ميزات إذا جمعت برز صاحبها كما برز أبو بكر الذي عينه ﵇ للصلاة دون أن يسعى للإمامة أو يقدم طلبًا لها .. النبي ﷺ هو الذي اختاره وعينه رغم رفضه لها في البداية .. وبعيدًا عن ذلك وبينما كان ﵇ تبرحه الآلام وتزداد به الأوجاع وتنشغل بجسده كان مشغولًا بأمته خائفًا عليها أن تضل كما ضلت اليهود والنصارى .. تقول عائشة وعبد الله بن عباس ﵄ "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه .. قال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" (١) فبعد وفاة أي نبي تزداد العاطفة وتجيش المشاعر فتطيش بدعًا وخرافات ومزارات وزخارف .. حتى يتحول من مجرد قبر إلى وثن يطاف به ويتمسح ويستقبل وتشد الرحال إليه ويذبح عنده وتحيط به السرج والشموع والمصابيح ويطلى بالذهب ويرصع بالجواهر .. وفي النهاية ينصرف الناس عن الخالق ليتعلقوا بمخلوق لا يملك من أمره شيئًا إلا ما وهبه الخالق سبحانه وحباه به .. عندها ينهدم ما بناه النبي ﷺ خلال أكثر من عشرين عامًا ويعود الشرك من جديد لكن بدلًا من عبادة الصنم الذي على شكل صورة يصبح وثنًا على شكل قبر .. كان ﵇ يخشى ذلك ويحذر منه رغم ما هو فيه من المعاناة والحمى التي يزداد اشتعالها داخل جسده الشريف مما أعجزه عن الخروج للمسجد .. حيث صلى أبو بكر في الناس العصر والمغرب والعشاء والفجر والناس يترددون على المسجد وفي الطرقات وفي الأسواق فلا يرون فيها حبيبهم ونبيهم فيها فيزداد شوقهم وحزنهم حتى:
стр. 1332
جاء يوم الأحد
وتوالى الزائرون من أهل بيته وغيرهم .. كانت فاطمة ﵍ في طريقها إلى هناك تنظر إلى هذا الأب الحاني فتبكي وتتأثر لما هو فيه من الكرب فيناديها ليخفف ما بها من حزن فيهمس في أذنها فتبكي ثم يهمس مرة أخرى فتبتسم ابتسامة تسرها وتحزن أحبابها .. كانت عائشة ﵂ ترى ذلك المشهد الحزين وتقول: "أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : مرحبًا بابنتي .. ثم أجلسها عن يمينه .. أو عن شماله .. ثم أسر إليها حديثًا فبكت .. فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثًا فضحكت .. فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن .. فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ حتى قبض النبي ﷺ .. فسألتها .. فقالت أسر إلي إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي فبكيت فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك" (١) امتزجت لدى فاطمة مشاعر الحزن بالسرور وأقبل الليل وازداد الحزن بالمدينة وعادت الآلام إلى أبيها من جديد و"لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه فقالت فاطمة ﵍: واكرباه .. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم" (٢)
ودخل فجر يوم الإثنين
وصلى أبو بكر بالمؤمنين الفجر فحدث شيء مفرح كاد معه المصلون أن يفتنوا في صلاتهم .. فبينما كان أبو بكر خاشعًا في صلاته ارتفع الستر
стр. 1333
الذي على يساره وهو ستر بيت ابنته عائشة فأطل الحبيب منها وهو يبتسم ..
