← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

التَّظلُّم منه بقول: مَطَلَنِي وظَلَمنِي. وقال بعض العلماء: عقوبتُه سجنه حتّى يؤدِّي. وعِرضه أنّ يقول الطّالب: ظلمني ومطَلنِي، وهذا من باب قوله سبحانه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ الآية (١)، وهذا وإن كان إنّما نزل في الضّيف، فهو يشتمل على كلِّ ظُلمٍ. والحَوَالَة مختصّةٌ بما نهى ﷺ من الكالئ بالكالئ، ومن الذِّمَّة بالذِّمَّة. وقد فسّره مالك في "الموطَّأ" (٢) فقال: "الكَالِىءُ بالكَالِىء, وهو أنّ يبيعَ الرَّجلُ دَيْنًا له على رَجُلٍ بدَينٍ على رَجُلٍ آخرَ". وقال ابنُ حبيب (٣):" هو النَّسيئةُ بالنَّسيئة وهي مهموزَةٌ ممدودةٌ (٤)، وهو التّأخير، ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية (٥)، وذلك تأخيرهم تحريم المحرّم إلى صفر". وتفسير ما كره من الكالئ بالكالئ الغَرَر، وهو أنّ يحيلَه على غريمِه بِمَا لَهُ عليه من الدِّين، ويحيله الآخر على غريمه له بمثل ذلك، فكأنَّما قد أحالا على غَرَرٍ (٦). بابُ إِفلاسِ الغَرِيمِ مالك، عَنْ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ، عن عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أبِي بَكر بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، أَن رسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أّيَّما امرِيءٍ

стр. 2907

أَفلَسَ، فَوَجَدَ رَجُلٌ سِلعَتَهُ عِندَهُ بِعَينِهَا، فَهُو أَوْلَى بِهَا من غَيرِه" (١). قال الإمام (٢): وكذلك خَرَّجَهُ أبو داود (٣)، غير أنّه زاد فيه: "أَيَّما رَجُلٍ مَاتَ أَو أفلَسَ، فَوَجَدَ صَاحِبُ المَتَاعِ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" (٤) ولم نَجِد في الصَّحيحِ ولا وُجِدَ فيهِ لِحُكمِ الموتِ ذِكرٌ. وروى الدّارقطني (٥) مثل ذلك وصحَّحَهُ وقال: وما زادَهُ مالك من الأُسْوَةِ في الموت، هو من قول الرّاوي. وما رُوِيَ من استواء الموت والفلس لم يصحّ. قد بيّنّا أنّ قول مالك مبنىٌّ على صحّة القول بصحّة المراسيل من الأسانيد، وقد بيَّنَّا أنّه صحّة؛ لأنّه ثقة عما نقل (٦). "الفَلَس": العُدمُ والقيام بالأمتعة، يقال: فَلِسَ يَفلَسُ فَلَسًا (٧). الفقه في مسائل: الأُولى: اختلف العلماء في ذلك على أقوال:

стр. 2908

١ - الأوّل: أنّ من أفلس أو مات أنّ السِّلعَة للغُرَمَاء هم فيها أُسوَة، وكذلك رُوِيَ عن الشّافعيّ (١). ٢ - الثّاني: أنّه أُسْوَة الغُرَمَاء، وقاله أبو حنيفة (٢)، وإنّما عَوَّلَ على المعنى دون الحديث، فلا يُلتَفَت إليه ولا يُعَوَّل عليه. ٣ - وعوّل مالك ﵁ في هذه المسألة على الفرق بين الفلس والموت؛ * فإن الموت ليس فيه عن النّبيّ ﷺ نَصٌّ، وإنّما الخبر في الإفلاس، والفرق بين الإفلاس والموت* ظاهر؛ لأنّ الموت قد برئت به الذِّمَّة، وإذا أفلس أُخِذَ ذلك الدِّين ما بقي حُيًّا. وأمّا الموت فقد انقطع منه الرَّجاء وصارت أحكامه في الآخرة. الثّانية (٣): ومن ادّعَى الفقر وظاهرُه الغِنَى، وأقام بَيِّنَة لم يزكِّها , لم يؤخذ منه حَمِيلٌ، (٤) وُيسجَن حتّى يزكِّيها، من "كتاب ابن سحنون" وذلك أنّه يدّعي خلاف الظّاهر من حاله. هذا لمن تَفَالَسَ وقال: لا شيءٍ له. وأمّا إنَّ سأل أنّ يؤخِّر (٥) فليؤخره الإمام حسب ما يرجو له، حكاه ابن حبيب عن ابن الماجشون، وقال في "كتاب سحنون" إن سأل أنّ يؤخّره يومًا أو نحوه أخَّره ويعطي حَمِيلًا بالمال، فإن لم يجد حَمِيلا سُجِنَ. فرع: ومدة سجنه (٦) تختلف باختلاف الدِّين فيما رواه ابنُ حبيبِ عن ابن الماجشون،

стр. 2909

فقال: يُحْبَسُ في الدُّريهِمَاتِ قَدْرَ نصف شهر، وفي الكثير أربعة أشهُرٍ، وفي الوسط شهران (١). الثّالثة (٢): قال علماؤنا (٣): وُيحبسُ الوصىُّ فيما على الأيتام (٤) إذا كان لهم في يَدَيه مالٌ، وكذلك الأب في دين الولد إنَّ كان له بيده مالٌ، رواه ابن سحنون عن ابنِ عبد الحَكَم (٥)، ومعنى ذلك: أنّه قبض له مالًا ولا يُعلَم نفاذُه، فلا يُقبل قولُه؛ لأنّه يَدَّعي خلاف الظّاهر. الرّابعة (٦): قال علماؤنا (٧): وُيحبسُ الأب إذا امتنع من الإنفاق على ولده الصّغير، ولا يُحبسُ في دَين الولَد، يريدُ إذا كان له عليه دَينٌ يطلبه به، وأمّا تركه الإنفاق عليه، فضرره يلحق الولد، وغيره يطلبه به. فرع: ويُحبسُ المسلمُ للكافرِ في الدِّين، رواه سحنون، ويُحبسُ السَّيِّدُ لمُكَاتبِه في الدِّين.

стр. 2910

ووجه ذلك: أنّ الحقوق لا تُعتبر فيها الحرمة، إِلَّا للوالد على ولَده فيما له عليه من الدِّين من حق الأُبُوَّة المُوجِبة للنّفقة، ويُحبسُ سائر القَرَابَاتِ من الأجداد وغيرهم (١). الخامسة (٢): فهذا ظهر أنّه لا مَالَ له، فعن ابن القاسم في "العُتبيّة" (٣) أنّه يحلّفه ويطلقه، رواه ابنُ حبيب عن مالك (٤)، ومعنى ذلك: أنّ يشهدَ له الشُّهوَد أنّهم لا يعلمون له مالًا ظاهرًا ولا باطنًا، ويلزمه اليمين؛ لأنّ الشَّهود إنّما يشهدون على العلم، فعليه هو أنّ يحلف على الباطن بالبتِّ، كالرّجل يستحقّ الدّار، فيشهد الشَّهود له على علمهم أنّهم لا يعلمون فَوتَه (٥)، ويحلف هو على الباطن بالبتِّ. فرع: وأمَّا من ثبت فَلَسُهُ، فروَى ابنُ وهب عن مالك في "الواضحة" أنّه لا يُحبس إنَّ كان مُعسِرًا لا شيءَ له، وفي "الموّازية": إن عُلِمَ ألَّا شيءَ له، فلا يُحبس حرٌّ ولا عبد. ووجه ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] الآية (٦). ولا يُؤاجر المُفلِس في دَيْنه (٧)، خلافًا لابنِ حنبل. ودلينا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] الآية (٨). ومن جهة المعنى: أنّ الدِّين

