← Тараджим

Тараджим · id 123666

إتحاف المرتقي بتراجم شيوخ البيهقي

محمود النحال

Полный текст (584 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

تقديم: بقلم فضيلة الشيخ مصطفى العدوي الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، وبعد فهذا كتاب جمع تراجم مشائخ الإِمام البيهقي رحمه الله تعالى قام بإعداده الأخ/ محمود بن عبد الفتاح حفظه الله تعالى وجزاه الله خيرًا على ما قدَّم؛ فالمكتبة الإِسلامية -خاصة مكتبة الحديث والرجال- في حاجةٍ ماسة إلى مثل هذا الكتاب الغني يجمع شيوخ الإِمام البيهقي رحمه الله تعالى، وذلك حتى يتسنى ويتيسر للباحثين الحكم على ما تفرد به الإِمام البيهقي خاصة، فضلًا عما وراء ذلك من النفع إن شاء الله. هذا، ولما كان الكتاب إنما يعتمد مؤلفه على نقل التراجم، فهو يحتاج من ثمَّ إلى أمانة علمية ودينية للنقل، وأخونا -ولا أزكيه على الله- أحسبه أمينًا. هذا، ولما كان من الشاق والعسير عليَّ مراجعة تراجم الرواة الذين أوردهم، ومطابقة ما ذكر لما هو موجود في تراجمهم؛ فقد عهدت إلى بعض الأفاضل من أخواني بعشرة تراجم متفرقة، كلٌّ يتعهد بترجمة، وذلك لمطابقة ما صنع والتدقيق في أمانة النقل، وكان مجمل ما ذكروه حفظهم الله أن العمل في جملته جيد ونافع إلى حدٍّ كبير؛ فجزاه الله خيرًا. هذا، ولكونه بشرًا يقع فيما يقع فيه البشر من أخطاء وسهوٍ، ولأن الناقد بصير،

стр. 2

فقد أورد إخواني حفظهم الله بعض الملاحظات مجملها أن الأخ الكريم عمد دون قصد -فيما يبدو- إلى أنه جعل "روى عن فلان" بمثابة "سمع فلانا"، فكان يذكر في ترجمة الرجل: سمع من فلان وفلان، وكل من ورد أنه روى عنهم، وكلمة سمع من فلان تختلف بلا شك عن روى عن فلان عند أهل الحديث والمعرفة به، وذلك لأن روى عن فلان تحتمل أنه سمع منه مباشرة أو سمع منه بواسطة. فلما كان ذلك رُدَّ الكتاب للأخ الكريم فقام بتعديل ما قد ذُكر وتصحيحه (١)، وإن لم تسعفنا مراجعته لكنه، ولله الحمد نحسبه أمينًا، ولا نزكي على الله أحدًا. هذا، وقد اعترى بعض تراجم الرواة بعض التصوفات والمسائل العقائدية التي فيها خلل، وهذه ليست عهدتنا ولا عهدة الأخ محمود، ولكن كان ينبغي قدر الاستطاعة التعقيب في الحواشي على مثل هذه، وذلك كقولهم في فلان: إنه كان يتبرك بقبره ويستسقى به. وهذا بلا شك خطأ فادح ينبغي التنبيه عليه، وقد بذل الأخ ما في وسعه في ذلك الصدد، فأسأل الله أن يجازيه خيرًا. هذا، وأحيانًا يكون هناك اشتباه في اسمين ولا يُدرى مَنْ المعنيّ فيجتهد الأخ في أن الأَوْلى واحد منها هذا. وأسأل الله أن ينفع به وبكتابه وأن يوفقه لمواصلة العلم الشرعي، والدعوة إلى الله. وصل اللَّهم على نبينا محمَّد وسلم والحمد لله رب العالمين. كتبه: أبو عبد الله مصطفى بن العدوي ١٦ محرم ١٤٢٩ هـ

стр. 3

المقدمة عرف تراثنا العربي والإِسلامي فرعا من فروع التاريخ أطلق عليه اسم التراجم، وقد قام هذا العلم على فحص سير الأشخاص لمعرفة مدى عدالتهم وضبطهم، كما كان هذا العمل وسيلة للاطمئنان إلى مروياتهم من نصوص الحديث النبوي والتفسير ونصوص التاريخ … وكذلك للاطمئان إلى سلامة أحكامهم في القضايا المطروحة في كل من هذه المجالات في ظروف كان فيها النقل الشفاهي هو الغالب. ومع تطاول الأيام افتقر المحدثون وغيرهم ممّن يعنون بالتراجم إلى معاجم تضم تراجم الرواة لمعالجة هذه الأهداف منعا لتضارب الأقوال، ومن هنا جاءت كتب التراجم الكثيرة جدًا، والتي حملت عناوين مثل: الطبقات، أو المعاجم، أو السير، وهي كلمات تضاف عادة إلى كلمات أخرى تخصصها، فيقال: "طبقات المحدثين"، "طبقات الفقهاء"، "طبقات الشعراء"، "طبقات الحنابلة"، وكذلك يقال: "معجم الصحابة"، معجم شيوخ فلان (إشارة لعالم من العلماء) … وهكذا. وقد عُرفت الكتب التي تناولت رواة الحديث بصفة خاصة بكتب الجرح والتعديل. ومن هنا نشأ علمُ تراجم الرجال وسيرهم بدءًا من سيرة النبي الكريم ﵌ وتراجم الجيل الأول من حمَلَة النور، وانتهاء بطبقات متأخري العلماء.

стр. 4

وقد اتخذ التأليفُ في التراجم صورًا عدّة؛ فهناك التأليف المرتبط بالزمن كالتأليف في أهل زمن معين؛ مثل الكتب التي تناولت تراجم الصحابة ككتاب "الاستيعاب في معرفة الأصحاب" لابن عبد البر (ت ٣٦٨ هـ)، و"أسد الغابة في معرفة الصحابة" لابن الأثير (ت ٦٣٠ هـ)، و"الإصابة في تمييز الصحابة" لابن حجر العسقلاني (٨٥٢ هـ). ومن الكتب التي تدخل في هذه الصورة كتاب "الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة" لابن حجر أيضًا، وكتاب "البدر الطالع بمحاسن من بعد القرن السابع" للشوكاني (ت ١٢٥٠ هـ)، و"خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر) للمحبي (١١١١ هـ) وكتاب "سلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر" للمرادي (١٢٢٣ هـ) وغيرها كثير. وهناك التأليف في التراجم المرتبط بالمكان، كتواريخ البلدان والمدن مثل "تاريخ واسط" لبحشل (٢٩٢ هـ) و"تاريخ دمشق" لابن عساكر (ت ٥٧١)، فقد اشتملت مثل هذه التواريخ على تراجم كم هائل من أهل البلد التي خصص الكتاب من أجلها. كما ارتبط التأليفُ في التراجم بالعلوم والفنون، فنجد تراجمَ للأطباء، والحكماء، والقُرّاء والمفسرين، والمتكلمين، والفرسان (١)، والخطاطين (٢)، وطبقات المُعَبّرين (٣)، والنحاة، والأدباء، والشعراء، والفقهاء. كما اهتم مؤرخو المذاهب بترجمة رجالهم، فهناك طبقات للحنفية والمالكية

