قوله (١): "لا يحتَكِرُ إِلَّا خَاطِئٌ" لفظةٌ مشكلةٌ، اختلِفَ فيها وفي ورودها في اللِّسان العربيّ، فيقال: "خاطئ" على الإطلاق، إذا عمل ما لا يجوزُ، يقالُ: خَطِىءَ في دينه يَخطَأ إذا أَثِمَ، ومنه قولُه تعالى: ﴿إِنَّ قَتْلَهُمْ كَانَ خِطْئًا كَبِيرًا﴾ (٢) ويقال: أخطأ، إذا سلكَ سبيلَ الخطإِ، عامدًا وغير عامدٍ. وقد يكونُ الخطاُ بمعنّى الإثمِ، قال الله العظيم: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلَّا خَطَأً﴾ (٣) وقال أيضًا: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ الآية (٤)، وإذا اشتركَ ورودهما لم تفصِّلهما إِلَّا القرائن، فقوله: " لَا يَحتَكِرُ إِلّا خاطِىء" يعني: آثِمٌ.
الفقه في مسائل:
الأولى (٥):
فنقول: الأموالُ على قسمين: مطعومٌ، وغير مطعومٍ.
والمطعومُ على قسمين: قُوتٌ، وغيرُ قُوتٍ.
والقُوتُ على قسمين: بُرٌّ وشعيرٌ، وما عداهما.
أمّا الاحتكارُ والتّربُّصُ في الأموال غيرِ المطعوماتِ، فلا خلاف فيه. وأمَّا في المطعوماتِ، فهو الّذي يُكرَهُ جَمْعُه في حالٍ دون حالٍ. وَيحرُمُ التّربُّصُ لانتظار الغَلاء به، إذا لم يكن رَفعُ السُّوقِ وخَفضُه الّذي جرت العادةُ به، والمعوِّلُ في ذلك على النِّيَّةِ، فإن تعلَّقت بضَرَرِ أَحَدٍ حرُمَ ذلك القصدُ.
стр. 2872
ولا يخلو أنّ يكونَ المحتَكِرُ للطّعام من مالِ نَفسِهِ، أو من كَسب يَدِهِ، أو ممّا اشتراهُ في السُّوق، فإن كان من مال نفسه وكَسْبِ يده، فالحُكْرَةُ جائزةٌ بلا خلافٍ، وإن انتظر به رَفعَ السُّوقِ وخفضَها، وتربُّص لأجل ذلك، فهو جائزٌ أيضًا بغيرِ خلافٍ. وإنِ انتظرَ به غلاءً متفاوتًا لنازلةٍ تحدُثُ من قَحطٍ أو عَدُوٍّ ونحوه، فالحُكرَةُ جائزةٌ والتَّربُّصُ حرامٌ، فلما تنافرتِ الحُكرَةُ والتَّربُّصُ لفظًا ومعنىً وحُكمًا جعلهما مالك لفظتين.
وأمّا إنَّ كان يحتكرُ بشراءٍ من السُّوق، فذلك جائزٌ أيضًا بثلاثة شروطٍ:
الأوّل: سلامةُ النِّيَّة كما تقدّم.
الثّاني: ألَّا يضُرَّ النَّاس بالشراءِ فيرتفعَ السعرُ بكثرةِ الطالبِ.
الثّالث: ألَّا يكونَ من أصولِ المعاشِ والحياةِ، كالدُّهن والخلِّ ونحوه.
أمّا إنَّه قد تكون الحُكْرَةُ مستحسنةً، وذلك بأن يَكثُرَ الواردُ على الموضع بالأقواتِ وعند بعض النَّاس نُقُودٌ، فإن لم يَشتَرُوا من الجالبِ رَدَّ ما جَلبَ، فالشّراءُ حينئذٍ جائزٌ، والحُكرةُ حسنةٌ.
فَضلٌ (١)
فإذا احتكَرَ ونزلت نازلةٌ بالنّاس، فاحتبسَ عن البيع إِلَّا ما يريدُ، فهي مسألةُ التّسعيرِ، وبيانُها أنّه صحَّ عن النَّبيِّ ﵇ أنّ نَفَرًا من الصّحابة سَألُوهُ التَّسْعيرَ في السُّوق، فقال: "إِنَّ الله هُؤ المُسَعَّرُ القَابِضُ البَاسِطُ، وَإِنِّي لأَرْجُو أنّ ألقَى اللهَ وَلَا يَطْلُبَنِي أَحَدٌ بمَظْلَمَةٍ عِندَهُ" (٢) ويُحملُ الحديثُ على وجهين:
أحدُهما: إذا لم يَكُنِ الزّائدُ متفاوتًا.
الثّاني: إذا لم يكن في ذلك* ضَرَرٌ بأن يَتَرَقّى منه إلى غيره*.
فإن خرج عن هذين الوجهين لم يَجُزِ التّسعيرُ أيضًا، ولكن يقالُ للّذي يتولَّى
стр. 2873
الزّيادة: اخْرُجْ عن سوقنا (١)، كما فعلَ عمرُ بنُ الخطّاب بحاطِب بنِ أبي بَلتَعَةَ (٢)، هذا إذا كان من أهل السُّوقِ. فأمّا إذا كان الجالبُ للمَبِيعِ من غير أهل البلد، فذلك الّذي يبيعُ كيف شاء لا يُمنَعُ منه، ولا يُحْجَرُ عليه، كما قال عمرُ: " أّيُّمَا جَالِبٍ جَلَبَ عَلَى عَمُودِ كَبِدِهِ" الحديث (٣) وهذا مبنىٌّ على قاعدة المصلحة، فإن الجالبَ لو قيلَ له كما يقالُ للرجل من أهل السُّوق: إمّا أن تبيع بسِعرِنَا، وإما أنّ تقومّ عن سُوقنا، لانقَطَع الجَلبُ واستضرَّ النّاسُ، وعلى هذا انبنت مسألة التعشيرِ في أنّ كلّ من جلَبَ من المعاهَدِين إلى بلاد الإسلام أُخِذَ منه العُشرُ، إِلَّا أنّ يجلِبَ إلى مكَّةَ، فإنّه يؤخَذُ منه نصفُ العُشرِ مصلحةً، سَبَبُهَا التّحريضُ والتحضيضُ على جَلبَ الأقواتِ إليها، وفائدتُه كَثرتُه. ولمّا لَحَظَ ابنُ حبيبٍ من أصحابنا هذه المصلحةَ وفَهِمَ المقصودَ فيها قال: إنَّ الجالِبَ للطعام لا يمكن من أنّ يبيعَ إِلَّا بسعرِ النَّاس، ما خلا القمحَ والشعيرَ، فإنّه يكون فيه بحُكمِ نفسه للحاجةِ إليه ولتَمامِ المصلحةِ بهما.
فصل (٤)
قال الإمام: وللحُكْرةِ محلٌّ وزمانٌ، واختُلِفَ في ذلك:
стр. 2874
فأما "المحلّ" فقال مالكٌ (١) والثّوريُّ: الاحتكارُ في كلِّ شيءٍ إِلَّا الفواكه.
وقال ابنُ حنبل: الاحتكارُ في الطّعام وحدَهُ في مكَّة والمدينة والثُّغور، لا في الأمصار (٢).
وقال قومٌ: ليست الحُكرَةُ إِلَّا في القُوت لا في الإدام، ولأجل ذلك كان سعيد بن المسيَّب يحتكر الزَّيت (٣).
وأمّا "زمان الاحتكار" فاختلف فيه أيضًا، فقيل: إنّه في كلِّ وقت.
وقيل: إنّما ذلك عند مَسِيس الحاجة إليه، والذي يربطُ لكم فيه العَقْد؛ أنّ النّبيّ ﵇ قال:"لَا يَحتَكِرُ إِلّا خَاطِئٌ" (٤) فينبني على هذا الحديث، أو على قوله: "لَا ضِرَارَ" (٥) أو على إجماع الأُمَّةِ على هذه المناهي، من القَصْدِ إلى ما يضرُّ بالنّاس على المخصوصِ والعمومِ لا يجوز، وكذلك فعلُ ما يضرُّ بهم، فنقول: إذا كان المحتكرُ يقبضُ اليدَ عن الشِّراء من مال نَفْسِهِ وكَسْبِ يده، فلا حَرجَ عليه في احتكارِه لذلك، فإن خافّ على نفسه وعلى النَّاس، وتأَهَّبَ لذلك، لم يكن آثمًا، وإنّما إذا كان المحتكرُ يشتري من السّوق، فذلك جائزٌ بثلاثةِ شروطٍ كما قدَّمنا:
الأوّل: سلامة النِّيَّة.
