← Шархи хадиса

Шархи хадиса · id 123665

المسالك في شرح موطأ مالك

أبو بكر ابن العربي

Полный текст (3 915 стр.). Показаны 36–75 · переход к 41.

стр. 36

يجري بالدَّم والدُّموع على القرطاس، من جزّاء الجراحات العميقة والظلمات والأهوال والتردي الّذي ليس له حدود، حيث تألَّبت علينا الصَّليبيّة المتصَهْينَة الحاقدة في تعصُّبٍ مسعورِ، متحالفة مع ميليشيا العجم أحفاد الفُرس والصَّفَويِّين، في جُنونٍ مجنونٍ، وحِقدٍ دَفينٍ، تَعُبُّ من دماء أهل السُّنَّة فلا تَشبَع، وتخرِّبُ مساجدهم فلا تَقنَع، وتَفْتِكُ بالزَّمْنَى والعاجزين، وتغتصب الحرائر، لا يصدُّها عن غيِّها خُلُقٌ أو رحمة، ولا يَرْدَعُها عن ضلالها ضميرٌ أو مُروءةٌ، فلا يحل لمسلم منذ اليوم أن يمالئ قومًا يكاشفونه بالعداوة والبغضاء ونذالة الأخلاق، نعم، لا يحلٌّ أن نخدعَ أنفسنا عن حربٍ دائرة الرَّحَى بيننا وبين الصهيونية المغتصبة والصّليبية الحاقدة وأشياعهما من الميليشيات الصَّفَوِيَّة باسم السِّياسة والكياسة والتّسامح، كفانا استخفافًا وغَفلةً وإهمالًا وقلّة مبالاة، كفانا مهانةً وصَغَارًا وهَوانًا، لابدّ من الرّجوع إلى الله، والاستعداد لإصلاح ما اختلَّ من شئون هذه الأمَّة، والتّعاون على ردِّ البَلاَء، بالرِّفق في مواضع الرِّفق، والبَأْس في مواضع البَأْس، إنه تحَدٍّ تاريخيٌّ مَصيريٌّ يواجهُنا، ويحتاجُ منّا إلى أقصى درجات التجرُّد والتّضحية والبذل والجهد الخارق، أبتهلُ إلى الله تعالى أن يرزقَنا العلم النافع، وُيبَرّأ قلوبنا من الجبن والضّعف، وأن يؤيِّدنا بالصّبر والقوّة، إنّه سميع مجيب. وكتبه حامدًا ومُصلِّيًا، الفقير إلى الله تعالى: محمد بن الحسن السُّليماني، مكة المكرمة في ١١ من ذي الحجة:١٤٢٧ هـ الموافق ٣١ من ديسنبر: ٢٠٠٦ م

стр. 37

الباب الأوّل مدخل إلى سيرة أبي بكر ابن العربيّ

стр. 38

الباب الأوّل مدخل إلى سيرة أبي بكر ابن العربيّ تمهيد: عصر المؤلِّف يتأثر الإنسان بالبيئة الّتي يعيش فيها، ويتفاعل معها، ويتجاوب مع أحداثها سَلْبًا وإيجابًا، وقد يكون تأثيره واضحًا -فيما بعد- في الأحداث الّتي تحيط به، ولذلك نعرضُ نُبْذَة مختصرة عن عصر القاضي أبي بكر بن العربي، لإلقاء الضوء على الظروف الّتي عاشها وكان لها أثرٌ كبير في حياته الشخصية وتكوينه الثقافي، وإنتاجه العلمي. ولن نستطيع -بطبيعة الحال- في هذا التّمهيد المختَصَر أن نتطرَّق إلى مُجمَلِ التاريخ الأندلسي في الحِقْبَةِ الّتي عاش فيها صاحِبُنا، ويزيدُ هذا استحالةً؛ أنّ ابنَ العربيّ عاصر نهاية عصر الطَّوائف وبزوغ وأفول نجم المرابطين وبداية دولة المُوَحِّدِين، وقد قام الباحثون المعاصرون بدراسة تلك الحِقَب باستفاضة يُحْمَدُون عليها (١)، وسنقتصر في هذا التمهيد على الناحية السياسية لأنّها تكشف الأضواء عن بعض المواقف

стр. 39

والعوامل الّتي ساهمت في تكوينه وأثرت في اتجاه حيائه (١). عهد ملوك الطَّوائف: وُلِدَ القاضي في أواخر القرن الخامس الهجري (٤٦٨ هـ) في عهد ملوك الطَّوائف، وامتد به العمر إلى منتصف القرن السادس (٥٤٣ هـ) في بداية عصر الموحدِّين، وكان العالم الإِسلامي آنذاك يعيش في ظلال الخلافة العَبَّاسيّة في المشرق والعراق، وفي ظِلِّ الخلافة الفاطميّة في مصر، وكانت بلاد الشام والحجاز واليمن بين مدِّ النّفوذ العباسيّ حينًا، وجذر النفوذ الفاطميّ حينًا آخر، أو مدِّ هذا وجذرِ ذاك أحيانًا؛ من خلال دُوَيلات مَحَلِّيَة تقوم واحدة إثر زوال أخرى، وقد بلَغَت الدّولة العَبَّاسية أحطّ درجات الضّعف والانحلال، وأَضْحَتْ أقرب إلى كونها اسْمًا يتردّدُ من كونها كيانًا دوليًا له وجودٌ محسوسٌ على السّاحة، كما تدهورت الأوضاعُ في الأندلس، حيث انهارت الدّولة الأموية، تلك الدّولة الّتي كانت ترهبُ جيرانها، وتفرض على ملوك النّصارى هيبتها واحترامها، وغَدَت الأندلس بعد الخلافة الأمويّة غنيمةً ونهبًا للطّامعين، الّذين قطّعوا جسدَها أشلاء ممزّقة، تنبئُ بسُوءِ الطّالعِ وظلامِ العاقبةِ وسُوءِ المصير، وأضحت الأندلس دويلات وإمارات صغيرة، وادَّعى كلّ حاكمٍ من

стр. 40

هؤلاء أنّه مَلكٌ مُقْتَدِرٌ، بل إنّهم جميعًا تلقّبوا بألقاب تدلُّ، على سَعَةِ الْمُلْكِ وعَظيمِ الشَّأن، وقد قال أبو عليّ الحسن بن رشيق يصف حالهم: مّما يزهِّدُني في أرض أندلس ... أسماء معتضد فيها ومعتمد ألقاب مملكة في غير موضعها ... كالهرَّ يحكي انتفاخًا صولة الأسَدِ (١) ويصفُهُم ابن حزم الظّاهريّ بقوله: "فضيحة لم يقع في العَالَمِ إلى يومنا مثلها، أربعة رجال في مسافة ثلاثة أيّام في مثلها، كلّهم يتسمّى بأمير المؤمنين، ويُخْطَب لهم بها في زَمَنٍ واحدٍ، وهم خَلْفَ الحصريّ بإشبيلية على أنّه هشام ابن الحكم، ومحمد بن القاسم بن حمود بالجزيرة الخضراء، ومحمد بن إدريس بن عليّ بن حمود بمالَقَة، وإدريس بن عليّ بن حمود ببُبَشْتَر (٢) [Bobastro] ". ولعلّ خير من يُصَوَّر حالهم لسان الدِّين بن الخطيب، حيث يقول في كتابه "أعمال الأعلام ني من بُويعَ قبل الاحتلام من ملوك الإسلام" (٣): "وذهبَ أهلُ الأندلس من الانشقاق والانشعاب والافتراق إلى حيث لم يذهب كثيرٌ من أهل الأقطار، مع امتيازهم بالمحلِّ القريب، والخطّة المجاورة لعُبُّادِ الصّليب، ليس لأحَدِهِم في الخلافة إِرْثٌ، ولا في الإمارة سَبَبٌ، ولا في الفروسيّة نسَبٌ، ولا

стр. 41

في شروط الإمامة مكتسبٌ. اقتطعوا الأقطارَ، واقتسموا المدائن الكبارَ، وجَبَوا العُملات والأمصار، وجنّدوا الجنود، وقدَّموا القُضاة، وانتحلوا الألقاب، وكتَبَت عنهم الكُتاب الأعلام. وأنشدَهُم الشُّعراء، ودُوِّنَت بأسمائهم الدّواوين، وشَهدَت بوُجوب حقّهم الشُّهود، ووقَفَت بأبوابهم العلماء، وتوَسَّلَت إليهم الفُضَلاء، وهم ما بين مَجْبُوبٍ وبربريّ مجلوب، ومُجَنَّدٍ غير محبوب، وغُفْلٍ ليس في السَّرَاةِ بمحسوبٍ. فمنهم من يرضَى أن يسمَّى ثائرًا، ولا لحزْبِ الحق مغايرًا، وقُصَارَى أحَدِهم أن يقول: أقِيمُ على ما بيَدي حتّى يتعيّن من يستحقّ الخروج به إليه. ولو جاء عمر بن عبد العزيز، لم يقبل عليه، ولا لقي خيرًا لَدَيه، ولكنّهم استوفوا في ذلك آجالًا وأعمارًا، وخلَّفُوا آثارًا، وإن كانوا لم يُبالوا اغترارًا". وهكذا نلحظُ أنّ عصر ملوك الطّوائف كان الوارث لِتَرِكَة الخلافة، وأنّ خَيرات ذلك العهد الغابر قد توزّعَتْه طوائف وفئات مختلِفَة الأعراق جِنْسًا ودِينًا، فقد تفرّقت دولة الأندلس أيدي سَبَأ، وقام على أنقاضها زعامات متعدِّدَة ومختلِفَة فيما بينها، وهو ما فصم الوَحْدَة السّياسيّة الّتي كانت تربط بين إقطار الأندلس وأطرافه. ولم يخل هذا العصر من رجال مُخْلِصين لهم مواقف مُشَرِّفَة، ونلمسُ ذلك في سيرة المتوكَّل أمير بَطَليَوْس [Badajoz] الّذي رفض في إباءٍ وشَمَمٍ تهديدات ألفونسو له، وطلبه بعض قلاعه وحصونه وأداء الجِزيَة، فردَّ عليه المتوكِّل برسالة قويّة ختَمَها بقوله: "إمّا نصرٌ مؤزّزٌ يُعْلِي اللهُ به شَأْنَ المسلمين،