стр. 5

والشافعية والحنابلة، وربما خَصّص بعضُهم هذا المعيارَ فألّف في طبقات مجتهدي أهل مذهبه كـ"طبقات المجتهدين في مذهب الحنفية" لابن كمال باشا (ت ٩٤٠)، أو في متأخري أهل مذهبه ككتاب "الجوهر المنَضَّد في طبقات متأخري أصحاب أحمد" ليوسف بن حسن بن أحمد الحنبلي المقدسي، وهذا الكتاب ذيل على كتاب "ذيل طبقات الحنابلة" الذي ألّفه ابن رجب الحنبلي (ت ٧٩٥) ذيلا على كتاب "طبقات الحنابلة" لابن أبي يعلى الفراء (ت ٥٢٦). ومن المصنفين في تراجم الفقهاء مَن نحى منحًى جُغرافيًّا، فترجم لفقهاء بلد معين، ككتاب "طبقات فقهاء اليمن ورؤساء الزمن" لابن سمرة الجعدي اليمني (ت ٥٨٦). كما شمل التأليف في هذا الفن الاتجاهات الكلامية، فصارت هناك كتب لتراجم أصحاب الفرق المختلفة كـ "فضل الاعتزال وطبقات المعتزلة" للقاضي عبد الجبار (ت ٤١٥)، و"المقالات" للبلخي (٢١٩ هـ)، و"أعيان الشيعة" لمحسن ابن عبد الكريم الأمين (١٣٧١ هـ). وثمة فرع من فروع التراجم يقوم على جمع تراجم شيوخ عالم من العلماء، كما نرى ذلك في "معجم شيوخ الصدفي" للقاضي عياض (٥٤٤ هـ)، و"مشيخة ابن الجوزي" (٥٩٧ هـ) و"معجم شيوخ ابن الأبار" (٦٥٨ هـ) وغيرها. ويأتي هذا الكتاب -الذي بين أيدينا- ليجمع شيوخ عالم من علماء الحديث، وهو الإِمام البيهقي، كما سيأتي الحديث عنه، إن شاء الله.

стр. 6

بين يدي الكتاب الحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات، والصلاة والسلام على أشرف خلقه محمَّد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم. وبعد: لما كان الإسناد ضرورة دينية -ولا سيما مع ظهور البدع والمحدثات المضلة- لئلا يُعتمد في النقل على أحد هؤلاء المبتدعة فينسب إلى الشرع ما ليس منه؛ كان التفتيش عن أحوال الرواة والبحث عن مراتبهم جرحًا أو تعديلًا من الأهمية بمكان عند المتقدمين والمتأخرين من أهل العلم. كما ورد عن محمَّد بن سيرين ﵀ أنه قال: لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سَمُّوا لنا رجالكم. فيُنظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم، ويُنظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم (١). وقال أيضًا: إن هذا العلم دين، فانظروا عمن تأخذون دينكم (٢). وقال سفيان الثوري: الإسناد سلاح المؤمن، فمن لم يكن له سلاح فبأي شيء يقاتل (٣). وقد تضافرت أقوال الأئمة للتأكيد على هذا المعنى بين الحين والآخر، الأمر الذي أدى إلى وجود سجلات -بالمعنى المعاصر- عن هؤلاء الرواة، فما عاد من

стр. 7

راوٍ إلا وترجم له الأئمة في كتبهم سوى النذر اليسير، وذكروا الأحاديث التي رواها، وحاله من حيث الجرح أو التعديل. وعلى الرغم من المكانة العلمية التي يحظى بها البيهقي بين أهل الحديث، فهو صاحب التصانيف الفريدة التي ليس لأحد مثلها، وهو أيضًا علّامة فقيه، ثبت ثقة، واحد زمانه، وفرد أقرانه، وحافظ أوانه، وقد بلغت تصانيفه الكثير حتى قيل: إنها بلغت الألف، فقد بورك له في مروياته، وحسن تصرفه فيها، بما له من حذق وخبرة بالأبواب والرجال. وعلى الرغم أيضًا من اتجاه أنظار العلماء والباحثين للغوص والاستفادة منها، فلا يحصى كم محقق لها ومعتن ومفهرس لها ودارس أقول: على الرغم من هذا وتلك - إلا أنه بقي فضلة لم تنلها أيدي الباحثين ألا وهي الاعتناء بتراجم شيوخ الإِمام البيهقي، وجمعها في مجلد واحد، فاستعنت بالله لحمل هذه المهمة. ويمكن سرد أهم الدوافع التي كان لها الدور الفعال في المشروع في هذا العمل: عدم وجود مصنف مستقل في هذا الجانب لا يخفى على الممارس لهذا الفن ما يلاقيه المعتنون بالأسانيد من الجهد والمشقة في سبيل الوقوف على تراجم مشايخ أصحاب الكتب المتأخرة خاصة شيوخ البيهقي بسبب تفنن البيهقي في ذكر أسمائهم، فيتفنن في اسم الشيخ الواحد بأكثر من طريقة، مرة باسمه كاملا أو بجزء منه، ومرة بكنيته، وأخرى بلقبه، وأحيانا بحرفته، حتى وصل الأمر في بعض الأحيان إلى أكثر من عشر صور للاسم الواحد، مما جعل المشتغلين بهذا العلم في أحيان كثيرة يعجزون عن تحديد أصحاب هذه الأسماء، خصوصا وأن كتب التراجم لم تأت بترجمتهم على الصيغة التي أوردها البيهقي في

стр. 8

كتبه، مما يتطلب جهودًا مضنية من الباحثين، ومعرفة عميقة بطرق البيهقي في تسميته شيوخه حتى يتمكنوا من الوصول إلى ترجماتهم. وقد أدى هذا في بعض الأحيان إلى الخلط بين أسماء هؤلاء الرواة (١) مما أثر على الأحاديث ودقة الحكم عليها بالصحة والضعف. وقد تطلب هذا عناية كبيرة بالرجوع إلى أمات كتب التراجم والكتب المؤلفة في تواريخ البلدان وغيرها؛ حتى تم -بحمد الله وتوفيقه- معالجة مثل هذا اللبس. أهمية كتب البيهقي في ذكر نصوص كثير من المصادر المفقودة والتي لم تطبع بعد فقد حفظ لنا البيهقي رحمه الله تعالى الكثير من المصادر المفقودة المتنوعة التي لم يصل إلينا منها شيء، إما بطريق الإجازة أو المكاتبة أو الوجادة، فأحسن النقل، حتى أصبحنا نأخذ النص وكأننا نرى المصدر الذي استُقِي منه، فمثلا الجامع الكبير لسفيان الثوري، رواية عبد الله بن الوليد العدني، يعد هذا الجامع من الكتب المفقودة التي لم يصلنا منها سوى اسمه، فقد اعتمد البيهقي عليه، وروى منه الكثير في كتبه من طريق شيخه أبي بكر الفارسي، وكذلك روى لنا مسند أحمد بن عبيد الصفار عن شيخه علي بن أحمد بن عبدان عن الصفار، وكذلك صحيح الإسماعيلي

стр. 9

الذي يرويه عن شيخه أبي عمرو الأديب عن الإسماعيلي، وسنن يوسف بن يعقوب القاضي، وأمالي أبي عبد الله الحافظ صاحب المستدرك، وتاريخ نيسابور له، وغير ذلك من الكتب التي نبهنا عليها في سياق الكتاب. أهمية كتب البيهقي في ضبط نصوص كثير من المصادر المطبوعة إلى جانب ما سبق فقد حفظ لنا الكثير من المصادر المطبوعة التي أعانت على ضبط كثير من النصوص، مثل: الكامل لابن عدي الذي يرويه البيهقي عن شيخه أبي سعد الماليني عن ابن عدي، وسنن الدارقطني الذي يرويه عن شيخه أبي بكر الحارثي عن الدارقطني، فرواية البيهقي لهما تعد نسخة ثانوية لضبط الكثير من نصوصهما، وهذا مثل لكثير من الكتب التي رواها البيهقي في كتبه، ككتاب مسند أبي داود الطيالسي؛ يرويه البيهقي عن شيخه ابن فورك، وكتاب سنن أبي داود السجستاني رواية اللؤلؤي؛ يرويه البيهقي من طريق شيخه أبي بكر محمَّد بن محمَّد الطوسي، وغيرها كثير. اعتماد العلماء على البيهقي في أحكامه على الرواة تعد كتب البيهقي غزيرة بالمادة النقدية على الرواة جرحًا وتعديلا وسماع بعضهم من بعض، فلا نكاد نجد صفحة من صفحات كتبه خالية من كلامه على رواة أحاديثه جرحًا وتعديلا وسماعا، حتى إن الحافظين الذهبي وابن حجر عندما ترجما لمحمد بن عبد الله الفلسطيني؛ الراوي عن جويبر وعنه أحمد بن عبد الله الجويباري، ذكرا كلام البيهقي فيه، وحاصله: أما محمَّد بن عبد الله الفلسطيني هذا فلست أعرفه ولست أجد اسمه في التواريخ التي عندي، وإنما هو شيخ مجهول، والجهالة عين الجرح عند أهل الحديث (١) … وأما أحمد بن عبد الله الجويباري

