← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 1–40.

стр. 1

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة (قراءة جديدة) محمد الصوياني الجزء الأول مكتبة العبيكان

стр. 2

(ح) مكتبة العبيكان، ١٤٢٤هـ فهرسة مكتبة الملك فهد الوطنية أثناء النشر الصوياني محمَّد السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة. / محمَّد الصوياني - الرياض، ١٤٢٤ هـ ٢٨٦ ص، ١٦.٥ × ٢٤ سم ردمك: ٠ - ٣٧٥ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة) ٩ - ٣٧٦ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج١) ١ - السيرة النبوية ٢ - الحديث- مباحث عامة أ. العنوان ديوى ٢٣٩ ٢٨٧٨/ ١٤٢٤ ردمك:٠ - ٣٧٥ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (مجموعة) رقم الإيداع: ٢٨٧٨/ ١٤٢٤ ٩ - ٣٧٦ - ٤٠ - ٩٩٦٠ (ج١) الطبعة الأولى الخاصة بمكتبة العبيكان ١٤٢٤هـ/٢٠٠٤ م حقوق الطباعة والنشر محفوظة للناشر الناشر مكتبة العبيكان الرياض- العليا- تقاطع طريق الملك فهد مع شارع العروبة ص. ب: ٦٢٨٠٧ - الرمز: ١١٥٩٥ هاتف:٤٦٥٤٤٢٤ - فاكس: ٤٦٥٠١٢٩

стр. 3

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

стр. 4

الحمد لله رب العالمين .. والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ..

стр. 5

هذه القصة قصة طفل طهور كالبرد .. ولد يتيمًا .. واستمر اليتم يلاحقه ويلاحق طفولته في طرقات مكة ودروبها .. يذيقه المرارة .. يفجعه بأهله وأحبابه .. ويكبر محمَّد ﷺ .. وتكبر غربته .. ويكتشف في دروب الحياة يتمًا أكبر من يتمه .. وهمًّا أثقل من همِّه .. فالأرض كلها يتم .. والبشرية تئن همًا وحزنًا يعصر قلبها .. الجزيرة العربية كانت غابةً من الأصنام .. وأوديةً تسيل دماء بريئة .. تسيل عادات بالية وتقاليد محيرة .. ماذا يفعل أمامها .. وماذا بيديه حيالها .. ماذا يفعل سوى الغربة مهربًا وملاذًا .. يناجي بها ربه ويعج إليه بالتوحيد والدعاء .. وفي غربته الشعورية تلك تهبط عليه الرسالة .. فيحمل الأمانة وينحدر بها نحو مكة .. نحو أمته فينطق بها بهجة وبشرى لهم .. وينتظر الإجابة .. وتأتي الإجابة على غير ما يتمنى ويحب .. تأتى الإجابة سياطًا وشتائم وتكذيبًا له وهو الذي يلقب بالأمين. فماذا فعل الأمين ﷺ مع هؤلاء؟ الإجابة كانت أكثر من خمسين عامًا من فنِّ التعامل مع الغير .. نقشها ﷺ في قلوب من حوله وقلوب غيرهم ممّن دبَّ على هذه الأرض إلى قيام الساعة. الإجابة سيرة لم تكن ماضيًا أبدًا .. بل شعلة توقد شموس الحياة .. ودماء تتدفق في عروق المستقبل والأجيال.

стр. 6

سيرته ﷺ في مكة هي واقع هذه الصحوة التى تهز أركان الأرض من أقصاها إلى أقصاها .. ولا بد لهذه الصحوة من أن تشرب من النبع الذي شربت منه في مكة .. لا بد لها من أن تتقد بشعلتها الخالدة وإلا تحولت إلى رماد تذروها الرياح والأهواء. أحاول في هذه السيرة- القصة أن أبسط ما أمكن .. أن أجعل هذه الأحداث سهلة في متناول الجميع خاصة من لا يبحثون عن التعقيد أو التفريع .. لذلك صغتها وربطت بين أحاديثها الصحيحة لتكون قصة لا روايات أحداث متفرقة فقط. فالحمد لله حمدًا يليق بجلاله وعظمته إن كنت قد وفقت في ذلك .. وأرجوه الصفح والغفران إن كنت قد زللت ..

стр. 7

جده عبد المطلب لا أدري من أين أتى .. ربما صعد جبلًا أو منه انحدر .. ربما هبط واديًا؛ أو كان يرعى الغنم .. لا أدري .. لكنه كان متعبًا يقتلع خطاه .. يسحب جسده الثقيل نحو الكعبة .. حيث ألقى بذلك الجسد في الحجر .. وتردى في هوة سحيقة من النوم .. ليجد في قعرها هاتفًا يطالبه بعمق أكثر .. فيقول له: (احفر طيبة) (١) .. لم يمهله عبد المطلب .. لقد عاجله قائلًا: وما طيبة؟ ولم تأت إجابة .. وأطبق الصمت، والهاتف اختفى ولم يرد. وفي الغد .. رجع عبد المطلب إلى مرقده ذلك عله يجد لذلك الحلم تفسيرًا. وما إن غاص في سباته حتى سمع ذلك الصوت الخفي يناديه مرة أخرى: (احفر بره) (٢).

стр. 8

(يقول عبد المطلب: قلت: وما بره؟ ثم ذهب عني، فلما كان الغد رجعت إلى مضجعي فنمت فيه .. فجاءني فقال: احفر زمزم. قلت: وما زمزم؟ قال: لا تترف أبدًا ولا تذم، تسقي الحجيج الأعظم، وهي بين الفرث والدم، عند نقرة الغراب الأعصم، عند قرية النمل .. فلما بيّن لعبد المطلب شأنها، ودل على موضعها وعرف أنه قد صدق، غدا بمِعْوَلِه ومعه ابنه الحارث بن عبد المطلب، وليس له يومئذ وليد غيره .. فحفر فيها، فلما بدا لعبد المطلب الطي (١) كبَّر (٢). فعرفت قريش أنه قد أدرك حاجته .. فقاموا إليه. فقالوا: يا عبد المطلب، إنها بئر أبينا إسماعيل، وإن لنا فيها حقًا .. فأشركنا معك فيها. فقال عبد المطلب: ما أنا بفاعل، إن هذا الأمر قد خصصت به دونكم وأُعطيتُه من بينكم. فقالوا: أنْصفنا فإنّا غير تاركيك حتى نخاصمك فيها. قال عبد المطلب: فاجعلوا بيني وبينكم من شئتم أحاكمكم إليه. قالوا: كاهنة بني سعد هذبم. قال عبد المطلب: نعم.

