← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

الكتاب: المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك المؤلف: القاضي أبي بكر محمد عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّى سنة: ٥٤٣ هـ) قدَّم له: يوسف القَرَضَاوي الناشر: دَار الغَرب الإسلامي الطبعة: الأولى، ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧ م عدد الأجزاء: ٧ [ترقيم الكتاب موافق للمطبوع]

стр. 2

المسالِك في شرح مُوَطَّأ مالك للقاضي ابي بكر محمد عبدالله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّى سنة: ٥٤٣هـ) قرأه وعلّق عليه محمد بن الحسين السُّليماني عائشة بنت الحسين السُّليماني قدَّم له الشيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين المجلد الأول دَار الغَرب الإسلامي

стр. 3

دَار الغَرب الإسلامي جميع الحقوق محفوطة الطبعة الأولى ١٤٢٨ هـ - ٢٠٠٧م دَار الغَرب الإسلامي ص: ب.٥٧٨٧ - ١١٣ بيروت جميع الحقوق محفوظة. لا يسمح بإعادة إصدار الكتاب أو تخزينه في نطاق استعادة المعلومات أو نقله بأي شكل كان أو بواسطة وسائل إلكترونية أو كهروستاتية، أو أشرطة ممغنطة، أو وسائل ميكانيكية، أو الاستنساخ الفرتوغرافي، أو التسجيل وغيره دون إذن خطي من الناشر.

стр. 4

المسالك في شرح مُوَطَّأ مالِك للقاضي ابي بكر محمد عبد الله بن العربيّ المعافريّ (المتوفَّى سنة:٥٤٣) المجلد الأول

стр. 5

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 6

تقديم بقلم الشيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي الحمد لله ربِّ العالمين، والصلاة والسلام على رحمته للعالمين، ومنَّته على المؤمنين، وحجَّته على الناس أجمعين، سيّدنا وإمامنا وأسوتنا وحبيبنا محمد، وعلى آله وصحبه ومَن اتَّبعهم بإحسانٍ إلى يوم الدِّين. (أما بعد) فيسرُّني أن أقدِّم لهذا العمل العِلْمِي الجليل الذي قام به أخبرنا وصديقنا العالِم الباحث المدقِّق الدّؤوب الأستاذ محمد بن الحسين. السُّليماني، الذي عرَفتُه في ميادين العمل السياسي، رجلًا غيورا على وطنه الجزائر، عاملا لنصرة قضيته، حريصا على تثبيت هُويَّته العربية والإِسلامية، صابرا على الأذى والاغتراب من أجله. كما عرَفتُه في ميدان السلوك الإنساني: شخصية مهذَّبة محبُّبة، تتمسَّك بالقِيَم العليا، ومكارم الأخلاق، وتُحسِن التعامل مع الناس،

стр. 7

بكلِّ دَمَاثة وسماحة وبشاشة وأريحيَة وأصالة ... لعلّها تشيرُ إلى "ميراثه الحَسَنيّ" (١) من الأخلاق، فقد عرَفتُ كثيرا من الحَسَنِيِّين (٢) على هذا المستوى من السُمُو الخُلُقي، الموصول بجدِّهم سيدنا الحسن بن عليّ ﵄. إلى جوار ذلك عرَفتُ الأخ السُّليماني في ميدان قد يستغربُ القارئ وجوده فيه بقوّة، وهو ميدان الحوار الإِسلامي المسيحي، حيث كان أحد العناصر المهمَّة التي قامت بدور فعّال في الجمع بين الفريقين: الإِسلامي والمسيحي في روما (أكتوبر ٢٠٠١ م)، في صورة " قمَّة إسلامية مسيحية" أولى، بالتعاون مع جمعية سانت إيجديو المسيحية الشهيرة، ثم انعقدت بعدها قمَّة ثانية في برشلونة بإسبانيا، كان له جهد مقدور في انعقادها. وهذا الدور العمليّ الذي يقوم به صديقنا السُّليماني: لم يشغله عن دوره العلمي الذي تأهَّل له بدراسته وخبرته وممارسته وترهُّبه في سبيل العلم، وقد تجلَّى لنا السُّليماني العالِم الثبت في عمله المتميِّز في خدمة كتاب الإمام أبي بكر بن العربي "السالك في شرح موطأ مالك"، الذي يسمَّى في العرف العلمي اليوم "تحقيقا"، وهو لا يحبُّ

стр. 8

أن يلتزم بهذه التسمية المُحدَثة. وأنا معه في هذا التوجُّه، فقد كان علماؤنا الكبار من المحدِّثين والمفسِّرين والفقهاء والأصولين وغيرهم، يقرؤون كتب مَن قبلهم، ويعتمدونها، ولا يسمُّون هذا "تحقيقا"، بل قراءة وتصحيحا واعتمادا. وظلَّ هذا سائدا إلى عصر الطباعة، فكانت مطبعة "بولاق" الشهيرة تخرج كنوز كتب التراث، ويقرؤها علماء معتبرون ويصحِّحونها، وقليلا ما كانوا يذكرون اختلاف بعض النسخ عن بعض، إذا وجدوا في ذلك فائدة علمية لها قيمة. وصدرت مئات الكتب ممهورة باعتماد هؤلاء "المصحِّحين" الأعلام، الذين اكتسبوا ثقة سائر علماء الأمة، مما شاهد الجميع من تحرِّيهم وإتقانهم، وإشرافهم على طبعات لأعداد هائلة من الكتب التي ظهرت مصونة من الأغلاط والتحريف والتصحيف، وكثيرا ما ظهر عملهم، واختفت أسماؤهم! ثم ظهر هذا المصطلح الجديد "التحقيق" وشاع، وقَبله جمهور العلماء، ولابأس بذلك إذا عُرِف الصطلح على وجه الدقَّة، فقد قال علماؤنا: لا مُشاحَّة في الاصطلاح. المهم هنا أن يتولَّى هذا الأمر مَن يحسنه، ويملك مؤهِّلاته، وأن يعطيه حقَّه من الوقت والجهد والفكر، حتى يخرج على الوجه المرضيِّ، فقد قال ﷺ : "إن الله كتب الإحسان على كلِّ شيء"،

стр. 9

وهذا ما لم يتوافر اليوم في كثير مما يسمَّى "تحقيقا"! لقد امتلأت المكتبات ومعارض الكتب بكمٍّ غير قليل من كتب التراث (المحقَّقة)، ولكنك تجد التفاوت الشاسع بكم هذه التحقيقات بعضها وبعض. فبعض هذه الكتب المحقَّقة أقرؤها، فيضيق بها صدرى؛ لأني لا أجد فيها قراءة صحيحة ونافعة ومستنيرة للنصِّ، وبعضها أجد فيها مبالغة منكورة في تضخيم التحقيق في غير ضرورة. مثل ذكر كلِّ المخالفات بين النسخ بعضها وبعض، وأكثرها اختلافات غير مؤثِّرة، وهي تأخذ حيِّزا كبيرا ولا يكاد يستفيد القارئ منه شيئًا. ومثل الترجمة لكلِّ عَلم يَرِد في النصِّ، ولو كان من الوضوح بمكان، مثل الخلفاء الراشدين، والأئمة الأربعة، وأمثالهم. ومثل التوسُّع في تخريج الأحاديث بما لا لزوم له، وإن كان من الأحاديث الشهيرة المعروفة. ومثل التعليق على البَدَهِيات، مع إهمال التعليق في أماكن معيَّنة تتطلَّب التعليق، لإزالة الاشتباه ورفع اللبس. وإلى جوار هؤلاء "المحقِّقين" الذين ملأوا السوق، واتّخذوا من التحقيق تجارة رابحة، ﴿فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ﴾

