← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3886–3915 · переход к 3891.

стр. 3886

ابن العشيرة" (١). وقوله: "لا غِيبَةَ في ثلاثة: إمامٌ جَائِرٌ، وفاسقٌ مُعْلِنٌ بفسقِهِ، وصاحب بدعة" (٢). وقال سهل: مَنْ سلِمَ من الغِيبَةِ، أو قَال: من ترك الغِيبَة أصلًا مَشَى على الماءِ. وقد بيّنَ الإمام الطّوسي في ربع المهلكات (٣) هذا الباب وأتْقَنَهُ بما فيه كفاية. ما جاء فيما يُخافُ من اللِّسان الحديث الّذي ذكره مالك في هذا الباب (٤)، هو حديث مرسل من مراسيل عطاء ابن يسار (٥). قوله: "مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الجَنَّةَ، ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ وما بَيْنَ رِجْلَيْهِ" يريد: الفم والفَرْج، وأكثر ما يعذَّب النّاس على بطونهم وفروجهم. قال الإمام (٦): وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ أكبرَ الكبائرِ إنّما هي من الفَمِ والفَرْج، وما بين اللّحيين الفم، وما بين الرَّجلين الفَرْج. فمِنَ الفَمِ ما يتولّد من اللِّسان، وهو كلمةُ الكفر، وقذفُ المحصنات، وأخذ أعراضِ النَاس. ومن الفم أيضًا شُرْبُ الخمرِ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ أموال اليتامَى ظُلمّا. ومن الفَرْجِ الزّنا واللّواط، ومنِ اتَّقَى ما بين الفم والفَرْجِ، فأحرى أن يتّقي القتلَ، والله أعلمُ.

стр. 3887

والكبائرُ كثيرةٌ، بينّاها في "كتاب سراج المريدين" بما فيه كفاية (١). ومن حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ، عن النّبي ﵇؛ أنّه قال: "إذا أصبح ابن آدمَ أصبحت الأعضاء تسْتعيذُ من شرِّ اللّسانِ وتقول: اتّقِ اللهَ فينا، فإنّك إن استقمتَ استقمنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعوججْنَا" (٢). وقال ابن مسعود: "أكْثَرُ النّاسِ ذنوبًا يومَ القيامةِ أكَثْرُهُم خَوْضًا في الباطل" (٣). و"ما مِنْ شيءٍ أحقُّ بطولِ سجنٍ من لسانٍ" (٤). وعن أبي أُمَامَةَ الباهليّ؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اكفُلوا لي ستَّ خصالٍ أكْفُل لكمُ الجنّةَ؛ فمن حدَّثَ فلا يكذِب، ومن وعَدَ فلا يَخْلِف، ومن ائْتُمنَ فلا يَخُنْ، واملِكوا ألسنتكم، وكفّوا أَيْدِيَكُم، واحفظوا فُرُوجَكُمْ" (٥). ما جاء في مناجاةِ، اثنينِ دونَ واحدٍ قال الإمام (٦): الحديث صحيح (٧)، والمعنى في هذا الحديث قد بان في حديث

стр. 3888

ابن مسعود (١)؛ لأنّ ذلك يحزنُ الثالثَ المنفردَ. وأمّا حديث ابن عمر فليس فيه: "فإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ" وهذا لعمري هو المشهور (٢)، وقد قال علماؤنا (٣): الحديثُ مقصورٌ على ثلاثة، وأمّا إذا كثر النّاس فلا بأس أن يتناجى منهم اثنانِ وأكثر. وقد قيل: إنّ ذلك إنّما يُكْرَهُ في السَّفَر، وحيث لا يُعْرَفُ المتناجيان، ولا يُوثَقُ بهما ويخشَى الغدْر منهما. وهو عندي الصّحيح؛ أنّه مخصوصٌ بالسَّفَر، ويشهد له الأثر من حديث ابن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "ولا يحلُّ لثلاثةٍ يكونون بأرض فلاةٍ أن يتناجى اثنان دون صاحبهما" (٤). وقد قال البونىُّ (٥): لا فرق بين الاثنين والثّلاثة والأربعة أو أكثر؛ لأنّه لا يجوز أن ينفرد واحدٌ فيتناجون من دونه؛ لأنّه يظنّ أنّهم في شيءٍ من أمره مما يَكْرَهُهُ، فيُؤْذِيهِ ذلك ويحزُنه، ويحمله على سوء الظَّنِّ بهم. ما جاء في الصِّدق والكذب قال الإمام: أدخل مالك في هذا الباب حديث صفوان بن سليم (٦)؟ أنّ رجلًا قال لرسول الله: أَكْذِبُ امْرَأَتِي؟ فقال رسول الله: "لا خَيْرَ في الكذِبِ" فقال الرّجل: يا رسول الله، أَعِدُها وأقولُ لها؟ فقال رسول الله: "لا خَيْرَ في الكَذِبِ" فأعاد عليه، فقال رسول الله ﷺ : "لا جُنَاحَ عَلَيْكَ".

стр. 3889

الإسناد (١): قال الإمام: لا أعلم هذا الحديث بهذا اللفظ يُسْنَدُ عن النّبيّ ﵇ من وجهٍ من الوجوه (٢). المعاني في هذا الباب: قال علماؤنا (٣): لا خلافَ أنّه لا بأسَ أن يَكْذِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ في كلَّ ما يَسْتَجِيزُ به هَوَاَها وَرِضَاها، إذا لم يُذْهِبْ بِكَذِبِهِ بشيءٍ من مالها، مِثْلَ أن يزيَّنَ لها ما يعطيها، ونحو هذا وإن كذب. الثّانية (٤): ولا خلاف أيضًا أنّه من رأى رجلًا مسلمًا يُقْتَلُ ظُلْمًا ويعرف أنّه ينجيه بالكذب، مثل أن يكون في موضع فيقول: ليس هو فيه، أو غير ذلك، أنّه يجب عليه الكذب. الثّالثة (٥): يجوزُ للرَّجُل أن يكذِبَ في الإصلاحِ بين اثنين، وقد ثبت من حديثِ أسماء بنت يزيد؛ قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه يقول: "كلُّ الكذِبِ يُكْتَبُ على ابنِ آدمَ، إلاّ ثلاثًا: كذبُ الرَّجُلِ امرأته ليرضيها، ورجلٌ كذبَ ليُصْلِحَ بين اثنينِ، ورجلٌ كذبَ في خديعة حربٍ" (٦). وهذا الحديث يفسَّرُ لك جميع ما تقدّم.