يقول أنس بن مالك ﵁: "إن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة .. فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف .. ثم تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ .. فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف .. وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة فأشار إلينا النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم .. [فقال أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له .. ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا .. فأما الركوع فعظموا فيه الرب .. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يستجاب لكم] وأرخى الستر" (١) وعاد إلى فراشه وصلى الفجر ثم ضعف ضعف:
الموت
الذي لا ينتظر أحدًا من البشر حتى الأنبياء منهم .. وفي لحظات الكرب وشدة سكرات الموت كانت فاطمة تشاهد حركة أبيها من شدة الألم وذلك "لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يبسط رجلًا ويقبض أخرى ويبسط يدًا ويقبض أخرى قالت فاطمة يا كرباه لكربك يا أبتاه ... قال رسول الله ﷺ : أي بنية لا كرب على أبيك بعد اليوم" (٢) ثم رفع طرفه إلى
стр. 1334
السماء وكأنه يرى منزله من الجنة .. تقول عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير .. فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه .. ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: اللَّهم الرفيق الأعلى، فقلت: إذًا لا يختارنا .. وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا" (١). وتقول رضوان الله عليها: "كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا .. فلما مرض رسول الله ﷺ وثقل أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع فانتزع يده من يدي .. ثم قال: اللَّهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى" (٢) "وأخذته بحة وهو يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا .. قالت: فظننته خير حينئذ" (٣) وهنا دخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وفي يده سواك فكان النبي ﷺ ينظر إلى السواك في يده "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله ﷺ [وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك فأشار برأسه أن نعم .. فتناولته .. فاشتد عليه .. وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم] (٤) فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن .. فأعطانيه فقضمته .. ثم مضغته" (٥) "ونفضته وطيبته ثم دفعته
стр. 1335
إلى النبي ﷺ فاستن به فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا قط أحسن منه [وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات] (١).
فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه ثم قال:
في الرفيق الأعلى
في الرفيق الأعلى
في الرفيق الأعلى
ثم قضى" (٢) "ومالت يده" (٣) "فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي" (٤) "في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة" (٥) "فلما خرجت نفسه لم أجد ريحًا قط أطيب منها" (٦) .. عندها بكت فاطمة والدها بحرقة بكته بقلبها ودمعها وقالت:
"يا أبتاه أجاب ربًا دعاه
يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه
يا أبتاه إلى جبريل ننعاه" (٧) أما عائشة الشابة الثكلى فقد ذهلت
стр. 1336
وتحدثت عن ذهولها فقالت: "مات رسول الله ﷺ بين سحري ونحري وفي بيت لم أظلم فيه أحدًا فمن سفهي وحداثة سني أن رسول الله ﷺ قبض وهو في حجري .. ثم وضعت رأسه على وسادة وقمت ألدم مع النساء وأضرب وجهي" (١) .. بكت أمهات المؤمنين وبكت النساء وبكى الرجال ولم يبك عمر بن الخطاب بل قام يخطب غاضبًا فيمن حوله ومهددًا من يقول أن رسول الله ﷺ قد مات .. فطلبوا من رجل من أهل الصفة اسمه سالم بن عبيد أن ينادي أبا بكر فقد اشتد غضب عمر حتى لقد قال من شدة الصدمة "لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا. فسكتوا وكانوا قومًا أميين لم يكن فيهم نبي قبله .. قالوا: يا سالم .. اذهب إلى صاحب النبي ﷺ فادعه قال سالم: فخرجت فوجدت أبا بكر قائمًا في المسجد قال أبو بكر: مات رسول الله ﷺ .. قلت: إن عمر يقول لا يتكلم أحد بموته إلا ضربته بسيفي هذا .. فوضع يده على ساعدي ثم أقبل يمشي حتى دخل .. فوسعوا له حتى أتى النبي ﷺ فأكب عليه حتى كاد أن يمس وجهه وجه النبي ﷺ حتى استبان له أنه قد مات .. فقال أبو بكر: إنك ميت وإنهم ميتون" (٢). وصل أبو بكر من بيته الذي يقع في مكان شرقي المدينة يقال له: (السنح) .. "أقبل على فرس من مسكنه بالسنح حتى نزل
стр. 1337
فدخل المسجد .. فلم يكلم الناس حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله ﷺ وهو مغشى بثوب حبرة .. فكشف عن وجهه ثم أكب عليه فقبله وبكى .. ثم قال: بأبي أنت وأمي .. والله لا يجمع الله عليك موتتين أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها" (١) ثم:
خرج أبو بكر في وقت أبي بكر
خرج إلى هذه الجموع المفجوعة بنبيها فشاهد عمر يهدد من يقول أنه مات ويهدد المنافقين بأن النبي ﷺ سوف يعود ليمزقهم فرجع بعضهم عن النفاق .. لكن كلمات عمر كانت كلمات مفجوع مصدوم لا يدري ما يخرج من رأسه .. كان ظرفًا ليس له سوى أقرب الناس من النبي ﷺ وأكثرهم صحبة له .. خرج أبو بكر بهدوئه المعروف ليزيل عن العقول كلمات عمر وتخاريف الفاجعة .. أخذ الأمة مما هى فيه إلى كتاب الله فأفاقت العقول ورضيت بقضاء الله .. لم ينههم عن الحزن والبكاء ولكن نهاهم عن الاستسلام للعواطف والانجراف في تيارها فيهلكون كما هلكت الأمم السابقة .. فما هي
خطبة عمر
تقول عائشة: "فقام عمر يقول: والله ما مات رسول الله ﷺ .. وليبعثنه الله .. فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم .. فجاء أبو بكر فكشف عن رسول الله ﷺ فقبله قال: بأبي أنت وأمي طبت حيًا وميتًا .. والذي نفسي بيده لا يذيقك الله الموتتين أبدًا .. ثم خرج فقال: أيها الحالف على رسلك [خرج وعمر ﵁ يكلم الناس فقال: اجلس .. فأبى ..