стр. 10

[البقرة: ١٦]: أجد آخَرين يحترمون أنفسهم، ويحترمون العلماء الذين يحقِّقون تراثهم، ويحترمون قُرَّاءهم، فنجد أحدهم يعكف على النصِّ، فيعيد قراءته مرّة بعد مرّة، متفهِّما متأنِّيا، ويقابل نسخه بعضها بعض، ويملك من الحسِّ العلمي والنقدي ما يميِّز به نسخة على أخرى، وما يرجِّح به عبارة على أخرى. وقد يقف عند جملة أو لفظة يعييه فهمها على وجهها، ويراجع فيها المصادر، ويشاور فيها مَن يعرف من أهل العلم والرسوخ، حتى يطمئن إلى قراءة يرجِّحها. كما رأيتُ صديقنا أ. د. عبد العظيم الديب عمل في مواجهة بعض عبارات إمام الحرمين في (نهاية الطلب). هؤلاء هم الذين إذا نشر أحدهم مخطوطة ... فكأنما أحيا موءودة. وقد عرَفنا وعرَف أهل العلم في عصرنا: مدرسة آل شاكر (أحمد ومحمود) في التحقيق، ومَن سار على دربها، وما أرسته من قواعد احترمها كلُّ العاملين في هذا الحقل من سائر البلاد العربية: سورية، ولبنان، والأردن، والعراق، وبلاد المغرب العربي. ومن هذا النمط الرفيع: أخونا وصديقنا الأستاذ محمد بن الحسين السُّليماني، الذي قرأنا له من قبل" قانون التأويل" لابن العربي،

стр. 11

فكان تحقيقه وتعليقه موضع الترحيب والحفاوة والتقدير من كلِّ الدارسين. واليوم نقرأ له هذا الكتاب النفيس، وهو: "المسالك في شرح موطأ مالك"، يحقِّقه هو وشقيقته الدكتورة عائشة المدرَّسة في أم القرى. فهو لونٌ جميلٌ من التعاون العائليّ في خدمة العِلْم، وإن كان الشقيق يحمل العبء الأكبر في هذا العمل. ويبدو أن السُّليماني مُعْجَبٌ بشيخه ابن العربي، ومن حقِّه أن يعجب به، فالرجل من أعلام علماء الأمة الذي تهيَّأ له من أسباب تحصيل العلم ما لم يتهيَّأ لغيره، واكتمل له من الخصائص ما لم يكتمل لغيره، وأوتي من أدوات الفهم والتعبير ما لم يؤتَه إلا القليلون. "فهو الفقيه البصير الذي جانب التقليد والتزمُّت والعكوف على ترديد كلمات بأعيانها. وهو المحدِّث المستنير الذي يُعْمِلُ عقله وفكره فيما يقرأ أو يسمع، ويغوص على المعاني الدِّقَاق المُسْتَكِنَّة في أطواء النصِّ الحديثي. وهو المفسِّر المُقْتَدِر الذي أعدَّ العدَّة لعمله في التفسير، من تضلُّع من لغة العرب وأشعارها وروائع نثرها الذي يمتاز بإيجاز اللفظ وثراء المعنى.

стр. 12

وهو الأديب الذي يغوص على المعنى، ويفتنُّ في التعبير عنه، واستخراج العبرة من مطاويه. وهو المؤرخ الذي يقارن بين الروايات، ويَمِيزُ حقَّها من باطلها، ولا يكتفي بإيرادها كما هو شأن الكثيرين. وهو المثقَّف الواسعُ الثقافة الذي لا يَقْصُرُ نَفْسَهُ على فنٍّ أو فنون معدودة، وإنما يطوف بأرجائها، ويقطِفُ من ثمارها ما طاب له التَّطْواف والقِطاف. وهو المتكلِّم الذي درس عيون كتب الكلام، ونظر فيها نظراتٍ فاحصة مستقلَّة، لا يعنيها إلَّا كشفُ الحقِّ، ودحضُ الباطل الذي ران على كثير من أبحاث السابقين، واختيارُ الرأي الناضج الذي لا يتعارض مع حقائق الإسلام" (١). وأضيف إلى ذلك: وهو الأصولي المتمكِّن الذي عرَف الأدلَّة المتَّفق عليها والمختلَف فيها، وردَّ الفروع إلى أصولها، وعرَف الناسخ والمنسوخ. وهو المربَّي الذي يعمل على وصل العقول بمعرفة الله، والقلوب بحبِّ الله، والجوارح بطاعة الله، كمافي كتابيه" سراج المريدين" و"سراج المهتدين".

стр. 13

وقد خلَّف ابن العربي مؤلفات عدَّة في شتَّى العلوم الإِسلامية، سَرَدَها السُّليماني في مقدِّمته (١). لا يزال أكثرها مخطوطا. ومنها كتابه الكبير "أنوار الفجر" في تفسير القرآن، الذي قضى في تأليفه عشرين سنة، في ثمانين ألف ورقة، وهو شبه مفقود، وإن كان صاحبنا السُّليماني نقل عن بعضهم أنه موجود في بعض المكتبات! هذا وقد كان السُّليماني حقق كتاب "قانون التأويل" لابن العربي من قبل، ونشرته دار الغرب الإِسلامي، وكان أول تجربة له في هذا المضمار، ولم يبلغ بعد أشدُّه، ولا غرو أن اعترف بشيء من التقصير في عمله، وهذا ضرب من الشجاعة الأدبية التي لا يصل إليها إلا القليلون، فقد قال في مقدمة الطبعة الثانية للكتاب: "وقد صحَّحتُ بعض الأخطاء التي وقعْتُ. فيها في الطبعة الأولى، كما تبَّين لي أنني تعثرتُ في بعض المسائل تعثرا قبيحا، لغرارتي يومئذ، وجهلي بوعورة التحقيق، وتشعُّب مسالكه وأنا على يقين أن هذا القصور سيزول إن شاء الله، بتعاون أهل الخبرة بتراثنا الإِسلامي العريق، وذلك بإظهاري على أوهامي في التحقيق والتعليق، وتبيين ما دقَّ عن فهمي من معاني الكتاب، حتى أتجافى عن مواطن الزلل" (٢).

стр. 14

واستشهد بكلمات بليغة لصديقنا وبلديِّنا المحدِّث اللغوي المحقِّق الناقد الشيخ سيد أحمد صقر ﵀. واليوم وقد صلب عوده، وارتفع عموده، وآتت شجرته أُكلها بإذن ربها، واستجمع عدَّته وآلته، فعكف على هذه الذخيرة النفيسة من ذخائر ابن العربي، بعد أن عاش معها ومعه سنين عددا، ليخرجها لنا محرَّرة منوَّرة، ميسَّرة معطَّرة. يقول السُّليماني: "صحبنا ابن العربي وتراثه لأزيد من عشرين سنة دأبا، عكفتُ فيها على دراسة ما وصلنا من تراثه المطبوع والمخطوط، الذي تناثرت أسفاره بين خزائن الأرض، في بلاد الإسلام وديار الدعوة، وحصل لنا من الإنس والألفة بأسلوب الرجل، وطبعه: ما نحسب أنه يعصم الرأي من الشطط في الحكم، والزلل في القول، والتعسُّف في الاستنتاج" (١). أجل، أصبح السُّليماني اليوم يمتلك الأدوات اللازمة للتحقيق المنشود، من المعرفة الشرعية الوثيقة، والمعرفة الأدبية واللغوية المتينة، والمعرفة التاريخية الرصينة، والثقافة العامة المعينة، والحسِّ النقدي الضروري لكلِّ محقِّق أصيل، والصبر على قراءة النصِّ وفَهمه

стр. 15

ومراجعته، دون كَلَلٍ ولا مَلَلٍ، ولا تبرُّم ولا استعجال، فإن "العَجَلَة من الشيطان". وساعده على هذا: تمرُّسه بالتحقيق من قبل، ومعايشته فكريا وعمليا لتراث الأمة، وعشقه لمَن يحقِّق تراثه، فهذه العاطفة الدافقة التي يكنُّها لشيخه ابن العربي حبًّا وإعجابا وإجلالا: تجعله يُعنَى بكلِّ ما يصدر عنه عناية بالغة. ولقد عرَفتُ عددا من المحققين المعجبين بأئمُّتهم، ورأيتُ من آثارهم ما بهر الأبصار، منهم: الأستاذ الدكتور محمد رشاد سالم، المُعْجَب والمحبّ والمتأثِّر بشيخ الإسلام ابن تيمية، وقد أخرج له جملة من الروائع، أهمها: "منهاج السنة" في تسعة مجلدات، و"درء تعارض العقل والنقل" في عشرة كاملة. ومنهم: صديقنا الأستاذ الدكتور عبد العظيم محمود الدِّيب، المُعْجَب والمُحِبّ والمُولَع بإمام الحرمين الجُوَيني، والذي تخصّص في تراثه الفقهي والأصولي، فأخرج له: "البرهان في أصول الفقه"، و"الغياثي"، و"الدُّرَّة المضيَّة"، وأخيرا: كتابه الكبير "نهاية المطلب ودراية المذهب"، فهو من الأمّهات في كتب الشافعية. وأخونا السُّليماني مُعجَب بشَيخه ابن العربي، وحقَّ له أن يُعجَب به، فأنا معه من المعجبين به، فقد تميَّز الرجل بعدَّة فضائل،

