← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3011–3050 · переход к 3016.

стр. 3011

شهد على آخر. ٢ - والقسم الثّاني: ما يُستَدَامُ فيه التّحريم، وهو كالطّلاق والعِتقِ والأَحبَاس، والهِبَاتِ لمن ليس له إسقاط حقّه، والمساجد والقناطير والطّرق، فهذا على الشّاهد أنّ يؤدِّي شهادته متى رأى ارتكاب المحظور بها, وله في ذلك حالان: ١ - حالٌ يعلم أنّ غيره يشاركُهُ فيها ويقوم بها. ٢ - وحالٌ لا يعلم ذلك فيها. فإن علِمَ أنّ غيره يقوم بها فإنّه يستحبّ له أنّ يُبَادِرَ بها ليحصل له أجر القيام بها، ولأنّ في قيام العدد الكثير بها رَدعًا لأهل الباطل. ويصحّ أنّ يتناول هذا عموم قول النّبيّ: " خَيرُ الشُّهَدَاءِ .... " الحديث. المسألة الثّانية (١): فإذا تبيّن له أنّ غيره قد ترك القيام، ولم يكن ممّن يقوم بها غيره، تعيَّنَ عليه القيام بها, لقوله تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ﴾ (٢) ولقوله: ﴿وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ﴾ (٣) ولأنّ القيام بها من فروض الكفاية، كالجهاد وصلاة الجنائز، فإذا قام به البعض سقط عن سائر النَّاس، وإذا تركه جميعهم أَثِمُوا إذا كان الحقّ مجتمعًا عليه. المسألة الثّالثة (٤): وأمّا الضّرب الثّاني، وهو حقّ الآدميِّينَ، فإن كان لمن يجوز إسقاطه، مثل أنّ يرى ملك الرَّجل يُباعُ أو يُوهَبُ، فَرُوِيَ عن ابن القاسم (٥) في "العُتبِيَّة" (٦) أنّ ذلك جُرحَةٌ في

стр. 3012

الشّاهد حين رأى ذلك ولم يعلم بعلمه فيه. وقال غيره في "المجموعة": هذا إذا كان المشهود له حاضرًا لا يعلم أو غائبًا، وأمّا إنَّ كان يعلم فهو كالإقرار. وقال ابنُ سحنون عن أبيه: إنّما ذلك فيما كان في كفالته (١). أو كان له القيامُ به كالحوالة والطلاق. وأمّا العُروض والحيوان فلا يبطل ذلك شهادته؛ لأنّ صاحب الحقّ إنَّ كان حاضرًا فهو أضاع حقّه، وإن كان غائبًا فليس للشّاهِد شهادة. المسألة الرّابعة (٢): فإذا ثبت هذا، فالشّهود على ثلاثة أضرُبٍ: ١ - ضربٌ يعرفُ الحاكم عدالته. ٢ - وضربٌ يَعرِف فسقَه. ٣ - وضربٌ يجهلُه. فأمّا الأوّل: فيجب عليه الحُكم بشهادته، إنَّ لم يكن للمحكوم عليه مَدفَعٌ فيها. وقال سحنون في "العتبية" (٣): وذلك أنّ يكون مشهورًا عند الحاكم من معرفته مثل ما عند من يُعدِّلُه، فهذا عليه أنّ يقبلَهُ. ورَوَى يحيى عن ابنِ القاسم: أنّه إذا كان القاضي يعرفه وكان يُزَكِّيه عند غيره، فهذا الّذي يَسَعُه قَبُول شهادته. وأمّا الضرب الثّاني: فلا يجوز له أنّ يحكُمَ بشهادته، وذلك على ضربين: أحدهما: أنّ يعرف فسقه. والثّاني: أنّ يجرح عنده بأنّه يرتكب محظورًا، كالزِّنا، والسَّرقة، وشرب الخّمْرِ، والعمل بالرِّبا أو ترك واجب كالصِّيام والصّلاة حتّى يخرج وقتها. وأمّا ترك الجمعة

стр. 3013

فَجُرحَةٌ في الجملة، واختُلفَ في تركها مرّة، فقال أَصبَغُ: هي جُرحَةٌ كالصّلاة من الفريضة يتركها مرّة واحدة فيُؤَخِّرها عن وقتها، وهو ظاهر ما رُوِيَ عن ابنِ القاسم في "العتبية" (١). وقال سحنون: لا تكون جُرحَة حتّى يتركها ثلاثًا متوالياتٍ. وأمّا من جهِلَ الحاكمُ أمره، فلا يخلو أنّ يتناول شهادته ما يعدم شهادة العدول فيه في الأغلب، أو ما لا يعدم ذلك منه، وأمّا مالا يعدم ذلك فيه، مثل شهادة الرُّفْقَة بعضهم على بعضٍ فيما يختصُّ بمعاملات السَّفَر، من بيعٍ أو شراءٍ أو مرضٍ أو شبهه. فأمّا بيع العَقَارِ والأموال الّتي لم تَجرِ العادةُ ببيعها في السَّفَر، فلا يُقبَلُ فيها إِلَّا العُدُول، وكذلك ما شَهِد بِهِ بعضهم على بعضٍ فيما يُوجبُ الحدّ أو الضّرب كالغَضب، فلا يُقبَل في ذلك إِلَّا العدول. فإذا انتهَى الكلام إلى هذا المقام؛ فإنّ في ذلك خمسة فصول: الأوّل: في عدد المُزَكِّين. والثّاني: في المزكيِّ. والثّالث: في معرفة العدالة. والرّابع في لفظ التّزكية. والخامس: في تَكرِيرِ التَعديل وما يلزم منه. فصل الأوّل (٢) في عدد المزَكِّين فإن ذلك على وجهين: تَزكيَةُ علانِيَّةِ. وتَزْكِيَةٌ سِرَّ. فأمّا "تزكيةُ العلّانية" ففي "المجموعة" و"العُتبيّة" عن ابنِ القاسِمِ عن مالك أنّه لا

стр. 3014

يُجزِيء فيها أقلّ من اثنين. ووجه ذلك: قولُه تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية (١). وهذا عامٌّ في كلّ شيءٍ، إِلَّا في تزكية شهود الزِّنا، فَرَوَى ابنُ حبيب عن مُطَرِّف عن مالك: لا يعدّل كلّ واحدٍ إِلَّا أربعة. وقال ابنُ المَاجِشُون: يجوز في تعديلهم ما يجوز في تعديل غيرهم، اثنان لكلِّ واحدٍ، أو أربعة لجميعهم. وأمّا "تزكية السِّرِّ" فَرَوَى ابنُ حبيب عن مُطَرِّف وابن المَاجِشُون وأَصبَغ أنّه ينبغي أنّ يكون للحاكم رجل عرف دِينه ومَيْزَه، لا يعرفه سِوَى الحاكم، ليبحث عن أحوال النَّاس، فإذا كلّفه ذلك، تَسَبَّبَ إِلى ذلك بالبحث والسؤال من حيث لا يَعلَم به أحدٌ، ثُمَّ يُعلِمُ الحَاكِمَ بما عنده من ذلك، فهذه تزكية السِّرِّ. فإذا كانت على هذا، فكم عددهم؟ ففي "المجموعة" من رواية ابن القاسم عن مالك؛ أنّه قال:* يكفي في ذلك الرَّجل الواحد العَدل، وفي "العتبية" (٢) من رواية ابن القاسم عن مالك* قال: لا يجب أنّ يسأل في السِّرِّ إِلَّا اثنان. قال الإمام: والأفضل في التَّعديل أنّ يجمعَ بين السرِّ والعلانيّة. وقال ابن حبيب (٣): لا ينبغي أنّ يكتفي بتعديل العلّانية، وقد يجزئ تعديل السِّرِّ.

стр. 3015

ووجه ذلك: أنّ تعديلَ السِّرِّ لا يجزئ فيه إِلَّا بالخبر الفاشي الّذي يقع به العلم، ولذلك لا يُعذرُ فيه لأحد، وأمّا تعديل العلانيّة فيفعله شاهِدَان، فلا يقوى قوّة ما يقع به العلم، ولذلك يُعذَر فيه (١)، فهذا أمكن الأمران فهو أَولَى، ليستوي تعديله في السِّرِّ والعلانيّة، وإنِ اقتصرَ في المشهور العقلِ بتزكية السِّرِّ، فلا بأس بذلك، لما عليه (٢) في التَّوَقُّف في قَبُولِ شهادته. وفي "المدوّنة" (٣) أنّه يكفي في ذلك أنّ يُزَكَّى في السرّ أو العلانيّة. الفصل الثّاني (٤) في صفة المزكِّي فقد رَوَى ابنُ حبيب عن مُطَرِّف وابن المَاجِشُون وابن عبد الحَكَم وأَصبَغ أنّه لا يجوز تعديل الرَّجل وإن كان عدلًا حتّى يعرف وجه التّعديل. فرع غريب: رُوي عن سحنون (٥) أنّه قال: لا تُقبَلُ تزكية الأَبلَهِ، وليس كلّ من تجوز شهادته بجوزُ تعديلُه، ولا يجوز فيه (٦) إِلَّا المبرّز الفَطِن. ولا يجوز أنّ يكونا (٧) غير معروفين عند الحاكم، فيزكّيان عنده إذا كان شاهد