стр. 9

وكانت -هذه الكاهنة- بأشراف الشام. فركب عبد المطلب، ومعه نفر من بني أمية، وركب من كل قبيلة من قريش نفر، فخرجوا والأرض إذ ذاك مفاوز (١)، حتى إذا كانوا ببعضها نفذ ماء عبد المطلب وأصحابه، فعطشوا حتى استيقنوا بالهلكة فاستسقوا من معهم، فأبوا عليهم. وقالوا: إنا بمفاوز .. وإنا نخشى على أنفسنا مثل ما أصابكم. فقال عبد المطلب: إني أرى أن يحفر كل رجل منكم حفرته لنفسه بما لكم الآن من القوة، فكلما مات رجل، دفعه أصحابه في حفرته، ثم واروه، حتى يكون آخرهم رجلًا واحدًا، فضيعة رجل واحد أيسر من ضيعة ركب جميعه. فقالوا: نِعْمَ ما أمرت به. فحفر كل رجل لنفسه حفرة، ثم قعدوا ينتظرون الموت عطشًا) (٢) لقد كان ذلك الرأي سقيمًا، إنه انتحار بطىء سببه تلك الخصومة والضيق الذي لا مبرر له إلا حب الرياسة والشرف عند أولئك العرب، لقد أحس عبد المطلب بفساد ذلك الرأي فصاح في تلك الجثث الملقاة في اللُّحُود: (والله إن إلقاءنا بأيدينا هكذا للموت لا نضرب في الأرض، ولا نبتغى لأنفسنا؛ لَعَجْزٌ .. فعسى الله أن يرزقنا ماءً ببعض البلاد: ارْتَحِلُوا. فارتحلوا، حتى إذا بعث (٣) عبد المطلب راحلته انفجرت من تحت خفها عين ماء عذب، فكبر عبد المطلب، وكبر أصحابه، ثم نزل فشرب

стр. 10

وشرب أصحابه، واستسقوا حتى ملأوا أسقيتهم. ثم دعا قبائل قريش، وهم ينظرون إليهم في جميع هذه الأحوال. فقال: هلموا إلى الماء، فقد سقانا الله، فجاءوا فشربوا واستقوا كلهم. ثم قالوا: قد والله قضي لك علينا، والله ما نخاصمك في زمزم أبدًا، إن الذي سقاك هذا الماء بهذه الفلاة (١) هو الذي سقاك زمزم، فارجع إلى سقايتك راشدًا، فرجع ورجعوا معه، ولم يصلوا إلى الكاهنة، وخلوا بينه وبين زمزم) (٢). رجع عبد المطلب بقسمة الله لا بقسمة الكاهنة وتمتماتها .. وأرجع الله بنبع الماء البارد الحياة إلى جثث التحفت بقبورها .. وقادتهم ناقة عبد المطلب إلى مكة يحملون على عيسهم بعض الماء والتسليم بحق عبد المطلب وزعامته. إنه الآن يتولى سقاية زمزم .. بئر جده إسماعيل ﵇.

стр. 11

جده إسماعيل صاحب البئر .. وأول من شرب منها رغم أنه لم يحفرها لكنها من أجله تفجرت. جده إسماعيل هو أول من جاء مكة من أجداد عبد الطلب .. بل هو أول من سكن مكة .. عندما وصل إليها كان طفلًا محمولًا .. كان رضيعًا .. لكن مكة كانت أكثر طفولة ... كانت أرضًا عراء .. جدرانها جبال .. كانت واديًا بلا شجر بلا حياة .. بلا بشر .. تمر بها القوافل فلا تتوقف .. والرياح أيضًا كانت تمر فلا تتوقف .. لكن رفقة طيبة توقفت .. رفقة طاهرة قادمة من البعيد البعيد .. تعلو مع الدروب وتنخفض .. تعبر الفيافي والقفار .. تعبر المفاوز والرمال وتشق أمواج السراب. امرأة طاهرة .. اسمها: هاجر .. جاء بها زوجها الخليل ﵇. [جاء بها إبراهيم وبابنها إسماعيل وهي ترضعه حتى وضعهما عند البيت (١) عند دوحة (٢) فوق زمزم في أعلى المسجد وليس بمكة يومئذ أحد وليس بها ماء فوضعهما هنالك ووضع عندهما جرابًا فيه تمر وسِقاء فيه ماء، ثم قفى إبراهيم منطلقًا، فتبعته أم إسماعيل؛ فقالت: يا إبراهيم، أين تذهب وتتركنا بهذا الوادي الذي ليس به أنيس ولا شيء؟ فقالت له ذلك مرارًا وجعل لا يلتفت إليها .. فقالت له: الله أمرك بهذا؟ قال: نعم. قالت: إذًا لا يضيعنا. ثم رجعت. فانطلق إبراهيم حتى إذا كان عند

стр. 12

الثنية حيث لا يرونه استقبل بوجهه البيت ثم دعا بهؤلاء الدعوات ورفع يديه فقال: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ﴾ (١). وجعلت أم إسماعيل ترضع إسماعيل وتشرب من ذلك الماء، حتى إذا نفذ ما في السقاء عطشت وعطش ابنها، وجعلت تنظر إليه، يتلوى، يتلبط، فانطلقت كراهية أن تنظر إليه فوجدت (الصفا) (٢) أقرب جبل في الأرض يليها فقامت عليه، ثم استقبلت الوادي تنظر هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا. فهبطت من الصفا حتى إذا بلغت بطن الوادي (٣) رفعت درعها (٤) ثم سعت سعي الإنسان المجهود، حتى جاوزت الوادي ثم أتت (المروة) (٥) فقامت عليها ونظرت هل ترى أحدًا، فلم تر أحدًا، فعلت ذلك سبع مرات. قال النبي ﷺ : "فلذلك سعى الناس بينهما". فلما أشرفت على المروة سمعت صوتًا فقالت: صه .. فإذا هي بالملك عند موضع زمزم، فبحث بعقبه -أو بجناحه- حتى ظهر الماء، فجعلت تحوضه (٦)، وتقول بيدها هكذا .. وجعلت تغرف من الماء في سقائها وهو يفور بعد ما تغرف.