стр. 42

أو شهادةٌ غاليةٌ تُوصلُ إلى رِضَى ربِّ العالَميِن" (١). كما أنّ الإمام أبا الوليد الباجيّ هَالَهُ ما شاهَدَهُ من أوضاع المسلمين وتفرُّق شملهم فـ"رفع صوته بالاحتساب، ومشى بين ملوك أهل الجزيرة بصِلَةِ ما انْبَتَّ من تلك الأسباب، فقامَ مَقَامَ مؤمن آل فِرْعَون، لو صادف أسماعًا واعية، بل نفَخَ في عِظام نَخِرَة، وعَكَفَ على أطلالٍ داثرةٍ، بَيْدَ أنّه كلّما وَفَدَ على مَلِكٍ منهم في ظاهر أمْرِه، لَقِيَهُ بالتّرحيب، وأجْزَلَ حَظَّه بالتّأنيس والتَّقريب، وهو في الباطن يستجهلُ نَزْعَته، ويستثقل طَلْعَته، وما كان أفطن الفقيه ﵀ بأمورهم، وأعلمه بتدبيرهم، لكنّه كان يرجوا حالًا تثوبُ، ومُذنِبًا يتوبُ" (٢). ولكن رغم هذا التّمزُّق في الكيان السياسيّ للأندلس في عصر ملوك الطَّوائف، فإنّ هناك حقيقة هامّة ترتبط بهؤلاء الملوك، وهي أن تعدُّد بَلاَطاتِهم، واختلاف مُيُولهم العلميّة والأدبيّة، كان له الأثر الكبير في النّشاط المعرفي في العلوم المختلفة، فتَوَفَّرَ البعضُ على الإبداع في الدِّراسات اللُّغوية، والبعض الآخر في الأدب والشِّعْر، وآخَرون في العلوم البحتة، إلى ما هنالك

стр. 43

من فروع العلم (١)، كما يُلاحَظ نشاط الرّحلات العلميّة بين الأندلس والمشرق، وذلك في سبيل تحصيل العلوم والعارف، ولقاء أكابر علماء المسلمين بالمشرق والأخذ عنهم ونقل كتبهم ومصنّفاتهم إلى الأندلس (٢). العهد المرابطي: وفي هذه الفترة الحرِجَة من تاريخِ الأندلسِ، كان الوَضعُ يتهيّأ في المغرب لظهور قُوَّةٍ إسلاميّة ضاربةٍ، ستقلبُ موازين القوى في التّعامل الدّوليّ بين المسلمين وغير المسلمين في الغرب الإِسلامي لصالح القوى الإِسلامية، وهذه هي دولة المرابطِين (المُلَثمين) والّتي ظَهَرت أوّل ما ظهرت في الصّحراء الكبرى، وتوسَّعَت أوّلًا جنوبًا في بعض المناطق الإفريقية مثل غَانَا، ثمّ بدأت تتّجه شمالًا حتّى ظهروا في المغرب عام ٤٥٢هـ في الفترة نفسها الّتي ظهر فيها السَّلاجِقَة في المشرق، وتوّسعوا وإمتدُّوا على طُول ساحليّ البحر الأبيض المتوسَّط والمحيط الأطلنطي. وفي ذات الوقت الّذي كان المرابطون يتوسّعون فيه من قلب إفريقيا شمالًا صوب السّاحل، كان ألفونسو السّادس يتوسّعُ جَنوبًا صَوْبَ السّاحل أيضًا، ولكن على ضفَّتِه الأخرى، وهكذا بَدَا وكأنَّ المغرب يستعدُّ لتواجه الخصمين وجهًا لوَجْهٍ. وفي الوقت الّذي سقطت فيه طُلَيْطِلَة [toledo] لألفونسو عام ٤٧٨هـ كان يوسف بن تاشفين أمير

стр. 44

المرابطين يستكمل توسُّعَه في الجزائر ويضمّها عام ٤٧٤ هـ وهكذا جذبت تلك القُوَّة المسلمة الصّاعدة في الغرب أنظارَ ملوك الطَّوائف في إسبانيا، فأرسلوا يستنجدون بها ويسنصرونها على نصارى الشّمال. ولا كانت دولة المرابطين نشأت في "رباط" دينيّ، وكان توجّهها توجُّهًا إيمانيًّا نَقِيًّا، كان الجهادُ سياسة أساسية لها، ونُصرة المسلمين رُكنًا من أركانها، فكانت استجابتهُم لطَلَب الذَّهاب إلى الأندلس؛ لأن "مجاهدة الإفرنج فريضة"، ولأنّ واجب السلم إغاثة أخيه السلم، فكان عُبور المرابطين للأندلس رغم توجُّس بعض ملوك الطَّوائف هناك من قوَّتهم، بل وتفضيلهم مداراة ألفونسو والاستعانة به للحيلولة دون تمكين المرابطن. ولقد كانت أوّل خطوة للمرابطين على أرض الأندلس نصرًا حاسمًا، عندما استطاعوا أن يهزموا قوات المعسكر الصّليي الحاقد في يوم الزّلّاقة العظيم عام ٤٧٩ هـ/ ١٠٨٦ م، ولقد ساهم هذا النّصر في استرداد المسلمين في الأندلس ثقتهم بأنفسهم، حيث استعادوا ذكريات الحاجب المنصور بن أبي عامر، كما أن الفتح أورثَ هيبة المرابطين في نفوس الممالك النصرانية، ثمّ الأهمّ من ذلك أنّ يوسف بن تاشفين كلّف والد قاضينا ابن العربيّ بنقل رسالة إلى الخليفة العباسيّ يطلبُ فيها الشّرعية لإمارته، فحصل عليها بفَتْوَى من الإِمامين الغزالي والطرطوشي (١). وكان هذا أوّل اتّصال بين الأندلس

стр. 45

والخلافة العباسيّة منذ قيام الدّولة الأمويّة في الأندلس قبل أكثر من ثلاثة قرون. لقد كانت حركة المرابطين حركة رشيدة في الحكم، سديدة في السياسة، منقذة للإسلام من الخطر الّذي داهمه في الأندلس، فالمرابطون هم الّذين وحَّدُوا المغرب الإِسلاميّ لأوّل مرّة سياسيًّا ودينيًّا، وقَضَوا على التمزُّق السياسيّ والمذهبيّ، وهم الّذين أوقفوا التقدم النّصرانيّ في عدّة معارك حاسمةكالزّلّاقة -الّتي أشرنا إليها سابقًا- وأُقْليش [ucles] عام ٥٠١هـ/ ١١٠٨م، وإفْراغَه [fraga] عام ٥٢٨ هـ/١١٤٣م، فكانت هذه الانتصارات سببًا في ثبات جبهة الأندلس بعد أن أوشكت على الانهيار في عصر الطَّوائف، فبَقِيَ الإسلام والمسلمون بعهدها ما يقرب من أربعة قرون (١). وفي أثناء هذا الصّراع الطّويل مع النصارى في الأندلس، تُوفِّيَ يوسف بن تاشفين سنة:٥٠٠هـ/١١٠٧م بعد حُكمٍ دام سبعًا وثلاثين سنة:، حافلة بالعمل والجهاد، وخَلَفَه ابنه عليّ، فسار بأمور الدّولة سيرًا حثيثًا إلى الأمام، وسجّل اسمه بين عظماء تاريخ المغرب الإِسلامي. وبينما كان عليّ بن يوسف يواصل جهاده وجهوده في المغرب والأندلس، بدأ محمد بن تُومَرت المعروف بمهدي الموحدِّين دعايته ضد المرابطين، واجتهد في تشويه سُمعتهم واتِّهامهم بالتَّجسيم والمروق من الدِّين، وما كان ذلك في

стр. 46

نظرنا إلّا عصبية مصموديّة، حملت ابن تُومَرْت على السَّعْي لانتزاع السُّلطان من صنهاجة الصّحراء. كما أن القول بالتّوحيد والمهديّة وعَصْمَة الإمام ما هي إلّا دعوات سياسيّة استخدَمها ابن تُومَرْت في تحقيق غاياته، وقد اجتهد أيّما اجتهاد في توجيه الاتّهامات إلى المرابطين دون حقّ، وجاء مؤرِّخُو الموحَّدين فحملوا على المرابطين حملة ظالمة، استغلّها في عصرنا كبار المستشرقين، أمثال الهولندي راينهارت دوزي [R.DozY] وغيره ممن يحملون بين جنباتهم قلبًا مفعمًا بكُرْهِ الإسلام وأهله، ومن أسَفٍ فإنّنا نرى بعض المؤرِّخين من بني جلدتنا يردِّدون كلام دُوزِي من غير بحثٍ ولا تمحيص. وفي هذا الموضوع تقول الأستاذة عصمت دندش في مقالها الماتع: "كلّمة حقّ في المرابطين" (١): "لقد وُصِمَ المرابطون بالقسوة، وأنّهم أجلاف بَدْوٌ، غزوا الأندلس طمعًا في خيراتها، فحكموها بالحديد والنار، ولكن من خلال المصادر يتبّين أنّ الحكم المرابطي كان نموذجًا متقدّمًا للحُكم الدِّيمقراطي -إذا جاز لنا أن نستعمل هذا اللفظ- الّذي تفتقِرُه الكثير من الدُّول المعاصرة في وقتنا. وكان للمرابطين الفضل في المزج بين ثقافة وحضارة الأندلس مع ثقافة المغرب والسّودان، وأياديهم البيضاء وجهادهم في نشر الإسلام والثّقافة العربية جنوب الصحراء، لا ينكره إلّا جاحد لا يقرّ الحقيقة. وبرغم النّقد الشديد الّذي وُجِّه لأمراء المرابطين بسبب ما أتاحوه للفقهاء من سُلْطَةٍ وسُلطانِ، فلم يكن للفقهاء في دولة المرابطين من السُّلطان أكثر مما كان لهم في