стр. 2911

إنّما يتعلَّق بالذِّمَّة دون عمله. قال محمّد: سواء كان حرًّا أو عبدًا مأذونًا (١). فرع: أمّا إذا عُلِمَ غِنَاهُ، وكان ذلك ظاهر أَمرِه، ففي"الموّازية" و"العُتبِيَّة" (٢) أنّه يُحبس حتَّى يوفَّي (٣)، أو يتبيّن أنّه لا شيءٍ له فيُطلَق، قال مالك (٤): فإن شهد له ناسٌ أنّه لا شيءً له، فلا يعجّل إخراجه حتّى يُستبرَأ أمرُه، قال: هذا مثل التّجار يأخذون أموال النَّاس ثمّ يَدَّعون ذهابها , ولا يُعلَم ذلك إِلَّا بقولهم، والفروعُ في هذا الباب أكثر من أنّ تُحصى، أو يأتي عليها الاستقصاء. بَابُ مَا يَجُوزُ مِنَ السّلفِ قال الإمام (٥): قد بيَّنَّا حِلِّ البَيع وتحريم الرِّبا، وقرَّرنا في قاعدة المعروف أنّه يجوزُ فيها من المسامحة في الزّيادة في المقدار والصِّفَة ما لا يجوزُ في البيع، لكونها خارجة عن المُكَايَسَة، وهي داخلةٌ في باب المعروف، وقد فصَلَتْ الشّريعةُ بين الغرَضين وجعلتهما قاعدتين، وقد أعطَى النّبيُّ ﵇ في القَرض سنا أفضلَ من السن" وقال: "خِيَارُكم أَحسَنُكُم قَضَاءَ" (٦) وهذا كما قال مالك (٧): "إِذَا لَمْ يَكُن في ذَلِكَ شَرطٌ، وَلَا وَأيٌ، وَلَا عَادَةٌ". قوله:"وَلَا وَأيٌ" الوَأيُ: الوَعْدُ (٨). وقيل: هو إضمار في النَّفس أو القلب. قال (٩): فإنّه يخرُجُ حينئذٍ من باب المعروف إلى باب المعاوضَةِ الّتي يُعتَبَرُ فيها

стр. 2912

الرِّبا، ويجوزُ في المقدار إذا كان يسيرًا، فإن كان كثيرًا لم يَجُز، وعليه يُخَرَّجُ قولُ عمرَ بنِ الخطّاب: "فَأينَ الحَمَّالُ؟ " (١). الفقه في ثلاث مسائل: الأُولى: قولُه (٢):"استسلَفَ بَكرًا فَقَضَى خِيَارًا رَبَاعِيًا" الحديث. و"الرَّبَاعي": الّذي سقطت رباعيته، وه وابن سبع سنين (٣). فهذا (٤) يدلُّ على ثبوته في الذِّمَّة بالصِّفَة؛ لأنّه إنّما يضبط بها, ولولا ذلك لما جاز ثبوته في الذِّمَّة عِوَضًا عما يستقرضه؛ لأنّه لا خلاف بأنّ عليه ردّ مثل ما استقرض، ووافقنا على ذلك أبو حنيفة (٥)، وخالف في السَّلَمِ، وقد تقدّم. الثّانية (٦): قال علماؤنا (٧): والقرضُ يكون مؤجّلًا وغير مؤجّل، فإن كان مؤجّلًا لم يكن للقارض أنّ يطلبه قبل الأجل، وللمستقرض أنّ يذفعه متى شاء (٨) إذا كان عَينًا.

стр. 2913

الثّالثة (١): قوله (٢): "اسْتَسْلَفَ بَكْرًا" لا يخلو أنّ يكون (٣) اقترضَهُ لنفسه، أو لغيره من أهل الصّدقة، فإن كان لنفسه، فلا تحلّ له الصَّدقة، ويحتمل هذا وجوهًا: أحدُها: أنّ يكون منها (٤) وقد بلغ محلّه، ثمّ صار للنَّبىِّ ﵇ بابتياعٍ أو غيره. وإن كان اقترضه من أهل الصدقة لغيره، فلا إشكال فيه؛ لأنّه يقضي منها، كما يستقرض الوالي ليتيمه على مَالِهِ، غير أنّه لا يجوزُ أنّ يعطى من أموال المساكين ما هو أفضل ممّا أخذَ لهم، إِلَّا أنّ يكون المُقرِض من أهل الصّدقة، فيكون الفضل صدقته عليه، وليس في الحديث ما يدلُّ على إخراج الزَّكاة قبل الحَوْلِ، على قول من قال: إنّه اقترض للمساكين، وإنّما فيه أنّه استقرض لهم ممّن لا تجب عليه الصَّدقة. بَابُ جَامِعِ البَيُوعِ قال: في هذا الباب حديثُ ابن عمر، أَنَّ رَجُلًا ذَكَرَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ أَنَّهُ يُخْدَع فِي البُيُوعِ، فَقَالَ لهُ رَسولُ اللهِ ﷺ "إِذَا بَايَعتَ فَقُل: لَا خِلَابَةَ" قَالَ: وَكَانَ الرَّجُلُ إِذَا بَايَعَ يَقُولُ لَا خِلَابَةَ. الحديث إلى آخره (٥).

стр. 2914

قال الإمام (١): هذا الرَّجل منقِذ بن عَمْرو الأنصاريّ المازني (٢)، جدّ واسع بن حَبَّان، وكان سببُ ذلك أنّه أصابتهُ في رأسِه في الجاهليّةِ مأمومة (٣)، فغيّرت لسانه وبعض ميزه (٤). وقيل: إنّه حَبان بن منقِذ، فقال له النّبيّ ﵇: "بعْ، وَقُلْ: لَا خِلَابَةَ، وَأَنتَ بِالخِيارِ" (٥). فقال بعضُ النَّاس: إنَّ هذا خاصٌّ بهذا الرَّجل لضَعفِه عن التَّحرُّز. وقد قال بعض العلماء: إنَّ الحديث يُحملُ على عمومه حتّى يخصِّصه الدّليل القاطع. الفقه في سبع مسائل: الأُولى (٦): روى عبدُ الوهَاب في "إشرافه" (٧) أنّه "إذا تبايع النَّاسُ بما لا يُتَغَابَن بمِثْلِه في العادة، وكان أحدهما مِمَّن لا يخبر سعر ذلك المَبِيع، فاختلف أصحابنا في ذلك: فمنهم من يقول: لا خِيَارَ له، وبه قال أبو حنيفة (٨) والشّافعيّ (٩). ومنهم من يقول: له الخِيَار إذا زاد الغبنُ على الثُّلُث، أو خرج عن العادة.

стр. 2915

والدّليلُ على هذا القول: نهيُه ﷺ عن إضاعة المال، ونهيُهُ عن تلقِّي السّلع" (١) فعلى هذا يكون الحديث عامًّا. الثّانية: في الأشهاد على التبايع والأصل في هذه المسألة: الكتاب والسُّنَّة، قال الله العظيم: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ [البقرة: ٢٨٢] الآية (٢)، ثمّ نسخ الله ذلك (٣) بقوله: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] (٤)، ولم يذكر معه إشهاد، فلو ثبت الأمرُ على الأوّل ما جاز بيع لا يشهد فيه. وقال أكثر العلماء: إنّه لم ينسخ ولكنّه حَضٌّ على الإشهاد، وَأَدَبٌ لا فرضٌ؛ ولأنّه احتياط؛ لأنّهم لا فرض عليهم فيه. وقالت طائفة أخرى: يسقط فرض الإشهاد، لقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [البقرة: ٢٨٣] الآية (٥)، فكان هذا أقوى دليلًا على أنّه حضٌّ وأدبٌ واحتياطٌ، لا فرض ولا أمرٌ، وبهذا أقول. وأشدّ ما فيه قول ابن عبّاس: "مَنْ لم يُشهِد عَلَى بَيعِهِ فَقَد عَصَى" (٦). الثّالثة: وأمّا حديث "العاريةُ مؤدّاة" (٧) فليس في ذلك حديث صحيح يُعَوَّلُ عليه (٨)

стр. 2916

الرّابعة (١): في بيع الخّمْرِ أدخل التّرمذيّ (٢) حديث أبي طلحة وأنس في تحريم الخّمْرِ، وليس بصحيحٍ، وتَرَكَ حديث أبي سعيد وحديث ابنِ عبّاس وعائشة، وهذه الأحاديث الثّلاث تقطع العُذْرَ، وتقوم الحجّة بها، وأنّه لا يجوزُ بيع الخّمْرِ أصلًا. فصل (٣) قال الإمام: ويتركّب على هذا إذا نجس الزَّيت والعسل واللّبن بما يقع فيه من النّجاسات، فهل يحرمُ بيعُهُ أم لا؟ فعلى رواية العراقيين عن مالك في أنّ المائع كالماء في أحد القولين، وهو الصّحيح، ولا ينجِّسه إِلَّا ما غَيَّرَهُ، أو ينزل عن درجة الماء على كلّ قول،* أو ينجس بكلِّ ما وقع فيه، فهذا جعلناه كالماء لا ينجّس إِلَّا بتغيير، فلا كلام، وإن قلنا: إنّه بخلاف الماء* فاختلف علماؤنا فيه: فمنهم من قال: يطهر. ومنهم من قال: يُستصبح به في غير المسجد ويتحفّظ منه، وكلُّ ذلك مروِيٌّ عن مالك، فهذا قلنا بذلك فإنّ بيعه يجوزُ (٤).