стр. 13

قال النبي ﷺ : "يرحم الله أم إسماعيل، لو تركت زمزم -لو لم تغرف من الماء- لكانت زمزم عينًا معينًا". فشربت وأرضعت ولدها. فقال لها الملك: لا تخافي الضيعة فإن ها هنا بيتًا لله، يبنيه هذا الغلام وأبوه، وإن الله لا يضيع أهله. وكان البيت مرتفعًا من الأرض كالرابية، تأتيه السيول فتأخذ عن يمينه وعن شماله .. فكانت كذلك حتى مرت بهم رِفْقَةٌ من جُرْهُم، أو أهل بيت من جرهم (١)، مقبلين من طريق كداء، فنزلوا في أسفل مكة، فرأوا طائرًا عائفًا فقالوا: إن هذا الطير ليدور على ماء، لعهدنا بهذا الوادي وما فيه ماء، فأرسلوا جريًا أو جريين (٢)، فإذا هم بالماء فرجعوا فأخبروهم بالماء فأقبلوا. وأم إسماعيل عند الماء، فقالوا: أتأذنين لنا أن ننزل عندك؟ قالت: نعم .. ولكن لا حق لكم في الماء عندنا. قالوا: نعم. قال النبي ﷺ : "فألفى ذلك أم إسماعيل وهي تحب الأنس، فنزلوا وأرسلوا إلى أهليهم فنزلوا معهم، حتى إذا كان بها أهل أبيات منهم". وشب الغلام وتعلم العربية منهم، وأنفسهم، وأعجبهم حين شب، فلما أدرك زوجوه امرأة منهم. وماتت أم إسماعيل، فجاء إبراهيم بعد ما تزوج إسماعيل يطالع تركته، فلم يجد إسماعيل، فسأل امرأته عنه، فقالت: خرج يبتغي لنا. ثم سألها عن عيشتهم وهيئتهم، فقالت: نحن بِشرٍ، نحن في ضيق وشدة وشكت إليه. قال: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ وقولي له يغير عتبة بابه.

стр. 14

فلما جاء إسماعيل كأنه آنس شيئًا فقال: هل جاءكم من أحد؟ فقالت: نعم جاءنا شيخ كذا وكذا، فسألنا عنك فأخبرته، وسألني: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنا في جهد وشدة. قال: فهل أوصاك بشىء؟ قالت: نعم .. أمرني أن أقرأ عليك السلام، ويقول لك: غيِّرْ عتبة بابك. قال: ذاك أبي .. وقد أمرني أن أفارقك فالحقي بأهلك، وطلقها وتزوج منهم أخرى. ولبث عنهم إبراهيم ما شاء الله، ثم أتاهم بعد فلم يجده، فدخل على امرأته فسألها عنه: فقالت: خرج يبتغي لنا. قال: كيف أنتم؟ وسألها عن عيشهم وهيئتهم .. فقالت: نحن بخير وسَعَة، وأثنت على الله ، فقال: ما طعامكم؟ قالت: اللحم. قال: ما شرابكم؟ قالت: الماء. قال: اللَّهم بارك لهم في اللحم والماء. قال النبي ﷺ : "ولم يكن لهم يومئذ حَبٌّ .. ولو كان لهم حب لدعا لهم فيه". قال ابن عباس: فهما لا يخلو عليهما (١) أحد بغير مكة إلا لم يوافقاه. قال إبراهيم ﵇: فإذا جاء زوجك فاقرئي ﵇ ومريه: يثبت عتبة بابه. فلما جاء إسماعيل قال: هل أتاكم من أحد؟ قالت: نعم. أتانا شيخ حسن الهيئة -وأثنت عليه- فسألني عنك فأخبرته .. فسألى: كيف عيشنا؟ فأخبرته أنَّا بخير. قال: فأوصاك بشيء؟ قالت: نعم. وهو يقرأ عليك السلام. ويأمرك أن تثبت عتبة بابك. قال: ذاك أبي، وأنت العتبة .. أمرني أن أمسكك.

стр. 15

ثم لبث عنهم ما شاء الله .. ثم جاء بعد ذلك وإسماعيل يبري نبلًا له تحت دوحة قريبًا من زمزم .. فلما رآه قام إليه، فصنعا كما يصنع الوالد بالولد، والولد بالوالد. ثم قال: يا إسماعيل .. إن الله أمرني بأمر. قال: فاصنع ما أمرك به ربك. قال: وتعينني؟ قال: وأعينك. قال: "فإن الله أمرني أن أبني ها هنا بيتًا .. وأشار إلى أكمة (١) مرتفعة على ما حولها". فعند ذلك رفعا القواعد من البيت، فجعل إسماعيل يأتي بالحجارة وإبراهيم يبني، حتى إذا ارتفع البناء جاء بهذا الحجر فوضعه له .. فقام عليه وهو يبني .. وإسماعيل يناوله الحجارة وهما يقولان: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العلم" فجعلا يبنيان حتى يدورا حول البيت .. وهما يقولان: "ربنا تقبل منا إنك أنت السميع العلم"] (٢) هذه هي قصة قدوم إبراهيم وهاجر وابنهما إسماعيل عليهم الصلاة والسلام .. وهذه هي بداية الكعبة المشرفة التي أمر الله ببنائها. وفي ذلك يقول : ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦) وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا

стр. 16

مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ (١). وكان لإبراهيم وابنه إسماعيل ﵉ قصة أخرى .. ليس فيها بناء .. بل فيها الصبر والدماء .. فقد رأى إبراهيم في منامه أنه يذبح ابنه .. ورؤيا الأنبياء وحي من الله .. فكانت هذه الأحداث التي يقول الله عنها: ﴿فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ (١٠٢) فَلَمَّا أَسْلَمَا وَتَلَّهُ لِلْجَبِينِ (١٠٣) وَنَادَيْنَاهُ أَنْ يَا إِبْرَاهِيمُ (١٠٤) قَدْ صَدَّقْتَ الرُّؤْيَا إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (١٠٥) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْبَلَاءُ الْمُبِينُ (١٠٦) وَفَدَيْنَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ (١٠٧)﴾. (٢) وكان هذا الذبح كبشًا افتدى الله به نبيه إسماعيل .. وحفظ به نسله من الانقطاع. سافر إبراهيم .. وماتت هاجر .. وبقي إسماعيل في مكة حتى مات .. ودفن هناك .. ومرت الأيام على بيت الله وكعبته، وسلالة إسماعيل تحيط بها وتوحد الله .. وتحج بيته الحرام لا تشرك به شيئًا. نعم لا تشرك به شيئًا .. حتى خرج ذلك المخرب .. ذلك الشيطان المسمى بـ: عمرو بن لحي .. فأعاد غرس الشك في أرض مكة وقلوب أهلها .. وانحرف بهم وبغيرهم عن توحيد الله الذي من أجله بعثت كل الرسل .. وأنزلت كل الكتب السماوية .. (عمرو بن لحي بن عامر الخزاعي، يجر قصبه في النار .. وكان أول