الثّاني: ألَّا يضرّ بالنّاس في السُّوق فيرفع في سوقهم لكثرة الطّلب.
стр. 2875
الثّالث: ألَّا يكون من أصول المعاش والطّعام والدّهن، ففيه الخلاف على ما قد بيَّنَّاه.
هنا موضع التّركيب للفروع فنقول:
قولُه (١):"لَا حُكْرَةَ في سُوقِنَا" يريدُ المنع في سوق المدينة؛ لأنّ غالب أحوالها غلاء الأسعار، ولذلك يمنع الادِّخار لما فيه من التّضييق على النَّاس.
هنا تركيب جملة مسائل:
أحدها: في بيان معنَى الاحتكار وحُكمِهِ.
الثّاني: في بيان معنى الوقت الّذي يمنع فيه الادِّخار.
الثّالث: في بيان ما يتعلّق به في المنع.
الرّابعة: في بيان من يَمْنَعُ من الاحتكار.
فنبني الكلام على هذا فنقول:
الاحتكار هو الادِّخار للمَبِيع، وطلب الرِّبح بتقلُّب الأسواق، فأمّا الادِّخار للقُوت فليس من باب الاحتكار.
فإذا ثبت ذلك، فإنّ احتكارَ الأقواتِ وغيرَها ليس بممنوع، ورَوى محمّد عن مالك أنّه سُئِلَ عن التَّرَبُّصِ بالطّعام رَجَاءَ الغلاء؟ قال: ما علمتُ فيه نهيًا. قيل له: فمن يبتاعه فيحبّ غلَاءَهُ؟ قال: ما من أحدٍ يبتاعُه إِلَّا وهو يحبُّ غلاءَهُ.
ويتعلَّقُ المنعُ بمن يشتري في وقت الغلاءِ أكثر من مقدار قُوتِهِ، وذلك ضربان:
стр. 2876
١ - أحدُهما: أنّ يكون من أهل ذلك الموضع أو غيره. فإن كان من أهل ذلك الموضع، فحُكمُه ما ذكرنا.
٢ - لأنّ كان من غيره، فينظر على أيِّ وجهٍ يشتريه، إنَّ كان للادِّخار أو للمعاش كلِّ يوم (١).
стр. 2877
بَابُ مَا يُجُوزُ مِنْ بَيْعِ الحَيَوَانِ بَغْضِهِ بِبَعْضِ والسَّلَفِ فيه
الفقه في مسائل:
الأُولى (١):
أمّا بيعُ الحيوان بعضُه ببعضٍ نَقدًا، فلا كلامَ فيه، ولا تفريعَ عليه.
وأمّا بَيْعُهُ بنَسِيئةٍ، فإنّه جائزٌ عندنا، وبه قال الشّافعيُّ (٢).
وقال أبو حنيفةَ وجماعةُ الكوفيِّين (٣): إنَّ الحيوانَ لا يَثبُتُ في الذِّمَّة؛ لأنّ الصِّفَة لا تَحصُرُهُ، وقد تقدّمتِ المسألةُ.
وَبَنى مَالِك أصلَه في الرَّدِّ عليهم بقول علىِّ -إمامُهُم والخليفةُ عليهم - وفِعلِهِ؛ إِذ باع جَمَلَهُ نَقدًا بِعِشرِين بَعيرًا إِلَى أَجَلً (٤)، ومن الحديث الصّحيح ما خرّجه مسلم (٥) وغيره (٦)، عن أبي رافع، أنّه قال: "استَسلفَ النَّبِيُّ جملًا بَكرًا فقضى خِيَارًا رَبَاعِيًا" وغلطَ بعضُ النّاسِ من المتأخِّرين من علمائنا، فظنّ أنّ هذا الحديثَ في السَّلَفِ من باب المعروف، فلا يحتجُّ به في السَّلَم الّذي هو من باب المُغابنة، والمسألةُ واحدةٌ،
стр. 2878
والخلافُ بيننا وبين أهل الكوفة في ذلك واحد، ثمّ ركَّب مالك ﵀ على هذا الباب دُخولَ الرِّبا على الحيوان، كَبَيعِ الجَمَلِ بالجمَلِ وزيادةِ الدّراهمِ نقدًا أو بنسيئةٍ (١)، وذلك إنّما هو من قاعدة الذَّرائع.
الثّانية (٢):
قوله (٣):"لَا بَأسَ بِالجَمَلِ بالجَمَل مِثلِهِ" إلى آخر كلامه، هو كما قال، إنَّ ما يجوز التّفاضل فيه نقدًا من غير المقتاتِ والذَّهبِ والفضَّة ويحرمُ فيه التّفاضل نسيئا. فإنّ مَنْ باع بعضه ببعضِ يَدًا بِيَدٍ، فلا يفسد ذلك ما كان معه من زيادة من غير ذلك الجنس، نقدًا أو إلى أجلٍ، بعد أنّ يتعجّل الجنسان، فإنْ تأجَّل ذلك، لم يَجُز بوجهٍ (٤)، وهذا عقدُ الباب وضبطُه.
الثّالثة (٥):
قولُه (٦): "لَا بَأسَ بِالبَعِيرِ النَّجِيبِ بِالبَعِيرَين" يحتملُ أنّ يريدَ بالنَّجيبِ جِنسًا منها، ويحتملُ أنّ يريدَ الفَارِهَ القوِيَّ.
و"الحَمُولَةُ" ما يحمل عليها دون ما يُراد للدَّرِّ والنَّسل، وحَوَاشِيها أَدوَنُها، وليس يُوصفُ المقدّمُ منها بأنّه من الحواشي، وهو أظهرُ في قولِ مالكٍ، فيجوزُ البعيرُ الفَارِهُ بالبعيرين، وإن كان المؤجّلُ والمعجّلُ من نوعٍ واحدٍ.
стр. 2879
ولا يجوزُ (١) أنّ يريدَ به النّجيب من النّوع؛ لأنّ ذلك ليس في الأغلبِ ممّا يحملُ عليه فيوصف بأنّه حَمُولَةٌ.
الرّابعة (٢):
قولُه (٣): "وإن أَشبَهَ بَعضُهَا" يريد في المنفعة المقصودة، سواء كانت من جنسٍ واحدٍ أو أجناس، فإنّه لا يجوزُ منها اثنانِ بواحدٍ.
الخامسة (٤):
قولُه (٥): "إِذا انتَقَد ثَمَنَهُ" يريد ألَّا يبيعه بدَينٍ؛ وذلك لأنّه لا يخلو أنّ يكون العرضُ والحيوانُ مؤجَّلًا أو غير مؤجَّلٍ، فإن كان مؤجَّلًا، لم يَجُزْ بيعه بمؤجَّلٍ ممّن هو عليه ولا من غيره؛ لأنّه يدخله في بيعه ممّن هو عليه فسخ دَين في دَينٍ، ويدخُلُهُ في بيعه من غيره الكالئ بالكالئ (٦).
وهل يجوزُ "بيعُه معجَلًا ممّن هو عليه؟ حُكمُه في ذلك حُكم سائر العروض، يجوز أنّ يبيعَهُ منه بما يجوزُ* أنّ يُسلم فيه رأس مال السّلم، ويسلم في المُسَلَّم فيه، ولا يجوزُ على غير ذلك.
стр. 2880
بَابُ مَا لايَجُوزُ مِنْ بَيْعِ الْحيَوَانِ
الفقه في مسائل:
الأوُلى (١):
قوله (٢): "نَهَى عَنْ بَيعِ حَبَلِ الحَبَلَةِ" الحَبَلُ هو الحَملُ، والحَبَلَةُ هو الجنينُ، فكأنّه باعه إلى أنّ ينقضي حمل الجنين، فيحلّ البَيْع بانقضاءِ حمله، وذلك على ضربين:
أحدُهما: أنّ يكونَ الأجلُ يتقدّرُ به.
والثّاني: أنّ يكون المبيعُ هو الجنينُ الثّاني.
فأمّا الأوّل فلا يجوزُ؛ لأنّ الأجل مقصود بالعَقْد، فيجبُ أنّ يكونَ معلومًا. والذي يدخل فيه الفساد أمران:
أحدُهما: الجهالةُ فيه.