стр. 10

فإني أعرفه حق المعرفة بوضع الحديث على رسول الله ﷺ ، فقد وضع عليه أكثر من ألف حديث … انتهى (١). يتميز كتب البيهقي بذكر الأحكام المتعلقة بدرجة الأحاديث تتميز كتب البيهقي بالعناية الفائقة بنقد الأسانيد والمتون، والعمل على فحصها وتمحيصها، فالناظر في كتب البيهقي يقف على خبايا العلل والأوهام ودقائق الأخطاء التي يشير البيهقي إليها في سائر مصنفاته، كما قال شيخ الإِسلام: " … البيهقي ينقي الآثار ويميز بين صحيحها وسقيمها … " (٢) الإفادة من كتب البيهقي في معرفة بلدان الرواة وأماكنهم وأزمنة التحديث فالناظر في كتب البيهقي يجد أثناء استعراض البيهقي للأسانيد أنه يذكر بلد الرجل، كأن يقول: حدثنا فلان القاضي بالكوفة، أو القاضي بالري. ويذكر كذلك أماكن سماعه منهم، مثل عبارات: حدثنا فلان قدما علينا نيسابور أو بيهق حاجًّا. أو: حدثنا فلان وهو في طريقه إلى بغداد. أو: حدثنا فلان على شط الفرات. وكذلك في أزمنة السماع وهو يحدث عن شيخه ثم يضبط سنة السماع منه، ويراعي البيهقي ذلك في شيوخ شيوخه، ولا يخفى على ممارس هذا العلم أهمية ذلك في سرعة الترجمة للشيخ، فمثلا: لو قال البيهقي: حدثنا فلان ببيهق. فعلى الباحث أن يعمد إلى الكتب المؤلفة في مدينة بيهق ويطلب هذا الراوي، وكذلك في ذكر أماكن السماع والأزمنة، كل ذلك يفيد في رفع جهالة العين والحال عن الراوي، وهذه فوائد قلّ من يتنبه لها.

стр. 11

يتميز كتب البيهقي بذكر بعض الكنى والأنساب لكثير من الرواة التي خلت كتب التراجم منها تتميز كتب البيهقي بذكر كنى وأنساب الرواة التي لم يقف المترجمون لهم عليها، وهو أمر ملاحظ في كثير من الرواة خاصة في طبقة شيوخه، فإن دل ذلك فإنما يدل على سعة علم البيهقي بمعرفة أنساب الرواة وكناهم، ولا يخفى على الباحثين فائدة ذلك. التعيين لكثير من الرواة المبهمين والمهملين في الأسانيد كما تتميز كتب البيهقي بالكشف عما أبهم في الإسناد، وكما هو معلوم أن هذا الأمر ليس من الأمور الهينة الميسورة؛ فهذا يتطلب اطلاعا واسعا واستحضارًا جيدًا، ومعرفة بالرواة وشيوخهم وتلاميذهم وطبقاتهم، ومن الأمثلة العويصة لبعض المبهمات التي كشف البيهقي عنها ما أخرجه في السنن الكبرى (١) عن رجل من بني عقيل عن عمه، قال البيهقي معلقا عليه: هو إبراهيم العقيلي، وعمه ثور بن قدامة، رواه الثوري عنه. انتهى. وكذلك مما تتميز به كتب البيهقي في تعيين بعض الرواة المهملين الذين يأتون بكناهم فقط، أو يأتون بأسمائهم مع اشتراكهم مع كثير من رواة هذه الطبقة في هذا الاسم أو تلك الكنية، ولهذا العمل فوائد جليلة، منها: دفع توهم من لا خبرة له بهذا الشأن من الخلط بينه وبين راوٍ آخر في نفس الطبقة أو يشترك معه في الشيوخ والتلاميذ، وهذا العمل يتطلب جهدا كبيرا ومعرفة واسمعة بالرجال حتى يتمكن من القيام به على الوجه الأتم.

стр. 12

كذلك من الدوافع التي تدفع الباحثين إلى القيام على خدمة كتب البيهقي تنوعها واشتمالها على أكثر من فن حيث تعد كتب البيهقي من الكتب المتنوعة في سائر العلوم، فمنها ما هو في الفقه والعقائد والتربية والسلوك والرقائق والزهد والسيرة واللغة، وغير ذلك، كما هو ظاهر جلي لمن يطالعها. يضاف إلى ذلك تميزها من ناحية إتقانها وكثرة فوائدها مع تفردها بأشياء كثيرة نافعة لم يسبق إليها، كما كان لهذه المؤلفات أكبر الأثر في إثراء المذهب الشافعي. كل ذلك كان داعيا لتأليف هذا الكتاب والذي سميته إتحاف المرتقي بتراجم شيوخ البيهقي، وأرجو أن يجعله الله تحفة للباحثين وطلاب العلم إذا أرادوا الارتقاء في هذا الميدان لأسباب كثيرة، منها ما ذكرته في هذه المقدمة، ومنها ما سيلمسه الباحث عمليًّا عند مطالعة الكتاب.

стр. 13

منهج العمل في الكتاب أولًا: جمع الكتب: ١ - قمت بجمع جميع كتب البيهقي، وذلك عن طريق البحث والتفتيش وسؤال أهل المعرفة عن مطبوعاته رحمه الله تعالى، حتى اجتمع عندي سبعة وعشرون كتابا من كتب البيهقي. ٢ - جمع كل ما ظهر من طبعات كتب البيهقي. ٣ - توخيت الدقة في اختيار أفضل طبعات هذه الكتب، مع الاستعانة ببقية الطبعات عند الحاجة. ٤ - قمت بالرجوع إلى أكثر من طبعة في حالة الشك في وجود تصحيف أو تحريف أو سقط؛ لتقويم النص. ٥ - الاستعانة بالكتب التي استقت مادتها من كتب البيهقي خاصة تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر. ٦ - الرجوع أحيانا إلى النسخ الخطية إذا دعت الحاجة إلى ذلك. ثانيا: استقراء الشيوخ: ١ - استقراء ما تجمع عندي من الكتب لتجميع شيوخ البيهقي. ٢ - وضع كل شيخ في بطاقة خاصة به.

стр. 14

٣ - استقصاء شيوخ شيوخ البيهقي الذين لهم رواية عنهم في كتب البيهقي. ثالثا: الترجمة للشيوخ: ١ - حرصت على ذكر اسم الشيخ بالصور الواردة عند البيهقي، مع مراعاة تفنن البيهقي في تسمية شيوخه على أكثر من وجه مثلا: أحمد بن الحسن بن أحمد أبو بكر القاضي الحيري الحرشي، تارة يسميه: أحمد بن أبي علي الحرشي، ومرة: أبو بكر القاضي، وأخرى: أبو بكر الحيري، ومرة: أبو بكر الحرشي، فأذكر كل هذه التسميات في الترجمة. ٢ - قمت بالترجمة لهم من خلال الاعتماد على كتب التراجم، واتبعت في ترجمتي لهم المنهج الآتي: أ - ذكرت اسم الشيخ كاملًا بالرجوع إلى كتب الرجال. ب- وضعت جميع مصادر ترجمته التي يسر الله لي الوقوف عليها ككتب تواريخ البلدان، مثل: مختصر تاريخ نيسابور للحاكم، والمنتخب من كتاب السياق لتاريخ نيسابور، وتأريخ بيهق، وتاريخ بغداد، والعقد الثمين في تاريخ مكة … إلخ، وكتب تراجم اللغويين والشعراء، مثل: بغية الوعاة للسيوطي، وكتاب يتيمة الدهر للثعالبي، ودمية القصر للباخرزي … إلخ. كما رجعت لكتب الوفيات مثل: تاريخ الإِسلام للذهبي، والوافي بالوفيات للصفدي، ووفيات الأعيان لابن خلكان … إلخ. كما رجعت أيضًا إلى كتب الأنساب مثل: الأنساب للسمعاني،