стр. 3890

وحدُّ الكذب عندنا هو: الإخبار بالشَّيءِ على ما ليس هو عليه (١)، وحدّ الصِّدق: مايُخْبَرُ على حقيقة ما هو به (٢). وبالصّدق فاز من فاز، والله قد أثنى على الصّادقين فقال: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). وقال بِشْرُ بن بَكْرٍ: رأيتُ الأوزاعيَّ مع جماعة من العلماء في المنام في الجنّة فقلت وأين مالك بن أنس؟ فقال: رُفعَ. فقلتُ: بماذا؟ قال: بصدقه (٤). وقال منصور الفقيه: الصِّدْقُ أَوْلَى مَا بِهِ ... دَانَ امْرُؤٌ فَاجْعَلْهُ دِينَا وَدَعِ النِّفَاقَ فَمَا رَأَيْتُ ... مَنَافِقًا إِلّا مَهِينَا (٥) قال: يكون المؤمن جبانًا ولا يكون كذّابًا ويكون بخيلًا (٦). وكان أبو حنيفة لا يُجِيزُ شَهادةَ البَخِيلِ (٧). ما جاء في إضاعَة المال وذي الوَجْهَيْن أدخل مالك (٨) فيه حديث بن أبي صالح، عن أبيه؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ اللهَ

стр. 3891

يَرْضَى لَكُمْ ثلاثًا، ويَسْخَطُ لكم ثلاثًا: يرضَى لكم أن تعبدوا الله (١) ولا تُشْرِكُوا به شيئًا، وأن تَعْتَصِمُوا بحبلِ اللهِ جميعًا، وأن تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللهُ أَمْرَكُمْ ويَسْخَطْ لَكُمْ قيلَ وقالَ، وإضاعةَ المالِ، وكثرةَ السُّؤالِ". الإسناد: قال الإمام: هكذا رَوَى يحيى هذا الحديثَ مُرْسَلًا، وتابعه القَعْنَبىٌ، وابن وَهْب، وابن القاسم، ومَعْن بن عيسى، ومحمد بن المبارَك الصُّوري. ورواه ابن بُكَيْرٍ (٢)، وأبو مُصْعَب (٣) وأكثر الرُّواة (٤) عن مالك، عن سُهَيْل، عن أبيه، عن أبي هريرة مُسْنَدًا. وعن مالك فيه إسناد آخر، عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، وهو غريب (٥). المعاني والفوائد وهي خمس: الفائدة الأولى (٦): في هذا الحديث: الأمر بالإخلاص في العبادات وهو أصل الدِّين. والثانية (٧): التّوحيد والحضّ على الاعتصام بحبل الله. وقد اختلف علماء التُّأويل في معنى حبل الله هاهنا على أقوال: فقيل: هو القرآن (٨).

стр. 3892

وقيل: الجماعة (١) والخلافة. وقيل: الإسلام (٢). والمعنى في ذلك مُتَدَاخِلٌ؛ لأن كتاب الله تعالى يأمر بالائتلاف وينهى عن الفرقة والاختلاف. وقيل: حبلُ الله هو الصّراط المستقيم كتاب الله (٣)، وقد جاء في حديث ابن مسعود؛ أنّه قال في خطبته: أيّها النّاس عليكم بالسّمع والطّاعة والجماعة، فإنّها حبل الله الّذي أمر به، وإن ما تكرهون في الجماعة خيرٌ ممّا تحبّون في الفُرقة (٤). قال الإمام: وهذا التّأويل أظهر في معنى حديث هذا الباب. وقد قال ابنُ المبارك (٥): إِنَّ الجَمَاعَةَ حَبْلُ الله فَاعْتَصِمُوا ... مِنْهُ بِعُرْوَتِهِ الوُثْقَى لِمَنْ دَانَا لَوْلَا الخِلَافةُ لَمْ تأْمَنْ لَنَا سُبُلٌ ... وَكَانَ أَضعَفُنَا نَهْبَا لأقوانا الثالثة (٦): في معنى قوله: "قِيلَ وَقَالَ" هو -والله أعلم- الخوضُ في أحاديث النّاس الّتي لا فائدة فيها، وإنّما جلُّها لَغَطٌ وحَشْوٌ وغيبةٌ، وما لا يكتب فيه حسنة، ولا يسلم القائل فيه من سيَّئة، قال الشاعر (٧):

стр. 3893

ومَن لايَمْلِكُ الشَّفَتَينِ يَسْخُو ... بِسُوءِ اللَّفْظِ مِنْ قِيلٍ وقَالِ قال الإمام: وأنشدني المبارك بن عبد الجبّار بمدينة السّلام في هذا المعنى (١): لِقَاءُ النَّاسِ لَيْسَ يُفِيدُ شَيْئاً ... سِوَى الهَذيَانِ مِنْ قِيلِ وَقَالِ فَأَقْلِلْ مِنَ لِقَاءِ النَّاسِ إلاَّ ... لأَخْذِ العِلْمِ أَوْ لِصَلاَحِ حَالِ فمَنْ يَبْغِي سِوَى هَذَيْنِ أَخْطَأ ... وَكَلَّفَ نَفْسَهُ طَلَبَ المحَالِ الرّابعة (٢): قوله: "وإضَاعَةَ المَالِ" فلعلمائنا في ذلك ثلاثة أقوال أحدها: أنّ المال هنا أُريدَ به مِلْكُ اليمينِ من العبيد والإماءِ والدَّوابَّ، وسائر الحيوان الَّذي في ملكه، أن يُحْسِن إليهم ولا يُضَيعهم (٣). والقول الثاني: "إضاعة المال": تركُ إصلاحه والنّظر فيه، وتنميته وكسبه. والقول الثّالث: "إضاعة المال": إنفافُه في غير حقّه من الباطل والإسراف والمعاصي. وهذا القولُ هو الصّوابُ عندي، واللَّهُ أعلمُ. الخامسة: قوله: "وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ" ففيه عن أشياخنا (٤) قولان: أحدهما: يُكْثِرُ السُّؤالَ عن المسائلِ النّوازلِ المُعْضَلَاتِ في معاني الدِّياناتِ