стр. 17

من سيب السوائب وبحر البحيرة) (١) وهي شياه وبهائم تترك للآلهة لا تُمَسُّ ولا تُحْلَب .. غصَّت مكة بالشرك والأصنام .. وشكت الكعبة مما نصب على ظهرها .. وانحرف بنو إسماعيل عن توحيد ربهم الواحد الأحد وعن ملة أبيهم إبراهيم .. وكان آخرهم: عبد المطلب الذي حاز الزعامة والشرف .. وحاز بئر زمزم .. ولكنه لم يحز بعد كل أحلامه .. لقد كان يحلم وينذر .. كان يحلم بعشرة وذبيح تَلَفَّت عبد المطلب فوجد الناس تنظر إليه .. تحبه وتجله وتحمله في قلوبها .. وتَلَفَّت ثانية وثالثة .. ونظر وراءه فلم يجد خلفه إلا ابنه الحارث .. فرفع رأسه إلى السماء يخاطب خالقها الكريم الذي ساق له المجد .. أن يقر عينه بأخوةٍ للحارث، وظل يدعو ويدعو .. يخاطب الناس حوله .. يشهدهم ويقول لهم إنه (قد نذر إن توافى له عشرة رهط (٢) أن ينحر أحدهم، فحقق الله له ما أراد، ولما توافى العشرة أقرع بينهم أيهم ينحر، فطارت القرعة على عبد الله بن عبد المطلب - وكان أحب الناس إلى عبد المطلب. فقال عبد المطلب: اللَّهم هو أو مائة من الإبل. ثم أقرع بينه وبن الإبل، فطارت القرعة على المائة من الإبل) (٣)

стр. 18

إن الله يعطى بلا ثمن .. يرزق من يشاء بغير حساب .. ليس بحاجة لدماء ذلك الطفل الصغير .. لكن والده شدد فشدد الله عليه .. فأصابه بأغلى ولده فلم ينجه من ورطته إلا مائة من الإبل .. انتشلت ذلك الصغير من السكين ليعيش بقية عمر قصير .. منقوشًا في التاريخ ما بقيت الجبال على ثباتها والأرض على استقرارها. الزواج تربى عبد الله ذلك الطفل الوديع في قلب عبد المطلب .. وتربع فيه .. وبلغ مبلغ الرجال دون أن يعرفه قومه بطيش أو سفه .. كأني به هادئ كثير الصمت والتأمل .. مليء بالانتظار .. ليس في حياته ما يثير .. كان كالعالم من حوله ينتظر وينتظر .. ويبحث عن زوجة له في بيوتات مكة ويسأل .. فكانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف هي الحبيبة .. وهي الاجابة. تزوجا .. فكان الحب .. وامتلأ بيتهما الصغير بالبهجة .. وبالشباب الغض الحالم بحياة بيضاء فسيحة .. مليئة بالربيع والأطفال والجمال ..

стр. 19

ولم يكن هذا الشاب يدري أن القضاء أقوى منه .. ومن فدية أبيه .. لم يكن يدري أن تلك الأحلام الراقصة في مخيلته كانت لغيره .. إنها للعالم أجمع .. أما هو فتوشك أن تدلف بيته الصغير سحابة سوداء .. مشبعة بالحزن والدموع والنواح .. فعبد الله الذي فر من الموت بمائة من الإبل يسعى إلى حياضه على واحد منها .. امتطى راحلته وتوجه نحو يثرب .. حيث كان الموت في انتظاره ليسكنه في أحد مقابرها .. بعيدًا عن عبد المطلب .. بعيدًا عن مكة .. بعيدًا عن آمنة الحزينة .. التي كانت تحمل أمانة عبد الله وأحلام عبد الله .. جنينًا يتيم قبل أن يرى هذه الدنيا. كانت مكة تتساءل: أحقًا مات عبد الله؟ كأني بعبد المطلب والفاجعة أفقدته صوابه يسأل القادمين من يثرب فردًا فردًا .. يعترض قوافلهم .. يتعلق بأزمة مطاياهم .. علّه يسمع تكذيبًا لما سمع .. علّ أحد المسافرين يصيح بوجهه فيقول: أبشر فعبد الله لم يمت ما زال حيًا .. وهو قادم إليك .. لكن صمت القوافل كان يحمل أنفاس عبد الله الأخيرة تودع هذه الدنيا .. وتودع عبد الطلب .. لينثني ذلك الشيخ الكظيم طاويًا حرقته بين أضلاعه .. يحاول دفع ما به من حزن فتفضحه عيناه أمام آمنة المفجوعة .. فتبكي حبيبها الذي قبض بعيدًا عنها .. وفارقها في وقت كانت تحترق لعودته .. تشتاق لرجوعه محملًا بالحب والهدايا وحكايات السفر. الحيرة والوجوم يملآن مكة لهفًا على عبد الله .. لكن ذلك لم يدم طويلًا فقد جاء:

стр. 20

الفيل يمزق السكون لم يطل ذلك الوجوم في مكة .. فسرعان ما تفجر الخوف من جبالها .. وانتفضت بطحاؤها هلعًا .. فمكة اليوم تئن تحت أقدام فيل مخيف .. وحراب جيش ضخم زاحف لهدم بيت الله الحرام وطحنه .. كان ذلك الجيش يرج مكة من أقصاها إلى أقصاها .. ومن عبيدها إلى ساداتها .. كأنما كان يدحرج أمامه جبال اليمن وسد مأرب معها. فتطاير أهل مكة فوق ذرى الجبال .. وتفرقوا بين الشعاب .. فالأمر فوق ما يحتملون .. ولكن سيد قريش عبد المطلب لم يهرب .. لقد ثبت لهم .. وحمل روحه بين كفيه لمساءلتهم. فقال لملكهم (١): (ما جاء بك إلينا، ما عناك يا ربنا، ألا بعثت فنأتيك بكل شيء أردت؟ فقال الملك: أخبرت بهذا البيت الذي لا يدخله أحد إلا آمن، فجئت أخيف أهله. فقال عبد المطلب: إنا نأتيك بكل شيء فارجع. فأبى إلا أن يدخله، وانطلق يسير نحوه، وتخلف عبد المطلب، فقام على جبل فقال: لا أشهد مهلك هذا البيت. وأَهَلَّ ثم قال: اللَّهم إن لكل إله ... حلال فامنع حلالك لا يغلبن محالهم ... أبدًا محالك