стр. 15

ولباب الأنساب لعلي بن زيد البيهقي، واللباب في تهذيب الأنساب لابن الجزري … إلخ. رجعت كذلك لكتب الطبقات، مثل: كتاب طبقات الشافعية الكبرى للسبكي، وطبقات ابن قاضي شهبة وطبقات الفقهاء للشيرازي … إلخ، وكتب الفهارس، مثل: كشف الظنون، وهدية العارفين، وفهرست ابن خير الإشبيلي … وغيرها من كتب التراجم. ج- نبهت على التصحيفات والتحريفات الواقعة في أسماء شيوخ البيهقي، وهذه من الفوائد النفيسة التي يحرص عليها طلبة العلم؛ لأن التصحيف سُوس الكتب التي يطمس بهاءها ويحول دون الاستفادة منها (١) فمثلا: (عبد الله بن الحسن الطبري)، صوابه: (هبة الله بن الحسن الطبري). و (محمَّد بن إبراهيم) صوابه: (يحيى بن إبراهيم). و (أبو أحمد الجرجاني) صوابه: (أبو أحمد المهرجاني). وذكرتها في أماكنها من الترتيب الهجائي، فمثلا: (أبو الحسن محمَّد بن محمَّد الفقيه)، تصحف إلى: (الحسن بن محمَّد بن محمد الفقيه). و (أحمد بن علي الحافظ) تصحف إلى: (أحمد بن عدي الحافظ).

стр. 16

و (أبو العباس الفضل بن علي) تصحف إلى: (أبو العباس عن الفضل بن علي). و (أبو علي الحسين بن محمَّد الروذباري) تصحف إلى: (أبو الحسين بن محمَّد الروذباري). و (أبو سعيد بن أبي عمرو) تصحف إلى: (أبو عبد الله بن أبي عمرو). وقد ذكرت هذه التصحيفات حتى يقف طالب الترجمة على صوابها، فيصحح ما وقع في نسخته، ويقف على ترجمة الشيخ، وما توفيقي إلا بالله. د - ثم ذكرت أسماء شيوخ شيوخ البيهقي -الذين وقعت لهم رواية في كتبه- كاملة، ورتبتهم على حروف المعجم لتيسير الوقوف على تراجمهم، وعدم الوقوع في تكرار الأسماء، ورفعا للالتباس عنهم، مثال: محمَّد بن يعقوب، ومحمَّد بن يعقوب، الأول الأصم، والثاني الشيباني الأخرم، ويشتركا مع كثير من شيوخ البيهقي، وبشر بن أحمد بن بشر الإسفراييني يأتي: بشر بن أبي يحيى، فيتعذر الوقوف عليه، ومحمَّد بن يعقوب الأصم يأتي: أبو العباس المعقلي، وهذا يتطلب من الباحث عناءً شديدًا لمعرفته. هـ - ثم ذكرت تلاميذهم (أقران البيهقي)، ورتبتهم على حروف المعجم، وعلى رأسهم البيهقي، وذكرت طريقة التحمل التي أخذ البيهقي بها منه، فمثلا: إذا كانت إملاء أو إجازة أو كتابة، مع ذكره المكان الذي سمع منه به، فمثلا: بيهق، أو نيسابور، أو بغداد، أو الكوفة، وغير ذلك من البلدان التي رحل البيهقي إليها، وسمع من مشايخها، وهذا متبع أيضًا في شيوخ البيهقي وتلاميذ شيوخه.

стр. 17

و- قمت بالتنبيه على الكتب التي رواها البيهقي عن شيخه، مثل: كتاب مسند أبي داود الطيالسي؛ يرويه البيهقي من طريق ابن فورك، عن عبد الله بن جعفر الأصبهاني، عن يونس بن حبيب، عن الطيالسي، وكتاب سنن أبي داود السجستاني روايةَ ابن داسة؛ يرويه البيهقي من طريق أبي علي الرُّوذباريِّ، عن ابن داسة، عن أبي داود. والكتب التي تحمَّلها من طريقه، مثل: كتاب موطأ الإِمام مالك من طريق أبي أحمد المهرجاني، عن محمَّد بن جعفر البستي، عن محمَّد بن إبراهيم البوشنجي، عن ابن بكير، عن مالك، سواء في ذلك ما هو مطبوع متداول بين الناس وطلبة العلم، مثل: كتاب سنن أبي داود رواية اللؤلئي، ومسند علي بن الجعد، ومصنف عبد الرزاق، والخَرَاج ليحيى بن آدم. أو ما هو في عداد المفقود ككتاب: تاريخ نيسابور للحاكم، ومعجم الحاكم، والجامع الكبير لسفيان الثوري الذي يرويه البيهقي من طريق شيخه أبي بكر الفارسي، عن أبي نصر العراقي، عن سفيان بن محمَّد، عن علي بن الحسن، عن عبد الله ابن الوليد العدني، عن الثوري. ومسند أحمد بن عبيد الصفار الذي يرويه البيهقي عن شيخه علي بن أحمد بن عبدان عن الصفار، كما بينا ذلك من قبل. ز- ثم تتبعتُ أقوال أهل العلم من مظانها في بطون الكتب، آخذا سبيل الدقة والتمحيص في الكشف عن كل علم من الأعلام، وتعيينه تعيينا دقيقا، مع إِتْبَاعِ ذلك كله بخلاصة أقوال أهل العلم فيه توثيقا وتجريحا، حتى يكون بين يدي طالب العلم مَنْهَلٌ عذبٌ

стр. 18

ميسورٌ يرده متى شاء بفضل الله ﵎، بدلا من البحث في الأوراق المتتابعة، والكتب المتفرقة، والمواضع المتعددة. ح - تخريج الآيات والأحاديث الواردة في الكتاب والحكم على الأحاديث بما قاله أهل الفن من علماء الحديث الكرام ﵃. ط - ضبط الكثير من الأسماء والأنساب الْمُشْكِلة، والتعريف بالكثير من الكتب والأماكن الواردة في الكتاب. ي - صناعة فهرس للكنى تسهيلا للقارئ؛ لأن كثيرا من مشايخ الإِمام البيهقي يذكرون في مدارج كتبه بالكنى لا بالأسماء، تَفَنُّنًا منه ﵀، وتبجيلا لمشايخه، وإظهارًا لبراعته في هذا الفن العظيم؛ علم الرجال والطبقات. ك - عمل فهرس بالتصحيفات والتحريفات الواقعة في شيوخ البيهقي. ل - عمل ملحق بتراجم شيوخ البيهقي الذين ذكر أنه روى عنهم ولم نجد رواية له عنهم في كتبه المطبوعة. م - عمل فهرس بالتصحيفات والتحريفات والأخطاء المطبعية الواقعة في المصادر والمراجع ليقوم القاري بتصحيح نسخته. ن - صناعة جريدة للمصادر والمراجع التي تم الاعتماد عليها في صناعة هذا الكتاب. س - عمل ترجمة للإمام البيهقي رحمه الله تعالى. تنبيهات للقارئ: ١ - قمت بترتيب شيوخ البيهقي على حروف المعجم مع ترقيمهم، وأما ما

