألةُ الاستِبْراءِ ففيها خمسُ مسائلَ: المسألةُ الأولى: في المستبرأة (١) أمّا المستبرأةُ، فلا يجوز نكاحُها. والدّليل عليه أنّا نقول: هذا قسمٌ تُلحقُ فيه الأنسابُ (٢)، فلم يَجُز نكاحُها كالمُعْتَدَّة. الثّانية (٣): الزّانية هل تَسْتَبرِىءُ أم لا؟ فعندنا أنّها تَسْتَبرِىءُ خلافًا لأبي حنيفة (٤) والشّافعىّ، واحتجّا بأنّ ماء الزّاني لا حرمةَ له. وهذا فاسدٌ؛ لأنّ الحرمةَ للماءِ الوارِدِ كحرمة الماء المتقدِّم. الثّالثة (٥): إذا زنَى رجُلٌ بامرأةٍ، هل يحلُّ له نكاحها؟ قلنا: نكاحُها جائزْ بالإِجماعِ. والأصلُ فيه: أنّ الزِّنا كبيرةٌ من الكبائرِ، فلم يضادّ

стр. 2552

النِّكاح، كالقَذْفِ وشُرب الخمرِ وغيرِهما، لكنه يُكره، وإنّما كُرِه لقولِ الله تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إِلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً﴾ الآية (١). وقوله ﷺ : "عَلَيكَ بذَاتِ الدِّين تَرِبَتْ يَداكَ" (٢)، وقوله: "تَخَيّرُوا لِنُطَفكُمْ" (٣). المسألةُ الرّابعةُ (٤): إذا زنتِ امرأةُ الرَّجُلِ تَحتَهُ، هل يفارقُها أم لا؟ قلنا: ليس بواجبٍ طلاقُها. والدّليلُ على ذلك: قولُ الرَّجُل للنَّبىِّ ﷺ : يا رَسُول الله، إِنَّ امرَأَتِي لَا ترُدُّ يَدَ لَامِسٍ، فَقَالَ لَهُ النَّبيُّ ﷺ : "طَلَّقهَا"، فقالَ: يا رَسُولَ الله إنِّي أُحِبُّهَا، قال: " فَاسْتَمْتِعْ بهَا" (٥). ولم يُقِرّ ﷺ الرَّجُلَ على الحرام. وقد تَأوّلَ الأَصْمَعِىُّ هذا الحديثَ أنّها كريمةٌ مُبَذِّرَة لمالِ زوجِهَا لا تردّ من يسألها، وأَنْشَدَ في ذلك (٦): وَألمَسْتُ كَفِّي كَفَّهُ أَطلُبُ الغِنَى ... وَلَمْ أَدْرِ أَنَّ الجُودَ مِنْ كّفِّه يُعْدِي فَلَا أَنَا مِنهُ مَا أَفَادَ ذَوُو الغِنَى ... أفَدتُ وَأَعدَائِي فَأَتْلَفتُ مَا عِندِي

стр. 2553

قال الإمام: هذا تأويلٌ ضعيفٌ؛ لأنّه لا يقالُ في هذا لَامِسٌ، وإنّما يقال مُلمِسٌ. وأمّا "المرأة ذات الزوج" فلا يجوز نكاحها؛ لشغلها بزوجها (١). وأمّا "المُحْرِمَة" فقد تقدّم الكلامُ عليها في باب "نِكَاح المُحرِمِ" في "كتَابِ الحَجِّ". وأمّا "الأَمَةُ المسلِمَةُ" فإِن نكاحها لا يجوز، إِلَّا لمن لم يجد طَولًا، وهو المالُ، والمقدارُ من ذلك المَهر إذا خَشِيَ العَنَتَ. وقال أبو حنيفة: الطَّوْلُ: القُوَّةُ والقُدْرَةُ، واحتجّ بقوله تعالى: ﴿ذِي الطَّوْلِ﴾ (٢) أي: ذو القوّة (٣). وقال آخرونَ: يجوزُ نكاحُ الأَمَةِ ما لم تكن تحتَهُ حرَّةٌ، وإنّما لم يجز نكاح الأَمَة لاسترقاقِ وَلَدِها، وإذا استُرِقَّ ولَدُها، فكأنّه قد استرقَّ بعض الجزء، ولا يجوزُ إِلَّا مع الضّرورة كالمَيتَة. ودليلُنَا قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية (٤). وعندنا أنّه إذا لم يكن له مال، وخَشِيَ العَنَتَ، أنّه يجوزُ له أنّ يتزوّج أربعة إماء. ودليلُنا على ذلك: أنّه جِنسٌ أُبِيحَ نِكاحُه، فجاز نكاحُ أربعٍ، أصلُه الحرائرُ. وقال الشّافعيّ (٥): لا يجوز له أنّ ينكح إِلَّا واحدة؛ لأنّها رخصةٌ ثَبَتَتْ لأجل الضّرُورة. وأمّا "نكاحُ الأَمَةِ على الحُرَّة" ففيها قولان: أحدهما: أنّه يبطل النِّكاح. وَوَجْهُهُ: أنّه حقٌّ للهِ، فلم يجز نكاحُها على الحُرَّةِ. وَوَجهُهُ من قال: إنّها بالخِيَارِ - وهو القولُ الثّاني - أنّ الحقَّ للمرأة، فإن شاءت صَبَرَت، وإن شاءت اختارت الفِرَاقَ.