والثّاني: أنّ يكون بعيدًا يدخله الغَرَر لبُعدِه.
فأما الأوّل، فعلى ما ذكرنا من البَيع إلى أنّ تنتج النّاقة، أو إلى قدوم فلان، أو نزول المطر، ممّا يخلف اختلافًا متباينًا تختلف الأغراض باختلافه.
الثّانية (٣):
فأمّا إنَّ كان إلى أجلٍ بعيد جدًّا، فقد رَوَى ابنُ القاسم عن مالك في"المُدَوَّنة" (٤).
стр. 2881
تجويز الشِّراء إلى عشرين سنة، وهذا بعيدٌ جدًّا (١).
وقال ابنُ القاسم في "الموازية" إنّه جوّز ذلك إلى عشر سنينَ، وَكَرِهَهُ إلى عشرين، ثمّ قال: ولا أفسخه إِلَّا إلى ستّين أو سبعين.
الثّالثة (٢):
قولُه (٣): "لَا رِبًا فِي الحَيَوَانِ" معناه: أنّه لا يثبتُ فيه تحريم التَّفاضل يدًا بِيَدٍ على ما ثبت في المدَّخر المُقتَاتِ.
وقولُه (٤): "وَإِنَّمَا نُهِيَ مِنَ الحَيَوَانِ عَنْ ثَلَاثَةٍ" لا خلاف بين الفقهاء في الحُكمِ أنّه لا يجوز أنّ يُباعَ ما في البَطن من الحيوان من جنينٍ، ولا "مَا فِي ظَهْرِ الفَحْلِ" (٥) بمعنى أنّه يحمِلُه البائع على ناقَتِه.
الرّابعة (٦):
قوله (٧): "لَا يَشتَرِي الحَيَوَانَ الغَائِبَ بِالنَّقْدِ قَرِيبًا وَلَا بَعِيدًا" هذه رواية "الموطَّأ" (٨)، ورُويَ في "المُدَونَة" (٩) وغيرها؛ أنّه يجوز النَّقْدُ فيما قَرُبَ دُونَ مَا بَعْدَ (١٠)
стр. 2882
فإذا قلنا بالفرق بين القُربِ والبُعدِ، فقد رَوَى محمّد عن مالك بجواز النَّقد فيما كان على البريد أو البريدين، ثمّ رجع فقال: على اليوم ونحوه. ويجوز على مسيرةِ اليوم، وبه قال أشهب وابن القاسم (١). وَرَوى ابنُ القاسم عن مالك في الحيوان خاصّة البريد والبريدين (٢). وَرَوى ابنُ وهب عنه: لا ينقد في الطّعام يكون على نصف يوم حتّى يقوب جدًّا.
الخامسة (٣):
والبيعُ بالرُّؤية المتقدّمة على وجهين:
أحدُهما: أنّ يقعَ على الإطلاق.
والثّاني: أنّ يشترط البائع* أنّ المبيع على الصِّفَة الّتي كان عليها حين رآه المبتاع*، فذلك جائزٌ.
وفي صِحَّة بيعِ البعيدِ الغَيبَةِ شرطان:
أحدُهما: ألَّا بضرب لقبضه أجلًا، ورُوِيَ (٤) عن ابنِ القاسم أنَّه إنَّ ضربَ لذلك أجلًا لم يَجُزْ، زاد محمّدٌ: قريبًا ولا بعيدًا (٥).
ووجه ذلك: أنّ أجلَ قبضه مُتَقَدِّرٌ بقَدْرَينِ، فهو مفسد القَدرَيْن:
١ - أحدهما: مسافة ما بين بلد البائع وبلد المُبتاع.
стр. 2883
٢ - والثّاني: الأجلُ الّذي يضربان، وذلك يمنع صحّة العَقْد.
والضّربُ الثّاني (١): أنّ يبيع البعيد الغَيبَة بصفة، فإن كان كما وَصَفَ، لزم المُبتَاع، وألَّا كان له الخِيَار. ومنع الشّافعيّ (٢) بيعَ ما لم يُرَ.
فرع (٣):
فإذا ثبتَ هذا (٤)، فهل يكونُ ضمانه (٥) من البائع أو المبتاع؟ اختلف فيه قول مالك، فقال: هو من المبتاع، إِلَّا أنّ يشترط ذلك على البائع، إذا كان ممّا لا يجوز فيه النّقد (٦)، وبه قال مُطَرِّف وابن وهب، ثمّ رجع فقال: هو من البائع، إِلَّا أنّ يشترط ذلك على المبتاع، وبه قال ابن القاسم وابن المَاجِشُون.
ووجه القول الأوّل: أنّه لم يبق فيه حقّ توفية، فكان من المبتاع كالحاضر يكون في الدّار.
ووجه الثّاني: أنّه ممنوعٌ من النّقد فيه (٧)، فكان من البائع كالجارية المبيعة بالمواضعة.
стр. 2884
بَابُ بَيْعِ الحَيَوَانِ بِاللَّحْمِ
الفقه في مسائل:
الأُولى (١):
نهيُهُ ﷺ عن بيعِ الحيوان باللَّحمِ (٢) يقتضي تحريمه، وبه قال مالك (٣) والشّافعيّ (٤) وجمهورُ الفقهاء.
وقال أبو الزِّناد: "إنَّ كُلَّ مَنْ أدرَكتُ كَانَ يَنهى عَن ذَلِكَ" (٥).
وأجاز أبو حنيفةَ بيع الحيوان باللّحم (٦).
والمسألةُ لنا، لا كلامَ لأحدٍ فيها، وحجَّتُنا في ذلك: حديث ابن المُسَيِّب؛ لأنّه رَوَى عَنِ النَّبِيِّ ﵇ النَّهي عَنْ بَيعِ الحَيَوانِ بِاللَّحم (٧). وقد اتّفقتِ الأُمَّة على قبُولِ مُرَاسِلِ سعيد بن المُسَيِّب، ولا كلامَ لهم عليه، فالَمسألةُ غيرُ معلَّلَةٍ، وتعليلُها فيه تعارضٌ ظاهرٌ وتناقضٌ كثيرٌ.
وعوَّل علماؤُنا فيها من طريق المعنى على أنّ الشَّيْرَجَ (٨) بالسِّمْسِمِ لا يجوزُ؛ لأنّه يخرُجُ منه، فكذلك اللّحمُ بالحيوان، وتحريرُ ذلك وتفصيلُه فيي "مسائل الخلاف".
стр. 2885
أمّا "بيع اللَّحم باللَّحم" فإنّه ممّا لَا رِبًا فيه، وأموالُ الرِّبا بشروطها من اعتبار الجِنْسِ في ربا الفَضل والنِّسَاءِ، واعتبارُ القُوتِ في رِبَا النِّسَاءِ خاصّةً مذكورةٌ في "كتب المسائل".
مسألة أصوليّة (١):
قال بعضُ علمائنا حين تعلَّق بحديث نَهْيِ النّبيّ ﵇ عَنْ بَيع اللَّحمِ بِالحَيَوانِ: هذا تَلَقَّتْهُ الأُمَّة بالقَبُول فوجبَ القضاءُ به، وهذا وَهمٌ (٢) بطريق الحديث، فليست شُهرةُ الحديثِ بمُوجِبةٍ لصِحَّتِه إجماعًا، وهذا الحديثُ ما تَلَقَّتْهُ الأُمَّةُ بالقَبُولِ، فإنّ أهل الكوفة رَدُّوهُ، وقد عَدَّ العلّماءُ الأحاديثَ المشهورة المُتَدَاوَلَة على أَلسِنَة الأُمَّة من العلماء وليست بصحيحةٍ، وذَكَروا منها نُبَذًا كحديث: "الخراج بالضّمان" (٣) وحديث: "رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الخَطَأُ وَالنِّسيَانُ" (٤) ودونَهُما حديثُ: "لَا يَأوِي الضَّالَة إِلَّا ضَالٌّ" (٥) وذلك مذكورٌ في كتب الحديث.
الثّانية (٦):
قَال علماؤنا (٧): نَهيُهُ عَنْ بَيعِ الحَيَوَانِ بِاللَّحمِ، إنَّ ذلك في اللّحم النِّىءِ، أمّا
стр. 2886
المطبوخ، فروى ابنُ الموّاز وأشهب كراهية ذلك. وأجازَهُ ابن القاسم، وهو أحبّ إلينا.