стр. 3016

الأصل من البلد، وإن كان غريبًا جاز، قاله مالك: في "المدوّنة" (١) وغيرها. ووجه ذلك: أنّ الغريبَ قد يكونَ مجهولَ الحالِ في البلد فلا يعرف عدالَتَهُ إِلَّا من يعرف الحاكم، فيحتاج أنّ يعرف به. وأمّا البَلَدِيّ فحاله معلومةٌ في الأغلب، فلا يقبل في تزكيته إِلَّا أهل العدل على ما وصفنا. الفصل الثّالث (٢) في معنى العدالة ومن لا يعرفه الحاكم (٣)؟ فقال سحنون: يُزَكِّيه من يعرف باطنه كما يعرف ظاهره ممّن صَحِبَهُ الصُّحبة الطويلة، وعامَلَهُ بالأخذ والإعطاء. وقال ابن سحنون (٤): يزكِّيه من يعرف باطنه وصَحِبَهُ في السَّفَر والحَضَر، كما يقال لمن مدَح رجلًا: أصحبته في السَّفَر؟ أخالَطتَهُ في مالٍ؟ وقد قيل (٥) في الرَّجل يصحب الرَّجل شهرًا فلا يعلم منه إِلَّا خيرًا: لا يزكِّيه بهذا (٦)، وليس هذا باختبار. وقال يحيى عن ابن القاسم (٧) في الشّاهد لا يعرِفُه القاضي بعدالةٍ ولا فسادٍ، إِلَّا أنَّه يحضُرُ الصّلاةَ في المساجد، قال سحنون: يعرف بظاهر جميل من أهل المساجد

стр. 3017

والجهاد. وقال ابنُ القاسم: لا يقبل ويطلب تزكيته. وقال سُحنون أيضًا: لا يزكِّّّّّّّّّّّّّّيه بذلك. فإذا ثَبت هذا (١)، وما ذكرناهُ من معرفة المزكِّي، ففي "العُتبِيَّة" (٢) عن سحنون ما معناه: أنّه لا يؤثِّر في ذلك أنّ يقارف بعض الذَّنْبِ كالخفيف من الزّلّة والفلتة، فمِثلُه لا يمنع من عدالته. وقال مالك: من النَّاس من لا تُذْكر عيوبُهُم يكونُ عيبُه خفيفًا. اطِّلاع في النظر (٣): فإذا انتهَى الحالُ إلى هذا المقام، فالعدالةُ والسَّلامةُ من العيوبِ، وكمالُ الشّهادة، إنَّما هي للأنبياءِ ﵈. والضابطُ لهذا البابِ نُكتةٌ ينتفعُ بها من لا يَعِيها، وذلك أنّ الله نَوَّرَ العبدَ بالعقلِ، وهو نُور الطّاعة، وأَظلَمَهُ بالشَّهوَةِ وهي حَبَالَةُ المعصيةِ، فصار العبدُ متردِّدًا بينَهما، والمَلَكُ يعْضُد جانبَ العقلِ، والشيطانُ يُغوِي في جانِبِ الشَّهوةِ، والتوفيقُ والخذلانُ على قِمَّةِ الرأسِ مُحَلِّقانِ، والقضاءُ والقَدَرُ فوق ذلك كلِّه، فإن سبَقَ القضاءُ بالتَّوفيقِ، انتصرَ حزبُ الله، وإن سبقَ القضاءُ بالخِذلانِ، نَفَذَ حُكمُ الله؛ ولذلك قال النّبيُّ ﵇: " إِن اللهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظهُ مِنَ الزنَا، أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ " الحديث إلى آخره (٤)، فلم تَكُنِ العصمةُ إِلَّا للأنبياءِ كما سَبَقَ، وسائرُ الخَلقِ وإن آمنوا وطهَّر اللهُ قلوبَهم بالتّوحيد عَنْ وَضَرِ الشِّركِ، فلابد أنّ تتدنَّس أبدانُهم بأرحاضِ المعاصي، فلو لم يُقبَل إِلَّا مطيعٌ، ما وُجِدَ أحدٌ يَسلَم في حالٍ من الأحوالِ، ولكن بَنَتِ الشريعةُ الأمرَ على

стр. 3018

المُمكِنِ في الوجودِ، الغالب في الأحوالِ، وهو التَّنَزُّهُ عن الكبائر، فإذا صانَ العبدُ - بفضل الله - نفسَهُ عن الكبائر وَأكثَر الصّغائر كانَ عَدلًا. نكتةٌ بديعة (١): وهي أنّ العِيَارَ في الدنيا يُخرِجُ الخالصَ في الآخِرَةِ، وهو اعتدالُ الميزان، بألّا تكون في الكفّة كبيرةٌ، فإنَّ كِفةَ السَّيِّئاتِ إنَّ تفرّغَتْ عنِ الكَبائر، عُلِمَ قطعًا أنّ الميزانَ لا يميلُ إليها. فإما أنّ يعتَدِلَ، وإمَّا أنّ يخِفَّ بها، ويكونَ الرُّجحان للكِفَّةِ الأُخرى، وإلى هذا وقعَتِ الإشارةُ بقولِهِ: ﴿وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ الآية (٢). ولذلك شرط العلّماءُ اجتناب الدَّنَاءَاتِ لحفظِ المُرُوءَة، وهو الشّرطُ الخامسُ؛ لأنّ المُرُوءَةَ سِترُ الدِّين والحجابُ بينَهُ وبين المَعَاصِي، كالثَّوب يسترُ البَدَنَ عن الحَرُورِ والزَّمهَرِيرِ. وضبطُ المُرُوءَة ممًا عَسُرَ على العُلَماء، ولم يَنطِق به فقيهٌ، وقد بيّنّاه في "مسائل الخلاف" على الإيضَاح، والضّابطُ لكم الآن فيه: ألَّا يأتيَ أحدٌ منكم ما يُعتَذَرُ مِنهُ، مِمَّا يَبخَسُه عن مرتَبَتِهِ عندَ أهل الفضلِ (٣)، وحينئذ يكون من أهل العدالة. الفصل الرّابع (٤) في لفظها وحكمها رَوَى ابنُ وَهب عن مالك في المُزَكِّي يقول: "لا أعلمُ إِلّا خيرًا" وهو يلقاهُ في الطّريق ولا يَعلَم منه إِلَّا خيرًا، قال: لا يجوز هذا. وقال سحنون: ولا يُجزِىءُ أنّ يقولَ: صَالِحٌ.

стр. 3019

ورَوى ابنُ حبيبٍ عن مُطَرِّف وابنِ المَاجِشُون وأَصبَغ: يُجزِىء في ذلك لفظ العدل والرِّضى (١). وقال القاضي أبو بكر بن الطَّيِّب البَاقِلّاني: كلُّ لفظٍ يعبَّرُ به عن العدلِ والرِّضَا أَجزَأَ، وإنّما اختير (٢) لقوله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ (٣) وقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٤) (٥). وقال ابنُ الجلّاب (٦): "ولا يقتصر على أحدهما حتّى يجتمعا". فإذا ثبت الاعتبار بهذين اللفظين؛ فإنّه يجزئ أنّ يقول: أراهُ عَدلًا رِضَا عندي، وهر عندي عدلٌ رَضِيٌّ، وليس عليه أنّ يقول: هو عدلٌ رضِيٌّ عند الله، ولا أنّ يقول: أَرضَاه وليًّا (٧). ولا يُقبَلُ منه حتّى يقول: إنّه عدل رَضِيٌّ. الفصل الخامس في تكرير التّزكية رَوَى (٨) أشهب عن مالك في "المجموعة": أنّه يقبل بالتّزكية الأُولى، وليس النَّاس سواءٌ، فمنهم المشهورُ بالعدالة، ومنهم من يَغمِصُ منه النَّاس. وقال ابن كنانة: أمّا غير المعروف فيُؤتَنَف فيه تعديلٌ ثانٍ، وأمّا المشهورُ بالعدالةِ

стр. 3020

فالأول يجزيه حتّى يُجرح بأمرٍ بيِّنٍ. روى ابنُ حبيب عن مالك ومُطَرِّف وابن المَاجِشُون: ليس عليه ائتنافه، إِلَّا أنّ يغمز فيه، أو يرتاب منه، ولا يزيدُهُ طولُ ذلك إِلَّا خيرًا (١). فإذا انتهى الكلامُ إلى هذا المقام، وتَحصَّلَ (٢) ضبط الشّهادة، فلها حالان: الحالة الأُولى: حالةُ التّحملِ. والثّانية: حالةُ أداءٍ. ١ - واختلفَ العلّماءُ في التَّحَمُّل هل هو فرضٌ أو ندبٌ؟ مبنيًّا على قوله تعالى: ﴿وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا﴾ (٣) وقد بيَّنَّا فيما تقدَّم (٤) أنّها فرضٌ على الكِفَايَة، ولذلك يجبُ على الإمام أنّ ينصِبَ لَها عُدُولًا يرزُقهُم من بيت المال، ويتفرَّغونَ لإحياءِ حقوقِ الله، ويتوجَّهُ إليهم الخطابُ حينئذٍ بالفريضة بإجماعٍ. ٢ - والحالةُ الثّانيةُ: حالةُ الأداءِ، وهي فرضٌ إجماعًا إذا وَقَعَت على عدلين، فإن زادُوا، أُلحقَت بفروضِ الكِفايَةِ، هذا إذا عَلِمَ بها صاحبُها، فإن لم يعلَم وعَلِمَ الشاهدُ أنّه يحتاجُ المتحاكمُ إلى أدائها، فإنّه عليه فرضٌ أنّ يفعلَهُ ويُعلِمهُ بها ههنا، لحديث زيد بن خالد الّذي رواهُ مالك (٥)؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "خَيرُ الشُّهداءِ الذِي يَأتِي بِشهَادَتِهِ قَبل أنّ يُسألهَا " فإن كان الحقُّ لله، تَعَينَ عَلَى الشّاهد فرضًا أنّ يقوم بها عند الحاكِمِ، إِلَّا أنّ يكونَ من الحدودِ، والأفضل له أنّ يستر على المُتَهَتِّكِ كما تقدَّمَ البيان قبلُ.

