← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 3851–3890 · переход к 3856.

стр. 3851

عادة أجراها الله وقضاءٌ أَنفَذَهُ، يوجدُهُ حيث يشاء (١). والقول الأوّل ساقطٌ؛ لأنّ النّبيَّ ﷺ -لم يُبعَث ليُخبِر عن النَّاس وما يعتقدونه، وإنّما بُعِثَ ليعلِّمَ النَّاسَ ما يلزمهم أنّ يعلموه ويعتقدوه. الثّانية (٢): حَصَرَ الشّؤمَ في الدَّار والمرأة والفرس، وذلك حصر عادة لا خِلْقَةٍ (٣)، فإنّ الشّؤمَ قد يكون بين اثنين في الصذُحبة، وقد يكون في السَّفر، وقد يكون في الثّوب يتَّخِذُه العبد، ولهذا قال النّبيُّ ﷺ : "إِذَا لبِسَ أحدكم ثوبًا جديدًا فَلْيَقُل: اللَّهُمَّ إِنَّا نَسأَلُكَ مِنْ خيرِهِ وَخيرِ مَا صُنِعَ له، وَنَعُوذُ بك من شَرِّهِ وشَرِّ ما صُنِعَ لَهُ" (٤). الثّالثة (٥): في "الموطَّأ" (٦)؛ أنّ رجلًا (٧) أخبر النّبيَّ ﷺ -أنّه سكنَ دارًا والعَددُ كثيرٌ، والمالُ

стр. 3852

وافِرٌ، فقَلَّ العَدَدُ وذهب المالُ، فقال: "دَعُوهَا فَإنّها ذَمِيمَةٌ" فأمرهم بالخروجِ عنها لاعتقادهم ذلك فيها، وظنَّهُم أنّ الذهاب للمال والعدد إنّما كان منها، وليس كما ظنوا، ولكنّ البارئ جعل ذلك فيها وقتًا لظهور قضائه فيها (١). وقوله: "ذَمِيمة" يعني مذمومة، يقول: دعوها وأنتم لها ذامُّون، كارهون لما وقع في نفوسهم؛ لأنّ إزاحة ما وقع في النّفوس عسيرٌ، فلذلك قال لهم: "دَعُوها فإنها ذَمِيمَةٌ" يريد: إذ وقع في نفوسكم منها ما لا يكاد أنّ يزول عنها. وهذا عندي من معنى قوله ﷺ : "إنّما الطِّيَرَةُ على من. تَطَيَّرَ" (٢) أي على من اعتقدها وصحَّت في نفسه، لَزِمَتهُ ولم تكن تُخطِئهُ. ولقد أحسن شاعرهم حيث قال (٣): وَلَستُ أُبَالِي حِينَ أَغْدُو مُسَافِرَا ..... أَصَاحَ غُرَابٌ أَم تَعرَّضَ ثَعلَبُ باب ما يُكْرَهُ من الأسماء قال الإمام: الأحاديث في هذا الباب صحاح خَرَّجها الأيمة. المعاني والفوائد المتعلِّقة بهذا الباب: الفائدةُ الأولى (٤): إمّا الأسماء المكروهة القبيحة الّتي يُستَبشَعُ ذِكرُها وسماعُها،* ويذكّر بما يُحذَر من معانيها، فاسمُ حَرْبٍ يذكر بما يحذَر من الحرب، وكذلك مُرّة*

стр. 3853

فَتَكرَهُهُ النَّفْسُ لذلك. والمنعُ يتعلّق بالأسماء على ثلاثة أوجهٍ: أحدُها: ما تقدّم من قبيح الأسماء كحرب وحَزنٍ (١) ومُرّة (٢) وعاصية (٣). والثّاني: ما فيه تزكية من باب الدِّين. والأصلُ في ذلك: ما رواه أبو رافع عن أبي هريرة؛ أنّ زينب كان اسمُها بَرَّةَ، فقيل: تزكِّي نفسَهَا، فسماها رسول الله" زينب" (٤). وقال: "اللهُ أعلمُ بأهل البِرّ منكم" (٥). وعن ابن عبّاس، قال: كانت جُوَيرِيَةُ اسمُهَا بَرَّةُ، فحوَّلَ رسولُ اللهِ اسمَهَا جُوَيرِيَة (٦). الوجه الثّالث: الّذي يُكرَهُ لأجل الفال؛ لئلّا يقول أحد: أثمّ في الدَّار أفلح؟ فيقال: لا. ثمَّ نافع؟ فيقال لا، أثمّ نجاح؟ فيقال: لا (٧)، وما أشبه ذلك من طريق الفال والتّفاؤل لئلّا يقال: ليس هنا رباح، وليس هنا يسار، وليس هنا أفلح. الثّانية (٨): أفضل الأسماء ما فيه العبودية لله . رُوِيَ عن عبد الله بن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "أَحَبُّ أسمائكم إلى الله: عبدُ اللهِ، وعبدُ الرّحمنِ" (٩).

стр. 3854

وقد سمَّى النَّبىِّ ﵇ بغيرها، فسمَّى حسنًا وحسينًا. وقيل: إنّه سمّاهما باسمي ابني هارون نبيّ الله ﷺ شَبَّر وشبير (١). وفي "العُتبِيَّة" (٢) عن مالك: سمعتُ أهل مكّة يقولون: ما من أهل بيتٍ فيهم اسم محمّد إِلَّا رُزِقُوا، أو رُزقَ خيرًا (٣). حديث: قوله ﷺ :"تَسَمَّوا بِاسمِي وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي" خرَّجه مسلم (٤)، وغيره (٥)، فقال فيه:" فإنّما بُعِثتُ قاسِمًا بينكم" (٦). قال الإمام (٧): ذهب جماعة من أهل العلم بالحديث. والأصول أنّ هذا مقصورٌ على حياة النّبيِّ ﷺ ؛ لأنّه قد ذَكَرَ سببَ الحديث؛ أنّ رجلًا نادى: يا أبا القاسم، فالتفت النّبيُّ ﷺ ، فقال: لم أعنك، إنّما دَعَوْتُ فلانًا، فقال له النّبيُّ ﷺ : "تَسَمَّوا بِاسمِي وَلَا تَكَنَّوا بِكُنيَتِي" (٨). وقد أجاز مالك أنّ يُسَمَّى الرَّجُل محمدًا ويكنَّى بأبي القاسم (٩). وقد كان محمّد بن أبي بكر جَمَعَ الأمرين: الكُنية والاسم، وجماعة من المحمّدين، ولم ينكَر ذلك عليهم.

стр. 3855

ما جاء في الحِجَامة واجارة الحجَّام قال الإمام: ذكر مالك في هذا الباب حديث أنس بن مالك (١)؛ أنّه قال: احْتَجَمَ رسولُ الله ﷺ ، حَجَمَهُ أبو طَيبَةَ، فأمرَ له رسولُ الله بِصاعٍ من تَمْرٍ، وأمر أهله أنّ يخَفّفُوا عنه من خَرَاجِهِ. الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيح، وقد خرَّجه الأيمّة مسلم (٢) والتّرمذي (٣) وغيره (٤). قال الإمام (٥): واسم أبي طيبة نافع. وقيل: دينار. وقيل: مَيسَرَةُ مولَى محيصة. فالأحاديث صحيحة، متّفَقٌ على صحّتها ومَتْنها. وفي الحديث الغريب؛ أنّ رسول الله ﷺ حدث عن ليلةِ أُسرِيَ به أنّه لم يَمُرَّ على ملإٍ من الملائكة إِلَّا قالوا له: مُر أُمَّتَكَ بالحِجَامَةِ" (٦). وفي الحديث؛ قال ﷺ : "نِعمَ العَبدُ الحَجَّامُ، يُذهِبُ الدِّم، وُيخِفُّ الصُّلبَ ويَجلُو عن البَصَر" (٧). وإن رسول الله امتثل هذا واحتجم وأعطاه أجرته من غير شرط (٨)، وأنّه