стр. 3894

والبحث عنها، وكثرة السُّؤال عند العلماء مذمومٌ. والقولُ الثّاني: كثرةُ السُّؤال في الاستكثارِ من أموالِ النّاسِ، والكَسْب بالسُّؤالِ. والقولُ الأوّلُ أَصَحُّ. حديث: وأمّا قوله (١): "مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الوَجْهَيْنِ" الحديث، فقد فسَّرَهُ (٢) النّبيُّ ﷺ فقال: "لاَ يَكُونُ عِنْدَ اللهِ أَمِينًا" (٣). ويعضُدُ هذا، الحديثُ الآخر عن أنس؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "مَنْ كانَ ذَا لسانَيْنِ فِي الدُّنْيَا، جَعَلَ اللهُ لِسَانَيْنِ من نارٍ يومَ القِيَامَةِ" (٤). ومن هذا قول الشّاعر (٥): إنَّ شرَّ النَّاسِ مَنْ يَكْشِرُ لِي ... حِينَ أَلْقَاهُ وَإنْ غِبْتُ شَتَمْ

стр. 3895

ما جاءَ في عَذَابِ العَامّة بَذَنْبِ الخَاصَّةِ والأحاديث في هذا الباب صِحَاحٌ، وأصحّ ما فيه، ما خرّجه البخاريّ (١) وغيره (٢): "حديث زينب بنت جَحْش" قال النّبىُّ ﷺ : "وَيْلٌ لِلْعَرَبِ مِنْ شَرٍّ قَدِ اقْتَرَبَ، فُتِحَ اليَوْمَ مِنْ رَدْمِ يَأجُوجَ وَمَأجُوجَ مِقْدَارُ هذه" وأشار بإصْبَعِهِ، فقالت: يا رسول الله، أَنَهْلِكُ وفينا الصّالحون؟ قال: "نَعَمْ إذا كَثُرَ الخَبَثُ". وأدخل مالك حديث عمر بن عبد العزيز (٣)، كان يقول: "إن اللَّهَ تعالى لا يُعَذِّبُ العَامِّةَ بِذَنْبِ الخَاصَّةِ (٤)، ولكِنْ إذَا عُمِلَ المُنْكَرُ جِهَارًا، وَلَمْ يُغيِّرُوا (٥)، اسْتحَقُّوا العُقُوبَةَ كُلُّهُمْ". قال الإمام (٦): هذا واضحٌ، فإنّه لا يَلْزَمُ التِّغييرُ إلَا لِمَنْ له قُدرَة من العزّة والمنَعَة. وإنّه لا يستحقُّ العقوبةَ إلّا مَنْ هذه حالُه. وأمّا من ضَعُفَ عن ذلك، فالفَرْضُ عليه في ذلك التّغييرُ بقَلْبِه، والإنكارُ والكراهيّة، لقوله ﷺ : "يكونُ عليكم أُمراءُ تَعْرِفُونَ وتُنْكِرُونَ، فمن أَنْكَرَ فقد بَرِىءَ، ومن كَرِة فقد سَلمَ، ولكن من رَضِيَ وتَابَعَ، فَأَبْعَدَهُ اللَّهُ" قيل: يا رسول الله، أفلا نَقْتُلُهُمْ؟ قال: "لا، ما صَلُّوا" (٧). قال الإمام: وكلُّ من رَضِيَ بالفعل فكأنّه فعَلَهُ. وقال الحسن: إنّما عَقَرَ النّاقةَ رجلٌ واحدٌ، أجير ثَمُودَ، وَعَمَّهُم اللهُ بالعقوبةِ؛ لأنّهم عَمُّوا فِعْلَهُ بالرِّضَا.

стр. 3896

ما جاء في التُّقَى قال الإمام: أدخل مالك في هذا الباب حديث عمر بن الخطاب (١)، وهو صحيحٌ. المعاني (٢): الأصل في هذا قولُه: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى﴾ (٣) يريدُ: زَادَ الآخرةِ. والتّقوى اسمٌ جامعٌ لطاعةِ الله، والعمل بها فيما أمَرَ به ونَهَى عنه، فإذا انتهى المؤمنُ عمّا نهاهُ اللهُ، وعمِلَ بما أمَرَه الله، فقد أطاع الله واتّقاهُ ﴿وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا﴾ الآية (٤). والتقوى اسمٌ جامعٌ لخشية الله، لقوله ﴿إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾ (٥). وقالت الصّوفية: التّقوى هو أن يتّخذ العبدُ الطّاعةَ وقاية من عذاب اللهِ (٦). وقوله: "بَخٍ بَخٍ (٧) أَمير المؤمنين" فهو توبيخٌ منه لنفسه، وتوبيخُ النَّفْسِ وتقريعُها عبادةٌ، كما أنّ الرِّضَى عنها هَلَكَةٌ. القولُ إذا سَمِعْتَ الرّعدَ قال الإمام: أدخل مالك في هذا الباب كيفيّة الدّعاء عند الرّعد، وما يقوله الرّجلُ، وهو حَسَنٌ جدًّا، من أحسن ما رُوِي فيه قولُه (٨): سبحانَ الذي يُسَبَّحُ الرَّعدُ بحَمْدِهِ

стр. 3897

والملائكةُ من خِيفَتِهِ، ثمّ يقول: إنّ هذا لوَعِيدٌ لأهل الأرض شديدٌ. المعاني (١): قال علماؤنا من أهل التفسير (٢): إن الرَّعْد مَلَكٌ يزجُرُ السَّحابَ، وقد يجوزُ أن يكون زجرُه لها تسبيحًا، لقوله تعالى: ﴿وَيُسَبِّحُ الرَّعْدُ بِحَمْدِهِ﴾ (٣) والرّعدُ لا يعلمُه النّاسُ إلّا بذلك الصّوت، وجائزٌ أن يكون ذلك تسبيحَه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ (٤). وأهلُ التَّأويل يقولون في قوله: ﴿يَا جِبَالُ أَوِّبِي مَعَهُ﴾ (٥) أي سَبِّحِي معه (٦). ورُوِيَ عن عليّ (٧)، وابن عبّاس (٨)، وجماعة من الصّحابة؛ أنّهم قالوا: الرّعدُ ملَكٌ، والبرقُ مَخَارِيقُ من حديدٍ، أو من نارٍ يزجرُ بها السّحابَ. وكان النّبي صلى الله عليه إذا سمع الرَّعْد قال: "اللَّهُمَّ لا تَقْتُلْنَا بغَضَبِكَ، ولا تُهْلِكْنَا بِعِقَابِكَ، وعَافِنَا قبل ذلك" (٩).