стр. 3021

الفقه في ستّ مسائل: المسألة الأوُلى (١): أمّا تحمُّلها فعلى ثلاثة أضْرُبٍ: أحدها: تحملُ نقلها من الأصل. والثّاني: تحمُّلُ نقلِها عن الشّهود. والثّالث: تحمُّلُ نقلِ حُكمِها عند الحاكم. تفصيل: فأما الأوّل: فعلى ضربين: أحدُهما: أنّ يسمع لفظَها من الّذي عليه الحقّ بالشهادة له وإقراره. والثّاني: أنّ يشهد على ما تَقَيَّدَ في الكتاب. فأمّا الأوّل: فهو أنّ يسمع ما يشهد به، فإذا وَعَاهُ، جازَ أنّ يشهد به، ويلزمُه ذلك إذا لم يقم بها غيرُهُ. ويجوز على هذا إشهاد الأعمى، خلافًا لأبي حنيفة (٢) في قوله: لا يجوز ما يسمع في حال العَمَى، على ما نُبَيِّنُه في موضعه إنَّ شاء الله. المسألة الثّانية (٣): وأمّا إذا شَهِدَ على ما تَقَيَّدَ في الكتاب، فلا يخلو أنّ يكون مختومًا، أو غير

стр. 3022

مختومٍ، فإن كان غير مختومٍ، فعندي أنّه يلزمه أنّ يقرأ ما تقيّدَت به الشّهادة في آخر العَقْدِ إنَّ كان يقرأ، أو يُقرأَ له إنَّ كان أُمِّيًا أو أَعمَى، ليَعْلَمَ موافقة تقييدها لما شهد به. وإن كان مختومًا ففي "المعونة" (١) اختلافٌ حكاه عبد الوهّاب قال: "اختلفَ قولُ مالك فيمن دفعَ إلى الشُّهود كتابًا وختَمه وأَشهَدَ الشُّهودَ وهُوَ مطويٌّ، فقال لهم: اشهدُوا على ما فيه، هل يجوز تحمّلهم لها أم لا؟ وكذلك الحاكِمُ إذا كَتَبَ كتابًا وخَتَمَهُ وأشهَدَ الشُّّّّّهودَ أنّه كتابهُ ولم يقرأهُ عليهم، فعنه في ذلك رَوايَتَانِ: إِحداهُمَا: أنّ الشّهادة جائزةٌ. والرِّوايَةُ الثّانِيَة: أنّهم لا يشهَدُون حتّى يقرأَه عليهم". وهو الصّحيح عندي. المسألة الثّالثة (٢): وأمّا حالُ الأداءِ، فإن كان يؤدِّي شهادة حفظها، فحُكمُه أنّ يكون حافظًا لها حين الأدَاءِ إِما لأنّه استَدَام حِفظها، وإما لأنّه قيَّدَهَا في كتابٍ عند نفسه أو عند المشهود له. وهذا يُسَمَّى عَقدًا استِرعَاءً، يكتب (٣): يَشْهَدُ مَنْ تَسَمَّى في هذا الكتاب من الشُّهداء، أتهم يعرفون كذا، ثمّ يكتب شهادته ويسلم العَقد إِلَيهِ (٤). فإن احتاج إليه ودعاهُ، لزِمَه أنّ ينظره، فإن كان ذَاكِرًا لجَمِيعِهِ، أدّاها على عُمُومِهَا، وإن ذَكَرَ بَعضَهَا، شَهِدَ بِمَا ذكَرَ، وإن لم يذكر شيئًا فلا يشهد. المسألة الرّابعة (٥): وأمّا "تحمُّلُ نَقلِها" ففيه فصلان: أحدُهما: في نقلها عن مُعَيَّنَينِ. والثّاني: في نقلها عن غير مُعَيَّنَينِ. فأما الأوّل: فيجبُ أنّ يكونَ ممَّن ينقلُ عنه، متيَقِّنًا لما أُشهِد به، فإن شكِّ فيه أو نسِيَهُ لم يصحّ نقلهَا عنه، قاله مالك في "المجموعة".

стр. 3023

وأمّا لو سمعه ينصها, لم يَجُز أنّ بنقلها عنه (١)، كأدائها إلى الحاكم، ولو سمعه الحاكم ينصها ولم يؤدِّها عنده، لم يكن له العمل بها، فكذلك النّاقل لها عنه. ولو سَمِعَه يُشْهِد عليها غيرَهُ، ولم يشهد، فقد قال مالك: لا يشهد على شهادته وإن احتيج إليه، بخلاف المقرّ على نفسه. المسألة الخامسة (٢): قال علماؤنا (٣): وما يتّصل بالشّهادة الشّهادة على الخطِّ (٤)، فالمشهورُ من قول مالك: أنّه لا تجوز الشّهادة على خطِّه، رواه محمّد (٥) واختاره. ورَوى ابنُ القاسم وابنُ وهب عنه (٦) في "العُتبِيَّة" (٧) و"الموَازية" الجواز، ولا يجزئ فيها أقلّ من شاهِدَين يحلف الطّالب ويستحقّ حقه، قاله سحنون. وقال أَصبَغ (٨): الشهادةُ على خطِّ الشاهد الغائب أو الميِّت قويَّة في الحكم بها. واحتجّ محمّد للمنع: بأنّ الشّهادةَ على خطِّه بمنزلة أنّ يسمعه ينصّها، وذلك لا يُسَوِّغُ نقلَها عنه. فإذا قلنا بجوازها، فقد قال مُطَرِّف وابن المَاجِشُون (٩): إنّها تجوزُ في الأموال

стр. 3024

خاصّة، حيث يجوز اليمينُ مع الشَّاهد، وقاله أصبَغ. ووجه ذلك: أنّها شهادةٌ ناقصةٌ مختلف في صحّتها كاليمين مع الشّاهد. المسألة السّادسة (١): وأمّا الشّهادة على خطِّ المُقِرِّ، فقد قال محمّد: لم يختلف قولُ مالكٍ فيها، وقال: هي بمنزلةِ أنّ يسمعه يُقرّ، فتصحُّ شهادتُه عليه وإن لم يأذَن في ذلك. وقال ابنُ الجلابِ (٢):" فيها روايتان الجوازُ والمنعُ". فوجهُ المنعِ: ما قاله ابنُ عبد الحكَم: لا أرى أنّ يقضى بها, لِمَا أحدثَ النَّاسُ من الضرب على الخطوط، ومذهب مالك أنّه لا تجوزُ. فإذا قلنا بجوازها، فهل يلزمه اليمين معها أم لا؟ قال ابنُ الجلّاب (٣): "فيها روايتان: إحداهما: يحكم له بها وباليمين. والثّانية: لا يحكم له بذلك". المسألة السابعة (٤): وأمّا نقلها عن غير معيَّنَين، وهي الشّهادة على السَّمَاعِ، فهي جائزة عند مالك، وهي مختصَّةٌ بما تقادَم تقادمًا يبيد فيه الشهود وتُنسَى فيه الشّهادات. وقال: عبد الوهّاب (٥): "تختصُّ بما لا يتغيُّر حالُه ولا ينتقل ملكه، كالموت والنّسب والوقف" (٦). فأما "الموت" فإنّه يشهد فيه على السّماع فيما بَعُدَ من البلاد، وأمّا ما قَرُبَ فلا.