стр. 19

كان فيه تصحيف أو تحريف فقد أحلتُ القارئ على ذكره اسمه مُصَحَّحًا. ٢ - ذكرت استطرادًا بعض شيوخ شيوخ البيهقي، الذين لشيوخه رواية عنهم خارج كتب البيهقي، وذلك لوجود بعض الفوائد المترتبة على ذلك، كما نبهتُ من قبل. ٣ - قد لا يجد القاري شيوخا لبعض شيوخ البيهقي وذلك لأن البيهقي قد يكون نقل عن شيخه بعض الأقوال في تفسير آية، أو قول في جرح راوٍ أو تعديله، أو يكون أنشد عن شيخه شعرًا أو غير ذلك، وقد التزمت بسند البيهقي ﵀ وعلى القاري أن يعرج على كتب التراجم المثبتة في ترجمتهم وينظر ذكر العلماء لشيوخهم. ٤ - استقصيت جميع روايات الشيوخ المقلين الذين روى عنهم البيهقي، وذكرت الكتب التي وقعت رواياتهم فيها، وعزوتها بالجزء والصفحة. ٥ - قد ترد بعض أسماء شيوخ شيوخ البيهقي مُصَحَّفَةً، أو يكون ثمَّ سقط بين شيخ البيهقي وشيخه، فقمت بذكرهم على حالتهم، وذكرهم على الصواب أيضًا في مكانهم من الترتيب، ونبهتُ على الصواب في الحاشية، مع تقييد ذلك بمصطلح: وليس بمحفوظ. ٦ - استثنيتُ ذكر شيوخ الحاكم، وكذلك ذِكر بعض شيوخ السلمي؛ لكثرتهم، على أنني قد استقصيت ترجمتهم في كتابي رجال البيهقي، يسر الله إتمامه. ٧ - قد ترد بعض الزيادات في الأسماء في أسانيد البيهقي، فقمت بوضعها في الاسم حتى تعم الفائدة، لأنه من خلال تتبع ذكر البيهقي لأسماء شيوخه وشيوخ شيوخه يتبين أنه على دراية ومعرفة تامة بأسمائهم وأنسابهم، كما ذكرت من قبل.

стр. 20

٨ - عدم التطرق إلى ترجمة شيوخ الإِمام البيهقي الذين روى عنهم -على ندرة ذلك- في كتبه المخطوطة كانت أو المفقودة والتقيد بالكتب المطبوعة. ٩ - الكتب التي اعتمدت فيها على أكثر من طبعة ذكرت ما اعتمدته من طبعاتها، وأشرت إلى الطبعة المغايرة التي استفدت منها في موضع الإفادة. ١٠ - في تعيين أسانيد السنن الكبرى -الطبعة الهندية- وجدت تصحيفات وتحريفات وسقطًا كثيرًا جدًا، فكلما أعياني شيء رجعت إلى نسخة جمعية المكنز الإِسلامي -وهي نسخة جيدة جدًا، ومحققة على أكثر من نسخة خطية- فوجدت فيها بغيتي، ذكرت هذا اعترافا لهم بالسبق والإفادة، وتنبيها للباحثين على قيمتها. ١١ - قد يلاحظ القاري في ذكر سنة الوفاة لبعض الشيوخ ورود قول المترجم: تُوُفِّي. ثم لا يذكر سنة الوفاة، ويرجع هذا إلى أن المترجم عندما يتعرض لترجمة الشيخ أو الراوي، قد لا يكون عنده خبرٌ عن سنة وفاته، فيُبَيّضُ له، تاركا ذكر تاريخ وفاته، إلى أن يقف على سنة وفاة يدونه فيها، وهذه المسألة كثيرة جدًا في فتح الباري للحافظ ابن حجر، والله أعلم. ١٢ - اعلم أيها القاري الكريم أن الشرع الحنيف قد حض المسلمين إذا نزلت بهم ملمة أو طاردتهم حاجة أن يلجئوا إلى الله تعالى بالدعاء ليكشف الله عنهم ذلك، وأن المسلم مطالب بملازمة الدعاء؛ فهو أصل عظيم من أصول العبادة، وإفراد رب البرية بتوحيد القصد والإرادة، وقد تطالع في بعض التراجم عبارات من نحو: وقبره يزار، ويستجاب عنده الدعوات، وما من صاحب حاجة يذهب هناك ويدعو

стр. 21

إلا استجاب الله له، وقبره يزار ويستسقى به! وقد ذكر الشرع أسباب الإجابة، ومواطنها وصيغ الدعاء المحبوبة عند رب العالمين ﵎، مثل: - قوله ﷺ : "ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاء من قلب غافل لاهٍ" (١). - وقوله ﷺ : "إن ربكم ﵎ حيي كريم، يستحيي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفرا" (٢). وغير ذلك من الأحاديث والآثار المستفيضة عن سيدنا أبي القاسم ﷺ . ولم ينص الشرع الحنيف في كتاب ولا سنة، ولا قول أحد من الصحابة أو من أئمة الحديث والأثر؛ أهل السنة والجماعة، الذين أضاءوا الأرض بنور التوحيد أنّ من هذه الأسباب قصدَ القبر للدعاء عنده، ولا شك أن هناك صحابة ماتوا في حياة النبي ﷺ ، ولم يقل لهم: ائتوا قبر فلان؛ فإن الدعاء عنده مجاب، والنبي ﷺ لم يقل لأصحابه: إذا قُبرتُ فأتوا قبري؛ فإن الدعاء عنده مجاب! ولم يجعل الشرع ذلك سببا لإجابة الدعاء، بل نص بعض الأئمة على نكارة ذلك: قال شيخ الإِسلام أبو عبد الله ابن قيم الجوزية رحمه الله تعالى: "قال شيخنا قدس الله روحه: وهذه الأمور المبتدعة عند القبور مراتب .. الرابعة: أن يَظُنَّ أن الدعاء عند قبره مستجاب، أو أنه أفضل من الدعاء في المسجد، فيقصد زيارته والصلاة عنده لأجل طلب حوائجه، فهذا أيضًا من المنكرات المبتدعة باتفاق

стр. 22

المسلمين، وهي محرمة، وما علمتُ في ذلك نزاعا بين أئمة الدين، وإن كان كثير من المتأخرين يفعل ذلك، ويقول بعضهم: قبر فلان ترياق مجرب. والحكاية المنقولة عن الشافعي أنه كان يقصد الدعاء عند قبر أبي حنيفة من الكذب الظاهر" (١). فإن قال قائل: إذا كان قصد الدعاء عند القبر لإجابته من المنكرات، فكيف يستجاب عندها الدعاء؟ الجواب: إن ما يتحصل عليه الداعي -من إجابة ما يطلب- وهو في هذه الحالة ليس لقيامه عند القبر؛ إذ لا خِصِّيصَةَ لتلك البقعة في الإجابة، بل لما يقوم بقلب الداعي من ذل، وخضوع، وأبتهال، وخشوع … إلخ. وما ذكرناه بالكتاب إنما هو لأمانة النقل عن الأئمة فقط. ولا يفوتني في ختام هذه المقدمة أن أتقدم إلى فضيلة الشيخ مصطفى العدوي، الذي تتلمذت على يديه، كما أن هذا الكتاب ثمرة من غرسه، فجزاه الله خير الجزاء وأوفاه. كما أسجل أيضًا خالص الشكر وأصدقه إلى جميع العلماء والإخوة الكرام الذين أعانوني على إتمام هذا العمل، ولم يدخروا جهدا ولا علمًا ولا كتبا احتجت إليها إلا أَمَدُّوني بها، لا سيما أخونا خالد الشبل (٢) حفظه الله تعالى، حيث أمدني بكتاب رد الانتقاد على ألفاظ الشافعي بعد أن أعياني البحث عنه. فلا يسعني إلا أن أشكرهم، وأما الأجر فمن الله العلي القدير الذي يعلم مقادير الأعمال، فهو الغني ذو الرحمة.