الثّالثة (١):
قال (٢): واللَّحمُ على ثلاثة أجناس: ذواتُ الأربع، إنسيُّها ووحشيُّها، المباحةُ كلُّها جنسٌ واحد، والطّير كلُّه جنسٌ واحدٌ، والحيتان كلّها جِنسٌ واحدٌ.
وأمّا الجرادُ، فرُوِيَ عن مالك أنّها جنسٌ رابعٌ. ورُوِيَ عنه في "المُدَوَّنَة" (٣) أنَّه قال: ليست بلحم، وإنّما يمنع بيع اللّحم بالحيوان من جِنْسِهِ.
قال ابنُ القاسم: ولم أر عند مالك تفسير الحديث في اللّحم بالحيوان إِلَّا من صِنفٍ واحدٍ لموضع المزابنة.
وذهب الشّافعيّ (٤) إلى أنّه لا يجوزُ بيعُ لحم بحيوان بجنسه، ولا من غير جنسه.
ودليلُنا: ما يُعتبرُ فيه الرِّبا يُعتبرُ فيه الجنس كالحبوب، وهذا فيما أكله مباحٌ.
وأمّا ما حَرُمَ أكلُه، فلا يمنع من ذلك؛ لأنّه ليس ممّا يحِلُّ أكلُه، فيقال: إنَّ فيه من جنس هذا اللّحم.
وأمَّا المكروه، فَمَا جرتِ العادةُ بأكله، مُنِعَ من بيعه بلحم جنسه، كالهِرِّ والثّعلب والضّبع.
стр. 2887
وأمّا الخيلُ والبغال والحمير، فقد قال مالك (١): لا بأس بها باللّحم، نقدًا أو إلى أجلٍ؛ لأنّ ذلك لم تجر العادةُ بأكلِهِ (٢)، ولأنّ منافعها (٣) غير الأكل.
بَابُ بَيْعِ اللَّحْمِ بِاللَّحْمِ
الفقه في مسائل:
الأُولى (٤):
اللّحمُ الّذي يُعتبرُ فيه التَّساوي أو التّفاضل، هو اللَّحمُ على هيئته الّتي يستعمل عليها، ممّا يشتملُ عليه من عَظْم وغيره، ما لم يكن مضافًا إليه، كنوى التّمر حُكْمُهُ حكم التّمر، ما لم يكن مضافًا إليه.
فرع:
وأمّا "الكَرِشُ، والكَبِدُ، والقلبُ، والرِّئَةُ، والأَكَارعُ، والرّأسُ، والحُلْقُومُ، والشَّحمُ، والكُليَتَانِ، والخُصيَتَان" فلا يصحُّ شيءٌ منه باللَّحم، إِلَّا مِثْلًا بمِثلٍ، قاله ابنُ القاسم في "المُدَوَّنة" (٥) وقال: "وما علمتُ مالكًا كَرِهَ أكل الطّحَالِ، ولا بأسَ به". فإذا ثبتَ ذلك من قوله، فيجبُ أنّ يكون حُكْمُهُ حُكم اللَّحم.
الثّانية (٦):
قولُه (٧): "الأمْرُ المُجتَمَعُ عَلَيْهِ عِندَنَا" يريد عند أهل المدينة أنّ لحم ذوات الأربع
стр. 2888
جنسٌ يحرمُ فيه التّفاضل. والطّير جنس آخر يجوزُ التّفاضلُ بينه وبين ذوَات الأربع. والأمرُ في الجرادِ على اختلاف قول مالك، وقد تقدّم.
الثّالثة (١):
رَوى ابنُ القاسم عن مالك في "العُتبِيَّة" (٢) وغيرها؛ أنّ الخُبزَ واللّحم والبَيْضَ يجوزُ بيع بعضه ببعض تحرِّيًا (٣)، ولم يُجِزهُ أبو حنيفةَ والشّافعىّ (٤).
ودليلُنا: أنّ هذا ممّا تدعو الحاجةُ إليه، وإلى قسمته ومبادلته في السَّفَر، وحيث لا توجدُ الموازين، فجازَ للضّرورة مع الوصول بذلك إلى التّماثل.
وقال عبدُ الوهّاب (٥): من أصحابنا من أجازَهُ على الإطلاق، ومنهم من أجازَهُ بشَرطِ تَعَذُّرِ المَوازين، وهذا في الموزون دون المَكِيل والمعدودِ، وفي، "الواضحة" عن مالك: ما لا يجوز فيه التّفاضل من الطّعام غير الإدام، لا يجوزُ قسمته تحرّيًا، فكذلك السّمن والعسل والزّيت، وإنّما تقسم وَزنًا وكَيلًا (٦).
الرّابعة (٧):
نهيُه عن بيع اللّحم باللّحم، وهل يجوزُ ذلك في الحيِّ بالحىِّ؟ ففي "الواضحة": لا يباعُ ما لا يُقْتَنَى (٨)، حي بحيِّ مِثلِهِ إِلَّا تحرِّيا، وفيه احتمال.
стр. 2889
بَابُ مَا جَاءَ في ثَمَنِ الكَلْبِ
قال الإمام (١): ثبت عَنِ النَّبِيِّ ﵇ أَنهُ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلْبِ (٢)، واختلفتِ الرِّوايةُ فيه عن مالك وعلمائنا بعدَهُ على قولين، وذلك في كلبٍ يجوزُ الانتفاعُ به، فأمّا كلب لا يُنتفَعُ به، فلا خلافَ أنّه لا يجوزُ بيعُه، ولا تَلزَم قيمتُه لمُتلِفِهِ.
وقال الشّافعيُّ (٣): ثَمَنُه حرامٌ.
وقال أبو حنيفةَ: ثمنُه جائزٌ (٤).
ولم يزل مالك ﵁ عُمُرَهُ كله يقولُ: أكرَهُهُ (٥). وحمَلَ بعضُ علمائنا لفظَهُ على التّحريمِ. وحمَلَهُ آخَرون على أنّ تركَهُ خيرٌ من أخذه على أصل المعذرة.
قال الإمامُ: والصّحيحُ عندي جوازُ بيعه وحِلُّ ثَمَنِه؛ لأنّها عينٌ يجوزُ اتِّخاذُها والانتفاعُ بها، فيصِحُّ مِلكُها، بدليل وجوبِ القِيمةِ على مُتلِفِها، فجائز بيعُه؛ لأنّ هذه الأوصافَ هي أركانُ صِحَّةِ البَيْعِ، ولولا جوازُ بيعِهِ من أين كان يُوصَلُ إليه كما لا يُوصَلُ إلى سائر الأموال إِلَّا بالبَيْعِ أو الهِبَةِ، وقد مهّدنا ذلك في "مسائل الخلاف".
стр. 2890
الفقه في مسائل:
الأُولى (١):
قولُه: "نَهَى عَنْ ثَمَنِ الكَلبِ" (٢) يحتَمِلُ أنّ يريدَ النّهي عن اتِّخاذِه، وهذا يمنعُ بيعه (٣).
وأمّا المباحُ اتِّخاذُه، وهو كلبُ الماشيةِ والحَرثِ والصَّيدِ، فأكثرُ أصحابِه على جوازه (٤).
وقال سحنون: يجوزُ أنّ يحجَّ بثَمَنِه (٥)، وقالَهُ ابن كنانة.
الثّانية (٦):
قولُه:" وَعَن مَهرِ البَغِيِّ" (٧) يريدُ ما تُعطَاهُ على استباحةِ الوَطئ الحرام، وذلك محرَّمٌ شرعًا (٨).
الثّالثة (٩):
قوله: "وَحُلوَانُ الكاهِنِ" (١٠) إنّما حرّمه؛ لأنّه من أكلِ المالِ بالباطلِ، ولأنّ المتكهِّنَ كلُّ ما يأخذه على تَكَهُّنِه حرامٌ، مُحَرَّمٌ على لسان صاحب الشّريعة، وما حَرُمَ في نفسه حَرُمَ عِوَضُهُ، كالخمر والخنزير.
стр. 2891
بَابُ (١)
السَّلَفِ وَبَيعِ العُرُوضِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ
ثبت عنه ﷺ أَنَّهُ نَهَى عَنْ بَيعِ وَسَلَفٍ.