стр. 3898

ما جاء في تَرِكَةِ النّبي ﷺ - فيه حديث عائشة (١)، أنّ أزواج النّبيِّ ﷺ حين تُوُفِّيَ رسولُ اللهِ، فسألن ميراثه، فقالت: أليس قد قال ﷺ : "لاَ نُورَثُ، مَا تَرَكْنَا فهُوَ صَدَقَةٌ". الإسناد (٢): قال الإمام: الحديث صحيح (٣). وذكر مالك في "الموطّأ" (٤) عن أبي الزّناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛ أن رسولَ الله ﷺ قال: "لا يَقْسِمُ (٥) وَرَثَتِي دَنَانِيرَ، ما تركتُ بعد نَفَقَةِ نسائي وَمَئُونَةِ عَامِلي فهو صَدَقَةٌ". هكذا قال يحيى "دَنَانِيرَ" وغيرُهُ من رواة "الموطّأ" يقولون: "وَرَثَتِي دِينَارًا" (٦). وذكر الإمام أبو الحسن الحافظ الدّارقطني من طريق مالك بن أَوْسِ بن الحَدَثَان، قال: سمعتُ عمرَ بن الخطّاب يقول: حدَّثنا أبو بكرٍ؛ أنّه سمع رسولَ الله ﷺ يقول: "إنَّا مَعْشَرَ الأنبياء لا نُورَثُ، ما تركنا صدقةٌ" (٧). الفوائد: الأولى (٨): اختلف العلماء في معنى قوله: "إنّا معشرَ الأنبياءِ لا نُورَثُ".

стр. 3899

فقال قوم من أهل البصرة، منهم ابن عليَّة: هذا ممّا خُصَّ به النّبيُّ ﷺ زيادةً في فضله، كما خُصَّ بما خُصَّ به من نكاح ما فوق الأربع، والموهوبة، إلى غير ذلك من خصائصه (١). ويغبرُ في وجوههم، ما خَرَّجَهُ الدّارقطنيّ، قوله: "إنّا معشرَ الأنبياءِ لا نُورثُ، ما تَرَكْنَا صَدَقَةٌ" (٢)، وبهذا أخذ كثيرٌ من العلماء أنّ الحديث عامّ فيه وغيره. الثانية (٣): فعلى هذين القولين جماعةُ المسلمينَ من العلماء، إلّا الرّوافض، وهم لا يُعَدُّون خلافًا؛ لشُذُوذِهِم فيما ذهبوا إليه في هذا الباب عن سبيل المسلمين، ولا حُجَّة لهم في قول الله: "وداود" و"سليمان" في قوله: ﴿وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ﴾ (٤) وقوله: ﴿يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ (٥) إلاَّ الحسن فإنّه قال: ﴿يَرِثُنِي﴾ مالي، و ﴿مِنْ آلِ يَعْقُوبَ﴾ النُّبُوَّةَ والحِكْمةَ (٦). وكيف يسوغُ لمسلمٍ أن يظنَّ أنّ أبا بكرٍ منع فاطمة ميراثها من أبيها، ومعلومٌ عند العلماء أنّ أبا بكرٍ كان يُعطي الأحمر والأسودَ، ويُسوِّي بين النّاس في العَطَاءِ، ولم يستأثر لنفسه شيئًا، ويستحيل في العقول أن يمنع فاطمة، ويردّ على سائر المسلمين، وقد أمر بَنِيهِ أن يردُّوا ما زاد في ماله منذ وليَ في بيت المالِ. قال الإمام: والّذي نقول به هو الّذي بينّاه لكم، وما عداه فلا يحلّ لمسلم الكلام فيه؛ لِمَا فيه من الميل إلى القولِ بأحد المعنيين. وقد حقّقنا القول فيه في كتاب "العواصم من القواصم" (٧).

стр. 3900

ما جاء فى صفةِ جهنَّمَ الترجمة: أمّا قولُه: "جهنَّم" فهو مأخوذٌ من الجهامة، لقوله: ﴿إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا﴾ (١). الأسناد (٢): فيه حديث أبي هريرة (٣) -وهو صحيحٌ (٤) -؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "نارُ بَنِي آدَمَ التي يُوقِدونَ جزءٌ من سبعين جزءًا من نار جهنَّمَ". وفي بعض طُرُقهِ: "وهذه النار قد ضُرِبَ بها البحرُ حين أنزلت سبع مرَّات، ولولا ذلك ما انتفع بها" (٥). وذكر ابنُ أبي شيبة في "مصنّفه" (٦): "لولا أنها أُطفِئَت بالماءِ مرَّتينِ ما انتَفَعتُم بها، وإنّها لتَدعُو اللهَ إلاَّ يعذّب بها بتلك النار أحداً (٧) " (٨). وعن سعيد بن المسيَّب؟ أنّ عليَّ بن أبي طالب سألَ رَجُلًا من اليهود عن النّار الكُبرى، فقال الحَبرُ: يبعثُ اللهُ الرّيحَ الدَّبُورَ على البحر فيعُودُ نارًا، فهي النَّارُ الكبرى (٩). وأمّا ما وضعه أهل الوَعظِ في كتبهم في صفة جهنَّم وأدراكها وما فيها، فإنّه لم يخلق بعدُ من يصف ما فيها من عذاب الله؛ لأنّ عذاب الله شديدٌ (١٠)، وقد أوردنا معانيها