стр. 1338
فقال: اجلس .. فأبى .. فتشهد أبو بكر ﵁ .. فمال إليه الناس وتركوا عمر] (١) فلما تكلم أبو بكر جلس عمر فحمد الله أبو بكر وأثنى عليه وقال ألا من كان يعبد محمدًا ﷺ فإن محمدًا قد مات .. ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت .. وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ﴾ وقال: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾ فنشج الناس يبكون" (٢) بكاء المفجوع الذي أدرك الحقيقة وأفاق مما هو فيه من صدمة .. كان ابن عباس هناك وقد وصف حال الصحابة بعد خطبة أبي بكر فقال: "والله لكأن الناس لم يعلموا أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر فتلقاها من الناس كلهم فما أسمع بشرًا من الناس إلا يتلوها" (٣) كان أبو بكر ﵁ رجل المهمات الصعبة والأزمات .. أعاد الأمة إلى صوابها وقال لها في غياب نبيها المفجع: إن هذا النبي الحبيب مازال بشرًا .. وأن الغلو فيه ليس من صفات المؤمنين .. فلم يبق سوى الصلاة عليه واتباع رسالته والمشي على خطاه .. وما عدا ذلك فهو من الغلو الذي قال عنه النبي ﷺ وهو حي: "لا تطروني كما أطرت النصارى ابن مريم فإنما أنا عبده فقولوا عبد الله ورسوله" (٤)
أما عمر ﵁ فكان أكثر المتأثرين بتلك الآيات وبخطبة أبي بكر لدرجة أنه سقط على الأرض من شدة التأثر ..
يقول ﵁: "والله ما هو إلا أن سمعت أبا بكر تلاها
стр. 1339
فعقرت حتى ما تقلني رجلاي وحتى أهويت إلى الأرض حين سمعته تلاها علمت أن النبي ﷺ قد مات" (١)
كانت تلك اللحظات شديدة الدقة والخطورة فقد فارق النبي ﷺ الدنيا وهي مصيبة ما بعدها مصيبة .. كما كان هناك أيضًا الفراغ الرهيب الذي تركه من بعده حيث إن الأمة اليوم دون قائد يرأسها .. وهذا الفراغ يكون أكثر خطورة على الأمة إذا كان الراحل قائدًا عظيمًا .. فكيف إذا كان الراحل اليوم ليس مجرد قائد عظيم فحسب بل نبي يأتيه الوحي من السماء وتحمله الأمة كلها في قلوبها ..