стр. 2917

الخامسة: في كره بيع المغنِّيات (١) ذكر فيه التّرمذيّ (٢) حديث أبي أُمَامَةَ عن النَّبيِّ ﵇ قال: "لَا تَبِيعُوا الْمُغَنِّيَاتِ، وَلَا تَشْتَرُوهُنَّ، وَلَا تُعَلِّمُوهُنَّ، وَلَا خَيرَ في تِجَارَتِهِنَّ، وَثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ"، وفي مثل ذلك نَزَلَت: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ [لقمان: ٦] الآية (٣). قال الإمام: وقد بيّنّا الآية في "كتاب الأحكام" (٤). وأمّا حديث عليّ بن يزيد، فضعيفٌ (٥). وأمّا بيعُ المغنِّياتِ، فينبني على أنّ الغناء حرامٌ أو حلال، وليس الغناءُ بحرامٍ، فإنَّ النّبيّ ﵇ سمعه في يته وبيت غبره، وقد وقف عليه في حياته، فإن زاد فيه أحدٌ على ما كان في عهد النّبيّ ﵇، مثل غناء دفٍّ يضرب عليه نغمة بديعة، فقد دخل في قوله:" مِزمَارُ الشَّيطَانِ فِي بَيْتِ رَسُول اللهِ" (٦) إنّما يكون ذلك مثل الطُّنبُور (٧)

стр. 2918

وشبهه، فلابدّ من تحريمه (١)، فإنّها كلّها آلات تتعلّق بها قلوب الضّعفاء (٢). وقال علماؤنا: من اشترى جاريةً فظهر عنده أنّها قَيْنَة، فله الخِيَار، ولو كان عندهم بيعها غير جائز لحكموا بفَسخِه ولم يجعلوا له الخِيَار، والله أعلم. السّادسة: في حكم المكيال والميزان (٣) روى التّرمذيّ (٤)، عن عِكرِمَةَ، عنِ ابنِ عَباس قال: قال رسولُ الله ﷺ لأصحاب الكَيلِ والميزانِ: "إِنَّكُم قد وُلَّيتُم أَمرَينِ هَلَكَت بِهِمَا الأُمَمُ السَّالِفَةُ قَبلَكُم" والحديثُ ضعيفٌ، والصّحيحُ وَقفُهُ على ابن عبّاس موقوفًا مقطوعًا (٥)، رواه مالك (٦) عن ابنِ عبّاس فقال: "مَا نَقَصَ قَوْمٌ المِكيَالَ وَالمِيزَانَ إِلّا قَطَعَ عَنهُمُ الرِّزْقَ". قال علماؤنا: أراد بذلك كثرة الرِّزق أو المال بغير طريقه، فقطع الله عليهم الرِّزق من غيره. السّابعة (٧): قال النّبيُّ ﵇: "المِكيَالُ مِكيَالُ أهْلِ المَدِينَةِ، وَالمِيزَانُ مِيزَانُ مَكَّةَ" (٨)

стр. 2919

وقال: " اللَّهُمَّ بَارِك لَهُمْ فِي صَاعِهِمْ وَمُدِّهِمْ" (١). وقال مالك لأشهب: "البَرَكَةُ في صَاعِنَا أّكْثَر مِمَّا عِندَكمّ". تَمَّ الكِتَابُ

стр. 2920

كتاب المُسَاقاة الإسناد: قال الإمام: أرسلَ مالكٌ في "الموطَّأ" (١) حديثَ المساقاةِ ولم يُسنِدْه، وأَسنَدَه أبو داود (٢)، عن أحمد بن حنبل، عن يحيى بن سعيد القطّان، عن نافع عن عبد الله بن عمر، أنّ رَسول الله ﷺ عامَل خَيْبَرَ بشَطْرِ ما يخرجُ منها من ثَمَرٍ أو زَرْعٍ. الحديث (٣). تنبيه: قال الإمام: لم يُدخل مالك هذا الحديث في "الموطَّأ" من أجل حديث رافِع بن خدِيجٍ؛ أنّ النّبيّ ﷺ نهى عن كِرَاءِ المَزارعِ (٤) بغير ما يخرجُ منها من الطّعام، وإنّما ساقَى النّبيّ ﷺ أهل خَيْبَر من أجل اشتغاله عنها بالجهاد في سبيل الله، وأمرَ بخَرصِ ثَمَرِها على اليهودِ من أجل أنّه لم يأمنهم عليها. وقال علماؤنا: ليس العمل على حديث عبد الله بن رواحة في المساقاة (٥) في خرصه على اليهود، ولا تصحُّ القسمَةُ في المُسَاقاة إِلَّا كَيلًا، إِلَّا أنّ تختلفَ حاجةُ المساقينَ، مثل أنّ يريدَ أحدُهما أنّ يبيعَ نَصِيبَه من الثَّمرة، ويريد الآخر أنّ يأكلَها ولا يبيعها، فيقسمأنّها حينئذ بالخرص. وليس العملُ في المساقاة أنّ يكون إِلَّا لأَجَل معلومٍ، كما قال النّبيّ ﷺ لأهل خيبر: " أُقَرَّكُم مَا أَقرَّكُمُ اللهُ عَلَى أَنَّ الثَّمرَ بَينَنَا وَبَينَكُمْ" (٦).

стр. 2921

ولا تكون المساقاةَ إِلَّا لأجلٍ معلومٍ، ويُكْرَهُ فيها ما طال من السِّنين، ولا بأس بالعشر سنين فدونها (١)، على ما يأتي بيانُه إنَّ شاء الله. الأصول (٢): اعلموا - وَفَّقَكُم اللهُ- أنّ عَقْدَ المُسَاقاةِ مَرْفقٌ في الشّريعة، ورحمة من الله تعالى، وهو أيضًا مُستثنًى من البيوعاتِ للضّرورةِ والحاجةِ. وقال قوم: هو مُستَثنًى من الإجارةِ المجهولةِ العَمَل للحاجة. ثبتَ عن النّبيّ ﷺ في الصّحيح؛ أنّه قَالَتِ الأَنصَارُ لَه: يَا رَسُولَ اللهِ، اقسِم بَينَنَا وَبَينَ إِخوَانِنَا المُهَاجِرينَ النَّخِيلَ، قَالَ: "لَا" قَالُوا: فَيَكفُونَنَا المَؤُونَةَ وَنَشرَكُهُم في الثَّمَرَةِ. قَالُوا: سَمِعنَا وَأَطَعنَا (٣). وثبتَ عنه ﷺ أنّه ساقَى أهل خَيبَرَ بشَطرِ ما يخرُجُ منها من نَخلٍ وزرعٍ (٤)، وكان بين النّخيل بياضٌ، فكان لَغوًا. وقال أبو حنيفةَ: المساقاةُ باطلةٌ (٥)، وعُذرًا له فإنّه كان ضعيفًا في الحديث، ذُكِرَت له قصّة خَيبَرَ فقال: إنَّ اليهودَ كانوا رقيقًا للنّبيّ ﷺ ، فجعل رقيقَهُ في ماله عُمْلَةً فيه، وجعَلَ لهم نصف الثمر أرزاقًا لهم. واحتجّ بقوله ﵇: "منِ استَأجَرَ