стр. 3856

احتَجَمَ في وسَطِ رَأسِه (١). الفقه في ثلاث مسائل: المسألة الأولى: تكلَّم العلماء في أجرته، فرُوِيَ أنّ ابن عبّاس كان ياكلها من خَرَاجِ غلمانه (٢). والدّليل على جواز أجرته: إعطاؤهُ رسول الله أجرته على عمله من غير شرطٍ، وإن (٣) رسول الله لا يعطي أحدًا ما لا يحلُّ كَسْبُه ويطيبُ أَكلُه، سواءٌ كان عِوَضًا من عمله أو غير عِوَضٍ، ولا يجوزُ في أخلاقه وسُنَّته وشريعته أنّ يعطيَ عِوَضًا على شيءٍ من الباطل. الدّليل الثّاني: قولُه: "أَحفُوا الشَّوارِب وَأَعفُوا اللِّحي" (٤)، وقولُه: "مِن السُّنَّةِ قَصُّ الشَّارِبِ" (٥). وهذا كلُّه يدلُّ على أنّ كسبَ الحجّام طيِّبٌ لا بأس به، وأن حديث أبي جُحيفَة عن النّبيّ؛ "أنّه نَهى عن ثَمَنِ الدِّم" (٦) ليس من كَسْبِ الحجّامِ في شيءٍ، وأنّه لا وجه لكراهية أبي جُحيفَة لكسب الحجّام من أجل ذلك. وقد بيَّنَّا ذلك في كتاب البيوع بأحسن وجهٍ. الثّانية (٧): قولُه ﷺ إنَّ من أَمثَ-:"لِ ما تدَاوَيتم به الحِجَامَة" (٨) "ومن خير ما تَدَاوَيتم به

стр. 3857

الحِجَامَة" (١) حديث آخر. وفي حديث ابن عبّاس أنّ رسول الله ﷺ قال: "الشِّفَاءُ في ثلاثٍ: في شَربَةِ عَسَلٍ، أو شَرطَةِ مِحجَمٍ، أو كَيِّةٍ بِنَارٍ" (٢). وقال علماؤنا (٣): الحِجَامةُ بالحجاز أنفع من الفَصدِ، والفَصدُ في هذه البلاد (٤) أنفع من الحجامة، وكلُّ ذلك في الجملة، وإلَّا فللفَصدِ موضعه وللحجامة موضعها. وبالجملة؛ فإن الّذين ترجموا عن الأطبَّاء لم يجعلوا للحجامة قَدْرًا؛ لأنّهم رأوا ثناء النَّبىِّ ﵇ عليها، وقد أظهر اللهُ دينه وكلامه ورسوله ولو كَرِهَ المشركون. ما جاء في المَشْرِقِ فيه حديث ابن عمر (٥)؛ قال: رأيتُ رسولَ اللهِ ﷺ يشير إلى المشرق ويقولُ: "إنَّ الفِتْنَةَ ههنا، إنَّ الفِتنَةَ من حيثُ يَطلَعُ قَرنُ الشَّيطَانِ". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيح خرَّجه مسلم (٦). المعاني والفوائد: الفائدةُ الأولى (٧): قوله: "وهو يُشِيرُ إلى المشرق ويقول: إنَّ الفتنة هاهنا" يريد -والله أعلم- هنالك معظمها وابتداؤها، أو يشير إلى فتنةٍ مخصوصةٍ يحذّر منها في المستقبل. وكانت الفتنةُ الكبرى مفتاح فساد ذات البَيْن، وهي قتل عثمان ﵁، وهي

стр. 3858

كانت سببَ وقعة الجملِ، وحروب صِفِّين كانت في ناحية المشرق. ثمّ ظهور الخوارج في أرض نجد والعراق، وما وراء النهر من المشرق. ورُوِّينا عن حُذَيفَة ﵁؛ أنّه قال: أوَّلُ الفتنةِ قتلُ عثمان، وآخرها الدَّجَّالُ (١). ومعلوم أنّ أكثر البدع إنّما ظهرت وابتدأت من المشرق. الثّانية (٢): قوله:" من حيثُ يَطلعُ قرنُ الشَّيطَانِ" يريد: حزبه وأهل وقته وزمنه، والقرنُ من النَّاس: أهل زمانٍ. ويحتَمِلُ أنّ يريدَ به: قوّته وسلاحه وعونه على الفتنة. وقد بيَّنَّاه في أوّل "الكتاب" في "باب النّهي عن الصّلاة عند طلوع الشّمس وعند غروبها". ما جاء في قتل الحيّات ذكر مالك في هذا الباب حديث أبي لُبَابَة (٣)؛ أنّ رسول الله نَهَى عن قَتلِ الحَيِّاتِ الّتي في البيوتِ. الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيحٌ ويُسنَدُ من طرقٍ، وقد خرَّجه الأيمة (٤) وغيرهم من أهل التَّصنيف من طرقٍ كثيرةٍ.

стр. 3859

المعاني والفوائد: الفائدةُ الأولى (١): نَهيُهُ ﷺ عن قتل الحيّات في البيوت حُكمَ مختصٌّ بحيات البيوت دونَ غيرِها؛ لأنّه قد قال مالك: لا تُنْذرُ في الصَّحارَى ولا تُنْذرُ إِلَّا في البيوت (٢). وقال علماؤنا (٣): وحُكمُ حيّاتِ الجُدُر وحُكمُ حيّاتِ البيوتِ واحدٌ. وقال مالك: أَحَبُّ إليَّ أنّ يؤخذ بذلك في حيّات بيوت المدينة وغيرها. الثّانية (٤): قوله: "فآذِنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ" (٥) جاء في الحديث: "آذِنُوهُ ثَلاثًا" (٦) فظن بعضُهُم أنّها ثلاث مرَّات. وقد صرَّحَ في الحديث الصّحيح أنّها "ثلاثة أيامًا" وهو قاطعٌ. الثّالثة (٧): قال علماؤنا: ليس في الإذن تحذير، أمّا أنّه اقتداء بعضهم من حديث أبي ليلى الّذي ذكره أبو عيسى (٨)؛ وهو أنّ يقول لها: "أُذَكِّرُكِ بعهد نُوحٍ وسليمانَ إِلَّا ما انصرفتِ عنَّا" وذلك جائزٌ من القول، وفيه مسألة من العلم، وهي أنّ الجِنَّ مكلَّفون، مأمورون منهيون، بمِثلِ ما كُلِّفَ به بنو آدم.

стр. 3860

الرّابعة (١): هل النّهي عامٌ في جميع المدن والصَّحَارَى، أم هو مقصور على حيّات المدينة خاصّة؟ فخصّصه قوم بقوله: "إِنَّ بالمدينةِ جِنًّا قد أَسلَمُو" (٢) ولم يذكر غيرها. والصّحيح أنّ المدينة وغيرها سواءٌ، لقوله: "نَهَى عن عَامِرِ" وفي لفظ: "عن عَوَامِرِ البيوتِ" (٣) وكذلك قال مالكٌ، وكما أسلَمَ جنّ بالمدينة، يحتمل أنّ يكون أسلم بغيرها، هذا هو الغالب، والله أعلمُ. الخامسة (٤): وهي أنّ الله تعالى يسَّرَ لهم بقُدرته التَّشَكُّل والتَّمثُّل في الهيئات، كما يسَّرَ لنا الشَّكل في الحركات. فإذا أرادت جهة، يسَّر لها الحركة إليها، وخلق لها القدرة عليها. والملائكةُ والجِنُّ في تَيَسُّر الهيئات لهم كالحركات لنا. السّادسة (٥): في حديث الغار: "وُقِيَت شَرَّكُم كما وُقِيتُم شَرَّهَا" (٦) وما نفعلُه نحن ليس بِشَرٍّ، وإنّما هو خيرٌ وأجرٌ، فإنّما سمّاه شرًّا لأنّه جزاء الشَّرِّ، كما قال: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ﴾ (٧) فسمَّى الجزاء اعتداء، وليس على عادة العرب في مقابلة الألفاظ، وإنّما اختلاف المعاني.