شعر بعض رجالات الأنصار بهذا الفراغ فرشحوا سعد بن عبادة لخلافة النبي ﷺ .. بينما توجه علي بن أبي طالب والزبير بن العوام حزينين إلى بيت فاطمة في الوقت الذي كان فيه أبو بكر مشغولًا بالأمة والأمة مشغولة بحزنها على نبيها .. لكن أبا بكر يتجدد عظمة في مثل هذه الظروف الحرجة .. فقد انطلق إلى حيث أخوانه الأنصار المجتمعن بعد أن سمع باجتماعهم خشية أن تفترق الأمة بعد توحيدها .. أو أن تقع فتنة بين الأنصار والمهاجرين الذين التفوا حول أبي بكر ﵃ جميعًا .. ولما وصل أبو بكر وجدهم قد التفوا حول رجل مريض وقد غطوه .. كان ذلك الرجل هو الصحابي الجليل سعد بن عبادة وهم يريدون مبايعته بالخلافة .. لكن عمر بن الخطاب كان له رأي آخر في ذلك المكان الذي اجتمع فيه الأنصار والمهاجرون والمسمى بـ:
стр. 1340
سقيفة بني ساعدة
دعونا نتجه إلى سقيفة بني ساعدة والذي سيأخذنا إلى هناك شاب من أهل بيت النبي ﷺ هو عبد الله بن عباس الذي يقول إن عمر بن الخطاب قال:
"كان من خبرنا حين توفى الله نبيه ﷺ أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة وخالف عنا علي والزبير ومن معهما .. واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر فقلت لأبي بكر: يا أبا بكر .. انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار [فاجتمع المهاجرون يتشاورون فبينا هم كذلك يتشاورن إذ قالوا: فانطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار فإن لهم في هذا الحق نصيبًا] فانطلقنا نريدهم فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان .. فذكرا ما تمالأ عليه القوم فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ فقلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم اقضوا أمركم
فقلت: والله لنأتينهم فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم فقلت: من هذا؟
فقالوا: هذا سعد بن عبادة .. فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك .. فلما جلسنا قليلًا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله .. ثم قال: أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الإِسلام .. وأنتم معشر المهاجرين رهط وقد دفت دافة من قومكم فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر .. فلما سكت أردت أن أتكلم وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أردت أن أقدمها بين يدي أبي بكر .. وكنت أداري منه بعض الحد .. فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر على رسلك: فكرهت أن أغضبه .. فتكلم
стр. 1341
أبو بكر فكان هو أحلم مني وأوقر .. والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت .. فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل .. ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش هم أوسط العرب نسبًا ودارًا .. وقد رضيت لكم أحد هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم .. فأخذ بيدي وبيد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا .. فلم أكره مما قال غيرها كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر .. اللَّهم إلا أن تسول لي نفسي عند الوت شيئًا لا أجده الآن .. فقال قائل من الأنصار: أنا جذيلها المحكك وعذيقها المرجب منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش .. فكثر اللغط وارتفعت الأصوات حتى فرقت من الاختلاف .. [قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير .. فأتاهم عمر ﵁ فقال: [سيفان في غمد واحد إذًا لا يصطلحا] .. يا معشر الأنصار .. ألستم تعلمون أن رسول الله ﷺ قد أمر أبا بكر ﵁ أن يؤم الناس فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر ﵁ .. فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر ﵁] (١). [قلت: يا معشر الأنصار .. يا معشر المسلمين .. إن أولى الناس بأمر نبي الله ﷺ ثاني اثنين إذ هما في الغار أبو بكر السباق المتين .. [من هذا الذي له هذه الثلاث؟ إذ هما في الغار من هما .. إذ يقول لصاحبه من صاحبه لا تحزن إن الله معنا مع من هو؟ فبسط عمر يد أبي بكر ﵄ فقال: بايعوه فبايع الناس أحسن بيعة وأجملها] .. ثم أخذت بيده وبدرني رجل من الأنصار فضرب