стр. 2922

أَجِيرًا فَليُعْلِمهُ أُجرته" (١) والسُّنَن لا تُقاس برأيٍ، ولا تُعارَضُ بقياسٍ، والمساقاةُ من عمل أهل المدينة (٢) قلنا: لو عرَفَ الحديثَ لَمَا قال هذا، وقد كان النّبيُّ صلّى الله عليه بَيَّنَ للمسلمين أنّ بقاءَهُم في الأرض إنّما هو للمسلمين، إنَّ شاءوا أنّ يُبقُوهُم أبقَوهُم، وإن شاءوا أنّ يُخرِجُوهُم أخرجوهُم، ولو كانوا رقيقًا ما صَحَّ ذلك، وكلامهُم أقلُّ من أنّ يُتكلَّم عليه. ومسائلُ المساقاةِ عويصةً؛ لأنّها رخصةٌ مخصوصةٌ، وإذا ثبتَ الأصلُ قياسًا مُعَلَّلًا، أمكنَ تعليلُه واطَّردَتْ فروعُه، وإذا ثبتَ رخصةٌ، عَسُرَ الضّبطُ فيه، واضطَرَبَت آراء المجتهدين عليه، ولذلك أَطنَبَ مالكٌ في المساقاة، وذَكَرَ منها مسائلها وفروعها، اتّبعَ فيها كلّها الأثرَ وبِمَا وَجَدَ من العملِ. ومن أمّهاتِ مسائِلها أنّ المُسَاقاةَ تجوزُ في كلِّ شجرةٍ (٣). وقال الشّافعيُّ (٤): لا تجوز إِلَّا في الأصولِ من النّخيل والكُروم؛ لأنّها رخصةٌ، فاقتُصِرَ بها على مَورِد النَّصِّ. قلنا له: مهلًا عليك، إنّما وَرَدَت في النّخيل، فلم عدَّيتَها إلى الكَرْم؟ والأصلُ في كلِّ رخصةٍ في الشّريعة أنّ يكون ما في معناها لَاحِقًا بها، ممّا يُتَفَطَّنُ له قبلَ النَّظَرِ في العِلَّةِ، وقد بيَّنَّا ذلك في "أصول الفقه" وخصوصًا عندنا وعند الشّافعيّ، ولهذا قلنا: إنّه تجوزُ المساقاةُ في الثَّمرةِ بعدَ ظهورِها.

стр. 2923

وقال الشّافعيّ (١): لا تجوزُ. ودليلُنا: أنّ ما بعد الظّهور في معنى ما قبلَ الظّهورِ؛ لأنّ المقصودَ كفايةُ العامل لربِّ المالِ، وهذا يستوي فيه ما قبلَ الظّهورِ وما بعده، ولذلك قال ابنُ القاسم (٢) وغيرُه خلافًا لسُحنون (٣): إنَّ المُسَاقاةَ تجوزُ في الثّمرةِ بعد طِيبها؛ لأنّ الحاجةَ في المساقاةِ بعدَ طِيبها كالحاجة إلى المُسَاقاةِ قبل طِيبِها، إذ الشّجرة مُفتقِرَةٌ إلى العمل من أوّل ما تُغرَسُ إلى أوّلِ ما تُجذّ ثمرها، أو من أوّل ما يُؤخَذ منها إلى أنّ تستحصد ثمرتها , ولذلك اتّبع مالكٌ الأثرَ حين قال: تجوزُ المساقاةُ في خمسة أَوْسُقٍ من تَمرٍ بين العامل وصاحب النّخل، وإن كان نصيبُ كلّ واحدٍ منهما يقصُرُ عن النِّصاب بخلاف سائر الأموالِ الزّكاتية (٤)؛ لأنّ عبد الله بن رواحة كان يَخرُصُ وياخُذُ الزّكاةَ ممّا يجبُ، ولا يسألُ عن الشُّرَكَاءِ (٥). وقد بني علماؤنا هذه المسألة على أنّ العامِلَ في المُساقاةِ متى يَملِكُ حِصَّتَه؟ فقيل: لا يملِكُها حتّى يقبضَها، فتنبني هذه المسألةُ على أنّ العاملَ لا يملِك ذلك حتّى يقبِضَها، والأوّلُ أقوى في الدّليلِ. وقد خَرَجَ ابنُ القاسم (٦) عن هذا الأصل فقال: لا تجوزُ مساقاةُ النّصرانيِّ في كَرْمِك

стр. 2924

إِلَّا إذا أمِنْتَ أنّ يَعصِرَهُ خمرًا. والنّبيُّ ﵇ قد سَاقَى أهلَ خيبرَ كلَّهم، وهم كفّارٌ بأجمعهم، وفيهم من لا يُؤمَنُ أنّ يتَّخِذَ ثمره خمرًا، بل جميعُهُم لا يُؤمَنُ عليه ذلك، فصحَّ أنّ هذه الرِّوايةَ في نهاية الضَّغفِ. الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأوُلى (١): قال الفقهاءُ أجمع: المساقاة لازمةٌ، وذلك أنّ يدفعَ الرَّجلُ حائطَه فيه النّخل والشّجر إلى العامل ليخدم ذلك بما يحتاج إليه من الخدمة، بجزءٍ من الثَّمَرِ معلوم. إمّا أنّ يكون بينهما بنصفين، أو على الثُّلُثِ، أو الرُّبُعِ، أو نحو ذلك، والزّكاة من الجميع قبل القِسمَة (٢). المسألة الثّانية (٣): اختلَفَ العلّماءُ في افتتاح خيبر: فقال بعضُهم: افتتَحَها عَنوَة (٤). وق آخرون: افتتح بعضها عَنوَة وبعضها صُلحًا (٥). والصّحيح أنّه افتتحها عنوة، فكان النِّصف لله والرسول، والنِّصف الآخر للمسلمين. المسألة الثّالثة: والمساقاةُ عند مالك جائزة في الأصول كلِّها ممّا يتّصل ثمره (٦)، وكذلك

стр. 2925

المقاثي (١)، والورد والياسمين (٢)، ولم تَجُزِ المساقاةُ في الموز والقصب (٣)؛ لأنّ ذلك يأتي بطنًا بعد بطن، بخلاف سائر الأموال، والله أعلم.

стр. 2926

كتابُ الشُّفْعَةِ (١) الإسناد: ذكر مالك في "الموطَّأ" (٢) حديثَ الشُّفعَةِ مُرسَلًا (٣)، وأحاديثُ الشُّفعَةِ أربعةٌ: الحديثُ الأوّل: عن جابر، قال رسولُ الله: "إِذَا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وصُرِّفَتِ الطُّرُقُ، فَلَا شُفعَةَ" (٤). الحديثُ الثّاني: حديث الحسن، عن سَمُرة: "جارُ الدَّارِ أحق بالدَّارِ" (٥). الحديثُ الثّالث: عن جابر: " الجارُ أَحَقُّ بشُفعَتِهِ، يَنتَظِرُهُ إنَّ كَان غَائِبًا إِذَا كَانَ طَرِيقُهُمَا وَاحَدًا" (٦).

стр. 2927

الحديث الرّابع: عن ابن عبّاس ﵄ أنّه قال: " الشَّفِيعُ شَرِيكٌ - أو قال- الشَّرِيك شفِيعٌ، الشُّفعَةُ فِي كلِّ شَيءٍ" (١). قال الإمام: إسنادُها وقع في "البخاريّ" (٢) و"مسلم" (٣) عن جابر: "أنّ النّبيّ ﷺ قَضَى بِالشُّفعَةِ في كُل مَالٍ مَا لَم يُقسَم، فَإذِا وَقَعَتِ الحُدُودُ، وَصرفت الطُّرُقُ فَلا شُفعَةَ" وهذا اللْفظ للبخاريّ، وقال مسلم: " قَضَى رَسُولُ الله ﷺ بالشُّفعَةِ عَلى كُلِّ شِركَةٍ مَا لَمْ تُقسَم الأرض، أو رَبعٍ -وفي رواية: أو رَبعَةٍ - أو حائط، لا يَحِلُّ له أنّ يبيعَ حتّى يُؤذِنَ شرِيكَهُ، فإن شاء أخذَ، وإن شاء تَرَكَ، فإن باعه ولم يُؤذِنهُ فهو أحقُّ به". ونحوه لأبي داود (٤) فقال: "الجَارُ أَحَق بصَقَبِه" وفي "البخاريّ" كذلك (٥). فهذه أحاديث الشُّفعَةِ الصِّحاح الّتي أصّلَ عليها هذا الكتاب. العربيّة (٦): الصَّقَب: القُرْبُ، ويُكتَبُ بالصّاد والسّين (٧). والرَّبع: المنزلُ، وتأنيثه رَبعة (٨). والحائطُ: البستانُ الحاوي للشّجر، نخل أو سواه.