стр. 16

منها: الموسوعية، والاستقلال، والقدرة على الترجيح، بل رأى بعضهم أنه بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، وهو أهل لذلك، كما رُزق الشجاعة في التعبير عما يعتقد. ولقد أعجبني أنه -وهو رأس المالكية في عصره- رجَّح رأي أبي حنيفة في إيجاب الزكاة في كلِّ ما خرج من الأرض، فيقول في أحكام القرآن في تفسيره آية سورة الأنعام: ﴿وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ ...﴾ [الأنعام: ١٤١]: "فأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحقَّ فأوجبها في كلِّ ما أخرجت الأرض مأكولا أو غير مأكول ... " (١). كذلك في "عارضة الأحوذي" في شرح حديث: "فيما سقت السماء العشر". وقد ذكرتُ ذلك في كتابي "فقه الزكاة" (٢). كتب السُّليماني مقدِّمة طويلة في التعريف بابن العربي تصلح أن تكون وحدها كتابا، ناقش فيها أمورا كثيرة تتَّصل بمصادر سيرة

стр. 17

شيخه، وإنتاجه العلمي، والمترجمين له في مختلف العصور. كما تحدَّث عن الموطأ ومنزلته ورواياته ورواتة ونسخه وشروحه؛ عن معرفة واطلاع واقتدار، ونقد كثيرا من القدماء والمُحدَثين والمعاصرين، من أمثال: محمَّد فؤاد عبد الباقي، وبشار عواد معروف، ومحمد مصطفى الأعظمي، على ما لهم من فضل. قد توافق السُّليماني أو تخالفه في بعض انتقاداته على القدامى أو المعاصرين، أو على ابن العربي ذاته، ولكنك تحترم رأيه، الذي لم يصدر إلا عن دراسة واقتناع واجتهاد، ولكلِّ عالم رأيه، ولكلِّ مجتهد نصيب من الأجر أو الأجرين، أخطأ أم أصاب. فرغم إعجاب السُّليماني بشيخه ابن العربي لم يستطع أن يخفي لومه -بل ربما غضبه- على بعض مواقفه السياسية، وحرصه على القرب من أهل السلطان، وتنقُّله بالولاء من دولة الي دولة؛ من المرابطين إلى الموحدين، حتى قال "بل لا نبالغ اذا قلنا بأن خدمة السلطة، والسعي لرضاها، كان يجري في دمه، وأنه وارثه من أبويه وأخواله من الهوازنة، وأسرته المعافرية، اللتين لعبتا الأدوار الأساسية على عهد العبَّادية والمرابطية. فيصعب عليه أن يتخلص من شهوة السلطة والطموح والنفوذ والوجاهة؛ والعرق غلاَّب ودسَّاس؛ وكلٌّ ميسَّر لما خُلق له.

стр. 18

قال: وكان الأجدر لصاحبنا -وهو في شيخوخته العالية- ألَّا يتجشَّم مشاقَّ الرحلة إلى مرَّاكش، ومتاعب الغربة عن الأهل في إشبيلية ... إلى أن قال: وربما كان رأي ابن العربي أن رئاسته لهذا الوفد: فرصة سانحة لربط الخيوط بالدولة الجديدة، والتنصُّل من أن يحسب على العهد القديم، فتنفتح له قلوب الموحدين، ويحظى بالوجاهة والمكانة ... ذلك ما نرجِّح -والله أعلم- أنه كان يلحُّ على خاطر ابن العربي، ويناسب طموحه المعهود فيه، ونرجو ألا يكون فيما استنتجناه أو تأوَّلناه شيء من القسوة أو التحامل ... " (١). ربما يؤخذ على الأخ السُّليماني هنا: أنه دخل في محيط النيَّات والسرائر، وهذه علمها عند الله، وقد أُمرنا أن نحكم بالظاهر، والله يتولَّى السرائر، وقد نقول هنا -إذا استخدمنا طريقته في إلاسنتاج-: إن الطبع الجزائري الحارَّ قد غلب على الميراث الحسني الهادئ. أما العمل الذي يقوم السُّليماني على خدمته، فهو شرح ابن العربي للموطأ. وإن للموطأ لمكانة كبيرة عند الأمة بمختلف مدارسها ومذاهبها، وهو أول كتاب أُلِّف في شرائع الإسلام، ألَّفه الإمام مالك على مهل، حتى نضج واكتمل، وقد أراد الخليفة أبو جعفر المنصور

стр. 19

أن يجعل منه قانونا عاما للمسلمين في عهده، يحملهم عليه حملا، فأبى عليه ذلك مالك ﵁. وهذا من إنصافه واخلاصه وتواضعه وحسن فقهه. والموطأ كتاب جامع، ففيه الحديث، وفيه الفقه، وفيه أصول الفقه، وفيه أصول الدين، وفيه الدعوة، وفيه التربية، وكلُّ هذه الجوانب يبدع فيها قلم ابن العربي ويحسن الشرح والتوجيه. فلا عجيب أن تراه -بوصفه محدِّثا- يرجح حديثا على حديث، أو رواية على رواية، ويصحِّح ويضعِّف بثقة واطمئنان. كما تراه -بوصفه فقيها- يناقش الآراء، ويوازن بين الأدلة، ويضعِّف ويقوِّي، ويرجِّح استنباطا على استنباط، ويختار ما يراه الأصوب والأرجح، فهو يقوم بعمل أساسي في صميم "الفقه المقارن". ولا يتَّسع المقام لضرب الأمثال، فالكتاب كلُّه واضح لمَن قرأه فأحسن قراءته. وقد حاول الكثيرون أن يكون لهم نصيب من خدمة الموطأ، في كلِّ الأعصار، وفي كلِّ الأقطار، ولكن شارحي الموطأ ليسوا سواء. وقد كان ابن العربي من أبرزهم وأميزهم، ولا ريب أنه استفاد من الأئمة الكبار الذين خدموا الموطأ من قبله، كما أقرَّ هو بذلك، من أمثال الإمام الحافظ ابن عبد البر في كتابيه "التمهيد" و"الاستذكار"، ومثل أبي الوليد الباجي صاحب "المنتقى في شرح الموطأ".

стр. 20

وهناك شروح وتفسيرات أخرى لم يعِرها ابن العربي اهتماما، وهو في شرحه تتجلّى شخصيته الموسوعية: شخصية المحدِّث المفسِّر الفقيه الأصولي المتكلِّم الداعية المربِّي الأديب. وهو يقدِّم للأحكام بمقدِّمات تتضمَّن معاني وأسرارا، قلَّما يلتفت إليها غيره. انظر إلى كتاب القول في الدماء والقسامة، يقول ﵀: "الدماء خطيرة القدر في الدين، عظيمة الرتبة عند ربِّ العالمين، وهي وإن كانت محرَّمة بالحكم والأمر، فإنها مراقة بالقضاء والحكمة، وهو الذي ضجَّت منه الملائكة، ورفعت قولها إلى الله ، فقالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ [البقرة: ٣٠]. ثم علَّمنا الله تعالى معنى ذلك وحكمته، وهي ما بيَّناه في "الأسماء"، وذلك أن الله سبحانه، له الصفات العلى والأسماء الحسنى، وكلٌّ أسمائه وصفاته لها متعلَّق لا بد أن يكون ثابتا على حكم المتعلق، ومنها عامَّة التعلُّق، ومنها خاصَّة، فلما كان من صفاته الرحمة، أخذت جزءا من الخَلق فكان لهم العفو والعافية في الدنيا والآخرة. ولما كان من صفاته السَّخَط، أخذت هذه الصفة جزءا من الخَلق فوجب لهم العذاب، واستحقَّت عليهم النقمة، إلى آخر تحقيق هذا الفصل في الكتاب المذكور. فلما خلق الملائكة يفعلون ما يؤمرون، ويسبَّحون الليل والنهار لا يفترون، لم يكد -لما تقدَّم بيانه له- من أن يخلق مَن تجري عليه هذه الأحكام وهو الآدمي، تجري عليه