стр. 3861

عربيّة (١): قوله في الحديث (٢): "إِلَّا ذا الطُّفيَتَينِ وَالأَبتَر" والطُّفيَةُ خطٌّ في ظهر الحيّة (٣). والأبترُ: صِنفٌ من الحيّات أزرق (٤)، ومن خاصيّته أنّه لا ينظر إلى حاملٍ إِلَّا ألقت مافي بطنها (٥). والعمار: جمع عامر، والعوامر جمع عامرة، وهي الّتي تلزم البيوت. وقال ابن المبارك: هي الّتي تكون تضيء كأنَّها فِضَّة. ولا تلتوي في مشيها. الجِنَانُ: الحيّة. وقيل: الحيّات (٦)؛ فإن كان واحدًا فوزن فعلان، وإن كان جمعًا فواحده جنّ. والأصحّ أنّه جمع، لقوله: "إِنَّ في المدينةِ جانًّا أَسلَمُوا" (٧)، ولقوله: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ﴾ (٨) والحديث في الدّليل أَبْيَن.

стр. 3862

باب ما يُؤمَرُ به من الكلام في السَّفَر مالك (١)؛ أنّه بَلَغَهُ أنَّ رسولَ ﷺ كان إذا وضع رِجلَهُ في الغَززِ وهو يريد السَّفَرَ يقولُ: "بسم الله، اللَّهُمَّ أنت الصّاحبُ في السَّفَر، والخَلِيفَةُ في الأَهلِ، اللهمَّ ازوِ لنا الأرضَ، وهوِّن علينا السَّفَرَ، اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من وَعْثَاءِ السَّفَرِ، ومن كآَبَةِ المنقَلَبِ، ومن سوءِ المَنظَرِ في الأهل والمال". الإسناد (٢): قال الإمام: هذا حديثٌ بلاغٌ، وهو حديثٌ حَسَنٌ، يسنَدُ من وجوهٍ كثيرة من حديث أبي هريرة (٣)، وحديث عبد الله بن سَرْجِس (٤)، وحديث البراء (٥)، وحديث ابن عمر (٦)، وغيرهم. وفي بعض طرقه، إذا سافر يقول: "اللَّهُمَّ أنت الصَاحب في السفَرِ، والخليفةُ على الأهلِ، اللَّهُمَّ اصحَبْنَا في سَفَرِنَا، وَاخلُفنَا في أَهلِنا، اللَّهُمَّ إنِّي أعوذُ بك من وعْثَاءِ السَّفَرِ، وكآَبَةِ المُنقَلَبِ، وسوءِ المَنْظَر في الأهلِ والمال، ومنَ الحَورِ بَعْدَ الكور، ومن دعوة المظلوم" الحديث منتظم صحيح (٧)، خرَّجه الأئمَّة (٨) وأهل التَّصنيف. وفيه من المعاني والفوائد سبع: الأولى: قوله: "الغَرْز"، الغَرْز مثلُ الرِّكاب، يكونُ في رَحلِ البَعِيرِ من جَمَلٍ أو غير ذلك.

стр. 3863

ولا يكونُ الغرزُ إِلَّا في الرِّحالِ، وأمّا الرِّكاب فللسُّرُوجِ (١). الثّانية: قوله: "ازوِ لَنَا الأرضَ" فمعناه: اطوِ لنا الأرض، وأصل الانزِواءِ الانضمامُ والانقباض، تقولُ العربُ، قد انزوت الجلدة في النّار، إذا انقبضت واجتمعت (٢). الثّالثة (٣): قوله: "من وَعَثَاءِ السًفَرِ" ووعثاءُ السَّفر شدَّتُه وصعوبتُه (٤). الرّابعة (٥): قوله: "وَمِنْ كآبةِ المُنقلَبِ" أي لا ينقلبُ الرَّجُلُ من سَفره ولا ينصرفُ من وجهته إلى أمرٍ يكتئبُ منه ويحزَن له (٦). الخامسة: قوله: "ومن سُوء المَنظَرِ" أي ما يسوءُك النَّظَر إليه في أهلك ومالك (٧)، يقال: منظر حسن، ومنظر قبيح. السّادسة: قوله (٨):" ومنَ الحَورِ بَعْدَ الكَورِ" يعني الكور بالرّاء النّقصان بعد الزِّيادة. ومَن قال

стр. 3864

هذا أخذه من كور العمامة (١)، ويروى: "بعد الكَوْنِ" (٢) بالنّون، تقول العرب: حار بعد ما كان، يعني أنّه كان على حالة جميلةٍ فحار عن ذلك، أي رجع عمّا كان عليه من الخير (٣). ومنه قوله: ﴿إِنَّهُ ظَنَّ أَن لَّن يَحُورَ﴾ (٤) أي لن يرجع (٥). السّابعة: قوله: "الكآبة" ظهور الحزن، وقد بيّنّا هذه المعاني واستوفينا معانيها بأشعارها في "النّيِّرين" بأبدع بيان. وقد أتقن الشّيخ الإمام أبو حامد الطّوسي -نوّر اللهُ ضريحه- هذا النّوع في كتاب آداب السّفر في "كتاب الإحياء" (٦) حتّى أنّه ما ترك لأحدٍ فيه مقالًا، فلتقف عليه ففيه الشِّفاء. ما جاء في الوَحْدة في السَّفَر للرِّجال والنِّساء قوله (٧): "الرّاكبُ شيطانٌ، والرّاكبانِ شيطانانِ، والثّلاثةُ رَكْبٌ". وقولة (٨): "الشّيطانُ يَهُمُّ بالواحدِ والاثْنَيْنِ، فإذا كانوا ثلاثةً لم يَهُمَّ بِهِمْ".

стр. 3865

الإسناد: الأحاديثُ صحاح في هذا الباب. المعاني والفوائد (١): قال الإمام: كأنَّ مالكًا ﵀ قد جعل الحديث الثّاني من هذا الباب تفسيرًا للأوّل. والمعنى: أنّ الجماعة -وأقلُّها ثلاثة- لا يَهُمُّ الشّيطان بهم، ويبعدُ عنهم، وإنّما سُمِّي الواحدُ شيطانًا والاثنان شيطانان؛ لأنّ الشّيطان في أصل اللُّغة هو البعيدُ عن الخير، فالمسافرُ وَحْدَهُ يبعدُ عن الخير، يقال: شطنت داره، إذا بَعُدَت. فكأنّه عَنَى المسافر بَعُدَ عن خير الرّفيق وعَوْنِهِ والأُنْسِ به، وتمريضه إنَّ مرض، ودفع وسوسة النّفس بحديثه (٢). ولا يُؤْتَمن على المسافر وحده أنّ يضطرّ إلى المشي باللّيل، فتعترضُه الشّياطين المَرَدَةُ هازلين ومُفْزِعين. وكذلك الاثنان؛ لأنّه إذا مرّ أحَدُهما في حاجته، بقي الآخر وحده، فإن شردت له دابّة أو بقرة، أو عرض له في نفسه أو حَالِهِ شيءٌ، لم يجد من يُعينُه ولا مَنْ يكفيه ولا مَنْ يُخْبِر عنه بما يطرقه، فكأنّه سافر وَحْدّهُ. وإذا كانوا ثلاثةً، ارتفعت العلّة المخوفة في الأَغْلب؛ لأنّه يخرج الواحدُ ويبقى الاثنان. وإن كانوا ثلاثة لم يهمّ بهم الشّيطان، وأيضّا كانوا قد أقَاموا الصّلاة في جماعة، وفي حديث ابن عمر: "لو يعلمُ النَّاسُ ما في الوحْدَةِ ما سافرَ رَاكبٌ بليلٍ أَبَدًا" (٣). وهذا كلّه في السَّفر الّذي يَجُوزُ فيه قصر الصّلاة، وأمّا ما كان دون ذلك، فلا بأس بالسّفر فيه للواحد لأنّه أمر قَريبٌ. واختلفَ النّاسُ في معنى ذلك، فقيل: إنَّ الشّيطان يضجر به. وليس ذلك على الحَتْمِ، إنّما ذلك على طريق الأدب والتّعلّم، وقد كان رسولُ الله يبعث البريد وحده والرّسول إلى البلدان بالدّعاء إلى الإيمان، والخلفاءُ بعدَهُ كان يُبْعَث إليهم بالفتوح؛ لأنّ