стр. 2554

والخِيَارُ على وجهين: قال مالك -وهو الوَجْهَ الأَوّلُ- تختارُ بنفسها بأن تبقَى مع الزّوج أو تزول عنه (١). وقال عبد الملك: إنّما الخِيَار أنّ تثبت نِكَاح الأَمَة أو تفسخه، وهو الوجه الثّاني. فوجه قول مالك: أنّ الضَّرَرَ يلحقها، فإن شاءت بقيت، وإنْ شاءت مضت. ووجهُ قولِ عبد الملِك: أنّ الضّرر إنّما يلحقُها بالدّاخلةِ، فإن شاءت تركتها، وإن شاءت دفعتها. وأمّا "الأَمَة الكِتَابيَّة" (٢) فلا يجوز نكاحُها، خلافًا لأبي حنيفة (٣). ودليلُنا: قوله تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية (٤)، فقيّد بالإيمان. واستدلَّ أبو حنيفة بأن قال: جِنْسٌ أُبيحَ حَرَائِرُهُ، بدليلِ قوله تعالى: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾ الآية (٥)، فجازَ نكاحُ الأمَةِ الكتابيَةِ، كالحُرَّة الكتابيّة. ولمالك دليل يعارِضُ به أبا حنيفة وتبقَى الآية له، وهو أنّه يتعاورها نقصان: الرقّ والكفر. وأمّا "المرتَدَّة" فلا يجوزُ نكاحها. ودليلُنا: الإجماع، وهو أقوى دليل في ذلك. وأمّا "أمَةُ الرَّجلِ وأَمَةُ ابْنِهِ" (٦) فلا يجوزُ له نكاح أَمتِهِ.

стр. 2555

ودليلُنا: أنّ المِلكَ أقوى مِنَ النِّكاحِ، بدليل أنّه لو طرَأَ المِلكُ على النِّكاحِ أَبطَلَهُ. وأمّا "أَمَةُ ابنِهِ" فبِالحديثِ، وهو قولُه: "إِن أَطيَبَ مَالِ المَرْءِ من كَسبِهِ، وإنَّ وَلَدَهُ من كَسبِهِ" (١) فأمَةُ ابنِهِ على هذا من كَسْبِهِ، فلا يجوزُ نكاحُها. وأمّا المرأةُ، فلا يجوزُ أنّ تنكحَ عبدَها لأنّهما ضِدّان، يطالبها بالنَّفَقَة (٢)، وتطالبُه بالنَّفَقة (٣)، ويطالبُها بالنِّكاحِ، وتطالبُه بمِلكِ الرِّقِّ، وبذلك لا يجوز (٤)، والله أعلم. وأمّا ما رُوِيَ عن عليّ ﵁ أنّه كان يرى بيع أم الولد (٥)، فلا يصحُّ عنه، والله أعلمُ. باب جامع مالا يجوزُ من النِّكاح الأصول (٦): قال القاضي: هذا أمرٌ لا ينحصرُ في البيان، ولا يدخُلُ تحت التَّقدِيرِ، إنّما المُنحَصِرُ