قال الإمامُ: أدخله مالك (٢) بَلَاغًا, ولا أعلمُ له سَنَدًا صحيحًا، رواه التّرمذيّ (٣) وقال: هو حديثٌ صحيحٌ (٤).
فإن قيل: كيف يصحُّ وهو من حديث عَمْرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدِّه، أنّ النّبيّ ﷺ قال: "لَا يَحِلُّ بَيْعٌ وَسَلَفٌ" وإجماعُ (٥) الفقهاء على العمل به يدلُّ على صِحَّتِه، ومعناه يقيِمَ له مقامَ الإسناد.
قال الإمام: ويركَّبُ على هذا الحديث أصلٌ بديعٌ من أصول المالكيّة، وهو أنّ كلَّ عَقدين يتضادَّانِ وضعًا ويتناقضان حُكمًا، فإنّه لا يجوزُ اجتماعُهُما، أصلُه البَيْعُ والسَّلَفُ، فَيُرَكَّب عليه في جميع المسائل، ومنه البيعُ والنِّكاحُ، وذلك لأنّ البَيْعَ يُبْنَى على المُغَابَنَةِ والمُكَايَسَةِ، خارجٌ عن باب القُرَبِ والعباداتِ، والسَّلَفَ مُكَارَمَةٌ وقُربَةٌ، ومن هذا الباب الجمعُ بين العقدِ الواجب والجائز، ومِثلُه بيع وجِعَالَةً. ويدلُّ على ذلك أنّ أخذ العِوَضِ في الجعَالَةِ مجهولٌ ولا يجوزُ أنّ يكون معلومًا، فإنّه إنَّ كان معلومًا خرج عن باب الجَعلِ وأُلحِقَ بباب الإجارة، وأمثالُ ذلك لا تُحْصَى، وفي هذه الإشارة إلى أنواعه نبذة كافية، فتأمّلوها فهي خيرٌ لكم من كتاب.
стр. 2892
بَابُ السُّلفَةِ في العُرُوضِ
الفقه في مسائل:
١ - الأولى (١):
قولُه (٢): "سَلَّفَ في سَبَائِبَ" قال مالك: هي غلائل ثمانية.
وقولُه (٣) إنَّ معنى ذلك: "أَنَّهُ أَرَادَ أنّ يَبِيعَهَا مِنْ غَيرِ بَائِعِهَا مِنهُ بِأَكثَرَ" فيدخله الوَزن بالوَزن متفاضِلًا.
ويحتملُ أنّ يريد بهذا: أنّه مذهب ابن عبّاس (٤).
ويحتمل أنّ يريد منه: مقتضَى اللّفظ، وقد سأل عيسَى ابنَ القاسم عن رِبْحِ ما لم يُضمن؟ فقال: ذكر مالك أنّ ذلك بيع الطّعام قبل أنّ يُستَوفَى.
٢ - وأمّا العُرُوضُ والحيوان، فإنّ ربحه حلالٌ؛ لأنّ بيعَهُ قبل استيفائه حلالٌ.
ومن "كتاب محمّد" أنّ ربح ما لم يضمن أنّ يبيع لرجل شيئًا بغير أمره، ثمّ يبتاعه منه وهو لا يعلم (٥)، وهذا الباب ضَيِّقٌ جِدًّا، وفروعه كثيرة.
стр. 2893
بَابُ النَّهْيِ عَنْ بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ
قال الإمام (١): أدخلَ مالك (٢) بلاغًا، وهو ثابتٌ عن النَّبِىِّ ﵇ صحيحٌ (٣)، رواهُ النَّسائيّ (٤) والشّافعيّ (٥)، وقال التّرمذيّ (٦): "هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ".
الفقه في مسائل:
الأولى (٧):
اختلفَ العلّماءُ في تفسير هذا الحديث:
فأمّا المالكيّة فقالوا: هو أنّ يبيعَ الرَّجلُ من الرّجُلِ سلعتَين بثَمنين مختَلِفَين، على أنّه قد لَزِمَتْهُ إحدَى الصَّفقتين، فَيُنظَرُ أيّهما يُلزَمُ (٨).
وقال الشّافعيّ (٩): تفسيرُها أنّ يقولَ الرَّجلُ: أبيعُك داري على أنّ تبيعَني أنت غلامَكَ (١٠).
وكلَا التّفسيرين صحيحٌ، والمسألتان جميعًا لا تجوز وإنِ اختلف التّعليل، وهي تستمدُّ تارةً من قاعدة الرِّبَا، وتارةً من قاعدة الغَرَرِ، ورُبّما اجتمعا.
стр. 2894
الثّانية (١):
و"نَهيُهُ ﷺ عَنْ بَيعَتَينِ في بَيعَةٍ" محمولٌ على التّحريم.
وقال الفقهاء: معناهُ أنّ يتناول عَقد البَيع بيعتين، على أنّ لا تتمَّ منهما إِلَّا واحدة مع لزوم العَقد كما قدمنا.
بَابُ بَيْعِ النُّحَاسِ وَالحَدِيدِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا ممّا يُوزَنُ
الفقه في مسائل:
الأُولى (٢):
قولُه (٣): "وإن كَانَ الصِّنفُ يُشبِهُ الصِّنفَ" يريدُ بالتّشابه تقارُب المنافع مع تقارُب الصُّورة، كالآنُكِ (٤) والنُّحاس والرَّصَاص، زاد ابنُ حبيب: والقزدير فإنّه جنسٌ واحدٌ، وكذلك الشَّبَهُ (٥) والصُّفْرُ والنُّحَاسُ، وكذلك الحديد، وإنّما يَختلفُ بالعمل، فهذا عُمِلَ الحديدُ سُيوفًا أو سكاكين أو النُّحاسُ أوانيَ، فإنّه يصير أصنافًا باختلاف المنافع والصُّور.
الثّانية (٦):
قوله (٧): "فَإِنِّي أَكْرَهُ أنّ يُؤخَذَ اثنَانِ بِوَاحِدٍ إلَى أَجَلٍ" لما قدّمنا من أنّ الجنس لا
стр. 2895
يجوزُ بعضُه ببعض * مع الأجل، لمقاربة البيعة ولما يدخل ... ، ولا بأس ببيع بعضه ببعض* نقدًا متفاضلًا في ذلك كلِّه، إِلَّا ما ذكره أصحاب مالك في منع التّفاضل في الفُلوس، واختلفوا في تأوبل ذلك:
فمنهم من قال: منعُه على الكراهية.
ومنهم من قال: على التّحريم.
ووجهُ الكراهية: أنّ السَّبْكَ في النُّحاس لا يُخرجهُ عن أصله، كصِيَاغَتِهِ منه طُسُوسًا.
ووجهُ التّحريم: أنّ السَّبكَ، نوعٌ يختصُّ بالأثمان، فوجبَ أنّ يؤثِّر في تحريمِ التّفاضل، كجنسِ الذّهب والفِضَّة، ومن نسب إلى مالك في هذا القول المناقضة لم يتبيّن وَجْهَ الحُكم.
الثّالثة (١):
قوله (٢):"وَكَذَلِكَ كُلُّ مَا يَنتَفِعُ بِهِ النَّاسُ، وإن كَانَتِ الحَصبَاءَ وَالقَصَّةَ، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بمِثلَيهِ إِلى أَجَلٍ، رِبًا" وقد قال ابنُ حبيب: إنَّ التّراب الأبيض والأسود صِنفان، وكذلك الجِيرُ والتّراب الأبيض، وكذلك الكَذَّانُ (٣) بالرُّخام، والجَندَلُ بالحِجَارة وبالحَصبَاء، فهذا كلّه مُختلِف يجوز التّساوِي فيه والتّفاضل إلى أجلٍ.
وقال غيرُه: وما استوت منافِعُه كالجَندَلِ بالحجارة لم يَجُز ذلك فيه.
стр. 2896
بَابُ مَا جاءَ فِي بَيْعِ الغَرَرِ
قال الإمام (١): الحديثُ في هذا الباب رواهُ مالك (٢) مُرْسَلًا، وهو مُسنَدٌ من طُرُقٍ (٣)، وأجمعت عليه الأُمَّةُ، وهذا أحدُ أركانِ البيوعِ وقواعدِهِ كما بيّناه.