стр. 21

اللَّهم فإن فعلت ... فأمر ما بدالك فأقبلت مثل السحابة من نحو البحر، حتى أظلتهم طيرٌ أبابيل، التي قال الله تعالى: ﴿تَرْمِيهِمْ بِحِجَارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ﴾ (١). فجعل الفيل يعج (٢) عجًا .. فجعلهم .. كعصف (٣) مأكول) (٤). كانت حجارة حقيقية .. وكان عذابًا سماويًا محرقًا ومبيدًا لطاغوت من الطواغيت. كان هناك من لم يستطع الهرب .. كانت هناك آمنة تعاني من آلام الوضع .. ترى هل أقعدتها تلك الآلام .. ترى هل تركها أهلها وحدها لتلد

стр. 22

ابنها (في يوم الفيل) (١) .. وحيدًا .. تفرق قومه .. ومات أبوه .. والموت سيوف تحيط ببلده .. لا أدري ربما .. لكن الذي حدث أنما ولدت طفلًا .. ولدت حياة للعالم .. وموتًا للهمجية والضلال .. ولد محمَّد .. ومات أصحاب الفيل .. وعادت قريش لتجد البيت آمنًا .. تحميه الملائكة .. وأسراب الطيور .. (ولدت آمنة هذا اليتيم بعدما توفي أبوه) (٢) لكن كم كان بين وفاة والده ومولده؟ ليس هناك ما يعول عليه (٣) .. وكانت ولادته .. (يوم الاثنين) (٤) أحد أيام (شهر ربيع الأول) (٥) من عام الفيل .. وذلك قبل الهجرة بـ (٥٣) عامًا.

стр. 23

أساطير ومولد مولد محمَّد ﷺ حدث ما زال يهز الدنيا .. هو بشرى للقلوب وفرحة للأرواح .. وبداية الإنقاذ لهذه البشرية من تيه الرمضاء المهلكة .. وتحويل هذه الجموع العطشى وردها إلى النبع الذي أضاعته وفرطت فيه .. لكن ذلك لا يعني أن تتشقق المحبة في القلوب عن أساطير تتنامى وتتنامى حتى تعمى الأبصار وتحطم العقول. لقد أعمى الحب بعض السذج .. فصاروا يسقون حدث المولود بأمطار الأكاذيب .. فنشأت حوله الأساطير والخرافات. وجاءت الروايات الملفقة تشوه سيرة المصطفى ﷺ تشويهًا كاد يطيح بأحداث السيرة (١). لقد حدثنا أولئك الكذابون عنه ﷺ وهو طفل رضيع .. وأنه كان يناغي القمر فحيثما أشار إليه اتجه .. كان يلعب به في مساحات الليل والفضاء. وكذبوا علينا فقالوا: إن النجوم دنت من الأرض عند مولده .. وكذبوا وكذبوا فقالوا: إنه كان هناك لوح من الذهب كتبت عليها أشعار عند رأس أمه يوم مولده. لقد أسرف أولئك وتجنوا على الأجيال التي تنتظر الحقيقة .. تنتظر الحدث كما حدث .. لقد ركبوا موجة التهويل والعواطف التي لا لجام لها .. فكان ذلك الشرخ العظيم في حياة الأمة وبَعْثَرة طاقاتها وأموالها في احتفالات لا سند لها إلا تلال الأكاذيب

стр. 24

والأساطير المختلفة تنحدر منها البدع .. ينحدر منها العفن فتشوه ذلك النبع وتلك العقيدة التي تركها ﷺ صافية مثل البيضاء. إن تلك الغيوم الأسطورية لم تستطع أن تحجب شمس الحقيقة .. فلقد بقيت الأحداث الحقيقية كما هي دون تحريف .. دون مساس .. وكان منها: طلوع نجم أحمد هناك رآه بعض المنتظرين بشوق .. هناك في يثرب حيث يرقد عبد الله تحت أطباق الثرى .. وقف رجل يتأمل السماء .. يتأمل النجوم .. كان يهوديًا .. وربما كان فلكيًا .. صرخ الرجل بقومه قائلًا: (يا معشر اليهود: فاجتمعوا إليه. قالوا: ويلك مالك؟ قال: طلع نجم أحمد الذي ولد به في هذه الليلة) (١). كادت تلك الصرخة اليهودية أن تتلاشى بين النجوم .. كادت أن تختفي في سراديب اليهود المظلمة .. لولا وجود طفل في السابعة أو الثامنة من عمره ساقه الله إليه وساقته أقدامه إلى موقع الحدث لينقله لنا بعد أن

стр. 25

كبر وشاخ .. ذلك الغلام هو مبدع الإِسلام وشاعره العظيم حسان بن ثابت .. إذًا فاليهود كان لديهم علم بمخرج نبي .. وكانوا يعرفون تاريخ مولده مقرونًا بحدث فلكي يظهر في السماء. ولم يكن هذا اليهودي هو الوحيد الذي رأى هذا النجم .. ففي مكة رجل حيران .. يقال له: زيد بن عمرو بن نفيل .. كان يحدق في الأصنام يتأملها وهي منصوبة فوق بيت الله .. فلا تزيده الأيام إلا اقتناعًا بتفاهتها وتخلف عقول أتباعها وعابديها .. إنها في نظره لا تعدو كونها حجارة صماء بكماء خرساء لا تقدم ولا تؤخر .. ضاقت بها مكة وضاق زيد بها .. فبحث له عن فسحة بين الفيافي والبطاح .. يتنفس فيها الحرية والتوحيد .. يبحث عن الحقيقة .. يفتش عنها أديرة العباد وصوامع الرهبان .. يسأل ويسأل ولا يكف عن السؤال ... حتى قذف به الطريق بين يدي حبر من أهل الشام .. فأمره بالعودة إلى مكة وقال: (قد خرج في بلدك نبي أو هو خارج، قد خرج نجمه، فارجع وصدقه واتبعه) (١). وهذا زيد بن ثابت يحدثنا فيقول: (كان أحبار يهود بني قريظة والنضير يذكرون صفة النبي ﷺ ، فلما طلع الكوكب الأحمر أخبروا أنه نبي، وأنه لا نبي بعده، واسمه أحمد،

стр. 26

مهاجره يثرب، فلما قدم رسول الله ﷺ المدينة أنكروا وحسدوا وكفروا) (١) إن اليهود يحملون علمًا غزيرًا وعظيمًا .. لكنهم لا يمررون منه إلا ما يخدمهم ويحكم قبضتهم .. وما سوى ذلك يخفونه خلف ألف قفل وباب. وقد حاولوا طمس نجم أحمد وإخماده لكنهم لم يفلحوا. التسمية قبل عبد الله .. وقبل عبد المطلب .. وقبل مئات السنين كان هذا المولد حروفًا .. وعدًا يتلفظ به الأنبياء يوصون به أممهم .. ويبشرون به .. عيسى بن مريم جاء إلى خراف بني إسرائيل الضالة ليهديهم .. ويقول لهم: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾. (٢) كشف الله هذا الغيب وبشر به .. وذكر اسمه في الإنجيل .. وفي التوراة من قبل الإنجيل .. ولهذا يقول ﷺ :"سميت أحمد" (٣) .. ولا أدري من هو