стр. 21

المقادير من خير وشرٍّ، وتنفذ فيه هذه المقادير من نفع وضُرٍّ، والحمد لله الذي بصَّرنا حكمته وأحكامه، وإياه نسأل نورا يتيسَّر به العمل. ولعظيم حرمة الدماء حذَّر النبي ﵇، أمَّته عنها، فقال في الحديث الصحيح: "لا يزال الرجل في فُسحة من دينه ما لم يسفك دما حراما". فالفسحة في الدين: سَعَة الأعمال الصالحة، حتى إذا جاء القتل ضاقت لأنها لا تبقى به. وثبت عن النبي ﷺ ، أنه قال: " أول ما يُقضى فيه يوم القيامة الدماء" لأن المهمَّ أبدا هو المقدَّم. وفي الترمذي؛ أن رسول الله ﷺ قال: "زوال الدنيا أهون على الله من قتل رجل مسلم". وعن أبي سعيد الخدري، وأبي هريرة ة أن رسول ﷺ قال: "لو أن أهل السموات وأهل الأرض اشتركوا في دم رجل مؤمن لأكبَّهم الله في النار" (١) انتهى وقد استوقفني كثيرا أول الأمر: أن ابن العربي كتب شرحين للموطأ؛ أحدهما: "القبس شرح موطأ مالك بن أنس"، وقد نشرته دار الغرب الإِسلامي، بتحقيق محمد عبد الله ولد كريم ... والثاني: "المسالك شرح موطأ مالك"، الذي يعمل لخدمته أخونا السُّليماني وشقيقته، فما الفرق بين الشرحين؟

стр. 22

قد نبَّه على ذلك السُّليماني باختصار حين قال في المقدِّمة: "استوعب المؤلِّف رحمة الله عليه، في كتابه "المسالك" أغلب ما في كتابه "القبس"، وأضاف عليه إضافات كثيرة، والمتأمِّل في عنوان الكتابين يدرك هذا المعنى، فـ "القبس" عبارة عن لمحات دالَّة على المراد، جعله مؤلِّفه إملاءً على أبواب "الموطأ"، وجمعًا لِمَا فيها من الأحاديث والآثار، فهو لم يُعنَ بشرح كلِّ الأحاديث والآثار الواردة في "الموطأ"؛ بل كان ﵀، يأتي إلى الباب الذي تعدَّدت فيه الروايات، فإذا كان المآل فيها واحدا، شرح منها حديثا واحدا، وكأنه بذلك شرح جميع الباب. أما "المسالك" فقد تتبَّع فيه المؤلف ألفاظ الأحاديث حديثا حديثا (١)، مبيِّنا لمعانيها وموضِّحا لأحكامها" (٢). رضي الله عن إمامنا، إمام دار الهجرة مالك بن أنس، الذي اعتبره شيخنا محمد أبو زهرة من أئمة الرأي، وهو جدير أن يعتبر حَلْقة الوصل بين المدرستين: مدرسة الحديث والأثر، ومدرسة الرأي والنظر، ولهذا قال فيه مَن قال: لولا مالك لضاقت المسالك! ورحم الله شيخنا الإمام أبا بكر بن العربي على عنايته بالموطأ وشرحه له. وجزى الله أخانا محمدا السُّليماني وشقيقته خيرا، على عنايتهما بهذا الكتاب، وبذل الجهد في إخراجه، وأعان الله محمدا على ما

стр. 23

ينتويه من خدمة تراث ابن العربي، الذي لا يزال كثير منه حبيس المكتبات، وقد علمتُ أنه يعمل في خدمة "العواصم من القواصم"، مع أحد إخوانه من علماء الهند. وفَّقهما الله، وسدَّد خطاهما، وهدانا جميعًا سواء السبيل. وشكر الله لمن قام بنشر هذا الكتاب: (دار الغرب الإِسلامي) التي يقوم عليها أخونا الحبيب، وصديقنا العزيز الأستاذ الحبيب اللمسي، الذي نشر الكثير من روائع تراثنا العربي والإسلامي، وما ذلك إلا لخبرته ومعرفته بقيمة هذا التراث، وما فيه من كنوز نفيسة وجواهر ثمينة، لا يقدر قدرها إلا العارفون، كما قال تعالى ﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ (٤٣)﴾ [العنكبوت: ٤٣]. وإذا كانت الحكمة المأثورة تقول: من أخرج مخطوطة فكأنما أحيا موءودة! فإن هذا يشترك فيه محقّق المخطوطة بالدرجة الأولى، وناشرها بالدرجة الثانية. ولا سيما إذا كان الناشر من أهل العلم الذين لهم نظراتهم ولمساتهم في حسن الإخراج، وحسن التقسيم، وإبراز الكتاب في صورهَ مشرقة تسرّ الناظرين، وتشوِّق القارئين، وتعجب الباحثين، فإن الله جميل يحبُ الجمال. وآخر دعوانا: ﴿أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [يونس: ١٠] الدوحة في ذي الحجة: ١٤٢٧ هـ ديسمبر ٢٠٠٦ م الفقير إليه تعالى يوسف القَرَضَاوي

стр. 24

طليعة الكتاب يروي صاحبنا محمد بن الحسين السُّليماني- عَفَى الله عنه - أنَّ شقيقته عائشة فوَّضته لكتابة هذه الطليعة في هذه الأيام المباركة من ذي الحجة من عام ١٤٢٧ للهجرة، وبعد تردُّدٍ وإحجام، عَلِمَ أنّه أمر لا سبيلَ له عنه، فشَحَذَ عَزمَه للكتابة، ونفض عنه غبار الكسل. وما إن أمسك بالقلم بين أنامله حتّى أحسَّ بخاطرٍ غريبٍ، إذ عادت به الذِّكرَى إلى ماضٍ بعيد، يوم كان طالبًا في قسم الدِّراسات العليا بجامعة الملك عبد العزيز، منذ نحو من ربع قرن، في يوم من أيام شتاء مكّة الدافئ، في بيت شيخه الوقور العالم الزاهد والتكلم النظار سليمان دنيا -برَّدَ الله مضجعه ونوُّرَ ضريحه- بحي الروضة (١)، كان صاحبنا يقرأ على شيخه مقدمة "قانون التأويل" لابن العربي، والّتي قال فيها: "ودعَتِ الضرورةُ إلى الرِّحلة، فخرَجنا والأعداءُ يَشْمَتون بنا، وآياتُ القرآن تَنزِعُ لنا، وفي عِلْم البارئ - جلَّت قدرتُه - أنه ما مرَّ عليَّ يومٌ من الدَّهر كان أعْجَبَ عندي من يوم خروجي من بَلَدي، ذاهبًا إلى ربِّي، ولقد كنت مع غزارة السَّبيبَة ونَضَارَةِ الشَّبيبةِ، أحرِصُ على طلب العلم في الآفاق، وأتمنُّى له حال الصَّفَّاقِ الأفَّاقِ، وأرى أنَّ التّمكُّن من ذلك في جَنْبِ ذهاب الجاه والمال، وبُعْدِ الأهل بتغَيُّرِ الحال، رِبْحٌ في التجارة، ونُجْحٌ في الطلب، وكان الباعث على التّشبُّث - مع هول الأمر- هِمَّةٌ لَزِمَت، وعَزْمَةٌ لَجَمَت، ساقَتها رحمةٌ سَبقَت".