стр. 3866

ذلك من الضّرورات، ولم يُحفَظ أنّه أرسل ثلاثة. وقد قيل: إنّه أرسل يوم الحُدَيْبِيّة عُتْبَة الخزاعي على مسيرة أيّام (١)، واللَّهُ أعلم. وأمّا المرأة في سفرها فقد قال (٢): "لا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تؤمنُ باللَّهِ واليوم الآخرِ تُسافِرُ مسيرةَ يوم وليلةٍ إِلَّا مع ذِي مَحْرَم منها" وقد بينّا ذلك على الاستيفاء في كتاب الحجِّ (٣). الأمرُ بالرِّفْقِ بالمملوك أدخل مالك فيه حديث أبي هريرة (٤)؛ قال: قاا رسولُ الله ﷺ : "للمَمْلُوكِ طعامُهُ وكِسْوَتُهُ بالمعروفِ، ولا يُكَلَّفُ منَ العملِ ما لا يُطِيقُ". الإسناد: الحديث صحيح، وفي هذا الباب أحاديث كثيرة صحاح، خرّجها الأيمّة (٥) من طرق (٦)، من حديث أبي ذّرٍّ وأبي مسعود. أمّا حديث أبي ذرّ، قوله: "إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ" (٧).

стр. 3867

وأمّا حديث أبي مسعود: "اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْكَ" (١) صحيحٌ في الباب. مقدّمة (٢): اعلم أنّ الأصل في الخَلْق الحريّة، وعليها خُلِقَ الإنسانُ، إلّا أنّه لمّا عَصَى ضَرَبّ عليه الرِّقّ، وأدخله تحت ذِلَّة المملوكيّة، وجعل في ذلك رِفْقًا للأحرار، وأبقَى الرِّقَّ على النَّسلِ أَثَرًا من آثار الكفر، يعمل عمل أصله، حتّى إذا تأكّدت العقوبة واستمرّت، وقع الزَّجْرُ موقعه. كما أنّ العدّة لمّا كانت أثرًا من آثار النّكاح، عملت عملَها، أصلها في جُمَلٍ من الأحكام. الفوائد والمعاني في تسع: الفائدةُ الأولى (٣): قوله (٤): "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ" يعني خدمكم الّذين يعملون لكم أمركم، ويهيِّئون لكم منافعكم. الثّانية (٥): قوله (٦): "للمملوكِ" وقال في الحديث الثّاني (٧): "فِتْيَة" يعني مماليك. والفتى أيضًا العبدُ المملوكُ، ومن هذا قيل: إنَّ يوشع كان عبد موسى، لقوله: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ﴾ (٨)، وقال يوسف لفتيته: ﴿اجْعَلُوا بِضَاعَتَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ﴾ (٩). الثّالثة (١٠): قوله (١١): "تَحْتَ يَدِهِ" بمعنى تحت قُدْرَته وسلطانه ونعمت

стр. 3868

الرّابعة (١): قوله: "فَليُطْعِمْهُ مِمَّا يَأكُلُ" (٢) يعني به الشَّبع، والله أعلم. وقال الحسن: بل يطعمه ممّا يأكل هو. وقيل: إنّما أراد بقوله: "فَليُطْعِمْه" ممّا يأكل، أي من جِنْسِ الطّعام الّذي يأكل هو، إنَّ كان بُرًّا فيُرًّا، وإن كان شعيرًا فشعيرًا، وإن كان بإدامٍ كذلك، وإن لم يؤاكله فليُطْعِمْهُ منه. وإن كان الرّاوي من الصّحابة هو أبو ذرّ قد حملً الحديث على ظاهره، فجعل لغلامه حُلَّة مثل حُلّته، وإن كان الصَّدر الأوّل الّذين صحبوا رسول الله ﷺ لم ينكروا عليه ذلك. وقد كان من الصّحابة من لم يكسه ممّا يلبس، ولا يحمله على ظاهره. الخامسة (٣): "تكليفُه ما يَغْلِبُهُ" (٤) وهذا ممّا لا خلاف فيه، فإن خالف الحديث، وكلَّفَهُ ما لا يطيق، فإنّه لا يدخل الجنّة، كمَا خرَّجه أبو عيسى (٥) صحيحًا (٦). وقال ابن القاسم: لأنّ الله تعالى قال: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (٧) فهو قد كلَّف نفسًا ما لا تطيق، بل ينبغي أنّ يعينها جُهْدَهُ، ويرى نِعَمَ اللَّهِ عليه إذ جعلَهُ مخدومًا ولم يجعله تحت يد غيره خادمًا.

стр. 3869

السّادسة (١): قال نبىُّ التّوبة أبو القاسم ﷺ : "مَنْ قَذَفَ مَمْلُوكَهُ بِزِنًا وكانَ بريئًا ممَّا قالَ، أقام اللَّهُ عليه الحدَّ يومَ القيامةِ، إلّا أنّ يكون كما قالَ" (٢) فبيّن سقوطه في الدّنيا لشَرَفِ المملكة، وبذلك استدلّ أشياخنا على سقوط القصاص عنه بالجناية، أصله حدّ القذف. وحديث: "مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ" (٣) لا يثبتُ له قدمٌ في الصِّحة (٤). السابعة (٥): قوله: "كُنْتُ أَضْرِبُ عَبْدًا لي (٦)، أو قال: مَمْلُوكًا لي، فقال رسول الله ﷺ : وهو من خَلْفِي: اللَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْهِ مِنْكَ" (٧). الحديث فيه دليلٌ على أنّه لا قصاصَ عليه في ضربه، إذ لم يعاقبه النبيّ ﷺ (٨). الثامنة (٩): فإن قطع له عضوًا، أو ضربه فَمَثَّلَ به عمدًا؟ فإنّه يُعتَق عليه عند مالك (١٠) ولا

стр. 3870

يؤدّب. وقال سائر الفقهاء: يؤدّب ولا يعتق عليه، ولم أر من أشياخنا من فهم هذه المسألة، ويسّرَ اللهُ لي وجه الدّليل فيها، فقلت: إنّما ألزمه مالك العتق لأنّه أَتْلَفَ الرَّقَّ في جزءِ منه، فسرَى إلى غيره كما لو أعتقه، وهذا فيه نظر، بيانُه في كتاب العِتْق. التّاسعة: قال علماؤنا (١): لا بأس من أنّ يقول العبد لسيّده: يا سيّدي، قال الله : ﴿وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ﴾ (٢) وقال: ﴿وَسَيِّدًا وَحَصُورًا﴾ (٣). وفي الحديث: "لا يَقُولَنَّ أحَدُكمْ: عَبْدِي، وَليَقُلْ: فَتَايَ. ولا يَقُولَنَّ أَحَدُكمْ لِمَوْلَاهُ: مَوْلَاي؛ فَإِنَّ مَوْلَاكُمُ اللهُ" (٤). ما جاء في البَيْعة الأحاديث في هذا الباب صحاحٌ خرّجها الأيمّةُ من طرقٍ. الإسناد: قال الإمام: حديث مالك في هذا الباب مشهور، وحديث عُبَادَة في "البخاريّ" (٥) و"مسلم" (٦) -وكان ممّن شَهِدَ بَدْرًا، وهو أَحَدُ النُّقَباءِ ليلةَ العَقَبَة-: أنَّ رسولَ الله ﷺ قال -وحَوْلَهُ عِصَابَةٌ-: "بَايعُونِي عَلَى أنّ لَا تُشْرِكُوا باللهِ شَيْئًا، ولا تَسْرِقُوا، ولا تَزْنُوا، ولا تَقتُلُوا أولادَكُم، ولا تأْتُوا بِبهْتَانٍ، ولا تَعْصُونِي فِي مَعْرُوفٍ".

