← Тараджим

Тараджим · id 123667

السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي

أبو الطيب نايف المنصوري

Полный текст (711 стр.). Показаны 1–40 · переход к 6.

стр. 1

سلسلَةُ تَقريبِ رِوَاةِ السُّنَّةِ بَينَ يَدَي الأُمَّةِ المجمُوَعة الأولى: (إِعلَام الثّقَاتِ بتَرَاجِمِ المَشْيَخَاتِ) (٢) السَّلسَبِيلُ النَّقِي في تَرَاجِمِ شيُوخ البَيِهَقِيّ تأليف أبي الطَّيِّب نَايف بن صَلَاح بن علي المَنصُوري قَدَّمَ لَهُ فَضيلَةُ الشَّيخ الأستَاذ الدكتور أحمَد معَبَد عَبْد الكَريِم وَقَدَّمَ له وَلخَّصَ أحْكَامَه فَضِيلَة الشَّيخ أَبُو الحسن مُصطَفَي بن إِسمَاعِيل السُّلَيمَاني دَارُ العَاصِمَة للنشر والتوزيع

стр. 2

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 3

السَّلسَبِيلُ النَّقِي في تَرَاجِمِ شيُوخ البَيِهَقِيِّ

стр. 4

ح دار العاصمة للنشر والتوزيع، ١٤٣١ هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر المنصوري، نايف صلاح علي السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيقهي./ نايف صلاح علي المنصوري.- الرياض، ١٤٣١ هـ ٧٣٤ ص،١٧ × ٢٤ سم ردمك ٩ - ٢٠ - ٨٠٥٧ - ٦٠٣ - ٩٧٨ ١ - البيهقي، أحمد بن الحسين. ت ٤٥٨ هـ ٢ - الحديث تراجم الرواة أ- العنوان ديوي ٦، ٢٣٤ - ٢٧١٤/ ١٤٣١ رقم الإيداع: ٢٧١٤/ ١٤١٣ ردمك: ٩ - ٢٠ - ٨٠٥٧ - ٦٠٣ - ٩٧٨ جَمِيعُ الحُقُوق محَفُوظَةٌ الطبعَةُ الأولى ١٤٣٢ هـ - ٢٠١١ م دار العاصمة المملكة العربية السعودية الرياض - ص ب: ٤٢٥٠٧ - الرمز البريدي: ١١٥٥١ المركز الرئيسي: شارع السويدي العام هاتف: ٤٤٩٧٢٢٤ / فاكس: ٤٤٩٧٢٢٥

стр. 5

تقديم فضيلة الأستاذ الكبير أحمد مِعْبَد عبد الكريم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين، سيدنا محمَّد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد: فإن معرفة رجال الأسانيد وأحوالهم، جرحًا وتعديلاً، من أهم ركائز معرفة درجات مروياتهم قبولاً أو ردًّا. وقد وفق الله كثيراً من أهل الحديث الذين تأخرت وفاتهم عن سنة ٣٠٠ هـ للالتزام بالرواية بأسانيدهم لما يوردونه في مؤلفاتهم، عن شيوخهم فمن فوقهم في الإسناد، إلى الرسول ﷺ فمن دونه من صحابة أو تابعين أو من دونهم. ومع التزام هؤلاء بالرواية بالإسناد هكذا، إلا أنهم لم يلتزموا دائماً ببيان درجات جميع مروياتهم هذه، من الصحة وغيرها. ثم هيأ الله للسنة النبوية وعلومها في الآونة الأخيرة، من يحرص على إحياء نصوصها، بالتحقيق والتخريج، وتمييز الصحيح من غيره، ولا سيما ما لم تُبين درجته في مصدره الأصلي، وهو كثير، مع مسيس الحاجة إلى ذلك. لكن توقف الجميع حائرين أمام عدد غير قليل من رجال الأسانيد المتأخرين عن سنة ٣٠٠ هـ؛ لأن التواريخ التي عنيت بتراجم هؤلاء

стр. 6

المتأخرين قد فقد الكثير منها كليًا، أو فقد بعضه، وتفرق البعض الآخر في بطون مؤلفاقط أخرى، بحسب ما أتيح لكل مؤلف الحصول عليه من تلك التواريخ، رغم الشتات، والضياع، والحرق، والغرق، الذي تعرض له التراث الإِسلامي، كما هو معروف لأهل العلم والاختصاص. وأذكر أنني أول ما سجلت رسالتي العالمية (الدكتوراة) عام ١٩٧١ م كانت بعنوان: "منهج الإِمام البيهقي في السنن الكبرى, مقارنًا بالسنن الأربعة"، وعملت في جمع المادة العلمية لذلك وتنسيقها لمدة عام كامل، فلما أردت الدخول في فحص أسانيد البيهقي في "السنن"، استعصى الأمر عليَّ بسبب مصادر تراجم شيوخ الإِمام البيهقي وشيوخ شيوخه، وذهبت إلى الشيخ الحافظ التيجاني ﵀ في مقره بحي الغورية بالأزهر لمشورته في الأمر، وبمجرد أن ذكرت له عنوان الموضوع، قال لي: إنه موضوع جيد؛ لكن الوقوف على تراجم شيوخ البيهقي وشيوخ شيوخمه, أمر عسير الآن، فخرجت من عنده، وقررت تغيير الموضوع إلى "الحافظ العراقي وأثره في السنة"، لكَن الله تعالي هيأ عزائم كثيرين غيري من أفاضل شيوخي، وأهل عصري، لجمع ما أمكنهم من تراجم رجال ونساء هذه الأسانيد المتأخرة، وبيان ما تيسر من أحوالهم: وأذكر الآن أنه عندما كنت أدرِّس مادتي التخريج ودراسة الأسانيد في قسم السنة وعلومها بكلية أصول الدين بالرياض، منذ أكثر من عشرين سنة، اقترح أعضاء القسم أن يكون من ضمن النشاط الطلابي، جمع رجال "سنن الدارقطني" المتوفى سنة ٣٨٥ هـ غير المترجمين في "تهذيب التهذيب"،

стр. 7

والترجمة لكل منهم، وقام الطلاب فعلاً بخطوات عملية في ذلك، وعُمِلَتْ مئات البطاقات ودون في كل منها ترجمته للراوي المطلوب، بما في ذلك شيوخ الإِمام الدارقطني، وذلك من خلال المصادر التي كانت متاحة آنذاك من المطبوع، ولكن توقف العمل -للأسف- قبل أن يتم، ولم يخرج المنجز منه إلى النور. لكن بقيت الفكرة لها أهميتها والحاجة إليها ماثلة في أذهان الكثيرين، وكان شيخنا الشيخ حماد بن محمَّد الأنصاري الأستاذ بالجامعة الإِسلامية بالمدينة المنورة ﵀ أول من أخرج الفكرة إلى حيز التنفيذ -حسب علمي- فألف كتابه المعروف في شيوخ الإِمام الطبراني المتوفى سنة ٣٦٠هـ وسماه "بلغة القاصي والداني في تراجم شيوخ الطبراني"، وطبع الكتاب لأول مرة سنة ١٤١٥هـ وبلغ عدد من تُرجم لهم فيه (٧٠٤) تراجم من الرجال والنساء. ومع أن الشيخ لم يستوعب كل شيوخ الطبراني، ولا ادعى ذلك، إلا أن ما فاته قليل بالنسبة إلى ما ذكره، كما سيأتي، ويكفيه حيازة السبق الفعلي لتنفيذ الفكرة، ثم تتابعت الجهود العلمية من بعده، فعمل أحد طلابي بقسم السنة بكلية أصول الدين بالرياض، وهو الأخ الدكتور/ عبد الرحمن الخميسي، رسالته للعالمية (الدكتوراة) بعنوان: "زوائد رواة البيهقي في السنن الكبرى, على رواة الكتب العشرة، جمعًا ودراسة، من أول الكتاب إلى آخر باب الترغيب في الأذان، من كتاب الصلاة" سنة ١٤١٥هـ ولم تطبع هذه الرسالة حتى الآن -حسب علمي-، ولم يتقدم أحد بعد الدكتور