стр. 3025

مسألة (١): وأمّا "النَّسَب والوَلَاء " فقد اختلفَ (٢) قولُ مالك في شهادة السّماع في الوَلَاء والنَّسَب، فأكثرُ قوله وقول ابن القاسم: يقضَى له فيها (٣). مثل (٤) أنّ يقول: أشهدُ أنّ نافعًا مولى ابن عمر، يريد: إذا بلغ من التّواتر بحيث يقعُ به العلم، فيشهد على علمه ولا يُضيفُ شهادته إلى السّماع، وفي آخر المسألة قيل لابن القاسم: أَفَنَشهَدُ أنك ابن القاسم ولا نعرف أباك (٥) إِلَّا بالسَّماع؟ قال: نعم: يقطع بها، ويثبت بها النّسب. ولأن الشّهادة على السماع غير الشّهادة على العالم بالخبر المتواتر, لأنّ هذا فلان ابن فلان (٦). المسألة الثامنة (٧): قال الإمام: أمّا شهادةُ السَّماعِ، فإنها معلومةٌ، وهي على ضربين: خاصّةٌ فيما تسمَعُه وتشاهِدُه. وعامّةٌ فيما تستعُه ولا تشاهِدُه. وقد اختلفَ العلّماءُ في هذا القِسْمِ من شهادة السَّمَاع اختلافًا كثيرًا، بيّنّاه في

стр. 3026

"مسائل الخلاف" وما توسَّعَ فيها أحد من العلماء كتوسِعَةِ المالكيّة، وقد جمعناها على آرائهم، فألفيناها كثيرةً، الحاضرُ الآن في الخاطِرِ خمسةٌ وعشرونَ حُكْمًا: ١ - الأحباس. ٢ - الملكُ المتقادِمُ. ٣ - الوَلَاءَ. ٤ - النَّسَبُ. ٥ - الموتُ. ٦ - الوِلايةُ. ٧ - العُزلَةُ. ٨ - الجُرحَة (١). ٩ - الصَّدَقَةُ. ١٠ - الهِبَةُ. ١١ - الإسلامُ. ١٢ - الكُفرُ. ١٣ - الحَملُ. ١٤ - الوِلَادَةُ. ١٥ - التّرشيدُ. ١٦ - التّسفيهُ. ١٧ - البيعُ في حال الرّضَاعِ. ١٨ - النِّكاحُ. ١٩ - الطّلاق. ٢٠ - الضَّرَرُ.

стр. 3027

٢١ - الوَصَايَا. ٢٢ - إبَاقُ العَبدُ. ٢٣ - الحُريَّةُ. ٢٤ - الحِرَابَةُ. ٢٥ - *وزاد بعضهم: البُنُوَّةُ والأُخُوَّةُ*. وقد مهّدنا ذلك تأصيلًا وتفصيلًا وتفريعًا في "كتب المسائل" فهذه كلّها تجوزُ شهادةُ السّماعِ فيها إنَّ شاء الله. حديث: قوله (١): "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَصم وَلَا ظَنِينِ" رُوِيَ عن يزيد بن سنان عن عُروة عن عائشة ترفَعُه قالت: "لَا تَجُوزُ شَهادةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ في وَلَاءٍ وَلَا قَرَابَةٍ، وَلَا القَانِعِ مَعَ أَهلِ انبَيتِ لَهُم" (٢) وأصحُّها حديث عمر البلاغ في "الموطَّأ" قوله: "ولَا تَجُوزُ شَهَادَة خَصمٍ وَلَا ظَنِينٍ". الإسناد: قال الإمام: قد بيَّنَّا أنّ حديث عُمَر بلاغٌ، ولكنه صحيحٌ مُسنَدٌ من طُرُقٍ (٣). (٤) العربيّة في خَمسَةِ ألفاظٍ: الأوّل: قولُه: "خِصْم" يقالُ بفتح الخاء وكسرها، فإذا كان بالفتح، فهو أحد الخَصمين، ويقال ذلك للاثنين والجمع، قال الله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ

стр. 3028

تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ﴾ الآية (١)، وإذا كان بالكسر فهو بمعنَى الخِصَامِ والمجادلة. اللّفظ الثّاني: قولُه: " وَلَا ظنِينِ": وهذا (٢) يدخلُ في وُجوهٍ شتَّى: منها: الظَّنِينُ في حالة بغير الصّلاح. وقيل: هو الّذي يُتَّهَمُ في الدّعاوى، مثل أنّ يدعى إلى غير أبيه، أو المتوالي إلى غير وإليه، وقد يكون الّذي يُتَّهَم في شهادته لقرابته كالوالد للولد (٣). وقيل (٤): هو المُتَّهَم في دِينِه. اللّفظ الثّالث: قولُه في الحديث الثّاني: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خائِنٍ وَلَا خائِنَةٍ وَلَا ذِي غِمرٍ عَلَى أَخِيهِ". أمّا قولُه: "خَائِن" فإنّ الخيانة تدخل في أشياء كثيرة سوى الخيانة في المالِ، منها أنّ يُؤمن على فَرجٍ فلا يؤدي فيه الأمانة، وكذلك إنِ استودع سرًّا. ومنه أيضًا قولُه: "إِنَّما تُجَالَسُونَ بالأمَانَةِ" (٥). اللّفظ الرّابع: أمّا قوله: "وَلَا ذِي غِمرٍ عَلَى أَخِيه" فإن الغمرة الشّحناء والعَدَاوة، فإذا كان هذا، فللرجل أنّ يُوَكِّل الخَصم للكلام، وهذا هو الّذي لا تجوز شهادته لأجل مُخَاصَمَتِهِ. اللّفظ الخامس: قوله: " وَلَا القَانِع من أَهلِ البَيتِ لَهُم" فإنّه الرجُلُ يكون مع الرَّجُلِ كالجارِ لهم، والقانع يطلب فضله. قال الإمام: ويتركّب على هذا الحديث من الفقه إحدى وعشرون مسألة:

стр. 3029

المسألة الأولى: فيمن تجوز شهادته ومن لا تجوز وشهادة الوَالِد لولَدِه والوَلَد لوَالِدِه، قال جماعة: تبطلُ شهادةُ بعضهم لبعضٍ، وأَبطَلَ ذلك مالك (١)، والشّافعيّ (٢)، والنّخعي، وأبو حنيفة (٣)، وأحمد (٤)، وسفيان الثّوريّ. وأجازت طائفةٌ شهادة الوَالِد للوَلَد، والوَلَد للوَالِد، بظاهر قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥) وهو مذهب عمر بن الخطّاب، وعمر بن عبد العزيز، وإسحاق، وأبي ثور. وأجاز إيّاس بن معاوية شهادة الرَّجُل لابنه. وذكر الزّهريُّ قوله (٦): ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ﴾ الآية (٧)، والصّحيح من المذهب أنّه لا يجوز ذلك لواحدٍ منهم (٨). المسألة الثّانية: شهادة الإخوة والأخوات والقرابات بعضهم لبعضٍ فقال مالك: لا تجوزُ شهادةُ الأخِ لأخيه في النَّسَبِ، وتجوزُ في الحقوق (٩). وأجمع عوامّ أهل العلم أنّ شهادةَ الأخِ لأخيه جائزةٌ إذا كان عَدْلًا. وقال أصحاب الرّأي: شهادةُ العَمِّ والخال جائزةٌ، وكذلك شهادة الرَّجل لأبيه وابنه من الرّضاعة. فأما مالك فقال: لا تجوزُ شهادةُ الأخِ لأخيه في النَّسَبِ.

стр. 3030

المسألة الثّالثة: شهادة الزّوج لزوجته والمرأة لزوجها اختلف العلّماءُ في شهادة الزّوجين كلُّ واحدٍ منهما لصاحبه، فأجاز ذلك الحَسَنُ البصريّ، والشّافعيّ (١)، وأبو ثور. وأجاز شُرَيح شهادة زوجٍ وأبٍ. وقال مالك (٢) والشّافعيّ (٣) وأحمد (٤) وإسحاق: لا تجوز شهادة واحدٍ منهما لصاحبه. وهو الصّحيح عندي، لقوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ (٥). المسألة الرّابعة: في شهادة الشّريك لشريكه وقد اختلفَ العلّماءُ في هذه المسألة، فقال قوم: لا تجوز شهادة الشّريك لشريكه، وهذا قول الشّافعيّ (٦) وأحمد (٧) والنّعمان (٨). قال الإمام: أمّا ما كان من حال الحدود والقِصاص والنِّكاح؛ فإن هذا ليس من التّجارة ولا المشاركة في شيءٍ، وإنّما يبعد تجويزها فيما قد اشتبكا فيه، أو فيما هما فيه شريكان، والله أعلم. المسألة الخامسة: في شهادة البدويّ على القَرَوِيِّ وقد ثبت الحديث عن النّبيّ ﷺ أنّه قال: "لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ قَرَويِّ عَلَى صَاحِبِ قَريةٍ" (٩).

стр. 3031

واختلفوا في شهادة البَدويّ على الحَضَريّ أو على القرويّ. فقالت طائفة: شهادتُهُ جائزةٌ إذا كان عَدلًا على ظاهر قوله تعالى: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية (١)، هذا قول ابن سِيرِينَ والشّافعيّ (٢) وأبي ثور، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه (٣) إذا كان عَدلًا بظاهر الآية. المسألة السّادسة: في شهادة ولَد الزِّنا وهي مسألةٌ اختلفَ العلّماءُ فيها، فقالت طائفة: يجب قَبُولها إذا كان عَدْلًا على ظاهر قولِهِ: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية (٤)، هذا قول عَطَاء بن أبي رباح (٥)، والحسن، والشّعبيّ (٦)، والزُّهريّ، والشّافعيّ (٧)، وأحمد (٨)، وإسحاق، وأبي حنيفة وأصحابه (٩)، وأبي عُبَيدٍ. قال الإمام: وكذلك نقول بالجواز إذا كان عَدلًا. وقالت طائفة: لا تجوز شهادته، كذلك قال نافع مَولى ابن عمر، وبه قال اللَّيث في الشّهادة في الزِّنا إذا كانوا أربعة: أحدهم ولد زنًا، قال: تُرَدُّ شهادتُهُم ولا حدَّ عليهم. وقال مالك في ولَدِ الزِّنا: إنّه في شهادته بمنزلة رجلٍ من المسلمين، ولا تجوز شهادته في الزِّنا خاصّة (١٠).