стр. 1342
على يده قبل أن أضرب على يده] (١) فقلت: أبسط يدك يا أبا بكر فبسط يده فبايعته .. وبايعه المهاجرون .. ثم بايعته الأنصار ونزونا على سعد بن عبادة .. فقال قائل منهم: قتلتم سعد بن عبادة .. فقلت: قتل الله سعد بن عبادة .. قال عمر: وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلًا منهم بعدنا .. فإما بايعناهم على ما لا نرضى وإما نخالفهم فيكون فساد فمن بايع رجلًا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه" (٢)
كل هذه الأحداث جرت بسرعة كبيرة خلال يوم الاثنين الذي مر بحزن وسلام .. فقد أصبح للدولة الإسلامية قائد جديد وللمسلمين إمام كفوء لقيادتها .. تقبل الأنصار قيادة أبي بكر المهاجر إلى أرضهم لأنهم رجال تثقفوا بالكتاب والسنة وآمنوا بالله ورسوله .. ورضوا أن يؤمهم رجل ارتضاه لهم النبي ﷺ وهو حي بين أظهرهم فيكف لا يرضونه بعد مماته .. وهم الذين ما كانوا ليقبلوا رجلًا من غيرهم لو لم يتشبعوا بالتربية الإِسلامية العظيمة .. بل ما كان الأوس ليقبلوا عليهم زعيمًا من الخزرج ولن يرضى الخزرج أن يتأمر عليهم زعيم من الأوس لو كِانوا لا يزالون على ثقافتهم الخشبية .. ثقافة الأصنام التي أزاحها الإسلام عن قلوبهم وعقولهم إلى غير رجعة .. أما أبو بكر فلم يشغله حزنه على نبيه عن مسؤوليته الضخمة تجاه أمته .. فهذا الرجل العظيم هو الذي أعاد
стр. 1343
للمفجوعين رشدهم .. وهو الذي ساقته طول صحبته لنبيه ﵇ إلى النظر للأمور بمنظار أبعد وأكثر اتساعًا .. فاستحق أن يواصل صلاته بالأمة الظهر والعصر وبقية الصلوات بعد أن استقر الوضع السياسي ليعود للنفوس كمدها وحزنها على نبيها ﷺ في يوم أسود رسمه أنس بن مالك لنا فقال: "لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء .. فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها كل شيء" (١)
ومضى ذلك اليوم لترحل شمس الإثنين بالفتنة جثة هامدة .. مضى الإثنين الحزين
وجاء يوم الثلاثاء
وقبل أن يصلي أبو بكر في الناس صلاة الصبح قام عمر فتوجه إلى المنبر مخاطبًا الصحابة ومعتذرًا عفا بدر منه بالأمس من أقوال وداعيًا بقية الصحابة لمبايعة أبي بكر ﵁: يقول أنس بن مالك ﵁: "إنه سمع خطبة عمر الآخرة حين جلس على المنبر وذلك الغد من يوم توفي النبي ﷺ .. فتشهد وأبو بكر صامت لا يتكلم .. قال: كنت أرجو أن يعيش رسول الله ﷺ حتى يدبرنا يريد بذلك أن يكون آخرهم .. فإن يك محمَّد ﷺ قد مات فإن الله تعالى قد جعل بين أظهركم نورًا تهتدون به بما هدى الله محمدًا ﷺ .. وإن أبا بكر صاحب رسول الله ﷺ ثاني اثنين فإنه أولى المسلمين بأموركم فقوموا فبايعوه .. وكانت طائفة
стр. 1344
منهم قد بايعوه قبل ذلك في سقيفة بني ساعدة وكانت بيعة العامة على المنبر" (١)
وبعد أن انتهى عمر من خطبته نزل عن المنبر وطلب من أبي بكر الصعود كي يبايعه المؤمنون .. لكن أبا بكر رفض فلم يزل عمر يلح عليه حتى صعد .. يقول أنس ﵁: "سمعت عمر يقول لأبي بكر يومئذ: اصعد المنبر .. فلم يزل به حتى صعد المنبر فبايعه الناس عامة" (٢)
"فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة [فلما قعد أبو بكر ﵁ على المنبر نظر في وجوه القوم فلم ير عليًا ﵁ .. فسأل عنه فقام ناس من الأنصار فأتوا به .. فقال أبو بكر ﵁: ابن عم رسول الله ﷺ وختنه أردت أن تشق عصا المسلمين؟
فقال: لا تثريب يا خليفة رسول الله ﷺ .