стр. 27

الذي حقق هذا الغيب ووفقه الله لهذا الأمر .. أهو جده عبد المطلب أم أمه آمنة بنت وهب .. ربما كان هاتفًا من السماء هتف باسمه لأمه ربما. ولكنه في النهاية سمي محمدًا .. أما: رضاعه وحضانته فكانت أمه آمنة هي أول من أرضع ابنها اليتيم .. تشاركها حضانته امرأة تدعى: أم أيمن، واسمها: بركة بنت ثعلبة بن عمرو .. وهناك امرأة ثالثة شاركت في رضاعه وهي أمَةٌ لعمه أبي لهب، واسمها: ثويبة. وقد (أرضعت ثويبة رسول الله ﷺ ، وأرضعت معه أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي) (١). هذا في بداية الأمر .. وبعد فترة من الزمن غشيت مكة مجموعة من نساء البادية يلتمسن الرزق عن طريق إرضاع أطفال قريش .. وكانت أقدامهن تتزاحم على أبواب من يبسط يديه بالعطاء الأكثر .. وربما كان باب عبد المطلب من الأبواب السخية التي تملأ الأكف بالدراهم .. وربما كان فقيرًا لا يستطيع منافسة غيره في حرية الانتقاء والاختيار لحفيده من بين تلك المرضعات .. ربما لم يكن في بيت آمنة ما يغري المرضعات على التوجه نحوه .. فيجتمع لهذا الصغير يتم مرير وفقر موجع (٢).

стр. 28

وأخيرًا استقر محمَّد اليتيم في أحضان (حليمة السعدية) .. شغفها حبًا وحملته على راحلتها ليسترضع في مضارب (بني سعد بن بكر) (١) قوم حليمة وأهلها .. وفي تلك المضارب بدأ محمَّد الصغير بالحبو .. ثم الوقوف على قدميه الصغيرتين .. وبدأ يلثغ ببعض الحروف والكلمات .. ويتعثر في بعضها بطريقة محبوبة .. ثم صار يمشي ويتحدث ويرعى الغنم .. كان طفلًا طاهرًا كأنفاس الصباح .. كحبات المطر .. اعتاد الخروج مع أخيه يسوقان الغنمات ويمرحان ويلعبان .. وعندما يقرصهما الجوع يُخرجان ما أعدته أمهما حليمة من زاد ليأكلانه فيسكن ما بهما من جوع .. كانت أيامًا تشع بالبراءة والجمال والبهجة .. لم يعكر صفوها سوى صراخ أخيه الصغير ذات صباح قائلًا: إن محمدًا قد قُتِل فما الذي حدث .. ولماذا يقتل طفل .. من الذي يستطيع اغتيال تلك البراءة في مرعى الغنم الأخضر؟ ما حدث هو أن الصباح أيقظ الطفلين .. فخرجا من الخباء خلف أغنامهما .. ولم يذكرا أنهما بلا زاد إلا عند وصولهما إلى المرعى .. وهناك التفت محمَّد الصغير ﷺ إلى أخيه فقال لأخيه: (يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم) (٢).

стр. 29

لقد أصبح هذا اليتيم بين البهم وحيدًا في الصحراء فهل حدث له شىء؟ نعم شُقَّ صدره لقد جرى لهذا اليتيم شيء لا يجري لغيره .. دعونا نستمع إليه وهو يحدثنا فيقول: (فبينا أنا في بهم لنا أتاني رجلان، عليهما ثياب بيض، معهما طست من ذهب مملوء ثلجًا، فأضجعاني فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه، فأخرجا منه علقة سوداء، فألقياها، ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج، حتى إذا أنقياه رداه كما كان، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته. فوزننى فوزنتهم. ثم قال: زنه بمائة من أمته. فوزنى بمائة فوزنتهم. ثم قال: زنه بألف من أمته. فوزنني بألف فوزنتهم. فقال: دعه عنك، لو وزنته بأمته لوزنهم) (١). لقد شُقَّ صدر هذا الصغير بين غنماته حقًا .. بينما هو ينظر ما يفعله هذان الملكان به .. ولقد رأى رسول الله ﷺ أصحابه موضع الشق بعد النبوة. مما يؤكد أن هذه الحادثة حقيقة مادية .. كانت الطريقة التي تمت بها فوق إمكانات البشر وطاقاتهم وتصوراتهم .. يقول أنس بن مالك رضي

стр. 30

الله عنه: (إن رسول الله ﷺ أتاه جبريل ﵇ وهو يلعب مع الغلمان، فأخذه، فصرعه، فشق عن قلبه، فاستخرج القلب، فاستخرج منه علقة، فقال: هذا حظ الشيطان. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم، ثم لأَمَه، ثم أعاده في مكانه، وجاء الغلمان يسعون إلى أمه -يعني ظئره حليمة- فقالوا: إن محمدًا قد قتل، فاستقبلوه وهو منتقع اللون) (١). يقول أنس بن مالك مؤكدًا ذلك: "وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط في صدره ﷺ ) (٢). هذا ما حدث لمحمد الصغير ﷺ .. ولقد ازداد إعجاب بعض الناس بهذه الحادثة .. فصاروا يلفقون حولها الأكاذيب ظنًا منهم أنهم يحيطون نبيهم بشيء من التكريم والتعظيم .. وهو أغنى الناس عنهم وعن أكاذيبهم (٣) .. كما شطح على الطرف الآخر أناس تطرفوا فقالوا: إن هذا الشق كان حلمًا وليس حقيقة .. فبماذا تراهم يفسرون لنا قول أنس السابق: من أنه رأى أثر المخيط .. ؟ نعم لقد رآه .. ولقد صدق. ولقد حدث. وهذا ما جعل حليمة بعد سماعها للقصة تعيد محمدًا ﷺ لأمه خوفًا عليه .. أتراها تعيده من أجل رؤيا .. ثم هؤلاء الصبية الذين أقبلوا يقولون: إن محمدًا قد قتل .. هل كانوا في الحلم .. هل دسهم محمَّد ﷺ قبل نومه في عقله الباطن .. ؟! لئن هربت عقولنا من كل حديث صحيح النقل لمجرد أننا لم ندركه إن تلك لكارثة (٤).