стр. 2928

الأصول (١): اختلف العلماء -رضوانُ الله عليهم- فى عِلَّةِ الشُّفعَةِ بعد اتِّفاقِهم على أنّ أصلّها موضوعٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ: فمنهم من قال: العلًّةُ الضَّرَرُ، يعني ضَرر الخُلَطَاء، وعدّاها إلى الجار، وهو أبو حنيفة وأهلُ العراق. ومنهم من قال: إنها لضَرَرِ الشَّرِكة، وذلك فيما يلزَمُ من مؤونة القِسْمَة. وقال أبو المعالي الجويني في ذلك قولًا بديعًا لم يُسبق إليه (٢) في "كتابُ الأساليب" فقال: "الأخذُ بالشُّفعَةِ غيرُ معلَّلٍ؛ لأنّه فَسخٌ قهريٌّ يترتَّبُ على عَقدٍ اختياريٍّ أَذِن الشَّرعُ فيه، وهذا ما لا نظيرَ له في الشّريعةِ، وإنّما شَرعَهُ الله تعالى بما علِمَ من الحِكَمِ لا لعلّةٍ نَصَبَهَا علَمًا" وهذا الّذي أشار إليه لا يَصِحُّ عند أكثر العلماء؛ لأنّ الحُكمَ إذا وَرَدَ في الشّريعة وظهَر تعليلُه وعُلِمت فائدتُه، وجَب البناءُ عليها، وتعيَّن العملُ بها، وقد ظهرت علًّةُ الضرَرِ في الشُفعَةِ ظُهورًا جليًا، ووافَقنا على التّفريع عليها, ولو كان الأخذُ بالشُّفعَةِ تعبْدًا ما فُرَّع ولا رُكَّب عليها، وتعليلُ الشُّفعَةِ في كُتُبِ الشّافعيّة أعظمُ ممّا في كُتُبِنا، وقد كانت الأموال الرِّبَويَّة أولَى بالتّعليل منها.

стр. 2929

الفقه في اثنتي عشرَة مسألة: المسألة الأوُلى (١): اتّفقَ علماءُ الأمصارِ على أنّ الشُّفعَةِ إنّما تكونُ في العَقَارِ دُونَ المنقولِ، لِمَا قدّمناه من أنّ الشُّفعَةَ إنّما ثَبَتَت لضَرَرِ مؤنَةِ القِسمَةِ، وذلك يختصُّ بالعَقَارِ دون المنقول، إذ مِنَ المنقول ما لا يُقسم بحالٍ، وما ينقسِمُ منه فلا مُؤنَةَ فيه. وانفردَ مالك عن جمهورِ العلماء بفرعين: أحدُهما، أنّه قال: الشُّفعَةُ في الثِّمار (٢)، وهي من المنقولات. وقال سائرُ العلّماءِ: كلُّ منقولٍ لا شُفْعَةَ فيه كالعُرُوضِ. وهذا قياسٌ جليٌّ، وعَوَّلَ مالكٌ ﵀ على ركنين: أحدهما: أنّ الثَّمرةَ وإن كانت مقطوعةً منقولةً فإنّها بأصلها من العَقَارِ تابعةٌ، عنها نشأت، وفيها نبتت، فما دامت متّصلةَ بها فحُكمُها حُكمُها، أَوَ لا ترى أنّ الأغصانَ والأوراقَ فيها الشُّفعَةُ تابعةٌ للأُصول، وهي تَفصُلُ عنها وتُقطَعُ منها. الركنُ الثّاني -وهو خَفِيٌّ-: أنّ النّبيَّ ﷺ أَرخَصَ في بيع العَرَايَا، واستثناها من الرِّبَا لضَرَرِ المداخلة، وكذلك ضَرَرُ المداخلة في الثَّمرة مثلُه عندَ القضاءِ بالشُّفعَةِ. الفرعُ الثّاني: قال مالكٌ: ما لا يُقسَمُ من العَقَار إلّا بفسادِ هيئتِهِ وتغَيُّرِ صِفَتِهِ لا

стр. 2930

شُفعَةَ فيه (١)، كالحمَّام والبئر، وذلك لِفقْهٍ بديعٍ لم يتفطَّن له سواه، وذلك أنّ الشُّفعَةَ وُضِعَت- كما قلناه- لدَفعِ الضَّرَرِ في القِسمَة، والخَسَارةُ في تَغيِيرِ هَيئَةِ الحمام والبِئرِ أكثَرُ منها في مؤنة القسمةِ، فكيف يُدفَعُ ضَرَرٌ بأعظمَ منه، وإنّما يُرفَعُ أعظمُ الضَّرَر بأهونَ منه، وهذا بيِّن لمن تأمَّلَهُ، ولهذا قلنا: إنَّ رواية المصريِّين أقوَى، ولم يكن في قول الله تعالى: ﴿مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا﴾ الآية (٢) متعلّقٌ؛ لأنّه عُموم تخصُّهُ قاعدةُ الضَّرَرِ والفسادِ المتَّفَقُ عليها. المسألة الثّانية (٣): اتّفقَ العلّماءُ على أنّ الشُّفعَةِ إنّما يَرتَّبُ حُكمُها في عَقدِ مُعَاوَضَة، فإن وقعَ المِلكُ في الخطِّ المُشَاع بغير عِوَضٍ، كالهِبَة المَحضَةِ، فرُوِيَ عن مالك فيه الشُّفعَةُ، واتّفقتِ الأُمَّةُ على أنّه لا شُفْعَةَ في الخطِّ المُشَاع المورُوثِ، وهذه الرّوايةُ عن مالك في الهِبَةِ وإن كانت قليلةً في النقلِ فإنّها قويَّةٌ في الدّليل، فإنّ الشُّفعَةِ إنّما ثبتت لضرَرِ الشّركةِ، وذلك في الموهوب كما هو في المَبِيع. فإن قيل: الموهوبُ مِلكٌ بغير عِوَضٍ فلم تكن فيه الشُفعَةُ، كالموروث جزءًا مُشَاعًا، وهو قول كافّة العلماء. قلنا: ليس من التّحقيق قياسُ الهِبَةِ على الميراثِ؛ لأنّ مِلك المَورُوثِ دَخَل قَسرًا

стр. 2931

من الله لا دَفعَ له بِحِيلةٍ، بخلاف الهِبَة فإنّه مِلكٌ دخَلَ على الشَّرِيك باختيار المُتعاقِدَين، فوجبَ فيها الشُّفعَةِ كالمتابعين. المسألة الثّالثة (١): كما ثبتتِ الشُّفعَةُ عند علمائنا في المَبِيع، كذلك تثبتُ في المُمْهَرةِ والمُخالعة، وبه قال الشّافعيّ (٢). وقال أبو حنيفةَ: هي مُختصة بالمَبيعِ (٣). والمسالةُ قريبة المَأخَذِ؛ لأنّا نقول مع الشّافعيِّ: إنّه شِقصٌ، مُلِكَ عن مُعَاوَضَةٍ، فوجبَ فيه الشُّفعَةِ كالمبيع (٤)، ولا إشكالَ في أنّ النِّكاحَ والخُلعَ معاوضةٌ؛ لأنّ الله تعالى يقول: ﴿فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً﴾ (٥)، وقال عز من قائل: ﴿مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ﴾ الآية (٦)، إِلَّا أنّ الشّافعيّ: يَأخُذُ في الشَّقصِ بمَهرِ المِثْلِ (٧)، وقال مالك: يأخُذُه بقيمتِه (٨)، وما قاله الشّافعيُّ هو باديَ الرّأي؛ لأنّ الشْفعَةَ إنّما تكون بالثّمن، فإن تعذَّرَ يؤخذ بقيمته، كما لو اشترى شِقصًا بعبدٍ أو ثوبٍ، والبُضعُ عندنا وعند الشّافعيِّ مُتَقَوَّمٌ