стр. 3901

وأخبارها في "أنوار الفجر". الترغيب في الصَّدَقَة أدخل مالك في هذا الباب حديث سعيد بن يسار (١) المُرسَل (٢)؟ أن رسول الله ﷺ قال: "مَن تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ من كَسبٍ طَيِّبٍ، وَلاَ يَقبَلُ الله إِلَّا طَيبًا، كان كَمَن يَضَعُهَا في كَفِّ الرَّحمنِ، يُربِّيهَا له كما يُرَبِّيَ أَحَدُكُم فُلُوَّهُ أو فَصِيلَهُ، حتى تكونَ مثلَ الجَبَلِ". وفي بعض طُرُقِهِ: "حتّى اللّقمة أو التمرة لتَأتي يوم القيامة مثل الجبل العظيم" (٣). الأصول: قال الإمام: ومصداق ذلك في كتاب الله قوله: ﴿أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَأْخُذُ الصَّدَقَاتِ﴾ (٤)، وقوله: ﴿يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ﴾ (٥) وهذا من المعنى البديع أن يُفَسِّرَ الحديثُ بالقرآنِ، فعبر عن البائن في هذا المعنى عن مضاعفة الثواب على العمل. وكما (٦) يفعل في الصّدقة، كذلك يفعل في قيراط صلاة الجنازة، حتّى يجعل أصغره كأكبر جبلٍ وهو أحُد، وذلك من فضل الله على حسب ما يعلم من الصِّدق في النِّيَات، وخُلُوصِ الطَّويّات، والرّغبة في الخيرات، والمواظبة على الصّالحات.

стр. 3902

فالأعمالُ للأعمال كالبنيان يشُدْ بعضه بعضًا. وتصديق ذلك في كتاب الله تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ ....﴾ الآية (١). فنبّه ﷺ على الذي تقدّم من قوله: "يَأخُذُهَا بِيمينِهِ" (٢) وتقع في كفّه، أن ذلك كله عبارة عن قبُولِه للعبد، وتضعيف الثّواب له فيه، إذ البارئ سبحانه يتعالى عن الجارحة، ويُقَدَّس عن ذلك. وقوله في بعض طرقه (٣): "في كّفِّ الرَّحمنِ" وكفُّه بمعنى يمينُه (٤). وقوله (٥): "فَيُرَبِّيَها لَهَ" (٦) يريد أن الله يُنمِّي الصَّدقة بتضعيف أجزائها، كما يُنَمِّي الإنسانُ الفُلُوِّ، وهو ولد أُنْثى الخيل من ذكَرِ الحمير (٧). حديث: قوله (٨): "أَعطُوا السَّائِلَ وإن جاءَ على فَرسٍ" هو حديثٌ صحيح من مراسل زيد بن أسلم، ولا خلاف في إرساله (٩). وأدخل في الباب حديث قوله ﷺ : "يا نساءَ المؤمناتِ، لا تَحقِرَنَّ إحداكُنَّ لجارَتِهَا ولو كُراعَ شاة مُحرَق" (١٠). قال الإِمام: والحديث صحيح لا غُبَارَ عليه.

стр. 3903

الكلام في الحديث الأوّل (١): أما قوله: إلا تَرُدُّوا السّائلَ ولو جاء على فرسٍ" أمّا إعطاء السَّائل من الصّدقَة الواجبة ففرضٌ، وأما إعطاؤه من صلب المال فلا يلزم إلَّا على تفصيلٍ يأتي بيانُه في "كتاب أحكام القرآن" (٢) ولكنَّه يُستَحبُّ في الجملة ألَّا يرجع خائبًا، لئلّا يتعيّن له حقٌّ فيتوجّه على المسؤول عتاب أو عقاب. فإنّ السّؤال قد يكون واجبًا، ومندوبًا. أمّا وجوبُه فللمحتاج، وأمّا نَدبُه فلمن تعينة وتتبيّن حاجتُه إن هو استحيا من ذلك، أو رجاء أن يكون بيانُه أنفع. وقد كَثُر اليوم السّؤال والإلحاف، ولكن لا يتصوَّرُ الإلحاح من السائل إلَّا إذا أُعطِيَ وقبل أن يُعطَى ولو سأل يومه كلّه ما كان مُلِحًّا ولا مُلحِفًا، حتّى لو أُعْطِيَ لا يكون سؤاله بعد الإعطاء إلحاحًا ولا إلحافًا، بشرط أن يأخذ كفايتَهُ. وقوله: "ولو بِظِلفٍ مُحْرَقٍ" (٣) اختُلِفَ في تأويله: فقيل: ضرب به مثلًا للمبالغة، كما جاء: "مَن بَنَى للهِ مَسجدًا ولو مثل مِفحَصِ قَطَاة، بنَى الله له بيتًا في الجنّة" (٤). وقيل: إن الظِّلْفَ المحرقَ كان له عندهم قَدْرُهُ؛ فإنَّهم كانوا يَسهَكُونَهُ (٥) ويسقونه.

стр. 3904

وقوله (١): "يا نساءَ المؤمنات" وأهلُ بلدنا يقرؤونه على الرَّفع على أنّه نداء مفردٌ مرفوعٌ، والمؤمناتُ نعتٌ؛ لأنّهم رأوا أنّ النِّساء أعمّ من المؤمنات، وقد قال الله تعالى: ﴿عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ﴾ (٢) والبهيمة أعمّ من الأنعام. وقوله: "ولو بِكُرَاعٍ مُحْرَقٍ" والكُراعُ من الإنسان والدّوابّ ومن المواشي: ما دُونَ الكَعْبِ (٣). وقوله: "الصَّدَقَةُ تُطْفِىءُ غَضبَ الرَّبِّ" (٤) مسألة من الأصول (٥)، قد بيّنّا أن غضب الرَّبِّ على قسمين: إمّا أن يرجع إلى الإرادة للعقابِ، فذلك صفةٌ من صفاته وإمّا أن يرجع إلى الفعل (٦)، على ما بينّاه في "كتب الأصول". حديث ابن عمر (٧)؛ أن رسول الله ﷺ قال وهو على المِنبَرِ، وهو يَذْكُرُ الصّدقةَ والتًعَفُّف عن المسألةِ: "اليدُ العُليا خَيرٌ من اليد السُّفلَى، واليدُ العُليا هي المُنْفِقَةُ، والسُّفلَى هي السّائلةُ".