стр. 8

الخميسي لإكمال الموضوع. ثم أصدر فضيلة الشيخ/ مقبل الوادعي ﵀ كتاب "رجال الحاكم في المستدرك" مما ليس في "تهذيب التهذيب"، وقد طبع في مجلدين، ثم أصدر الشيخ مقبل -أيضاً- مع بعض معاونيه كتاب "رجال الدارقطني"، وقد طبع في مجلد ثم جاء في الأخ (شادي) أحد الطلاب الوافدين للدراسة في كلية أصول الدين بالمنصورة، وهو من المجدين في التحصيل العلمي، وعرض عليَّ مؤلَّفُ لم يكن مطبوعاً في شيوخ الإِمام ابن حبان، وطلب مني تقديمه, وبعد اطلاعي على مقدمة الكتاب ونماذج من تراجمه، أشرت عليه ببعض الأمور اليسيرة، ولعل الكتاب يطبع قريباً -إن شاء الله-. أما مؤلف هذا الكتاب، وهو الأخ الشيخ/ نايف المنصوري، فله في هذا الباب نتاج متعدد، حيث طبع له كتاب "إرشاد القاصي والداني إلى تراجم شيوخ الطبراني" في مجلد. وقد زاد فيه على ما في كتاب شيخنا الشيخ حماد ﵀ زيادات، أبْرَزُها أنه زاد على ما ذكره شيخنا أكثر من ثلاثمائة ترجمته. ثم أرسل الأخ نايف إليَّ مشكوراً - ثلاثة مؤلفات أخرى له هي: "الدليل المغني لشيوخ الإمام أبي الحسن الدارقطني"، وأفاد في مؤخراً أنه طبع، وكتاب "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم" صاحب "المستدرك"، وليس مطبوعاً، ثم هذا الكتاب وهو "السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي" المتوفي سنة ٤٥٨ هـ وقد طلب مني كتابة تقديم لهذا الكتاب, فكتبت هذه السطور، تلبية لطلبه، وتقديراً لجهوده هذه

стр. 9

المتواصلة, والتي سيكون لنشرها مطبوعاً نفع عام -إن شاء الله-، للباحثين والدارسين لعلوم السنة النبوية, وبخاصة دراسة الأسانيد المتأخرة بعد سنة ٣٠٠ هـ, كما قدمت. وقد حظيت مؤلفاته السابقة بتقديم، ومراجعة, وتتميم كوكبة من أفاضل إخواني العلماء، وفي كل منهم الكفاية وزيادة، كما أن ما اطلعت عليه تفصيلاً من مؤلفاته السابق ذكرها، ومن كتاب "السلسبيل النقي" هذا، مما يشهد بالجهد المشكور للمؤلف في الحرص على التتبع والاستقصاء غاية وسعيه, وتنسيق ما توافر له من المواد العلمية في كل تر جمة, مع بيان الوقوف على ما قرر غيره أنه لم يجده، وتصويب ما وهم فيه غيره، وتمييز ما اشتبه على غيره، مع التسليم بأن مثل هذا لا يسلم منه أي جهد بشري، بما في ذلك جهد المؤلف نفسه، والكمال لله وحده. كما لاحظت أن من لم يجد لهم تراجم في المصادر المتاحة له، أقل بكثير ممن ترجم لهم، وأن ممن لم يجدهم، من التمس لهم من القرائن والوسائل ما يرفع جهالتهم عيناً، بتعدد الرواة عنهم، أو حالاً بذكر ما وده من التعديل الفعلي بالتصحيح أو التحسين لبعض مروياتهم، أو وصف أحد الأسانيد المذكورين فيها بأن رجاله ثقات. وهذا صنيع مفيد قد لا يلتفت إليه بعض المشتغلين بدراسة الأسانيد، وتحديد أحوال الرواة، وبخاصة المتأخرين عن سنة ٣٠٠ هـ, رغم أن هذا متفق مع القواعد النقدية لبيان أحوال الرواة. وقد سبق للمؤلف مثل هذا الصنيع في مؤلفاته الأخرى التي حظيت بتقديم وثناء إخواني العلماء الذين

стр. 10

لهم مكانتهم العلمية وخبرتهم المتميزة - كما لا يخفى. وقد أشرت على فضيلة المؤلف ببعض الأمور اليسيرة في ورقة منفصلة, بما يجعل عمله أكمل، وأكثر فائدة -إن شاء الله-، وأسأل الله تعالي لي وله ولإخواننا في العلم مزيداً من التوفيق والسداد .. آمين. وكتب الفقير إلى الله: أحمد معبد عبد الكريم أستاذ الحديث وعلومه بجامعة الأزهر وبجامعة الإِمام محمَّد بن سعود الإِسلامية (سابقاً) في ٢٦ شعبان ١٤٢٨ هـ.

стр. 11

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ تقديم فضيلة الشيخ الوالد أبو الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني الحمد لله وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، أما بعد: فهذا الإصدار الرابع بتوفيق الله من هذه السلسلة المباركة: (سلسلة تقريب رواة السنة بين يدي الأمة) لأخينا المبارك/ أبي الطيب نايف بن صلاح المنصوري -حفظه الله تعالي-، وهذا الإصدار تحت عنوان: "السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البيهقي"، وكما سبق التنبيه في الإصدارات السابقة على أن الجهد المبذول في هذه السلسلة جهد لا يقدر قدره إلا من كان من أهل هذا الشأن، والحمد لله الذي أبقى هذه الهمم والعزائم في هذه الأمة المباركة، حتى تخدم دينها وتراثها، وتقرب ما بعد من الخير، وتدك صخور الطريق المعثرة للسير، وتطوي الطريق طيًا، أمام طلاب هذا العلم الشريف، وقد قمت بتلخيص ما أورده المؤلف في الترجمة، وحكمت على المترجم له بحكم مختصر، يوضح مكانته ورتبة حديثه، كما سبق في الإصدارات التي قبل هذا، وقد امتاز هذا الإصدار على غيره مما صدر من هذه السلسلة -وفي كلٍ خير- بعدة مميزات منها: أ - أن المؤلف ذكر في مقدمته ترجمته ضافية للإمام البيهقي ﵀، قسمها إلى فصول وأبواب في أكثر من مائة ورقة، وأسماها: (معارج الرقي في ترجمة البيهقي)، وبهذا تكون هذه المقدمة مرجعًا حافلًا للباحثين في ترجمة هذا العالم الفذ.