стр. 2932

يُضمَنُ بالمُسَمَّى في الصحيحِ، وبالمِثلِ في الفاسد، إِلَّا أنّ مالكًا تَفطَّنَ لدقيقةٍ؛ وهي أنّ النِّكاح مبنيٌّ على المُكارَمَة، وقد يزيدُ المهرُ وقد ينقُصُ، فلم يكن فيه أعدَلُ من أنّ يأخُذَ بقيمةِ الشَّقص، وقد اتفقنا على أنّه يُرجعُ إلى قيمة الشَّقصِ عند تَعَذُّر حالِ الثّمنِ، وهذه حالة تَعَذُّر، وحُجَّةُ أبي حنيفةَ والجوابُ عليها في "كتب الأصول" من الخلاف. المسألة الرّابعة (١): قال. علماؤنا: الشُّفعَةُ على مقدَارِ الأنصِبَاءِ (٢)؛ لأنّها فائدةٌ من فوائد المِلكِ فقُدَّرت بقَدْرِ المِلك كالغَلَّةِ، وبه قال الشّافعيُّ. وقال أبو حنيفةَ (٣): إنّها على قَدرِ الرُّءوسِ؛ لأنّها لدفع الضَّررِ بدليل حالةِ الانفرادِ. والمسألةُ عريضة المأخذ جدًّا، لا تحتملُها هذه العُجَالةُ، فانظروها في موضعها من "مسائل الخلاف" إنَّ شاء الله. المسألة الخامسة (٤): خِيَارُ الشُّفعَةِ موروثٌ عندنا (٥)، وبه قال الشّافعيّ (٦). وقال أبو حنيفةَ: لا يُورَثُ (٧). قال الإمام أبو علىّ الصَّاغاني الحنفيّ: الخِيَارُ غيرُ متروك، وإنّما يُورَثُ بقول الله تعالى: ﴿مَا تَرَكَ﴾ (٨) وكيف يصحّ أنّ يكون متروكًا بعد الموت، وهو صفة من صفاته،

стр. 2933

يبطل موته حقوقه من خِيَار وعلم وقُدْرَة وغير ذلك، فقال له فخرُ الإسلام الشّاشيُّ: هذا مَزجُ الشّرعيّات بالعقليّات، والشّريعةُ لم تُبنَ على هذا؛ فإنّ الأحكام كلَّها إنّما هي راجعةٌ إلى قول الله تعالى، والحقوقُ الّتي أثبتَها إنّما هي ثابتةٌ بإثباته، لا بقَولِ أحدٍ من البشَرِ، ولا بفِعلِهِ، ولا بصفته، فهي تنتقلُ بنقل الله لها من شخصٍ إلى شخص، ولو باع رجلُ فَدَّانًا، فقيل له: ما بِعتَ من الأرض إنّما هي لله، لا تَقدرُ على نقلها ولا على تصريفها، إذ الملك إنَّما هو له، فلا نفسِّره إِلَّا بما يرجِعُ إلى الفعل، والفعلُ عِوَضٌ لا يبقى، فكيف يُتصوَّر أنّ يُباع ويُنقلَ؟ فَتَتَبُّعُ مثل هذا إفسادٌ للأحكامِ، ولكن البارىءَ تعالى جعلَ الحيَّ خليفةَ الميِّتِ، فما كان للميِّت فهو له. المسألة السّادسة (١): قال مالكٌ دونَ سائرِ الفقهاءِ: الشُّفعَةُ إنّما تكونُ بين أهلِ السِّهامِ من الوَرَثَة دونَ غيرِهِم من المشركينَ (٢). وقال غيرُه بأجمعهم: إنّما تكونُ لكلِّ شريكِ قَرُبَ أو بَعُدَ؛ لأنّها لدفع الضَّرَرِ كما قدّمناه، وذلك يستوي فيه القريبُ والبعيدُ من الشُّركاءِ. مثالُ ذلك: ميّتٌ تركَ جدّتين، وأخوين لأُمِّ، وإخوة لأبٍ، فباعت إحدى الجدّتين، لم تَشفع في حظِّها إِلَّا الأخرى. وكذلك لو باع الأخ للأمّ، لم يشفَع عليه إِلَّا أخوه، ولو باع أحدُ الإخوةِ للأبِ، لشفَعَ عليه جميعُ الوَرَثَة. والدًقيقةُ الّتي تفطَّن لها مالكٌ في هذا البابِ وفاتتِ الشّافعيَّ، فإنّ أبا حنيفة بَنَى

стр. 2934

عليها واطَّرَدَ أصلُه فيها، وتلكَ الدّقيقةُ المالكيّةُ هي أنّ الشُّفعَةِ إنّما ثَبَتَت لضَرَرِ الشَّرِكَةِ كما قلناهُ مع الشّافعيّ، ودليلُنا عليه فيما تقدّم، خلافًا لأبي حنيفةَ في قوله: إنها ثابتةٌ للضَّرَرِ المُطلَقِ، وإذا ثَبَتَث لضَرَرِ القِسمَة كما دلّلنا عليه، فهذه الدّارُ الّتي تركَها الميِّتُ إنّما تُقسَمُ أسداسًا؛ فللجدّتين سدُسُها , وللأخوين للأمّ ثُلثُها، والثّلاثةُ الأسداسِ للإخوةِ للأبِ، فينفردُ كلُّ واحدٍ بنصيبه، ثمّ يَقسِمُ الأخوان حَظَّهما بينَهما، وكذلك الجدّتان. فكما يُجمَعُ السَّهمُ في القِسمَة، كذلك تَجِبُ به الشُّفعَةُ، ومن يفارقه في القَسمِ لا شُفعَةَ له، كما لا يَجتَمِعُ معه في القِسمَة. لكن يبقى على هذا إشكالٌ واحدٌ، وهو أنّ أهلَ السِّهام يشفعون على العَصَبَة عندنا, ولا يشفَعُ العَصَبَةُ على أهل السِّهام، وذلك لقُوّةِ السّهمِ، فيدخُلُ الأقوى على الأضعفِ، ولا يزاحِمُ الأضعفُ الأقوى، وهذا لُبَابُ الدّليل، وهو مستوفًى في "مسائل الخلاف". المسألة السّابعة (١): قال الشّافعيُّ (٢) وأبو حنيفةَ (٣): الشُّفعَةُ على الفور، لما رُوِيَ في الحديث عن النَّبىِّ- ﷺ "إنَّ الشُّفعَةِ كنَشطَةِ عِقَالٍ؛ إنَّ أَخَذَهَا مَسَكَهَا، وإن تَرَكَهَا ذَهَبَتْ" (٤). وعند مالك: إنَّ طلب الشُّفعَة ليس على الفَوْر, وعنه في انقطاعها للحاضر روايتان (٥): إحداهُما: أنّها تنقطعُ بعدَ سنةٍ (٦).

