فليستسق الرجل، وليؤمن القوم، ألا وفيهم الطاهر الطيب لذاته، ألا فغنمتم إذا ما شئتم وعشتم.
قالت رقيقة: فأصبحت -علم الله- مفؤودة، مذعورة، قد قف (١) جلدي، ووله عقلي، فاقتصصت رؤياي، فنمت في شعاب مكة، فوالحرمة والحرم، وإن بقي بها أبطحي، إلا قال: هذا شيبة ..
وتنامت عنده قريش، وانفض (٢) إليه من كل بطن رجل، فسنوا، وطيبوا، استلموا، وطافوا، ثم ارتقوا أبا قبيس، وطفق القوم يرفون (٣) حوله ما إن يدرك سعيهم مهله حتى قر لذروته، ما ستكفوا جنابيه، ومعهم رسول الله ﷺ -وهو يومئذ غلام قد يفع أو كرب- فقام عبد المطلب فقال: اللَّهم ساد الخلة (٤) وكاشف (٥) الكربة، أنت عالم غير معلم، مسول غير منحل (٦)، وهذه عبداؤك، وإماؤك بعذرات حرمك -يعني أمنة حرمك- يشكون إليك سنتهم (٧) التي أقلحت الظلف (٨) والخف، فاسمعن اللَّهم وامطرن غيثًا مريعًا مغدقًا.
стр. 37
فما راموا البيت حتى انفجرت السماء بمائها، وكظ (١) الوادي بثجيجه، فلسمعت شيخان قريش، وهي تقول لعبد المطلب:
هنيئًا لك يا أبا البطحاء - هنيئًا .. أي بك عاش أهل البطحاء، وفي ذلك تقول رفيقة بنت صفي:
بشيبة الحمد أسقى الله بلدتنا ... وقد فقدنا الحيا واجلوذ المطر
فجاء بالماء جونى له سبل ... ودان فعاشت به الأمصار
سبيل من الله بالميمون طائرة ... وخير من بشرت يومًا به
مبارك الأمر يستسقى الغمام ... ما في الأنام له عدل ولا (٢)
عادت الحياة خضراء في مكة .. واهتزت الأرض وربت بفضل ربها .. وضحك الربيع للجميع .. لكن السعادة لم تدم لمحمد .. فها هو بعد مدة ليست بالطويلة يبكي خلف سرير عبد المطلب بحرقة ومرارة .. لقد مات عبد المطلب جده وآخر آبائه.
стр. 38
في بيت أبي طالب
حن أبو طالب بن عبد المطلب على هذا الحزن القابع خلف السرير .. ورق لحاله وكربه وبثه .. فحمله إلى بيته .. ورعاه كأنه من صلبه .. ينسيه وحدته ويتمه بمعاملة تذوب رحمة وحنانًا .. فكان يلازمه في كل مكان .. في مكة في مجالسها وطرقاتها .. كان رفيقه في بعض الرحلات .. وكانت رحلات قريش الشتوية تقصد اليمن .. والصيفية تتجه نحو الشام .. وللرحلتين أمن كأمن مكة .. ذكره الله فقال سبحانه: ﴿لإِيلَافِ قُرَيْشٍ (١) إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ (٢) فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (٣) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (٤)﴾ (١)، وفي إحدى تلك الرحلات جرت قصة بين:
بحيرى والقافلة
في صيف حار تحركت الركائب نحو الشام ومعها (خرج أبو طالب ومعه محمَّد ﷺ في أشياخ من قريش، فلما أشرفوا على الراهب (بحيرى) هبطوا، فحلوا رحالهم، فخرج إليهم الراهب، وكانوا قبل ذلك يمرون به فلا يخرج، ولا يلتفت إليهم، فنزل وهم يحلون رحالهم، فجعل يتخللهم، حتى جاء فأخذ بيد النبي ﷺ ، فقال:
هذا سيد العالمين، هذا رسول رب العالمين، بعثه الله رحمة للعالمين فقال له أشياخ من قريش:
وما علمك؟ فقال:
стр. 39
إنكم حين أشرفتم من العقبة، لم يبق شجر ولا حجر إلا خر ساجدًا، ولا يسجدون إلا لنبي، وإني عرفته بخاتم النبوة، أسفل من غضروف كتفه. ثم رجع فصنع لهم طعامًا، فلما أتاهم به- وكان هو في رعية الإبل، فقال: أرسلوا إليه:
فأقبل وغمامة تظلله، فلما دنا من القوم، قال بحيرى:
انظروا إليه، عليه غمامة، فلما دنا من القوم وجدهم قد سبقوه إلى فيء الشجرة، فلما جلس مال فيء الشجرة عليه. قال بحيرى:
انظروا إلى فيء الشجرة مال عليه. فبينما هو قائم عليهم -أي بحيرى- وهو ينشدهم ألا يذهبوا به إلى الروم، فإن الروم إن رأوه عرفوه بالصفة فقتلوه، فالتفت، فإذا بسبعة نفر من الروم قد أقبلوا: فاستقبلهم بحيرى، فقال:
ما جاء بكم؟ قالوا:
جئنا أن هذا النبي خارج في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بعث إليه ناس، وإنا أخبرنا خبره إلى طريقك هذه. فقال بحيرى:
فهل خلفكم أحد هو خير منكم؟ قالوا:
لا، إنما أخبرنا خبره إلى طريقك هذه، فقال بحيرى:
أفرأيتم أمرًا أراد الله أن يقضيه، هل يستطيع أحد من الناس رده؟ فقالوا: لا. فبايعوه، وأقاموا عنده، فقال بحيرى الراهب:
أنشدكم الله أيكم وليه؟ قالوا:
стр. 40
أبو طالب. فلم يزل يناشده حتى رده) (١) إلى مكة خوفًا عليه بعد أن تأكد من صفاته: صفات النبي المنتظر.
الأمين والغنم
الناس وقود الحياة .. يكدحون .. يحترقون ليشعلوها .. ولم يكن محمَّد ﷺ شابًا خاملًا تتعثر به الحياة .. فيقتات من نسبه .. ويستطعم من شرفه .. لقد كان حياة للحياة .. يحمل فأسه لصخورها .. ويشق طريقه بذراع مفتول .. وجبين مرفوع .. وشباب متجدد .. تعاملت معه قريش كلها .. حتى اقتطع منها لقبًا طغى على كل اسم هو له .. ولم يكن ليحصل على ذلك اللقب لو كان قد رضي بالوقوف على أطلال آبائه وأجداده يُذكِّر من يمر بها ويكتفي .. لقد دخل عليهم وهم مجتمعون حول الكعبة .. فقالوا بصوت واحد: (أتاكم الأمين) (٢). الأمين .. نعم هذا هو اللقب- الاسم .. انتزعه من قلوبهم قبل أن يبذلوه له بألسنتهم .. لقد جربوه وخبروه .. والأمانة لا توهب إلا بعد التجارب .. وليس لدى محمَّد الشاب ما يبذله من مال أو سلطة ليرغمهم على قول ذلك .. لا سيما وهو أصغرهم سنًا .. بل وربما كان أفقرهم وأيتمهم.