стр. 47

غيرها من الدُّول، ويرجع للغالبية من هؤلاء الفقهاء الفضل في نشر العلوم الدينية في مجتمع لم يكن يجيد العربية". بداية عصر المُوَحَّدِين: بدأ العدّ التّنازليّ للمرابطين تحت وطأة الخطر الإسباني النّصراني، ومع انفجار مشكلات داخلية في المغرب والأندلس، فبعد هلاك ألفونسو السّادس، واهتزاز صفوف النّصارى الإسبان لفترة، ما لبثوا أن وَحَّدُوا موقفهم مرّة أخرى، فاستأنفوا غزواتهم ضدّ المدن الإِسلامية، وكان هدفهم المحوريّ هو سَرَقُسْطَة [zaragoza] الّتي تركها يوسف بن تاشفين لحكم بني هود، وما لبثت أن وقعت سرقسطة في يد النّصارى الإسبان عام ٥١٢هـ دون أن تُجْدِي حملات المرابطين المتوالية على المدينة، وكان سقوط سرقسطة هو الفاتح لسلسلة أخرى من سقوط كثير من المدن والمواقع في شرق البلاد وغربها. ولم يتمكن المرابطون هذه المرة من ضرب الخطر النصراني الإسباني واستعادة زمام الأمور كما حدث في معركة الزّلّاقة، ذلك أنّ المرابطين شغلوا بالثورات عليهم في الأندلس، وكانت فاتحة هذه الثورات ثورة قرطبة عام ٥١٥ هـ/ ١١٢١ م، وزامن هذا بدء ظهور حركة معارضة قوية في المغرب بقيادة الهدي بن تُومَرْت الّذي سينجح بعد أعوام قليلة في تأسيس دولة المُوَحِّدِين على أنقاض دولة المرابطين. وبعد الانتشار السياسي والعسكري للموحِّدين في المغرب الأوسط والأدنى، كان من الطَّبيعي أن يتوجّه المُوَحِّدون بأنظارهم إلى الأندلس، خاصّة وأن ثوَرَات المتمردّين بها -والّتي تداخلت وتزامنت مع تحركات النّصارى

стр. 48

الإسبان- كانت قد أفقدت المرابطين هيبتهم هناك وبخاصّة بعد ثورة قرطبة عام ٥٣٩ هـ وما تلاها من ثوَرَات (١). ولقد أبدى المرابطون بالرغم من ذلك بسالة كبيرة في الدفاع عما بأيديهم من البلاد، فلم يستطع عبد المؤمن بن عليّ الاستلاء على فاس إلّا بعد حرب طويلة وحصار شديد دام تسعة أشهر في ذي القعدة عام ٥٤٠ هـ/ أبريل عام ١١٤٦ م، وفي محرم عام ٥٤١ هـ/ يونيو عام ١١٤٦م دخل مراكش وقتل إسحاق بن عليّ بن تاشفبن ونفرًا من أمراء المرابطين، وبذلك انتهت الدولة المرابطية، وأصبح الموحِّدون سادة المغرب وجزء كبير من المغرب الأوسط والأندلس (٢).

стр. 49

مصادر ترجمة أبي بكر ابن العربيّ نظرة نقدية أبو بكر بن العربي من الأعلام الّذين ملئوا الدنيا وشغلوا الناس وتجاوزت شهرتهم الآفاق، بحيث تظلّ أيهّ محاولة للتّعريف به لا تخلو من مغامرة، على أنَّ أفضل ما يمكن أن يقوم مقام هذه المحاولة، أن ننظر نظرة نقديّة في مصادر ترجمته ومراجعها، فربما تغني الدّارس عن التَّكرار المملول الّذي يتكلّفه مقدِّمو طبعات كُتُبه، ويتداولون نفس المعلومات على ما يشوبها من إخلال وتقصير وسَذاجَة في التّناوُل، وتبسيط في أمور في حاجة إلى تعمُّق. أوْلَى مُترجميه بالتقديم هو المترجم نفسه أبو بكر بن العربي، فقد كان حريصا غاية الحرص على أن لا يضيع المناسبات الّتي تسمح له ببسط الحديث عن جوانب من حياته وشخصيته، وشيوخه ومواقفه، وأحكامه وآرائه في أحداث عصره، وقضايا ذات طابع عَقَدِيّ أو فقهيّ أو تاريخيّ أو سياسيّ أو اجتماعيّ، وما شابه ذلك. على أننا ناسف لضياع معجم شيوخه، بالقَدْر الّذي نأسف أيضًا على ضَياع ما كَتَبَه من رحلته، بنفس القَدْر الّذي نأسف على كلّ حرف خطَّه بقلمه؛ لأنَّ في الّذي ضاع ما يُسعفُ على جلاء الصورة، وتوضيح الرؤية،

стр. 50

ورفع اللَّبس، وتفصيل المجمل، والكشف عن كثير من القضايا الّتي اكتنفها الغموض والإبهام. ولا شكّ أنّه كانت لطبيعة حياته الّتي عرفت بعض القَلَق في بعض مراحلها دخلٌ في ما تعَرَّضَ له تراثه من ضَياعٍ أو إحراق وتدمير، على نحو ما حدَثنا هو نفسه عن هجوم الدّهماء عليه، وسلبه كتبه وذخائره ونفائسه. ولا نُلقي باللّوم على أبي بكر بن العربي نفسه، إذ لا حيلةَ له في طبيعة المرحلة الّتي عاشها، من تقلّباث عرفت انهيار دول وقيام دول، وذهاب شخصيات وأفولها، وصعود نجم شخصيات أخر، ولم يكن ابن العربي محايدًا في كلّ ذلك، إذ ارتبط مصيره دائمًا بالّذي أفل نجمه، وقد كان يبحث لنفسه عن مكانة تضمن له الشّفوف والظّهورة فتعلّقه المحموم بالسلطة لم يكن مصادفة، وإنما كان عن وَعْيٍ وحسابات دقيقة، فقد آمن بأن المكانة والوظيفة لن تكون هبة، وإنما هي أمور تتعلق برضا الحاكم وثقته. وتحفِلُ كتبه بالإشارات الدَّالة؛ إذ لا يكاد يخلو كتاب من كتبه، ولا رسالة من رسائله من إشارة تسهم في إضاءة جانب من جوانب حياته، من مثل أسماء شيوخه، ومروياته، ومؤلفاته، ورحلاته ومشاهداته، ... إلخ. على أنَّ بعض كتبه تحوز قصب السَّبق في غناها بالإشارات، فمن ذلك: أ- قانون التأويل: الّذي فصَّل فيه القول عن نشأته ودراسته وسيرته ورحلته .. الخ.

стр. 51

٢ - سراج المريدين: الّذي أمَدَّنا فيه بجملة وافرة من المعلومات، فهو سخيّ العطاء فيه حول أحداث في حياته وذكرياته، وجوانب من حياته الروحية، إضافة إلى المعلومات العلمية المتعلّقة بشيوخه ومؤلَّفاته. ولانتَكَثر بتشقيق القول حول ما تضمَّنه كلّ مصنف من مصنفاته؛ إذ لا نجازف إذا ما زعمنا أنّه لا يخلو كتاب من كُتبه من مادَّة تصلحُ للاستمداد منها في ترجمته، وأحكام القرآن، وعارضة الأحوذي، العواصم، والقبس، وسراج المريدين، والمسالك، خير شاهدٍ على ذلك، فلا نغرب إذا وضعنا تراث ابن العربيّ المفقود والموجود، المطبوع منه والمخطوط في مقدِّمة مصادر حياته. تأتي بعدها مباشرة مصادر لطبقة من معاصريه، فيهم أصحابه الّذين ربطتهم به رابطة الدَّرْس والتّحصيل: كعياض، وابن بَشْكُوَال، أو من رَبَطَتْهُ به رابطة الزَّمالة كالفتح ابن خاقان. على أنَّه لا يحسنُ أن نغفل ذِكره الذائع في المشوق، حيث لا ببعُدُ أن تتناوله بالترجمة بعض الكتب المشرقية في مصر والشام والعراق والحجاز، كتاريخ دمشق لابن عساكر، وذيل تاريخ بغداد لابن النجار. ولعلَّ الأفيد أن نقدّم مُتَرجِمِيهِ على سياق التّاريخ، اعتبارا بتقدُّم وَفَيَاتهم، معتَذِرينَ عن خَرْق هذا السِّياق بخصوص اثنين من مُتَرجِمِيهِ وهما القاضي عياض وابن بشْكُوَال؛ نقدِّمهما لأنَّ ترجمتهما له العناصر ظَلَّ -يتودّدُ صَداهُ في كُتُب الّلاحقين إلى يوم الناس هذا، دون أن يغيب عنّا أنّ أصحاب أبي بكر ابنْ العربيّ الذين تحلَّقوا حوله ونهلوا من رحيق علومه من الكثرة بحيث لا يكاد يحيط بهم حَصْرٌ، حتىَّ غدا إجراء ذِكْرهم في مُعْجَمٍ من أغراض التأليف الّتي تصدّر لها كبار العلماء.

