← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 2976–3015 · переход к 2981.

стр. 2976

وقال محمّد بن الحسن (١) والطّبريّ: يجوز على كلِّ حال. والأدلَّةُ لنا من ثلاث طرقٍ: الأوّل: ما رُوي عنه ﷺ أنّه قال: "لَا يُفلِحُ قَوْمٌ أَسْنَدُوا أَمرَهُم إِلَى امرَأَةٍ" (٢). ومن جهة المعنى: إنّما هو أمر يتضمّن فصل القضاء فوجب أنّ تُنَافيهِ الأُنُوثة كالإمامة. ويكفي في ذلك عندي عمل المسلمين من عهد النّبيّ ﷺ إلى الآن. وقال (٣) أصحابُ أبي حنيفة (٤): إنَّ المرأة تقضي فيما تَشهَدُ فيه؛ لأنّه من جازَ أنّ يكون شاهدًا في شيءٍ، جازَ أنّ يقضي وأن يكون فيه قاضيًا كالذَّكَرِ، وهو يَنتَقِضُ عليه بالكافِرِ، فإنّه يجوزُ عنده أنّ يكون شاهدًا، ولا يجوزُ أنّ يكون حاكمًا ولا قاضيًا. وأجمعتِ الأُمَّةُ أنّها لا تكونُ خليفةً، فكذلك القضاءُ، وإنّما أشار الطّبريُّ إلى مذهب أبي حنيفةَ، ومذهبُ أبي حنيفةَ إنّما هو إذا حَكمَت، وأمّا أنّ يُقَدِّمَها الإمامُ لتكونَ منصوبةً للنّاس، فما كان ذلك قطُّ مذهبًا لأحدٍ. وقدِ اتَّفقتِ الأُمَّةُ على أنّها لا تؤذِّن؛ لأنّ صوتَها عورةٌ، فهذا لم يَجُز سماعُ صوتِها وهي في المئذَنَةِ لَا تُرَى، فاَؤلَى وأَحْرَى ألَّا تجوزَ مجالستُها ولا محادَثَتُها ابتداءً من قِبَلِ نفسِها، فكيف أنّ يُلجِئَها الإمامُ لذلك، ولو تَفطَّنَت لهذا عصبةُ الجاهلينَ ما كانوا عن الحقِّ ناكبين. الثّانية (٥): أمّا "كونه مُفرَدًا" فإنّه لا يُوَلَّى اثنان فأكثر على وجه الإشراك، فيكون لأحدِهما النّظر مفردًا. وقال ابنُ شعبان في "الزّاهي" له: "والحاكمُ لا يجوز أنّ يكون نصف حاكم، فلا يجتمع اثنان فيكونان حاكِمَين" وعلى ذلك إجماعُ الأُمَّةِ من زمان النّبيّ ﷺ إلى وقتنا

стр. 2977

هذا, ولا أعلم أنّه اشترك قطُّ قاضيان في زمان مَنْ تقدَّمَ، ولا سُمِعَ بذلك؛ لأنّ ذلك كان يؤدِّي إلى المُخالفة والتّناقض. الثّالثة: أمّا (١) "كونه بأن يكون بصيرًا" فلا خلافَ بين المسلمين في المنع من كَونِ الأعمَى حاكمًا. وهو مذهبُ أبي حنيفةَ (٢) والشّافعيّ (٣)، وبلغني عن مالك أنّه كان يقول: إنَّ كان (٤) يميِّزُ الأصواتَ ممّن تكرَّرَ عليه صوتُه (٥)، وليس كلُّ مَنْ شهد عنده ممّن يتكرّر عليه، فقد يشهدُ عنده ويزكَّى في غير ذلك المجلس، فلا يدري هل هو المزَكَّى عنده هو الّذي زُكَّيَ عنده بالأمس أو غيره، وقد يخرجُ بغير هذه التّزكيةِ، فلا يدري هل هو ذلك أو غيره. وقد احتجّ قومٌ بحديث (٦) ابن أُمِّ مَكتُوم فقال: إنَّ النّبيّ ﷺ قدِ استخلَفَهُ على المدينة في أحد الغزوات. الجواب - قلنا: إنّما كان ذلك لأنّه لم تكن في ذلك الزّمان خصوماتٌ، وإنّما كان يقعُ في النّادر أمر يحتاجُ إلى التّسديد، وكان ابنُ أُمِّ مَكتُوم به مُستَقِلًا، أوَ لا تَرَى أنّه إنّما كان يخافُ على المدينة عورةً، ولم يكن ابنُ أُمِّ مكتومٍ مُستَقِلًا بحماية الحَوزَةِ،

стр. 2978

وخليفةُ الأميرِ لابُدَّ أنّ يكونَ فيه من الاستقلالِ بحماية الحَوزَةِ وَلَمِّ الشَّعَثِ عند الاختلاف العامِّ، وقد كان ذلك مُتَعَذِّرًا في ابن أُمِّ مَكْتومٍ، فدلَّ على أنّ رسولَ الله- والله أعلم- إنّما كان يَثِقُ من ربِّه بعِصْمَةِ المدينة على أنّ يخالِفَ إليها بعدَهُ من يريدُها بسوءٍ، وكان يعلَمُ من أهلها قِلَّةَ الاختلافِ، فلأجل ذلك كان استخلافهُ له. الرّابعة: وأمّا (١) إنَّ كان التَعَذُّرُ في السّماع من بَكَم، فلم يَفهَمِ الحاكِمُ الإشارةَ، أو كان من لُغَةٍ لم يَعرفِ التَّكلُّمَ بها, ولم يكن عنده معبِّرٌ يُعبرُ له ذلك الكلام، فهذه مسألة خلافيّة اختلفَ فيها العلّماءُ. أمّا "الصّمم" فقال قوم: لا يجوز لقوله ﷺ (٢): "فَأَقضِي لهُ عَلَى نَحوِ ما أَسمَعُ" ففيه دليلٌ على أنّ التَّفَهُّم قد جُعل بين الحاكم والخَصمَين، فإن (٣) تعذَّزَ ذلك من القاضي بصَمَمٍ، أو من الخَصم بِبَكَمٍ، أو بِلُغَةٍ لا يفهمُها القاضي، فالّذي سمعتُ أنّ الرَّجل إذا كان أَصَمّ أو أعمى فإنّ النَّاس اختلفوا في توليته القضاء، والذي عندي أنّ واحدًا منهم لا يجوزُ أنّ يكونَ قاضيًا، وأقولُ: إنَّ ذلك إجماعٌ، وذلك على الإطلاق، إِلَّا في الأوقات اليسيرةِ والقَصَصِ المخصوصةِ؛ فإنَّ القضاءَ مَبنِيٌّ على الفَصلِ، وكلُّ ما أمكنَ من تحصيلِ الفصلِ والاختصارِ لا يُلْتَفَتُ معه إلى التّطويلِ، ولهذا قال العلّماءُ: لا يجوزُ قَبُولُ شَهَادَةَ الفَرعِ مع القُدرةِ على شُهودِ الأصلِ، لِمَا في ذلك من زيادة النّظَرِ على القاضي في العدالة، ولمَا في ذلك من زيادة الأعذارِ على المطلوب، فإذا رُوعِيَ هذا القَدْرُ في رسم القضاءِ، فالذي يفوتُ بالصَّمَمِ والعَمَى أعظمُ من ذلك.

стр. 2979

المسألة الخامسة (١): أمّا "اعتبارُ إسلامه" فلا خلافَ فيه بين المسلمينَ أنّ الكافرَ لا يكونُ قاضيًا على مُسلِمٍ. السّادسة (٢): وأمّا "اعتبارُ الحرِّيَّة" فقال عبد الوهّاب (٣): لا خلافَ فيه بين الأُمَّةِ. ووجهُ ذلك: أنّ منافعَ العبدِ مستحقَّةٌ لسيِّده، فلا يجوزُ أنّ يصرفَها للنّظر بين المسلمينَ. ولأنّه ناقصُ الحُرمَة نقصًا يؤثِّرُ في الإِمامةِ كالمرأة. السّابعة (٤): وأمّا "اعتبارُ كونِه عالمًا فقيهًا" فلا خلافَ في ذلك مع وجُودِ العالِمِ العَدلِ، و* إنَّ كان النَّاس قد اختلفوا في تولية الأميِّ إذا كان بصيرًا مُمَيِّزًا، فأكثر العلماء منعوا من ذلك * (٥). والَّذي يحتاجُ إليه من العِلم، أنّ يكون من أهل النّظر والاجتهاد، رُوِيَ عن ابن القاسم عن مالك في "المجموعَة" أنّه قال: لا يُستقضَى منْ ليس بفقيهٍ. وقال أَشهَبُ وابن المَاجشُون وأَصبَغ في "الواضحة": لا يصلُحُ أنّ يكونَ صاحب حديث إِلَّا فقيهًا، ومن لا فِقهَ له وهو من أهل الحديث المجرَّد، فلا تَصِحُّ فتواهُ ولا قضاؤُهُ؛ لأنّ أكثر النّوازلِ تفوته معرفتُها، فلا يفتي إِلَّا من كانت له صفة الفقه، وأن يكون قد جمع صفات الاجتهاد. والأصلُ في ذلك: قولُه تعالى: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (٦). فاعلم أنّ

стр. 2980

النّبيّ إذا بيّن لهم تَفَكَّروا، فهذا لم يكن عندهم تبيين النَّبىِّ لِمَا أنزل الله إليه من الكتاب، لم يتمكَّن لهم التفَكُّر في أحكامه، وقد قال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ الآية (١)، ومن ليس من أهل الاجتهاد فإنّه لا يرى شيئًا، ولذلك قالوا: لا يفتي من لا يعرف إِلَّا أنّ يخبر بما سمِعَ، فلم يجعل ذلك من باب الفتوى، وإنّما هو إخبارٌ عن فتوى صاحب المقالة عند الضّرورة، لعَدَمِ المجتهد الّذي تجوزُ له الفتوَى. فهذا لم يوجَد إِلَّا عالمٌ غير مرضيّ، أو مرضيّ غير عالم، فاختلف علماؤنا في ذلك: فقال أَصبَغُ: يُستقضَى العدل؛ لأنّه يستشيرُ أهلَ العِلْمِ ويجتهدُ. وقال ابنُ حبيب: إنَّ لم يكن له عِلمٌ ووَرعٌ، فعقلٌ ووَرعٌ؛ لأنّه بالعقل يسألُ وبالورع يعفذُ، فإذا طلَب العالِمَ وجدَه، وإذا طلب العقلَ لم يجده. مسألة (٢): وأمّا "اعتبارُ العدالةِ" فالظّاهرُ من أقوال علمائنا المسلمين أنّها شرطٌ في صحّة القضاءِ، وفي "النّوادر" (٣) من "كتابُ أَصبَغ": أنّه يجوزُ حُكمُ المسخوطِ ما لم يَحْكُم بجَورٍ، وان لم تجز شهادته، والأوّل أصحّ (٤)؛ لأنّ الفِسقَ يُنَافِي نُفُوذَ الأحكامِ كالكُفر. نازلة (٥): وهل يعتبرُ في ذلك أنّ يكونَ سميعًا؟ لم أر فيه نصًّا، وعندي أنّه ممنوعٌ، لما يحتاجُ من سماع دَعوَى الخُصومِ وأداءِ الشّهادة، وليس كلُّ شاهد يُمكنه أنّ يكتبَ شهادته فيعرضها عليه، مع ما في ذلك من تضيِيقِ الحالِ على النَّاس.