لقد ألجأه الفقر إلى أشقى المهن وأبسطها .. لقد كان يسير طوال نهاره
стр. 41
خلف الغنم (يرعاها على قراريط لأهل مكة) (١) مهنة شاقة تمارس بأجر بخس .. لكن أول شرط لممارستها (الأمانة) .. مهنة البسطاء وقادة الأرض والعظماء .. وهل هناك أعظم على وجه الأرض من نبي .. ومع ذلك (ما من نبي إلا وقد رعى الغنم) (٢) ربما لأن صورة القطيع من الماشية تشبه سير سواد الشعوب في العالم وهم يبحثون عن لقمة العيش .. ومهمة الراعي تتطلب البحث عن أوفر المراعي عشبًا وكلأً وإن لم يكن في هذه المراعي مستراحًا للراعى ورفاهية له .. كما تتطلب تلك المهنة حماية القطيع من أعدائه ومفترسيه .. إن الرعي بقدر ما يولد من القسوة والخشونة في حياة الراعي .. يهب له قلبًا حنونًا عطوفًا على رعيته .. والأنبياء قادة تتوفر فيهم هذه الصفات .. فربما كان لهذه المهنة تأثيرها في ذلك .. ربما.
وبعيدًا عن مهنة الرعي القاسية .. حيث العواطف والغرائز والأحلام .. ماذا عن:
الشباب والنساء
كان الأمين يخالط الشباب ويعيش بينهم .. ويسمع بمغامراتهم في ارتياد كهوف البغاء .. والقصف في الخمارات .. لكنه كان يرتفع عما يسيء إلى اسمه ورجولته .. ولو كان ذلك مما لا تحرمه أعراف قريش .. والأمر عنده لا يتعدى دائرة حديث النفس والأماني لا أكثر .. إنه يتحدث عن تلك الأمور التي خطرت عندما كان يمسك بعصاه يهش بها على غنمه:
(ما هممت بشيء مما كان أهل الجاهلية يهمون به من النساء، إلا
стр. 42
ليلتين، كلتاهما عصمني الله تعالى منهما، قلت ليلة لبعض فتيان مكة -ونحن في رعاية غنم أهلنا- فقلت لصاحبي:
أبصر لي غنمي حتى أدخل مكة، فأسمر فيها كما يسمر الفتيان. فقال: بلى. فدخلت حتى إذا جئت أول دار من دور مكة، سمعت عزفًا بالغرابيل والمزامير. فقلت:
ما هذا؟ فقيل:
تزوج فلان فلانة، فجلست انظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظني إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي، فقال:
ما فعلت؟ فقلت:
ما فعلت شيئًا. ثم أخبرته بالذي رأيت. ثم قلت له ليلة أخرى:
أبصر لي غنمي حتى أسمر بمكة. ففعل، فدخلت، فلما جئت مكة سمعت مثل الذي سمعت تلك الليلة، فسألت، فقيل:
فلان نكح فلانة، فجلست انظر، وضرب الله على أذني، فوالله ما أيقظى إلا مس الشمس، فرجعت إلى صاحبي فقال:
ما فعلت؟ قلت:
لا شيء. ثم أخبرته الخبر، فوالله ما هممت، ولا عدت بعدها لشيء حتى أكرمني الله بنبوته) (١).
стр. 43
إن أناسًا تعلوهم الغرائز .. وتلوي أعناقهم الشهوات .. فيجهدون في الحصول عليها دون أن يوقفهم نداء ناصح .. أو زجر زاجر .. يبذلون الأموال كالخطوات .. حتى يظفروا بسويعات حمراء وخيمة العواقب .. فهل سيوقفهم صوت دف أو مزمار .. لكن محمدًا أوقفته حفلة عرس .. وهدهدته حتى نام .. لأنه مهذب أتعبته هموم العمل والتزام الوظيفة .. تشققت قدماه من صخور الجبال وأدمتها أشواك الصحاري .. فأمسى مكدود البال منهك القوى .. ييحث عن ساعة يتنفس فيها بهجة ومرحًا .. فلاحَ له من حديث رفاقه الشباب ما قد يهب له ذلك .. فلما مر بذلك الزفاف وجد فيه من اللهو البريء ما أزاح ركام الهم عن قلبه ليبقى مشرعًا للسرور والابتهاج .. ولم تكن المرأة بعد ذلك بعيدة عن خياله وأحاسيسه .. وكان -كأي شاب سوي- بحاجة إلى فتاة تملأ بيته وحياته بالحب والعفاف وتمسح عن جبينه همومًا تقذف بها يوميات مكة المتعبة .. لكنه لم يجد فتاة بل وجد:
خديجة
بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي .. امرأة ذات نسب وجمال .. ولها من المال شيء وفير .. سمعت عن محمَّد بن عبد الله فشدها
стр. 44
ما سمعت ... أمانة ورجولة واتزان .. فتمنته زوجًا رغم كبر سنها بالنسبة إليه .. ورغم زواجها من قبل .. وتم لها ما أرادت .. لكن أباها كان عقبة تحاول إعثار هذا الزواج .. لكن حب خديجة وذكاءها كانا أكبر من تخريفات عجوز لا يدري ما يخرج من رأسه .. لقد ملك عليها محمَّد شغاف قلبها .. فأعدت لوالدها حلًا لا ثاني له.
يقول ابن عباس ﵁:
(إن رسول الله ﷺ ذكر خديجة -وكان أبوها يرغب عن أن يزوجه، فصنعت طعامًا وشرابًا، فدعت أباها وزمرًا من قريش، فطعموا وشربوا حتى ثملوا، فقالت خديجة لأبيها: إن محمَّد بن عبد الله يخطبني فزوجني إياه. فزوجها إياه. فخلقته، وألبسته حلة -وكذلك كانوا يفعلون بالآباء- فلما سرى عنه سكره، نظر فإذا هو مخلق وعليه حلة، فقال:
ما شأني هذا؟ قالت خديجة:
زوجتني محمَّد بن عبد الله. قال:
أُزَوِّج يتيم أبي طالب؟ لا لعمري، فقالت:
أما تستحي، تريد أن تسفه نفسك عند قريش، تخبر الناس أنك كنت سكران، فلم تزل به حتى رضي) (١) وأذعن للأمر الواقع. أما محمَّد ﷺ فلم
стр. 45
يكن صاحب شهوة عارمة، وإلا لكان له في صغيرات قريش ما يريد، لكنه يريد بيتًا واستقرارًا وحياة زوجية سعيدة ليواصل حياته و:
يبني الكعبة ويضع الحجر الأسود
لما بلغ ﷺ الخامسة والثلاثين .. كانت الكعبة في هيئة تحتاج إلى ترميم وإصلاح .. فقد كانت (مبنية بالرضم (١)، ليس فيها مدر (٢)، وكانت قدر ما يقتحمها العناق (٣)، وكانت غير مسقوفة، وإنما توضع ثياب عليها، ثم يسدل سدلًا عليها، وكان الركن الأسود موضوعًا على سورها، باديًا، وكانت ذات ركنين، كهيئة هذه الحلقة (٤)، فأقبلت سفينة من أرض الروم، حتى إذا كانوا قربًا من جدة انكسرت السفينة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا روميًا عندها، فأخذوا الخشب، أعطاهم إياه، وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الرومي الذي في السفينة نجارًا، فقدموا بالخشب، وقَدِمُوا بالرومي، فقالت قريش:
نبني بهذا الخشب بيت ربنا، فلما أن أرادوا هدمه، إذا هُمْ بحية على سور البيت، مثل قطعة الجائز، سوداء الظهر، بيضاء البطن، فجعلت كلما دنا أحد من البيت ليهدمه، أو يأخذ من حجارته سعت إليه فاتحة فاها،
стр. 46
فاجتمعت قريش عند الحرم، فعجوا (١) إلى الله، وقالوا: ربنا لم نرع، أردنا تشريف بيتك وترتيبه، فإن كنت ترضى بذلك وإلا فما بدا لك فافعل.