стр. 3905

الحديث صحيح. المعاني والفوائد: قولُه: "اليدُ العليا خيرٌ من اليد السُّفلى" هذه المسألة مما اختلف النّاس فيها على ثلاثة أقوال (١): القول الأوَّل: منهم من قال: اليدُ العليا يد المعطي للصّدقة. والثّاني: منهم من قال: هي يد الآخِذِ، وفي الحديث معقِّبًا به: "اليدُ العليا المُنْفِقَةُ والسُّفلى السَّائِلةُ" وقد روى أبو داود (٢) عن مالك بن نَضْلَة؛ قال: قال رسولُ الله: "الأيَدِي ثلاثةٌ: فَيَدُ اللهِ العليا، وَيَدُ المُعطِي التي تَلِيهَا، ويدُ السائلِ السُّفْلَى، فَأَعْطِ الفَضْلَ ولا تعجِز عن نفسك". وهذا هو القولُ الثّالث. والقول الرّابع: ما رواه -أيضًا- أبو داود (٣) فيه بدل "المُنفِقَة": "المُتَعَفِّفَة". تنقيح (٤): فإن قلنا: إنّ اليد العليا يد المعطي، فلأنّها نائبة عن الله، إذ هو خازنه ووكيله في الإعطاء، فأخذها منه فكأنّه يأخذها من يد الله . وقد قيل: اليد العليا يد السّائل (٥) لقوله: "إنَّ الصَّدَقَةَ لتقعُ في كفِّ الرَّحمنِ قَبلَ أن تقعَ في يَدِ السّائل" والتّحقيق فيه: أنّ الله عبّر باليد العليا عن يده المُعطِية، إذ هو يأمره، وعبّر عن يد السائل بالسُّفلى لأنه هو الذى يقبل الصّدقات، وكلتاهما يد الله، "وكلتا يَدَيه يمين" (٦)، وعليا. فلذلك كان الأقوى أن تكون اليد العليا يد المُعطِي، ويبقى قوله: "اليد السُّفلى" على ظاهره؟ لأنها تتقبّلها، فكانت كالّذي يؤخذ بالكَفِّ ويقعُ في

стр. 3906

كَفِّ السّائل، فيقضي بها حاجته ويسدّ فَاقَتَهُ. وقوله: "وَابْدَأْ بِمَن تَعُولُ" (١) معناه: لا تتصدّق حتى يكون عندك ما يُغنيك ويغني عيالك، ولا تتعمّد إلى ما عندك فتعطيه، فنبقى أنت وهم عالة تتكفَّفون النّاس. وفي "صحيح مسلم" (٢): "خيرُ الصّدقةِ ما كان عن ظَهرِ غِنىً، وابدَأ بمن تعُولُ". روى أبو داود (٣) والنَّسائي (٤) أن رجلًا تصدق بدينارٍ (٥)، وحضَّ النَّبيّ صلى الله عليه على الصّدقة فتصدّقَ بثوبه، فقال له النّبيّ ﷺ : "خُذ ثَوبَكَ، وَانْتَهَرَهُ" (٦). وفي الباب أحاديث ومعاني بينّاها مستوفية في "كتاب النَّيِّرَيْن" و "أنوار الفجر". ما جاء في طلب العلم مالك (٧)؛ أنه بلغَهُ أن لقمان الحكيم أَوصَى ابنهُ فقال: يا بُنَىَّ جالس العلماءَ وزَاحِمهُم بِالرُّكَبِ؛ فإنَّ الله يُحيِي القلوبَ بنُورِ الحكمة، كما يُحيي الأرضَ بوابِلِ السّماءِ. الإسناد: قال الإمام أبو بكر بن العربي ﵁: قد أَكثَرَ النّاسُ في هذا الباب

стр. 3907

بأحاديث كثيرة لا يصحّ أكثرها، ولذلك لم يجد مالك ﵀ ما يدخل غير هذا. وأصحُّ ما في هذا الباب قولُه: "من سَلَكَ طريقًا يطلُبُ فيه علمًا سَلَكَ الله به طريقًا إلى الجنّة" (١) وعلى هذا يُعَوَّلُ في فضيلة طلب العلم. وقد أَطْنَبَ فيه البخاريّ وأتقن أبوابَهُ، فقال: "ما جاء في فضيلة طلب العلم" (٢)، "ما جاء في الرّحلة في طلب العلم" (٣)، "ما جاء في سماع العلم" (٤)، وترجم بغرائب أطنب فيها وأربا على كلّ مصنّفٍ. وقد. أتقن هذا الباب الإِمام الحافظ أبو نُعَيم في "كتاب رياضة المتعلّمين" وهو كتاب صغير الجرم، كثير العلم، لم يُسْبّق إلى مثله، بوّب فيه على أبوابٍ كثيرة من العلم. وكذلك فعل الإِمام الطّوسي الأكبر في "كتاب العلم" (٥) بوب في فَرضِ طَلَب العلمِ، وما هو في نفسه وحقيقته، وآداب العالم والمتعلِّم، بما لم يترك لغيره مقالًا فعليكم بهذين الكتابين. الفوائد المتعققة بهذا الباب أربعة: الفائدة الأولى (٦): قال محمد بن سِيرِين: اطلبوا العلم، فإنّ قومًا تركوا طلبَ العِلْمِ، ومجالسةَ العلماء، وأخذوا في الصّلاة والقيام حتّى يبس جلد أحدهم على عَظمِهِ، ثمّ خالفوا السُّنَّةَ فهلكوا، وسفكوا الدّماءَ، فواللهِ ما عمِلَ أحدٌ عملاً على جهلٍ إلّا كان ما يُفْسِد أكثر

стр. 3908

ممّا يُصلِح (١). الثانية (٢): قول لقمان لابنه: "جَالِسِ العلماءَ وزاحِمهُم" يريد القرب منهم في مجالسته لهم، ومجالسةُ العلماءِ إذا كانت قربة، فإنّها تكون على وجهين: ١ - أحدهما: لمن ليس في قدرته تَعلُّم العلم، فإنَّه يجالسهم تبرُّكًا بمجالستهم ومحبَّةً فيهم، وربّما جرى من أقوالهم ما يحتاج إليه، فتحمله حاجتُه إليه على أن يَعِيَهُ ويحفظه، أو يستفهم فيه حتّى يفهمه. ٢ - وأمّا من كان في قوّته وطَبِيعَتِه طلب تَعلُّمِهِ، ورُزِقَ عَونًا عليه ورغبة في تعلُّمِه، فيجالسهم ليأخذ عنهم ويتعلّم من علمهم. الثالثة (٣): قوله: "فَإِنَّ الله يُحْيِي القُلوبَ بِنُور الحِكمَةِ" يريد إحياءها بالأيمان والخشوعِ والطّاعة، وموتها إنّما يكون بالكفر والفسوق وانتهاك محارم الله؛ فإنّ الحياة الحقيقية إنّما هي حياة الإيمان والطّاعة (٤). الرّابعة (٥): قوله: "كمَا يُحيِي الأرضَ بوابِلِ السّماءِ" هو غزير مطرها. قالوا (٦): بل هو الذى يحي الأرض بالنّبات والمياه والخِصْبِ، بعد موتها بالجَدْبِ وعدم الماء والخِصْبِ. وإنَّما يكون إحياؤها بالمادّة القويّة من الوابل، كذلك القلوب تحيى بنور الذِّكرِ. والإيمانُ إذا