стр. 3032

المسألة السّابعة: في شهادةِ العَبدِ فقالت طائفة: شهادتُهُ كشهادَةِ الحُرِّ إذا كان رِضىَ، لدخوله في جملة قوله: ﴿مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ﴾ الآية (١)، ورُوِيَ هذا القولُ عن عليّ (٢)، وبه قال أنس بن مالك وقال: ما علِمتُ أنّ أحدًا رَدَّ شهادةَ العبدِ (٣). وقال الشّافعيّ (٤): تجوز شهادتُهُ في الشّيءِ اليسيرِ، وقد تقدّم الكلام عليه أنّ من شروطه الحريّة. المسألة الثّامنة: في شهادة الأعمى وهي مسألة خِلَافيّة جدًّا! فقال مالك (٥) وجماعة منهم الزّهريُّ (٦)، والشعبي (٧): إنَّ شهادته جائزة. وقال الشّافعيّ (٨): لا تجوز. والعارضة فيها أنّ نقول (٩): إذا ثبت أنّ الشّهادةَ تقفُ على العِلْمِ؛ فإنّ الله تعالى جعل الحواسَّ طريقًا إليه. فأمّا البصَرُ فهو أخو البصيرة، يكشفُ جُمَلًا من المشاهداتِ، وُيلقِي إلى القلب فنونًا من المعلومات بواسطة الألوانِ، ويعضُدُ السّمعَ

стр. 3033

كما يعضُدُه، وَيستَرفِدُ كلُّ واحدٍ منهما أخاه فَيُرفِدُهُ، فإن عُدِمَ أحدُهما، فإنْ كان المعدومُ هو السّمعَ، فلا خلافَ في جوازِ الشّهادةِ بما يُلقِيه البصرُ. فإن عُدِمَ البصرُ؛ فإنّ النَّاس قد اختلفوا في شهادةِ ما يُلقِيهِ السّمعُ؛ فجمهورُ العلّماءِ على أنّ شهادةَ الأعمى جائزةٌ. وقال أبو حنيفةَ (١) والشّافعيّ (٢): لا تجوزُ شهادةُ الأعمى لاشتباه الأصوات ووجود المحاكاة الّتي يَعْسُرُ الفصلُ فيها إِلَّا على من عَاينَ المُحَاكِيَ والمُحَاكَى، وهي مسألةٌ عسيرٌ: جدًا تهاونَ العلّماءُ بها، وهي معضلةٌ، وقد بيّنّاها في "مسائل الخلاف" واعتَضَدَ العلّماءُ القُدَماء والمُحدَثُون بقول النّبيّ: "فَكُلُوا وَاشرَبُوا حَتَّى يُنَادِيَ ابْنُ أُمِّ مَكتُومٍ" (٣) فربطَ النّبيُّ ﷺ الحِلَّ والحِرمَة بسَمَاعِ الصّوتِ المَعْهُودِ، وفرَّقَ علماءُ الحنفيّةِ بينهما بفرقٍ عظيمٍ، وهو أنّ الأذانَ ليس بمَوْضِع للتَّلَبُّسِ والحِيلَة، والشّهادةُ مَعدِنُ ذلك. وقال علماؤنا: الْمُحَاكَاةُ الّتي يَعسُرُ الفرقُ فيها، إنّما تكونُ في الكلمة والكلمتين، وأمّا سَردُ القولِ، فلا يكادُ يَخفَى الفرقُ بين التّحكيةِ والحقيقةِ، ولذلك يقالُ للأعمى: لا تَقنَع في تحَمُّلِ الشّهادة بِقَول: نعم، حتّى تُوصَفَ المسألةُ بأن يقول: بايَعتُ، ونَكَحتُ، فحينئذٍ يرتفِعُ اللَّبسُ ويظهَرُ الفَرْقُ.

стр. 3034

المسألة التّاسعة: في شهادة الأجير والصّديق والوكيل قال جماعة: لا تجوزُ شهادةُ الأجيرِ إذا استأجَرَهُ، وبه قال الأوزاعي (١) وأصحابُ الرّأي (٢). وقال الإمام: لا تجوز شهادة الأجير لمن استجأره (٣) فيما يتولّى قبضه الأجير، وشهادته جائزةٌ له فيما لا يتولّاه الأجير ولا يلي قبضه، وهذا يُشبِهُ مذهب الشّافعيّ، وشهادةُ الوكيلِ للذي وكَّلَهُ بمنزلة شهادة الأجير. وأمّا شهادة الصّديق لصديقه فذلك جائزٌ في قول الشّافعيّ (٤). وقال مالك وأبو ثور: إنَّ شهادةَ الرَّجُل الملاطف بصِلَةٍ وبعطف لا أرى شهادته جائزة، وإذا كان لا يناله معروفه فأرى شهادته جائزةً (٥). المسألة العاشرة: في شهادة الأخرس اختلفَ العلّماءُ فيها: فكان مالك يقول: إذا كانت شهادته تفهم فشهادتُه جائزةٌ، وطلاقُه يجوزُ إذا كَتَبَهُ بيَدِهِ (٦)، وذكر الْمُزَنَيُّ أنّ هذا قياسٌ على قول الشّافعيّ (٧).

стр. 3035

وقال أصحاب الرّأي (١): لا تجوز شهادته حتّى يتكلّم. قال الإمام: شهادَتُهُ جائزةٌ إذا كانت تُفهَم بالإشارة استدلالًا؛ لأنّ النّبيّ ﷺ صلّى وَهُوَ جَالِسٌ وَهُم قِيَامٌ، فَأشَارَ إِلَيهِم أنّ اجلسُوا (٢)، فَفَهموا عنه إِشارتَهُ. المسألة الحادية عشرة: في شهادة الأحلف (٣) وقد اختلفَ العلّماءُ فيها. فرُوِّينا عن عليّ وابن عبّاس أنّهما قالا: لا تجوز شهادتُه. قال الإمام: ولا يصحّ ذلك عن أحد منهما. وقال الحسن البصري: شهادتُه وصلاتُه مقبولة. المسألة الثّانية عشرة: في شهادة المختفي (٤) فقال قوم بتجويز ذلك (٥)، ومنع منه قومٌ، وقد تقدّم بيانُها. المسألة الثّالثة عشرة: في شهادة أهل الأهواء واختلفَ العلّماءُ في قَبُولها؛ فرأت طائفةٌ رد شهادتهم، وممَّن رأى ذلك أحمد (٦)، وإسحاق، وأبو ثور، وردّ شَريك شهادة يعقوب، فقيل له في ذلك، فقال: أربعة لا تجوزُ شهادتُهُم: رجل يزعمُ أنّ له في الأرض إِمَامًا مفترض طاعته، وخارجيٌّ يزعمُ أنّ الدُّنيا دار حَربٍ، وقَدَرِيٌّ يرَى أنّ المشيئَةَ إليه، ومرجىءٌ (٧). وقال أحمد: لا يعجبني شهادة الجهميّة والرّافضة والقَدرِيَّة (٨). وقال مالك: لا تجوزُ شهادة القدريَّة.

стр. 3036

وأجاز قومٌ شهادة أهلِ الأهواء إذا لم يستحلّ الشّاهد منهم شهادة الزُّور، وهذا قول ابن أبي ليلى (١) وسفيان الثّوريّ والشّافعيّ (٢). وقال الشّافعيّ (٣) أيضًا: لا تردُّ شهادة من أخذ بشيءٍ من التَّأويل. المسألة الرّابعة عشرة: في شهادة الشّعراء وللعلّماء في هذه المسألة أقوال: أجازها قومٌ؛ لأنّ كلام الشّعراء حِكمَةٌ ثبت عن النّبيِّ ﷺ أنّه قال: "إِنَّ مِنَ الشِّعرِ لحِكمَةٌ" (٤). فدلّ قوله على هذا أنّ من تكلّم بالحِكمَة وقالها قُبلَت شهادَتُه. وقال الشّافعيّ (٥): "الشِّعرُ كلامٌ حَسَنُه كحَسَنِ الكلام، وقبيحُهُ كقبيحِ الكلام، فمن كان من الشُّعراءِ لا يُعرَفُ بنقص المسلمين ولا يتعرَّض للكذب لم تردّ شهادته". وعلى هذا المذهب، وأمّا إذا تعدّى في القول ويُعرَف بهَجوِ النَّاس، لم تُقبَل شهادته، ويُؤَدَّبُ إذا تعرّضَ لذلك. المسألة الخامسة عشرة: في شهادة اللاعب بالشّطرنج والنَّردِ قال مالك (٦): أمّا مَنْ أَدْمَنَ اللَّعِب به، أرى شهادته ضلالة؛ لأنّه من الضَّلالِ، قال الله تعالى: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ (٧). (٨)