стр. 25

لم يخطر على بال صاحبنا آنذاك أنّ القَدَرَ يُخبِّئ له المصير نفسه، فقد امتحنه الله كما امتحن به شيخه ابن العربي، وابتلاه بالهجرة الاضطرارية، فتجَلَّدَ على مَضَضِ المحنة، وائتسى بابن العربي ورَضِيَ لنفسه ما رَضِيَه، وإليك - أخي القارئ- قبسا من سيرة هذه الهجرة وأسبابها، لعلها تشفع عندك إذا ما وقع بصرك على ما تُنكرُه أو تُقَبِّحُه من عمله في "المسالك". بعدَ عودة صاحبنا من رحلة طلب العلم في المشرق العربي، استقرَّ به المقام في جامعة الجزائر، مُدَرِّسَا للكلام والأصول، مجتهدًا - قَدْرَ الاستطاعة- في تشكيل خمائر النهوض العرفي المرتكز على قيم الوحي، واكتشاف الطاقات العلمية -وهي كثيرة والحمد لله- ومحاولة تذليل كلّ العَقَبات الّتي تُعطّل إمكاناتها، وتحاصر مَلَكاتها، لكن الإرهاب العلماني بتحالُفٍ مع قوى الشَّرِّ والبَغْي والاستئثار بالثروة والسُّلطة، غاظهم جو الحرية والانفتاح الّذي انتهجه النظام آنذاك، فقاموا بانقلاب على الشرعية، وصادروا اختيار الشعب، وتحدّوا عقيدة الناس، بأدوات القمع والقهر والاستبداد، وأدخلوا البلد في نفق مظلم أشد ما يكون الظلام ظلمة وسوادا، متذزِّعين بفلسفاتٍ ومُسَوِّغَاتِ علمانية تُعادي كلّ ما هو أصيل في هذه الأمة. وفي ظِلَّ مناخ التَّسَلُّط والظّلم والارتهان، والتّهديد والوعيد، اضطَرَّ صاحبنا إلى الهجرة اضطرارًا، فترك الجامعة والأهل والأحباب، ورَضِيَ بما سبق به القضاء المحتوم والأمر المختوم، فلا مُغَيِّرَ لنافذ الحكم، ولا مُبَدَّلَ لسابق العِلْم، وصبرَ على ما نزل به صبرا جميلا، وظلَّ يتنقَّلُ بين عواصم الفرنجة وشبه جزيرة العرب، سنين عددا، وتعَرَّفَ في ديار الدَّعوة على "الآخر" بكلِّ إنجازاته الحضاريّة ومنظومته العرفية بأبعادها الفلسفيّة، وخالط كثيرا من

стр. 26

المستشرقين، وتعرَّف دخائلهم، وخَبَر أهواءهم، واستفاد في ديار الإسلام من شيوخ العصر الوسطيّة في الفهم، وإقامة التوازن المطلوب بين الأمنيات والإمكانات في التعامل مع الأحداث والمواقف، مما مكَّنه من مُغالبة الأقدار، وتذليل العَصِيَّ وتقريب القَصِيَّ. كان صاحبُنا يقضي جُلَّ أوقاته في منفاه الاضطراريّ برُومِيَّة بالدِّيار الإيطاليّة، يختلسُ أوقاتَ الفراغ ليقضي بعض الوقت في سياحات ممتعة مع روائع التراث الإِسلامي المحفوظة بمكتبة الأمير ليون كايتاني وخزانة الفاتيكان، يستعينُ بحلاوة الفقه وأصوله والحديث ورجاله، على السِّياسة ومرارتها والسِّياسيِّين ونفاقهم، تلك الأيام الْمُمِضَّة الّتي بلغت فيها الخصومة بين أبناء وطنه أقصاها، فتَنَكَّرَ بعضُهم لبعضٍ، وأضمَر بعضُهم لبعض من الحقد والكراهية والعَداوة ما أدَّى إلى الاقتتال الدّاخلي، واستباحة الأعراض والأموال، وجرت الدماء أنهارا، دون أن تكون في هذا التعبير مبالغة أو غُلُوّ، في مَشهْدٍ مُرْعِبٍ تنخلعُ له القلوب، وتمِيدُ له الجبال فَرَقا. وفي وسط هذه الأهوال القاسية الفظيعة، كانت نفسُ صاحبنا تجدُ شيئًا كثيرا من الألم والحسرة، ولكن الضّعف لم يعرف إليه طريقا، بل لا نبالغ إذا قلنا إنّ الألم زاده عنادًا في محاولة إيجاد الحلول والبدائل الّتي تؤدِّي إلى شاطئ الأمان، أو إلى تخفيف المعاناة على أقلِّ تقدير، فسَعى بكلّ ما أوتي من قوة -مع المخلصين من أبناء الوطن- إلى جمع الفُرَقاء السِّياسيِّين الممثِّلين للشَّعب الجزائري في روما في: ١٢/ ٨/ ١٤١٥هـ الموافق ١٣/ ١/ ١٩٩٥ م، بعد أن تعذَّر التّلاقي في الوطن، فتمخَّض الاجتماع عن وثيقة العقد الوطني، هذه الوثيقة التي شخّصت الدّاء ووَصَفت الدُّواء بإجماع من أغلب التيارات

стр. 27

الإِسلامية والوطنية والديمقراطية، ومن أسفِ فإنّ "حزب فرنسا" في الجزائر رفض هذه الوثيقة جملة وتفصيلا، مما أدخل البلاد والعباد في دوامة من العنف والعنف المضاد، الّذي أشار إليه صاحبنا سابقا، ولا زال الوضع في حاجة إلى مزيد من فتح أبواب المراجعة والمصارحة والجادلة والحوار، لتوسيع دائرة التفاهم ومعرفة حقيقة ما جرى، ثم المصالحة، والاشتراك في بناء المتّفق عليه، ومعالجة الخلل والانحراف أينما وُجدَ. وكأننا بصاحبنا وقد جمح به القلم، لم يلتزم كما تعارَفَ عليه أهل العلم من كتابة المقدمات، وراح يجاري خواطره، ويبثُّ ما يجيشُ به صدره المكلوم، وعَدَلَ عن مُراعاة الأشكال والرُّسوم، فلنقنع من صاحبنا بهذا الاختصار المفهم، والإيماء الخاطف، ولنستنبئه عن قصة القاضي أبي بكر بن العربي وكتابه المسالك، لعلّنا نتجاوز عن هَنَاتِه، ونغتفر له ما فَرَطَ منه في حقِّ مناهج البحث العلمي. كان أوّل عهد صاحبنا باسم القاضي ابن العربي في بداية العقد التاسع من القرن الهجري الماضي، الموافق لبداية العقد السابع من القرن الميلادي، حيث دأبت وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية -آنذاك- على عقد ملتقيات منتظمة للتعرُّف على الفكر الإِسلامي، يشارك فيها كبار الفقهاء وأعلام الفكر والثقافة من عرب وعجم ومستشرقين، وكانت عواصم الولايات تتسابق في التشرف باستضافة المشايخ والعلماء، وكان من نصيب مدينة صاحبنا "المدية" زيارة الشيخ "محمد أبو زهرة " صاحب العلم الغزير، والحجة البالغة، والشخصية المؤثِّرَة، وعلى مائدة الغداء سمع من أبي زهرة نقدا لاذعا للشيخ محمد عبده وتلميذه الشيخ رشيد رضا، ثم أفاض في الحديث عما يحوكه