стр. 3909

كان على الدَّوامِ فهو يُنَوَّرُ بأنواع المعارف، فيَحيَى كما يُحْيِىِ اللهُ الأرضَ بعد موتها. ما يُتَقَّى من دعوةِ المظلومِ قال الإِمام (١): أنا دعوةُ المظلوم فصحيحةٌ، فقد ثبت عن النّبيِّ ﵇ أنها مجابةٌ لا تُرَدُّ، وكذلك فيما روِيَ من صحف إبراهيم. وأصحُّ ما فيه ما خرّجه مسلم (٢)، من حديث ابنِ عباس، عن معاذ بن جبل؛ قال: بعثني رسولُ الله ﷺ إلى اليمن فقال: "إِنَّكَ تأتي قومًا من أهلِ الكتابِ، فأوّلُ ما تَدْعُوهُم إليه شهادة أن لا إله إلا الله، وأَنِّي رسولُ الله، فإن هم أَطَاعُوك، فَأَعْلِمهُم أنَّ الله افْتَرَضَ عليهم* خمسَ صلوات في كلِّ يومٍ وليلةٍ، فإن هم أطاعوك، فاعلمهم أن الله افترض عليهم* صدقةً تُؤخَذُ من أغنيانهم فَتُرَدُّ على فقرائهم، فإن هم أطاعوك، فإيّاك وكَرَائِمَ أموالهم، واتِّقِ دعوةَ المظلومِ فإنذها ليس بينها وبين اللهِ حِجَابٌ". وفي "مُصَنَّف" أبي بكر بن أبي شَيْبَة (٣)، عن أبي هريرة؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "دعوةُ المظلومِ مستجابةٌ، وإن كان فاجرًا ففجورُهُ على نفسه". وعن علي بن أبي طالب أنّه قال: ثَلَاثَةٌ لا تُرَدُّ دَعوَتُهُم: إمامٌ عادِلٌ في رَعِيَّتِهِ،

стр. 3910

والوالدُ لِوَلَدِه، والمظلومُ (١). وقال أبو الدّرداء: دعوةُ المظلومِ تصعدُ إلى السّماء فتفتحُ لها أبوابُ السّماءِ (٢). وقال: إياّكم ودعوةَ المظلومِ وبكاءَ اليتيم، فإنّهما يَسرِيَانِ باللَّيل والنَّاس نيامٌ (٣). وقال عونُ بن عبد الله: أربعُ دعواتٍ لا يُحجَبنَ عنِ الله: دعوةُ والدٍ راضٍ، وإمامٍ مُقسِطٍ، ودعوةُ المظلومِ، ودعوةُ رجلٍ دعا لأخيه بظَهْرِ الغيب (٤). ولقد أحسن القائلُ حيث قال (٥): نَامَتْ جُفُونُكَ والمظلُومُ مُنْتَبِهَ ... يَدعُو علَيكَ وَعَينُ اللهِ لَمْ تَنَمِ وفي بعض الأحاديث المنثورة أتّقِ دعوةَ المظلومِ فإنّها تُحمَلُ على الغمام (٦). وقوله: "لَيْسَ بينها وبين اللهِ حجابٌ" دليلٌ على أن الله تعالى لا يحجبه شئٌ، وإنَّما الحجاب عائدٌ علينا وهو المنع (٧). وقَد أطنبنا في القول في هذا المعنى في "أنوار الفجر" بما فيه الكفاية إن شاء الله. أسماء النّبيّ ﷺ - قال الإِمام: ذكر مالك في هذا الباب، حديث ابن جُبَيْر بن مُطْعِم (٨)؛ أنّ

стр. 3911

النّبي ﷺ قال: "لي خمسةُ أَسماءِ: أنا محمّد، وأنا أحمد، وأنا الماحي الذي يمحو اللهُ به الكُفرَ، وأنا الحاشرُ الذي يُحشَرُ النَّاسُ على قَدَمي، وأنا العاقبُ". الإسناد (١): قال الإِمام: هكذا رواهُ يحيي مُرسلًا، لم يقل فيه: عن أبيه، وتابعه على ذلك أكثر الرُّواة للموطّأ، وممّن تابعه على ذلك: القَعنَبيّ (٢)، وابن بُكَير، وابن القاسم، وإسماعيل ابن أبي أُوَيس. وأسنده عن مالك فقال فيه: عنه (٣)، عن ابن شهاب عن محمّد بن جُبَير بن مُطعِم، عن أبِيهِ، مَعنُ بنُ عيسى (٤). والصّحيح فيه: "ابن جُبَير بن مُطْعِم عن أبيه" لا كلام فيه. الفوائد والمعاني المتعلِّقة بهذا الباب: الأولى (٥): قوله: "أنا محمد" لقوله تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُوْلُ اللَّهِ﴾ (٦) فسمّاه الله بذلك في القرآن (٧).