стр. 3037

وقال الشّافعيُّ (١): "لا نُحبُّ اللّعب بالشّطرنج وهو أخفّ من النَّردِ"، ومن لعب بشيءٍ من هذا على الاستحلال وغَفَل به عن الصّلاة لم تُقبَل شهادتُه، وقد رُوِّينَا في ذلك حديثًا، قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ لَعِبَ بِالنَّردِ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ" (٢). المسألة السّادسة عشرة: واختلفَ العلّماءُ في شهادةِ القُرَّاءِ بالأَلحانِ، وأحبّ إِلَيَّ ألَّا تجوز، وقد قال أبو الوليد (٣): "لا تقبل شهادة القرّاء بعضُهُم لبعضٍ فإنّهم يتحاسدون فهم كالضّرائر". المسألة السّابعة عشرة (٤): في شهادة البخيل الّذي ذَمَّه الله ورسولُه فقيل: هو الّذي لا يؤدّي زكاةَ ماله. ومن أداها فليس ببخيل ولا تردُّ شهادتُه. وقال بعض أصحابنا: تُرَدذُ شهادتُه لأنّه ساقط المروءة، وذلك يمنعُ من قَبُولِ الشّهادة. وكذلك ما كان من العبادات على الفور (٥)، وأمّا ما كان على التّراخي فإنّه لا تبطل شهادته حتّى يترك ذلك مدّة يغلب على الظَّنِّ التّهاون بها مع تَمَكُّنِهِ من أدائها. المسألة الثامنة عشرة: في شهادة المولى عليه (٦) إنَّ كان عَدلًا فشهادته جائزة (٧)، وكان الحسن والشّافعيّ يقولان في قوله: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا﴾ الآية (٨) قالا: صلاحًا لدينِه وحفظًا لمالِهِ (٩).

стр. 3038

المسألة التّاسعة عشرة: في شهادة المجنون أجمعَ أهلُ العلم أنّ شهادتَهُ جائزةٌ إذا أفاقَ من جُنونه وعقل، وهو مذهب مالك (١) والشّافعيّ (٢). المسألة الموفى عشرين: في شهادة اللّاعب بالحمام. فكان شُرَيْح لا يُجِيزُ شهادَتَهُ. وقال أصحاب الرّأي (٣): لا تجوز شهادة اللّاعب بالحمام، ولا الّذي يُطَيِرُهُنَّ ولا لجامع الطّير المسجونة. المسألة الحادية والعشرون: في شهادة مُتَّخِذ القِينَات قال الشّافعيّ (٤): إذا اتّخَذَهَا للهو والإعلان فهو بمنزلة السَّفِيهِ لا تُقبَل شهادتُه. المسألة الثّانية والعشرون: في شهادة شارب الخّمْرِ يتوبُ أو هو مقيمٌ عليها قال علماؤنا: إذا كان الرَّجلُ ممّن يشربُ الخمرَ الحرام حتّى يسكر، ثمّ يتوب فيشهد، فشهادته جائزة (٥). واختلفوا فيمن يشرب مسكرًا متأوِّلًا أو غير متأوِّلٍ. فكان الشّافعيّ يقول (٦): "مَنْ شربَ من الخّمْرِ شيئًا وهو يعرفُها خمرًا فهو مردودُ

стр. 3039

الشّهادة؛ لأنّ تحريمها نصّ في كتابُ الله أسكَرَ أم لم يسكر". وقال الحسن في السّارق إذا قُطِعت يده والزاني والسّكران إذا أُقيمَ عليهما الحدّ: إنَّ شهادتهم جائزة إذا كانوا عدُولًا، وهو مذهب مالك (١) والشّافعيّ وأحمد وإسحاق وأبي ثور، خلافًا لأهل العراق، ولهذا قال مالك في "كتابه" وبوّب فقال: باب القضاء (٢) في شهادة المحدود قال الإمام: وإنّما خَصَّ مالك هذه التّرجمةَ والتي بعدَها وهي: "القَضَاءُ باليمينِ مع الشّاهِد" دونَ سائرِ مسائلِ الشّهاداتِ، لمُكَابرةِ أهل العراق* فيهما القرآنَ والسُّنَّةَ (٣)، وتعلّق أهلُ العراقِ في* ذلك بقوله : ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾ (٤)، واعتمدَ مالك في "الموطَّأ" (٥) وغيرِه على قوله تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ الآية (٦). وقال أبو حنيفةَ: إنّما تُفيدُ التّوبةُ المغفرةَ والرّحمةَ الّتي وَعَدَ اللهُ بها، فأمّا ردُّ الشّهادة فلا تُسقِطُهُ التَّوبةُ كما لم تُسقِطِ الجَلدَ، ولو رَجَعَ قولُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآية (٧)، إلى ما تقدَّم لأسقطتِ التّوبةُ الحدَّ والرَّدِّ معًا، والبارىءُ تعالى قد جعلَ الرَّدِّ مؤبَّدًا.

стр. 3040

قلنا له: يا أبا حنيفةَ، أنتّ أوّلُ من نقَضَ هذا، فلا يمكُنكَ أنّ تتقوَّى به، قال النّبيُّ ﷺ : "المُتَلَاعِنَانِ لَا يَجتَمِعَانِ أَبَدًا" (١)، وقلتَ أنتَ: إذا أَكذَب نفسَهُ ردَّها، فكيف رَاعَيتَ الأبَديَّة في القَذفِ ورَدَدتَها في اللِّعان، واللَّفظُ واحدٌ؟! وهذا ما لا جوابَ له عليه، وقد مهّدنا ذلك في "مسائل الخلاف". القضاء باليمين مع الشّاهد قال الإمام (٢): عوَّلَ مالك في هذا الباب على حديث أبي جعفرٍ محمّد بنِ علىٍّ المُرسلِ (٣)، وعلى قضاءِ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ الّذي عَهِدَ به (٤). الإسنادُ (٥): قال الإمامُ: الصّحيحُ أنّ هذا الحديثَ مُرْسَلٌ (٦)، وأَسنَدَهُ غيرُه (٧) عن جعفر بن محمّد، عن أبيه، عن جابر بن عبد الله، عن النّبيِّ ﷺ أنّه قضّى بالشّاهد مع اليمين (٨).

стр. 3041

الأصول (١): اعلموا - رحمكم الله- أنّه ما أطنبَ مالك في مسألةٍ كإطنابه في هذه المسألة، فلقد سلَكَ فيها طريقَ الجِدَالِ، وكَثَّر الأسئلَةَ والأجوبةَ، وأفاضَ في ضرب الأمثالِ، والتّفريقِ بين مِثَالٍ ومِثَالٍ، وتحقيقِ الفرقِ بين الأصلِ والتّوابعِ. وظهَرَ له في ذلك عِلمٌ عظيمٌ من الأصول والأحكام، بما يتفقّه به جميع الطَّوائف. وأمّا متعلَّقُ الخَصم في إسقاطِ الشّاهِدِ واليمينِ، فظاهر البدَايةِ، قال الله تعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ الآية (٢)، وقال ﷺ : "شَاهِدَاكَ أَو يَمِينُهُ" (٣) وهذا لا غُبَارَ عليه قرآنأوخَبَرًا، ونحنُ لا نُنكِرُ هذا ولكنّا نَدَّعِي زيادةً، فإنا نقول: في ذلك ثلاثُ طُرُقٍ (٤): الطريقة الأوُلى- وهي أقواها -: إجماعُ أهل المدينة على نقل ذلك ثَبتَ عنِ النّبيّ ﷺ وعن الخُلَفَاء بعدَهُ. وهو ما لا حُجَّة لهم عليه؛ لأنّه مهما اختلفَ النّاسُ في إجماعِ أهلِ المدينةِ من طريقِ النَّظَرِ، فليس يَقدِرُ أحدٌ على اعتراضِ ما يجتمعونَ على نقله من طريقِ الأَثَر، وهذا قويٌّ جدًّا في النَّظَرِ (٥). الطريقة الثّانية: في سَردِ الأحاديث الواردة في ذلك وقد وردَ في ذلك أحاديثُ كثيرةٌ في المصنَّفَاتِ والمُسنَدَاتِ، وجَمَعَ في ذلك