فسمعوا خوارًا (٢) في السماء، فإذا هم بطائر أعظم من النسر، أسود الظهر وأبيض البطن والرجلين، فغرز مخالبه في قفا الحية، ثم انطلق يجرها، وذَنَبُها أعظم من كذا، وكذا، ساقط حتى انطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعًا) (٣) وكان محمَّد ﷺ يشاركهم في ذلك البناء، وكان ممّن ينقل الحجارة من الوادي، عندما ناداه مناد لا يعرفه ولا يستطيع أن يراه، وكان سبب النداء، أنه عندما كان (يحمل حجارة من أجياد -وعليه نمرة (٤) - إذ ضاقت عليه النمرة، فذهب يضع النمرة على عاتقه، فبدت عورته من صغر النمرة فنودي: يا محمَّد، خَمِّر (٥) عورتك. فلم يُرَ عريانًا بعد ذلك) (٦).
стр. 47
وربما كان هذا هو
النداء الأول لمحمد ﷺ
قبل النبوة فقد جاء ذلك في وصف الكعبة وبنائها، وأنه (كان برضم (١) يابس ليس بمدر، تتروه العناق، وتوضع الكسوة على الجدار، ثم تدلى، ثم إن سفينة لروم أقبلت، حتى إذا كان بالشعيبة انكسرت، فسمعت بها قريش، فركبوا إليها، وأخذوا خشبها، ورومي يقال له: باقوم. نجار، بان (٢)، فلما قدموا مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا ، واجتمعوا لذلك، ونقلوا الحجارة، من أجياد الضواحي، فبينا رسول الله ﷺ ينقل إذ انكشفت نمرته فنودي: يا محمَّد عورتك. فذلك أول ما نودي والله أعلم، فما رؤيت له عورة بعد) (٣).
وكان الذي أشار عليه ﷺ برفع إزاره هو عمه العباس ﵁، فقد قال له: (يا ابن أخي، لو حللت إزارك فجعلته على منكبيك دون الحجارة. ففعل ذلك، فسقط مغشيًا عليه، فما رؤي بعد ذلك اليوم عريانًا) (٤).
وقد شهد العباس هذه الحادثة، وكتمها، لم يقصها إلا بعد زمن طويل على ابنه عبد الله فقال: (كنت أنا وابن أخي -محمَّد ﷺ ننقل
стр. 48
الحجارة على رقابنا، وأزرنا تحت الحجارة، فإذا غشينا (١) الناس ائتزرنا، فبينا هو أمامي خر على وجهه منبطحًا، فجئت أسعى إليه، وألقيت حجري -وهو ينظر إلى السماء- فقلت: ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره، وقال: نُهيت أن أمشي عريانًا. فكنت أكتمها مخافة أن يقولوا مجنون) (٢).
وارتفعت الكعبة من جديد .. وشمخت شموخ التوحيد .. تشير بوحدانية الله .. وابتهجت قريش بصنيعها وترتيب بيت ربها .. ولم يبق سوى رد الحجر الأسود إلى مكانه .. ووضعه في زاويته من الكعبة .. فمن سيعيده .. من سيضعه .. من هو الأحق بهذا الشرف؟ إن بناء الكعبة واسع لدرجة استيعاب الآلاف للمشاركة فيه ونيل شرفه .. لكن الحجر الأسود لا يحتمل أكثر من أذرع قليلة تحمله.
اختلفت بطون قريش .. وحق لها أن تختلف في مثل ذلك الزمن المتكئ على تلك العقول المتصخرة التي لا تحل الأمور الصعبة إلا بأسنَّة الرماح .. وأنهار الدماء .. ألم يحدثنا التاريخ عن حروب دامت عشرات السنين وثار غبارها من أجل سنام جمل أو مضمار خيل.
стр. 49
إن جمال الدنيا وخيلها والخصومة عليها .. لا تطاول الخصومة على أقدس الأشياء التي احتلت قلوب العرب قبل أراضيها .. الكعبة والحجر الأسود.
فهل ستصبغ قريش كعبتها بدماء أبنائها .. هل هناك مخرج آخر لهذه الأزمة. لهذه الكارثة التي تطل من موضع الحجر.
كان الله رحيمًا بهؤلاء العرب عندما قرروا تحكيم أول رجل يدخل عليهم المسجد .. فكانت هذه القصة التي يرويها لنا شاهد عيان شارك وبنى وحضر الخصومة حيث يقول: إني كنت (فيمن يبني الكعبة في الجاهلية، ولي حجر أنا نحته بيدي أعبده من دون الله، فأجيء باللبن الخاثر، الذي أنفسه على نفسى، فأصبه عليه، فيجيء الكلب، فيلحسه، ثم يشغر (١) فيبول. فبنينا حتى بلغنا الحجر، وما يرى الحجر منا أحد، فإذا هو وسط حجارتنا مثل رأس الرجل، يكاد يترايا منه وجه الرجل، فقال بطن من قريش: نحن نضعه. وقال آخرون: بل نحن نضعه. حتى كاد أن يكون بينهم قتال بالسيوف. فقالوا: اجعلوا بينكم حكمًا. قالوا: أول رجل يطلع من الفج (٢) فجاء النبي- ﷺ . فقالوا: أتاكم الأمين. فقالوا له. فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم، فأخذوا بنواحيه معه فوضعه هو) (٣) وبيده الكريمة
стр. 50
أوقف سيلًا من الدماء كاد أن ينفجر .. وفرقة بين أهل مكة كادت أن تبيدهم .. ساقه الله إليهم فلما لمحوه أشارت قلوبهم قبل أصابعهم: أتاكم الأمين. اسم انتزعه من مكة كلها من رجالها ونسائها وأطفالها .. من شوارعها وأزقتها .. من أبوابها وجدرانها .. من نسمات الهواء وحبات الرمل .. مكة كلها سمته الأمين.
سمته الأمين وهو يرعى أغنامها .. وسمته الأمين وهو يتعامل معها ولعل أشد الناس تأثرًا بأمانته وصدقه: صفيه وحبيبه وصديقه: عبد الله بن أبي قحافة الملقب بـ: أبي بكر .. لقد تأثر الجميع بأمانته لا سيما بعد أن بدأ:
يشتغل بالتجارة
فلقد كبر محمد وكبرت أمانته .. فترك رعي الأغنام ليدخل إلى عالم آخر .. عالم الاقتصاد .. ليبيع ويشتري .. ويربح .. ويتنامى نشاطه وماله وعلاقاته .. إنه الآن يقيم شراكة مالية متينة بينه وبين رجل من قومه اسمه: السائب بن أبي السائب .. وكان السائب ينافس أبا بكر في القرب منه ﷺ . يحدثنا عن ذلك السائب نفسه فيقول:
(أتيت النبي ﷺ فجعلوا يثنون علي ويذكروني، فقال رسول الله ﷺ : أنا أعلمكم يعنى به، قلت: صدقت بأبي أنت وأمي [مرحبًا بأخي وشريكي] (١) كنت شريكي [في الجاهلية] (٢) فنعم الشريك، كنت لا تداري ولا تماري) (٣).
стр. 51
إذًا فقد (كان شريك النبي ﷺ .. في التجارة) (١) وكان عنوان تجارته هو: الأمانة وإلا لما لقب بالأمين .. أصبح لدى محمد مال .. فاشترى عبدًا اسمه زيد بن حارثة (٢) لكنه لم يعامله معاملة غيره لعبيدهم .. كان زيد كالابن لمحمد .. بل سماه زيد بن محمد .. أدب وتحضر وأخلاق عذبة.