стр. 3912

الثّانية (١): وقوله: "وأنا أحمدُ" كذلك أيضًا نصُّ القرآن، لقوله: ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ (٢). الثّالثة (٣): قوله: "وأنا الماحِي" فسَّرَ ذلك هو بقوله: "وأنا الَّذي يَمحُو الله بي الكُفرَ" لما وعَدَهُ من إظهاره على الدِّين كلَّه، فيكون ما آتاه منه هو الظّهور على الدّين كلِّه، بمعنى الغَلَبة عليه لغَلَبَةِ مَن جاوَرَهُ منه وظهوره عليه (٤). ويحتمل أن يريد به محوه من مكَّة، وظهوره على ما كان فيها من الكفر وظهور دينه فيها. وكذلك فعل ﷺ حين دخل مكَّة، فجاء إلى الكعبة فوجد فيها أصنامًا وتماثيلَ، فأخذ عُودًا، فجعل يطعن في بطونها ويقول ﴿وَقُلْ جَاءَ الْحَقُّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنَّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا﴾ (٥). الرابعة (٦): قوله: "وأنا الحاشِرُ الذي يُحْشَرُ النَّاسُ عَلَى قَدَمِي" قال الخطابي (٧) في معناه في ذكر القدم ها هنا الزمن، يقالُ: كان هذا على قدم فلان، أي على زمنه (٨)، فيكون معنى الحديث على هذا أنّ زمن ملّته آخر الأزمنة، وأنّه عليها تقوم السّاعة ويكون الحَشرُ، لا تنسخ شريعته ناسخة، ولا يستأصل لمِلَّته كفرٌ. ويحتمل أن يريد بذلك أنّ النّاس يحشرون على قدميه، بمعنى مشاهدته قائمًا للهِ وشاهدًا على أُمَّتِهِ والأمم.

стр. 3913

وقال علماؤنا (١)؟ "يُحشَرُ الناسُ على قَدَمِي" أي قدّامي وأمامي، كأنّهم يجتمعون إليه وينضمّون حوله، ويكونون أمامه ووراءه يوم القيامة. وقد قيل (٢): "عَلَي قَدَمِي" على سابقتي، مأخوذ من قوله تعالى: ﴿وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ صِدْقٍ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ (٣) والقَدَمُ السّابقة بإخلاص الصِّدق والطّاعة. الخامسة (٤): قوله: "وأنا العَاقِبُ" فقد جاء عنه ﵇ في هذا الحديث أنه قال: "وأنا العاقبُ الّذى ليس بعدي نبىٌّ" (٥). وقال أبو عُبيد (٦): "سألتُ سفيان بن عُيَينَة عن العاقب فقال لي: آخر الأنبياء". قال أبو عُبَيد: "وكذلك كلّ شيء خلفّ بعد شيءٍ فهو عاقب". قال الإِمام: وهذا المعنى يشهد له كتاب الله في قوله تعالى: ﴿مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾ (٧). وذكر ابنُ وهب عن مالك؛ قال: ختم الله به الأنبياءَ، وختم بمسجده هذا المساجدَ (٨). قال الإِمام: يعني مالك بذلك مساجد الأنبياء. قال عباس بن مرداس السُّلَمِيَّ (٩):

стр. 3914

يا خَاتِمَ النُّبَآءِ إنَّك مُرسَلٌ ... بِالحَقِّ كُلُّ هُدَى السَّبِيلِ هُدَاكَا إنَّ الإِلهَ ثنَى عليك محبّةً ... في خَلقِهِ ومحمدًا سَمَّاكا وقال أبو عمر (١): أحسنُ بيتٍ قيل فيما قالوا قولُ أبي طالب (٢): وَشَقَّ لَهُ من اسمِهِ لِيُجِلَّهُ ... فَذُو العَرشِ محمودٌ وهذا محمَّدُ وعن أنس بن مالك؟ قال: قال رسول الله ﷺ : "أنا أوَّلُهُم خروجًا، وأنا قائدهم إذا وفَدُوا، وأنا خطيبُهُم إذا أنصَتُوا، وأنا شفيعُهُم إذا حُبسُوا، وأنا مبشِّرُهُم إذا يَئِسُوا، الكرامةُ والمفاتيحُ يوم القيامة بيَدِي، ولواءُ الحمد بيدي، وأنا أكرمُ وَلَدِ آدمَ على ربِّي، يطوفُ عليّ ألفُ خادمٍ كأنهنّ بَيضٌ مكنون أو لؤلؤٌ منثورٌ" (٣). وعن مختار بن فُلفُل، عن أنس بن مالك؟ قال: قال رسولُ الله: "أنا أكثرُ الأنبياء أتباعًا يومَ القِيامةِ، يجيءُ النَّبيُّ وليس معه مصدِّقٌ به غيرَ رجُلٍ واحدٍ، وأنا أوَّلُ شافعٍ وأوَّلُ مُشَفَّعٍ" (٤). قال الإِمام: وقد سمّاه الله في القرآن أكثر من هذه الأسماء، مثل: المزمّل، المدّثر، وعزيز، ورؤف، ومُبَشِّر، ونذير، وداعي، وسراج منير (٥)، وأسماء جمعناها نحو من ثمانين اسمًا في "كتاب أحكام القرآن" (٦) في سورة الأحزاب عند قوله: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا﴾ (٧) الآية، فلتُنظَر هنالك على الاستيفاء ففيه الشِّفاء، والحمد لله.

стр. 3915

وهذا الذي اقتبسناه من علم مالك وألّفناه قليلٌ من كثيبر، والعلمُ والكمالُ إنما هو للّطيف الخبير، العلم القدير. وأنا أعتذرُ إلى كلِّ من نظر فيه، أو قرأه، أو تصفّحه ورأى فيه خطأً أو زَللًا، أن يوسعنا عُذرًا، وأن يحمل ذلك على طريق الوهم، وأن يظنَّ بنا خيرًا، ولا يخلنا من دعائه، والله تعالى ينفعنا وإيّاكم بالعلم، ويجعلنا من حمَلَتِهِ وأهله، وما توفيقي إلاَّ باللهِ، عليه توكّلتُ وإليه أنيب، ولا حول ولا قُوّةَ إلاَّ باللهِ، والحمدُ لله ربَّ العالمين (١)، وصلى الله على محمد خاتم النبيِّين. نقول: وقد فرفنا من أخر تصحيحٍ لتجارب الطَّبع مع أذان مغرب يوم الأثنين الرابع والعشرين من شهر رمضان المعظَّم، سنة ١٤٢٧ من هجرة سيِّد الأوَّلينَ والآخِرين، سيِّدنا محمد صلي الله عليه وعلى آله وصحبه إلى يوم الدِّين، الموافق السادس عشر من شهر كتوبر، سنة ٢٠٠٦ من ميلاد نبي الله عيسى عليه وعلى نبيّنا أفضل الصّلاة والسّلام. وكتب أضعف عباد الله