стр. 2981

نازلة أخرى (١): وهل يجوزُ أنّ يكون الأميُّ (٢) حاكمًا وإن كان عالمًا عَدلًا؟ لم أر فيه نصًّا أيضًا، ولأصحاب الشّافعيّ في ذلك وجهان: المنع والجواز (٣). والأظهرُ عندي الجوازُ؛ لأنّ النّبيِّ ﷺ كان لا يَكتُب. ومن جِهَةِ المعنَى: أنّه لا يحتاجُ إلى قراءةِ العُقُودِ، وينوبُ عنه في ذلك أهل العدل. نازلة أخرى (٤): وهل يُستَقضَى وَلدُ الزِّنا؟ قال سُحنون: لا بأس بذلك، ولا يحكم في حدِّ الزِّنا كما لا يحكم القاضي لأبيه. والأظهرُ عندي أنّه ممنوعٌ؛ لأنَّ القضاءَ موضعُ رفعَةٍ وطَهَارةٍ، فلا يليها ولد الزِّنا، كالإمامة في الصّلاة. نازلة أخرى (٥): وهل يُستقضَى الفقيرُ أم لا؟ فروى ابن سحنون عن أبيه أنّه يُستقضى إذا كان أعلمهم وأرضاهم، ولكن لا ينبغي أنّ يجلسَ حتّى يُغنَى ويُقضَى عنه دَينُه. وهذا ممّا لا خلاف في صحَّتِه، وليس يُؤَثِّرُ (٦) في دِينِه ولا عِلْمِه، ولكن يُستحبّ أنّ تُزَالَ حاجتُه للتّفرُّغ للقضاء وليكون له أسلم، وقد أجمع العلماء أنّ قضاءَهُ جائزٌ. وليس من صفاته أنّ يكون غنيًّا بإجماعٍ، وقد قال الله

стр. 2982

تبارك وتعالى عن بني إسرائيل في قصة طالوت: ﴿أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا﴾ الآية (١)، والقاضي أبدًا في حُكم الشّرع لا يكونُ إِلَّا غنيًا أو يُغنَى؛ لأنّ بيتَ المال له ولأمثاله، ومَغنَاهُ فيه، فلمّا حبس بيت المال واحتاج هو وأمثاله إليه ولم يُمَكَّن منه، كان غَنَاءُ القاضي أفضل من فَقرِه. العارضة (٢): قال الإمام الحافظ أبو بكر الطّرطوشي بالمسجد الأقصى- طهّره الله- قال: لمّا ولي جدِّي - يعني لأُمِّه - أبو زيد بن الحَشا (٣) القضاء بطُلَيطِلَة (٤)، جَمَع أهلَها وأخرجَ لهم صُندوقًا فيه عشرة آلاف دينار، وأخرج لهم صندوقًا آخر مملوءًا من ثياب حَسَنة، فقال لهم: هذا مالي وهذه ثيابي، فلا تَحْسِبُوا ظهورَ حالي من وِلَايَتِكُم، ولا مَالِي من أموَالِكُم، فنزّهُوهُ عن ذلك. نازلة أخرى (٥): وهل يُستقضَى المحدودُ في الزِّنا والقَذف، والمقطوعُ في السّرقةِ إذا كان مرضيّ الحال؟ وهل يَحكُم فيما حُدَّ فيه؟ فجوَّزَ ذلك أَصبَغ، وفرّق بينه وبين الشّهادة. ومَنَعَهُ

стр. 2983

سُحنون اعتبارًا بالشهادة، وهو الصّوابُ عندي. الفصل الثّاني في آداب القضاء ومجلسه قال علماؤنا: في هذا الباب جملة مسائل: المسألة الأولى: قال عمر بن عبد العزيز: لا ينبغي للرّجل أنّ يكون قاضيًا حتّى تكون فيه خمس خصال، فإن أخطأ واحدةً كانت فيه وصمة، وإن أخطأته اثنتان كانت فيه وصمتان: حتّى يكون عالمًا بما قَبلَه، مستشيرًا لذوِي الرّأي، منزَّهًا عن الطَّمَع، حليمًا على الخَصم، مخلصًا لله تعالى، فإذا كان هذا، نصبَ نفسه للحُكم بين النَّاس. واختلف علماؤُنا في أيِّ موضعٍ ينصب نفسَه للأحكامِ؟ فقال قومٌ (١): ينبغي أنّ يكون في المسجد، فمِمَّن كان يقضي في المسجد شُرَيْح، والحسن البصري، والشّعبيّ، ومُحَارِب بن دِثَار، ويحيى بن يعمر. (٢) وكرهه جماعة منهم: الشّافعيّ (٣)، وعمر بن عبد العزيز. وقال مالك (٤): "القضاء في المسجد من الحقِّ والأمرِ القديم؛ لأنّه يرضى بالدّون من المجلس، ويصل إليه الصّغيرُ والكبيرُ، والضّعيف والمرأة، ولا يحجب عنه أحد". قال ابن أبي زيد (٥): " واحتجَّ بعضُ أصحابِنا في ذلك بقوله: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ

стр. 2984

الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ الآية (١)، ورُوِيَ أنّ النّبيَّ ﷺ قَضَى في المَسجِدِ" (٢). وُيستحبُّ أنّ يجلسَ منه في رحابه الخارجة، قال مالك: ليصل إليه اليهود والنّصارى والحائض والجُنُب، وحيث ما جلس القاضي المُوَفَّق المأمون أجزأَهُ. وقال أشهبُ في "المجموعة": لا بأس أنّ يقضيَ في مجلِسِه ومنزِلِه وحيثُ أحبَّ، وأحبُّ إِلَيَّ أنّ يقضي حيث جماعة المسلمين وفي المسجد الجامع. وقَال سحنون: إِلَّا أنّ يدخل عليه ضَرَرٌ لكثرة النَّاس حتّى يشغله ذلك عن النَّظَر والفهم، فليكن له موضعٌ يَحُولُ بينه وبين من يشغله، واتَّخذ سحنون بيتًا في المسجد فكان يقعد ويحكم للنّاس فيه. قال علماؤنا (٣): ولا ينبغي للقاضي أنّ يقضي في الطّريق، إِلَّا أنّ يكون أمرٌ عَرَضَ واسْتُغِيثَ فيه إليه، فلا بأس أنّ يأمر فيه وينهى، فأمّا الحُكمُ الفاصل فلا، قالهُ مُطَرِّف وابن المَاجِشُون. وقال أشهبُ في "المجموعة": لا يقضي وهو يمشي، وقال أيضًا: لا بأس إذا لم يشغله ذلك. قال علماؤنا (٤): ولا بأس أنّ يقضي وهو متَّكِيء. المسألة الثّانية (٥): قال علماؤنا (٦): ولا تقامُ الحدودُ في المسجد بالضّرب. الكثير، إِلَّا اليسير

стр. 2985

كالخمسة أسواط والعشرة ونحوها، قاله مالك في "الموازية" و"المجموعة" و "كتابُ ابن سحنون". ووجه ذلك: أنّ الحُدودَ تبلغُ سَيَلَان الدِّم والتّأثير في الأجسام، والمساجد تُنَزَّهُ عن مثل هذا. وأمّا أنّ تكثر الحدود فيه فلا؛ ولأنّها موطن رحمة. المسألة الثّالثة: وينبغي للقاضي إذا دخل المسجد أنّ يركع ركعتين عند دخوله قبل أنّ يجلس، ويدعو الله عند فَرَاغِه منهما بالتّوفيق والعِصمَة والتّسديد، ثمّ يجلس مستقبل القِبلَة، ويسلِّم على القوم إذا استقبلهم، وعند دخوله أيضًا وعند خروجه، إِلَّا إذا صار لمنزله، لقوله ﷺ : "يُسَلِّمُ القَلِيلُ على الكَثِيرِ" (١). وكذلك يفعلُ الخَصمَانِ إذا وصَلَا إليه، اقتداءً برسول الله ﷺ ، فيردّ السّلام، ويجلس الخصمان بين يديه، ويسوِّي بينهما في المجلس، لا يرفع أحدهما على صاحبه. وقد اختُلِف فيمن تقدّم إذا خَفِيَ عليه السّابق منهما، فقالت فرقةٌ: يُقرَع بينهما، فمن خرجت قُرعته قَدَّمَهُ، وأحسن من هذا أنّ يمدَّ خيطًا يلي مجلسَهُ أحد طرفي الخيطِ، ويلي الطّرفُ الآخر ناحيةَ مجلسِ الخُصومِ، فكلُّ مَنْ جاء كتبَ اسمه في رقعة ورفع الرقعة في طرف الخيط، هكذا حتّى إلى آخرهم، فإذا جلس القاضي، مدَّ يده إلى الطرف الّذي يليه من الخيط، فكلُّ رُقعةٍ تُقَابِلُه أخذَها وأمرَ بصاحبها، ثمّ لا يزال كذلك حتّى يأتي على آخر الرّقاع. فإن كثُرتِ الرقاعُ عليه، وزال الوقتُ الّذي يقضي فيه، عرف الطّرف الّذي كان يليه من الخيط حيث جلس، فيتناول في المجلس الثّاني الرِّقاع كفِعلِهِ في المجلس الأوّل حتّى تنفذ الرِّقاع. وليس في الوقت الّذي يقضي فيه القاضي سُنَّة يُعتَمَدُ عليها، والذي يجبُ إذا حضرَ الخصومُ أنّ ينظر بينهم ولا يؤخِّر ذلك، بل ينفذ الحكم بينهم.