لقد أجلّه الجميع .. واحترمه الجميع .. وأحبه كل من عرفه .. ولم يقتصر هذا الحب على احتلال القلوب .. لقد انداح في كل اتجاه حتى لقد أحبته الأشجار والأحجار:
حتى الحجارة تحبه
حجارة صماء في مكة كانت تسلم عليه إذا مر بها .. فكان يحمل ذكراها في قلبه ويحدث بها أصحابه .. يحدثهم عن ذلك الحب فيقول: (إني لأعرف حجرًا بمكة كان يسلم علي قبل أن أبعث) (٣).
إن للكون الصامت حولنا من التراتيل والصلوات بقدر ما نشهده من صمت وسكون .. لكن الكون يريد قلبًا .. يريد عقلًا ليكتشف ذلك المعبد فيه .. وهب الله ذلك الحجر لغة الإنسان فكلم محمدًا .. أم وهب محمدًا إدراكًا ليفهم لغة الحجر .. فكان ذلك السلام .. وكان ذلك الحب الذي بدأ بين محمد ﷺ ومكة .. وانتهى بمحمد وما وراء مكة .. أشياء غريبة تحدث لا يجد لها تفسيرًا .. فيلجأ إلى حبيبته خديجة .. إلى قلبها الحنون فيقول يا خديجة: (إني أرى ضوءًا، وأسمع
стр. 52
صوتًا وإني أخشى أن يكون بي جنن - فتقول له: لم يكن ليفعل ذلك يا ابن عبد الله) (١) .. ثم تذهب تستفسر ذلك القس الطاعن في السن -ابن عمها- ورقة بن نوفل فتذكر له ما يحدث لزوجها .. فيقول لها: (إن يكن صادقًا، فإن هذا ناموس مثل ناموس موسى، فإن بعث وأنا حي فسأعززه وأنصره وأؤمن به) (٢) حتي هذا القس النصراني كان يحس .. كان ينتظر .. فالوضع على الأرض أكثر من سيئ وهو بحاجة إلى منقذ يحطم هذه الأصنام .. ويرتقي بهذا الإنسان المرتكس في الوحل .. أما محمد فكانت أقواله وسلوكياته تقول:
لا أصنام
كان محمد ﷺ يحس بتفاهة هذه الطقوس وتخلفها .. كان يحتقر أصنامهم ويرفض كل ما يمت لها بصلة .. ها هو مع مولاه زيد بن حارثة .. أمام أحد الأصنام .. وها هو زيد يحدثنا عما جرى فيقول: (كان صنم من نحاس يقال له إساف، أو نائلة يتمسح به المشركون إذا طافوا، فطاف رسول الله ﷺ ، وطفت معه، فلما مررت مسحت به. فقال رسول الله ﷺ : لا تمسه، فقلت -في نفسي-: لأمسنه حتى أنظر ما يكون، فمسحته. فقال رسول الله ﷺ : ألم تُنْه؟. فوالذي أكرمه وأنزل
стр. 53
عليه الكتاب ما استلم صنمًا حتى أكرمه الله بالذي أكرمه وأنزل عليه) (١).
حتى في الحج .. وفي يوم الوقوف بعرفة .. يخالف قومه الذين أرادوا منح أنفسهم امتيازًا على بقية الناس .. وذلك بوقوفهم عشية ذلك اليوم بمزدلفة .. أما هو فقد كان ﷺ يخالفهم .. كان يقف بعرفة من بين قومه كلهم. يقول جبير بن مطعم: (لقد رأيت رسول الله ﷺ -وهو على دين قومه- وهو يقف على بعير له بعرفات، من بين قومه حتى يدفع معهم توفيقًا من الله له) (٢).
وتقول عائشة ﵂: (كانت قريش، ومن يدين دينها -وهم الحمس (٣) - يقفون عشية عرفة بالمزدلفة ويقولون: نحن قطن البيت. وكان بقية الناس والعرب يقفون بعرفات) (٤).
стр. 54
ويقول جبير بن مطعم أيضًا: (أضللت بعيرًا لي يوم عرفة، فخرجت أطلبه، فرأيت النبي- ﷺ واقفًا مع الناس بعرفة. فقلت: هذا من الحمس، فما شأنه ها هنا) (١).
كان امتياز قريش هنا زائفًا .. ففر الصواب من بين جموعهم واستقر على بعير محمد- ﷺ .. تلك هي الفطرة السليمة التي تأبى الانحراف وتلك هي الغربة المريرة التي يعانيها أفذاذ من الـ:
غرباء
كان محمد ﷺ غريبًا في أرض مكة .. وجوه يعرفها وقلوب ينكرها .. كان موحدًا على دين أبيه إبراهيم .. يدرك أن الله أعظم شأنًا من أن يصاغ من حديد أو نحاس .. أو ينحت من الصخر أو الخشب .. كان يدرك عظمة هذا الكون وعظمة خالقه .. وفي الغربة نفسها يعيش أفراد قليلون جدًا .. يتوجهون إلى خالقهم الأحد ويعرضون عن هذه الأصنام التي زاحمت الناس على هذه الأرض بغير حق .. عبر الروابي والهضاب والصحاري .. سير حثيث بحثًا عن الحق .. زيد بن عمرو بن نفيل .. وورقة بن نوفل .. بعض هؤلاء الغرباء أصحاب عقول ناضجة .. لم يستسيغوا تلك الحجارة الموضوعة فوق الكعبة .. ولا ما ينسج حولها من أساطير وخرافات .. فأما زيد بن عمرو بن نفيل فقد (خرج إلى الشام يسأل عن الدين ويتبعه، فلقي عالمًا من اليهود فسأله عن دينهم. فقال:
إني لعلى أن أدين دينكم فأخبرني، فقال:
إنك لا تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من غضب الله. قال زيد:
стр. 55
وما أفر إلا من غضب الله تعالى، ولا أحمل من غضب الله شيئًا، ولا أستطيعه فهل تدلني عليه؟ قال اليهودي:
ما أعلمه إلا أن تكون حنيفًا. قال زيد: وما الحنيف؟ قال اليهودي: دين إبراهيم ﵇، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، ولا يعبد إلا الله.
فخرج زيد، فلقي عالمًا من النصارى، فذكر مثله، فقال:
لن تكون على ديننا حتى تأخذ نصيبك من لعنة الله. قال زيد:
ما أفر إلا من لعنة الله، ولا أحمل من لعنة الله. ولا من غضبه شيئًا أبدًا، ولا أستطيع، فهل تدلني على غيره. قال:
ما أعلمه إلا أن تكون حنيفًا. قال زيد:
وما الحنيف؟ قال النصراني:
دين إبراهيم، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، ولا يعبد إلا الله.
فلما رأى زيد قولهم في إبراهيم خرج، فلما برز رفع يديه فقال: اللَّهم إني أشهدك أني على دين إبراهيم) (١).
ويعود زيد إلى مكة غريبًا كيوم غادرهم .. يرمق مكة ويرمق جموعها .. أحقًا كانت هذه الأرض أرض التوحيد .. ما بالهم يشركون .. ينظر نظرة من ملأ قلبه الأسى واللهف .. رأته أسماء بنت أبي بكر على هذه الحال (مسندًا ظهره إلى الكعبة، يقول: يا معشر قريش، والذي نفس زيد بيده، ما أصبح أحد منكم على دين إبراهيم غيري -ثم يقول-: اللَّهم
стр. 56
لو أعلم أحب الوجوه إليك عبدتك به، ولكني لا أعلم) (١). ثم يؤدي حركة غريبة كغربته تتوهج شوقًا إلى الله، وشوقًا يعبر به عما في قلبه، تقول أسماء: (ثم يسجد على راحته، وكان يصلي إلى الكعبة ويقول: إلهي إله إبراهيم، وديني دين إبراهيم) (٢).