стр. 52

وما من شَكّ أنّ منهم نُبهاء تعرَّضوا لترجمته والتعريف به والإشادة بذِكْرِه، وتسجيل ما أخذوه عنه في فهارسهم وأثباتهم وبرامجهم ومعاجمهم ومَشْيخاتهم، وسائر أنواع التآليف الّتي تُعْنَى بذِكْرِ فحول العلماء، مما يمكن أن تنتمي إلى العصر القريب من عصر أبي بكر. ترجمة القاضي عياض بن موسى بن عياض اليَحْصُبيّ السَّبتي (ت. ٥٤٤ هـ) لأبي بكر ابن العربيّ وصلتنا في كتابه "الغنية" (١) عاشر شيوخه، تناولَ فيها تقديم شيخه في منشئه في إشبيلية وقرطبة، وسَفَرِهِ صُحبةَ أبيه بعد انقراض دولة بني عبّاد إلى المشرق، ومن لَقِيَ من شيوخ العصر في مصر والشام والعراق والحجاز، إلى مُنْصَرَفِه إلى الأندلس، وتولِّيه وظائف القضاء والشّورى والتدريس، إلى أن قضى، دون إغفالٍ لما نالَه من طعن يصوّر الجانب السّلبيّ من حياة شيخه، ولقد لقيه وكتب عنه، وسمع من لفظه حين اجتيازه مُنْصَرَفِه من المشرق بسبتة، ولعلّ ذلك سنة: ٤٩٥هـ، وفيها أجازه بجميع مروياته، وحدَّثه بكُتُبٍ في الرّجال من عيون ما جَلبَهُ من المشرق، ككتاب الدارقطني في "المؤتلف والمختلف"، وكتاب "الإكمال " للأمير ابن ماكولا، كما أتيحت له فرصة أخرى للّقاء بإشبيلية وقرطبة لا نعلم تاريخه، وإن كنّا نرجِّح أن هذا اللِّقاء كان متأخّرًا عن اللّقاء الأوّل الّذي تم في سبتة، والّذي نرجِّح فيه أنّه قرأ عليه فيه "مسألة الإيمان اللاّزمة" من تأليفه، وأجازه إجازة عامّة بمرويّاته ومؤلَّفاته.

стр. 53

وينبغي أن لا يعزبُ عن بالنا أنّ أبا بكر ابن العربيّ من أعيان المالكيّة؛ فهو بذلك على شرط القاضي عياض، يدخل حَتْمًا ضِمْنَ نطاق كتابه "ترتيب المدارك" ولكن من العجب ألَّا يتضمّن مطبوع الكتاب هذه التّرجمة، وهو شيء يُلْقِي بظلالٍ داكنةٍ من الشَّكِّ والحيرة واللَّبس حول سلامة نصِّ "ترتيب المدارك" ولن يجلو سواد هذه السُّحُب إلّا استقراءُ كتب التقدِّمين الّذين تصدَّوا لاختصار المدارك أو الاستمداد منه، أمَلًا في أن نجده مع أهل طبقته عندهم، إمّا في نطاق الاختصار، أو في نطاق الاستدراك، وحتى يقدّر الله الإسعاف بذلك (١)، نُعوّلُ على ما جاء في مخطوطة برنستون (مجموعة يهودا رقم ٤١٢٦/ ٨٥٤٠ اللوحة ٢٨، وهي "اختصار ترتبب المدارك" لأبي عبد الله بن حَمَادُه الصّنهاجيّ السَّبْتِيّ تلميذ القاضي عياض (٢)، بترتيب عبد الله بن سهل القضاعي، وبالقارنة بين هذه التّرجمة وبين ترجمة "الغنية"، يلاحظ التّشابه القريب من التّطابق، مِمّا يُوحِي بأنّ ابن حَمَادُه إن لم يكن قد نقل من نسخة من "الترتيب" فإنّه يحتمل أن يكون قد رجع إلى "الغنية" مع إضافات جعَلَتْنا

стр. 54

نتردَّدُ في الجزم بالتّطابق، ونعبِّرُ بالقُرْب من التّطابُق. على أن في الأمر سَعَة للبحث والتّدقيق والتّمحيص. التّرجمة الثانية لأبي القاسم خَلَف بن عبد الملك بن بَشْكُوَال (ت. ٥٧٨ هـ)، وهذه التّرجمة فيها من العناصر ما يتكامل مع ترجمة القاضي عياض، ولا نبعد في الادِّعاء إذا جنحنا إلى القول بأن ابن بَشْكُوال اتَّكَأَ على عياض، لا لأنّه تأخّرت وفاته عنه، ولا لأنّه اطلع على ترجمة أبي بكر عند عياض، ولكن لِمَا نعلَمُه من الصِّلات العلميّة بينهما، وكانا على تعاوُنٍ تامّ في ميدان التراجم، وقد أكثر ابن بَشْكُوال من النقل في صلته (١) عن عياض مصرِّحًا بذلك بعبارات منها: "أفادَنِيهِ عياض مِمَّا كتبَ به إِلَيَّ، تولَّى الله كرامته"، ويغلبُ ذلك في الغُرَباء. على أنّ ترجمة ابن بَشْكُوال فيها مكان لقائه بأبي بكر، مؤرَّخًا بضحوة يوم الاثنين لليلتين خَلَتَا من جمادى الآخرة من سنة: ٥١٦هـ وُيستشفُّ من هذه الترجمة التقدير البالغ الّذي يصلُ إلى حدّ التّهويل، مثل قوله: "وقدم بلده إشبيلية بعِلْمٍ كثيرٍ لم يُدخِله أحدٌ قبلَه مِمّن كانت له رحلة إلى المشرق"، وهو تهويل لا يمكن أن يخفِّف من غلوائه إلّا أن يُحملَ على أنّ إشبيليّة لم تنل حظّها من عطاء الرّاحلين إلى المشرق على توالي طبقاتهم؛ لأنّها لم تكن سوق العلم نافقة فيها نفاقها في جارتها قرطبة، يصوّر ذلك زعم من ذهب إلى أنّ العالِم إذا مات بإشبيلية تُحمل كتبه إلى قرطبة؛ لكساد سوق العِلْم بإشبيليّة ونفاقها بقرطبة.

стр. 55

وقد صرَّح ابن بَشْكُوال أنّه سمع بقرطبة وإشبيلية كثيرًا من روايات شيخه وتآليفه، وهو أوّل مَنْ سجَّل تاريخ مولد أبي بكر بن العربي؛ لأنّه سأله عنه، كذلك نرجِّح لأنه ظَلَّ المورد الّذي نهل منه جُلّ من تكلم عن تاريخ مولد ابن العربيّ. وانحياز ابن بَشْكُوَال إلى شيخه ظاهرٌ جَلِيٌّ؛ فإنّه ضرَبَ صَفْحًا ووَرُّى علينا خبر المطاعن الّتي وُجِّهَت إلى شيخه، وأشار إليها قبلَه عياض في "الغُنية" وتداولتها الرُّواة، وتُحُدِّث بها في المجالس، وتمحَّض ابن بَشْكُوال لتسجيل الثّناء العَطر الّذي تصوّره هذه التّحلية: "الإمام، العالم، الحافظ ختام علماء الأندلس، وآخر أيمتها وحفّاظها". وتصوّره هذه الأحكام الّتي ننقُلها عنه في هذه الفقرة (١) على أنه كان ينظر إلى ابن العربيّ بعين واحدة كليلة هي عين الرضا: "وكان من أهل التفنُّن في العلوم، والاستبحار فيها، والجمع لها. متقدمًا في المعارف كلّها، متكلّما في أنواعها، نافذا في جميعها، حريصا على أدائها ونشرها، ثاقب الذهن في تمييز الصواب منها. ويجمع إلى ذلك كلّه آداب الأخلاق، مع حسن المعاشرة ولين الكنف، وكثرة الاحتمال. وكرم النفس، وحسن العهد، وثبات الوعد. واستُقْضِي ببلده فنفع الله به أهلَه لصرامته وشدَّتِه ونفوذ أحكامه. وكانت له في الظالمين سورة مرهوبة، ثم صُرِفَ عن القضاء، وأقبل على نشر العلم وبثِّه" (٢).

стр. 56

وهي فقرة تغضُّ الطَّرف عن الجوانب السلبية في شخصية الرجل، وتركِّز على مناقبه، وتختزل الحقيقة في شطر واحدٍ، كان ابن بَشْكُوال ﵀ لم يضع في اعتباره أن الأجيال ستقرأ كلامه وتوازن بينه وبين معاصره وشريكه في التّلمذَة على المترجم عياض حين سجل في "غُنْيَتِه" (١): "ولكثرة حديثه وأخباره وغرائب حكاياته ورواياته كثر الناس فيه الكلام". بعد هذين المترحمَيْن نرجع إلى مترجِمِ تقدمت وفاتُه وفاة عياض وابن بَشكُوال. وهو الوزير الكاتب أبو نصر الفتح بن محمّد بن خاقان الإشبيلي (ت. ٥٢٩ هـ) في كتابه: "مَطْمَحُ الأنْفُس ومَسْرَحُ التَّأَنُّس في مُلَحِ أهل الأندلس" (٢)، وهو مُترجِمٌ تقدَّمت وفاتُه وفاةَ المُتَرجَم، وابن خاقان بلديُّ المُتَرْجَم، أديبٌ كاتب، طغت عليه صَنْعَةُ التَّرَسُّل والكتابة (٣)، إن لم نقل جارت على التّرجمة، وأشاعت فيها روح المجاملة المتكلّفة، ولعله قصد بها مصانعته والتودُّد إليه، استدرارًا لجاهه. فهذه التّرجمة وان خَلَت من العناصر الّتي تُكسِبُها دفئا وحرارة، فإن إيرادها لقصيدة ابن العربيّ الرائية الّتي يتشوق فيها إلى بغداد ومصر والشام مما يُذكر لها: سقى الله مصرا والعراق وأهلها ... وبغداد والشامين مُنْهمِلَ القَطْرِ