стр. 2935

والرِّواية الأخرى: أنّها لا تنقطعُ، إِلَّا بأن يأتي عليها من الزّمان ما يُعْلَم أنَّه تاركٌ لَهَا، وقولُ أبي حنيفة إنّها على الفَورِ (١)، وهو أظهر أقاويل الشّافعيّ (٢). ودليلُنا: قولُه: " الشُّفعَةُ فِيمَا لَمْ يُقسمْ" (٣) ولم يعلّقه بحدٍّ. وعن مالك في ذلك روايتان: إحداهُما: أنّها غير محدودة بمُدّة، وإنّما هي على مقدار الثّمن والمَثمُون والمُشتري والشّفيع. والثّانية: أنّها مُقَدَّرة بعامٍ ونحوه. ودليلنا: أنّه حقٌّ ثبت لدفع الضَّرَر، فلم يكن على الفَورِ، أصلُه القِصاص. المسألة الثّامنة: لا تستحق الشُّفعَة بالجِوار (٤)، خلافًا لأبي حنيفة (٥)، لقوله: " الشُّفعَةُ فِيمَا لَمْ يُقسم، فَإذَا وَقعَتِ الحُدُودُ فَلا شُفعَة" (٦). وفيه ثلاثة أقوالٍ: أحدُها: أنّه أخبر عن محلِّ الشُّفعَةِ، وهو أنّه ما لم يُقسَم، فانتفى بذلك وجوبها في غيره. والثّاني: دليلُ الخطّاب، وهو أنّه لما عَلَّقها بغير المقسومِ، وجبَ أنّ يكون المقسومُ بخلافه. والثّالث: نَصُّهُ على سقوطها مع القِسمَة.

стр. 2936

المسألة التّاسعة: الذِّمِّيُّ والمسلم في الشُّفعَةِ سواءٌ (١)، خلافًا لأبي حنيفة (٢)، وأحمد بن حَنبَل (٣) في قوليهما: لا شُفعَة، لقوله: "الشَّرِيكُ شفِيعٌ" فَعمَّ، ولأنّه حقٌّ وُضِعَ لإزالة الضَّرَر، فاستوى فيه المسلم والكافر كالرَّدَّ بالعيب، ولأنّه معنىً يسقطُ بالمِلكِ كالاستخدام. المسألة العاشرة: لا شُفعَةَ في العروض والحيوان (٤)، خلافًا لما حَكى عنه غير هذا , ولقوله: "الشفعَةُ فِيمَا لم يُقسَم" وقوله: " فَإذَا وَقعَتِ الحُدُودُ وَصُرفَت الطُّرُقُ فَلَا شُفعَةَ" ولأنّه ممّا ينقل ويحول كالذّهب والفِضَّة. المسألة الحادية عشرة (٥) إذا بَني المشتري في الدار أو غَرَسَ، ثمْ أراد الشَّفيعُ الأخذَ بالشُّفعَة، فإنّه يأخذ الشَّقصَ بقيمة البناء والغَرسِ قائمًا, وليس له إجبار المشتري على قَلعِ البناء والغرْسِ. وقال أبو حنيفة: له ذلك (٦). ودليلُنا: قوله عليه الصّلاة: "ليسَ لِعَرَقٍ ظَالِمٍ حقٌّ" (٧) وهذا عَرَقٌ لغير ظالم، فكان له حرمةٌ وحق، ولأنّه بناءٌ مباحٌ في مِلكٍ صحيحٍ فلم يستحقّ عليه قلعه وإتلافه، كالّذي لا يستحقّ عليه شُفْعَة.

стр. 2937

المسألة الثّانية عشرة: اختلف قولُ مالك في الحمام وغيره ممّا لا يُقسَم إِلَّا بإتلَاف ممّا هو عليه، فقال: فيه الشُّفعَة (١)، وقال: لا شُفعَةَ فيه، وكذلك الرَّحبَة والطّريق وغيرهما. وعند أبي حنيفة أنّ فيه الشُّفعَة (٢)، وعند الشّافعيّ: لا شُفعَةَ فيه (٣). ودليلُنا على أنّه لا شُفعَةَ فيه: أنّ كلَّ ما لا يُقسَم للضّرورة فلا شفعَةَ فيه. ووجهُ إثبات الشُّفعَة: أنّها مستحقَّةَ لأجل الضَّرَرِ سِوَى الشَّركة فيها. مسألة (٤): إذا باع شِقصًا بثَمَن إلى أجَلٍ (٥)؛ قال الشّافعيُّ (٦) وأبو حنيفةَ (٧): الشّفِيعُ بالخِيَارِ، إنَّ شاءَ أخذَ بالثّمن، وإلّاَ ينتظِرُ الأجلَ، وهذا تَحَكُّمٌ وتغيِيرٌ للشُّفعَةِ، فإن حُكمَ الشُّفعَة أنّ يُنَزَّلَ الشَّفيعُ منزلةَ المشتري (٨)، والحمد لله.

стр. 2938

كتابُ كِراءِ الأرضين (١) قال الإمام: أدخل مالك في "الموطَّأ" (٢) حديث النّبيّ ﷺ في النّهي عن كِرَاءِ المزارع مُجمَلًا غير مُفَسَّرٍ، وأدخله غيره (٣) مفسَّرًا عن رافع فقال: نَهَى رَسُولُ الله ﷺ عَنْ كرَاءِ الأَرَضِين بِبعضِ ما يَخرُجُ مِنهَا، فَقَالَ حَنظَلَةُ: فَسَألتُهُ عَنْ كِرَائِهَا بِالذَّهَبِ والوَرِق، فَقَالَ: لَا بأس بِهِ. وروي عنه (٤) أنّه نهى عن المُزَابَنَةِ والمُحَاقَلَةِ، والمُحَاقَلَهُ كِرَاءُ الأرض بالحِنطَة وشبهِهَا. الإسناد (٥): قال الإمام أبو بكر بن العربي ﵁: مسألة كِرَاءِ الأرضِ مسألةٌ عويصةٌ، لها صُورٌ وغوائلُ، اختلف العلماء فيها من لَدُنِ الصَّحابة إلى زماننا هذا، واضطربت فيها الأحاديثُ اضطرابًا كثيرًا (٦)، وباحثْتُ عنها قديمًا أثرًا ونظرًا، فما وجدتُ من أَتقنَها إِلَّا

стр. 2939

أبا عبد الرّحمن النّسائيَّ؛ فإنّه جمَعَ أحاديثَها باختلافها وطُرُقِها في جزءٍ كبير، وجملةُ الأمر أنّ علماءَنا قالوا: لا يجوزُ كِرَاءُ الأرضِ بطعامٍ وإن كان ممّا لا تُنبِتُه الأرضُ (١). وقال الشّافعيّ (٢): يجوزُ بِحِنطَةٍ معلومة في الذِّمَّةِ. وقال أبو حنيفة (٣): يجوزُ بكلِّ ما كان ثَمَنًا في المَبِيع. وقال اللَّيثُ: يجوزُ بجزءٍ معلومٍ ممّا يَخرُجُ منها. وقال غيرُه: يجوز بجزءٍ معلومٍ أو مجهولٍ، مثل أنّ يقول: لي ما تُنبِتُه هذه البُقعَة منها. ويعيِّنُها. وقيل: لا يجوزُ كراؤُها بحالٍ. وفي متعلّق كلّ واحد منهم حديثٌ وأثرٌ، فأما قولُ النّبيِّ ﷺ : "مَنْ كَانَت لَهُ أَرضٌ فليَزرَعها أَوْ يَمنَحهَا أَخَاهُ" (٤) وهو الصّحيح، فيعارضُه مِثلُه في الصِّحَّة، وهو أنّ النّبيّ ﷺ قال لرَافِع: "مَا تَصنَعُونَ بِأَرضِكُم"؟ قالَ: نُكرِيها بِالرُّبُعِ وبِالأَوسُقِ مِن التَّمرِ، فَقَالَ ﵇: "لَا تَفعَلُوا، ازْرَعُوهَا أَؤ أَزْرِعُوهَا" (٥). وأمّا قول علمائنا: إنّها لا تجوزُ بشيءٍ من الطعامِ، فهو ذريعةٌ أنّها لا تجوزُ بشيءٍ ممّا يخرُجُ منها، وإن كان ممّا لا تُنبتُ الأرض فلوجهين:

стр. 2940

أحدُهما: أنّها ذريعةُ الذّرائع، وشُبهة الشُّبَهِ مسألةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، وقد بيناها في "الخلافيات". الثّاني: -وهو الأقوى- قال النّبيّ ﷺ لرَافِعٍ: "لا تَفعَلُوا" وقد قال له: نُكرِيهَا بالأَوسُق من التَّمر (١)، وذلك أنّا رأينا الله تعالى قد أذِنَ لمن كان عنده نقدٌ أنّ يتصرَّفَ فيه طَلَبًا للرِّبح، أو يُعْطِيَهُ لغيره يتصرَّفُ فيه بجزءٍ معلومٍ، فالأرضُ مِثلُه، وإلا فأيُّ فرقٍ بينهما، فهذا أقوى في الباب، ونحن نفعلُه الآن في بلدنا. الأصول (٢): قوله (٣): "نهى النَّبِيُّ ﷺ عَنْ كِرَاءِ المَزَارعِ" قال علماؤنا (٤): هو عامٌّ في كلِّ ما تُكرَى به، إِلَّا ما خصّه الدّليل، وإلى المنع ذهب طَاوُس (٥) في الجملة في أحد قَوْلَيه. وذهب فقهاء الأمصار إلى تجويز ذلك (٦). وقوله (٧): "بِالذَّهبِ وَالوَرِقِ" يقتضي إباحة ذلك بهما، وقد ذهب إلى إباحته بغيرهما مالك والفقهاء، غير رَبِيعَة فإنّه منعه بغيرهما (٨).