стр. 12

ب - حرص المؤلف -حفظه الله- على استيعاب شيوخ وتلامذة المترجم له من شيوخ البيهقي، مع مراعاة ترتيبهم على حروف المعجم، ليسهل البحث عن أحدهم كما لا يخفى. ج - كما اعتنى المؤلف بضبط أسماء البلدان، وموقعها الجغرافي في هذه الأزمان، فكشف بذلك عن أمر مبهم، وسبيل معتم أمام الطالب، ولا شك أن معرفة بلد الراوي لها فائدة عند المحدثين والناظرين في كلام أئمة الجرح والتعديل. د - كما اعتنى المؤلف بذكر أسماء الكتب التي أخرج البيهقي للمترجم له فيها، وذلك عندما يذكر المؤلف أسماء تلامذة الراوي. هـ - كما اهتم بنقل بعض الحكايات والأشعار في الترجمة، ليروح على الناظر في كتابه وليعرف بشيء من أحوال المترجم له من خلال كلماته وأشعاره، هذا وقدر نفع الله بمؤلفات أخينا أبي الطيب طيَّب الله ذكره، وأسأل الله أن ينفع بهذا وغيره من نتاجه العلمي الرائع الفريد، وأن يقينا وإياه مصارع السوء والهلكة، وأن يختم للجميع بالحسنى. إنه جواد كريم،،، وصلى الله على نبينا محمَّد وعلى آله وصحبه وسلم،،، كتبه: أبو الحسن السليماني ١/ ربيع أول/ ١٤٣٠ هـ

стр. 13

كلمة شكر عملًا بحديث رسول الله ﷺ الّذي أخرجه أبو داود في سننه (٢/ ٢٩٥) (١) عن أبي هريرة ﵁ مرفوعًا: "لا يشكر الله من لا يشكر النَّاس" فإني أشكر الله على ما أسبغ وأنعم علي من آلاء عظيمة، فله الحمد أوَّلًا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا، ولا يفوتني أنّ أقدم الشكر الجزيل لشيخنا المفضال وأستاذنا الكبير المبجل فضيلة الدكتور/ أحمد معبد عبد الكريم، على ما تفضل به علي من وقت وجهد رغم كثرة مشاغله وارتباطاته العلمية، وعلى ما أبداه لي من نصح وإفادة وتوجيه وإشارة, فجزاه الله عني خير الجزاء، ونفع به وبعلمه، وبارك فيه وفي ماله وأهله وأولاده، إنّه سبحانه ولي ذلك والقادر عليه. كما أني أيضًا أكرر شكري وتقديري لوالدي وشيخي المبارك أبي الحسن مصطفى بن إسماعيل السليماني، -حفظه الله تعالى-، على جهوده المتواصلة، ونصحه وتوجيهه الدؤوب، تجاه هذه السلسلة المباركة (سلسلة تقريب رواة السُّنَّة بين يدي الأُمَّة)، وغير ذلك، فكم له علي من إحسان وإفضال، وإكرام وإنعام، فما أنا وكثير من إخواني إِلَّا حسنة من حسناته، فالله أسأل أنّ يرفع قدره في الدَّارين، وأن يلبسه لباس الصِّحَّة والعافية المتكاملين، وأن يبارك لنا فيه، ويحفظه وأهله وأولاده وماله بحفظه الّذي لا يرام، ويكلؤه بعينه الّتي لا تنام، آمين آمين، والحمد لله رب العالمين.

стр. 14

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ إنَّ الحمد لله نحمده، ونستعينه، ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أنّ لا إله إِلَّا الله وحده لا شريك له، وأشهد أنّ محمدًا عبده ورسوله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾ [آل عمران: ١٠٢]، ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ [النساء: ١] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾ [الأحزاب: ٧٠، ٧١]. أمّا بعد: فإن أصدق الحديث كتاب الله، وخير الهدي هدي محمَّد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة. وبعد: فهذه هي المجموعة الرّابعة من "سلسلة تقريب رواة السُّنَّة بين يدي الأُمَّة"، يسعدني ويسرني أنّ أقدمها لإخواني الأفاضل الأماثل من محبي العلم الشريف، والباحثين عن رواة الحديث. وليس من الخفي -كما يقول الإمام النووي-: لا إنَّ من أَهمِّ أنواع العلّوم معرفة علم الأسانيد: أعني معرفة حال رواتها، وصفاتهم المعتبرة، وضبط أنسابهم، ومواليدهم، ووفياتهم، وجرحهم، وتعديلهم، وغير ذلك من

стр. 15

الصفات" (١). ويقول الإمام أبو بكر محمَّد بن محمَّد بن علي خميس في مقدمة كتابه "تاريخ مالقة": "إنَّ أحسن ما يجب أنّ يُعْتنى به, وُيلَمُّ بجانبه، بعد الكتاب والسُّنَّة معرفة الأخبار، وتقييد المناقب والآثار, ففيها تذكرة بتقلب الدهر بأبنائه، وإعلام بما طرأ في سالف الأزمان من عجائبه وأبنائه، وتنبيه على أهل العلم الذين يجب أنّ تُتبع آثارهم، وتُدَوَّن مناقبهم وأخبارهم، ليكونوا كأنّهم ماثلون بين عينيك مع الرجال، ومتصرفون ومخاطبون لك في كلّ حال، ومعروفون بما هم به متصفون، فيتلو سُوْرهم من لم يعاين صورهم، ويشاهد محاسنهم من لم يعطه السِّن أنّ يعاينهم، فيعرف بذلك مراتبهم ومناصبهم، ويعلم المتصرف منهم في المنقول والمفهوم، والمتميز في المحسوس والمرسوم، ويتحقق منهم من كَسَته الآداب حُليّها، وأرضعته الرياسة ثديها، فيجِدَّ في الطلب ليلحق بهم، ويتمسك بسببهم (٢). ويقول العلّامة المعلمي: إنَّ معرفة أحوال الرجال هي نفسُها من أَهمِّ فروع التاريخ (٣). فمشاركة في تقريب حملة هذا العلم، وبيان مناقبهم ومآثرهم السامية، فإني قد جمعت في هذه المجموعة -الّتي أسميتها "السلسبيل النقي في تراجم شيوخ البَيْهقي "- مشيخة أحد شيوخ الإسلام، وأئمته الأعلام،

стр. 16

الجامعين بين علم الحديث والأحكام، أعني ذاك العلم الشامخ الهمام؛ أبا بكر أحمد بن الحسين البَيْهقي الحافظ الإمام، قمت بجمع ذلك من كتبه المطبوعة الّتي بلغت سبعةً وعشرين مصنِّفًا مُوثقًا ذلك بالعزو إليها عند ذكري له، وفي أول مصادر التّرجمة، فإن لم أجده فيها ونص إمام على روايته عنه ذكرته؛ مع بيان ذلك عند ذكرى له، والعهدة في ذلك على من نصّ على ذلك، ومصنفاته المطبوعة الّتي وقفت عليها هي: "السنن الكبرى" الطبعة الحجرية، و"السنن الصغرى" مع شرح الأعظمي مكتبة الرشد، و"الجامع لشعب الإيمان" مكتبة الرشد، و"مناقب الشّافعيّ" دار التراث القاهرة، و"معرفة السنن والآثار" دار الكتب العلمية، و"الزهد الكبير" مؤسسة الكتب الثقافية، و"القضاء والقدر" مكتبة الرشد، و"الاعتقاد" دار الفضيلة، و"الأسماء والصفات" مكتبة السوادي للتوزيع، و"فضائل الأوقات" مكتبة المنارة، و"الآداب" مؤسسة الكتب الثقافية، و"بيان خطأ من أخطأ على الشّافعيّ" مؤسسة الرسالة، و"الخلافيات" دار الصميعي، و"دلائل النبوة" دار الكتب العلمية، و"المدخل إلى السنن" أضواء السلف، و"إثبات عذاب القبر" مكتبة التراث الإِسلامي، و"المدخل إلى دلائل النبوة" مطبوع ضمن "الدلائل"، و"البعث والنشور" مؤسسة الكتب الثقافية، و"القراءة خلف الإمام" دار الكتب العلمية، و"أحكام القرآن" دار إحياء العلوم، و"الدعوات الكبير" منشورات مركز المخطوطات والتراث والوثائق، و"رسالة إلى أبي محمَّد الجويني"، و"رسالة إلى عميد الملك" وهما ضمن ترجمته من "طبقات الشّافعيّة الكبرى"، والأولى طبعت مستقلة، بتحقيق أبي عبيد الله فراس بن خليل مشعل، الناشر: دار