العربيّة (٤):
بيع الغَرَر: هو الّذي يكثرُ فيه الغَرَر، ويغلبُ عليه حتّى يُوصَف به؛ لأنّ الشّئ إذا كان متردِّدًا بين معنيين، لا يوصَف بأحدهما دون الآخر، إِلَّا أنّ يكون أخصّ به وأغلب عليه.
الفقه في مسائل:
الأُولى:
قال علماؤنا (٥): "ووجوه الغَرَرِ في البيوع كثيرةٌ لا تُحصى".
من (٦) ذلك بَيعُ المعدوم، فإنّه أشدُّ من الموجودِ المجهول، وقد بوّب عليه مالك (٧) فقال: "مَا لَا يَجُوزُ من بَيعِ الحَيَوَانِ" وهي المَضَامِين والمَلَاقِيح وحَبَلُ الحَبَلَةِ، فإنّه غَرَرٌ في المعدوم.
ومنه: ذِكرُ مالِكٍ (٨) لِبَيعِ الدَّابَّةِ الضَّالةِ والعَبدِ الآبِقِ؛ لأنّه لا يُعلَمُ هل هو على حاله أم لا؟
стр. 2897
ومنه: الحَملُ، وجعَلَ مالكٌ (١) منه استثناءَ الحَملِ من الجارية المبيعةِ، وذلك عَيبٌ صحيح لوجهين:
أحدُهما: أنّه لا تُدرى السّلامةُ منه عندَ الوَضعِ، وحاله يختصّ بالآدميين.
والثّاني: الجهالةُ بالثّمن دونَ خوفِ الهلاكِ، وذلك في سائر الحيوانات، ولهذه الدّقيقةِ تفطَّنَ مالكٌ، فقال في هذا الباب (٢): "وَذَلِكَ أنّ يَقُولَ الرَّجل لِلرّجُلِ: ثَمَنُ شَاتِي ثَلاثَةُ دَنَانِيرَ، فَهِيَ لَكَ بِدِينارَينِ، وَلي مَا في بَطنِهَا، فَهَذا غَرَرٌ وَمُخَاطَرَةٌ".
ومنه: بيعُ المُلَامَسَة والمُنَابَذَة، وقد بوَّب عليه مالك (٣).
ومن (٤) ذلك: نَهيُهُ ﷺ عَن بَيعِ الحَصَاةِ (٥)، وهو أنّ يُسَاوِم الرَّجلُ الرَّجُلَ وبِيَدِ أحدِهما حصاة، فيقول لصاحبه: إذا سقطتِ الحصاةُ من يدي فقد وجبَ البيعُ بيني وبينَك.
وقيل: هي أنّ تكون السّلع منشورة، فيرمي المبتاع حصاة، فأيّ شيءٍ وقعت عليه وجبَ له بها، وأيّ ذلك كان، فهو من الغَرَرِ المنهيّ عنه.
ومن ذلك: نهيُهُ ﵇ عن بيعتين في بيعة (٦).
ومن ذلك: نهيُهُ عن بيع العُرْبَان (٧)، وتفسيرُهُ (٨): أنّ يشتري السِّلعة ويُعطيه دينارًا أو درهمًا، فيقول له: إن أَخَذتها فهو من الثّمن، وإن لم آخذها فهو لك، وذلك باطلٌ أخذها بغير شيء، وهو غَرَرٌ.
стр. 2898
وكانت هذه كلُّها بيوعًا كان أهل الجاهلية يتبايعون بها، فنهى رسولُ الله ﷺ عنها؛ لأنّها من باب أكل المال بالباطل، لقوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ [النِّساء: ٢٩] الآية (١).
الثّانية (٢):
والغَرَرُ يقعُ من قليلٍ وكثيرٍ، فالقليلُ مَعْفُوٌّ عنه، وأمّا الغَرَرُ الكثير المانع من صحَّة العَقْد يكون في ثلاثة أشياء:
أحدُها: العَقد.
والثّاني: أحد العِوَضَين: الثّمن أو المثمون، أو كلاهما.
الثّالث: الأجل فيهما أو في أحدهما.
فأمّا "الغَرَر في العَقد" فهو مثل نهي النّبيّ ﷺ عن بَيعَتَينِ في بَيعَةِ، وعن بَيعِ الْعُرْبَانِ، وعن بَيعِ الحَصَاةِ على أحد التأويلين، وما أشبه ذلك ممّا لا جهل فيه في ثَمَنٍ ولا مثمون، وإنّما حصل الغَرَر فيه بانعقاده بين المتبايعين على هذه الصّفات، ومن هذا المعنى بيع المَكيل والجُزاف في صَفقَةٍ واحدةٍ، والقولُ فيما يجوز من بيع الجُزاف والمَكِيلِ في صَفْقَةٍ واحدة (٣)، وعلى هذه الأنواع تتركّب المسائل في هذا الباب إنَّ شاء الله.
стр. 2899
بَابُ بَيْعِ الخِيَارِ
قال الإمام: ذكر مالك (١) في هذا الباب المُتَبَايِعَان بِالخِيَارِ مَا لَمْ يفتَرِقَا، وحديثُ ابن عمرَ في هذا الباب مشهورٌ؛ أنّ النّبيّ ﷺ قال: " المُتَبايِعَانِ بالخِيَارِ مَا لَم يَفتَرِقَا" أو "يَختَارَا" كذا رواه التّرمذيّ (٢).
قال الإمام: اختلف العلماء في هذا الحديث (٣):
١ - فمن النَّاس من رَدَّه؛ لأنّه خَبَرٌ واحدً يخالفُ أصولَ الشّريعة، فإنّ الَبْيع كما رُوِيَ عن عمر بَيعَان: بَيعُ صَفقَة أَو بَيع خِيَار (٤)، فأمَّا بيع خيَار كلَّه فليس في الأصول.
٢ - التّأويل الثّاني: من النَّاس (٥) من تأوّله بأنّ معناه: المتراوضان في الإيجاب والقَبُول، فإذا قال البائع: بعتُ، فالأمر لم ينعقد،* وكلُّ منهم بالخِيَار، حتّى يقول الآخر: قبلتُ*.
٣ - الثّالث: منهم من قال: معناه ما لم يفترقا بالأقوال.
٤ - الرّابع: قال بعضُ الفقهاء (٦): المراد به خِيَار الإقالة الّتي في حديث عبد الله بن عمر.
стр. 2900
٥ - الخامس (١): قال مالك (٢): "لَيْسَ لِهَذَا الحَدِيثِ عِندَنَا حَدٌّ مَعرُوفٌ، وَلَا أَمرٌ مَعمُولٌ به" أشار إلى أنّ المجلسَ مجهولُ المُدَّةِ، ولو شَرَطَ الخِيَارَ مدَّة مجهولةً لبَطَلَ إجماعًا، فكيف يثبتُ حُكمٌ بالشَّرعِ بما لا يجوزُ شرطًا في الشّرعِ؟! وهذا شيءٌ لا يتفطَّنُ له إِلَّا مالك ﵁.
وظنّ بعض المتوسِّمين بالعلّم من الجَهَلَة؛ أنّ مالكًا إنّما تعلَّق فيه بعمل أهل المدينة، وهذه جهالة (٣).
فإن قيل: قد أثبتَ مالكٌ خِيَارَ المجلسِ في التّمليكِ.
стр. 2901
قلنا: الطلاقُ يعلَّقُ على الغَرَر والخَطَرِ، وَيثْبُتُ في المجهول والمعلوم، والبيعُ بخلافِهِ، ولو لم يكن في هذا "القَبس" إِلَّا هذه المشكاةُ لكَفَاهُ.
وقال الشّافعيّ (١): خِيَارُ المجلسِ ثابتٌ في البَيع لكلِّ واحدٍ من المتبايعين حتّى يقوما عن مجلسهما، ورَوَى في ذلك الدّارقطني (٢) تفسيرًا عن النَّبىِّ ﵇ أنّه قال: "المُتَبَايعَانِ كُلُّ واحِدٍ منهُمَا عَلَى صَاحِبِهِ بِالخِيَارِ، مَا لَمْ يَتَفَرَّقَا عَنْ مَكَانِهِمَا الَّذِي تَبَايَعَا فِيهِ" وكان ابنُ عمر إذا باع أَحَدًا قام ومشى خُطىً حتّى يلزم البيع (٣).