стр. 31

عاد محمَّد الصغير إلى أحضان آمنة .. ترعاه وتحنو عليه .. تحدثه ويحدثها تلاعبه ويلاعبها .. وتقص عليه وتملأ دنياه ويملأ دنياها .. فأي براءة كانت تشع في عيني ذلك الطفل الطاهر .. المغسول بالثلج في مرابع حليمة .. لا شيء كالأطفال براءة .. فتخيل براءة محمَّد ﷺ وهو صغير .. يا لبهجة آمنة وسعادتها به .. ويا لشقاءه بها وحزنه عليها .. بعد أن أخذته معها متجهة به نحو أخواله في (يثرب) .. حيث قضى وقتًا هناك يمرح في طرقاتها ويتأملها .. وكأنه يقول: انتظريني يا يثرب .. فسأعود لأضع لك اسمًا جميلًا خالدًا كجمال التوحيد وخلوده. ثم رجعت آمنة بصغيرها إلى مكة .. وفي مكان يقال له الأبواء بين مكة والمدينة توقفت المطايا .. ونزلت آمنة عن ظهر الراحلة ونزل صغيرها وقد تعلقت عيناه بها وهي تتوجع وتئن أمامه .. فلا يستطيع منحها ما يخفف ألمها سوى نظرات حائرة خائفة .. وتزيد آلامها ويزيد أنينها، وتموت آمنة وتدفن أمام عينيه .. بعيدًا عن مكة .. بعيدًا عن عبد المطلب .. بعيدًا عن أعمامه .. تؤخذ آمنة منه .. وتوارى تحت أكوام التراب .. ويعود باكيًا وحيدًا حزينًا وقد تيتم مرة ثانية .. يعود إلى مكة .. يعود إلى ذلك البيت الصغير .. ويجول ببصره في أركانه الصامتة .. هنا كانت ترقد آمنة ..

стр. 32

وهنا كانت تعد له طعامه .. وهناك كانت تلاعبه وتسعى لإضحاكه عندما تقوده خطواته الصغيرة إليها باكيًا .. وفي هذا المكان كان يستحم بيديها. أيها البيت الصامت كالحداد لم يعد هناك صوت .. أيها البيت الصامت لم يعد هناك أم .. لم يعد هناك آمنة .. إنها ترقد هناك بالأبواء .. فيا للوعته ولهفه ويا حر قلبه عليها. ربما تنبه ليلة فلم يجدها بقربه ففاضت عيناه بالدمع .. وألجمه الحزن والحنين إليها .. أو ربما كان يسأل جده وأعمامه عنها فيتجرعون الصمت .. وتفيض أعينهم شفقة عليه وحزنًا، فتتيه عنهم الإجابة .. إن للطفل أسئلة ملحة ومحرجة .. فكيف بأسئلة طفل مفجوع أصابه الدهر بأبيه وأمه .. يسأل عنها ومتى ستعود وإلى أين ذهبت .. وهل ستتركه وحيدًا أم سيذهب إليها .. أسئلة كلها بث وانكسار متى ما حاصرتك خفضت رأسك وبكيت. لقد تعلق بها رغم أنه لم يحظ بقربها إلا سنوات قليلة .. مر ذات يوم بقبرها فرئي له بكاء لم يبكه من قبل .. يقول بريدة ﵁: (انتهى النبي ﷺ إلى رسم قبر فجلس، وجلس الناس حوله، فجعل يحرك رأسه كالمخاطب، ثم بكى فاستقبله عمر بن الخطاب ﵁، فقال: يا رسول الله ما يبكيك؟ فقال: هذا قبر آمنة بنت وهب، استأذنت ربي في أن أزور قبرها، فأذن لي، واستأذنته في الاستغفار لها، فأبى عليها، وأدركتني رقتها فبكيت.

стр. 33

فما رؤيت ساعة أكثر باكيًا من تلك الساعة) (١). ومرة يقول أبو هريرة رض الله عنه: (خرجنا مع رسول الله ﷺ ، حتى إذا كنا بودان قال: مكانكم حتى آتيكم. فانطلق، ثم جاءنا وهو ثقيل. فقال: إني أتيت قبر أم محمَّد) (٢)، وماذا يملك محمَّد لأمه سوى الدموع .. فهو مجرد نبي مرسل .. والأمر كله لله وحده .. فعليه الصبر والاحتساب .. كما صبر في صغره على مرارة اليتم ووحشته. في بيت عبد المطلب بعد رحيل آمنة .. امتدت يد جده عبد المطلب تفيض حنانًا إليه .. حمله إلى بيته حيث تربى في كنفه .. في كنف هذا الرجل الكريم الطباع .. صاحب الشرف وساقي الحجيج .. فكانت أولى خطواته في درب الرجولة .. شب محمَّد اليتيم يتحمل المسؤولية .. وكأن اليتم علمه أن الحياة لا تستحق شيئًا .. لكن لها جمالًا لا ينال إلا بالكفاح .. لقد أحبه عبد المطلب وهو يرى الرجولة تشع من إهابه .. فلم يرسله في حاجة إلا جاء بها .. ولم يأمره بأمر إلا قام بتنفيذه على الوجه الأكمل. إلا في يوم من أيام الحج .. حيث الأصابع تشير إلى عبد المطلب ساقي الحجيج وزعيم

стр. 34

قريش وسليل الأنبياء .. لكن عبد المطلب وسط الزحام مشغول .. مذهول يهرول نحو بيت الله لا يلوي على شيء .. وما أن أصبح بجوار الكعبة حتى رفع عقيرته يناجي ربه: (ربي رد إلي راكبي محمدًا ... يا رب رده واصطنع عندي يدًا) (١) شاهده أحد الحجاج الذين لا يعرفونه إلا بما تحمله الرواحل من أخبار .. لم يكن قد رآه من قبل .. ولا يعرف من هو، لكن حالته كانت تثير التساؤل .. فقال ذلك الغريب لمن حوله: (من هذا؟ فقالوا له: عبد المطلب بن هاشم، ذهب إبل له فأرسل ابن ابنه في طلبها، ولم يرسله في حاجة قط إلا جاء بها، وقد احتبس عليه، فما برحت حتى جاء محمَّد ﷺ ، وجاء بالإبل، فقال عبد المطلب لمحمد: يا بني لقد حزنت عليك حزنًا، لا تفارقني أبدًا) (٢). لم يفارق هذا الصغير جده .. ولم تكن أيامهما كلها رخاء وسعة ..