стр. 3042

الدّارَقُطنىُّ وأبو بكر البغدادي (١) جُزءَينِ عظيمين، خَرَّجا فيهما هذا الحديث عن بضعة عشر من الصّحابة بأسانيدَ كثيرة، وقد رَوَى مسلمٌ (٢) والأيِمّةُ (٣) أنّ النّبيّ ﷺ "قَضَي باليّمِينِ معَ الشَّاهِدِ الْواحِدِ" وخرَّجَ التّرمذيّ (٤): "يَمِينٌ وشاهِدٌ" وخَرَّجَ الدّارقطني (٥) عن عليّ (٦) أنّ رَجُلًا خاصَمَ عبد الله في حَقٍّ، فأَنكَرَ الزُّبَيْر، فَسأَلَ النّبيُّ ﵇ الزُّبَيْرَ البَيِّنَة عَلَى ما ادَّعاهُ، فَقالَ لَهُ: عِندِي في ذلِكَ سَمُرَة نجن جُندُب وَرجُلٌ آخَر، فَأَمَّا سَمُرَة فَلَم يَشهَد، وَأَما ذَلِكَ الرَّجُل الآخر فَشَهِدَ، فَحَلَّفَ النّبيُّ الزُّبَيرَ وأَثبَت حَقهُ. الطريقة الثّالثة: وهي مَعنَوِيَّةٌ قال علماؤنا: قال النّبيّ ﷺ : "لَو أُعطِيَ النَّاسُ بِدَعوَاهُم لادَّعَى قومٌ دِماءَ قومٍ وَأموالَهم، وَلكِنّ البَيِّنَة عَلَى مَنِ ادَّعَى واليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنكَرَ" (٧) والحكمةُ في ذلك بَيِّنَةٌ، فإنّ قولَ المتداعيين قد تعارضا وتَسَاوَيَا، وليس قبُول أحدِهما أَوْلَى من قبُولِ الآخر، فشرعَ اللهُ التَّرجيحَ، ولهذا قال علماؤنا: لا يكونُ الشّاهدُ واليمينُ إلّا في الأموال وما جَرَى مجراها؛ لأنّ النّبيّ ﷺ إنّما قَضَى به فيها، ولم يَقوَ القوّةَ الّتي تُراقُ بها الدِّماءُ وتقامُ بها الحدودُ؛ فإنّ هذه معانٍ تسقُطُ بالشُّبهةِ، والشُّبهةُ بالشَّاهدِ واليمين قائمةٌ، فاقتُصِرَ بها على مَورِدِهَا وهي الأموال.

стр. 3043

وقال أبو حنيفةَ (١): لا يجوزُ القضاءُ باليمين مع الشّاهد. ودليلُنا: حديث عمرو بن دينار، عن ابنِ عبّاس؛ أَن النّبيّ ﷺ : "قَضَى بِاليَمينِ مَعَ الشَّاهِدِ" خَرَّجه مسلم (٢). وقال أبو عبد الرّحمن النَّسَوِيّ (٣) فيه: "هذا إسنادٌ جيدٌ". فإن قيل: يحتملُ أنّ يكون إنّما حَكَمَ في ذلك بشهادة خُزَيمَة الّذي جعل شهادته شهادة اثنَين، ولذلك سُمِّيَ ذا الشّهادتين. الجوابُ: أنّه يصحّ أنّ النّبيَّ ﷺ لم يجعل شهادته لغيره كشهادة اثنين، وهذا إذا ثبت حُكم ذلك اختصَّ بالنَّبىِّ كما اختصَّ في أنّ يكون الحَكَم ويسمع البَيِّنَات فيما ادّعى عليه؛ لأنّه إنّما شهد له بما سَمِعَ. باب القضاء في الدّعوى الأصول (٤): قال الإمام: قد تقدَّمَ من قولنا التّصديرُ بالأحاديث الواردةِ فيها؛ كقول النّبيِّ ﷺ : "البَيِّنَةُ عَلَى المُدَّعِي وَاليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنكَرَ" (٥)، وقال النّبيُّ ﷺ : "شَاهِداكَ أَو يَمينُهُ" (٦)،

стр. 3044

وروى مسلم في "صحيحه" (١): "اليمِينُ عَلَى نِيَّةِ المُستَحلِفِ"، وفي لفظٍ آخر (٢): (عَلَى ما يُصَدِّقُكَ فِيهِ صاحِبُكَ". فأمّا البيَّنة، فهي لإثبات الحقِّ، وأمّا اليمينُ، فهي لرَفعِ التُّهمةِ، حَسَبَ ما بيّنّاه في البيوع، وَوَفَّى القاعدةَ مالك ﵀، وحقَّقَ النَّظَرَ فيها دون سائرِ العلّماءِ، فقال: إنَّ اليمينَ لا تتوجَّهُ بمجرَّدِ الدَّعوَى حتَّى تَقتَرِنَ بها شُبهةٌ، وذلك مُستَمَدٌ من قاعدةِ صِيانَةِ العِرضِ؛ لأنّ الرَّجُلَ يدَّعي على الرّجُلِ ليُلَوَّثَهُ باليمين، وصيانَةُ العرض على الحقيقةِ، والتُّهمةِ وَاجِبَةٌ كما هي في الدَّمِ والمال. الفقه في مسائل: المسألة الأوُلى (٣): قوله (٤): "إنَّ كانَت بَينَهُمَا مُخالَطَةٌ" هذا مذهب عمر بن عبد العزيز والفقهاء السَّبعة، وبه قال مالك (٥). وقال أبو حنيفة (٦) والشّافعيّ (٧): يستحلف المُدَّعَى عليه من غير إثبات خلطَة. ودليلُنا: أنّ مجرَّدَ الدَّعوَى لا يُثبتُ حكمًا إلّا لضرورة، والاستحلاف مضرّة تلحقه (٨)، فلا يجوز أنّ يُؤذَى باليمينِ بمجرَّدِ دَعوَى المدَّعِي، إلّا أنّ يكون من

стр. 3045

الأمور الّتي تقع كثيرًا من غير مخالطةٍ، ولذلك تأثيرٌ في الشَّرع، ولذلك تُقبَل شهادةُ الصِّبيان في القتل، لمّا كان يتعذَّر إثبات ذلك بشهادةِ العُدُولِ، وفي هذا ثلاثة فصول: الفصلُ الأوّل: في الدَّعاوى الّتي تعتبر فيها الخلطة ، والثّاني: في تفسير معنى الخلطة، والثّالث: فيما تثبت به الخلطة. الفصل الأوّل في الدّعاوى الّتي تعتبر فيها الخُلْطَة* ما تُعتبر فيه فهو المداينة وادِّعاء دَين من مُعاوَضَةٍ، وفي "الموَازية": وكذلك إنِ ادَّعَى عليه كفالة بحقّ، فلا يلزمه، ويحلِّفه إنَّ لم يكن بينهما خلطة. ووجهه: أنّ الكفالة نوعٌ من المُعاوَضَة، مبنىٌّ على المشاحّة بين الكفيلِ ومَن تَكَفَّلَ له، فأَشبَهَ البيع. ويندرجُ في هذا الفصل فروعٌ كثيرةٌ، منها: أنّ من أوصَى أنَّ لي عند فلان كذا، حلف (١) من غير إثبات خُلطة، رواه في "العُتبيّة" أَشهَب (٢) وابن نافع (٣) عن مالك، وقاله ابن كنانة، وقال: إنَّ الميِّت أقرب ما يكون إلى الصّدق عند موته (٤). فرع آخر: ومن ادعّى ثوبًا بيدِ إنسانٍ أنّه له، فاليمينُ على المدَّعى عليه؛ لأنّه ليس كلّ من له ثوب أو عَرْض يمكنه إثباته بالبيَّنَة، ولو احتِيجَ إلى ذلك لتعذَّرَ حفظ الشُّهود له

стр. 3046

وضبطهم لذلك، فيؤدِّي ذلك إلى إبطال الحقوق، فلذلك يثبت فيه اليمين بغير خُلْطَةٍ. فرع آخر: والصُّنَّاعُ يتعيَّن عليهم اليمين لمن ادَّعى عليهم في صناعتهم دون إثبات خلطة، قاله يحيي بن عمر، وقال: لأنّهم نصبوا أنفسهم للناس، وكذلك التّجار، غير أنّ الفرق بينهما أنّ الصُّنَّاعُ نصبوا أنفسهم لمّا يُوجِبُ عليهم المطالبة بالعمل والمعمول خاصّة، دون أنّ يكون لهم على أحدٍ مطالبة بمثل ذلك. قال علماؤنا (١): وانّما تجبُ اليمينُ في الدَّعَاوى مع تحقيقها وتحقيق الإنكار، ولو قال: أظنَّ أنّ لي عليك حقًّا أو كذا، لم يلزمه يمين، وكذلك من قال: أظنُّ إنِّي قضيتُك حقَّك، لزمه أداؤه، ولا يمين على الطّالب حتّى يحقّق يمينه، قاله في "الموازية". فرع آخر: فإذا لم تكن خلطة، إلّا أنّ المدَّعَى عليه مُتَّهَمٌ، فهل يجب عليه يمين بمجرَّد الدَّعوَى؟ قال سحنون: يُحَلَّفُ، والمشهور من المذهب المنع من ذلك، واحتج بأنّ للتُّهمةِ تاثيرًا في الأحكام؛ لأنّ مالكًا قال في امرأةٍ ادّعت أنّ رجلًا ممَّن يُشارُ إليه بالخَير استكرهها أنّها تُحَدُّ، وإن وإن لا يُشارُ إليه بذلك نَظَرَ الإمامُ فيه، فالتُّهمةُ تُوجِبُ ما تُوجِب الخلطَة. قال الإمام: ووجه القول الثّاني: أنّ حُكمَ العدلِ والفاجرِ في الأَيمَانِ الَّتي تتحقَّقُ فيها الدّعاوى سواء، وإنّما يختلفان في يمين التّهمة، واللهُ أعلمُ. الفصل الثّاني في تفسير معنَى الخُلْطَة أمّا الخُلْطَةُ، فروى أَصبَغُ عن ابنِ القاسم في "العُتبيَّة" (٢) قال: "هي أنّ يُسالِفَهُ