стр. 17

البشائر الإِسلامية، بيروت- سنة ١٤٢٨هـ, و"حياة الأنبياء في قبورهم" مكتبة العلّوم والحكم، و"جز الجويباري في مسائل عبد الله بن سلام" ضمن أجزاء حديثية تحقيق مشهور، و"الرَّدِّ على الانتقاد على الشّافعيّة في اللُّغة"، دار البخاريّ للنشر والتوزيع، بريدة. وقد ذكرت بين يدي هذه المجموعة من هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله تعالي- ترجمته موسعة (١) لصاحب "المشيخة" أبي بكر البَيْهقي -رحمه الله تعالى- اشتملت على ثلاثة فصول: الفصل الأوّل: سيرته العلّمية, وفيه ثلاثة مباحث: المبحث الأوّل: هويته.

стр. 18

١ - اسمه ونسبه. ٢ - كنيته. ٣ - لقبه. ٤ - نسبته. ٥ - ولادته. ٦ - أسرته. ٧ - طبقته. ٨ - تاريخ وفاته، ومكأنّها. ٩ - رثاؤه. المبحث الثّاني: بعض أخلاقه وسجاياه: ١ - عبادته وزهده وورعه وتقواه. ٢ - ذكاؤه وحفظه وإتقانه. ٣ - بعض أشعاره. ٤ - رؤيته رب العزة في. النوم. المبحث الثّالث: مذهبه الاعتقادي والفقهي: ١ - مذهبه الاعتقادي. ٢ - مذهبه الفقهي. * سبب اختياره لمذهب الشّافعيّ. * خدمته لمذهب الشّافعيّ ونصرته له. * أول من جمع نصوص الشّافعيّ. الفصل الثّاني: سيرته العلمية، وفيه خمسة مباحث:

стр. 19

المبحث الأوّل: بداية طلحة للعلم وسماعه الحديث. المبحث الثّاني: نشأته العلمية. المبحث الثّالث: رحلاته. (١) رحلته إلى بلاد خراسان. (أ) نيسابور. (ب) طوس. (ج) الدامغان. (د) إسفرايين. (٢) رحلته إلى العراق. (٣) رحلته الأولى إلى الحجاز. (٤) رحلته الثّانية إلى الحجاز، والعراق. (٥) رحلته إلى بلاد الجبال، ويقال: الجبل. (أ) همذان. (ب) أسداباذ. (ج) قِرْمِيْسِيْن. (د) ساوة. (هـ) الرَّي. المبحث الرّابع: شيوخه, وفيه فوائد: الفائد؛ الأولى: فيما يتعلّق بذكر ما قيل في عددهم. الفائد؛ الثّانية: فيما يتعلّق بذكر من أفردهم أو ترجم لهم. الفائد؛ الثّالثة: في ذكر أبرز المؤثرين من شيوخه في مجرى حياته

стр. 20

وتكوينه العلّمي. الفائدةُ الرّابعة: في ذكر أكبر شيوخه. الفائدةُ الخامسة: في ذكر الشيوخ الذين روى عنهم الحاكم والبَيْهقي معًا. الفائدةُ السّادسة: في ذكر بعض مصنفات الحديث الّتي لم تقع له. المبحث الخامس: تلاميذه: الفصل الثّالث: علومه وآثاره العلمية ومكانته بين العلماء، وفيه أربعة مباحث: المبحث الأوّل: نبذة عن بعض العلوم الّتي برز فيها. المبحث الثّاني: آثاره ومصنفاته: (١) بداية تصنيفه. (٢) مكانته في التنصنيف. (٣) عدد مصنفاته. (٤) تنافس العلماء وطلبة العلم على تحصيل كتبه وسماعها. (٥) شرطه في مصنفاته. (٦) مسرد عام بمصنفاته. المبحث الثّالث: مكانته بين العلماء. المبحث الرّابع: موقعه بين أئمة الجرح والتعديل. وأمّا منهجي في هذه المجموعة فقد رتبتها على حروف المعجم، وسلكت في ذلك ما سلكته في المجموعة السابقة المتعلّقة بشيوخ أبي عبد الله الحاكم، المسماه ب "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم"، وأنبه هنا على أمور:

стр. 21

(١) لقد حاولت أنّ أذكر في هذه المجموعة جميع شيوخ المترجم له، وجميع الرواة عنه، ناسبًا لهم، ومرتبًا ذلك على حروف المعجم، قال العلّامة عبد الرّحمن بن يحيى المعلمي -وهو يتحدث عن طريقتهم في وضع التراجم-: ثمّ يذكرون مشايخه والرواة عنه، ولذلك فوائد كثيرة: منها: معرفة مقدار طلبه للعلّم ونشره له. ومنها: دفع شبهة التكرار. ومنها: التنبيه على السقط، والزيادة، والتصحيف، والتحريف، والتقديم والتأخير. ومنها: أنّ يعرف تاريخ ولادة صاحب التّرجمة، وتاريخ وفاته تقريبًا إذا لم يُعرف تحقيقًا. وهناك فوائد أخرى، وبذلك يُعلمُ حُسْنُ صنيع المزي في "تهذيب الكمال، فإنّه يحُاول أنّ يذكر في ترجمته الرَّجل جميع شيوخه، وجميع الرواة عنه، ولنِعْمَ ما صَنَعَ (١). (٢) ضبطت المشتبه من أسماء الأماكن والبلدان -عند أول موضع ذُكِرَت فيه- بالحروف، مع بيان موقعها في العصر الحديث. (٣) حرصت على جمع ما تفرق وتناثر من كلام الإمام الحجة أبي بكر البَيْهقي في شيوخه هؤلاء الذين أودعتهم هذه المجموعة، سواء ما كان له تعلّق بالجرح والتعديل، أو كان له تعلّق ببيان موضع السماع، وكيفيته، وتاريخه، ونحو ذلك من الفوائد الّتي لا تخفى أهميتها على المبتغي حكمًا كليًا على التّرجمة، وقد أوردت ذلك كله عند ذكري لرواية البَيْهقي عنه.

стр. 22

(٤) إذا كان الشّيخ قد تُرجم له في الكتاب الآخر "الروض الباسم في تراجم شيوخ الحاكم"، فإني لا أكتفي بالإحالة إليه فحسب، كما فعلت ذلك فيه، وفي "مشيخته" الدارقطني قبله، بل أذكر التّرجمة برمتها. (٥) اعتنيت بعمل فهارس فنية متكاملة، تدل الباحث على بغيته ممّا أودعته هذه المجموعة بأسهل وسيلة وأقرب طريقة. هذا ما أردت بيانه في هذه المقدِّمة، والله أسأل أنّ يجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، وأن يوفقني لإتمام ما تبقى من هذه السلسلة المباركة -إن شاء الله تعالى- خدمة لسنة المصطفى ﷺ ، والله ولي التوفيق. كتبه الفقير إلى عفو ربه: أبو الطيب نايف بن صلاح بن علي المنصوري بمكتبة دار الحديث الخيرية بمأرب -حرسها الله- والقائمين عليها من كلّ سوء ومكروه ليلة الأحد ٢٩/ رجب/ ١٤٢٨ هـ هاتف: ٧٧٧٨٦٣٥٦١