стр. 2986

المسألة الرّابعة: فإذا كان هذا، فهل يتَّخذُ أوقاتًا يحكمُ فيها أم لا؟ أو يجلس على ما هو أرفق به وبالنّاس ولا يضيق عليه حتّى يصير كالأجير؟ فقد قال علماؤنا (١): لا يجلسُ بين العشاءين ولا في الأسحار، إِلَّا أنّ يحدث أمرٌ لا يؤمن منه، فلا بأس أنّ يأمر فيها وينهى ويسجن. وأمّا على وجه الحُكم بين الخصوم فلا، وقد شّذَّ أشهب فقال في "المجموعة": لا بأس أنّ يقضي بين المغرب والعشاء. توجيه (٢): أمّا قول مُطَرِّف وابن المَاجِشُون أنّه يتّخذ أوقاتًا يجلس فيها على ما هو أرفق به، فالمعنى: أنّه ليس عليه الجلوس في ذلك الوقت لإحضار الخصوم وتقييد المقالات؛ لأنّ ذلك لا يقرب، فأمّا ما يُخَاف فواتُه فيلزم الحُكْم فيه. ومعنى قول أشهب أنّه أباح له ذلك؛ لأنّ تركه من حقوقه، فهذا أراد ذلك فهو مباحٌ له. والأوّل أظهر عندي لِمَا في ذلك من الضَّررِ لمن يدَّعِي في ذلك الوقت، ويشقّ فيه نقل البيِّنات، مع ما في ذلك من الخروج عن العادة. المسألة الخامسة (٣): وليس عليه أنّ يقضي النّهار كلّه، قاله في "المجموعة" وقال (٤) في "الموازية": إنِّي أخاف أنّ يُكثِر فيُخطِيء. وقال في "المجموعة": وُيكْرَه أنّ يقضي إذا دخله هَمٌّ أو نُعاسٌ أو ضَجَرٌ أو جُوعٌ؛ لأنّه يُخَافُ على فهمه إِلَّا أنّ يكون خفيفًا لا يضرُّ بفهمه (٥).

стр. 2987

والأصل في ذلك: قولُه: "لَا يَقْضِي القاضي وَهُوَ غَضبَان" (١). فكلُّ حال يمنعُ من استيفاء حُجَجِ الخُصوم فهي كالغضب. وأمّا الحديث فصحيحٌ سنَدًا ومعنًى، خرَّجهُ أبو عيسى التّرمذيّ (٢) عن أبي بَكرَةَ، والمشهورُ عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لَا يَقضِي القَاضِي وَهُو غَضْبَان" (٣) وهذا ممّا اتّفق العلّماءُ عليه أنّه لا يحكُم وهو غضبان، أراد (٤) إذا نَالَهُ غضبٌ أو جُوعٌ أو جَزَعٌ، أو يُشغِل خاطره، ويفسد - بقطع النّظر- علمه ورأيه، ولهذا قال ﵇: "لَا يُصَلِّيَنَّ أَحَدكُم وَهُو ضَامٌّ بَينَ وَرِكَيهِ" (٥) لأجل ثقل ما يجده. المسألة السّادسة: وهو ذكرُ ما يبتدىء به القاضي عند جلوس الخُصومِ عنده، وما يأمر به، فقد قال علماؤنا: إذا تقدَّم إلى القاضي الخصمان، تركهما ليتكلّم المدِّعي منهما، فإن جَهِلَ ذلك، فلا بأس أنّ يقول: يتكلَّم المُدَّعِي منكُمَا , ولا يدعهما جميعًا يتكلّمان، لكن يبدأُ المدَّعِي فيتكلّم، فإذا فرغ من كلامه، تكلّم المُدَّعَى عليه، وليسوي بين الخصوم في جلوسهما بين يدَيه، والأقبال عليهما، وقد رُوِيَ عن عمر بن الخطّاب أنّه كان يكتب إلى أبي موسى الأشعري: "آسِ بَينَ النَّاسِ بِوَجهِكَ وَقَضائِكَ، حَتى لَا يَطمَع شَرِيفٌ في حَيفِكَ ؤلأ يَيأَس ضَعِيفٌ مِنْ عَدلِكَ" (٦). ولتُسوِّي بين الخصمين وكان شُريح القاضي يُسَوِّي بين الخَصْمين

стр. 2988

في المجلس، وبه قال الشّافعيّ (١) وأبو حنيفة (٢). وليس لأحد أنّ يليَ القضاء حتّى يكون عالمًا بالكتابِ والسُّنَّة، عالمًا باختلاف الصَّحابة ومَن بعدهم، وأن يكون عالمًا بإجماع أهل العلم واختلافهم، جيِّدَ العقل أمينًا فطِنًا، فإذا كان كذلك وتقلَّد القضاء، أمضَى ما يجب عليه من الأحكام، ممّا هو منصوصٌ في الكتاب والسُّنَّة والإجماع، أو ما دلّ عليه بعضُ ذلك، فإذا ورد عليه مُشكِلٌ من الأمر عندَهُ، أحضر له أهل المعرفة بالكتاب والسُّنَّة والإجماع، وسألهم عن ذلك واستشارهم فيه. والأصل فيه: قوله تعالى لنبيِّه ﵇: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ الآية (٣). وقال الحسن البصريّ: قد علِمَ اللهُ أنّه ليس له إليهم حاجةٌ، ولكن أراد أنّ يسنّ لمن بعده. وكان سفيان الثّوريّ يقول: بلغني أنّ المَشُورَةَ نصفُ العقل. وقد سنّ رسولُ الله ﷺ الاستشارة في غيرِ ما موضعٍ، واستشارَ أصحابَهُ عام الحُديَبيّة، واستشار أبا بكرِ وعمر في أسرَى بدرٍ. وقال ابنُ سيرين: التَّثبُّتُ نصفُ القضاءِ. وقال سفيان الثّوريّ: ليكن أهل مَشُورتك أهل التّقوى وأهل الأمانة ومَن يخشى الله (٤). فإذا استشارَ القاضي وأفتى العلماء، سألهم: مَنْ قالَهُ؟ وأين قالَهُ؟ فلا يحكم بشيءٍ حتّى تتبيّن له حُجَّة يجب أنّ يحكم بها. ولا يقلِّد القاضي أحدًا من أهل العلم في زمانه، ولا يقضي شيئًا حتّى يتبين له الحقّ فيه، لا يسعه غير ذلك. المسألة السّابعة: ومنها أنّ يحكم باجتهاد الرّأي وما رآه من ظاهر الأمر، قال الله تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾ (٥).

стр. 2989

قال عطيّة العوفي: بما أراه اللهُ في كتابه. وقال قَتادَة: بما أنزل اللهُ عليك وبَيَّنَهُ لك (١). والأحاديثُ كثيرة المَسَاقِ في هذا الباب، ثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "إِذَا قَضَى الحَاكِمُ فَاجتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجرَانِ، وإذَا قَضَى فَاجتَهَدَ وَأَخطَأَ فَلَهُ أَجرٌ وَاحِدٌ" (٢). قال الإمام: هذا الحديث يدلُّ على أنّ المجتهد المخطىء الّذي له الأجرُ، هو من كان عالمًا بالأصول والأدِلَّة، دونَ الجاهلِ الّذي لا اجتهادَ له، ثبت عن عبد الله بن مسعود أنّه قال: "مَنْ عرضَ لَهُ مِنكُم قَضَاءٌ: فَليَقضِ بِمَا فِي كِتَابِ اللهِ، فَإِنْ جَاءَهُ أَمرٌ لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَليَقضِ بِمَا قَضَى بِهِ نَبِيّهُ، فَإِنْ لَمْ يَجِده فَليَقضِ بِما قَضَى بِهِ الصَّالِحُونَ، فَإن لَمْ يَجِد فَليَجتَهِد رَأيَهُ" (٣). وفي حديث شُرَيح القاضي: "فَإِنْ لَمْ يكُن في كِتَابِ الله ولَا سُنَّةِ رَسُولِ الله، وَلا فِيمَا قَضَى به أَيِمّة الهُدَى فَأَنتَ بالخِيَارِ، إِنْ شِئتَ أنّ تَجتَهِدَ رَأيَكَ، وَإِن شِئتَ أنّ تَقضِي بِذَلِكَ" (٤). وحديثُ معاذ بن جَبَل الّذي خرَّجه أبو عيسى (٥)؛ قال: بَعَثنِي رَسُولُ الله ﷺ إلى اليَمَنِ، فَقَالَ لِي: بِمَاذَا تَحكُمُ يَا مُعَاذُ؟ قُلتُ: بِكِتابِ اللهِ، قالَ: فَإِن لَمْ تَجِد؟ قُلتُ: بِسُنَّةِ رَسُولِ الله، قال: فَإِنْ لَمْ تَجِد؟ قُلتُ: أجتهِدُ رَأيِي. قَالَ: الْحَمْدُ للهِ الّذي وفق رسولَ رسولِ الله ﷺ .

стр. 2990

اعتراض: فإن قيل: ليس حديثُ معاذ بصحيحٍ، ولا متَّصل السَّنَد. قلنا (١): قد اختلف العلّماءُ في هذا الحديث، فمنهم من قال: هو صحيحٌ، ومنهم من قال: إنّه لا يصحّ (٢)، والَّذي أقول: إنّه صحيحٌ سَنَدًا ومعنًى؛ لأنّه حديثٌ مشهورٌ، رواه شُعبةُ بن الحَجَّاج، ورواه عنه جماعةٌ ثِقَات. المسألة التّاسعة وهي مسألة أصولية: (٣) قلنا: لو اتّفق العلّماءُ على صحة هذا الحديث، لم يكن أصلًا للتعلُّق عند علمائنا الأصوليّين في إثبات الاجتهاد؛ لأنّ خبرَ الواحدِ على أصلهم لا يتعلَّق به. ولكن أقول: إنّه يضافُ على أصلهم إلى غيره، فيكون مجموعًا من باب التّواتر المعنويّ، كشجاعة أبي بكر وَجُودِهِ بماله على الدِّينِ في مصالح المسلمين. المسألة العاشرة (٤): في ترتيب أدلة الأحكام من الكتاب والسُّنَّة والأخبار وذلك أنّ القرآن هو الأصل في البيان، وهو فيه على وجوهٍ من الجَلَاءِ والخَفَاءِ، فتولَّى النّبيُّ ﷺ بيانه، كما قال جلَّ ثناؤه: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (٥)، فإن لم يكن في الكتاب جلاءٌ، طلَبَهُ في بيانِ النّبيِّ ﷺ وبَقِيَ إنَّ كان بين القرآن والسُّنَّة تعارضٌ، وهي مسألة خلافيّة طُبوليّة، بيّنّاها في "أصول الفقه".