لقد كان هذا الغريب إنسانًا عظيمًا في زمنه .. لا يتفوق عليه في سلامة الفطرة وصفاء الفكر إلا محمد ﷺ . لقد كان يرى الرجل يحمل ابنته الصغيرة على ذراعيه مسرعًا بها نحو حفرة تلتهب بالرمضاء ليدسها فيها .. فينهض مسرعًا ويعترض طريقه .. ويتوسل إليه ألا يفعل .. فإذا أصر (أن يقتل ابنته قال له: لا تقتلها ادفعها إلي أكفلها، فإذا ترعرعت فخذها، وإن شئت فادفعها) (٣). ثم يأخذ تلك البريئة الضعيفة .. يحملها إلى بيته يرعاها ويحنو عليها .. لأنه يعرف أن الله أرحم من عباده .. وأنه لم يخلقها لتدفن بعد مولدها.
стр. 57
أمة وحده زيد بن عمرو بن نفيل .. هكذا عاش وهكذا سيبعث عندما تبعث الأمم (أمة وحده يوم القيامة) (١).
ولم تكن عودة زيد لمكة ليأسه مما ملأ الأرض من رموز الشرك .. بل عاد لينتظر .. فلقد أرشده بعض الرهبان إلى قرب مخرج نبي مرسل .. في أرض الحجاز .. زيد نفسه يقول: (شاممت النصرانية، واليهودية فكرهتهما، فكنت بالشام، وما والاه، حئ أتيت راهبًا في صومعة، فوقفت عليه، فذكرت له اغترابي عن قومي، وكراهتي عبادة الأوثان، واليهودية، والنصرانية. فقال له الراهب: أراك تريد دين إبراهيم، كان حنيفًا، لم يكن يهوديًا ولا نصرانيًا، كان يصلى ويسجد إلى هذا البيت الذي ببلادك، فالحق ببلدك، فإن نبيًا يبعث من قومك في بلدك، يأتي بدين إبراهيم بالحنفية، وهو أكرم الخلق على الله) (٢).
стр. 58
أما الرجل الآخر .. فهو ورقة بن نوفل الذي انتظر ذلك الخروج كما انتظر زيد ... وبقي ينتظر حتى نزل الوحي .. وقد كانت خديجة تتردد عليه كلما حدث لرسول الله ﷺ شيء غريب لا يعرف له تفسيرًا .. وكان ورقة يطمئنها ويأمل أن يكون نبي هذه الأمة المنتظر. فهذه الأمور:
لا تحدث إلا لنبي
تتصاعد الأحداث حول محمد ﷺ .. وتنحت في نفسه الوجوم والاستفهام .. أصوات وأضواء .. أسرار وأقفال .. وماذا بعد؟ الناس لن تصدق .. والصمت مرير .. وليس سوى خديجة من منصت .. ربما لدى بعض الناس من تفسير .. لكن من هذا البعض؟ ربما أخطأت أقدام السؤال طريقها .. والنتيجة كلمات كالحميم: محمد مجنون.
لكن للّيل نهاية .. ولا بد أن لهذا الكهف من مخرج .. إن الله رحيم ولن يترك هذا العبد الحائر في حيرته .. وها هو الوحي يبدأ خفيفًا كهواء البحر المنعش .. يبشر بحياة جديدة لمحمد وللأرض كلها .. فكان (أول ما بدئ به رسول الله ﷺ من الوحي: الرؤيا الصادقة في النوم، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح) (١).
ذات يوم رأى رؤيا (فشق ذلك عليه، فذكرها ﷺ لامرأته خديجة بنت خويلد بن أسد، فعصمها الله من التكذيب، وشرح صدرها بالتصديق، فقالت: أبشر، فإن الله لن يصنع بك إلا خيرًا، ثم إنه خرج من عندها، ثم رجع إليها، فأخبرها، أنه رأى بطنه
стр. 59
شق، ثم طهر وغسل، ثم أعيد كما كان. قالت: هذا والله خير فأبشر) (١).
عندها علم أنه سيكون نبي هذه الأمة يقينًا من الله .. لقد قال ﷺ يومًا والصحابة حوله يبتهجون به وبأحاديثه: (ما علمت ذلك -أي أنه نبي- حتى أتاني ملكان ببعض بطحاء مكة، فقال أحدهما: أهو هو؟ قال: نعم. قال: زنه برجل. فرجحته. قال: فزنه بعشرة، فوزنني بعشرة فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة، فوزنني بمائة، فوزنتهم. ثم قال: زنه بألف، فرجحتهم. فقال أحدهما للآخر: لو وزنته بأمته لرجحها، ثم قال أحدهما لصاحبه: شق بطنه. فشق بطني، ثم أخرج منه فعم الشيطان، وعلق الدم فطرحها، فقال أحدهما للآخر: اغسل بطنه غسل الإناء، فاغسل قلبه غسل الملائم، ثم دعا بالسكينة كأنها رهرهره بيضاء، فأدخلت قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خط بطنه، فخاط بطني، وجعلا الخاتم بين كتفي، فما هو إلا أن وَلَّيَا عني كأنما أعاين الأمر معاينة) (٢).
стр. 60
أتذكرون مضارب حليمة .. حيث الأطفال والحملان الصغيرة .. عندها أقبل ملكان أبيضان كالسلام .. أضجعا ذلك الصغير وشقا صدره وغسلاه .. وها هو طفل الأمس .. رجل يصافح الأربعن .. يعود إليه الملكان ببطحاء مكة ليغسلاه مرة أخرى بماء السماء .. وينهض يحمل فضل الله .. فما حدث يبشره ويقول: أنت النبي .. المنتظر حتى رأى.
الرؤيا الأخيرة
محمد ﷺ أصبح يفضل العزلة والتعبد (حبب إليه الخلاء، وكان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -وهو التعبد الليالي ذوات العدد- قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها) (١)، ثم يعود لذلك الغار المترقب على قمة جبل النور .. والذي يستغرق الصعود إليه أكثر من ساعة .. ولم يكن ذلك طوال العام .. بل (في كل سنة شهرًا يتحنث، وكان ذلك مما تحنث به قريش في الجاهلية، فكان رسول الله ﷺ يجاور ذلك الشهر من كل سنة) (٢) ولم يكن يمارس العبادة فقط .. بل كان (يطعم من جاءه من المساكين، فإذا قضى جواره من شهره ذلك كان أول ما يبدأ به إذا انصرف من جواره الكعبة، قبل أن يدخل إلى بيته، حتى إذا كان الشهر الذي أراد الله به فيه ما أراد، وذلك الشهر: رمضان، خرج إلى حراء كما كان يخرج لجواره، ومعه أهله، حتى إذا كانت الليلة التي أكرمه الله فيها برسالته ورحم العباد به) (٣).
стр. 61
وبينما كان نائمًا (جاءه جبريل بأمر الله تعالى. قال ﷺ : فجاءني وأنا نائم بنمط من ديباج فيه كتاب، فقال:
اقرأ. قلت: ما أقرأ؟ فغتني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلنى، فقال:
اقرأ. قلت: ماذا أقرأ؟ فغتني، حتى ظننت أنه الموت، ثم أرسلني، فقال:
اقرأ. قلت: ماذا أقرأ؟ ما أقول ذلك إلا افتداءً منه أن يعود لي. بمثل ما صنع بي. قال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣) الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ (٤) عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ (٥)﴾.