стр. 2941

الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأولى (١): قال علماؤنا (٢): والأرض على ضربين: مأمونة، وغير مأمونة. فالمأمونة: أرض النِّيل، قال مالك (٣): وليس أرض المطر كأرض (٤) النِّيل، وإن كانت لا تكاد تخلف، فالنّقد جائزٌ، خلافًا العمر بن عبد العزيز. ودليلُنا: أنّ الغالب من منافعها الاستيفاء، فجازَ الكراءُ فيها كسُكنَى الدُّور، قال مالك وأصحابه: وكذلك الآبارُ والأنّهارُ (٥) لا تخلف إلّا في الغَبِّ. المسألة الثّانية (٦): وأمّا أرضُ المَطَرِ، فقال مالكٌ (٧): لا بأسَ به، والنِّيل أَبْيَن، وبه قال ابن عبد الحَكَم، وأَصبَغُ، وابن المّاجِشُون، وقد قيل لهم: أرضُ الأندلس أرض مطر ولا تكاد تخلف، فقالوا: لا تنقد حتّى يأتيها المطر الّذي يحرث عليه، ولا ينتظر بها الرَّوَاء بخلاف أرض النِّيل. وعندي أنّ معنى المأمونة عند مالك: أنّ تكفيها سقية واحدة تروى بها كأرض النِّيل، وأمّا أرض المطر فلا يكفيها إلّا المطر الكثير.

стр. 2942

فأمّا الّتي ليست بمأمونة، فلا يجوزُ النّقد فيها بشرطٍ (١)، خلافًا لأبي حنيفة (٢) والشّافعيّ (٣). ودليلنا: أنّه قد يعدم المطر فيجب ردّ الكراء، فتكون تارة كراءً إنَّ نزل المطر، وتارةً سَلَمًا إنَّ عدم. فرع: فإن نقد بشرط، ففي "العُتبِيَّة" (٤) - من رواية حسين بن عاصم- فيمنِ اكترى أرضه عشر سنين (٥) وانتقد، فإن لم تكن مأمونة فهو كِراءٌ وسَلَفٌ يُفسَخ ما لم يَفت، فإن فأتت بقَلِيبٍ (٦) أو زرعٍ، يُقَاصّه بكراء سنة بعينها من سائرها، ويردّ ما بقي (٧). المسألة الثّالثة (٨): فإن أطلق العَقْد، فمتى يلزم النّقد؟ رأيتُ لعبد الحقّ (٩) أنّ ذلك على ثلاثة أوجه: ١ - فأما "أرضُ المَطَر" فلا يلزمه حتّى يتمّ زرعه. ٢ - وأمّا "أرضُ النِّيل والمأمونة" فينقده إذا رويت. ٣ - وأمّا "أرضُ السَّقْي الّتي تزرع بطونًا" فينقد (٥) عند ابن القاسم عند تمام كلِّ بطن ما ينوبه.

стр. 2943

وعند أشهب؛ عند ابتداء كلِّ بطن ما ينوبه، ولا فرق بين الأوّل والثّاني عندهما. ويحتاج هذا إلى تأويل؛ فإنّه ذكر في "المدوّنة" (١): "لا يصلحّ النّقد في أرض المطر إِلَّا بعد ما تُروَى ويُمكنُ الحرثُ" وهذا لا يجوزُ أنّ يريدَ به إِلَّا غير المأمونة (٢)، لكن العلّة مفهومة (٣). المسألة الرّابعة (٤): ومنِ اكترى أرضًا لها بئرٌ، فذهب ماؤها، فإن لم يزرع فسخ الكِرَاء، وليس له أنّ ينفق فيها كراءَ عامِه ولا غيره، قاله محمّد وابن حبيب (٥). قال محمّد: فإن أنفق فيها، فهو مُصَدَّقٌ، ثمّ لا يلزم ذلك ربّها، إِلَّا أنّ يشاء فيؤدِّيه نقدًا، وإن حبسه في الكِرَاء جاز، ولم يكن دَينًا بدَينٍ. فرع (٦): فإن كان قد زرع، نلا يخلوا أنّ يكون في كراء السّنة الأولى ما يصلُح به أو لا (٧)؟ فإن لم يبلغ ذلك، فسخ الكراء، قاله محمّد.

стр. 2944

فرع (١): فإن ذهب ماء البئر أو العين قبل تمام الزّرع فهلك، فلا كِرَاءَ له (٢)، فإن أخذه لزمه ردّه، وإن كان لم يأخذه فذلك عن الزّارع موضوع. ولو هلك بعضه وبقي بعضه، أُعطي بقَدر ما يبقَى من الكِرَاء بحساب ذلك، كان لم يكن له قَدْرٌ، ولا فيه منفعة، لم يكن له (٣) من الكِرَاء شيءٌ، قاله مالك في "المدوّنة" (٤). فرع (٥): ولو كانت من أرض المطر، فقد قال مالك في "المدوّنة" (٦): إنَّ لم يتمّ زرعه فلا كرَاء له. ولو كثر المطر فأفسد الزّرع، فإن كان في الإبَّانِ (٧)، في وقتٍ لو أقلع (٨) لأمكنه أنّ يعيدَ زراعتها، فلم ينكشف حتّى مضت أيّام الزِّراعة، فلا كِرَاءَ عليه؛ لأنّه بمنزلة أنّ تغرق (٩)، فإن انكشف في الإِبّان، فالكِراءُ له لازِمٌ، قاله ابن القاسم (١٠) عن مالك (١١).

стр. 2945

ولو غرقت بعد الإبَّانِ، فقد قال مالك (١): إن زَرَعَ فجاءه بَرَدٌ فأذهَبه، فالكِراءُ عليه، وكذلك إنَّ أصابه جَرَادٌ أو جليد وغَرِقت في غير الإِبَّانِ فتلف الزّرع. المسألة الخامسة (٢): فيمن زرعَ في أرض قوم بغير إذنهم، فخرّج التّرمذيّ (٣) فيه حديث عطاءٍ عن رافع بن خَدِيجٍ، قال رسول الله: "مَنْ زَرَعَ في أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إِذْنِهِم، فَلَيسَ لَهُ مِنَ الزَّرعِ شَيءٌ" وفي هذا الحديث كلام. أمّا "الإسناد" فقال البخاريّ: شَرِيك يُتَّهم في الحديث كثيرًا (٤)، وقال أبو عيسى (٥): هو حديثٌ حَسَنٌ (٦)، وأنكر أحمد بن حنبل على أبي إسحاق أنّ يكون زاد فيه: "بِغَيرِ إِذنِهِم" وقال: ولم يروه غيره (٧). واختلف علماءُ الأمصارِ في هذه النّازلة: فمنهم من قال: الزَّرع للزّارع، وهم الأكثر. وقال ابنُ حنبل (٨): إذا كان الزّرعُ قائمًا فهو لربِّ الأرضِ، وإذا كان قد حُصِدَ فإنّما تكون له الأجرة، وذلك لحديث رَافِع؛ لأنّه متعدِّ على صاحب الأرض، ولأنّه شغل مال غيره.
следующие страницы →