стр. 2991

المسألة الحادية عشرة (١): قوله (٢): "أَجتَهِدُ رَأيِي" قال علماؤنا: هو أفتعل من الجُهد، وهو الجِدّ في الأمر بجميع وجوهه، يعني في طلب النّظائر والأشباه الّتي تُلحِق المسكوت بالمنطوق به فيها. المسألة الثّانية عشرة: المطلوب بالاجتهاد وفيه زِحَامٌ كثيرٌ واضطرابٌ طويلٌ، وقد اختلفَ أهل العلم أيضًا في كيفيّة الاجتهاد، فكان الشّافعيّ (٣) يقول: لا يجوز أنّ يقول: إنّا استَحسَنَّا كذا , ولا بما خطر على قلوبنا، ولا نقولُه قياسًا على اجتهاده على طلب الأخبار اللّازمة. وقال أبو عُبَيْد: الاجتهادُ عندنا هو الاختيار من المذاهب إذا اختلفت وتضادّت، فحينئذٍ يحسن التّدبير لَأقرَبِها إلى الرُّشد والصّواب، فإن عرض للقاضي ما ليس بموجود نَعتُه في هذه الخِصال، رجع إلى الكتاب والسُّنَّة، وما حكَمَت به الأُمَّة والصّالحون بالإجماع. وقال الشّافعيّ: والعلّم طبقات: الأوّل: الكتابُ والسُّنَّةُ إذا ثبتت. ثمّ الثّانية: الإجماعُ فيما ليس فيه كتابٌ ولا سُنَّةً. والثالثة: أنّ يقولَ بعضُ أصحابِ النّبيِّ ﷺ ذلك، ولا يعلم له مخالفًا منهم. الرّابعة: اختلاف أصحاب النّبيّ ﷺ . والخامسة: القياسُ على بعض هذه الطبقات. وقال الّذي موضع آخر: فأمّا أنّ يقلِّد مستشيرًا، فلم يجعل اللهُ هذا لأَحَدٍ بعدَ رسول الله ﷺ .

стр. 2992

اصطلاح (١): قال شيخنا أبو بكر بن العربي: المطلوبُ بالاجتهادِ فيه كلام طويلٌ كما قدّمنا، والذي يظهر الآن، أنّه ما يغلبُ على ظنِّه أنّه نظير ما وقع البيانُ فيه من الله تعالى. المسألة (٢): في حديث معاذ تحريم التّقليد، ولكن على من كانت له قُدرة على النّظر، وعِلمٌ بمآخذ الأدلَّة، وفي الأحاديث الحِسَان واللّفظُ لأبي داود (٣) أكثر من أبي عيسى (٤)، قال علي بن أبي طالب ﵁: بَعَثَنِي رَسُولُ الله ﷺ إِلَى اليَمَنِ، وَلَا عِلمَ لِي بالقَضَاءِ، فَقُلتُ: يَا رَسُولَ الله تُرسِلنِي إِلَى اليَمَنِ وَأَنَا حَدِيثُ السِّنَّ وَلَا عِلمَ لِي بِالقَضَاءِ؟ قالَ: "إِنَّ اللهَ سَيَهدِي قَلبَكَ وَيُثَبِّتُ لِسَانَكَ. إِذَا تَقَاضَى إِلَيكَ رجُلَانِ فَلَا تَقضِي لِلأوَّلِ حَتَّى تَسمَعَ كَلَام الآخَرِ، فَإنَّهُ أَحرَى أنّ يَتَبَيِّن لَكَ القَضَاء. قَالَ: فَمَا شَكَكتُ في قَضَاءٍ بعدُ". قال أصحاب أبي حنيفة (٥): قولُ النَّبيِّ لعليِّ: "إِذا تَقَاضَى إِلَيْكَ الخَصمَانِ فَلَا تقضِ لأَحَدِهِمَا حَتَّى تَسمَع مِنَ الآخَرِ". فيه دليلٌ على أنّه لا يُقضَى على الغائب إذا ادُّعِيَ عليه، وهي إحدى رِوَايَاته، في تفصيلٍ طويلٍ؛ لأنّه لم يسمع منه، وهذا إنّما هو مع إمكان السّماع من الآخر، وأمّا مع تعذُّرِهِ لغيبه، فلا يمنع القضاء، كما لو تعذَّر بإغماءٍ أو جنونٍ، وقد ناقض أبو حنيفة في القضاء في الوديعة على المُودعِ عنده بالنَّفقة، وهذا

стр. 2993

خطأ منه، وفي "التّرمذيّ" (١):" أَقضَاكُم عَلِيّ، وَأَعلَمُكُم بِالحَلَالِ وَالحَرَامِ مُعَاذُ بنُ جَبَلٍ، وَأَفرَضُكُم زَيدُ بنُ ثَابِتٍ" الحديث، ولا يكون قاضيًا إِلَّا مَنْ عَلِمَ الحلال والحرام، ولكن سُرعة الفصلِ صنعةٌ في القضاء، والغَوص على دقائق الأدلّة نوعٌ من الفِطنَة، كما كان عليّ ﵁. المسألة الخامسة عشرة (٢): قولُه: "أَجتَهِد رَأيِي" فيه دليلٌ على أنَّ مَنْ فيه ذلك، فيه صفةٌ من الاجتهادِ، وذلك معنًى يختصُّ بالعالِمِ دون المقلِّدِ. وقال بعض أصحاب أبي حنيفة (٣): يجوز أنّ يولَّى المقلِّد القضاءَ، وكذلك رجلٌ عَلِمَ الحقَّ فقضَى به، وهذا ليس بصفةِ المقلِّد (٤)، في كلام طويل (٥). المسألة السّادسة عشرة (٦): خطأُ القاضي بِعِلْمِ لا يُوجِبُ عليه ضمانًا ولا يُدركه منه تعقب، فإذا قضى بجهل، فحُكمُه حكم المتعدي في ماله وبَدَنِهِ، وُيؤخذ منه القِصاص في كلِّ واحدٍ منهما ممّا يتعلَّق به، فهذا كان عالمًا لم يلزمه شيءٌ. والأصل في ذلك: أنّ خالد بن الوليد لَمَّا أخطأ في بني جَذِيمَةَ لم يعلِّق النَّبيُّ به

стр. 2994

شيئًا، اللَّهُمَّ إِلَّا أنّه قال: "اللَّهُمَّ إِنِّي أَبرَأُ إليك مِمَّا صَنعَ خَالد في دمَائِهِم وأَمْوَالِهِم " (١) والمعنى يعضُدُه؛ فإنّ القاضي لو نظر بشرطِ سلامةِ العاقبةِ، وهو لا يُعَوَّل على النّصِّ وإنّما مَبنَى حكمه على الاجتهاد، لكان ذلك باطلًا من وجهين: أحدهما: أنّه كان يكون تكليف ما لا يُطاق. والثّاني: أنّه كان يكون تنفيرًا للخلقِ عن الولاية، فتتعطّل الأحكام. المسألة السّابعة عشرة: واختلفَ العلّماءُ فيما يخطىءُ فيه الإمامُ من قتل أو جرحٍ على ثلاثةِ أقوالٍ: ١ - فقال الثّوريُّ وأحمد وإسحاق وأصحاب الرّأي (٢): هو على بيت المال. ٢ - والقول الثّاني: أنّ هذا على عاقلة الأرحام، وهذا قول الشّافعيّ (٣). المسألة الثّامنة عشرة: هل يكونُ الحاكمُ مصلِحًا أم لا؟ قيل: يكون أكثر جريه إلى الصّلح، لقوله : ﴿لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ﴾ الآية (٤)، ولحديث النّبيِّ ﷺ ؛ أنّه مشَى إلى ناسٍ من الأنصار ليُصلِحَ بينهم (٥). وقال جماعة المسلمين: إنَّ الصُّلح جائزٌ بين المسلمين، وللحاكم أنّ يُصلِحَ بين الخصوم، وذلك مذهب الشّافعيّ والكوفيّ (٦). وقال عطاء: لا يحلُّ للإمام إذا تبيِّنَ له القضاء أنّ يُصلِح بين مَنْ تبيَّنَ له القضاء فيما بينهما، وكان أبو عُبَيد إنّما يَسَعُه ذلك في الأمور المُشكلة، وأمّا إذا صارت الحُجَّةُ

стр. 2995

لأحد الخَصمَيْن على الآخر، وتبيِّنَ للحاكم الظّالمُ منهُما من المظلومِ، فليس يجب عليه أنّ يحملهما على الصُّلحِ. قال الإمام: وهذا قولٌ قويٌّ جدًّا في النّظر. المسألة التّاسعة عشرة: هل يكون للقاضي تُرجمانٌ يترجِمُ عن الألسن للقاضي؟ ففيه أقوال: كان الشّافعيّ (١) يقول: لا تُقبَل التّرجمة عنه -يعني العجمي- إِلَّا بشاهدين عدلين يعرِفَان ذلك اللِّسان. وقال قومٌ: لا يحلُّ للقاضي أنّ يحكُمَ حتّى يعرِفَ جميع الَألسُن (٢)، وهذا بعيدٌ جدًّا. وقيل: إنَّ المسلم إذا تَرجمَ عنه قبل منه، واثنان أحبّ إليَّ، ولا يقبل في ذلك كافرٌ، ولا مُكاتَبٌ، ولا عبدٌ، ولو قَبِلَ ترجمة امرأةٍ بعد أنّ تكون حُرّة مسلمة عَدْلَة فهو في سَعَةٍ، ورجلان أو رجلٌ وامرأتان أحبّ إلينا، هذا قول أبي حنيفة (٣) ويعقوب. الموفية عشرين: في ذِكرِ ما يجوزُ إنفاذُه من كُتُبِ القضاة بعضهم إلى بعض قال جماعة العلماء: إنَّ ذلك جائزٌ إذا كُتُب قاض إلى قاض، ولا يكون ذلك إِلَّا بشاهِدَين عَدْلَين معروفَين، يقرؤُه عليهما، ويشهدان على ما فيه على خاتم القاضي، وعلى ما في كتابه كلَّه؛ لأنّه حقٌّ، وهو مثل شهادة على شهادة. نازلة: كتابُ القاضي يصلُ وقد مات المكتوبُ إليه وولي غيره؟ فاختلف العلماء فيه: فقيل عن الحسن البصريّ أنّه قَبِلَ كتابُ قاضي الكوفة إلى إياس بن معاوية في حكمٍ وقد عزل إياس، فأمر الحسن بعده بإنفاذه.