стр. 2556

النِّكاحُ الجائزُ، وشروطُه خمسةٌ: ١ - ٢ - متعاقدان حصلت فيهما أهليّةُ العَقْدِ. ٣ - ووليٌّ استَقلَّ بأهليَّةِ الولايةِ. ٤ - وصَدَاقٌ يقبَلُ العَوَضِيَّة. ٥ - وإعلانٌ يُفَارِقُ بهِ السِّفَاح الّذي حرَّمَ الله. فإذا اختلَّ شرطٌ من هذه الشّروط تَطَرَّقَ الفسادُ إلى هذا النِّكاح، ومداخِلُ الاحْتِلالِ لا تُحصَى؛ إِلَّا أنّ مالكًا ﵀ أراد بالتَّبْوِيب أُمَّهات الفَسَادِ ومشهوراتِه، وحَصَلنا منها على ثلاثِ مسائلَ: ١ - المسألةُ الأُولى: نكاحُ الشِّغارِ وهو المُعَاوَضَةُ بالبُضعِ بالبناتِ والأَخَوَاتِ (١). وهو في العربيَّة (٢) مأخوذٌ من المُشَاغَرَةِ، وهو رفعُ الكلبِ ساقه عند بوله، فصار عاقد النِّكاحِ علَى الشِّغَارِ قاصدًا إلى رفع الصَّدَاق (٣)، فتصيرُ الزَّوجة موهوبَة بغير صَدَاقٍ، فلذلك يُفسَخُ النِّكاحُ متى عُقِدَ على الشِّغارِ. ورأَى ابنُ القاسم استحبابًا أنّ يفُسَخَ بغير طَلَاقٍ (٤). وكذلك نكاحُ السِّرِّ لا خير فيه. واختلفَ النَّاسُ في الشِّغَار جوازًا وفسادًا، واختلفَ قولُ مالك فيه أيضًا فَسخًا وإمضاءً، وله صُورٌ، أشدّها أنّ يقول: زَوَّجتُك ابنَتِي على أنّ تزوّجَنِي ابنتَكَ. وهذا هو

стр. 2557

الّذي فسَّرَ الراوي في الحديث، وليس من كلام النّبيّ ﷺ . وفي اشْتِقَاقه كلام، أَصَحُّهُ أنّه النِّكاحُ الخالي من الصَّدَاقِ، من قولهم: بَلَدٌ شَاغِرٌ، إذا كان خَاليًا. وهذا العَقدُ على هذا الوجه لم يَفسُد؛ لأنّه خَلَا عن الصَّدَاقِ، وإنّما فَسَدَ لأنّه جُعِلَ فيه صداقًا ما ليس بصداق، وقُوبِلَ البُضْعُ بِالبُضْعِ. فأمّا نكاحٌ يُعقَدُ لا للصَّدَاقِ فيه في ذِكْرٌ فهو جائز إجماعًا. وقد قال: "أبو المعالي الجُوَيْنِيُّ" إنّه إنّما فسَد نكاحُ الشِّغارِ من جهةِ أنّه عُلَّق على شرطٍ، والنِّكاحُ لا يَقْبَلُ الإِغرارَ والإخطار بخلافِ الطَّلاقِ، وفيه تفصيلٌ، بيانُه في "المسائل" بأدلَّةٍ استوفيناها في "مسائل الخلاف"، والإشارةُ فيه إلى ما كانت الجاهلية تفعلُهُ، وقد هدم اللهُ نكاحَ الجاهليّة بالإسلامِ. ٢ - المسألةُ الثّانيةُ (١): ذِكرُ نكاح السِّرِّ وله صُوَرٌ؛ أشدُّها مالم يكن فيه شاهِدٌ، وهو الّذي يُرْجَم فاعلُه إذا عُثِرَ عليه فادّعاهُ ولم يثبت. وأمّا إذا وقعت الشَّهادّةُ عليه وتواصَوا بكِتمَانِهِ، فقد اختلفَ فيه علماؤُنا، والصّحيحُ جوازُه؛ لأنّ الله تعالى جَعَل الشّهادةَ غايةَ الإعلام. وقد يكونُ التّواصي بالكِتْمَانِ لغَرَضٍ لا يعودُ إلى النِّكاح، فلا يَقدحُ ذلك فيه،

стр. 2558

وأحاديثُ الإعلان والضَّرب عليه بالدُّفّ لم يَصِحَّ منها شيءٌ، وقد بينَّا ذلك في "شرح الصحيحين" بأحسن بيان إنَّ شاء الله. مسألة (١) في مقارنة الشّهادة لعَقد النِّكاح فلا خلافَ أنّه الأفضل، لاخّتلافِ النَّاسِ في ذلك، وليس عندنا ذلك بشرطٍ في صحَّتِه، ويجوزُ عندنا أنّ ينعَقِدَ بغيرِ شهادةٍ، ثمّ يقعُ الإشهادُ بعدَ ذلكَ، وبه قال: ابنُ عمر، وعروةُ بنُ الزّبير، والحسن، وعطاء. ومن المحدّثين: عبد الرّحمن بن مهدي، ويزيد بن هارون. وقال أبو حنيفة: لابدّ من شَاهِدَيْنِ وإِن كانا فاسقين، ويجوز فيه رجلٌ وامرأتان (٢). فإن عَرِيَ عن الشَّهادةِ دونَ العَقْدِ، وَجَبَ فَسْخُهُ لفسادِهِ، وأقلّ ذلك شاهِدَا عَدْلٍ، وبه قال الأوزاعيُّ والثَّوريُّ. مسالةٌ أُخرَى (٣) في صِفَةِ من يثبُت النِّكاح بشهادَتِهِ فإنّه لا يثبت بأقلّ من شاهِدَيْن من الرِّجال، وكذلك الطّلاقُ والرَّجْعَةُ، وبه قال الشّافعيّ (٤). وقال أبو حنيفة: يثبت برَجُلٍ وامرأتين (٥). ودليلُنا: قولُه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية (٦)، والأمرُ يقتضي الوُجُوب. ٣ - المسألةُ الثّالثةُ (٧) الّتي تعرَّضّ لها مالك في "الموطَّأ": تزويجُ الوَلِيِّ الثَّيَّبَ