стр. 3871

الأصول: مصداق هذا الباب، قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ (١). وفي حديث آخر: "تايَعْنَا رَسُولَ الله ﷺ على أَلاّ نَفِرَّ، ولم نُبَايِعْهُ على الموتِ" (٢). المعاني والفوائد: الفائدةُ الأولى: في العربيّة (٣) البيعةُ: مصدر باعَ يَبِيعُ بيعةً، عبارة عن فعلٍ واحدٍ، كالضّربة والقتلة. والمعنى فيه: أنّه باع نفسه من الله وفي الله، بأن بَذَلَهَا له في الطّاعة، ليأخذ الثّواب عِوَضًا عنها، أو عمّا بذل (٤). الثّانية (٥): في انقسام البيعة وهي تنقسم على ثلاثة أقسامٍ: القسم الأوّل: البيعةُ على الإسلام. الثّاني: البيعةُ على الجهاد. الثّالث: البيعةُ على المَوْتِ.

стр. 3872

تنقيح (١): أمّا بيعةُ الإسلام، فقد إنقطعت بانتشار الإسلام. وأمّا بيعةُ النَّبيِّ ﷺ ، فإنّها مخصوصةٌ به. واختلف في صفة البيعة كيف كانت؟ فقيل: على الموت. وقيل: على ألَّا نفرّ. وقيل: على التّوحيد؛ لقوله: "لا تُشْرِكُوا". وكل ذلك ثابتٌ صحيحٌ، وهو يرجع إلى معنى قوله ﵇: "أَلَّا نَفِرَّ" ممّا عقد عليه، فالتزم به: الصّبر ورضي بالموت. وقيل: على الجهاد اليوم، لقوله: "ولكِنْ جِهَادٌ وَنيَّةٌ" (٢) حتّى أَجرتِ الأنصارُ ذلك في رجزها يوم الخندق حين كانت تقول: نحنُ الذين بايعوا محمَّدًا على الجهاد ما بقينا أبدًا (٣) الثّالثة (٤): في صفة البيعة للإمام فقد قال جرير بن عبد الله: "بَايَعْنَا رسولَ الله على الطّاعَةِ، والنُّصْحِ لكلٌ مسلمٍ" (٥)، وحديث عُبَادَة أصحّ: "بايعنا رسول الله بَيْعَةَ الحرْبِ -وكان من الاثني عشر الّذين بايعوا بيعة العَقَبَةِ الأُولَى -على السَّمْعِ والطَّاعَةِ في يسرنا وعسرنا" (٦).

стр. 3873

وأمّا قول ابن عمر فيه: "مَا اسْتَطَعْتُمْ" (١) هو مطلق قولنا: "بَايَعْنَا رسولَ اللَّهِ على السَّمْعِ والطّاعةِ" وأنّ ذلك بحسب الاستطاعة، فلا يكلِّف الله نفسًا إلاّ وُسْعَها. ويقتضي أنّ المُكرَهَ لا يلزم حكمًا لخروجه عن الاستطاعة، وقد بيّن العلماء في كتب الأصول أنّ المكره مستطيعٌ من وجهٍ، وغير مستطيع من وجه، وأنّ الّذي سُلِبَ من الاستطاعة، تسلب عنه المؤاخذة بحكم الشّرع، ولا يآخذُه بما بقي له منه، فضلاً من الله ونعمةً. وقيل: الطّاعة في المعروف هي الطّاعة لا غير، وما كان على غير ذلك لا يلزم. الرّابعة (٢): وأمّا مبايعةُ الإمام وطاعته إذا لم يكن أهلاً لذلك، وهل يُنَازَعُ، أو يخرج عليه أم لا؟ فمنهم من قال: يخرج عليه؛ لأنّ الّذي لزمت فيه العهدة وانعقدت عليه البيعة ألاّ ينازع الأمر أهله، فأمّا أن يترك بِيَدِ من ليس هو بأهلٍ لها، يظلمُ ويجورُ ويَعبثُ، فلا. وبهذا خرج الحسين بن عليّ رضي الله، عنه، وعبد الله بن الزُّبَيْر على يزيد، وخرج القُرَّاءُ على الحجَّاج. ورأى بعضهم الصّبر عليه والسّكون تحت قضاء الله، حتّى يحكمَ اللَّهُ بالحقّ. وبهذا أخذ عبد الله بن عمر في ولاية يزيد، وقال: إن كان خيرًا رضينا، وإن كان جائرًا صبرنا (٣). وقَال القُرَّاءُ للحسن بن أبي الحسن البصري حين خرجوا على الحجّاج: كن معنا:

стр. 3874

فقال لهم الحسن: الحجّاجُ عقوبةُ اللَّهِ في أرضه، وعقوبةُ اللهِ لا تُقابَلُ بالسّيف، إنّما تُقابَلُ بالصّبر على الظُّلم والجور، وهو خيرٌ من سَفْكِ الدِّماء ونهب الأموال، فيما لا يتحصل فيه الآن من هذين المعنيين حسن العاقبة والعافية. فاقتضى من قوله الصّبر على جورهم، كقوله للأنصار: "سَتَرَوْنَ بعدي أَثَرَةً، فاصبرُوا حتى تَلْقَوْنِي" (١) فلمّا خالفوا ذلك أوّل مرّة ابتلوا بيوم الحَرَّة. الخامسة (٢): في بيعة العبد قال العلماء: بيعةُ العبد لا تجوز؛ لأن العبد مملوكٌ، فلا تنعقد بيعته ويترك مولاه؛ لأن حقّ المولى مُقَدَّمٌ على حقّ العبد، ولا يصحُّ للعبد دين حتى يؤدّي حقّ الله وحقّ مولاه، كما جاء في الحديث (٣). السادسة: في صفة بيعة الرِّجال ثبت في الحديث أنّه ﷺ كان يصافح الرِّجال في البيعة باليد، تأكيدًا لشدَّة العقدة بالقول والفعل، فمتى خالف أحدٌ ممن بايع إمامه وأعطاه يده، لزمته العقوبة الشّديدة بالقتل أو يعفو. وقال آخرون (٤): ليس بشرطٍ في البيعة أن يعطيه يده ويصافحه؛ لأنّها عَقْد، فإِنّما ينعقد بالقول كسائر العقود. ولذلك صحّت مبايعةُ عبد الله بن عمر لعبد الملك بن مروان بالكتابة دون المصافحة. السابعة: في صفة مبايعة النِّساء قال الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا جَاءَكَ الْمُؤْمِنَاتُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا﴾ (٥)

стр. 3875

الآية ففيها للعلماء ثلاثة أقوال: القول الأوّل: أنّ النّبي ﷺ بايعهنّ بالقول ولم يباشرهن بيده الكريمة (١)؛ لأنّه نهى عن المباشرة لغير ذي محرم. والقول الثاني: أنّه ﷺ بايعهُنَّ بيده الكريمة على ثوبٍ (٢)، فإن صحّ هذا فالمصافحةُ في البيعةِ شرطٌ. والقول الثّالث: أنه أمر امرأة أن تُبايع النّساءَ بيدها عنه، وهذا جائزٌ؛ لأن النّبىَّ ﷺ بايع عثمان وهو غائبٌ، وقال: يدي عن يد عثمان (٣). وقال ﷺ : "إنَّمَا قَوْلِي لمئةِ امْرَأَةِ، كَقَوْلِي لاِمْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ" (٤). ما يُكْرَهُ من الكلام وفي هذا الباب أحاديث ثلاث: الحديث الأوّل (٥): حديثُ ابن عمر؛ قال: قال رسولُ الله ﷺ : "مَنْ قال لأَخِيهِ: كافرٌ، فقد بَاءَ بها أَحَدُهُمَا".