стр. 2996

وقال الشّافعيّ (١): يقبله ولا يمتنع من قَبُوله بموته ولا عزله؛ لأنّه تُقبل بيِّنتُه كما يُقبلُ حُكمُه. وقال أصحاب الرّأي (٢): لا يُعمل به. والحقّ إنفاذه. نازلة أخرى: وإذا كتب القاضي إلى القاضي في الحدود، فكان أبو ثور يُجيزُ ذلك في الحدود كلِّها، وهو مذهب الشّافعيّ (٣)، وبه قال ابنُ القاسم (٤) صاحب مالك. وقال الشّافعيّ (٥): فيها قولان: إنَّ ذلك جائز، والآخر: لا يجوز. وقال أصحاب الرّأي (٦): لا يُقبلُ كتابُ القاضي إلى القاضي في الحدود. قال الإمام: والأوّل أصحّ، وأقوى في النّظر أنّه يقبل. نازلة أخرى: في القضاء على الغائب وهي مسألةٌ عظيمةٌ اختلف العلماء فيها، فممّن كان لا يرى القضاء على الغائب شُرَيح القاضي، والقاسم، وابن أبي ليلى، والنّعمان (٧)، ويعقوب. وقال مالك (٨) والبخاري والشّافعيّ (٩) وأبو عُبيد واللّيث وأبو ثور إنَّ ذلك جائزٌ, وقالوا: الدّليل على القضاء على الغائب: أنّ النّبيّ ﷺ قَضَى لهند على أبي سفيان، فقال لها: "خُذِي مَا يَكفِيكِ وَوَلَدكِ بِالمَعرُوف" (١٠) وقد بيَّنَّا في "مسائل الخلاف" أنّ هذا وهم عظيم منهم أنّ تعلّقوا بهذا الحديث، وهو لا متعلّق لهم به، وحفقنا أنّها كانت فتوى

стр. 2997

واهية، وأن أبا سفيان كان حاضرًا , ولا خلاف بين الأُمَّة أنّه لا يقضى على غائب في بلدٍ معلومِ الموضع. الحادية والعشرون: في ذكر أرزاق القضاة قال الإمام: هذه مسألةٌ اختلفَ أهل العلم فيها، وكَرِهَ طائفةٌ أنّ يَأخُذَ على القضاء أجرًا، وهو مذهب الحسن البصري، وإنّما كان هذا مذهَبُه لِوَرَعِهِ وزُهده في الدّنيا، وبه أخذ الشّافعيّ (١) والقاسم، وقال مرّة (٢): إنَّ أخذ جعلًا لم يحرُم عليه عندي. وقال أحمد: ما يُعجِبُني أنّ يأخذ على القضاء أجرة، "وإن كان فيعدّ عليه. ورخّصت طائفة أخرى فيه منهم: ابن سيرين، وشُرَيْح. واحتجُّوا في ذلك: بأن عمر بن الخطّاب استعمل ابن مسعودٍ على بيت المال، وعمّار بن ياسر على الصّلاة، وابن حنيف على الجُنْد، وَرَزَقَهُم كلّ يوم شاة شَطرُها لعمّار، ورُبعها لابن مسعود، وربعها لابن حنيف. ورخّص في ذلك إسحاق بن رَاهُويَة وأبو عُبَيْد. وقال أبو بكر بن المنذر (٣): "الأعلى والأسلم له ترك الدُّخول في القضاء، استدلالًا بحديث النّبيّ ﷺ أنّه استعمل رجلًا على عمل، فقال: يا رسول الله جُدْ لي قال: "اجلس وَالزَم بَيتَكَ" (٤) ". قال الإمام: ولا شكّ أنّ الّذي أشار إليه النّبيّ ﷺ كان لمعنى توجّسه فيه، والصّحيح أنّه إنَّ ولي القضاءَ رجلٌ وكان مستغنيًا عن أخذِ الأجُرة، فالأفضل له ألَّا يأخذ شيئًا ويعمل لله، فإنِ احتاجَ رُزِقَ على قَدرِ عَمَلِه وعِلمِهِ من مال الفيء، وليس له أنّ يأخذ

стр. 2998

من أموال الصّدقات ولا من المغانم. الثّانية والعشرون: في قَبُول الهديّة والرَّشوة للأمراء والقضاة فيه أحاديث كثيرة وشواهد جَمَّة، قال اللهُ تعالى في ذَمِّ من أكل أموال النَّاس بالباطل: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ الآية (١)، ففسَّرَ ذلك الحسن: أنّها الرَّشوة (٢). وقال مجاهد: هي الرّشوة في الحُكم (٣). وثبت عن النّبيِّ ﷺ أَنَّهُ لَعَنَ الرَّاشِي وَالمُرتَشِي في الحُكم (٤). وسُئِلَ ابن مسعود عن الرِّشا في الحكم؟ قال: ذلك الكفر (٥). وقال النخعي: الرِّشَا في الحكم سُحتٌ. وكان الشّعبيّ والحسن البصري يقولان: لا بأس أنّ يُصانِع الرَّجل على نفسه وماله إذا خاف الظُّلم (٦). وقال جابر بن زيد: ما رأينا في زمان زياد أنفع من الرَّشا (٧). وسئل أحمد عن الرِّشوة؟ فقال: أرجو إذا كان يرفع بها عن نفسه الظُّلم. وقال الشّافعيّ (٨): أكره للقاضي الشِّراء والبيع والنّظر في النّفقة وفي ضَيعَته. ويُكرَهُ للقاضي أنّ يفتي في الأحكام إذا سئل عن ذلك، وكان شُرَيْح يقول: إنّما أقضِي ولا أفتي، وأمّا الفتوى في سائر الأمور من الطّهارة والصّلاة، والزّكاة والحجِّ،

стр. 2999

والأطعمة والأشربة، وكل ما هو من باب الأقضية فمباح له. حديث في "التّرمذيّ " (١) فيه قَيس بن أبي حَازِم، عن مُعاذ؛ قال: بَعثَنِي رَسُولُ الله ﷺ إِلَى اليَمَنِ، فَلَمَّا سِرتُ أَرسَلَ لِي، فَقَالَ: "أَتَدرِي لِم بَعَثتُ إِلَيكَ؟ لَا تُصِيبَن شَيئًا بغَيرِ أمرِي فَإنه غُلُول، وَمَن غَلً يَأتِ بِمَا غَل يَومَ القِيَامَةِ. فَلِهَذَا دَعَوتُكَ، فَامضِ لِعَمَلِكَ"، وهو حديث حَسَن غريب (٢)، والأحاديث في هذا الباب كثيرةٌ جدًّا. عربيّة: في أربعة ألفاظ (٣): الأوّل: "الغُلولُ" وهي الخيانة عامّة، فإذا كانت في الغنِيمَة ونحوها فهي غُلولٌ في عُرفِ الشّرع على الإطلاق. اللّفظ الثّاني: "الرِّشوة" وهو كلّ مالٍ دفع ليبتاع به من ذي جاه عَونًا على ما لا يجوز، والمُرتَشِي هو قابِضُه، والرَّاشي هو دَافِعُه، والمُرَاشِي هو الّذِي يوسّط بينهما، رواه أهل العربيّة. اللّفظ الثّالث: "الهديّة" وهي كلُّ مالٍ أعطاهُ عِوَضًا عن مَحَبَّةٍ ومودَّةٍ بينهُما (٤). اللّفظ الرّابع: "الأكارع" قوائم الشّاة الأربعة، واحدهما كُرَاع. وبالجملة فقد أجمع الفضلاء والعلّماء الجِلَّة على ذمِّ الرِّشوةِ وأنّها سُحتٌ، وهي الّتي ذكرها الله في كتابه، رَوَى أبو داود في "السُّنن" (٥) أنّ النّبيّ ﷺ قال: "مَنْ

стр. 3000

شَفَعَ لأخيه شَفاعَةً، وأَهدّى لهُ هَدِيَّة عَلَيها فَقبِلَهَا، فَقَد أّتّي بَابًا عظِيمًا من الرِّبَا والسَّرِقَة" لأنّك إذا قدرت على قضاءِ حاجتِهِ عند السُّلطان الظّالم أو السَّيِّد القاهر، صار ذلك واجبًا عليك. وقال بعضُهم: الهديَّةُ تعمي وتصمّ، وأنشدوا (١): إِذَا أَتّت الهَدِيَّةُ دَارَ قَومٍ ..... تَطَايَرَت الأمَانَةُ مِن كُوَاهَا وقال آخر (٢): إِنَّ الهَدِيَّةَ حلوة ..... كالسِّحرِ تجتلبُ القلوبا وقال آخر (٣): وأَكرَمُ شَافعٍ يَمشِي عَلَيهِ .... أبُو المَنقُوشِ فَوقَ الصَّفحَتَين والأخبار في ذلك كثيرة أضربنا عنها في هذا "المختصر". حديث عمر بن الخطّاب (٤) إِذِ اختَصَمَ إِلَيهِ يَهُودِيٌ وَمُسلِمٌ. فَرَأَى عُمَرُ أنّ الحَقَّ لِليَهُودِيِّ فَقَضَى لَهُ عُمَر. فقال اليَهُوديُّ: وَاللهِ لَقَد قَضَيت بِالحَقِّ فَضرَبَهُ عُمرُ بالدّرَّةِ، ثُمَّ قَالَ: وَمَا يُدرِيكَ؟ ققَالَ اليَهُودِيُّ: إِنا لَنَجدُ في التَّورَاةِ أَنَّهُ لَيسَ قَاضٍ يَقضي بالحَق، إِلَّا كَان عَنْ يَمِينِهِ مَلَكٌ وعَن شِمالِهِ مَلَكٌ، يُسَدِّدَانه وُيوَفِقانه لِلحَقِّ، مادَامَ مَع الحَقِ، فَإِذَا تَرَكَ الحَقَّ، عَرجَا وَتَرَكَاهُ". الفقه في أربع مسائل: المسألة الأوُلى: "ضَربَ عُمَرُ اليهُودِيِّ بالدِّرَّةِ" يحتمل أنّ يكون إنّما ضربه لَمَّا زكّاه في وجهه، فكره ذلك منه. ويحتمل أنّ يكون إنّما ضربه لقَطعِهِ باليمين على الحُكم بالظّاهر، حتّى ذكر له اليهوديّ الّذي حمله على اليمين، وهي مسألة عظيمة، هل يقضي القاضي بالظاهر من الأمور؟ والمشهور أنّه يحكم بالظّاهر، لقوله (٥): "وإِنَّمَا أَقضِي لَهُ عَلَى نَحوِ مَا أَسمَعُ" (٦).