стр. 23

ترجمة الإمام البَيْهقي الفصل الأوّل: سيرته العلمية المبحث الأوّل: هويته (١) اسمه ونسبه: هو أحمد بن الحسين بن علي بن عبد الله بن موسى. كذا نسبه غير واحد، منهم: عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "المنتخب" ص (٢٣١)، وابن الجوزي في "المنتظم" (١٦/ ٩٧)، وابن عساكر في "التبيين" ص (٢٦٦)، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعين" ص (٥١١)، وياقوت الحموي في "معجم البلدان" (١/ ٦٣٩)، وابن الصلاح في "طبقاته" (١/ ٣٣٢)، وابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٥)، والسبكي في "طبقاته" (٤/ ٨)، وابن كثير في "البداية" (١٦/ ٩)، وغيرهم. وأمّا السمعاني في "الأنساب" (١/ ٤٦١)، وابن الأثير في "اللباب" (١/ ٢٠٢)، فقد قَدَّما وأخرا في نسبه فقالا: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى بن عبد الله، وقد رجح ما ذهبا إليه الشّيخ مشهور بن حسن آل سلمان

стр. 24

في مقدمة "الخلافيات"، بيد أنّ د. نايف الدعيس قال في مقدمة كتاب "خطأ من أخطأ على الشّافعيّ": تقديم موسى على عبد الله خطأ ظاهر. قال مقيده -أمده الله بتوفيقه-: ورد اسمه ونسبه في سند كتاب "الآداب"، و"الشعب"، و"الدعوات الكبير"، و"الزهد الكبير"، وغيرها من مصنفاته: أحمد بن الحسين بن علي بن موسى. وبهذا ذكره ابن نقطة في "التقييد" ص (١٣٧)، وابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ٣٢٩)، والذهبي في غير ما كتاب من كتبه. (٢) كنيته: أمّا كنيته فهي "أبو بكر" ولم أعثر على ذكرٍ لولد له بهذا الاسم في كتب التراجم والتواريخ الّتي اطلعت عليها. (٣) لقبه: لقب ﵀ بـ "الحافظ"، و"الإمام"، و"شيخ السُّنَّة"، و"شيخ الإسلام"، و"ناصر السُّنَّة"، و"شمس الدِّين"، و"مُنَظْم السُّنة". فأمّا تلقيبه بـ "الحافظ"، و"الإمام" فكما في سائر الكتب الّتي ترجمت له. وأمّا تلقيبه بـ "شيخ السُّنَّة" فلقب لقبه به غير واحد من الرواة عنه كابنه إسماعيل، كما في "التبيين" ص (٢٦٦)، وزاهر بن طاهر الشحامي كما في سند كتاب "الشعب" (١/ ٨٣). وأمّا "شيخ الإسلام" فقد لقبه به الذهبي في "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٣). وأمّا "ناصر السُّنَّة" فقد لقبه به السخاوي في "فتح المغيث" (١/ ٤٧). وأمّا "شمس الدِّين" فقد تفرد به حاجي خليفة في "كشف الظنون" (١/ ٥٣).

стр. 25

وأمّا "مُنَظْم السُّنة" فقد لقبه به الأستاذ السَّيِّد أحمد صقر في مقدمة تحقيقه لـ "دلائل النبوة" (١/ ٧). (٤) نسبته: تعددت نسبة الإمام البَيْهقي ﵀ تعالي- فقيل له: "الخُراساني"، و"النَّيْسابُوري"، و"البَيْهقي"، و"الخُسْرُوْجِرْدي". فأمّا "الخُراساني" فبضم الخاء المعجمة وفتح الراء والسين المهملتين، وفي آخرها النون نسبة إلى بلاد كبيرة، يقع منها اليوم جزء في أفغانستان، وجزء في إيران، وجزء في جمهورية تركمانتسان. وقد نسبه إليها الذهبي في "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٤). وأمّا "النَّيْسابُوري" فبفتح النون، وسكون الياء المنقوطة من تحتها باثنتين، وفتح السين المهملة وبعد الألف جاء منقوطة بواحدة، وفي آخرها الراء، وهي أحسن مدن خراسان وأجمعها، وتقع حاليًا في إيران، على بُعْدِ (٩٠) كيلًا من مدينة مَشْهد، عاصمة خراسان الحالية، انظر: "أطلس تاريخ الإسلام" ص (٤٣٠)، وقد نسبه إليها: الحافظ ابن عساكر في "التبيين" ص (٢٦٥)، وعلي بن المفضل المقدسي في "الأربعين" ص (٥١١)، والسبكي في "طبقاته" (٤/ ٨). وأمّا "البَيْهقي" فبفتح الباء، وتقديم الياء الساكنة على الهاء، ناحية عظيمة من نواحي نيسابور، على يومين منها، وتقع حاليًا في الاتحاد السوفيتي جمهورية تركمانستان، انظر: "بلدان الخلافة" ص (٤٣٢)، و"أطلس العالم" ص (٧٠، ٧١)، ونسبته إليها مشهورة. وأمّا "الخُسْرُوْجِرْدي" فبضم الخاء المعجمة، وسكون السين المهملة،

стр. 26

وفتح الراء -وقيل بضمها-، وسكون الواو، وكسر الجيم، وفي آخرها قال مهملة وهي قرية بناحية بيهق، كانت قصبتها سابقًا، وقد نسبه إليها: عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "المنتخب" ص (١٥٣)، وابن الصلاح في "طبقاته" (١/ ٣٣٢)، وابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٥). (٥) ولادته: قال علي بن زيد البَيْهقي في "تاريخ بيهق" ص (٣٤٥): كان أصله من شامكان ونوبهار، وكان أسلافه ينتسبون إلى شاهكان، أمّا هو فكانت ولادته ببيهق في خُسْرُوجردوأباري. وذلك في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة، كذا نصّ عليه ابنه إسماعيل كما في "التبيين" ص (١٦٦)، وتكاد كتب التراجم تجمع على ذلك، إِلَّا أنّ ابن الأثير انفرد في "كامله" بقوله: ومولده سنة سبع وثمانين وثلاثمائة. وقد أخطأ في ذلك، كما أنّ الخوانساري قد وهم -أيضًا - عند أنّ نقل في "روضات الجنات" (١/ ٢٥١) عن ابن خلكان أنّه ذكر أنّ ولادته كانت سنة اثنتين وثمانين وثلاثمائة، فإن الّذي في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٦): كان مولده في شعبان سنة أربع وثمانين وثلاثمائة. وتصحف تاريخ ولادته في "مختصر الجرجاني" كما في "ظفر الأماني" ص (٥٢٠) إلى أربع وثلاثين وثلاثمائة. (٦) أسرته: لم تتحفنا المصادر الموجودة لدينا عن أسرته وقرابته بشيء سوى أنّها ذكرت أنّ له ثلاثة من الأبناء أخذوا العلم عن أبيهم، وحفيدًا أخذ عن جده - أيضًا -، فأمّا أبناؤه فهم: (أ) أبو علي إسماعيل بن أحمد بن الحسين البَيْهقي الملقب بشيخ