стр. 3876

وفي الآثار: "لا يَرْمِي رجُلً رَجُلًا بِالفِسْقِ أو بِالكُفْرِ، إلاَّ رُدَّتْ عَلَيْهِ إنْ لم يكن صَاحِبُهُ كذلك" (١). المعاني فيه (٢): قوله: "باءَ بها" يعني بوزرها. ومعناه: أنّ الكافر إذا قيل له: يا كافر، فهو حاملٌ وِزْرَ كُفْرِهِ ولا حرج على قائل ذلك. وكذلك القولُ للفاسقِ: يا فاسق، فقد باء قائلُ ذلك بِوِزرِ الكلمة واحتملَ إِثمَهَا (٣). الحديث الثاني (٤): حديث أبي هريرة؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إذا سمِعْتَ الرَّجُلَ يقولُ: هَلَكَ النّاسُ؛ فهوَ أَهْلَكُهُمْ".

стр. 3877

قال الإمام: وقد قَيّدنا الرّوايتين بنصب الكاف وضمِّها: "أهلكَهم" (١) و"أهلكُهم" (٢) والمعنى في هذا الحديث (٣) -والله أعلم- أنّ الرّجل يقول ذلك على وجه الاحتقار والازدراء والعُجْبِ بنفسه. وأمّا إذا قال ذلك تأسُّفًا وتحزُّنًا وتخوُّفًا عليهم لقبيح ما يرى من أعمالهم، فليس بداخلٍ في هذا الحديث. وقال أبو الدّرداء (٤): لن يفقهَ الرّجلُ كلَّ الفقه حتّى يَمْقُتَ النَّاسَ في ذاتِ اللَّهِ، ثمّ يعودَ إلى نَفْسِهِ فيكونَ أشدَّ مقتًا لها. وقال صالح بن خالد: إذا أَرَدْتَ أن تَعْمَلَ من الخيرِ شيئًا، فأَنْزِلِ النَّاسَ منزلةَ البقرِ، إلاّ أنّك لا تحقِرُهُم (٥). قال الإمام: يعني أنزلهم منزلةَ من لا يُميز ولا يحصِّل ولا تحتقرهم. وقال مسلمُ بنُ يَسَار: إذا لبستَ الثّوب، فظنَنْتَ أنّك فيه أفضل منك في غيره، فبئس الثّوب هو لك (٦).

стр. 3878

وقال مسلم: وكفى بالمرءِ من الشَّرِّ أن يرى أنّه أفضلُ من أخيه (١). الحديث الثالث: حديث أبي هريرة (٢)؟ أنّ رسول الله ﷺ قال: "لا يَقُل أحدُكُمْ: يا خَيْبَةَ الدَّهْرِ؛ فإِنَّ اللهِ هُوَ الدَّهْرُ". الإسناد: قال الإمام: الحديث صحيح، وقد رُوِيَ من طرق (٣)، فقال فيه: "لا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فإن اللَّهَ هو الدَّهْر" (٤) وفي بعض طرقه: "يقول الله: يسُبُّ ابنُ آدمَ الدَّهْرَ، وَأَنَا الدَّهْرُ، بِيَدِي اللَّيْلُ والنَّهَارُ" (٥) وفي بعض طرقه: "وَأَنَا الدَّهْرُ بيَدِي الأَمْرُ، أُقَلِّبُ اللَّيْلَ والنَّهَارَ" (٦). عربية (٧): يُرْوَى هذا الحديث: "وأنا الدّهرُ" بالرَّفع (٨)، ومنهم من يرويه بالنّصب بنصب "الدَّهرَ" على الظّرف، كأنّه يقول: أنا الدّهر كلّه (٩).

стр. 3879

المعاني والفوائد (١): قال علماؤنا: المعنى في هذا الحديث (٢)، أنّه ورد نهيًا عمّا كان أهل الجاهليّة يقولونَهُ من ذَمِّ الدَّهر وسبَّهِ، لما ينزل بهم فيه من المصائب في الأموال والأنفسُ، وكانوا يضيفون ذلك إلى الدّهر، ويسبُّونَهُ ويذمّونه لذلك، على أنّه الفاعل ذلك بهم، وإذا وقع سَبُّهُم على من فعل ذلك بهم، وقع على الله تعالى. فجاء النّهيُ عن ذلك تنزيهًا لله تعالى وإجلالاً له، لِمَا في ذلك من مضارعة (٣) سبِّه وذمِّه. وقد ذمَّ اللَّهُ الّذين كانوا يعتقدون هذا بقولهم: ﴿وَمَا يُهْلِكُنَا إِلَّا الدَّهْرُ﴾ (٤) وإنّما الأمر كلُّه، والدّهر بيد الله، فإذا سبَّ الرّجلُ صنعة غيره وذمّها، فإنّما يذمّ فاعلها، قال امرؤ القيس (٥): أَلاَ إنَّمَا ذَا الدَّهْرُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ ... وَلَيْسَ عَلَى شَيْءٍ قَوِيمْ بِمُسْتَمِرّ الحديث الرّابع: إِنّ عيسى بنَ مريمَ لَقِيَ خِنْزِيرًا على الطّريقِ، فقال له: انْفُذْ بِسَلاَمٍ. فقيل له: تقُولُ هذا للخِنْزِيرِ؟ فقال: أخافُ أن أُعَوَّدَ لِسَانِي المَنْطِقَ السُّوء (٦).

стр. 3880

قال الإمام (١): إنّما قيل لعيسى هذا؛ لأن الخِنْزِير كثير الأَذَى لبني آدمَ في أموالهم وزُروعهِم وكرومهم (٢). باب ما يُؤْمَر به من التَّحَفُّظِ في الكلام فيه حديث بلال بن الحارث (٣)؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إِنَّ الرّجُلَ ليَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ من رِضْوَانِ اللَّهِ" الحديث. الأسناد (٤): قال الإمام: لم يختلفِ الرُّواةُ عن مالك في إسناد هذا الحديث (٥). المعنى في هذا الحديث: أنّ الكلمةَ قد تكون ممّا يُسخطُ اللَّهَ وممّا يرضيه، وإنّها المقُولةُ عند السّلطان الجائر، فيتكلّم الرّجلُ عنده بالخير للمسلمين وما فيه نفع لهم، قيُرْضي اللَّهَ، أو يتكلَّم بالشَّرِّ والباطل ممّا يعينُهُ على جَوْرِهِ وظُلْمِهِ فيسخطُ اللَّهَ. فإذا كانت الكلمة اليسيرة تُدخِلُ صاحبها النّار، فمن الحقّ أن يُمسك الإنسانُ لسانه ولا يتكلّم