стр. 3047

فيبيعُه ويشتري منه" وكذلك قال سحنون (١): ولا تكون الخُلْطَةُ إلّا بالبيعِ والشّراء (٢)، ولا تثبتُ بينهما الخُلْطَة بكونهما في السُّوق (٣)، ولا الاجتماع في المسجد للصّلاة والأُنس والحديث. الفصل الثّالث وأمّا ما تثبت به الخُلْطَة، فإقرارُ المدَّعى عليه بها، أو ببينة تَشهَدُ بها، قاله محمَّد. وأمّا من أقام شاهدًا بالخُلطَة؟ ففي "المجموعة" عن ابن كنانة: أنّ شهادة رجل وامرأة تُوجِبُ اليمينَ أنّه خليطه (٤). ورُوِيَ عن ابنِ القاسم (٥) في "المدنيّة" مثله في الشّاهد. وقال محمّد: إذا أقام بها شاهدًا، حَلَفَ المدَّعي معه وتثبت الخُلّطَة، ثمّ يَحْلِفُ حيئنذٍ المدَّعَى عليه. باب ما جاءَ في الحنثِ على مِنْبَرِ النبيّ ﷺ - قال الإمام: الأحاديثُ في ذلك كثيرة: الأوّل: ثبت في الصّحيح أنّ رسولَ اللهِ ﷺ قال: "مَنِ اقتَطَعَ حَقَّ امرِىءٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ، حَرَّمَ اللهُ عَلَيهِ الجَنَّةَ، وَأوجَبَ لَهُ النَّارَ" (٦).

стр. 3048

وصح في الخَبَرِ؛ أنّ الكِبائر: الإشراكُ باللهِ واليمينُ الغَمُوسُ (١). وقال: "مَنْ حلَفَ عَلَى مِنبَرِي" الحديث (٢). و"الغمُوسُ" هي الّتي تغمسُ صاحبها في النّار. قالوا (٣): "وِإنْ كانَ شَيئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللهِ؟ قالَ: وِإنّ كانَ قَضِيبًا من أَراكٍ. قالَها ثَلاثًا" الأصول (٤): قال الإمام: اختلفَ علماؤنا المتكلِّمون في هذا النّوع على قولين: ١ - أحدهما: أنّ الوعيدَ ليس من بابِ الخَبَرِ، فلا يقال لمن رجع عنه كاذب؛ ولذلك قال الشّاعر (٥): وإِنِّي وَإِنْ أَوعَدْتُهُ أَو وَعَدتُهُ ... لَمُخلِفُ إِيعَادِي ومُنجِزُ مَوْعِدِي فمدح نفسَهُ بإخلاف الوعيد، ولو كان ذلك كذبًا لَمّا مدَحَ به نفسه، فعلى هذا، الوعيدُ متوجِّه إلى كلِّ عاصٍ. ٢ - وقيل: إنّه من باب الخبر وإنّ الخلْفَ فيه ضربٌ من الكَذِب، وذلك مُحالٌ في صفة البارئ تعالى، فهذا الوعيدُ متوجّهٌ إلى كلِّ من عرف البارئ تعالى أنّه لا يغفر له، دون من أراد العفوَ عنه، وقد قال تعالى: ﴿فَعَقَرُوهَا فَقَالَ تَمَتَّعُوا فِي دَارِكُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ذَلِكَ وَعْدٌ غَيْرُ مَكْذُوبٍ﴾ (٦)، وقال: ﴿كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا

стр. 3049

نَبِيًّا﴾ (١) فوصفَ الوعدَ بالصِّدق والكذب. تحقيق: واعلم أنّ النَّاس في هذا الباب طوائف: الأُولى: الوَعِيدِيَّةُ، فإنّها تعلّقت بظواهرِ الآياتِ والآثارِ، وهذا هو الّذي دَعَا سالِفَةَ علمائنا المتكلِّمين -رحمة الله عليهم- إلى إنكارِ العموم، وقد بيَّنَّا القول بصِحَّته، وأنّه لا يُحتاجُ إليه معهم؛ فإنّ الحقَّ ظاهرٌ والأدلّة بيَّنَةَ، وحَمَل التّقصيرُ كثيرًا من علمائنا على أنّ يقولوا: إنَّ الله لا يُنفِذُ وَعِيدَه، فإنّ ترْكَ إنقاذِ الوعيدِ من مكارمِ الأخلاقِ. وقد بيّنّا أنّ ذلك يُتَصَوَّرُ في المخلوقِ الّذي يجوزُ له الكَذِبُ بعُذْرٍ، ويُتَصَوَّرُ منه على الإطلاق، فأمّا الصَّادِقُ الوّاجِبُ الصِّدقِ، فلا يجوزُ أنّ يقع مُخبَرُهُ بخلافِ خَبَرِه، ويتعالى الله عن الأخلاق الذَّميمةِ، وإنّما له الصِّفاتُ العَلِيَّةُ؛ ولكن وإن جاءلت الأخبارُ بإطلاقِ القول في الوَعيد، فقد جاءت أُخَرُ بإطلاقِ القولِ في الوَعْدِ، كقول النّبيّ ﵇: "مَنْ كان آخرُ كَلَامهِ لا إلَهَ إِلا الله، حَرَّمَهُ اللهُ عَلَى النارِ" وبهذا تعلَّقت المُرْجئةُ. وكقوله: "إِنَّ بَغِيًّا من بَغَايَا بَنِي إِسرائِيلَ مَرَّت بِكَلبٍ يَأكُلُ الثَّرَى من شِدَّةِ العَطَشِ، فَنَزَعَت مُوقَهَا (٢) فَسَقَتْهُ من رَكيَّةٍ (٣)، فَغفَرَ اللهُ لَها". وهاهنا (٤) نكتةٌ، وهي: أنّ البارىءَ تعالى رحيمٌ شديدُ العقابِ، فلا بدّ أنّ يأخُذ كلُّ حُكمٍ من أحكامِ الصِّفتين جُزءًا من الخَلقِ تتحقَّقُ فيه الصِّفَةُ، وكذلك هو غفورٌ منتقِمٌ (٥)، وتحقيقُ ذلك هو الشّفاعةُ. فمَنْ نظرَ إلى صفةٍ من صفاتِ البارىءِ وآمنَ بها، وتركَ البَوَاقِي، لا يكون مؤمنًا باللهِ، وكذلك من نَظَرَ إلى أخبارِ الوَعْدِ دون الوَعِيدِ، أو

стр. 3050

أخبارِ الوَعِيد دون الوَعْدِ، لا يكون عارفًا بحُكمِ الله، وإنّما ينبغي لك أنّ تعرضَ بعضها على بعضٍ، وتَرُدَّ البِنْتُ منها إلى الأُمِّ، وبالجملة فآخر الحَالِ أنّ إثباتَ الشّفاعة لمحمّد ﷺ فيها تحقيقُ الوَعْدِ والوَعِيدِ، وأنّ المُرْجِئَةَ لا تَرَى لمحمَّد ﷺ شفاعةً؛ لأنّ لا إله إلّا الله تُغنِي عندهم، ولا يَرَوْنَ النّار على مذهبهم، والخوارجُ والقدَرِيَّةُ لا تراها أيضًا؛ لأنّ الخلودَ عندهما يَمنعُ منها، والحمدُ لله الّذي وَفَّقَ عِصَابة الحقِّ للإقرار بها وبحقِّ الله والعِلْمِ بصفاتِ الله، والاعترافِ بمنزلة نَبِىِّ الله، فالله تعالى غفورٌ رحيمٌ، شديدُ العقابِ. وأنشدَني بعض الأصحاب (١): أَصبَحْتُ قَد شَفَّ قَلبي ... خوفٌ عَليهِ مُقِيمُ خَوْفٌ تَمَكَّنَ مِنهُ ... فالقَلبُ منِّي سقِيمُ لَولَا رَجَائِي بوَعدٍ ... وَعَدْتَهُ يا كَرِيمُ في سورة الحِجرِ نصًّا ... لأذهَلَتني الغُمُومُ عَلَى لِسانِ نَبِيٍّ ... قلبي إليهِ يهِيمُ نَبِّيء عِبَادِي أنّي ... أنا الغَفُورُ الرَّحِيمُ (٢) كذاك أَنتَ إلَهي ... أَنتَ الغفُورُ الرَّحِيمُ فَقَدْ وَثِقتُ بهذا ... والقَلبُ مِنِّي سَقِيمُ من آية أذهلتني ... فيها وَعِيدٌ جسِيمُ هِيَ الّتي قُلتَ فِيَها ... والقولُ مِنكَ حَكِيمُ ألَّا وإن عَذابِي ... هُوَ العذابُ الأَلِيم (٣)
следующие страницы →