стр. 27

القضاة, ولد سنة ثمان وعشرين وأربعمائة، وتوفي في جمادى الآخرة سنة سبع وخمسمائة، ترجمه علي بن زيد البَيْهقي في "تاريخ بيهق" ص (٣٩٣)، والذهبي في "النُّبَلاء" (١٩/ ٣١٣)، وغيرهما. (ب) أبو عبد الله محمَّد بن أحمد بن الحسين البَيْهقي، وهو أكبر من إسماعيل، وقد كان من العلماء والمحدثين، ولد سنة إحدى وعشرين وأربعمائة، وتوفي في شعبان سنة اثنتين وثمانين وأربعمائة، ترجمه عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "منتخبه" برقم (٧٢)، وعلي بن زيد البَيْهقي في "تاريخ بيهق" ص (٣٩٣). (ج) أبو سعيد، كذا ذكره الزبيدي في "تاج العروس" (٦/ ٣٠١). وأمّا الحفيد: فهو عبيد الله بن محمَّد بن أحمد بن الحسين البَيْهقي، توفي سنة ثلاث وعشرين وخمسمائة عن بضع وسبعين سنة، تر جمه الحافظ الذهبي في "الميزان" (٣/ ١٥)، وغيره. (٧) طبقته: ذكره ابن عبد الهادي في "طبقاته" في الطبقة الرّابعة عشرة, من أصل إحدى وعشرين طبقة، وكذا ذكره فيها الذهبي في "التذكرة" (٣/ ١١٣٢)، وابن ناصر الدِّين الدمشقي في "بديعته" ص (١٩١)، والسيوطي في "طبقات الحفاظ" برقم (٩٨١)، وذكره الذهبي في كتابه "المعين في طبقات المحدثين" ص (١٣٢) في الطبقة السابعة عشرة، من أصل ثمان وعشرين طبقة. وذكره في "النُّبَلاء، في "الطبقة الرّابعة والعشرين". وذكره في "تاريخ

стр. 28

الإسلام" في الطبقة السّادسة والأربعين. وذكره في رسالته "ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل" ص (٢١٤) في الطبقة الثّالثة عشرة، من أصل اثنتين وعشرين طبقة. (٨) تاريخ وفاته، ومكأنّها: اتفقت المصادر الّتي ترجم له فيها على أنّ وفاة الإمام البَيْهقي كانت بنيسابور، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة (٤٥٨ هـ)، ولم يخالف في ذلك إِلَّا ياقوت الحموي، فذكر في "معجم البلدان" (١/ ٦٣٩) أنّه توفي سنة أربع وخمسين وأربعمائة (٤٥٤ هـ)، وذكر هو وغيره من المترجمين أنّ وفاته كانت في جمادى الأولى، ولم يخالف في ذلك إِلَّا ابن الأثير كما في "كامله" (٨/ ٢٢٩)، وابن تغري بردي في "النجوم الزاهرة" (٥/ ٧٧)، فقد ذكرا أنّها كانت في جمادى الآخرة. قال عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "منتخبه" (١٠٤): وكانت وفاته بنيسابور، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة في عاشر جمادى الأولى. وقال أبو عبد الله الكُتُبيُّ الهروي كما في "طبقات ابن الصلاح" (١/ ٣٣٥): وتوفي بنيسابور، ونقل تابوته إلى بيهق سنة ثمان وخمسين وأربعمائة. وقال الذهبي في "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٩): ولما سمعوا منه بنيسابور ما أحبوا في قدمته الأخيرة، مرض، وحضرته المنية، فتو في في عاشر شهر جمادى الأولى، سنة ثمان وخمسين وأربعمائة، فغُسِّل وكُفِّنَ، وعُمِلَ له تابوت، فنُقِل ودفن ببيهق؛ وهي ناحية قصبتها خُسْرُوجرد، وهي محَتْدُهُ، وهي على يومين من نيسابور، وعاش أربعًا وسبعين سنة.

стр. 29

ولله در من قال: وما نحن إِلَّا ركبُ موت إلى البِلى ... تسير أيامُنا كرواجِلِ قطعنا إلى نحو القبور مَراحِلًا ... وما بقيت إِلَّا أقلُّ المراحلِ وهذا سبيل العالمَيْن جميعهم ... فما النَّاس إِلَّا راحل بعد راحِلِ (٩) رثاؤه: قال أبو القاسم البَرْزَهِي البَيْهقي كما في "تاريخ بيهق"ص (٣٤٦): يا أحمدَ بن الحسين البَيْهقي لقد ... دَوَّختَ أرض المساعي أيَّ تدويخ أنت المليُّ بتقديمٍ وتكرمةٍ ... أنت الحريُّ بتأميم وتشييخِ هذا كتابٌ ولكن حشوُهُ حججٌ ... يغادر الكفر ممنوًّا بتقليح كدار بطيخ تحوي كلّ فاكهةٍ ... وما اسمها الدهرَ إِلَّا دارُ بطيخِ

стр. 30

المبحث الثّاني: بعض أخلاقه وسجاياه (١) عبادته وزهده وورعه وتقواه: قال الحافظ عبد الله بن يوسف الجرجاني في كتابه "طبقات الشّافعيّين" كما في "طبقات ابن الصلاح" (١/ ٣٣٥): كان زاهدًا، وكان يصوم الدهر منذ ثلاثين سنة. وقال عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "منتخببه" ص (١٠٣ - ١٠٤): الدَّيّن الورع، كان على سيرة العلماء، قانعًا من الدنيا باليسير، متجملًا في زهده وورعه. وقال ابن الجوزي في "المنتظم" (١٦/ ٩٧): كان عفيفًا زاهدًا. وكذا قال ابن الأثير في "كامله" (٨/ ٢٢٩)، وغيرهما. وقال ياقوت الحموي في "معجم البلدان" (١/ ٦٣٩): الورع، أوحد الدهر في الحفظ والإتقان مع الدِّين المتين. وقال الذهبي في "العبر" (٢/ ٣٠٨): نفع الله بتصانيفه المسلمين شرقًا وغربًا، لإمامة الرَّجل ودينه وفضله وإتقانه، فالله يرحمه. وقال السبكي في "طبقاته" (٤/ ٨): كان الإمام البَيْهقي أحد أئمة المسلمين، وهُداة المؤمنين، والدعاة إلى حبل الله المتين، زاهد ورع، قانت لله. وقال ابن كثير في "البداية" (١٦/ ٩): كان زاهدًا متقلِّلًا من الدنيا، كثير العبادة والورع، ﵀ تعالي-.

стр. 31

(٢) ذكاؤه وحفظه وإتقانه: قال عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "منتخبه" (ص (١٠٣): واحد زمانه في الحفظ، وفرد أقرانه في الإتقان والضبط، عقدوا له المجلس بنيسابور، وحضره الأئمة والفقهاء، وأكثروا الثّناء عليه والدعاء له في ذلك، لبراعته ومعرفته وإفادته. وقال ابن الجوبزي في "المنتظم" (١٦/ ٩٧): كان واحد زمانه في الحفظ والإتقان، وكذا قال ياقوت في "معجمه" (١/ ٦٣٩). وقال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ١١٣٢): بورك له في عليه؛ لحسن قصده، وقوة فهمه وحفظه. وقال في "تاريخ الإسلام" (٣٠/ ٤٣٩، ٤٤٠): كان واحد زمانه، وفرد أقرانه، وحافظ أوانه، بُورك له في مروياته، وحُسْن تصرُّفه فيها, لحِذْقه وخبرته بالأبواب والرجال. وقال السبكي في "طبقاته" (٤/ ٨، ٩)، حافظ كبير، جبل من جبال العلم، أحذق المحدثين، وأحدهم ذهنًا، وأسرعهم فهمًا، وأجودهم قريحة. ومما يدلُّ على قوة حفظه وفطنته ما ذكر في "تاريخ بيهق" ص (٣٤٥) من أنّه حدث مرّة أنّه كان في مجلس الحاكم أبي عبد الله الحافظ -وكان غاصًا بجمع كثير من العلماء- فروى الحاكم أبو عبد الله حديثًا، فأسقط أحد رواته، فقال الإمام البَيْهقي: لقد تركت أحد رواته, ولما غضب الحاكم أبو عبد الله؛ طلب إليه أنّ يحضر الأصل، فأحضره، فكان الأمر كما قال الإمام البَيهقي.