стр. 3881

إلاّ بما فيه رِضَى مولاه. هذا هو الّذي قاله الشَّارحون ني هذا الحديث، وهو الحقُّ. وفي الحديث الصّحيح عن أبي أمامة: أنّ رجلاً سأل رسول الله عند الجمرة، فقال: أيُّ الجهادِ أفضل؟ فقال رسول الله ﷺ : "من قالَ كلمةَ حقّ عند ذي سلطانٍ جائرٍ" (١). باب ما يُكرَهُ من الكلام بغير ذِكْرِ الله فيه حديث زيد بن أسلم (٢)؛ قوله: "إِنَّ مِن البَيَانِ لَسِحْرًا" أو "إنَّ بعضَ البيانِ لَسِحْرٌ". الإسناد: قال الإمام: هذا حديثٌ مُرْسَلٌ من مراسيل زيد ولكنه صحيح. المعاني (٣): اختلف علماؤنا في المعنى المقصود إليه في هذا الحديث؛ قوله: "إِنَّ مِنَ البيان لَسِحْرًا" هل هو على معنى الذَّمّ، أو على معنى المدح؟ فقالت طائفة من أصحاب مالك: هو على معنى الذَّم، وأضافوا أيضًا ذلك إلى مالك. واستدلّوا بإدخاله لهذا الحديث تحت ترجمة الباب بما يُكْرَهُ من الكلام. واحتجّوا على ما ذهبوا إليه من ذلك بتشبيه النّبىّ ﵇ لذلك البيان بالسِّحر. والسّحرُ محرَّمٌ مذمومٌ قليلُه وكثيرُهُ. ذلك -والله أعلمُ- لما في البلاغة من التَّفَيْهُقِ من

стр. 3882

تصوير الباطل في صورة الحقِّ، وقد قال رسول الله في المتَفَيْهِقِينَ أَنَّهُمْ أبغضُ الخَلْقِ إلى اللهِ (١). وقال آخرون -وهم الأكثر عددًا-: إنّه كلام أريد به المدح، قالوا: والبيانُ ممدوح، بدليل قوله تعالى: ﴿خَلَقَ الْإِنْسَانَ عَلَّمَهُ الْبَيَانَ﴾ (٢)، وبدليل قوله (٣):"فَعَجِبَ النَّاسُ لِبَيَانِهَا" ولأنّ النّبيَّ ﷺ أعجبه مع أنّه أميرهم بالفصاحة، فشبَّهَهُ بالسِّحر لِغَلَبَةِ السِّحر على القلوب واستمالته إليها، وهذا هو الحقُّ. حديث مالك (٤)؛ أنّه بلغه: أن عيسَى بنَ مريمَ كان يقول: "لا تُكثِرُوا الكلامَ بغير ذِكْرِ اللَّهِ فَتَقْسُو قلوبُكُمْ؛ فإنّ القَلْبَ القاسي بعيدٌ من اللهِ" الحديثُ صحيحٌ (٥). قال الإمام (٦): يريد -والله أعلم- أنّ الكلام بغير ذكر الله يكون لغوّا وإن كان منه المباح، فقد يكون منه المحظور، فالغالب عليه ما تقسو به القلوب. وقوله: "فإن القلبَ القَاسِي بعيدٌ منَ اللهِ" يريد: بعيد من رحمة الله. وقوله: "ولا تَنْظُرُوا في عُيُوبِ الناسِ كأنَّكُمْ أَرْبَابٌ" يريد أنّ العبد لا ينظر في

стр. 3883

ذنوب غيره لأنه لا يثيبُ على حسنها ولا يعاقِبُ على سيِّئها، وإنّما ينظر فيها ربّه الّذي أمره ونهاه، وأمّا العبد فإنّما ينظر في عيوب نفسه ليصلح منها ما فسد، ويتوب منها على ما فرط. وقوله::إنّما النّاسُ مُبْتَلىً وَمُعَافىً" يريد -والله أعلم- مبتلى بالذّنوب. وقوله: "فَارْحَمُوا أَهْلَ البَلَاءِ" يريد: من امتحن بالذّنوب. وقوله: "وَاحْمَدُوا اللَّهَ على العَافِيَةِ" يريد: من الذّنوب، فإنّكم بفضل الله عُصِمْتُم منها، ويحتمل أن يريد به غير ذلك من أنواع الأمراض والحاجة وغيرها، والمعافاة منها بالصحّة والغنى عن النّاس. وقد جاء (١) في حديث بلال (٢) مؤذِّن رسولِ الله ﷺ ؛ قال: النّاسُ ثلاثةٌ: فسالم وغانمٌ وظالمٌ لنفسه. قال: والسّالمُ السّاكتُ، والغَانمُ الّذي يأمرُ بالخير وينهَى عن المنكر، والظّالمُ لنفسه النّاطقُ بِالْخَنَا والمعينُ على الظُّلم (٣). وكان الرّبيع بن خُثَيْم يقول: لا خَيْرَ في الكلام إلاّ في تِسْعِ: تهليل الله، وتسبيح اللَّهِ، وتكبير اللهِ، وتحميد الله، وسؤالك الخير، وتعوُّذك من الشَّرّ، وأمرك بالمعروف، ونهيك عن المنكر، وقراءتك القرآن (٤). ورُوِّينا عن سيبويه ﵀ أنّه قال: رأيتُ الخليلَ بن أحمد في المنام، فقال لي: رأيت ما كنّا فيه؟ فإنّي لم أنتفع بشيء منه، إنّما انتفعتُ بقول: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلاّ الله، ولا حَوْلَ ولا قُوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، وأَمْرٌ بالمعروف

стр. 3884

ونهىٌ عن المنكرِ (١). قال الحافظ: وقد اختلفَ الناسُ قديمًا وحديثًا في هذا الباب، أيّهما أفضل، الكلام أو الصّمت؟ فقيل: الكلام إذا كان بذِكْر اللَّهِ. وقيل: لو كان الكلام من فِضَّةِ لكان السُّكوتُ من ذهبٍ. ولكن لا شكً أنّ الكلام بذكر الله وقراءة القرآن والحديث والتّفقُّه فيه أفضل من الصّمت. ذكرُ الغِيبَةِ أصحّ شيء في هذا الباب حديث أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : "هل تدرون ما الغِيبَةُ"؟ قَالوا: اللهُ ورسولُه أَعلم. قال: "ذِكْرُ أخاكَ بما يَكْرَهُ". قال: أرأيتَ إن كان فيه ما أقول؟ قال: "فقدِ اغتَبْتَهُ، وإن لم يكن فيه ما تقولُ، فذلك الْبُهْتَانُ" (٢). المعاني والفوائد: الأولى: قوله (٣) هذا مطابقٌ (٤) لقوله تعالى: ﴿وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ الآية (٥). وقوله: "فذلك البُهْتَانُ" هو عند بعضهم: المواجهة بالقبيح من الكلام.

стр. 3885

وقيل (١): قوله "البُهْتَان" يريد أنّه أشدّ من الغِيبَةِ، لما فيه من الباطل. وكذلك قال الهروي (٢): هو الباطل. وقد قال ﷺ : "لعنَ اللهُ كلَّ فاحشٍ متفحِّشٍ" (٣). وفي الصّحيح، قال رسول الله ﷺ : "مِنْ أَرْبَى الرِّبَا أن يستطيلَ الرجلُ في عِرْضِ المسلم بغير حَقٍّ" (٤). و"مَنْ كانَ يُؤمن باللهِ واليوم الآخر فَلْيَقُلْ خيرًا أو ليصمت" (٥). وعن عمر بن الخطاب ﵁ أنّه قال: مَنْ أَدَّى الأمَانَةَ، وَكَفَّ عن أعراضِ المسلمينَ، فهو الرَّجُلُ (٦). وقد استثنى من هذا الباب من لا غِيبَةَ فيه من الفُسَّاق، والمُعْلِنِينَ المُجَاهِرِينَ، وأهل البدع المُضِلَّين. وقوله ﷺ : "مَنْ أَلْقَى جِلْبَابَ الحَيَاءِ عن وجهه فلا غِيبَةَ فيه" (٧). والأصل في هذا: قوله ﷺ في الأحمق المطاعِ عُيَيْنَة بن حُصْن الفزاري: "بئس