стр. 2559

بغيرِ إِذْنِها (١). وهو مردودٌ إجماعًا، وعَقَّبَ ذلك بالنِّكاح في العِدَّة (٢)، وهو مفسوخٌ بإجماعٍ من الأُمَّةِ. وإنَّما اختلفوا إذا كان الوِقَاعُ في العِدَّةِ، هل يتأبّدُ التّحريمُ عليه فيها أم لا؟ فقال مالك بتأبيده. وقال جمهورُ العلّماءِ: لا يَتَأبَّدُ. ومالكٌ أقومُ قِيلًا، وأهْدَى سبيلًا؛ لأنّه تَعلَّقَ في ذلك بقَضَاءِ عمرَ بنِ الخطّاب ﵁، وقضاءُ عمرَ معضودٌ بالأدِلَّة، فإنّه استعجلَ بالنِّكاحِ في العِدَّةِ أمرًا كانت له فيه أَنَاةٌ، ومن استَعْجلَ شيئًا قبل وَقتِه وحِلَّه بالمعصيةِ، قُضِيَ عليه بِحِرْمَانِه، كالوارِث إذا قتل مَورُوثهُ، وهذا بَيَّنٌ لا خفاءَ فيه إنَّ شاء الله تعالى. باب نكاح الأَمَة على الحُرَّة الفقه في مسائل: المسألة الأولى (٣): اختلفَ قولُ مالكٍ في ذلك على تفصيلٍ بيانُه في "المسائل"، وهي مسألةٌ مُشكلةٌ

стр. 2560

جدَّا؟ لأنّها تعارضت فيها آيتان، قال الله تعالى: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ﴾ الآية (١)، ثمّ قال في آخر الآية: ﴿وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ (٢)، فهذا عامٌّ مُستَرسِلٌ على الأحوالِ. وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية (٣)، ثّم قال في آخر الآية: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ (٤). وليس الإشكال في أنّ نكاح الأَمَة المُطْلّقَةِ في آية "النُّور" مُقَيَّدٌ بالشَّرطَين في آيةِ "النِّساء"، بل ذلك إجماعٌ من الأُمَّةِ، وإنّما وقع الاختلافُ فيها في كيفيّة الشَّرطِ وهو تفسيرُ "الطَّولِ". فَمِنَ السلَفِ من قال: إنَّ الطَّولَ أنّ يكون* تحتَه حُرَّةٌ. ومنهم من قال: إنَّ الطَّوْلَ أنَ يكون* عندَه من المالِ قَدْرَ ما يَبذلُ في الصَّدَاقِ لها والنَّفَقةِ عليها، فكان المعنى على التّأويل الأولِ: من لم تكن عنده حرّةٌ وخافَ الزِّنَى فليتَزَوَّجْ أَمَةً وهذا إذا كَشَفْتَهُ هكذا فَسَادٌ في الكلام، وتثبيجٌ، فإن لم يكن تحته حُرَّةَّ وخافَ الزِّنَى تزوّج حزة، فلابُدَّ من تَمَامِ الكلامِ ونظامِهِ، وتحقيقِ الشّرطينِ، أنّ يُفَسَّرَ الطَّولُ بالقُدْرةِ على المالِ في بَذْلِ الصَّدَاقِ والنَّفَقَة، وهذا ما لا غُبَارَ عليه. وأمّا مالك وغيرُهُ من العلّماءِ فقال: إنَّ الحُرَّةَ لها حقٌّ في اجتماعِها في النّكاح مع الأَمّة، وذلك معلومٌ من نصِّ الآيةِ، فإنّ الله أَطلَقَ نكاحَ الحَرَائِرِ وقيَّدّ نِكاحَ الإِمَاءِ بما انتفت بذلك التّسويةُ بينهما، فهذا معلومٌ بظاهر النَّطرِ، وبَقِيَ تفصيلُ الحالِ في
следующие страницы →