стр. 28

المغرضون من مكائد ضد الإسلام، ووقوف علماء الأمّة لهم بالمرصاد، ثمّ ضرب مثلا بالقاضي أبي بكر بن العربي وجهاده بالقلم واللِّسان ضدّ الفلاسفة والباطنية وغلاة الصوفية والظاهرية والمقلِّدة، وفي هذه المناسبة طلب الشيخ من والد صاحبنا نسخة من كتاب "العواصم من القواصم" طبعة الشيخ عبد الحميد بن باديس، وقد عظم قدر أبي زهرة في نفسه، ووقرت منزلته في صدره، فحث والده على إسعافه بحاجته، وتمكينه من بغيته، ومن يومها وصاحبنا حفي بابن العربي ومؤلَّفاته، يجمعها ويزيِّن بها خزانة والده، ويفاخر بها أكفاءه ونظراءه. أمّا أوّل عهده العلمي -أو العَمَلِيّ بصورةِ أدقّ- بأبي بكر بن العربي في حياته الدراسيّة فكان بعد حصوله على درجة الإجازة في العقائد والأديان من جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة، وانتسابه إلى قسم الدراسات العليا الّذي كان يضم آنذاك كبار شيوخ وأساتذة الفكر الإِسلامي في العصر الحديث، من أمثال سليمان دُنْيا، وسيد سابق، ومحمد قطب، ومحمد الغزالي، ومحمد كمال إبراهيم جعفر، وسيِّد أحمد صَقْر، ومحمد يوسف الشّيخ، ومحمد الصّادق عرْجُون، ومحمد محمد أبو شَهْبَة، ومحمد عبد النعم القِيعِيّ، وعليّ العَمَّاري، وتمَّام حَسَّان، ولطفي عبد البديع، وخليل عساكر، ومحمود الطناحي، وغيرهم من أساطين العلم وحُفَّاظ الشريعة، وفي ظلِّ هذه الكوكبة من شموس المعرفة أخذ صاحبنا يفكِّر في الإعداد لدرجة العالمية الأولى، كان فتى لا يملُّ الدُّؤوب والسعي، يتردَّدُ على أغلبهم في قاعات الدَّرس أحيانًا، وفي دورهم أحيانا أخرى، وأسبغوا عليه من برِّهم وإحسانهم وتشجيعهم، كما لا ينهض به ثناء، ولا يقوم بحقِّ شُكره لسانٌ.

стр. 29

وكان يسعدُ ويغتبطُ أشدَّ السَّعادة والاغتباط -ولا يزال- عندما يتشرَّف بخدمة أساتذته وشيوخه حُبًّا وكرامةً، فكثيرا ما كان يهديهم المطبوعات المغارببة، ومن جملتها كتاب "العواصم من القواصم" في طبعته الجزائرية، مما اضطرَّه للتوسُّع في البحث والاستقصاء عن مؤلَّفات ابن العربي، حتى يكون كلامه مع أساتذته كلام البصير العارف بمطبوعات بلاده. وهكذا وجدَ صاحبُنا نفسه يُقبل على مطالعة تراث أبي بكر بن العربي وُيحِيطُ به خُبْرًا، ويستكشفُ معالم فِكرِه، ويتعرَّف على مُجمَل مصنَّفاته، وكان أوّل ما نصحه أستاذه سَيِّد أحمد صقر بقراءته، "العواصم من القواصم" (١)، في مطبوعاته الثلاث، طبعة الشيخ عبد الحميد بن باديس، والقسم الأخير الذي طبعه الأستاذ محب الدين الخطيب، وطبعة الأستاذ عمار طالبي، ولا أكتمك أخي القارئ أن صاحبنا استثقل وكَرِه الرُّجوعَ في كلّ فقرة إلى مختلف الطّبعَات، واعتَبَره آنذاك -بجهله وغَرَارَتِه- نوعا من أنواع الضياع، ضياع الوقت والجهد، ولكن ما إن قرأ الصفحات الأولى من الكتاب، حتى تَبيَّنَ له أن الأمر ليس عَفْوا صَفْوا، بل محفوفٌ بكثيرٍ من المخاطر والمزالِق، فقد صَعُبَ

стр. 30

عليه فهم مراد المؤلِّف وتَعَسَّرَ، فكان يكرِّرُ قراءة النَّصِّ مرّات ومرّات، يقلِّبُ النَّظَر في متن الطبعتين "ابن باديس والطالبي" وبخاصّة في هامش الثانية الّذي أخلَصَه صاحبها لِذِكْرِ فروق النُّسَخ وبعض التعليقات، وكان يقف السّاعات الطّوَال أمام لفظة أو جملة، يقتدح لها زناد الرَّأي، ويقلِّبُ وجوه النَّظَر، ثمّ يقف حائرًا وقد استعجمتْ عليه دَلالات الألفاظ، وتنَكَّرت له معاني الحروف، فكان هذا يُحْزِنُه وَيشُقُّ علَيَّ، فيلتجئ إلى أستاذه البارّ العَطُوف سَيِّد أحمد صقر يستعين به -بعد الله سبحانه وتعالي- في ما التبس عليه من وجه الصّواب، فيرشِدُه -رحمةُ الله عليه- إلى معالِمِ الطريق، ويدلُّه على مَقْطَع الحقِّ وفَصْل الخطاب، فجزاه الله خير الجزاء عما قدّم له ولجيله كلّه من توجيه ورعاية وإرشاد، وجعل كلّ ذلك في موازينه يوم تجد كلّ نفس ما عملت من خيرِ مُحضَرا. وهكذا كان هذا الكتاب خير مِرَانٍ لصاحبنا على التَّمَرُّس بكُنْهِ المخطوطات والتعلُّق بإرثنا المخطوط، وزَيُّنت له حِدَّةُ الشباب وعنفوانه آنذاك، تصوير نسخة من "المسالك في شرح موطأ مالك" لابن العربي من المكتبة الوطنية بالجزائر، قصْدّ قراءتها وضَبطِها ونشرِها، وعَرَضَها على أستاذه سيد أحمد صقر، يستنصحه الرأي والمشورة، فصرفه عن نيته وثناه عن مراده، وأشار عليه بالتَّأنِّي والتَّريُّث، وتَلَمُّس الأسباب من مظانِّها، وعلى رأس المطالب التي طلبها الأستاذ سيد: وجوب التَّضلُّع من مجمل العلوم العربية والشرعية التي ينبغي أن يتحلّى به المتصدِّي لقراءة وتصحيح كتب التراث، واستفراغ الوسع في جلب نُسَخِ الكتاب أينما وُجِدت في مكتبات العالم، كما حث صاحبنا على إشراك شقيقته عائشة في إخراج الكتاب، مع ضرورة التمهل وعدم

стр. 31

الاستعجال، فما كان من صاحبنا إلّا أن ينزل طائعا مختارا عند رأى شيخه، وأن يأتمر بمشورته ويقتدي بهَدْيه، راضيًا كلَّ الرِّضَى، ومثنيا كل الثناء الحسن على أستاذه رحمة الله عليه. ومَضَت الأيام، وتصَرَّمَت الشُّهور، وَمَحَت سَنَةٌ أختَها، وصاحبُنا يعود إلى "المسالك" بين الفينة والأخرى، كلّما آنَس فسحة من الوقت، أو غفلة من شواغل الدّهر والناس، فيقرأ ما أنجزته شقيقته عائشة، مراجعا ومستدركا، واضعا أمام عينيه وصية شيخه سيد أحمد صقر بوجوب إعطاء نص "المسالك" حظّه الكامل من النظر والتأمُّل وإنْ طال الزَّمن، وعدم العجلة في القراءة والضبط، ولم يدّخر صاحبنا وشقيقته سعيا في العمل بهذه الوصيّة، فتَطَلَّبا جلّ الوسائل المتاحة لهما في غربتهما من أجل إخراج النَّصِّ سليما معافى من آفات التّصحيف والتّحريف، ومع هذا لا يزال صاحبُنا يرى أنّه قد يكون من الحق لقرّاء هذه الأسفار أن يعترف هو وشقيقته لهم بأنّهما -وبعد الدَّأب والنَّصب وإنفاق شطر من العمر في إعدادها- ما كتبا مبحثا من مباحثها ولا قرآ نَصًّا من نصوصها إلّا وهما يعلمان أنه محتاجٌ إلى استئناف العناية به وتجديد النظر فيه، ولطَالَمَا مَنَّيا أنفسهما بهذا النظر، ولكنّهما تيقّنّا بأنّ الأمر يَضيقُ عنه نطاق الطَّمَع، فالأيّام تمضي، والظّروف تتعاقب، مختلفة متباينة أشدّ الأختلاف وأعظم التّباين، ولكنّها متَّفِقة على الحيلولة بينهما وبين ما كانا يريدانه ويأملانه من تجديد العناية وتدقيق النظر، ولكن مما لا يُدرَك كلّه لا يُترك جلّه؛ لأن صاحبنا يرى أنّنا أحوج ما نكون -في هذه الظروف- إلى بعث دفائن إرثنا المخطوط، الّذي يضمُّ بين جَنَبَاتِه ثروة فكريّة لا تفنَى، وكنوزا علمية لا تنفد، تمنحنا عِزَّ الأصالة وشُموخَ الكبرياء وشَرَفَ الانتماء، كلّ هذا تمهيدًا للمرحلة