стр. 3001

المسألة الثّانية (١): قوله: "اختَصَمَ إِلَيهِ يَهُودِيٌّ وَمُسلِمٌ" يقتضي أنّ كلّ حكمٍ بين مسلم وكافر فإنّما يُقضَى فيه بحكم الإسلام؛ لأنّ الذِّمَّة على هذا عُقِدَت. وإن كانوا أهل حرب، فإن أمكن الحُكم بين المسلم وبينهم على حكم الإسلام نَفَذَ، وإن تَعَذَّرَ ذلك لم يخرج أمرُهُم على وجه الحكم، وذهب به إلى الصُّلح. المسألة الثّالثة (٢): وأمّا "أحكام أهل الكفر" فلا يخلو أنّ يكونوا على دِينٍ واحدٍ، أو دينَينِ، فإن كانوا على دِينٍ واحدٍ، لم نتعرّض لهما (٣)؛ لأنَّ الذِّمَّة انعقدت على ذلك (٤)، على أنّ لا تجري في أحكامهم بينهم إِلَّا باجتماع رضاهم ورِضَى الأساقفة، فإن رضيا دون الأساقفة، والأساقفة دونهما، لم يحكم بينهما (٥)، وفي "كتابُ ابن عبد الحكم": إن رضيا حكمَ بينهما، كان أبى أحدهما لم يعرض لهما، فإنِ اتّفقَا، فالحاكمُ مُخَيَّرٌ بين الحُكْم وتركه. والأصل في ذلك: قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾ الآية (٦). المسألة الرّابعة (٧): وأمّا "إنَّ كانا على دِينَينِ" ففي "النّوادر" (٨) قال يحيى بنُ عمر: يحكم بينهما وإن أبى أحدهما، لاختلاف مِلَّتِهِما. المسألة الخامسة (٩): وهذا في طريق التّطالب في الحقوق، وأمّا التّظالم كالغَصبِ والسَّرِقة؛ فإنّه يحكم

стр. 3002

في ذلك أهل الإسلام، سواء كانوا مسلمين أو كافرين، على ملَّةٍ واحدة أو ملّتين، وهذا كلّه قول مالك في "كتابُ ابن عبد الحَكَم" وغيره. باب ما جاء في الشهادات وأحكامها وسننها قال الإمام: الأصلُ في هذا الباب: الكتاب والسُنَّة والأدلّة. اعلموا أنّ الله سبحانه قد نَدَبَ الإشهادَ على الدُّيون في كتابه، فقال: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ الآية (١)، وقال تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾ الآية (٢) , وقال تعالى ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية (٣)، وقال: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية (٤)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ﴾ الآية (٥)، وقال: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ﴾ الآية (٦). الأصول (٧): قال الإمام: اعلموا - وفقكم اللهُ- أنّ الشّهادةَ ولايةٌ من وِلاياتِ الدِّين، وهي بمعنَى التَعديل عندنا؛ لأنّه تنفيذُ قولِ الغَيرِ على الغَيرِ، والأصلُ إِلَّا يَنفُذَ قولُ أحدٍ على أحد، ولكن لمّا خلق الله الخَلقَ للخُلطَةِ والمَعَاشِ والمُعاملة، وكتبَ عليهم ما علِمَتهُ الملائكةُ فيهم من الفساد وسفكِ الدِّماء، وجَحدِ الحقوق والتوائِها، شَرَعَ اللهُ الشّهادةَ،

стр. 3003

ونفذَ بها قولُ الغيرِ على الغيرِ على وجه المصلحة، للحاجة الدّاعية إلى ذلك، إحياءً للحقوق الدّارسة. وقد رَوَى جماعة من العلماء عن النّبيّ ﵇ أنَّه قال: "لَمَّا خلَقَ اللهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهرَهُ بِيَمِينِهِ، فَاستَخْرَجَ مِنهُ ذُرِّيَّتَهُ، فَعَرَضَهُم عَلَيهِ، فَرَأى فِيهِم رَجُلًا حَسَن الوجه، قَصِيرَ العُمرِ، فَقَالَ: مَنْ هَذَا يَا رَبِّ. قَالَ: هَذَا ابنُكَ دَاوُدُ. قَالَ: مَا أَحْسَنَ وَجهَهُ، وَأَكثَرَ عِبَادَتَهُ، لولَا قِصَر عُمرِه. قَالَ يَارَبِّ كَم عُمرَهُ؟ قَالَ: سِتُّونَ عَامًا. قَالَ لَهُ: يَا رَبِّ زِدهُ (١). قال: لا، زِدهُ أَنتَ من عُمرِكَ. قَالَ: فَقَالَ لَهُ آدَم: يَا رَبِّ عُمرِي أَلف سَنَة، اعطِهِ مِنهُ أَربعِينَ سَنَة تكمل لَه بِهَا مِئَة سَنَة. قَالَ لَهُ: قَد فَعَلتُ. قَالَ: فَلَمَّا كَمُلَت مُدَّة آدَم ﵇ وَجَاءَهُ مَلَكُ الموتِ لِيَقبِضَ رُوحَهُ، قَال لَهُ: فِيمَ جِئتَ؟ قَالَ: جِئتُ لِقَبضِ رُوحِكَ. قَالَ: إِنَّهُ بَقِيَ لِي أَربَعُون عامًا. قَالَ لَهُ: أَلَم تَهبهَا لابنِكَ دَاوُدَ (٢)؟ قَالَ: لا. قَالَ النَّبِيُّ ﷺ : فَجَحَدَ آَدَمُ، فَجَحَدَت ذُرِّيَّتَهُ، وَنُسِّي آدَمُ فَنُسِّيت ذُرِّيَّتُهُ (٣) " (٤). ورُوي أنّه قال: "وَمن ذَلِكَ اليوم أُمِرَ بالكِتَابِ وَالشُّهُود (٥) " (٦). وروَى جماعةٌ في الحديث: "فأكمَلَ اللهُ لآدَم الَألف، وَلِدَاوُد الأَربَعِين" (٧). (٨) ولكونِها ولايةً من الوِلَاياتِ، وكثرةِ فسادِ النَّاس فيها، وتتابُعِهِم بالمُسامَحَةِ بالزُّورِ

стр. 3004

في أدائها، حتّى صارت في بغداد والشّام ولايةً من قِبَل الإمام والقاضي، وصارت الفتوى مُرسَلَةً، ولا يَشهَدُ ببغداد والشامِ إِلَّا من ولّاه القاضي، ويُفتِي كلُّ من عَلِمَ من غير إذنٍ، وهذه هي المصلحةٌ؛ لأنّ المُفتِيَ إذا زَاغَ فَضَحَهُ العِلمُ، والشّاهدُ لا يَعلَمُ زَيغَهُ إِلَّا اللهُ. وقَلَب أهلُ بلادِنا في ذلك القَوسَ رَكْوَةً، وسيرةُ بغدادَ أحسنُ وأصلحُ، ولأجل ذلك كان الشّاهدُ مَنْ جَمَعَ خِصالًا جَمَّةً، وهي خَمسٌ: ١ - البلوغُ. ٢ - الذُّكورية. ٣ - الإسلامُ. ٤ - العدالةُ. ٥ - المُرُوءَةُ. أمّا "البلوغُ" فأجمعتِ الأُمًةُ عليه؛ لأنّ الصغيرَ قليلُ الضَّبطِ ناقصُ العقلِ يَقبَلُ الخَدِيعَةَ، فلذلك لم تَجُز شهادتُه، ولم يَقُل بجواز شهادتِه أحدٌ فيما علمتُه، إِلَّا عبدُ الله بن الزُّبير فإنّه جوَّزَ شهادةَ الصِّبيَانِ فيما بينهم من الجِرَاحِ، وتابَعَهُ علماؤنا. واختلَفَ قولُ مالك في القتل، وذكَر في "الموطَّأ" (١) من شروط شهادتِهِم واحدةً، وهو ألَّا يُخَبَّبُوا بعد تفرُّقهم أو يُعَلَّمُوا. وذكر المتأخِّرون من علمائنا أنّ شروط قبُول شهادة الصِّبيان سبعةٌ: ١ - العقل. ٢ - والإسلام. ٣ - والذُّكورية. ٤ - والحريّة. ٥ - بينهم في الجراح. ٦ - ٧ - واختلف قولُ مالك في القتل قبل التّفرُّدِ اثنان فصاعدًا.