стр. 3886

ابن العشيرة" (١). وقوله: "لا غِيبَةَ في ثلاثة: إمامٌ جَائِرٌ، وفاسقٌ مُعْلِنٌ بفسقِهِ، وصاحب بدعة" (٢). وقال سهل: مَنْ سلِمَ من الغِيبَةِ، أو قَال: من ترك الغِيبَة أصلًا مَشَى على الماءِ. وقد بيّنَ الإمام الطّوسي في ربع المهلكات (٣) هذا الباب وأتْقَنَهُ بما فيه كفاية. ما جاء فيما يُخافُ من اللِّسان الحديث الّذي ذكره مالك في هذا الباب (٤)، هو حديث مرسل من مراسيل عطاء ابن يسار (٥). قوله: "مَنْ وَقَاهُ اللهُ شَرَّ اثْنَيْنِ وَلَجَ الجَنَّةَ، ما بَيْنَ لَحْيَيْهِ وما بَيْنَ رِجْلَيْهِ" يريد: الفم والفَرْج، وأكثر ما يعذَّب النّاس على بطونهم وفروجهم. قال الإمام (٦): وفي هذا الحديث دليلٌ على أنّ أكبرَ الكبائرِ إنّما هي من الفَمِ والفَرْج، وما بين اللّحيين الفم، وما بين الرَّجلين الفَرْج. فمِنَ الفَمِ ما يتولّد من اللِّسان، وهو كلمةُ الكفر، وقذفُ المحصنات، وأخذ أعراضِ النَاس. ومن الفم أيضًا شُرْبُ الخمرِ، وأكلُ الرِّبا، وأكلُ أموال اليتامَى ظُلمّا. ومن الفَرْجِ الزّنا واللّواط، ومنِ اتَّقَى ما بين الفم والفَرْجِ، فأحرى أن يتّقي القتلَ، والله أعلمُ.

стр. 3887

والكبائرُ كثيرةٌ، بينّاها في "كتاب سراج المريدين" بما فيه كفاية (١). ومن حديث أبي سعيد الخُدْرِيِّ، عن النّبي ﵇؛ أنّه قال: "إذا أصبح ابن آدمَ أصبحت الأعضاء تسْتعيذُ من شرِّ اللّسانِ وتقول: اتّقِ اللهَ فينا، فإنّك إن استقمتَ استقمنَا، وإنِ اعْوَجَجْتَ اعوججْنَا" (٢). وقال ابن مسعود: "أكْثَرُ النّاسِ ذنوبًا يومَ القيامةِ أكَثْرُهُم خَوْضًا في الباطل" (٣). و"ما مِنْ شيءٍ أحقُّ بطولِ سجنٍ من لسانٍ" (٤). وعن أبي أُمَامَةَ الباهليّ؛ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "اكفُلوا لي ستَّ خصالٍ أكْفُل لكمُ الجنّةَ؛ فمن حدَّثَ فلا يكذِب، ومن وعَدَ فلا يَخْلِف، ومن ائْتُمنَ فلا يَخُنْ، واملِكوا ألسنتكم، وكفّوا أَيْدِيَكُم، واحفظوا فُرُوجَكُمْ" (٥). ما جاء في مناجاةِ، اثنينِ دونَ واحدٍ قال الإمام (٦): الحديث صحيح (٧)، والمعنى في هذا الحديث قد بان في حديث

стр. 3888

ابن مسعود (١)؛ لأنّ ذلك يحزنُ الثالثَ المنفردَ. وأمّا حديث ابن عمر فليس فيه: "فإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ" وهذا لعمري هو المشهور (٢)، وقد قال علماؤنا (٣): الحديثُ مقصورٌ على ثلاثة، وأمّا إذا كثر النّاس فلا بأس أن يتناجى منهم اثنانِ وأكثر. وقد قيل: إنّ ذلك إنّما يُكْرَهُ في السَّفَر، وحيث لا يُعْرَفُ المتناجيان، ولا يُوثَقُ بهما ويخشَى الغدْر منهما. وهو عندي الصّحيح؛ أنّه مخصوصٌ بالسَّفَر، ويشهد له الأثر من حديث ابن عمر؛ أنّ رسولَ الله ﷺ قال: "ولا يحلُّ لثلاثةٍ يكونون بأرض فلاةٍ أن يتناجى اثنان دون صاحبهما" (٤). وقد قال البونىُّ (٥): لا فرق بين الاثنين والثّلاثة والأربعة أو أكثر؛ لأنّه لا يجوز أن ينفرد واحدٌ فيتناجون من دونه؛ لأنّه يظنّ أنّهم في شيءٍ من أمره مما يَكْرَهُهُ، فيُؤْذِيهِ ذلك ويحزُنه، ويحمله على سوء الظَّنِّ بهم. ما جاء في الصِّدق والكذب قال الإمام: أدخل مالك في هذا الباب حديث صفوان بن سليم (٦)؟ أنّ رجلًا قال لرسول الله: أَكْذِبُ امْرَأَتِي؟ فقال رسول الله: "لا خَيْرَ في الكذِبِ" فقال الرّجل: يا رسول الله، أَعِدُها وأقولُ لها؟ فقال رسول الله: "لا خَيْرَ في الكَذِبِ" فأعاد عليه، فقال رسول الله ﷺ : "لا جُنَاحَ عَلَيْكَ".

стр. 3889

الإسناد (١): قال الإمام: لا أعلم هذا الحديث بهذا اللفظ يُسْنَدُ عن النّبيّ ﵇ من وجهٍ من الوجوه (٢). المعاني في هذا الباب: قال علماؤنا (٣): لا خلافَ أنّه لا بأسَ أن يَكْذِبَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ في كلَّ ما يَسْتَجِيزُ به هَوَاَها وَرِضَاها، إذا لم يُذْهِبْ بِكَذِبِهِ بشيءٍ من مالها، مِثْلَ أن يزيَّنَ لها ما يعطيها، ونحو هذا وإن كذب. الثّانية (٤): ولا خلاف أيضًا أنّه من رأى رجلًا مسلمًا يُقْتَلُ ظُلْمًا ويعرف أنّه ينجيه بالكذب، مثل أن يكون في موضع فيقول: ليس هو فيه، أو غير ذلك، أنّه يجب عليه الكذب. الثّالثة (٥): يجوزُ للرَّجُل أن يكذِبَ في الإصلاحِ بين اثنين، وقد ثبت من حديثِ أسماء بنت يزيد؛ قالت: سمعتُ رسولَ الله صلى الله عليه يقول: "كلُّ الكذِبِ يُكْتَبُ على ابنِ آدمَ، إلاّ ثلاثًا: كذبُ الرَّجُلِ امرأته ليرضيها، ورجلٌ كذبَ ليُصْلِحَ بين اثنينِ، ورجلٌ كذبَ في خديعة حربٍ" (٦). وهذا الحديث يفسَّرُ لك جميع ما تقدّم.

стр. 3890

وحدُّ الكذب عندنا هو: الإخبار بالشَّيءِ على ما ليس هو عليه (١)، وحدّ الصِّدق: مايُخْبَرُ على حقيقة ما هو به (٢). وبالصّدق فاز من فاز، والله قد أثنى على الصّادقين فقال: ﴿وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ﴾ (٣). وقال بِشْرُ بن بَكْرٍ: رأيتُ الأوزاعيَّ مع جماعة من العلماء في المنام في الجنّة فقلت وأين مالك بن أنس؟ فقال: رُفعَ. فقلتُ: بماذا؟ قال: بصدقه (٤). وقال منصور الفقيه: الصِّدْقُ أَوْلَى مَا بِهِ ... دَانَ امْرُؤٌ فَاجْعَلْهُ دِينَا وَدَعِ النِّفَاقَ فَمَا رَأَيْتُ ... مَنَافِقًا إِلّا مَهِينَا (٥) قال: يكون المؤمن جبانًا ولا يكون كذّابًا ويكون بخيلًا (٦). وكان أبو حنيفة لا يُجِيزُ شَهادةَ البَخِيلِ (٧). ما جاء في إضاعَة المال وذي الوَجْهَيْن أدخل مالك (٨) فيه حديث بن أبي صالح، عن أبيه؛ أنّ رسول الله ﷺ قال: "إنّ اللهَ
следующие страницы →