стр. 32

الأهمّ والتي تُشكِّل المقصد، وهي فقه هذا التراث والإفادة منه في تشكيل الحاضر واستشراف المستقبل، من أجل استئناف الحياة الكريمة في ظلِّ مجتمعٍ إسلامي تسُودُه عقائد الإسلام، وتُزَكِّيه عبادات الإسلام، وتُحرِّكُه مشاعر الإسلام، وتَحكُمه تشريعات الإسلام، وتُوجِّه اقتصاده وفنونه وسياسته تعاليم الإسلام (١). وصاحبُنا على يقينٍ جازمٍ لا يعتريه فيه شكٌّ، أنه لا قوام للعِلْمِ بغير نقدٍ، لأنّ من مظاهر فساد حياتنا الأدبية المعاصرة؛ أنها أصبحت هادئة فاترة أشدَّ الفتور، أو بتعبيرٍ أدقّ راكدة أشدَّ الرُّكود، فقد أمسك العلماء الثقات عن إبداء الرّأي في ما تُخرِجه المطابع من عيون إرثنا الإِسلامي، فلا مُعَقَّبَ ولا مُناقشَ لهذه الكتب والأسفار الّتي تحتوي على جَيِّدِ العِلْمِ وسَفْسَافِه، ولا مُنْكِرَ ولا مُعْتَرِضَ على هذا العَبَث الكريه بإرثنا المخطوط الّذي أصبح كلأ مباحا لكل من هَبَّ ودَبَّ من المحقِّقين!! الذين لا يأنَفُون من العار، ولا يَتَصَوَّنون من المعايب، وصدق الأستاذ الطناحي عندما قال: "وقد قَصّرْنا كثيرا هذه الأيام في نقد النّصوص المنشورة، حتى اختلَطَتِ الأمور، وامتلأتِ السّاحةُ بالأدْعِياء، مما هو واضحٌ ومشهور، ويوم أن كان لدينا محقَّقون كبار كان معهم نُقَّادٌ كبار ... وهكذا يكون النقد ضرورة حين يَعْمِدُ إلى الأعمال الجيِّدة فيُبرِزها ويدلُّ على مواضع الجوْدة فيها والنَّفع منها، ويُنبِّه على ما يكون فيها من نقصٍ أو سَهْوٍ، ثم حين يتعقَّب الأعمال الرديئة فيُعَرِّيها ويكشف زيفها، فيكون ذلك

стр. 33

رادعًا وزاجرًا لمقْتَرِفيها من المضِيِّ في هذا الطريق الّذي لا ينبغي أن يسلكه إلّا من أعدَّ له عدّته، وأخذ له أخذه، أمّا إذا ظلَّت أمورُنا تسيرُ على المصانعة والتَّجَمُّل وغَضِّ الطَّرف، فلا أمَلَ في تقدُّمٍ أو صلاحٍ" (١). وكم كانت فرحة صاحبنا غامرة عندنا تناول شيخه الإمام يوسف القَرَضَاويّ مقدّمة "المسالك" بالتّعليق والنّقد، فبَيَّنَ لصاحبنا وشقيقته بأسلوب العارف الخبير والنقّاد البصير ما اعترى بعض أحكامهما من اعْتسافٍ وشَطَطٍ، ودلّهما على ما شاب بعض اجتهاداتهما من مُجازفة وتهَوُّر، وحسب صاحبنا وشقيقته أنَّهما التزما الصِّدقَ فيما يُسَطِّران، بعد رويَّة وتفكير، وبعد تمهل وترجيح، والصدق في هذا النِّطاق خير شَفيعٍ إن شاء الله. ولا يملُّ صاحبنا من تَرْدَادِ ما قاله شيخه العلاّمة المحقِّق سَّيِد أحمد صَقر - بَرَّدَ الله مضجعه- في خاتمة مقدِّمته لكتاب "الموازنة بين شعر أبي تمام والبحتري" للآمديّ (٢): "وإنِّي -على نَهجي الّذي انتهجتُ منذ أوّل كتابٍ نشرتُ- أدعو النقّاد إلى إظهاري على أوْهامي فيها، وتَبْيينِ ما دَقَّ عن فهمي من معانيها، أو نَدَّ عن نظري من مَبَانِيها، وفاءً بحقِّ العِلْمِ عليهم، وأداءً لحقِّ النّصيحة فيه، لأبلُغ بالكتاب فيما يُستَأنَف من الزّمان أمثل ما أستطيع من الصّحة والإتقان. والنشرُ فَنٌّ خَفِىُّ المسالك، عظيمُ المزالق، جمُّ المصاعب، كثيرُ المضايق، وشواغلُ الفكر فيه متواترة، ومَتَاعِبُ البال وافرة، ومُبهِظاتُ العقل غامرة، وجهود الفرد في مضماره قاصرة، يؤودُها حفظ الصواب في سائر

стр. 34

نصوص الكتاب، وُيعجزها ضبط شوارد الأخطاء، ورَجْعُها جميعًا إلى أصلها، فيأتي الناقد وهو موفور الْجَمَامِ، فيقصد قصدها، ويسهل عليه قَنْصها، ومن أجل ذلك قلت -وما أزالُ أقول-: إنه يجب على كل قارئ للكتب القديمة أن يعاون ناشريها بذكر ما يراه فيها من أخطاء، لتخلص من شوائب التحريف والتصحيف الّذي مُنِيَت به، وتخرُج للناس -صحيحة كاملة، والله وليّ التوفيق". ولا يسع صاحبنا إلَّا أن يتقدَّم بالشكر الموصول لرفيق عمره الأستاذ محمد عُزَيْر شمس (١) والعلاّمة النبيل محمد الراوندي، والعالم الأخ أحمد حاج عثمان الّذين شاركوه وشقيقته هموم بعض ما أشكل من الكتاب، واجتهدوا في اقتراح ما يرونه صوابا، والشكر الخالص أيضا مع العرفان والتقدير للمجاهد الأستاذ حبيب اللَّمْسي صاحب دار الغرب الإِسلامي على اصطباره على تأخّرهما وعسر مطالبهما، غير مبال بجهد أو وقت أو مال، ولأساتذتهم الأفاضل بالمغرب الأقصى أطيب الثناء وإجزل الشكر على تفضُّلهم بقراءة الكتاب وإجازته، وتبصيرهم كما غاب عنهما من دقائق الأغراض ولطيف الإشارات، وهم: عصمت دندش، وأحمد الريسوني، والتهامي الراجي، ومحمد أمين السماعيلي، ومحمد بن شريفة، ومحمد الروكي، جزاهم الله عن العلم خير الجزاء.

стр. 35

أما أستاذهما الشيخ الإمام يوسف القَرَضَاوي -أطال الله عمره- فيسألان الله تعالى أن يبقيه سَقْفًا لهذه الأمّة (١)، محروسًا بالرّعاية، محفوفًا بالعافية، مُوَفَّقًا دائما للرّشاد. وفي الختام يقول صاحبنا: انتهيتُ من كتابة هذه الطَّليعة في يوم عرفة المشهود، الّذي تزول فيه الشرور، وترتفع الأحقاد، وتعمُّ المساواة، ويسودُ السّلام، ويجتمع الناس على اختلاف ألسنتهم وألوانهم في صعيدٍ واحدٍ، لباسهُم واحدٌ، يتوجّهون إلى رَبٍّ واحدٍ، ويصيحونَ بلسانٍ واحدٍ: لبّيكَ اللهمّ لبّيك، وفي ظل هذا الصوت القدسي المجلجل، أحسستُ كَأنني قد خرجتُ من نفسي، وانفصلتُ عن حاضري، وأصبحتُ في عالَمٍ طَلْقٍ لا أثرَ فيه لقيود الزّمان والمكان، وسمعتُ صوتًا آتيا من بعيد، يقول: "أيها الناس، إن دماءكم وأموالكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا، وفي شهركم هذا، وفي بلدكم هذا، ألا هل بلغت؟ اللهمّ اشهد" وفي صباح يوم عيد الأضحى المبارك، طالعتنا الأخبار -في استفزاز للمسلمين ظاهر- بما جرى في دار السلام بعراق الرشيد وصلاح الدين، وما آلت إليه الأوضاع في صومال العروبة والإِسلام، أخبار هائلة تصدع لهولها القلوب قلوب المؤمنين حُزنا وألَمًا، وتندى لها الجباه حَيَاءً وخَجَلًا، وتَكِلُّ عن وصفها الألسنة دَهشةً وتفظّعًا، فشعرتُ في صدري بنيران مشتعلة تخنقني، فعدتُ إلى القلم، وهو يكاد يصرخُ في يدي ويبكي، ويكاد