стр. 3005

فأمّا "اشتراطُ العقلِ" فلأنّه أصلُ التّحصيل. وأمّا "اشتراطُ الإِسلامِ" فلأنّ الكافرَ لا شَهَادةَ له؛ لأنّ الله وَصَفَهُ بالكَذِبِ، ولأنّه ولايةٌ شرطُها الكرامةُ، والكافر حقُّه الإهانةُ. وقد قال أبو حنيفةَ (١): تجوزُ شهادةُ الكفّارِ بعضِهِم على بعضٍ إذا كانوا عُدُولًا في دِينِهِم، وقد بيَّنَّا فسادَه فيما تقدّم في "مسائل الخلاف". وقال أحمدُ بنُ حنبل (٢): تجوزُ شهادةُ الكفّارِ على المسلمين في الوصيّةِ في السَّفَر، لقوله تعالى: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾ الآية (٣)، يريدُ: من غير أهلِ مِلَّتِكُم. قلنا: إنّما أراد من غير قبيلتكم. فإن قيل: هذا لا يَصِحُّ؛ لأنّ الآية إنّما نزلت في شأن تَمِيم الدَّارِيِّ، وعَدِيِّ بن بَدَّاءٍ حِينَ أخذا جَامَ فِضّةٍ (٤) ورَوَى التّرمذيُّ (٥) وغيرُه (٦)، عن تَمِيمٍ في تفسير قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية (٧)، وذكر الحديث. قلنا: هذا حديثٌ ضعيفٌ، فلا يُلتَفَتُ إليه، وقد بيَّنَّا لكم أنّ أضَرَّ شيءٍ بالمُتعلِّم أو العالِمِ الاشتغال بالحديث الضّعيف، وهذا حديثٌ ليس له أصلٌ في الصِّحَّةِ، فلا يجوزُ أنّ يضافَ إلى القرآن الّذي هو الصّحيحُ، وأصحُّ كلِّ صحيحِ، وإنّما يُبَيِّنُ القرآن، ويضافُ إليه الحديثُ الصّحيحُ، وفيه وقَعَ الوَعدُ الكريمُ في قوله: ﴿لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ الآية (٨). وأمّا "الذّكورية" فلأنّ شهادةَ الأُنثى ليست بأصلٍ في الشّهادة، وإنّما هي بَدَلٌ، أو

стр. 3006

كما قال أهل خُراسانَ: شهادةُ ضرورةٍ، ولأجل ذلك جاءت في القرآن بصفة الضّرورة، وعلى نَعتِ البّدلِيَّة، قال الله تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ﴾ (١)، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً﴾ الآية (٢)، وقال: ﴿فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ﴾ (٣) وإنّما جَازَت في الأموالِ رِفقًا من الله تعالى (٤)، فلو وقَفَ رَبطُ الشّهادةِ على الذُّكور في ذلك، لَضاعتِ الحقوقُ، فَرُخِّصَ في شهادةِ النِّساء في ذلك، وبَقِيَت في أصلِ الرَّدِّ في غيرِها من الحقوق، وقد حصلَ الإجماعُ على أنّها لا تجوزُ في الدِّماء. وأمّا "الحريةُ" فإنّها شرط عند عامّة العلماء. وقال أحمد (٥): تجوزُ شهادةُ العبدِ؛ لأنّه عَدلٌ، والدّليلُ على ثبوت عَدَالَتِه قَبُولُ روايته. وعَسُرَ الانفصالُ على سائر العلماء عن دليل أحمدَ هذا، وسَلَكُوا فيه طُرُقًا بيّنّاها في "مسائل الخلاف" يغنيكُم الآن عنها انفصَالان: الأوّل: أنّ العبدَ مُستَغرِقٌ الأوقاتِ في حقِّ السَّيِّد، فلا يجدُ سبيلًا إلى الشّهادة. والثّاني: أنّ اعتبار الشّهادةِ بالخَبَرِ فاسدٌ؛ لأنّ وَضعَها في الشّريعة مختلِفٌ، أَلَا ترى أنّ شهادةَ المرأةِ لا تجوزُ في القِصَاصِ، ويجوزُ قَبولُ روايتها، ويجوزُ قَبُولُ روايةِ الفَرْعِ، ولا يجوزُ قبُولُ شهادةِ الفرعِ مع وُجُودِ الأصلِ، وهذا بَيِّنٌ عند التّأمُّل، وفيه إنصافٌ بينَنَا وبَينَه. أمّا قَبُولها في الجراح خاصّة؛ فلانّه الّذي يقع بينهم في الغَالِب، ولا يحضُرُهُ غيرُهُم، فَدَارَتِ الحالُ بين أحد أمرين؟ إمّا أنّ يَضِيعَ هذا الحقُّ، وذلك لا يجوزُ. أو تُقْبَلَ فيه شهادة الصِّبيانِ، وذلك أحسنُ، ولقوله مع صِغَرِه موضعٌ عظيمٌ في التّحليلِ

стр. 3007

والتّحريم، وهو في إباحة الدُّخُولِ إلى المنزلِ وهَتكِ السِّترِ الّذي كان محرَّمًا قَبلَ قَولِهِ، ولكنّه جاز ذلك للحاجة إليه، ولأنّه لا غَنَاءَ فيه، فكذلك في مسألتنا. وركَّب عليه علماؤنا شهادةَ النِّساء في المواضع الّتي لا يكونُ فيها غيرُهُنَّ، كالأعراسِ والمآتمِ والحمّاماتِ. وأمّا قولُنا: "بينّهم" فلأنّها شهادةُ ضرورةٍ: فَتُقَدَّرُ بقَدرِ الضَّرورةِ. وأمّا شرطُ "الإثنَينِيَّة " فلأنّها أصلُ الشّهادات حيثُ وُضِعَت، ولا تجوزُ شهادةُ وَاحدٍ عند جميعِ العلماء (١)، ولا يَثبُتُ بها حقٌّ من الحقوق إجماعًا، إِلَّا في مسألةٍ واحدةٍ اختلف فيها علماء الإسلام، وهي شهادةُ القابِلَةِ وحدَها على الولادة، ومن روايات مالكٍ أنّها تجوزُ، والأصلُ في ذلك: الضّرورةُ الدّاعيةُ إلى ذلك؛ لأنّه لا تحضُرُ المرأة غيرُها، فلو لم تَقبَل شهادتُها لضاعَتِ الولادةُ، ولبطَلَ ما يتركَّبُ عليها من نَسَبٍ وحُرمَةٍ وميراثٍ وسائر الحقوقِ. حديثٌ: ثبت عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "ألَّا أُخبرُكُم بخير الشُّهَداء؟ الّذي يَأتِي بِشَهَادَتَهِ قَبلَ أنّ يُسأَلَهَا" (٢). وثبت أنّ رسول الله ﷺ قال: "أَكرمُوا أَصحَابِي فإنّهم خِيارُكم، ثُمَّ الَّذينَ يَلُونَهُم، ثُمَّ يَظهَرُ الكَذِبُ حَتَّى يَحلفَ الإِنْسَانُ عَلَى اليَمِينِ لا يسألها، ويَشْهَدُ عَلى الشَّهَادَةِ لا يسألها، فمَن سَرَّه بَحبُوحَة الجَنَّةِ فَعَلَيهِ بِالجَمَاعَةِ فَإِنَّ الشَّيطَانَ مَعَ الوَاحِدِ، وَهُوَ مِن الاثنين أَبعَدُ" (٣).

стр. 3008

الأصول: فإن قيل: ما الفرقُ بين الحديثين؟ قيل له: الفرق بين الحديثين أنّه فرقٌ بين المذمُومِ من الشّهادات، وهو شهادة الكذب، وبين الشّهادةِ الّتي المرءُ فيها صادقٌ. ما جاء من الفرق بين الشهادتين (١): ألَّا تراهُ قال في الخبر الأوّل: "أَلَا أُخبِرُكُم بِخَيرِ الشُّهَداءِ"، وقال في الخبر الثّاني: " ثُمَّ يَظهَرُ الكَذِبُ" فدلَّ ذلك على أنّ الشَّهادة المذمومة شهادة الكذب، خلافًا للشّهادة الّتي يكون فيها الشّاهد صادقًا فيها. ورُوِيَ عنه ﵇ أنّه قال: "خيرُكُم قَرنِي، ثُمَّ الذين يَلُونَهُم، ثُمَّ الَّذين يَلُونَهُم، ثُمَّ يَأتِي قَومٌ يَشهَدُون ولا يُستَشْهَدُون" (٢). قال النّخعيُّ: معنى الشّهادة هاهنا اليمين، وقد سمّي اليمين شهادة، يريد أنّ يحلف قبل أنّ يستحلف. المسألة الثّانية: وقوله (٣): "شهَادَاتُ الزُّورِ". وهي من الكبائر، وقد قرنت بالشِّرك باللهِ تعالى وعقوق الوالدين، وكان عبد الله بن مسعود يقول (٤): عدلت شهادة الزّور بالشِّرك بالله، ثمّ قال: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ﴾ الآية (٥). (٦) (٧)

стр. 3009

وقال مجاهد: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ (١) قال: هو الكذب (٢)، وكذلك قال أبو عُبَيدَة (٣). واختلف العلّماءُ فيما يُفعَلُ بشَاهِد الزُّور: فقال علماؤنا: يؤدبُ الأدب الوَجِيع، ويُشهر حتّى يكون ذلك رَدعًا لغيره، ولا تحلق له لحيته، فإن الله تعالى لم يشرع في الحدود تغيير الهيئة والخِلقَة. وقال أبو حنيفة (٤): لا أدب عليه، وإنّما عقوبته ردّ شهادته؛ لأنّه قائل كذب وزور، فلم يجب عليه أَدَبٌ ولا تعزيرٌ، أصله: المظاهرة، وعلى هذه النُّكتة عَوَّلَ علماؤنا من أهل العراق وخراسان، وقد بيَّنَّا في "مسائل الخلاف" أنّ الله جعل جزاءَ الظِّهَارِ الكفّارة؛ لأنّه لم يضرّ بذلك إِلَّا نفسه، وهو ذَنْبٌ لا يتعدّى لغيره، وكان في الأصل طلاقًا، فأرخص اللهُ فيه فصار ظِهَارًا فافترقا. وقد رُويَ عن عمر بن الخطّاب أنّه قال: يُخَلَّى سبيله. وكان شُرَيْح القاضي إذا أخذ شاهدَ الزُّورِ إنَّ كان سُوقِيًا بعث به إلى السُّوق، فقيل: إنَّ هذا شاهد زُور، وإن لم يكن سُوقيًّا بعث به إلى قومه، وقيل: إنَّ هذا شاهد زُور، وكان بعضُهم يذهب به إلى الجامع، وإلى حِلَق الذِّكْر، يقول: هذا شاهد زورٍ فلا تستشهدوه واحذروه. وقال مالك: أرى أنّ يُفضَحَ ويشَهَّر وُيلعَن (٥). وقال الشّافعيّ (٦): يُعَزَّر ولا يبلغ بالتّعزير أربعون ويُشَهَّر بأمره. ورُوِيَ عن عمر أنّه حبسه يومًا وخَلَّى سبيلَهُ (٧).