مسألة (٤):
والخِيَارُ في البَيْع في أصله غرَرُ، وإنّما جوّزته السُّنَّة لحاجةِ النَّاس لذلك؛ لأنّ المبتاع قَد لا يختبر ما ابتاع، فيحتاج إلى أنّ يختبره، أو يعلم أكان يصلح أم لا، ومثل هذا (٥).
بَابُ بَيْعِ المرَابَحَةِ (٦)
قال الإمامُ: هذا باب عَويصٌ، ليس له في القرآن ولا في السُّنَّة ترجمةٌ، اللَّهُمَّ إِلَّا أنّ الله قال: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾ [البقرة: ٢٧٥] (٧) فاقتضى هذا الإطلاق- كما قدّمنا -
стр. 2902
جوازَ بيع كلِّ بيعٍ إِلَّا ما قام الدّليلُ على رَدِّهِ حسَبَ ما تقدّم في القواعد.
وقد طالعتُ في كتب العلماء المُعَوَّلِ عليهم في المذاهب، فما رأيتُ أحدًا منهم فهِم هذا الباب كما ينبغي، ولا قرّره كما يجبُ، فاسْتَوْفَى معاقدَهُ على الكمال، إِلَّا محمّد بن عبدوسٍ (١)، فإنّه بيّنه ورتّبة على ستّة معاقد، وقعت منثورةً في كلام مالك، فجمَعَها وفَرَّعَ عليها فروعًا كثيرةً (٢).
الأوّل: ما يُحتسَبُ في الثّمن والرِّبح.
والثّاني: ما يُحتسَبُ في الثّمَنِ ولا يُحتَسَب في الرِّبح.
الثّالث: ما يُحتسب في عَقد واحدٍ في الشّرط ولا يُحتسَبُ بالإطلاقِ.
الرّابع: أنّ يَنعَقدَ البيعُ على الكذبِ.
الخامس: أنّ يَنعقِدَ البيعُ على الغِشَّ.
السّادس: أنّ يَنعَقِد البيعُ على عَيب.
ولكلّ واحد حُكمٌ ليس للآخر، وقد يجتمعُ الكذبُ والغِشُّ والعَيبُ في البيع في عَقدٍ واحدٍ، وقد يجتمعُ اثنان منهما في عَقدٍ، فتتعارضُ الأحكامُ، ولولا أنّ هذا "الكتابَ" على القواعدِ والأصولِ لا الفروع، لمهّدناها لكم.
بَابُ جَامِعِ الدِّيْنِ وَالحِوَلِ
قال الإمام (٣): الأصل في هذا الباب قوله ﵇: "مَطلُ الغَنِيِّ ظُلمٌ" (٤) فإنّه
стр. 2903
متّفقٌ عليه (١)؛ لأنّه لا عُذرَ في التّأخير لمن كان قادرًا على الأداء، ومهما اختلف العلماء في الأمر بحقوق الله تعالى، هل هو على الفَورِ أو مسترسلٌ على الأزمان (٢)، فإنّهم قد اتَّفقوا على أنّ الأمر لحقِّ الآدميِّ على الفَوْرِ، وذلك لفَقرِ الآدميِّ وحاجتِهِ، وأنّ الله هو الغنىُّ، له ما في السّموات وما في الأرض.
فإذا ثبتَ هذا، واشتغلَ الغنىُّ عن أداء الحقّ، فإن ذلك معصيةٌ، ينشأُ من هذا أنّه إذا اشتغل بالصّلاة عن أداء الدِّين، فاختلف العلماء في ذلك:
فقال أحمدُ بنُ حنبلِ: الصّلاةُ باطلةُ.
وقال جمهور العلماء: الصّلاة صحيحةٌ، منهم مالك بن أنس، وحَكَى عنه أبو المعالي الجُوَينيّ (٣) أنّ الصلاةَ باطلةٌ، ولم أرَهَا في كُتُبِهِ، ولا تجري على أصوله، وهو حُكمٌ أصوليٌّ ليس من الفروع، وقد بيَّنَّا في"كُتُب الأصول" حكم الصّلاة في الدّار المغصوبة , وحقّقنا تعارُضَ الأمر والنّهي، وبيَّنَّا اتِّصالهُما وانفصالَهُما، فليُنظَر هنالك، ففيه شفاءٌ للعلّيلِ إنَّ شاءَ اللهُ
الفقه في مسائل:
الأُولى (٤):
قوله ﷺ (٥): "إِذَا أُتبعَ أَحَدُكُم عَلَى مَلِيءٍ فَليَتبَع" فيه دليلٌ على أنّ الحَوَالة من القَضَاء, فإن شاء الرَّجلُ أنّ يقضِيَ الدَّينَ الّذي عليه قضى من مَالِه، وإن شاء أنّ يُحيلَ
стр. 2904
على غيره به إذا كان مَلِيئًا جازَ، ولا تكونُ محاولةُ الحَوَالَةِ من المَطل، هذا إذا كان له على المُحَال عليه دَيْنٌ ولا يُعتبر رِضَى مَنْ عليه الدَّينُ؛ لأنّه لو وَكَّلَ رجلًا يقبِضُه لجازَ، فالحِوَلُ له وَكالةٌ، وأمّا رِضَى مَنْ له الدَّينُ فإنّه يُعتَبَرُ عند كافّةِ العلماء، وتعلَّق بعضُ التّابعينَ بقول النّبيّ ﵇: "فَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُم عَلَى مَلِيءٍ فَلْيَتبَع" ولم يشتَرِطْ رِضَاهُ بل أمَرَهُ بالاتِّباع.
وقال أبو حنيفة (١): يُعتبرُ؛ لأنّها عنده مبايعةٌ.
وعندنا أنّه نقلُ حقٍّ من ذِمَّةٍ إلى ذِمّةٍ، وقد بيَّنَّا ذلك في "مسائل الخلاف".
ومُطلَقُ قولِ النّبيِّ ﵇: "إِذَا أُتبعَ أَحَدُكُم عَلَى مَلِيءِ فَليَتبَع" يقتضي ألَّا يُشتَرطَ رِضَاهُ، بل أمره بالاتباع.
قال علماؤنا: هو محمولٌ على النَّدبِ، بدليل قولِ النّبيِّ ﷺ "المُسلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِم" (٢). وعموم قولِه تعالى: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ [المائدة: ١] (٣) وهذا إنّما عَاقَدَ للمُحِيلِ وعليه شرطُ الثّمنِ، وفي ذِمَّتِهِ أوْجَبَ المالَ، فلا ينتقِلُ عنه إلى غيرِه، فيسقُطَ شرطُه ويتبدَّلَ عَقدُه، إِلَّا برِضَاه، وهذا ما لا جواب لهم عليه.
الثّانية (٤):
فإن رَضِيَ المحالُ بالمحال عليه فخرج عديمًا:
стр. 2905
قال الشّافعيُّ (١): إنّه يَخسَرُ.
وقال أبو حنيفةَ (٢): إنّه يَرجِعُ.
وقال مالكٌ (٣) وغيرُه: إنَّ غَرَّهُ منه رجَعَ عليه، وإلّا فلا رُجوع له عليه. وقد قرّرنا ذلك في "مسائل الخلاف" وبيّنّا أنّ الحَوَالةَ نقلُ ذِمَّة إلى ذِمَّة، وليست بمبايعةٌ.
وأمَّا إذا غرَّهُ، فلا إشكالَ في رجوعِه عليه؛ لأنّ أصلَ الحَوَالةِ انبنَى على باطلٍ من الغِشَّ والمُخادَعَةِ، وقد أمرَ النّبيُّ ﵇ باجتنابِهما، ونهى عن فعلهما، وقال: "مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ" (٤) فوجبّ الحُكم بردِّه.
تتميم (٥):
قد بيَّنَّا أنّ أصل الحَوَالَة الحديث المتقدِّم، حديث أبي هريرة أنّ "مَطْلَ الغَنِيِّ ظُلمٌ، وَإِذَا أُتْبعَ أَحَدُكُم عَلَى مَلِيءٍ فَليَتبَعْ" (٦) وفي هذا الحديث أنّ الغنىَّ لا يحلّ له أنّ يمطل غريمَهُ.
وقال أَصبَغُ: مَطلُ الغنيّ جُرْحَةٌ تردُ شهادتُه بها؛ لأنّ النّبيّ ﵇ سمّاها ظلمًا (٧)، وقد رُوِيَ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لَيُّ الوَاجِدِ يُحِلُّ عُقُوبَتَه وعِرضَهُ" (٨) فعِرضُه
стр. 2906
التَّظلُّم منه بقول: مَطَلَنِي وظَلَمنِي.