стр. 35

فلقد (تتابعت على قريش سنون جدبة (١) أقلحت (٢) الجلد وأرقت (٣) العظم) .. وبات الناس في شظف من العيش، بواد غير ذي زرع، كثير الحصى محاصر بالجبال .. طفلة صغيرة كانت تسوق بهمات لأهلها في تلك السنون الجافة .. فيجري لها أمر غريب، تحدثنا عنه فتقول: (بينا أنا ومعى صنوي (٤) أصغر مني، معنا بهمات (٥) لنا وربا، وأعبد، يردن على السحق (٦)، فبينا أنا راقدة -اللهم- أو مهمومة، إذا أنا بهاتف صيت، يصرخ بصوت صحل (٧)، يقول: يا معشر قريش، إن هذا النبي مبعوث منكم، وهذا أبان مخرجه، فحي هلا بالخير والخصب، ألا فانظروا منكم رجلًا طوالًا، وعظامًا، أبيض بضًا (٨)، أشم العرنين (٩)، له فخر يكظم عليه، وسنة تهدي إليه، ألا فليخلص هو وولده، وليدلف (١٠) إليه من كل بطن رجلًا، ألا فليشنوا (١١) من الماء، وليمسوا من الطيب إليه، وليستلموا الركن، وليطوفوا بالبيت سبعًا، ثم ليرتقوا أبا قبيس (١٢)،

стр. 36

فليستسق الرجل، وليؤمن القوم، ألا وفيهم الطاهر الطيب لذاته، ألا فغنمتم إذا ما شئتم وعشتم. قالت رقيقة: فأصبحت -علم الله- مفؤودة، مذعورة، قد قف (١) جلدي، ووله عقلي، فاقتصصت رؤياي، فنمت في شعاب مكة، فوالحرمة والحرم، وإن بقي بها أبطحي، إلا قال: هذا شيبة .. وتنامت عنده قريش، وانفض (٢) إليه من كل بطن رجل، فسنوا، وطيبوا، استلموا، وطافوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يرفون (٣) حوله ما إن يدرك سعيهم مهله حتى قر لذروته، ما ستكفوا جنابيه، ومعهم رسول الله ﷺ -وهو يومئذ غلام قد يفع أو كرب- فقام عبد المطلب فقال: اللَّهم ساد الخلة (٤) وكاشف (٥) الكربة، أنت عالم غير معلم، مسول غير منحل (٦)، وهذه عبداؤك، وإماؤك بعذرات حرمك -يعني أمنة حرمك- يشكون إليك سنتهم (٧) التي أقلحت الظلف (٨) والخف، فاسمعن اللَّهم وامطرن غيثًا مريعًا مغدقًا.

стр. 37

فما راموا البيت حتى انفجرت السماء بمائها، وكظ (١) الوادي بثجيجه، فلسمعت شيخان قريش، وهي تقول لعبد المطلب: هنيئًا لك يا أبا البطحاء - هنيئًا .. أي بك عاش أهل البطحاء، وفي ذلك تقول رفيقة بنت صفي: بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر فجاء بالماء جونى له سبل ... ودان فعاشت به الأمصار سبيل من الله بالميمون طائرة ... وخير من بشرت يومًا به مبارك الأمر يستسقى الغمام ... ما في الأنام له عدل ولا (٢) عادت الحياة خضراء في مكة .. واهتزت الأرض وربت بفضل ربها .. وضحك الربيع للجميع .. لكن السعادة لم تدم لمحمد .. فها هو بعد مدة ليست بالطويلة يبكي خلف سرير عبد المطلب بحرقة ومرارة .. لقد مات عبد المطلب جده وآخر آبائه.

стр. 38

في بيت أبي طالب حن أبو طالب بن عبد المطلب على هذا الحزن القابع خلف السرير .. ورق لحاله وكربه وبثه .. فحمله إلى بيته .. ورعاه كأنه من صلبه .. ينسيه وحدته ويتمه بمعاملة تذوب رحمة وحنانًا .. فكان يلازمه في كل مكان .. في مكة في مجالسها وطرقاتها .. كان رفيقه في بعض الرحلات .. وكانت رحلات قريش الشتوية تقصد اليمن .. والصيفية تتجه نحو الشام .. وللرحلتين أمن كأمن مكة .. ذكره الله فقال سبحانه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (١)، وفي إحدى تلك الرحلات جرت قصة بين: بحيرى والقافلة في صيف حار تحركت الركائب نحو الشام ومعها (خرج أبو طالب ومعه محمَّد ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب (بحيرى) هبطوا، فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج، ولا يلتفت إليهم، فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم، حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ ، فقال: هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، بعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ من قريش: وما علمك؟ فقال:

стр. 39

إنكم حين أشرفتم من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإني عرفته بخاتم النبوة، أسفل من غضروف كتفه. ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به- وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه: فأقبل وغمامة تظلله، فلما دنا من القوم، قال بحيرى: انظروا إليه، عليه غمامة، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه. قال بحيرى: انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. فبينما هو قائم عليهم -أي بحيرى- وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت، فإذا بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا: فاستقبلهم بحيرى، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. فقال بحيرى: فهل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا: لا، إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه، فقال بحيرى: أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ فقالوا: لا. فبايعوه، وأقاموا عنده، فقال بحيرى الراهب: أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا:

стр. 40

أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده) (١) إلى مكة خوفًا عليه بعد أن تأكد من صفاته: صفات النبي المنتظر. الأمين والغنم الناس وقود الحياة .. يكدحون .. يحترقون ليشعلوها .. ولم يكن محمَّد ﷺ شابًا خاملًا تتعثر به الحياة .. فيقتات من نسبه .. ويستطعم من شرفه .. لقد كان حياة للحياة .. يحمل فأسه لصخورها .. ويشق طريقه بذراع مفتول .. وجبين مرفوع .. وشباب متجدد .. تعاملت معه قريش كلها .. حتى اقتطع منها لقبًا طغى على كل اسم هو له .. ولم يكن ليحصل على ذلك اللقب لو كان قد رضي بالوقوف على أطلال آبائه وأجداده يُذكِّر من يمر بها ويكتفي .. لقد دخل عليهم وهم مجتمعون حول الكعبة .. فقالوا بصوت واحد: (أتاكم الأمين) (٢). الأمين .. نعم هذا هو اللقب- الاسم .. انتزعه من قلوبهم قبل أن يبذلوه له بألسنتهم .. لقد جربوه وخبروه .. والأمانة لا توهب إلا بعد التجارب .. وليس لدى محمَّد الشاب ما يبذله من مال أو سلطة ليرغمهم على قول ذلك .. لا سيما وهو أصغرهم سنًا .. بل وربما كان أفقرهم وأيتمهم. لقد ألجأه الفقر إلى أشقى المهن وأبسطها .. لقد كان يسير طوال نهاره
следующие страницы →