стр. 3010

وقال قوم: تُسَوَّدُ وجوههم، ويُطَافُ بهم في الأسواق، وهو مذهب عبد الملك بن يعلى قاضي البصرة، فإنّه أمر بحَلقِ أنصافِ رؤوسهِم وتسويد وجوههم ويطاف بهم على الأسواق. فرع غريب: واختلفوا فيمن يشهد بِزُورٍ ثمّ يتوبُ وتظهر توبته: فعلى مذهب الشّافعيّ (١) والكوفي أنّه يجب قَبُول شهادته إذا أتت على ذلك مدّة تظهر في مثلها توبتُهُ، وبه قال أبو ثور. وقال مالك: أرى أنّ تبطل شهادته. والقولُ الأوَّل أصحّ إنَّ شاء الله. الفقه في مسائل: المسألة الأوُلى (٢): قولُه: "ألَّا أُخبِرُكُم بخَيرِ الشُّهَدَاءِ"؟ قال مالك (٣) وغيره معناه: أنّ يكون عنده شهادة لا يعلم بها فيؤدِّيها له عند الحاكم، وذلك أنّ المشهود به على ضربين: حقّ الله، وحقّ الآدميَّ. فأمّا ما كان حقًا لله، فعلى قسمين: ١ - قسمٌ لا يُستدامُ فيه التّحريم كالزِّنا وشرب الخّمْرِ، زاد أصْبَغُ: والسّرقةُ، فهذا تركُ الشَّهادة به جائزة. والأصلُ في ذلك: قولُه ﷺ لهَزَّالٍ: " هَلَّا سَتَرتَ عَلَيهِ بِرِدَائِكَ" ولو علم الإمامُ بذلك، فقد قال ابنُ القاسم في "المجموعة": يكتُمُها ولا يشهد، إِلَّا في تجريحه إنَّ

стр. 3011

شهد على آخر. ٢ - والقسم الثّاني: ما يُستَدَامُ فيه التّحريم، وهو كالطّلاق والعِتقِ والأَحبَاس، والهِبَاتِ لمن ليس له إسقاط حقّه، والمساجد والقناطير والطّرق، فهذا على الشّاهد أنّ يؤدِّي شهادته متى رأى ارتكاب المحظور بها, وله في ذلك حالان: ١ - حالٌ يعلم أنّ غيره يشاركُهُ فيها ويقوم بها. ٢ - وحالٌ لا يعلم ذلك فيها. فإن علِمَ أنّ غيره يقوم بها فإنّه يستحبّ له أنّ يُبَادِرَ بها ليحصل له أجر القيام بها، ولأنّ في قيام العدد الكثير بها رَدعًا لأهل الباطل. ويصحّ أنّ يتناول هذا عموم قول النّبيّ: " خَيرُ الشُّهَدَاءِ .... " الحديث. المسألة الثّانية (١): فإذا تبيّن له أنّ غيره قد ترك القيام، ولم يكن ممّن يقوم بها غيره، تعيَّنَ عليه القيام بها, لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) ولقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٣) ولأنّ القيام بها من فروض الكفاية، كالجهاد وصلاة الجنائز، فإذا قام به البعض سقط عن سائر النَّاس، وإذا تركه جميعهم أَثِمُوا إذا كان الحقّ مجتمعًا عليه. المسألة الثّالثة (٤): وأمّا الضّرب الثّاني، وهو حقّ الآدميِّينَ، فإن كان لمن يجوز إسقاطه، مثل أنّ يرى ملك الرَّجل يُباعُ أو يُوهَبُ، فَرُوِيَ عن ابن القاسم (٥) في "العُتبِيَّة" (٦) أنّ ذلك جُرحَةٌ في

стр. 3012

الشّاهد حين رأى ذلك ولم يعلم بعلمه فيه. وقال غيره في "المجموعة": هذا إذا كان المشهود له حاضرًا لا يعلم أو غائبًا، وأمّا إنَّ كان يعلم فهو كالإقرار. وقال ابنُ سحنون عن أبيه: إنّما ذلك فيما كان في كفالته (١). أو كان له القيامُ به كالحوالة والطلاق. وأمّا العُروض والحيوان فلا يبطل ذلك شهادته؛ لأنّ صاحب الحقّ إنَّ كان حاضرًا فهو أضاع حقّه، وإن كان غائبًا فليس للشّاهِد شهادة. المسألة الرّابعة (٢): فإذا ثبت هذا، فالشّهود على ثلاثة أضرُبٍ: ١ - ضربٌ يعرفُ الحاكم عدالته. ٢ - وضربٌ يَعرِف فسقَه. ٣ - وضربٌ يجهلُه. فأمّا الأوّل: فيجب عليه الحُكم بشهادته، إنَّ لم يكن للمحكوم عليه مَدفَعٌ فيها. وقال سحنون في "العتبية" (٣): وذلك أنّ يكون مشهورًا عند الحاكم من معرفته مثل ما عند من يُعدِّلُه، فهذا عليه أنّ يقبلَهُ. ورَوَى يحيى عن ابنِ القاسم: أنّه إذا كان القاضي يعرفه وكان يُزَكِّيه عند غيره، فهذا الّذي يَسَعُه قَبُول شهادته. وأمّا الضرب الثّاني: فلا يجوز له أنّ يحكُمَ بشهادته، وذلك على ضربين: أحدهما: أنّ يعرف فسقه. والثّاني: أنّ يجرح عنده بأنّه يرتكب محظورًا، كالزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخّمْرِ، والعمل بالرِّبا أو ترك واجب كالصِّيام والصّلاة حتّى يخرج وقتها. وأمّا ترك الجمعة

стр. 3013

فَجُرحَةٌ في الجملة، واختُلفَ في تركها مرّة، فقال أَصبَغُ: هي جُرحَةٌ كالصّلاة من الفريضة يتركها مرّة واحدة فيُؤَخِّرها عن وقتها، وهو ظاهر ما رُوِيَ عن ابنِ القاسم في "العتبية" (١). وقال سحنون: لا تكون جُرحَة حتّى يتركها ثلاثًا متوالياتٍ. وأمّا من جهِلَ الحاكمُ أمره، فلا يخلو أنّ يتناول شهادته ما يعدم شهادة العدول فيه في الأغلب، أو ما لا يعدم ذلك منه، وأمّا مالا يعدم ذلك فيه، مثل شهادة الرُّفْقَة بعضهم على بعضٍ فيما يختصُّ بمعاملات السَّفَر، من بيعٍ أو شراءٍ أو مرضٍ أو شبهه. فأمّا بيع العَقَارِ والأموال الّتي لم تَجرِ العادةُ ببيعها في السَّفَر، فلا يُقبَلُ فيها إِلَّا العُدُول، وكذلك ما شَهِد بِهِ بعضهم على بعضٍ فيما يُوجبُ الحدّ أو الضّرب كالغَضب، فلا يُقبَل في ذلك إِلَّا العدول. فإذا انتهَى الكلام إلى هذا المقام؛ فإنّ في ذلك خمسة فصول: الأوّل: في عدد المُزَكِّين. والثّاني: في المزكيِّ. والثّالث: في معرفة العدالة. والرّابع في لفظ التّزكية. والخامس: في تَكرِيرِ التَعديل وما يلزم منه. فصل الأوّل (٢) في عدد المزَكِّين فإن ذلك على وجهين: تَزكيَةُ علانِيَّةِ. وتَزْكِيَةٌ سِرَّ. فأمّا "تزكيةُ العلّانية" ففي "المجموعة" و"العُتبيّة" عن ابنِ القاسِمِ عن مالك أنّه لا

стр. 3014

يُجزِيء فيها أقلّ من اثنين. ووجه ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية (١). وهذا عامٌّ في كلّ شيءٍ، إِلَّا في تزكية شهود الزِّنا، فَرَوَى ابنُ حبيب عن مُطَرِّف عن مالك: لا يعدّل كلّ واحدٍ إِلَّا أربعة. وقال ابنُ المَاجِشُون: يجوز في تعديلهم ما يجوز في تعديل غيرهم، اثنان لكلِّ واحدٍ، أو أربعة لجميعهم. وأمّا "تزكية السِّرِّ" فَرَوَى ابنُ حبيب عن مُطَرِّف وابن المَاجِشُون وأَصبَغ أنّه ينبغي أنّ يكون للحاكم رجل عرف دِينه ومَيْزَه، لا يعرفه سِوَى الحاكم، ليبحث عن أحوال النَّاس، فإذا كلّفه ذلك، تَسَبَّبَ إِلى ذلك بالبحث والسؤال من حيث لا يَعلَم به أحدٌ، ثُمَّ يُعلِمُ الحَاكِمَ بما عنده من ذلك، فهذه تزكية السِّرِّ. فإذا كانت على هذا، فكم عددهم؟ ففي "المجموعة" من رواية ابن القاسم عن مالك؛ أنّه قال:* يكفي في ذلك الرَّجل الواحد العَدل، وفي "العتبية" (٢) من رواية ابن القاسم عن مالك* قال: لا يجب أنّ يسأل في السِّرِّ إِلَّا اثنان. قال الإمام: والأفضل في التَّعديل أنّ يجمعَ بين السرِّ والعلانيّة. وقال ابن حبيب (٣): لا ينبغي أنّ يكتفي بتعديل العلّانية، وقد يجزئ تعديل السِّرِّ.

стр. 3015

ووجه ذلك: أنّ تعديلَ السِّرِّ لا يجزئ فيه إِلَّا بالخبر الفاشي الّذي يقع به العلم، ولذلك لا يُعذرُ فيه لأحد، وأمّا تعديل العلانيّة فيفعله شاهِدَان، فلا يقوى قوّة ما يقع به العلم، ولذلك يُعذَر فيه (١)، فهذا أمكن الأمران فهو أَولَى، ليستوي تعديله في السِّرِّ والعلانيّة، وإنِ اقتصرَ في المشهور العقلِ بتزكية السِّرِّ، فلا بأس بذلك، لما عليه (٢) في التَّوَقُّف في قَبُولِ شهادته. وفي "المدوّنة" (٣) أنّه يكفي في ذلك أنّ يُزَكَّى في السرّ أو العلانيّة. الفصل الثّاني (٤) في صفة المزكِّي فقد رَوَى ابنُ حبيب عن مُطَرِّف وابن المَاجِشُون وابن عبد الحَكَم وأَصبَغ أنّه لا يجوز تعديل الرَّجل وإن كان عدلًا حتّى يعرف وجه التّعديل. فرع غريب: رُوي عن سحنون (٥) أنّه قال: لا تُقبَلُ تزكية الأَبلَهِ، وليس كلّ من تجوز شهادته بجوزُ تعديلُه، ولا يجوز فيه (٦) إِلَّا المبرّز الفَطِن. ولا يجوز أنّ يكونا (٧) غير معروفين عند الحاكم، فيزكّيان عنده إذا كان شاهد
следующие страницы →