стр. 32

(٣) بعض أشعاره: قال الشّيخ عبد العزيز الدهلوي في "بستان المحدثين" (٨١)، يميل إلى الشعر أحيانًا، وفيما يلي بعض الأبيات الّتي قالها هو: من اعتزَّ بالمولى فذاك جَلِيل ... ومن رام عزًا من سواه ذَلِيل ولو أنّ نفسي مُذْ براها مليكُها ... مضى عمرها في سجدة لقليل أحب مناجاة الحبيب بأوجه ... ولكنْ لسانُ المُذْنِبِيْنَ كَلِيْل (٤) رؤيته ربِّ العزة في النوم: قال ابن أبي الوفاء في "الجواهر المضية" (٤/ ٥٧٣): رأيت في ترجمته في كتاب عتيق بخط بعض الثقات، أنّه كان موصوفًا بالزهد، وأنّه رأى ربَّ العزة في النوم غير مرّة.

стр. 33

المبحث الثّالث: مذهبه الاعتقادي والفقهي (١) مذهبه الاعتقادي: ذكره الحافظ ابن عساكر في "تبيين كذب المفتري" ص (٢٦٥)، في الطبقة الثّالثة من أصحاب أبي الحسن الأشعري، وهم من لقي أصحاب أصحابه وأخذوا العلم عنهم. وقال السبكي في "طبقاته" (٤/ ٩): قرأ علم الكلام على مذهب الأشعري. وقال أبو سليمان الخطابي في كتابه "شعار الدِّين": والكلام في الصفات ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قسم، منها: يحقق ولا يتأول؛ كالعلّم، والقدرة ونحوهما. وقسم: يتأول ولا يجري على ظاهره، وذكر حديث "من تقرب إليَّ شبرًا تقربت منه ذراعًا ... " الخ، وحديث: "لمَّا خلق الله الرّحم تعلّقت بحقو الرّحمن ... " الخ، وقوله تعالي: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦]. والقسم الثّالث من الصفات: يحمل على ظاهره, ويحري بلفظه الّذي جاء به، من غير أنّ يتقضي له معرفة كيفية، أو يشبه بمشبهات الجنس، ومن غير أنّ يتأول فيعدل به عن الظّاهر إلى ما يحتمله التّأويل من وجه المجاز والاتساع، وذلك كاليد، والسمع، والبصر، والوجه، ونحو ذلك، فإنها ليست بجوارح، ولا أعضاء، ولا أجزاء، ولكنها صفات الله لا

стр. 34

كيفية لها, ولا تُتَأوَّل فيقال معنى اليد: النعمة والقوة، ومعنى السمع والبصر: العلم، ومعنى الوجه: الذات، على ما ذهب إليه نفاة الصفات". قال شيخ الإسلام ابن تيمية في "بيان تلبيس الجهمية" (٦/ ٢٣٨ - ٢٣٩): وهذه الطريقة الّتي سلكها الخطابي في تقسيم الأحاديث إلى الأقسام الثّلاثة، وما ذكر في الصفات الخبرية هي تشبه طريقة أبي محمَّد بن كُلَّابِ، وهي طريقة طوائف كثيرة ممّن يقول بالكلام والحديث، وغير ذلك، وهم طريقة الأشعري نفسه، والبَيْهقي في آخر أمره، وهي طريقة ابن عقيل في آخر أمره، وجمهور أئمة الحديث، وأئمة الفقهاء، وأئمة الصُّوفِية، طريقهم أكمل من ذلك وأتبع للسنة، كما قد بين في مواضع. (٢) مذهبه الفقهي: كان مذهبه ﵀ تعالي- في الفروع هو مذهب الإمام الشّافعيّ- ﵀ تعالي-، فقد ذكره العبادي في "طبقاته" في الطبقة الخامسة من فقهاء الشّافعيّة، وكذا ذكره في "طبقات الشّافعيّين" عبد الله بن يوسف الجرجاني، وابن الصلاح، والسبكي، والأسنوي، وغيرهم. وقال ابن الأثير في "اللباب" (١/ ٢٠٢) الفقيه الشّافعيّ. وقال في "الكامل" (٨/ ٢٢٩): كان إمامًا في الفقه على مذهب الشّافعيّ. وكذا قال الملك المؤيد أبو الفداء في "المختصر" (١/ ١٨٥)، وابن الوردي في "تتمّة المختصر" (١/ ٥١٦)، وقال ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٥): الفقيه الشّافعيّ. وقال الذهبي في "تاريخ الإسلام" (٣٠/ ٤٣٩)، أخذ مذهب الشّافعيّ عن أبي الفتح ناصر بن محمَّد العُمَري المروزي، وغيره، وبرع في المذهب. وقال الشّيخ محمَّد عبد الرشيد النعماني في كتابه "الإمام ابن ماجه وكتابه السنن" ص (١٢٦): أطبق العلماء على كون البَيْهقي شافعيًا.

стр. 35

* سبب اختياره لمذهب الشّافعيّ: قال البَيْهقي ﵀ تعالي- في مقدمة "معرفة السنن والآثار" (١/ ١٢٥ - ١٢٦): إنِّي منذ نشأت وابتدأت في طلب العلم أكتب أخبار سيدنا المصطفى ﷺ أجمعين، وأجمع آثار أصحابه الذين كانوا أعلام الدِّين، وأسمعها ممّن حملها، وأتعرف أحوال رواتها من حفاظها، وأجتهد في تمييز صحيحها من سقيمها، ومرفوعها من موقوفها، وموصولها من مرسلها، ثمّ انظر في كتب هؤلاء الأئمة الذين قاموا بعلم الشّريعة, وبنى كلّ واحدٍ منهم مذهبه على مبلغ عليه من الكتاب والسُّنَّة، فأرى كلّ واحد منهم ﵃ جميعهم قَصَدَ قَصْدَ الحق فيما تكلف واجتهد في أداء ما كلف، ... ، وقد قابلت بتوفيق الله تعالي أقوال كلّ واحد منهم بمبلغ علمي من كتاب الله تعالي، ثمّ بما جمعت من السنن والآثار في الفرائض والنوافل، في الحلال والحرام، والحدود والأحكام، فوجدت الشّافعيّ ﵀ أكثرهم اتِّباعًا، وأقواهم احتجاجًا، وأصحهم قياسًا، وأوضحهم إرشادًا، وذلك فيما صنف من الكتب القديمة والجديدة في الأصول والفروع، ... ، فنظرت فيها وخرجت بتوفيق الله مبسوط كلامه في كتبه بدلائله وحججه ... الخ. * خدمته لمذهب الشّافعيّ ونصرته له: قال عبد الغافر الفارسي في "السياق" كما في "منتخبه" ص (١٠٤): استدعي منه الأئمة في عصره انتقاله إلى نيسابور من الناحية لسماع كتاب "المعرفة" لاحتوائه على أقاويل الشّافعيّ على ترتيب "المختصر" الّذي صنفه المزني بذكر المواضع الّتي منها نقلها من كتب الشّافعيّ، وذكر