وقال بعض العلماء: عقوبتُه سجنه حتّى يؤدِّي. وعِرضه أنّ يقول الطّالب: ظلمني ومطَلنِي، وهذا من باب قوله سبحانه: ﴿لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ﴾ الآية (١)، وهذا وإن كان إنّما نزل في الضّيف، فهو يشتمل على كلِّ ظُلمٍ.
والحَوَالَة مختصّةٌ بما نهى ﷺ من الكالئ بالكالئ، ومن الذِّمَّة بالذِّمَّة. وقد فسّره مالك في "الموطَّأ" (٢) فقال: "الكَالِىءُ بالكَالِىء, وهو أنّ يبيعَ الرَّجلُ دَيْنًا له على رَجُلٍ بدَينٍ على رَجُلٍ آخرَ".
وقال ابنُ حبيب (٣):" هو النَّسيئةُ بالنَّسيئة وهي مهموزَةٌ ممدودةٌ (٤)، وهو التّأخير، ومنه قوله تعالى ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية (٥)، وذلك تأخيرهم تحريم المحرّم إلى صفر". وتفسير ما كره من الكالئ بالكالئ الغَرَر، وهو أنّ يحيلَه على غريمِه بِمَا لَهُ عليه من الدِّين، ويحيله الآخر على غريمه له بمثل ذلك، فكأنَّما قد أحالا على غَرَرٍ (٦).
بابُ إِفلاسِ الغَرِيمِ
مالك، عَنْ يَحيَى بنِ سَعِيدٍ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بنِ حَزْمٍ، عن عُمَرَ بنِ عَبْدِ العَزِيزِ، عَنْ أبِي بَكر بنِ عَبدِ الرَّحمَنِ، عَنْ أَبِي هُرَيرَةَ، أَن رسُولَ اللهِ ﷺ قَال: "أّيَّما امرِيءٍ
стр. 2907
أَفلَسَ، فَوَجَدَ رَجُلٌ سِلعَتَهُ عِندَهُ بِعَينِهَا، فَهُو أَوْلَى بِهَا من غَيرِه" (١).
قال الإمام (٢): وكذلك خَرَّجَهُ أبو داود (٣)، غير أنّه زاد فيه: "أَيَّما رَجُلٍ مَاتَ أَو أفلَسَ، فَوَجَدَ صَاحِبُ المَتَاعِ مَتَاعَهُ بِعَينِهِ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ" (٤) ولم نَجِد في الصَّحيحِ ولا وُجِدَ فيهِ لِحُكمِ الموتِ ذِكرٌ.
وروى الدّارقطني (٥) مثل ذلك وصحَّحَهُ وقال: وما زادَهُ مالك من الأُسْوَةِ في الموت، هو من قول الرّاوي. وما رُوِيَ من استواء الموت والفلس لم يصحّ.
قد بيّنّا أنّ قول مالك مبنىٌّ على صحّة القول بصحّة المراسيل من الأسانيد، وقد بيَّنَّا أنّه صحّة؛ لأنّه ثقة عما نقل (٦).
"الفَلَس": العُدمُ والقيام بالأمتعة، يقال: فَلِسَ يَفلَسُ فَلَسًا (٧).
الفقه في مسائل:
الأُولى:
اختلف العلماء في ذلك على أقوال:
стр. 2908
١ - الأوّل: أنّ من أفلس أو مات أنّ السِّلعَة للغُرَمَاء هم فيها أُسوَة، وكذلك رُوِيَ عن الشّافعيّ (١).
٢ - الثّاني: أنّه أُسْوَة الغُرَمَاء، وقاله أبو حنيفة (٢)، وإنّما عَوَّلَ على المعنى دون الحديث، فلا يُلتَفَت إليه ولا يُعَوَّل عليه.
٣ - وعوّل مالك ﵁ في هذه المسألة على الفرق بين الفلس والموت؛ * فإن الموت ليس فيه عن النّبيّ ﷺ نَصٌّ، وإنّما الخبر في الإفلاس، والفرق بين الإفلاس والموت* ظاهر؛ لأنّ الموت قد برئت به الذِّمَّة، وإذا أفلس أُخِذَ ذلك الدِّين ما بقي حُيًّا. وأمّا الموت فقد انقطع منه الرَّجاء وصارت أحكامه في الآخرة.
الثّانية (٣):
ومن ادّعَى الفقر وظاهرُه الغِنَى، وأقام بَيِّنَة لم يزكِّها , لم يؤخذ منه حَمِيلٌ، (٤) وُيسجَن حتّى يزكِّيها، من "كتاب ابن سحنون" وذلك أنّه يدّعي خلاف الظّاهر من حاله. هذا لمن تَفَالَسَ وقال: لا شيءٍ له. وأمّا إنَّ سأل أنّ يؤخِّر (٥) فليؤخره الإمام حسب ما يرجو له، حكاه ابن حبيب عن ابن الماجشون، وقال في "كتاب سحنون" إن سأل أنّ يؤخّره يومًا أو نحوه أخَّره ويعطي حَمِيلًا بالمال، فإن لم يجد حَمِيلا سُجِنَ.
فرع:
ومدة سجنه (٦) تختلف باختلاف الدِّين فيما رواه ابنُ حبيبِ عن ابن الماجشون،
стр. 2909
فقال: يُحْبَسُ في الدُّريهِمَاتِ قَدْرَ نصف شهر، وفي الكثير أربعة أشهُرٍ، وفي الوسط
شهران (١).
الثّالثة (٢):
قال علماؤنا (٣): وُيحبسُ الوصىُّ فيما على الأيتام (٤) إذا كان لهم في يَدَيه مالٌ، وكذلك الأب في دين الولد إنَّ كان له بيده مالٌ، رواه ابن سحنون عن ابنِ عبد الحَكَم (٥)، ومعنى ذلك: أنّه قبض له مالًا ولا يُعلَم نفاذُه، فلا يُقبل قولُه؛ لأنّه يَدَّعي خلاف الظّاهر.
الرّابعة (٦):
قال علماؤنا (٧): وُيحبسُ الأب إذا امتنع من الإنفاق على ولده الصّغير، ولا يُحبسُ في دَين الولَد، يريدُ إذا كان له عليه دَينٌ يطلبه به، وأمّا تركه الإنفاق عليه، فضرره يلحق الولد، وغيره يطلبه به.
فرع:
ويُحبسُ المسلمُ للكافرِ في الدِّين، رواه سحنون، ويُحبسُ السَّيِّدُ لمُكَاتبِه في الدِّين.
стр. 2910
ووجه ذلك: أنّ الحقوق لا تُعتبر فيها الحرمة، إِلَّا للوالد على ولَده فيما له عليه من الدِّين من حق الأُبُوَّة المُوجِبة للنّفقة، ويُحبسُ سائر القَرَابَاتِ من الأجداد وغيرهم (١).
الخامسة (٢):
فهذا ظهر أنّه لا مَالَ له، فعن ابن القاسم في "العُتبيّة" (٣) أنّه يحلّفه ويطلقه، رواه ابنُ حبيب عن مالك (٤)، ومعنى ذلك: أنّ يشهدَ له الشُّهوَد أنّهم لا يعلمون له مالًا ظاهرًا ولا باطنًا، ويلزمه اليمين؛ لأنّ الشَّهود إنّما يشهدون على العلم، فعليه هو أنّ يحلف على الباطن بالبتِّ، كالرّجل يستحقّ الدّار، فيشهد الشَّهود له على علمهم أنّهم لا يعلمون فَوتَه (٥)، ويحلف هو على الباطن بالبتِّ.
فرع:
وأمَّا من ثبت فَلَسُهُ، فروَى ابنُ وهب عن مالك في "الواضحة" أنّه لا يُحبس إنَّ كان مُعسِرًا لا شيءَ له، وفي "الموّازية": إن عُلِمَ ألَّا شيءَ له، فلا يُحبس حرٌّ ولا عبد.
ووجه ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] الآية (٦).
ولا يُؤاجر المُفلِس في دَيْنه (٧)، خلافًا لابنِ حنبل.
ودلينا قوله تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ﴾ [البقرة: ٢٨٠] الآية (٨). ومن جهة المعنى: أنّ الدِّين