فقرأتها، ثم انتهى وانصرف، وهببت من نومي، فكأنما كتب في قلبى كتابًا.
فخرجت حتى إذا كنت في وسط من الجبل سمعت صوتًا من السماء يقول:
يا محمد أنت رسول الله وأنا جبريل.
فرفعت رأسي إلى السماء، فأنظر فإذا جبريل في صورة رجل صاف قدميه في أفق السماء يقول:
يامحمد أنت رسول الله وأنا جبريل.
فوقفت أنظر إليه فما أتقدم وما أتأخر، وجعلت أصرف وجهى عنه في آفاق السماء، فما أنظر في ناحية منها إلا رأيته كذلك، فما زلت واقفًا ما أتقدم أمامي وما أرجع ورائي حتى بعثت خديجة رسلها في طلبي فبلغوا مكة ورجعوا إليها وأنا واقف مكاني ذلك، ثم انصرف عني، وانصرفت راجعًا إلى أهلي، حتى أتيت خديجة، فجلست إلى فخذها مضيفًا إليها، فقالت:
стр. 62
يا أبا القاسم، أين كنت؟ فوالله لقد بعثت رسلي في طلبك، حتى بلغوا مكة ورجعوا إلي. ثم حدثتها بالذي رأيت، فقالت:
أبشر يا ابن العم، واثبت، فوالذي نفس خديجة بيده إني لأرجو أن تكون نبي هذه الأمة. ثم قامت فجمعت عليها ثيابها، ثم انطلقت إلى ورقة ابن نوفل، فأخبرته بما أخبرها به رسول الله ﷺ ، فقال ورقة بن نوفل:
قدوس .. قدوس .. والذي نفس ورقة بيده لئن كنت صدقتني يا خديجة لقد جاء الناموس الأكبر، الذي كان يأتي موسى، وإنه لنبي هذه الأمة وقولي له فليثبت.
فرجعت خديجة إلى رسول الله ﷺ ، فأخبرته بقول ورقة، فلما قضى رسول الله ﷺ جواره وانصرف صنع كما يصنع، بدأ بالكعبة، فطاف بها، فلقيه ورقة بن نوفل، وهو يطوف بالكعبة فقال:
يا ابن أخي، أخبرني بما رأيت وسمعت .. فأخبره، فقال له ورقة:
والذي نفسي بيده، إنك لنبى هذه الأمة، ولقد جاءك الناموس الأكبر، الذي جاء موسى، ولتكذبنه، ولتؤذينه، ولتخرجنه، ولتقاتلنه، ولئن أنا أدركت ذلك اليوم لأنصرن الله نصرًا يعلمه. ثم أدنى رأسه منه، فقبل يافوخه، ثم انصرف رسول الله ﷺ إلى منزله) (١).
стр. 63
ليلة الحياة والقرآن
انصرف إلى منزله بعد أن حمل تفسير تلك الرؤيا .. لكنه لم ينقطع عن عبادة ربه .. واستمر على ما كان عليه فـ (كان يخلو بغار حراء، فيتحنث فيه -هو التعبد الليالي ذوات العدد- قبل أن ينزع إلى أهله، ويتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة، فيتزود لمثلها) (١).
كان نهاره على ذروة ذلك الشاهق .. تأمل .. سياحة في هذا الكون الصامت الناطق .. الناثر في الصدور المنشرحة نورًا يهمس: لا إله إلا الله .. أما ليله فتبتل وتضرع .. كأنه يغرف من الليل سكونه وخشوعه .. كأن رياحه الباردة وهي تمر بباب الغار .. تبشر بعودة محبوب طال انتظاره.
واستمر ذلك الحب وتلك المناجاة (حتى جاءه الحق وهو في غار حراء، فجاءه الملك، فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني حتى بلغ مني الجهد، ثم أرسلني، فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارىء.
فأخذني فغطني ثم أرسلني فقال: اقرأ.
قلت: ما أنا بقارئ.
فأخذني فغطني ثم أرسلني فقال: ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ (١) خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ (٢) اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ (٣)﴾ فرجع بها رسول الله ﷺ -يرجف فؤاده، فدخل على خديجة بنت خويلد، فقال: زملوني .. زملوني.
стр. 64
فزملوه، حتى ذهب عنه الروع فقال لخديجة -وأخبرها الخبر- لقد خشيت على نفسي. فقالت له خديجة:
كلا والله ما يخزيك الله أبدًا إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين علي نوائب الحق. فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة، وكان امرأ قد تنصر في الجاهلية، وكان يكتب الكتاب العبراني، فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي، فقالت له خديجة: يا ابن عم اسمع من ابن أخيك.
فقال له ورقة:
يا ابن أخي ماذا ترى؟
فأخبر رسول الله ﷺ خبر ما رأى.
فقال له ورقة بن نوفل:
هذا الناموس الذي نزل على موسى، يا ليتني فيها جذعًا، ليتى أكون حيًا إذ يخرجك قومك.
فقال رسول الله ﷺ : أومخرجي هم؟
قال ورقة: نعم، لم يأت رجل بمثل ما جئت به إلا عودي، وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا) (١).
إذًا فهذه هي النبوة .. وهذا هو القرآن العظيم كلام الله ينزل على نبيه .. كلام الله الذي علم بالقلم .. وعلم الإنسان ما لم يعلم .. يهمي
стр. 65
مطرًا ينعش وجه الأرض الشاحب بالشرك وأشواكه .. المحفور بالجهل والتخلف والسحر والشعوذة .. فيرويه حياة ونضارة .. ويمسك الإنسان المؤمن من جديد بزمام الخلافة في الأرض ليعمرها بالحب والعدل والسلام .. فقد تعبت البشرية من ملاحقة الأشرار لها بأسلحة الظلم والضلال. نزل القرآن فقام محمد ﷺ برسالة ربه.
أسلمت خديجة فكانت أول من أسلم على الإطلاق .. وفرح ورقة وأسلم وبشر رسول الله ﷺ فكان أول من أسلم من الرجال .. لكنه لم يعش إلا فترة قصيرة (ثم لم ينشب ورقة أن توفي) (١) بعد أن زفر بتلك الأمنية .. وتمني الشباب للكدح لا للمتعة .. للبذل والفداء لرسالة جديدة ونبي يتربص له الاضطهاد خلف أشجار مكة .. ويكمن له الظلم في طرقاتها .. مات ورقة بعد أن حباه الله برؤية النبي الذي طالما ذرع الأرض بحثًا عنه .. وقبع على قوارع المجهول ينتظره .. هذا بعض ما حدث على الأرض أما في السماء فهناك:
ثورة في السماء
فعندما نزل الوحي اشتعلت أرجاء السماء حممًا .. ولهيبًا .. وشررًا يفتك برؤوس الشرك .. ومصانع الخرافة والضلال .. شياطين الجن الذين أرهقوا بعض البشر ودحرجوهم للحضيض .. كانوا (يصعدون إلى السماء يستمعون الوحي، فإذا حفظوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقًا، وأما ما زادوا فتكون باطلًا، فلما بعث النبي ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس، ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك. فقال لهم إبليس: هذا لأمر قد حدث في الأرض. فبعث جنوده، فوجدوا
стр. 66
رسول الله ﷺ قائمًا يصلي بين جبلين، فأتوه، فأخبروه. فقال: هذا الأمر الذي حدث في الأرض) (١).