стр. 57

وهذه التّرجمة وإن لم يتردّد صَداها عند المؤرخين والمحدِّثين، إلا أن أبا العباس المقَّريّ احتضنها واقتطف منها في "أزهاره " (١) و"نفحه" (٢) إعجابًا بأسجاعها المتكلّفة الباردة. وقد استمرَّ ذِكْرُ أبي بكر ابن العربيّ عند طبقة تلاميذ أصحابه الّذين سجّلت ذواكرهم ما حدَّث به أشياخهم عن شيخهم الإمام ابن العربيّ، ويأتي في مقدِّمة هؤلاء أبو العباس أحمد بن يحيى بن عَمِيرَة الضَّبِّي (٥٩٩هـ)، الّذي دوَّن في كتابه "بُغية الملْتَمِس في تاريخ رجال أهل الأندلس" (٣) الّذي نلاحظ أنّه أورد أشعارًا وأخبارًا لابن العربيّ نقلت مسندة من طريق أصحاب أبي بكر بن العربي، كالقاضي أبي القاسم عبد الرحمن ابن محمّد وأبي الحسن يحيى بن نجبة، كما ذكَر من طريق هؤلاء التلاميذ أنهم حدّثوه بكتاب "القبس"، قال: "القبس في شرح مُوَطَّأ مالك بن أنس"، أملاه [ابن العربيّ]، بلفظه بقُرطبة في عدَّة مجالس، حدّثني به جماعة من أشياخي شاهدوا إملاءه إياه" ومن أسَفٍ فإنّه لم يعيِّن في هذا المقام أسماء شيوخه الّذين حدّثوه بالكتاب. وحاول الضّبي أن يقدِّم سردًا بعناوين مؤلفات القاضي، ذكَرَ منها: "أحكام القرآن" و"كتاب التَّلخيص" و"مُلْجِئَة المتفقِّهين" و"القَبَس" وختمها بقوله: "وعِدَّةُ تواليفه نحو الأربعين". ولا نعلم من سَبَقَه إلى مثل هذا التحديد،

стр. 58

ولا أجرى ذكرًا لمؤلفاته، إلَّا أن تصحّ نسبة الترجمة الّتي عند ابن حمادُه للقاضي عياض في المدارك؛ لأنّ عياضًا لم يزد على ذِكْرِ "مسألة الإيمان اللازمة"، والباب مفتوح للمقارنة بين لائحة "مختصر ترتيب المدارك" و"بغية الملتمس"، وعلى كلّ حال، لو افترضنا جدلا أنها لا تصحّ نسبتها لعياض، فلنُسلِّم بنسبتها لابن حمادُه السَّبتيّ الّذي نجهلُ تاريخ وفاته، ولكنّنا على يقين بأنّه معاصرٌ لابن عَمِيرَة إن لم يكن أسنّ منه، فقد تتلمذَ على عياض المتوفّى سنة: ٥٤٤هـ، ولا ندري متى ذلك، ولا كم كان عمره حين أخذ عن عياض، ولكن يغلبُ على الظّنِّ أن وفاته لن تتأخّر حتّى عَشر التّسعين. والمقام يقتضي الإشارة إلى صَنِيع هذا المؤرِّخ السَّبتي الّذي تتلمذ على عياض، فهو من أهل هذه الطبقة، أي طبقة تلاميذ أصحاب أبي بكر بن العربي، فهو أبو عبد الله محمّد بن حمادُه السبتي الصنهاجي الّذي اختصر "ترتيب المدارك" وقد وقفنا على ترتيب أبي محمّد عبد الله بن سهل القضاعي لهذا "المختصر" الّذي يتضمن ترجمة لأبي بكر ابن العربيّ في مخطوطة برنستون السابق ذكرها. والجديد في هذه التّرجمة هو التنصيص على أسماء مؤلّفات القاضي ابن العربيّ، ويحسن إيرادها بنصِّها، قال: "وصنَّفَ في غير فَنٍّ تصانيف مليحة كثيرة، حَسَنة، مفيدة، منها: "أحكام القرآن" كتاب حسن. و"المسالك في شرح مُوَطَّأ الإمام مالك". و"عارضة الأحوذي على كتاب الترمذي".

стр. 59

و"القواصم والعواصم". و"المحصول في أصول الفقه". و"سراج المريدين". و"سراج المهتدين". و"كتاب المتوسِّط". و"كتاب المشْكِلَيْن". وله: "تأليف في حديث أم زرع". و"كتاب الناسخ والمنسوخ". وقال في "القبس": إنه ألف "أنوار الفجر في تفسير القرآن" في عشرين سنة، ثمانيها ألف ورقة، وتفرَّقت بين أيدي النّاس. و"تلخيص التلخيص". وكتاب "القانون في تفسير الكتاب العزيز". وله غير ذلك من التآليف ﵁ ". ويبدو من عرض هذه التّرجمة -على ما بين أيدينا من تراجم- ما يلي: ١ - أنّ جزءًا منها تبدو آثار عياض فيه واضحة، وذلك مثل: "طعن النّاس في ابن العربيّ لكثرة رواياته وأخباره وغرائبه"، مما يدعو إلى الجزم بأنّ هذا كلام عياض الّذي لم يسبقه فيه أحد.

стр. 60

٢ - تأثّره الواضح بابن بَشْكُوال، مثل: إيراده عبارات الإطراء باللّفظ كما وردت في "الصِّلَة". ٣ - خروجُه عنهما عندما أورد قائمة بمؤلّفات أبي بكر بن العربي، لم تَرِد عند أيّ واحد منهما، وقد تضمّنت زيادات عل! ما عند ابن عميرة الضبّي، مما يفسح المجال لاحتمال أن تكون قائمة ابن حمادُه من أوائل القوائم الّتي عُنِيَت بسَرْدِ مؤلَّفات الإمام القاضي قبل قائمة ابن عميرة طبعًا. وممن ينتمي إلى هذه الطبقة أبو يحيى اليسع بن عيسى بن اليسع (ت. ٥٧٥ هـ) (١)، الّذي يغلبُ على الظّنِّ لأنه ذكَرَ ابن العربيّ في كتابه: "المغرب في آداب المغرب"، الّذي ألّفه للملك صلاح الدِّين الأيوبي، والمؤلِّف فقيه مُشَاوَرٌ مقرىء، حافظ نسَّابةٌ، اتُّهِمَ في تأليفه لهذا الكتاب الّذي قال عنه ابن سعيد (٢): "وكأنّه أراد معارضة "كتاب القلائد" فنهق إثر صاهل، فلم يأت في جميع ما أورد بطائل"، والكتاب سواء أتى فيه أولم يأت بطائل، فإنّه ضاع بمحاسنه ومساوئه، وبقيت منه نقول، يهمّنا منها ما أورده الذَّهبيّ في "التَّذكِرة" (٣) و"السِّيَر" (٤) بخصوص أبي بكر ابن العربّي معلقًا عليه بقوله (٥): "وقد ذكَرَهُ الأديب أبو يحيى وبالغ في تعظيمه وتقريظه، وقال: ولي القضاء

стр. 61

فمحن، وجرى في أعراض الإمارة فلحن. وأصبح تتحرك بآثاره الألسنة: ويأتي كما أجراه عليه القَدَر اليوم والسَّنَة، وما أراد إلّا خيرا. نصب الشيطان [وفي سير النُّبَلاء: السلطان] عليه شباكه، وسكن الإدبار حَرَكَه، فأبداه للناس على صورة تُذَمُّ، وسوأة تبلى [في سير النُّبَلاء: سورة تتلى] لكونه تعلَّق بأذيال الملك، ولم يجر مجرى العلماء في مجاهرة السّلاطين وحزبهم، [وفي سير النُّبَلاء وخربهم] بل داهن، ثم انتقل إلى قرطبة معظَّمًا مُكرّمًا، حتّى حول إلى العُدْوة فقضى نحبه". ولانستطيع حمل ما في النّصِّ على التّعظيم والتقريظ، إلّا أن يكون شمس الدِّين الذّهبي قد قرأ التّرجمة كاملة، فاستفاد من جزئها الأوّل ما يفيد التعظيم والتقريظ، وتجازوه، ونقل هذا الجزء الملئ بالإشارات والتلميحات الموحية، والّتي تُصَوِّر لنا أبا بكر ابن العربّي يجري لاهثا وراء الظُّهور والسُّلطة، فتتناوله الألسنة: باللَّوم، وينصب عليه السلطان أو الشيطان شباكه -والنّاس ضِعافٌ أمام السُّلطان والشّيطان، كما يملكان من التّرغيب والتّرهيب، وما يستندان عليه من هوى وضعف- فتكون نتيجة ذلك خسرانا مُبينا، إذ يصبح أبو بكر صورة تُذَمُّ؛ لأنّه داهَنَ في الحقِّ، في الوقت الّذي كان يتحتَّمُ عليه المجاهرة بالحقِّ، فتُسرع إليه السُّلطة تُنقذه بإبعاده إلى العدوة سترًا عليه، فيتولاّه الله الّذي يعلم السِّرَّ وأخفَى. والَّذي يؤكِّد ما ذهبنا إليه من أنّ المقام مقام تجريح، أنّ الذّهبي يسوقُ بعد ذلك من "معجم ابن مَسْدِيّ" قصّة حديث المغفر الّتِى اتُّهِمَ فيها ابن العربيّ، حتىّ قال الشّاعر:

стр. 62

فخذوا عن العربيِّ أسمارَ الدُّجَى ... وخذوا الرِّواية عن إمام مُتَّق ويتدخّل الذّهبيّ عقب النّقلين -نقل اليسع بن حزم ونقل ابن مَسْدِيّ- بأنهما غير كافيين في التجريح قائلا (١): "ولم أنقم على القاضي ﵀ إلّا إقذاعه في ذمَّ ابن حزم واستجهَاله له، وابن حزم أوسع دائرة من أبي بكر في العلوم، وأحفظ بكثير، وقد أصاب في أشياء وأجاد، وزلق في مضايق كغيره من الأيمّة والإنصاف عزيز". ونحن على يقين بأن الّذين ذكرناهم من أصحابه وتلاميذ أصحابه هم بعض من ترجموه، والغالب على الظّنّ أن تكون هناك تراجم طواها النسيان ولفّها الإهمال، نرجو أن يتاح لها النشر بعد الطَّيِّ واللَّف، وأن تبعث من مرقدها. وفي الوقت الّذي كان ذكره يملأ سماء العُدْوَتَيْنِ، كان صدى ذكره يتردّد في محافل الدَّرس المشرقيّة، وتستعيد ذكراه كتب التّواريخ، فيعقد له مؤرخ دمشق الحافظ أبو القاسم عليّ بن الحسن بن عساكر (٢) (ت. ٥٧١ هـ)، ترجمة مبكّرة، يسجِّل فيها دخوله دمشق، وسماعه من شيوخها: أبي الفتح المقدسيّ، وأبي البركات بن طاووس، وأبي الفضل بن الفُرات، وأبي محمّد عبد الله بن عبد الرزاق، وأبي القاسم نسيب، وأبا محمّد بن الأكفاني، وغيرهم. ويرصد خروجه من دمشق سنة: ٤٩١ هـ أثناء وجوعه إلى بلده، وكأنه يشير إلى أن

стр. 63

دمشق لم يدخلها إلا أثناء قُفُوله، ويذكر أسماء من سمع عليه: ابني أحمد بن صابر عبد الله وعبد الرحمن، وأحمد بن سلمة بن يحيى الأبار، ولم يزد على هؤلاء الثلاثة، وكأنه يذكرهم للتمثيل لا للحصر، أو يمثِّل بالأعيان. ويسجِّل أنّه لما عاد إلى بلده صنَّفَ شرحًا على سُنن التّرمذيّ سماه: "عارضة الأحوذي في شرح كتاب الترمذي"، ونشير هنا إلى أنّ سُمْعَة أبي بكر ابن العربيّ ومساهمته في التّصنيف التقطَها ابن عساكر ليحلِّي بها جيد تاريخه، ويهمّنا أنّ "كتاب عارضة الأحوذي" كان مُسَجَّلاَ في كتابِ تاريخٍ يُعتبرُ من دواوين تاريخ الإسلام المشهود لها ولصاحبها بالإمامة. وإذا كانت التراجم المغربية قد تنوعت في هذا القرن، وكان منها مثل تأليف الفتح بن خاقان، فإن من عجائب الاتّفاق أن تعقد له ترجمة مشرقية في كتاب قريب من نهج "القلائد" و"المطمح" هو كتاب: "خَريدَة القَصْر وجَريدَة العَصر" (١) للكاتب العماد محمّد بن محمّد الأصفهاني الكاتب [ت. ٥٩٧هـ]، أذ ترد لأبي بكر ابن العربيّ ترجمة قصيرة خَطَّطَه فيها بقاضي الجماعة بإشبيلية، وأضاف: "ورد العراق وطاف الآفاق، وقرأ على أبي حامد الغزالي، وتحلَّى من فضله البهيّ بأبهج الحلي، وعاد إلى بلاد الأندلس في سنة: سبع وخمس مئة، وألَّف على نمَطِ الغزالي كُتُبًا، وفرَّع بها رُتَبًا" ثمّ أورد له بواكير شِعْرِه قطعة رائية في ثلاثة أبيات.

стр. 64

ويهلّ القرن السابع؛ فهذا نحن أمام ظاهرة شُحّ في ترجمة ابن العربيّ، إذ لا يكاد يبلغ عدد مترجميه أصابع اليد الواحدة، في مقدّمتهم المحدِّث المؤرِّخ أبو الحسن عليّ بن المفضل المقدسي المتوفى سنة: ٦١١هـ، في كتابه: "وفيات النقَلَة" الّذي وصل به كتاب الحافظ أبي سليمان بن زَبْر، وذيل أبي محمّد الكتّاني، وأبي محمّد بن الأكفاني، وقد أرَّخ به وَفَيَات العلماء حتّى سنة: ٥٨١هـ، تكميلًا لابن الأكفاني الّذي وقف في سنة:٤٨٥هـ والكتاب مفقود، ولكنّنا نعلمُ بوساطة الذّهبي في "السِّيَر" (١) و "التَّذكرة" أنّ الحافظ أبا الحسن بن المفضّل المقدسيّ أرَّخَه سنة:٥٤٣ هـ. ثم يأتي بعده مؤرِّخ بغداد أبو عبد الله محمّد بن النجار [ت. ٦٤٣ هـ] الّذي ذيَّل على الخطيب في تاريخه الموسوم: "التاريخ المجدِّد لمدينة السلام وأخبار فضلائها الأعلام ومن ورَدَها من علماء الأنام"، الّذي ربما يكون في خمسة عشر مجلدا، لم يظهر منها إلى الآن إلّا الجزء العاشر الموجود بظاهرية دمشق، والحادي عشر بالمكتبة الوطنية بباريس، والمجلّدان معًا فيهما بعض تراجم العين والفاء، فتكون تراجم المحمّدين في حُكم المفقود الآن، إلَّا أن الحافظ الذّهبيّ احتفظ لنا بنُتفَةٍ من ترجمة ابن النجار في "سِيَرِه" (٢) و"تَذْكِرَتِه" (٣) ونصّها: "حدَّث ببغداد ببسير، وصنَّف في الحديث والفقه والأصول وعلوم القرآن والأدب والنحو والتواريخ، واتّسع حالُه، وكثُر

стр. 65

إفضالُه، ومدحته الشّعراء، وعلى بلده سور أنشأه من ماله". ورغم وجازة هذه الفقرة؛ فإنّها لا تخلو من إشارات عميقة الدّلالة: أولاها: تحديثُه ببغداد بيسير، أي أنّ الكتب الّتي حدَّث بها قليلة، والّذي يَعنينا لا القِلّة والكثرة، ولكن أنه باشر التّحديث، وتحلَّق حوله طلبة العلم يستفيدون من روايته، وربما أعجله الرّحيل من أن يُطيل المكث ببغدادة فحال بينه وبين التّوسع في الرّواية. الثانية: أنّه سجّل اسمه في كتاب من أمهات كئب التاريخ والطبقات، مصنّفا في فنون من العلم: الحديث، والفقه، والأصول، وعلوم القرآن، والأدب، والنحو، والتواريخ. الثالثة: أنّ ابن النّجار يسوقُ ترجمة ابن العربيّ تسجيلًا لمفاخر المدرسة البغدادية الّتي تخرَّجُ النابهين الّذين يتقلَّدون الناصب العَليَّة، ويتولون سلطة القرار في بلدانهم عندما يعودون، مُزوَّدِين بما اكتسبوه من معارف وقطفوه من ثمار مجالس الدّرس على يد شيوخ بغداد، وذلك ما عناه بقوله: "واتّسعَ حالُه، وكَثُرَ إفضاله، ومدَحَته الشّعراء"، وهل أدلّ على النجاح من اتِّساع الحال، وهل أبلغ في المكانة الرفيعة من تَمَدُّحِ الشّعراء. الرابعة: أن يتفطّن أبو عبد الله بن النّجار إلى قصّة سور إشبيلية، ويسوقها في مناقب أبي بكر ابن العربيّ وأفضاله، عبَّرَ عن ذلك بقوله: "وعلى بلده سور أنشأه من ماله"، وقد تداولت كُتُب التّاريخ قصّة إصلاح أسوار إشبيلية وترميمها مقرونة بما يُشْبه تعسُّف أبي بكر ابن العربيّ الّذي فرض على النّاس،

стр. 66

وألزمَهُم أن يقدَّموا جلودَ أضحياتهم، ليستخدم ثمنها في تكاليف إعادة السُّور المنهار، وهو الإجراء الذي أثار حفيظة الإشبيليين، فنقموا على قاضيهم أبي بكر بن العربي، وثاروا عليه ونهبوا داره. وواضح أن هناك فرقا بَيِّنا بين من ينظر إلى قصّة السّور على أنّها دليل على مداهنة ولاة الأمر الّذين يتحكّمون في خزائن الأمّة، وتحت مسؤوليتهم يقع الإنفاق على المصالح العامّة، من بناء الأسوار وغيرها من المرافق، ولا يجوز تغريم الأمّة وإحلالهم محلّ الولاة وتكلّيفهم بما لا يطاق، وبين من ينظر إلى أن استنفار النّاس وحشد طاقاتهم وتعبئتهم لما فيه المصلحة العامة تصرُّفٌ رشيد. ومهما يكن من أمر، فإن خبر بناء سور إشبيلية قد تناهى إلى مؤرِّخ بغداد، فسجّله عنوان مَبَرَّة ومَنْقَبَةٍ من مناقب أبي بكر بن العربي، في الوقت الّذي يمكن أن يكون بناء السّور قد قام به ابن العربيّ بعد ثورة العامّة عليه ونهب داره واستباحتها، محاولة منه لاسترضائها، والتّكفير عمّا بدر منه من شدّة وصرامة، خدمة لولاة الأمر الّذين كانوا يحاولون أن يخفِّفوا على بيوت المال، ويثقلوا كواهل الجماهير، مستندين إلى فرض أنواع من الضّرائب أفتى بها بعض القُضاة والمتفقِّهَة. وهناك مؤرِّخ آخر من القرن السّابع، هو أبو محمّد حسن بن عليّ، المعروف بابن القطّان، الكتاميّ المراكُشيّ [المتوفَّى في منتصف القرن السّابع الهجري]- وهو ابن المحدِّث المشهور أبي الحسن بن القَطَّان صاحب كتاب:

стр. 67

"بيان الوَهْم والإيهام"- الّذي عرض لذِكْرِ ابن العربيّ في مواطن من كتابه: "نظم الجمان لترتيب ما سلف من أخبار الزمان"، إذ نجد في باب ذكر أنباء سنة: ٥٢٨ هـ ـ، فقرة تُلقِي مزيدًا من الضّوء على واقعة بناء سور إشبيلية، يقول ابن القطان (١): "وولَّى [الأمير عليّ بن يوسف] على قضاء إشبيلية أبا بكر بن العربي (٢)، وشرع في بناء سور إشبيلية من جهة الوادي، بأمر من عليّ بن يوسف". ومن مترجمي أبي بكر ابن العربيّ في القرن السابع أيضًا، مؤرِّخ من أيمة الأدب المؤرِّخين، هو عليّ بن موسى بن سعيد الغرناطي المغربي [ت. ٦٨٥ هـ] عقد ترجمتن قصيرتين في كتابيه: "الْمُغْرِب في حُلَى الْمَغْرِب" (٣) "ورايات المبّرزين وغايات المميّزين" (٤) اعتمد في الأولى على أبي عبد الله محمّد بن إبراهيم الْحِجَارِيّ في كتابه: "المسهب في غرائب المغرب" فنقل منه قوله: "لو لم ينسب إلى إشبيلية إلَّا هذا الإمام الجليل لكان لها به من الفخر ما يرجع عنه الطرف وهو كلّيل"، وعلى أبي عمر بن الإمام في كتابه: "سِمْطُ الْجُمَان وسِقْطُ اللآلئ وسِفْطُ الْمَرْجَان" ونقل عنه قوله: "بحر العلوم،

стр. 68

وإمام كلّ محفوظ ومعلوم، وله أشعار تشوّق فيها إلى بغداد وإلى الحجاز"، وساق مقاطع من شعره. واعتمد في الثانية على أبي الوليد الشَّقُندي صاحب الرِّسالة المشهورة في فضل الأندلس، والمتوفَّى سنة: و ٦٢٩هـ، في كتابه: "طُرَف الطرفاء"، وعلى أبي عمرو بن الإمام في "السَّمْط". وقيمة الترجمتين أنهما احتفظتا لنا بما يتردّد عن أبي بكر ابن العربيّ عند الأدباء مخضرمي القرنين السادس والسابع: أبي عبد الله الحجاري في "مسهبه"،، وابن الإمام في "سِمْطِه"، وأبي الوليد الشقندي في "طُرَفِه". ومن مؤرِّخي القرن السّابع شمس الدِّين أحمد بن محمد بن خلِّكان [ت. ٦٨٤ هـ] صاحب الكتاب ذائع الصيت: "وَفَيَات الأعيان" وقد عقد لابن العربيّ ترجمة (١) كان له فضل النّقل الحرفيّ من "صِلَةِ" ابن بَشْكُوال، وأضاف إليها من عنده: "انتهى كلام ابن بَشْكُوال" وذكَرَ فيها كتاب "عارضة الأحوذي" شارحًا لفظتَي "العارضة" و"الأحوذي "، ضابطًا الأخيرة منها ضبطًا بالحروف، وقد تناقل المتأخِّرون تفسير اللَّفظتين معزوا إليه. كما تعرَّضَ في صُلب التّرجمة إلى التّعريف بوالد أبي بكر، على أن هناك شيئًا يستحقُّ التّعجُّب، وهو التّشويش على تاريخ مولد أبي بكر ابن العربيّ الّذي حدَّدَه بنفسه ونقله عنه ابن بَشْكُوال بتاريخ آخر، ليفسح المجال للقول بأنّ في تاريخ مولده قولين، في قضية لا تحتمل مثل هذا الاختلاف عقلًا وواقعًا، بعد تأكيد المعنيِّ بالأمر تاريخ مولده الّذي لا شكّ أن أبا بكر ابن العربيّ نقله عن أبيه أو

стр. 69

أحد أفراد أسرته، وقد عاش في وسط متيقظ واعٍ يحتلُّ مكانةً مرموقة في الميدانَين العلميّ والسياسيّ. فإن كانت هناك فضيلة تُرْتجَى من مثل هذه التّرجمة، فهي أنّها أذاعت ترجمة أبي بكر في العصور المتأخِّرة، لذُيوع كتاب: "وَفَيَات الأعيان". واستمرّ ذِكْرُ ابن العربيّ موصولًا، تتواتر أخبارُه وتراجِمُه، ويحرصُ مؤلِّفو الطّبقات والتّواريخ على بيان منزلته قاضيًا وفقيهّا ومصنِّفًا من أعيان رجالات الإسلام، من ذلك ترجمة أبي جعفر أحمد بن إبراهيم، المعروف بابن الزّبير الغرناطي [ت. ٧٠٨ هـ] الّذي عقد لابن العربيّ ترجمة في صِلَتِه للصِّلَة البَشْكُوالية، وهذه التّرجمة وإن لم تصلنا في القسم الّذي سلم من عوادي الزّمن، فإنّ أبا العباس المقَّريّ قد احتفظ لنا بمعالم من ترجمة ابن الزّبير في "أزهاره" و"نفحه" وليس في هذه التّرجمة ما يتجاوز بكثير ما عند القاضي عياض، وأبي القاسم بن بَشْكُوال؛ بل إنّه زاوَجَ بين التّرجمتين، واستخلص زبدتهما، فإنْ يكن هناك جديدٌ عند ابن الزُّبير يعتدُّ به فليُلْتَمس ذلك في مجمَلِ تراجم أصحاب أبي بكر وتلاميذه الّتي تناثرت هنا وهناك. ومن ذلك أيضًا تردُّد ذِكْرِه عند أحمد بن محمّد المراكشي المعروف بابن عَذَارِي [الّذي كان على قيد الحياة سنة:٧١٢ هـ] في كتابه الجامع: "البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب" حيث تناثرت أخباره في أماكن متعدِّدة، حينما يتولّى القضاء سنة:٥٢٨ هـ (١)، وعندما يثورُ عليه السَّفَلَة الإشبيليون (٢)،

стр. 70

مع التّفصيل في ذلك، ثمّ في قسم الموحِّدين في حوادث سنة:٥٤١هـ (١)، عندما يكون على رأس وقد أعيان إشبيلية الّذي ذهب لإبلاع عبد المؤمن بيعة الإشبيليين ودخولهم في طاعته، ويخطب خطبة يستجيدها الخليفة ويقبل بيعتهم، وينبسطُ لابن العربيّ فيُدْنِيه، لما له من صِلَةٍ بأبي حامد الغزالي شيخ إمامهم المهدي، فيسأله: هل لقي المهدي في مجلس الغزالي؟ فيجيبه ابن العربيّ جوابا يعرف أنه يُرضيه، ويهمّه أن يسمعه الحاضرون، وأن يشيع بين النّاس على أنّه شهادة من ابن العربيّ الفقيه العالم، مؤدَّاها أن الغزالي كان يقول: "لا بدّ من ظُهوره". وفي نهاية الخبر تفيدُ الرِّواية أنّ الوفد انفصلَ من عند الخليفة بخيرٍ كثيرٍ وإنعام كبيرٍ، وواضح من السِّياق أنّ ذلك كان بفضل ذلاقة ابن العربيّ وكياسته وحُسن تأتِّيهِ، ومعرفته بمقاصد سياسة الموحِّدين، وما من شكٍّ في أنّ الخليفة عبد المؤمن قصد إلى أن يستصدرَ من ابن العربيّ ما يُشبه الفتوى بشرعيّة القول بظهور المهدي، وتعين أنّ المقصود به هو ابن تومرت، وأن الغزالي الّذي كان قد أحتلّ مكانةَ متميِّزةَ في الوسط الفكريّ يقدِّر خطورتها رجال السّياسة، كان يقول بحتمية ظهور المهديّ وتوقيت الظّهور، وأنّ المهديّ ابن تُومرت هو الهديّ المنتظر. ولم يغب عن عبد المؤمن أنّ ابن العربيّ هو الّذي سعى في إضفاء الشّرعية على دولة المرابطين، باستصدار مباركة أبي حامد الغزالي، وكان أبو بكر ابن