стр. 23

وبعد، فأحسب أن هذا البحث سيسد فراغا في المكتبة الإِسلامية عمومًا والحديثية خصوصًا، وبذلك نهدي إلى أمتنا وتراثنا شيئًا ولو يسيرًا، في زمان العقوق الذي تَنَكَّر فيه أبناؤها لها، وانصرفوا عنها إلا من رحم الله ﵎. والحمد لله أُزْجِيهِ ضارعا، منكسرا ذليلا، متوجهًا إليه أن ينعم علي بفضله بالقبول، والإخلاص وحسن الخاتمة. المؤلف: أبو شذا محمود بن عبد الفتاح النحال تل بني تميم -شبين القناطر- القليوبية

стр. 24

ترجمة الإمام أبي بكر البيهقي (١) اسمه ونسبه: الإِمام العلامة الحافظ الجليل شيخ الشافعية أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي ابن موسى البيهقي (٢) الخسروجردي (٣). مولده ونشأته: تكاد تجمع كتب التراجم على أنه ولد في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة (٣٨٤ هـ)، إلا أن ابن الأثير انفرد بقوله: ومولده سنة سبع وثمانين وثلاثمائة.

стр. 25

ولم تسعفنا كتب التراجم المتوفرة بين أيدينا بشيء ذي بال عن أسرة الإِمام البيهقي، لكن الذي نعلمه أنه بدأ طلب العلم وسماع الحديث منذ نعومة أظفاره وهو في سنن صغيرة حيث كان عمره خمس عشرة سنة (١)، أي في حدود سنة (٣٩٩ هـ)، وهذا ينبئنا أن البيهقي قد نشأ في بيئة علمية، أو على الأقل نشأ بين أبوين محبين للعلم مما مكنه من سماع الحديث في هذه السنن الصغيرة، كذلك لا يعقل أن والد الإِمام البيهقي يذهب به لسماع الحديث قبل أن يكون قد حفظ القرآن الكريم وتعلم أصول العربية وأخذ شيئًا من بعض العلوم، كما هو متبع في ذلك الزمان. ويحدثنا البيهقي نفسه عن نشأته فيقول في كتابه معرفة السنن والآثار (١/ ٢١٢): "إني منذ نشأت وابتدأت في طلب العلم أكتب أخبار سيدنا المصطفى ﷺ وعلى آله أجمعين، وأجمع آثار الصحابة الذين كانوا أعلام الدين، وأسمعها ممّن حملها، وأتعرف أحوال رواتها من حفاظها، وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها، ومرفوعها من موقوفها، وموصولها من مرسلها، ثم أنظر في كتب هؤلاء الأئمة الذين قاموا بعلم الشريعة وبنى كل واحد منهم مذهبه على مبلغ علمه من الكتاب والسنة، فأرى كل واحد منهم ﵃ جمعيهم قصد قصد الحق فيما تكلف واجتهد في أداء ما كلف، وقد وعد رسول الله ﷺ في حديث صحيح عنه لمن اجتهد فأصاب أجرين، ولمن اجتهد فأخطأ أجرا واحدا، ولا يكون الأجر على الخطأ وإنما يكون على ما تكلف من الاجتهاد، ويرفع عنه إثم الخطأ بأنه إنما كلف الاجتهاد في الحكم على الظاهر دون الباطن، ولا يعلم الغيب إلا الله ، وقد نظر في القياس فأداه القياس إلى غير ما أدى إليه صاحبه كما يؤديه الاجتهاد في القبلة إلى غير ما يؤدي إليه صاحبه، فلا يكون المخطئ منهما عين المطلوب بالاجتهاد مأخوذا

стр. 26

إن شاء الله بالخطأ، ويكون مأجورا إن شاء الله على ما تكلف من الاجتهاد. ونحن نرجو ألا يؤخذ على واحد منهم أنه خالف كتابا نصا ولا سنة قائمة ولا جماعة ولا قياسا صحيحا عنده، ولكن قد يجهل الرجل السنة فيكون له قول يخالفها لا أنه عمد خلافها، وقد يغفل المرء ويخطئ في التأويل، وهذا كله مأخوذ من قول الشافعي ﵀ ومعناه". وقال عبد الغافر الفارسي في المنتخب من السياق (صـ ١٠٣): "كتب الحديث وحفظه من صباه إلى أن نشأ، وتفقه وبرع فيه، وشرع في الأصول، ورحل إلى العراق والجبال والحجاز". رحلته في طلب العلم: قام البيهقي ﵀ برحلة طويلة في طلب العلم فسمع أولًا بمدن خراسان: نوقان، طوس، همدان، نيسابور، روذبار .... وغيرها من بلاد خراسان، ولما حوى ما في هذه البلاد من علم توجه إلى أداء الحج، فدخل مكة وسمع من علمائها، وتوجه إلى بغداد والكوفة وما حولها من بلدان كعادة جميع العلماء في الرحلة في طلب العلم، ولم تحدثنا الكتب التي ترجمت للبيهقي كثيرا عن رحلته، وبعد هذه الرحلات رجع إلى بيهق، قال الذهبي: وانقطع بقريته مقبلا على الجمع والتأليف (١). مؤلفاته: لقد كُتب كثيرا في ترجمة البيهقي وإحصاء مؤلفاته، واجتنابا للتكرار أذكر هنا الكتب المطبوعة للبيهقي فقط، والتي تم الاعتماد عليها في البحث:

стр. 27

١ - إثبات عذاب القبر. ٢ - أحكام القرآن. ٣ - الآداب. ٤ - الأربعون الصغرى. ٥ - الأسماء والصفات. ٦ - البعث والنشور. ٧ - بيان خطأ من أخطأ على الشافعي. ٨ - الجامع في الخاتم. ٩ - الجامع في شعب الإيمان. ١٠ - حياة الأنبياء في قبورهم. ١١ - الخلافيات. ١٢ - الدعوات الكبير. ١٣ - دلائل النبوة ومعرفة صاحب أحوال الشريعة. ١٤ - رسالة البيهقي إلى أبي محمَّد الجويني. ١٥ - رد الانتقاد على ألفاظ الشافعي. ١٦ - رسالة في حديث الجويباري. ١٧ - رسالة البيهقي إلى عميد الملك (طبعت ضمن طبقات الشافعية للسبكي). ١٨ - الزهد الكبير.

стр. 28

١٩ - السنن الصغير. ٢٠ - السنن الكبرى. ٢١ - فضائل الأوقات. ٢٢ - القراءة خلف الإِمام. ٢٣ - القضاء والقدر. ٢٤ - الاعتقاد. ٢٥ - المدخل إلى السنن الكبرى. ٢٦ - معرفة السنن والآثار. ٢٧ - مناقب الشافعي. ثناء العلماء عليه: قال الحافظ ابن عساكر في تبيين كذب المفتري (٢٦٦): "كتب إلي الشيخ أبو الحسن الفارسي قال: أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى أبو بكر البيهقي الإِمام الحافظ الفقيه الأصولي، الدَّيِّن الوَرع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ والمكثرين عنه، ثم الزائد عليه في أنواع العلوم، كتب الحديث وحفظه من صباه إلى أن نشأ وتفقه، وبرع فيه، وشرع في الأصول". قال السمعاني في الأنساب (٢/ ٣٨١): "كان إمامًا فقيها حافظًا، جمع بين معرفة الحديث وفقهه، وكان تتبع نصوص الشافعي وجمع كتابا فيها سماه كتاب المبسوط، وكان أستاذه في الحديث الحاكم أبو عبد الله محمَّد بن عبد الله الحافظ،

стр. 29

وتفقه على أبي الفتح ناصر بن محمَّد العمري المروزي، وسمع الحديث الكثير وصنف فيه التصانيف التي لم يسبق إليها، وهي مشهورة موجودة في أيدي الناس". قال الصفدي في الوافي (٦/ ٣٥٤): "أحمد بن الحسين بن علي بن موسى الإِمام أبو بكر البيهقي الخسروجردي مصنف السنن الكبير، كان أوحد زمانه وفرد أقرانه، من كبار أصحاب أبي عبد الله الحاكم". قال الحافظ الذهبي في السير (١٨/ ١٦٣): "الحافظ العلامة، المثبت، الفقيه، شيخ الإِسلام". وقال أيضًا (١٨/ ١٦٨): "تصانيف البيهقي عظيمة القدر، غزيرة الفوائد، قل من جود تواليفه مثل الإِمام أبي بكر، فينبغي للعالم أن يعتني بهؤلاء سيما سننه الكبير". وقال في تاريخ الإِسلام (١٠/ ٩٥): "كان واحد زمانه، وفرد أقرانه، وحافظ أوانه، ومن كبار أصحاب أبي عبد الله الحاكم". وقال في تذكرة الحفاظ (٣/ ١١٣٢ - ١١٣٣): "لم يكن عنده سنن النسائي ولا جامع الترمذيّ ولا سنن ابن ماجه، بل كان عنده الحاكم فأكثر عنه، وعنده عوال ومسانيد، وبورك له في علمه لحسن قصده وقوة فهمه وحفظه". قال عبد الغافر في تاريخه (ص ١٠٣): "الإِمام الحافظ الفقيه الأصولي الديِّن الوَرع، واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، من كبار أصحاب الحاكم أبي عبد الله الحافظ والمكثرين عنه ثم الزائد عليه في أنواع العلوم". وعن إمام الحرمين أبى المعالي قال: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي، فإن له المنة على الشافعي؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه". السير (١٨/ ١٦٨).