إن الله قد وهب الجن قدرات لكن منهم شياطين أساؤوا استغلالها .. جعلوا يسترقون السمع .. ثم يلقون ما استمعوه في بركة من الكذب .. ثم يسقونها الكهان الذين يتصلون بهم ويتقربون إليهم .. فزادوهم رهقًا وتخويفًا .. وجعلوهم يرتكسون في الشرك والشعوذة .. والجن قبائل منهم الصالحون ومنهم الفاسدون .. و (لم تكن قبيلة من الجن إلا ولهم مقاعد للسمع، فإذا نزل الوحي سمعت الملائكة صوتًا كصوت الحديدة ألقيتها على الصفا. فإذا سمعت الملائكة خروا سجدًا، فلم يرفعوا رؤوسهم حتى ينزل، فإذا نزل قال بعضهم لبعض: ماذا قال ربكم؟ فإن كان مما يكون في السماء، قالوا: الحق، وهو العلي الكبير. وإن كان مما يكون في الأرض من أمر الغيب، أو موت، أو شيء مما يكون في الأرض تكلموا به فقالوا: يكون كذا وكذا، فتسمعه الشياطن، فينزلونه على أوليائهم، فلما بعث النبي- ﷺ دحروا بالنجوم، فكان أول من علم بها ثقيف، فكان ذو الغنم منهم ينطلق إلى غنمه، فيذبح كل يوم شاة، وذو الإبل فينحر كل يوم بعيرًا، فأسرع الناس في أموالهم. فقال بعضهم لبعض: لا تفعلوا، فإن كانت النجوم التي يهتدون بها، وإلا فإنه لأمر حدث. فنظروا فإذا النجوم التي يهتدى بها كما هي لم يزل منها شىء، فكفوا، وصرف الله الجن، فسمعوا القرآن، فلما حضروه قالوا: أنصتوا، وانطلقت الشياطن إلى
стр. 67
إبليس فأخبروه، فقال: هذا حدثٌ حدثَ في الأرض، فأتوني من كل أرض بتربة، فأتوه بتربة، فقال: ها هنا الحدث) (١). وهذه قصة أخرى يرويها ويروي مثلها رجل رموز قريش وأقويائها اسمه: عمر بن الخطاب:
كاهن وجنية
في يوم بعثته ﷺ .. كان لأحد الكهان ارتباطه مع جنية .. يتحدث الكاهن إلى عمر بن الخطاب عنها وعن فزعها في ذلك اليوم العظيم فيقول: (بينما أنا يومًا في السوق، جاءتني، أعرف فيها الفزع، فقالت:
ألم تر الجن وإبلاسها
ويأسها من بعد إنكاسها
ولحوقها بالقلاص وإحلاسها
فقال عمر رض الله عنه:
صدق بينما أنا عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل، فذبحه، فصرخ به صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتًا منه، يقول:
يا جليلح .. أمر نجيح .. رجل فصيح .. يقول: لا إله إلا الله.
فوثب القوم فقلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جليح .. أمر نجيح .. رجل فصيح .. يقول: لا إله إلا الله فقمت فما نشبنا
стр. 68
أن قيل: هذا نبي) (١). لقد ثار الجن .. واضطربوا وحاروا .. وضاقت الأرض بهم والسماء .. وأمسى شبح المستقبل يتهادى خلف دخان الشهب الحارقة .. كالجريح يترنح بين آثار القنابل .. لقد أمسى مستقبل الشياطين مخيفًا مرعبًا مجهولًا بعد نزول القرآن .. بعد بعثة هذا النبى ﷺ .
توقف الوحي
هذا النبي الذي انقطع عنه (وفتر الوحى) (٢) فترة من الزمن .. أصبح بعدها في حيرة لا يدري ماذا بعد هذا النبأ .. ماذا بعد (اقرأ) .. ما رسالته وما مهمته .. ولك أن تتصور أحاديث النفس ووحشتها في مثل ذلك الظرف .. لكن الوحي عاد من جديد .. وعادت معه الحياة.
عودة الوحي
يتحدث ﷺ عن ذلك الأمر الذي أخافه حتى وقع على الأرض فيقول: (فتر الوحي عني فترة، فبينا أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء، فرفعت بصري قبل السماء. فإذا الملك الذي جاءني بحراء قاعد على كرسي، فجثثت منه فرقًا، حتى صرت إلى الأرض، فجئت أهلى فقلت: زملوني .. زملوني .. فزملوني، فأنزل الله : ﴿يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ (١) قُمْ فَأَنْذِرْ (٢) وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ (٣) وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ (٤) وَالرُّجْزَ فَاهْجُرْ (٥)﴾ (٣) قم وأزح عنك هذه الأغطية .. فما كان بالأمس حلمًا جميلًا أصبح اليوم حملًا ثقيلًا .. قم يا محمد فالأرض قلوب خاوية .. وبطون جائعة .. واستبداد وسلاسل.
стр. 69
ها قد قام محمد ﷺ يحمل سطرين من القرآن.
سطران طالما بحثت عنهما أفكار البشر .. وصل من وصل وتعثر الملايين .. فهل هناك حياة دون علم دون قراءة .. دون كتابة .. دون نظافة .. دون ترك للأوثان ووحل الخرافة .. هل هناك حياة دون إقرار بأن هذا الخالق الكريم هو الإله الواحد العظيم .. ولا معبود سواه؟
كان هذا الأمر يتم بالخفاء يقوم به ﷺ سرًا .. فالأمر جد خطير فللأصنام جيوش من الغضب مستعدة لنحر من يقترب منها ومن يعتدي عليها .. وتقديمه قربانًا لها .. وقد تناسلت في عقول القوم حتى أصبح الفرد يصنع صنمًا يتبلغ به في سفره .. ولو اضطر إلى صنعه من تمرات هي زاده الوحيد .. فإذا ما عبث الجوع في بطنه .. قام يدس هذا الإله الرخيص في جوفه لكي يطارد ذلك الجوع المحرق .. يا ترى هل علم أن جوعه قد فتك بإلهه؟ لا أدري.
إن من بلغ بهم الحمق هذه الدرجة .. يصعب انقيادهم لهذا الأمر الجديد .. فقد عبثت الأهواء في عقولهم حتى أفسدتها .. فالعلاج يجب أن يبدأ بالعقل والفكر .. وأمام رسول الله ﷺ ودعوته الجديدة ركام هائل من العادات والطقوس والتقاليد الموروثة .. يتداعى بعضها على بعض على مر السنين .. حتى أمست أساطيل من الأوثان والكهان والناس لها عبيد ذليلة قد حنت ظهورها ركوعًا .. فمن يريد رفع الرؤوس للسماء .. فعليه بالصبر والحذر الشديدين .. ولا بد من أن يُسِرَّ دعوته ويخفي اتباعه حتى من أقرب الناس إليه إذا ما أحس بخوف منه .. فهؤلاء القوم يفني بعضهم بعضًا من أجل ناقة .. فما بالك من أجل آلهة يذبحون لها آلاف النياق ليرضوها بزعمهم .. فليكن الأمر:
стр. 70
سرِّيَّة
السرية الشديدة يجب أن تحيط كل عمل يقوم به هذا الرسول الأمين- ﷺ .. فعلى جدار التاريخ الطويل قد علقت رؤوس الأنبياء والمصلحين والدعاة .. وأعواد المشانق لا تزال رطبة بدمائهم .. ضريبة الإخلاص فادحة .. تكلف كثيرًا .. تسفح الدماء .. لكن لهذه الدماء الزكية روائح وأطياف تعيش تنعش الأجيال .. وتبعث الحياة فيهم للخلاص.