стр. 36

يجري بالدَّم والدُّموع على القرطاس، من جزّاء الجراحات العميقة والظلمات والأهوال والتردي الّذي ليس له حدود، حيث تألَّبت علينا الصَّليبيّة المتصَهْينَة الحاقدة في تعصُّبٍ مسعورِ، متحالفة مع ميليشيا العجم أحفاد الفُرس والصَّفَويِّين، في جُنونٍ مجنونٍ، وحِقدٍ دَفينٍ، تَعُبُّ من دماء أهل السُّنَّة فلا تَشبَع، وتخرِّبُ مساجدهم فلا تَقنَع، وتَفْتِكُ بالزَّمْنَى والعاجزين، وتغتصب الحرائر، لا يصدُّها عن غيِّها خُلُقٌ أو رحمة، ولا يَرْدَعُها عن ضلالها ضميرٌ أو مُروءةٌ، فلا يحل لمسلم منذ اليوم أن يمالئ قومًا يكاشفونه بالعداوة والبغضاء ونذالة الأخلاق، نعم، لا يحلٌّ أن نخدعَ أنفسنا عن حربٍ دائرة الرَّحَى بيننا وبين الصهيونية المغتصبة والصّليبية الحاقدة وأشياعهما من الميليشيات الصَّفَوِيَّة باسم السِّياسة والكياسة والتّسامح، كفانا استخفافًا وغَفلةً وإهمالًا وقلّة مبالاة، كفانا مهانةً وصَغَارًا وهَوانًا، لابدّ من الرّجوع إلى الله، والاستعداد لإصلاح ما اختلَّ من شئون هذه الأمَّة، والتّعاون على ردِّ البَلاَء، بالرِّفق في مواضع الرِّفق، والبَأْس في مواضع البَأْس، إنه تحَدٍّ تاريخيٌّ مَصيريٌّ يواجهُنا، ويحتاجُ منّا إلى أقصى درجات التجرُّد والتّضحية والبذل والجهد الخارق، أبتهلُ إلى الله تعالى أن يرزقَنا العلم النافع، وُيبَرّأ قلوبنا من الجبن والضّعف، وأن يؤيِّدنا بالصّبر والقوّة، إنّه سميع مجيب. وكتبه حامدًا ومُصلِّيًا، الفقير إلى الله تعالى: محمد بن الحسن السُّليماني، مكة المكرمة في ١١ من ذي الحجة:١٤٢٧ هـ الموافق ٣١ من ديسنبر: ٢٠٠٦ م

стр. 37

الباب الأوّل مدخل إلى سيرة أبي بكر ابن العربيّ

стр. 38

الباب الأوّل مدخل إلى سيرة أبي بكر ابن العربيّ تمهيد: عصر المؤلِّف يتأثر الإنسان بالبيئة الّتي يعيش فيها، ويتفاعل معها، ويتجاوب مع أحداثها سَلْبًا وإيجابًا، وقد يكون تأثيره واضحًا -فيما بعد- في الأحداث الّتي تحيط به، ولذلك نعرضُ نُبْذَة مختصرة عن عصر القاضي أبي بكر بن العربي، لإلقاء الضوء على الظروف الّتي عاشها وكان لها أثرٌ كبير في حياته الشخصية وتكوينه الثقافي، وإنتاجه العلمي. ولن نستطيع -بطبيعة الحال- في هذا التّمهيد المختَصَر أن نتطرَّق إلى مُجمَلِ التاريخ الأندلسي في الحِقْبَةِ الّتي عاش فيها صاحِبُنا، ويزيدُ هذا استحالةً؛ أنّ ابنَ العربيّ عاصر نهاية عصر الطَّوائف وبزوغ وأفول نجم المرابطين وبداية دولة المُوَحِّدِين، وقد قام الباحثون المعاصرون بدراسة تلك الحِقَب باستفاضة يُحْمَدُون عليها (١)، وسنقتصر في هذا التمهيد على الناحية السياسية لأنّها تكشف الأضواء عن بعض المواقف

стр. 39

والعوامل الّتي ساهمت في تكوينه وأثرت في اتجاه حيائه (١). عهد ملوك الطَّوائف: وُلِدَ القاضي في أواخر القرن الخامس الهجري (٤٦٨ هـ) في عهد ملوك الطَّوائف، وامتد به العمر إلى منتصف القرن السادس (٥٤٣ هـ) في بداية عصر الموحدِّين، وكان العالم الإِسلامي آنذاك يعيش في ظلال الخلافة العَبَّاسيّة في المشرق والعراق، وفي ظِلِّ الخلافة الفاطميّة في مصر، وكانت بلاد الشام والحجاز واليمن بين مدِّ النّفوذ العباسيّ حينًا، وجذر النفوذ الفاطميّ حينًا آخر، أو مدِّ هذا وجذرِ ذاك أحيانًا؛ من خلال دُوَيلات مَحَلِّيَة تقوم واحدة إثر زوال أخرى، وقد بلَغَت الدّولة العَبَّاسية أحطّ درجات الضّعف والانحلال، وأَضْحَتْ أقرب إلى كونها اسْمًا يتردّدُ من كونها كيانًا دوليًا له وجودٌ محسوسٌ على السّاحة، كما تدهورت الأوضاعُ في الأندلس، حيث انهارت الدّولة الأموية، تلك الدّولة الّتي كانت ترهبُ جيرانها، وتفرض على ملوك النّصارى هيبتها واحترامها، وغَدَت الأندلس بعد الخلافة الأمويّة غنيمةً ونهبًا للطّامعين، الّذين قطّعوا جسدَها أشلاء ممزّقة، تنبئُ بسُوءِ الطّالعِ وظلامِ العاقبةِ وسُوءِ المصير، وأضحت الأندلس دويلات وإمارات صغيرة، وادَّعى كلّ حاكمٍ من

стр. 40

هؤلاء أنّه مَلكٌ مُقْتَدِرٌ، بل إنّهم جميعًا تلقّبوا بألقاب تدلُّ، على سَعَةِ الْمُلْكِ وعَظيمِ الشَّأن، وقد قال أبو عليّ الحسن بن رشيق يصف حالهم: مّما يزهِّدُني في أرض أندلس ... أسماء معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهرَّ يحكي انتفاخًا صولة الأسَدِ (١) ويصفُهُم ابن حزم الظّاهريّ بقوله: "فضيحة لم يقع في العَالَمِ إلى يومنا مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيّام في مثلها، كلّهم يتسمّى بأمير المؤمنين، ويُخْطَب لهم بها في زَمَنٍ واحدٍ، وهم خَلْفَ الحصريّ بإشبيلية على أنّه هشام ابن الحكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء، ومحمد بن إدريس بن عليّ بن حمود بمالَقَة، وإدريس بن عليّ بن حمود ببُبَشْتَر (٢) [Bobastro] ". ولعلّ خير من يُصَوَّر حالهم لسان الدِّين بن الخطيب، حيث يقول في كتابه "أعمال الأعلام ني من بُويعَ قبل الاحتلام من ملوك الإسلام" (٣): "وذهبَ أهلُ الأندلس من الانشقاق والانشعاب والافتراق إلى حيث لم يذهب كثيرٌ من أهل الأقطار، مع امتيازهم بالمحلِّ القريب، والخطّة المجاورة لعُبُّادِ الصّليب، ليس لأحَدِهِم في الخلافة إِرْثٌ، ولا في الإمارة سَبَبٌ، ولا في الفروسيّة نسَبٌ، ولا
следующие страницы →