стр. 30

مذهب البيهقي: كان البيهقي شافعي المذهب، واختار هذا المذهب بعد الدراسة والاقتناع، ويحدثنا البيهقي نفسه عن سبب اختياره للمذهب الشافعي على باقي المذاهب الأخرى: قال في معرفة السنن والآثار (١/ ٢١٣): "وقد قابلت بتوفيق الله تعالى أقوال كل واحد منهم بمبلغ علمي من كتاب الله ، ثم بما جمعت من السنن والآثار في الفرائض والنوافل والحلال والحرام والحدود والأحكام، فوجدت الشافعي ﵀ أكثرهم اتباعا وأقواهم احتجاجا وأصحهم قياسا وأوضحهم إرشادا، وذلك فيما صنف من الكتب القديمة والجديدة في الأصول والفروع وبأبين بيان وأفصح لسان، وكيف لا يكون كذلك وقد تبحر أولًا في لسان من ختم الله النبوة به وأنزل به القرآن مع كونه عربي اللسان قرشي الدار والنسب، من خير قبائل العرب، من نسل هاشم والمطلب، ثم اجتهد في حفظ كتاب الله وسنة نبيه ﷺ وآثار الصحابة وأقوالهم وأقوال من بعدهم في أحكام الله ، حتى عرف الخاص من العام، والمفسر من المجمل، والفرض من الأدب، والحتم من الندب، واللازم من الإباحة، والناسخ من المنسوخ، والقوي من الأخبار من الضعيف، والشاذ منها من المعروف، والإجماع من الاختلاف، ثم شبه الفرع المختلف فيه بالأصل المتفق عليه من غير مناقضة منه للبناء الذي أسسه، ولا مخالفة منه للأصل الذي أصله، فخرجت -بحمد الله ونعمته- أقواله مستقيمة وفتاواه صحيحة، وكنت قد سمعت من كتبه الجديدة ما كان مسموعًا لبعض مشايخنا، وجمعت من كتبه القديمة ما وقع إلى ناحيتنا، فنظرت فيها، وخرجت بتوفيق الله تعالى مبسوط كلامه في كتبه بدلائله وحججه".

стр. 31

منة البيهقي على الشافعي والمذهب الشافعي: مر بنا في نقل أقوال العلماء في البيهقي قول إمام الحرمين أبي المعالي: "ما من شافعي إلا وللشافعي عليه منة إلا أبا بكر البيهقي، فإن له المنة على الشافعي؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه". قال الذهبي في السير (١٨/ ١٦٧) بعد نقله كلام إمام الحرمين: "أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البيهقي أن يعمل لنفسه مذهبا يجتهد فيه لكان قادرا على ذلك؛ لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يلوح بنصر مسائل مما صح فيها الحديث". وأورد الذهبي في السير (١٨/ ١٦٧): "قال شيخ القضاة أبو علي إسماعيل بن البيهقي: حدثنا أبي قال: حين ابتدأت بتصنيف هذا الكتاب -يعني كتاب المعرفة في السنن والآثار- وفرغت من تهذيب أجزاء منه، سمعت الفقيه محمَّد بن أحمد -وهو من صالحي أصحابي وأكثرهم تلاوة وأصدقهم لهجة- يقول: رأيت الشافعي ﵀ في النوم وبيده أجزاء من هذا الكتاب، وهو يقول: قد كتبت اليوم من كتاب الفقيه أحمد سبعة أجزاء، أو قال: قرأتها. ورآه يعتد بذلك. قال: وفي صباح ذلك اليوم رأى فقيه آخر من إخواني الشافعي قاعدا في الجامع على سرير وهو يقول: قد استفدت اليوم من كتاب الفقيه حديث كذا وكذا. وقال ابن خلكان في وفيات الأعيان (١/ ٧٥ - ٧٦): "أول من جمع نصوص الإِمام الشافعي رضي الله تعالى عنه في عشر مجلدات". وقال أيضًا: "كان من أكثر الناس نصرًا لمذهب الشافعي، وطلب إلى نيسابور لنشر العلم فأجاب وانتقل إليها".

стр. 32

وفاته: وبعد هذه الحياة العامرة بالعلم من تصنيف وتحديث وتدريس رحل الإِمام البيهقي عن هذه الدنيا في عاشر شهر جمادى الأولى سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (١) عن أربع وسبعين سنة. قال الذهبي في السير (١٨/ ١٦٩): "غسل وكفن، وعمل له تابوت، فنقل ودفن ببيهق".

стр. 33

(١) إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم بن مهران الأستاذ أبو إسحاق المهرجاني الإسفراييني، الأصولي، المتكلم، الفقيه، الشافعي، الإمام، العلامة، الأوحد، إمام أهل خُراسان، يلقب رُكن الدين، أحد المجتهدين في عصره، وصاحب المصنفات الباهرة (١). وقد ورد هذا الاسم في مصنفات البيهقي: الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم الإسفراييني. وورد: الأستاذ أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم. وورد: الإِمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم الإسفراييني. وورد: الإِمام أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم المهرجاني.

стр. 34

وورد: أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم الإِمام. وورد: أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم. وورد: الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني. وورد: الأستاذ أبو إسحاق. روى عن: أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن العباس أبي بكر الجرجاني الإسماعيلي الشافعي صاحب الصحيح (١) وشيخ الشافعية وكان سماعه منه بخرسان، وبشر بن أحمد بن بشر بن محمود أبي سهل الإسفراييني المهرجاني الدهقان، ودعلج ابن أحمد بن دعلج بن عبد الرحمن أبي محمَّد السجزي البغدادي المعدل التاجر ذي الأموال العظيمة ببغداد، ومحمَّد بن عبد الله بن إبراهيم بن عبدويه بن موسى بن بيان أبي بكر البغدادي البزاز المعروف بالشافعي صاحب الأجزاء الغيلانيات (٢) العالية ببغداد، وعبد الخالق بن الحسن بن محمَّد بن نصر بن مرزوق بن بزيع بن عبد الرحمن أبي محمَّد البغدادي السقطي المعدل المعروف بابن أبي رُوبَا، ومحمَّد ابن أحمد بن الحسين بن القاسم بن السري بن الغطريف بن الجهم أبي أحمد الغطريفي الجرجاني الرباطي المغازي؛ بجرجان، ومحمَّد بن علي أبي جعفر الجَوْسَقَاني (٣)؛ من أهل إسفرايين، ومحمَّد بن محمَّد بن بِندويه (٤) الخراساني