والحق لا يخفى .. يعرفه الجميع .. عندما يرونه يقولون هذا هو الحق .. ولا يحتاجون لتمييزه إلى غسل أعينهم ولا إلى عركها .. فما سبب التأخر .. لماذا تثقل الخطى؟ السبب هو:
الوحوش
وحوش عملاقة تمتد داخل كل فرد منا .. كأننا لها ثياب .. وحوش تتصلب حتى تشلنا وتعجزنا حتى عن الحبو نحو الحق .. إذا كان الحق يرفضها أو يريد إخراجها من ثيابها .. فأي مهمة أمام ابن عبد الله ﷺ وأي حذر يجب أن يتوخاه في ذلك العصر .. عصر الوحوش.
وهذا ما فعله ﷺ .. عندما بدأ بدعوته .. فقد أسلمت خديجة .. وأسلم ورقة .. وكتمت خديجة إسلامها .. ومات ورقة .. وبقي السر مكتومًا .. ولما أمر ﷺ ببدء الدعوة والإنذار استمر يدعو داخل سراديب من الكتمان والتستر .. استمر يسير تحت الأرض يغرس في باطنها جذورًا قوية .. تؤتى ثمارها بعد حين .. بعد أن ترتفع على سطح الأرض .. عندها يستحيل انتزاعها أو إنكار وجودها .. وقد يقول قائل: إنك تبالغ في ذلك .. فالرسول ﷺ معروف لدى قريش .. وأصحابه معروفون .. ولم تكن دعوته
стр. 71
سرًا في يوم من الأيام .. وأصحابه محميون من قبل قبائلهم وأهلهم .. فأين تلك السراديب .. والخنادق. أين الدليل على ما تقول؟ والإجابة عندي واضحة كشعر الشمس الذهبي.
الإجابة عندي هي في مشكلة لم تحسم حتى الآن ألا وهي .. من أول من أسلم بعد خديجة .. أبو بكر الصديق أم علي أم غيرهما ﵃ جميعًا. أتدرون لماذا؟ دعونا أولًا ننظر إلى إسلام كل فرد منهم:
إسلام أبي بكر الصديق
أبو بكر الصديق .. اسمه: عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة .. صديق الطفولة والشباب .. ذهب إليه رسول الله ﷺ .. وحدثه أن الوحي قد جاءه في غار حراء .. وأن دين الله يأمر بالتوحيد والعلم والنظافة والجمال وترك الأصنام. فما زاد أبو بكر على كلمة واحدة. لقد قال: صدقت. أما لماذا .. فلأنه لم يجرب على رسول الله ﷺ كذبًا .. وهو الذي عاشره منذ الطفولة. لقد عرفه عابدًا خاشعًا تاركًا للأصنام .. فهل سيكذب على ربه. لقد خلد التاريخ كلمة أبي بكر وحفظها له .. ونال من رسول الله ﷺ شهادة تتناقلها الأجيال.
ففي أحد الأيام كان الصحابة أمام الرسول ﷺ .. وكان من بينهم أبو بكر .. ولعل أحدًا منهم تناول أبا بكر فأغضبه .. فغضب ﷺ لأبي بكر .. وقالها ليس للصحابة فقط بل للأمة كلها .. للأجيال كلها: (إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاجي، فهل أنتم تاركوا لي صاجى) (١).
стр. 72
ولما حوصر أبو بكر ببعض الكلمات .. أرغمه هذا الحصار على أن يزفر بهذه الكلمات: (ألست أحق الناس بها، ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا) (١).
ولما سئل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب -ابن عم رسول الله ﷺ عن أول من أسلم .. أرشد سائله إلى أبيات من الشعر قالها شاعر الإسلام حسان بن ثابت:
إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا
خير البرية أتقاها وأَعْدَلها ... بعد النبى وأوفاها بما حملا
الثاني التالى المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا (٢)
هذه الأبيات الشجية ملأت القلوب بأيادي أبي بكر ومبادراته لخدمة الإسلام .. لقد سمته الأمة بـ (الصديق) ونسيت الاسم الذي سماه به أبوه .. فإذا ما نطق أحد باسم (الصديق) انتصبت تلك الأيادي البيض المبسوطة في الأذهان. وتذكر الناس صديق نبيهم وحبيبه فترحموا عليه.
стр. 73
إسلام علي
علي بن أبي طالب .. أحد فتيان الإسلام .. وابن عم رسول الله ﷺ .. واحد السابقين إلى الإسلام .. هناك من يقول إنه أول من أسلم .. لكونه تربى في بيت رسول الله ﷺ .. لكنه ليس هناك حديث صحيح (١) يدل على أنه تربى في بيت النبوة .. لكن رسول الله ﷺ لم يكن منقطعًا عن علي .. أما أن يكون علي أول من أسلم فهذا ليس بصحيح لأن خديجة هي الأسبق .. هي أول إنسان قابله بعد انحداره من الجبل خائفًا .. لقد قال زيد بن أرقم: (أول من صلى مع رسول الله ﷺ علي ﵁. أول من أسلم مع رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب) (٢).
وقال ابن عباس:
(أول من صلى مع النبى ﷺ بعد خديجة علي. وقال مرة: إن أول من أسلم مع النبي- ﷺ بعد خديجة علي) (٣).
وقال بريدة:
стр. 74
(وأوحي إلى رسول الله ﷺ يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء) (١).
وهناك آخرون غير أبي بكر .. غير علي .. ظنوا أنهم أول من أسلم .. دعونا نستمع إلى أقوالهم .. دعونا نعرف أخبارهم .. ثم بعدها سنعرف سر ذلك الازدحام على الصدارة.
سابقون .. سابقوق
لدينا سابق آخر هو: سعد بن أبي وقاص الذي يقول: (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام) (٢).
ترى هل كان سعد ﵁ ثلث الإسلام .. لا شك أنه يقصد أن خديجة ورسول الله ﷺ هما بقية أضلاع ذلك المثلث .. ثلثي الإسلام. وهو المكمل لهما.
حتى ذلك الغريب القادم من ديار غفار .. يطوي الأرض يبحث عن محمد- ﷺ .. ذلك الغريب المسمى (بأبي ذر) يقول: (كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر، وأنا الرابع، أتيت النبي- ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول الله. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله ﷺ ) (٣).
стр. 75
عمرو بن عبسة سابق آخر. يقول: (لقد رأيتني وأنا ربع الإِسلام) (١).
أما بلال بن رباح .. فلا أعرف أنه قال عن نفسه ذلك .. لكن غيره شهد له بالمسارعة للإسلام .. هذا: عمرو بن عبسة يشهد بأن بلالًا كان ثلث الإسلام .. فقد قال للرسول ﷺ : فمن تبعك على هذا. قال: حر وعبد (يعني أبا بكر وبلال) (٢).
وهناك غير بلال ممّن هبوا لقبول الحق واعتناق الحقيقة .. شهد لهم بذلك التاريخ والروايات الصحيحة. هذا عبد الله بن مسعود يقول: (أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي- ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد) (٣) ﵃ جيعًا.
عمار أحد هؤلاء يقول ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر) (٤). هذه الكلمات كلها صادقة ثابتة ضاربة جذورها داخل أعماق الحقيقة .. لكن لماذا يلوح التناقض في ألفاظها .. لماذا؟