стр. 36

حججه ودلائله، من الكتاب والسُّنَّة وأقاويل الصّحابة والآثار الّتي خصه الله تعالي بجمعها وبيأنّها وشرحها. وقال السمعاني في "الأنساب" (١/ ٤٦١): كان تتبع نصوص الشّافعيّ وجمع كتابًا فيها سماه كتاب "المبسوط". وقال ابن الجوزي في "المنتظم" (١٦/ ٩٧): جمع نصوص الشّافعيّ ﵁ في عشر مجلدات. وقال ابن الصلاح في "طبقاته" (١/ ٣٣٢): كان إمامًا قيِّمًا بنصرة مذهب الشّافعيّ، وتقريره. وقال ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٦): كان من أكثر النَّاس نصرًا لمذهب الشّافعيّ. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية كما في "مجموع الفتاوى" (٣٢/ ٢٤٠): البَيْهقي أعلم أصحاب الشّافعيّ بالحديث، وأنصرهم للشافعي، وقال الحافظ ابن عساكر في "التبيين" ص (٢٦٦): سمعت الشّيخ أبا بكر محمَّد بن عبد الله بن أحمد بن حبيب العامري ببغداد يقول: سمعت من يحكي عن الإمام أبي المعالي الجويني أنّه قال: ما من شافعي إِلَّا وللشافعي عليه مِنَّة إِلَّا أحمد البَيْهقي فإن له على الشّافعيّ مِنَّة؛ لتصانيفه في نصرة مذهبه وأقاويله أو كما قال. قال مقيده -أمده الله بتوفيقه-: جزم بنسبة هذه الحكاية إلى الإمام الجويني ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٦)، والملك المؤيد عماد الدِّين إسماعيل في المختصر (١/ ١٨٥ - ١٨٦)، واليافعي في "مرآة الجنان" (٣/ ٨٢). وقال ابن عبد الهادي في "طبقاته" (٣/ ٣٣١): رُوي عن إمام الحرمين أنّه قال فذكرها. وقال الذهبي في "التذكرة" (٣/ ١١٣٣)، وعن إمام الحرمين أبي المعالي قال ... الخ. وقال في "التاريخ" (٣٠/ ٤٤١): وقال غير عبد الغافر: قال إمام الحرمين ... الخ. وفي "النُّبَلاء" (١٨/ ١٦٨ -

стр. 37

١٦٩): بلغنا عن إمام الحرمين أبي المعالي الجُويني ثمّ قال: قلت: أصاب أبو المعالي، هكذا هو، ولو شاء البَيْهقي أنّ يعمل لنفسه مذهبًا يجتهد فيه؛ لكان قادرًا على ذلك، لسعة علومه، ومعرفته بالاختلاف، ولهذا تراه يُلوِّح بنصر مسائل ممّا صح فيها الحديث. وأمّا ابن أبي الوفاء فقد قال في "الجواهر المضية" (٤/ ٥٧٣): ويقول النَّاس: إنَّ الشّافعيّ له فَضل على كلّ أحد، والبَيْهقي فضله على الشّافعيّ. فوالله ما قال هذا من شَمَّ ترجمته الشّافعيّ وعظمته ونشأته في العلوم، ولقد أخرج الشّافعيّ بابًا من العلم ما اهتدى إليه النَّاس من قبله، وهو علم الناسخ والمنسوخ، فعليه مدار الإسلام. مع أنّ البَيْهقي إمام حافظ كبير، نشر السُّنَّة، ونصر مذهب الشّافعيّ في زمنه. قلت: وفيما سبق نقله عن الحافظ الذهبي رد على من رمى الإمام البَيْهقي بالتعصب لمذهب الشّافعيّ ﵀ تعالي-، كالسيد مرتضى الزبيدي في "عقود الجواهر المنيفة" (٢/ ١١)، والشيخ عبد الرشيد النعماني في كتابه "الإمام ابن ماجه وكتابه السنن" ص (١٦١). * أول من جمع نصوص الشّافعيّ: قال ابن خلكان في "وفيات الأعيان" (١/ ٧٦): هو أول من جمع نصوص الإمام الشّافعيّ -رضي الله تعالي عنه -، في عشر مجلدات. وقال الذهبي في "تاريخه" (٣٠/ ٤٤٠): وهو أول من جمع نصوص الشّافعيّ، واحتج لها بالكتاب والسُّنَّة. قال السبكي في "طبقاته" (٤/ ١٠) متعقبًا كلام شيخه الذهبي: ليس كذلك، بل هو آخر من جمعها؛ ولذلك استوعب أكثر ما في كتب السابقين،

стр. 38

ولا أعرف أحدًا بعده جمع النصوص؛ لأنّه سد الباب على من بعده. قال مقيده -أمده الله بتوفيقه-: وكلام السبكي صحيح؛ يؤيده ما زبره البَيْهقي نفسه في رسالته إلى الجويني من أنّ جماعة جمعوا نصوص الإمام الشّافعيّ ﵀ تعالي-. انظر: "طبقات الشّافعيّة" لابن السبكي (٥/ ٨٦)، إِلَّا أنّ يردّ الذهبي بكلامه هذا التوسع والاستقصاء في الجمع فهو حق، ولا يردّ عليه ما ذكر السبكي، ولعلّ ممّا يؤيد أنّ الذهبي أراد هذا لا مجرد الجمع قوله: "أول من جمع في عشر مجلدات". والله أعلم.

стр. 39

الفصل الثّاني: سيرته العلمية المبحث الأوّل: بداية طلبه للعلم وسماعه الحديث تذكر المصادر التاريخية أنّ الإمام البَيْهقي بدأ طلب الحديث في صباه، حيث يقول الحافظ عبد الغافر الفارسي في "السياق": كتب الحديث وحفظه من صباه إلى أنّ نشأ وتفقه فيه وبرع (١). وقال البَيْهقي: في كتابه "بيان خطأ من أخطأ على الشّافعيّ" ص (٣٣٤): إنِّي كتبت الحديث من سنة تسع وتسعين وثلاثمائة، وأدركت بعض أصحاب الشرقيين، وابن الأعرابي، والصَّفار، والرَّازَّاز، والأصم، وابن الأخرم، ولم أدرك بعض أصحاب هؤلاء. وذكر محمَّد بن عبد الواحد الدَّقَّاق الحافظ أنّه سأل ولده إسماعيل بن أحمد عن مولد أبيه فقال: سنة أربع وثمانين، وأول ما سمع الحديث في آخر سنة تسعٍ وتسعين وثلاثمائة (٢). وقال الإسنوي في "طبقاته" (١/ ٩٨): كان أول سماعه في آخر سنة تسع وتسعين وثلاثمائة.

стр. 40

المبحث الثّاني: نشأته العلمية نشأ الإمام البَيْهقي ﵀ تعالي- نشأته الأولى في قريته خُسْرُوجر الّتي ولد فيها وترعرع فيها، ونهل من ينابيعها، وتربى في أكفأنّها، وتنقل في فيافيها وقفارها، فسمع من أعلامها، وكبار محدثيها، والواردين عليها، ومن هؤلاء الذين سمع منهم بها؛ سواء كانوا من أهلها، أو القادمين عليها. - أبو عبد الله الحسين بن عبد الله بن محمَّد السديري البَيْهقي الخُسْرُوْجِردي (١). - أبو ذر عبد بن أحمد بن محمَّد بن عبد الله الهروي، حين وروده عليها (٢). - أبو الحسن علي بن أحمد بن إبراهيم الفقيه الخُسْرُوْجِرْدي (٣). - أبو الحسن علي بن أحمد بن محمَّد بن يوسف البَغْدادي نزيلها (٤). - أبو الحسن علي بن عبد الله بن علي الخُسْرُوْجِرْدي (٥). - أبو الحسن علي بن محمَّد بن حمدون الخُسْرُوْجِرْدي (٦).
следующие страницы →