стр. 71

العربيّ مُتَفَطِّنًا للظّروف والملابسات ومقاصد السّؤال الموجَّه إليه، فلم يقتصر على مقتضى المتبادر من الألفاظ، وهو مجرد الرؤية أو اللُقيا، وإنّما أجاب عن سؤال مُضْمَر غير منطوق ومقتضاه: ما رأيُ الغزاليّ في محمّد بن تومرت، وهل كان يرى أنّه المهديّ المنتظر، وأنّه يتحتّم ظهوره؟ فكان الجواب أنّ الغزالي كان يقول: "لا بدّ من ظُهوره"، وهكذا يكون ابن العربيّ قد فتح صفحة جديدة في علاقته بالموحِّدين، يُكفِّر بها عن سوابقه مع غرمائهم المرابطن، الّذين تقدَّمت خدماتُه لهم وإكرامهم إياه، وإسناد الوظائف له والمهمّات، بل لا نبالغ إذا قلنا بأنّ خدمة المرابطن كانت إرثا تَأَثلَه عن أبيه، بل لا نبالغ إذا قلنا بأن خدمة السُّلطة والسَّعي لرضاها كان يجري في دَمِهِ، وأنّه ورثه من أبوَيْه: أخواله الهوازِئة، وأسرته المعافريّة اللّتين لعبتا الأدوار الأساسية على عهد العبّادية والمرابطيّة، فيصعُبُ عليه أن يتخلَّص من شهوة السُّلطة والطُّموح والنُّفوذ والوَجَاهة، والعِرْقُ غلاّبٌ ودسّاسٌ، وكل مُيَسَّرٌ لما خُلِقَ له. وكان من الأجدر لصاحبنا وهو في شيخوخته العالية ألاّ يتجشّم مشاقّ الرِّحلة إلى مراكُش، ومتاعب الغُربة عن الأهل في إشبيلية، ولكن الّذين استحلّوا القُرْبَ من أصحاب السلطان، يحسبون أنّ كلّ صيحة عليهم، فيتوهّمون أنّ عدَمَ المشاركة في الوفد الّذي يقَدِّم فروض الولاء والطاعة، قد تفسِّرُه السُّلطة على أنّه استمرارٌ في الوَلاَء لأعدائهم المرابطين، وربّما كان يرى ابن العربيّ أنّ رئاسته لهذا الوفد فرصة سانحة لربط الخيوط بالدولة الجديدة، والتّنصُّل من أن يُحسبَ على العهد القديم، فتنفتح له قلوب الموحّدين، ويحظى بالوَجَاهة والمكانة، ولم لا بالمنصب الرّفيع: القضاء أو المُشَاوَرة، ذلك ما نرجِّح -والله أعلم- أنّه كان يلح على خاطر ابن العربيّ، ويناسب طموحه المعهود فيه.

стр. 72

ونرجو أن لا يكون فيما استنتجناه أو تأوّلناه شيء من القسوة أو التّحامل؛ فإنّنا صحبنا ابن العربيّ وتراثه لأزيد من عشرين سنة دأبا، عكفنا فيها على دراسة ما وصلنا من تراثه المطبوع والمخطوط الّذي تناثرت أسفاره بين خزائن الأرض في بلاد الإسلام وديار الدَّعوَة، وحصَلَ لنا من الأنْسِ والألْفَة لأسلوب الرّجُل وطَبْعِه ما نحسبُ أنّه يعصمُ الرّأي من الشّطَطِ في الحكْم، والزَّلل في القول، والتّعسُّف في الاستنتاج. وربما يقتضي المقام ونحن في سياق نقد المصادر المغاربية، أن نشيد بمؤرِّخي الرِّجال الّذين آل إليهم ونهل من معينهم كلّ من جاء بعدَهم من المؤرِّخين، ونقصد هنا محمّد بن عبد الله بن الأبار [ت. ٦٥٨ هـ] في "تكملته لكتاب الصِّلَة" وابن عبد الملك املراكشي في "ذيله". أما ابن الأبار؛ فإنّه وإن لم يُترجِم لابن العربيّ -اكتفاءً بما جاء عند ابن بَشْكُوال في "الصَّلَة" -فإنّ كتابه كان سخيّ العَطَاء في التأريخ لطبقة تلامذته وحَمَلَة رواياته، والتّحديث بمصنَّفاته ومرويّاته، وانتشار إجازاته شرقًا وغربًا واختراقها الآفاق، وهو ما يرشِّح كتاب: "التّكملة" لأن يكون معينًا لمن أراد أن يتبيّن استمرار تأثير ابن العربيّ روايةً وتأليفًا، وعطاءً ممتدًّا، من خلال من تخرَّج على يديه من أصحاب وتلامذة ومريدين حملوا علمه وبثوا هديه، ونشروا مصنفاته وأذاعوا ذكره، وزيّنوا للنّاس حُسْن مقاصده ومذاهبه. ومحمد بن محمّد بن عبد الملك المراكشي [ت. ٧٠٣ هـ] في كتابه "الّذيل والتّكملة لكتابي الموصول والصِّلة" لم يكن أقلّ مشاركة في رَصدِ تأثير ابن العربيّ الممتد خلال القرنين السّادس والسّابع في رجالهما، من خلال تداوُل

стр. 73

رواياته ومصنّفاته وذكر أخباره، في يمكن القول بأنّ كتب مؤرِّخي الغرب الإِسلامي: القاضي عياض وابن بَشْكُوال وابن الأبار وابن عبد الملك المراكشي وابن الزبير الغرناطي، تُكَوِّنُ منظومة تتكاملُ حلقاتها، وتترابط عناصرها من خلال الإفادات الّتي تأتي مُوزَّعة على التراجم بدون أن تنتظم تحت عنوان جامِعٍ، ويبدو كأنها جاءت عفوًا من غير ترتيب مُسبَق، وعوَّل كُتَّاب التراجم والطبقات في العصور التالية عليها تعويلًا مطلقًا، يشهد بذلك ما نشاهده من تراجم لأبي بكر في هذه الكتب أو تراجم أصحابه. ويعتبر الإمام شمس الدين محمد بن أحمد الذّهبيّ [ت. ٧٤٨ هـ] أعظم مؤرّخ مشرقيٍّ عُني بأبي بكر ابن العربيّ، فإنَّه لم يُخل أيَّ كتاب تاريخيّ له من ذِكْرِه، ففد أورد ذكره في "تاريخ الإسلام وطبقات المشاهير والأعلام"، و"العبر" (١)، و"الدول" (٢)، و"الإعلام" (٣)، و"الإشارة" (٤)، و"تذكرة الحفاظ" (٥)، و"سير أعلام النُّبَلاء" (٦). ونسجِّل باستغراب أن يؤرَّخ في "الإشارة" و"الإعلام" و"العِبَر" (٧)

стр. 74

وفاة ابن العربيّ سنة: ٥٤٦هـ، مخالفًا بذلك ما أجمع عليه المؤرِّخون؛ وفيهم أصحاب ابن العربيّ الّذين لا قول بعد قولهم؛ بل مخالفًا صنيعه في سائر مؤلفاته الّتي وافق فيها رأيه الصّواب. وقد تنوّعت هذه التراجم إلى تراجم أوجز القول في بعضها إيجازا بالغا؛ كـ "دول الإسلام" و"الإشارة" و"الإعلام" وبعضها في سطور معدودة كـ "العبر" وأوسع منه كـ "تاريخ الإسلام" لكنه بسط القول في "التّذْكِرة" و"سير أعلام النُّبَلاء". ويبدو من خلال قراءة هاتين الترجمتين أنّ الذّهبيّ حاول إن ينظر إلى أبي بكر ابن العربيّ من زوايا متعدِّدة، لم يُسلِم قياده للأندلسيين، وقد ذكر منهم ابن بَشْكُوال وابن مَسندِيّ واليسع بن حزم، وإنما نوَّع مصادره، فاستند إلى بعض المؤرخين المشارقة كأبي القاسم ابن عساكر في "تاريخ دمشق"، وابن النجار في "ذيله على تاريخ بغداد"، والحافظ أبي الحسن بن المفضل في "وَفَيَاتِه"، وابن خلِّكان في "أعيانه"، وكان من عطاء التّرجمة في الكتابين "التّذْكِرة" و"السِّيَر" -هذا التركيز المنظَّم والاختيار الموفَّق، فقد حَرَصَ على أن يخصَّ بالذِّكر العناصر الدّالة، من مثل: تحديد المولد نقلًا عن ابن بَشْكُوال، وتسجيل سماعه على خاله أبي عليّ الهوزني وتخصيصه بالذِّكر، وإجمال سائر شيوخه بالأندلس، وارتحاله مع أبيه، وترتيب مشيخته على الحواضر: بغداد، دمشق، الحرمين الشريفين، مصر، وتسجيله لمصنَّفاته معقِّبا عليها: "وأشياء سوى ذلك لم نشاهدها" (١).

стр. 75

فهل يُفهَم من ذلك أنّ الكتب الّتي نصَّ عليها مما وقع له؟ قد يكون ذلك مُستساغًا، فلنذكر الكتب كما سَرَدَها، مرَّجِحين أن يكون قد شاهدها: "صنَّفَ "كتاب عارضة الأحوذي في شرح جامع أبي عيسى الترمذي" وفسَّر القرآن الجيد، فأتى بكلّ بديع، وله كتاب "كوكب الحديث" و"المسلسلات" و"كتاب الإنصاف في الفقه" و"كتاب أمهات السائل" و"كتاب نزهة الناظر" و"كتاب ستر العورة" و"المحصول في الأصول" و"حسم الداء في الكلام في حديث السوداء"، "كتاب في الرسائل وغوامض النحويين"، "كتاب ترتيب الرِّحلة للتَّرْغيب في المِلَّة" و"الفقه الأكبر للقلب الأصغر" وأشياء سوى ذلك لم نشاهدها". هناك إشارات في ترجمة الذّهبيّ تثير الانتباه، منها أحكام تخصّ ابن العربيّ، كتَحْلِيَتِه بالإمام، العلاّمة، الحافظ، صاحب التّصانيف، ومثل قوله: "كان رئيسا مُحتشمًا، وافر المال بحيث أنشأ على إشبيلية سُورًا من ماله" و"كان القاضي أبو بكر ممن يقال إنّه بلغ رتبة الاجتهاد"، "أدخل الأندلس عِلْمًا شريفا وإسنادًا مُنيفًا" بعبارة "التّذْكِرة" (١)، "وأدخل الأندلس إسنادا عاليا وعِلْمًا جمًّا" حسب عبارة "السِّيَر" (٢)، ولا نعتقد أن تغاير العبارتين من قبيل التَّفنُّن في التّعبير، وأن كان الموصوف بهما واحدا في الحالتين، إلَّا أنّنا نميل إلى اعتبار أن التّعبيرين يتكاملان؛ لأنّ "الإسناد المنيف" قد يكون لأسباب ومن جهات أولاها العُلوّ.
следующие страницы →