стр. 35

صاحب محمَّد بن أيوب الرازي (١)، ومحمَّد بن يزداد بن مسعود أبي بكر الجَوْسَقَاني صاحب محمَّد بن أيوب الرازي. سمع منه: أبو بكر البيهقي، وأكثر الرواية عنه في تصانيفه. وروى عنه أيضًا: طاهر بن عبد الله بن طاهر بن عمر أبو الطيب الطبري الشافعي فقيه بغداد؛ وتخرج به في المناظرة، وعبد الكريم بن هوازن بن عبد الملك ابن طلحة أبو القاسم القشيري الخراساني النيسابوري الشافعي الصوفي المفسر صاحب الرسالة، وهبة الله بن أبي الصهباء محمَّد بن حيدر بن محمَّد بن فتحويه أبو السنابل القرشيّ النيسابوري الشريف العدل وكان سماعه منه إملاء في مسجد عقيل (٢) بعد صلاة العصر يوم الخميس في المحرم سنة إحدى عشرة وأربعمائة، وهو أول إملاء عقد له (٣). قال الصريفيني: قال عبد الغافر الفارسي في تاريخه: الأستاذ الإِمام أبو إسحاق الإسفراييني أحد من بلغ حد الإجتهاد لتبحره في العلوم واستجماعه شرائط الإمامة من العربية والفقه والكلام والأصول ومعرفة الكتاب والسنة، رحل إلى العراق في طلب العلم وحصل ما لم يحصله غيره، وأخذ في التدريس والتصنيف والإفادة، وكان ذا فنون بالغا في كل فن درجة الإمامة، وكان طراز ناحية الشرق فضلا عن نيسابور وناحيته التي كان منها، ثم كان من المجتهدين في العبادة المبالغين في الورع والتَّحَرُّج، ذكره الحاكم لعلو منزلته وكمال فضله، انتخب عليه الحاكم أبو عبد الله

стр. 36

عشرة أجزاء، وخرّج له أحمد بن علي الحافظ اليَزْدِيّ (١) ألف حديث، وعقد له مجلس الإملاء بنيسابور في مسجد عقيل بعد أبي طاهر الزيادي سنة عشر وأربعمائة، وحضر الحفاظ والمشايخ من الصدور واهل العلم، وأملى سنين أعصار الخميس مدة وأعصار الجمعة مدة، وكان ثقة ثبتا في الحديث. وقال -يعني عبد الغافر-: سمعت أبا صالح المؤذن يقول: سمعت أبا حازم العبدوي يقول: كان الإِمام يقول لي بعد ما رجع من إسفرايين: أشتهي أن يكون موتي بنيسابور حتى يصلي عليّ جميع أهل نيسابور. فتوفي بعد هذا الكلام بنحو من خمسة أشهر يوم عاشوراء سنة ثماني عشرة وأربعمائة، وكان يوما مطيرا ثم طلعت الشمس بعد الظهر، وحمل إلى مقبرة الحيرة، وصلى عليه الإِمام الموفق، ودفن في مشهد أبي بكر الطوسي، ثم ورد ابنه في خلق عظيم ونقلوه بعد ثلاث وصلوا عليه في ميدان الحسين وحملوه إلى إسفرايين ودفن في مشهده، والناس يتبركون به ويزورونه (٢) وتستجاب عنده الدعوات (٣)، وبقيت بعده من آثاره وتصانيفه جملة تبقى إلى القيامة إن شاء الله تعالى. وقال -يعني عبد الغافر-: وحكى لي من أثق به أن (الصاحب بن عباد) (٤) كان إذا انتهى إلى ذكر الباقلاني وابن فورك والإسفراييني -وكانوا متعاصرين من أصحاب

стр. 37

الأشعري- قال لأصحابه: إن الباقلاني بحر مغرق، وابن فورك صِلّ (١) مطرق، والإسفراييني نار تحرق. وقال -يعني عبد الغافر-: وكأن روح القدس نفث في روعه حتى أخبر عن حال هؤلاء الثلاثة بما هو حقيقة الحال منهم. أكثر أبو بكر أحمد بن الحسين البيهقي الرواية عنه في تصانيفه (٢). قال الذهبي: الإِمام العلامة الأوحد الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني الأصولي الشافعي الملقب ركن الدين، أحد المجتهدين في عصره وصاحب المصنفات الباهرة. وقال -يعني الذهبي-: ارتحل في الحديث، وأملى مجالس وقع لي منها. وقال: ومن تصانيفه كتاب جامع الخلي في أصول الدين والرد على الملحدين (٣) في خمس مجلدات، وبنيت له بنيسابور مدرسة مشهورة، توفي بنيسابور يوم عاشوراء من سنة ثماني عشرة وأربعمائة. وقال: قال الشيخ أبو إسحاق في الطبقات: درس عليه شيخنا أبو الطيب، وعنه أخذ الكلام والأصول عامة شيوخ نيسابور. وقال غيره: نقل تابوته إلى إسفرايين، ودفن هناك بمشهده.

стр. 38

وقال: قال الحاكم في تاريخه: أبو إسحاق الأصولي الفقيه المتكلم، المتقدم في هذه العلوم، انصرف من العراق وقد أقر له العلماء بالتقدم. إلى أن قال: وبني له بنيسابور المدرسة التي لم يبن بنيسابور مثلها قبلها، فدرس فيها (١). قال أبو القاسم ابن عساكر: قال أبو عبد الله الحاكم: إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم الفقيه الأصولي المتكلم المقدم في هذه العلوم أبو إسحاق الإسفراييني الزاهد، انصرف من العراق بعد المقام بها وقد أقر له أهل العلم بالعراق وخراسان بالتقدم والفضل فاختار الوطن إلى أن خرج بعد الجهد إلى نيسابور، وبني له المدرسة التي لم يبن بنيسابور قبلها مثلها ودرس فيها وحدث، سمع بخراسان الشيخ أبا بكر الإسماعيلي وأقرانه وبالعراق (٢).

стр. 39

(٢) إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم بن يوسف أبو إسحاق الطوسي الفقيه، من كبار الشافعية ومُناظريهم. (١) وقد ورد هذا الاسم في مصنفات البيهقي: الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم الطوسي. وورد: الفقيه أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد الطوسي. وورد: أبو إسحاق إبراهيم بن محمَّد بن إبراهيم الطوسي الفقيه. روى عن: أحمد بن محمَّد بن عبدوس بن سلمة بن مسور بن سنان بن مزاحم مولى خداش بن حلبس أبي الحسن الطرايفي العَنَزِي النيسابوري صاحب عثمان بن سعيد الدارمي، وحسان بن محمَّد بن أحمد بن هارون أبي الوليد القرشي الأموي النيسابوري الفقيه الشافعي العابد، وتفقه عليه، ومحمَّد بن محمَّد بن الحسن بن الحارث أبي الحسن الكارزي النيسابوري صاحب علي بن عبد العزيز البغوي، ومحمَّد بن محمَّد بن يوسف بن الحجاج بن الجراح بن عبد الله بن عبد الخالق أبي النضر الفقيه الطوسي الشافعي شيخ المذهب بخراسان، ومحمَّد بن يعقوب بن يوسف ابن معقل بن سنان أبي العباس الأموي مولاهم السناني المعقلي النيسابوري الأصم.

стр. 40

سمع منه: أبو بكر البيهقي وروى عنه في تصانيفه. وروى عنه أيضًا: محمَّد بن يحيى بن إبراهيم بن محمَّد بن يحيى بن سختويه أبو بكر المزكي النيسابوري. قال الصريفيني: قال عبد الغافر الفارسي في تاريخه: أبو إسحاق الفقيه الطوس في من كبار فقهاء أصحاب الشافعي ومناظريهم، ومن له الثروة والعلم والجاه العريض، كان من جيران المدرسة في سكة أبي علي الدقاق، وكان ثقة. توفي في رجب سنة إحدى عشرة وأربعمائة (١). قال السبكي: أبو إسحاق الطوسي الفقيه النظار أحد كبراء الأصحاب ومناظريهم، ومن له الثروة الزائدة والجاه الوافر، تفقه على الأستاذ أبي الوليد الفقيه، وقع لنا حديثه في الأربعين الصغرى (٢) للبيهقي (٣).
следующие страницы →