ثم لم ير الزبير بن العوام ﵁ فسأل عنه حتى جاءوا به .. فقال: ابن عمة رسول الله ﷺ وحواريه أردت أن تشق عصا المسلمين؟ فقال مثل قوله: لا تثريب يا خليفة رسول الله .. فبايعاه] فتكلم أبو بكر فحمد الله وأثنى عليه بالذي هو أهله .. ثم قال: أما بعد أيها الناس .. فإني قد وليت عليكم ولست بخيركم فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوموني ... الصدق أمانة والكذب خيانة .. والضعيف فيكم قوي عندي حتى أريح عليه حقه إن شاء الله .. والقوي فيكم ضعيف عندي حتى آخذ الحق منه إن شاء الله .. لا يدع قوم الجهاد في سبيل الله إلا ضربهم الله بالذل .. ولا تشيع الفاحشة في قوم قط إلا عمهم الله بالبلاء .. أطيعوني ما أطعت الله ورسوله
стр. 1345
فإذا عصيت الله رسوله فلا طاعة لي عليكم .. قوموا إلى صلاتكم يرحمكم الله" (١) فنهض الجميع إلى الصلاة خلف أبي بكر في يوم امتزج فيه الأسى بالطمأنينة .. فرسول الله ﷺ مازال مسجى لم يدفن بعد والأمة قد اجتمع أمرها على خليفة لرسول الله .. وبعد أداء الصلاة بدأ الإعداد لـ
تغسيل النبي ﷺ وتكفينه
فقد قال الخليفة الجديد أبو بكر لأبناء عمه ﷺ : "دونكم صاحبكم لبني عم رسول الله ﷺ -يعني في غسله- يكون أمره" (٢)
وكان ذلك في آخر النهار فكان الذي تولى تغسيله علي بن أبي طالب ﵁ ولا أدري بالتحديد من هم الصحابة الذين شاركوه في تغسيله من أبناء عمومته .. لكنهم كانوا في حيرة من أمرهم قبل أن يبدأوا بتغسيله ﵇ .. هل يخلعون ثيابه أم يغسلونه في ثيابه التي مات بها وقد كانت هذه الثياب "إزار غليظ مما يصنع باليمن وكساء من التي يسمونها الملبدة" (٣) وعائشة ﵂ "تقسم بالله إن رسول الله ﷺ قبض في هذين الثوبين" (٤) وبينما هم في حيرتهم تلك نزلت
стр. 1346
آخر المعجزات عند غسله
تقول عائشة ﵂: "لما أرادوا غسل رسول الله ﷺ اختلفوا فيه فقالوا: والله ما ندري أنجرد رسول الله ﷺ من ثيابه كما نجرد موتانا أو نغسله وعليه ثيابه؟
فلما اختلفوا ألقى الله عليهم النوم حتى ما منهم رجل إلا ذقنه في صدره ثم كلمهم مكلم من ناحية البيت لا يدرون من هو أن اغسلوا النبي وعليه ثيابه .. فقاموا إلى رسول الله فغسلوه وعليه قميصه يصبون الماء فوق القميص ويدلكونه والقميص دون أيديهم" (١) أي أنهم يدلكون القميص على جسده ﵊ بعد سكب الماء على الثوب .. وكان علي ﵁ يتأمل رسول الله ﷺ وهو يغسله وكأنه يبحث عن شيء فيقول: "غسلت رسول الله ﷺ فجعلت انظر ما يكون من الميت فلم أر شيئًا وكان طيبًا حيًا وميتًا ﷺ " (٢) وبعد أن انتهوا من غسله ندمت عائشة قائلة: "لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما غسله إلا نساؤه" (٣) أي أنها تمنت لو غسله نساؤه فهن في نظرها أولى من الرجال وهو الأصوب وكأنها تتذكر ابتسامته ﵇ لها قبل أسبوع .. حيث تقول ﵂: "رجع إلي رسول الله ﷺ ذات يوم من جنازة بالبقيع وأنا
стр. 1347
أجد صداعًا في رأسي وأنا أقول: وارأساه .. قال: بل أنا يا عائشة وارأساه ثم قال: وما ضرك لو مت قبلي فغسلتك وكفنتك وصليت عليك ثم دفنتك .. قلت: لكأني بك أن لو فعلت ذلك قد رجعت إلى بيتي فأعرست فيه ببعض نسائك فتبسم رسول الله ﷺ " (١) وكأنها فهمت من هذا الحديث أن تغسيل الزوج لزوجته والعكس هو الأولى .. لكن ذلك لم يحدث وشرف الله عليًا ومن معه بتغسيل نبيه وقبل أن ينتهي علي ﵁ ومن معه من تغسيله
مزج الماء بالكافور
في آخر غسلة لجسد النبي ﷺ وهي السنة التي أرشد إليها ﵇ من يغسلون الموتى وهي تساعد على نقاء جسد الميت ونظافته .. وقد حضر الصحابي عبد الله بن مغفل ﵁ ذلك العمل فروى ذلك لمن حوله فقال: "إذا أنا مت فاغسلوني واجعلوا في آخر غسلة كافورًا" (٢)
ثم قال: "فإني رأيت رسول الله ﷺ فعل ذلك به" (٣)
стр. 1348
وبعد أن انتهى علي ومن معه من تغسيله ﷺ قام علي بـ
تطييبه ﵇
فقد طيبه علي ﵁ بمسك ثم احتفظ بباقيه كي يحنط به عند موته .. يقول أحد أصحاب علي: "كان عند علي مسك فأوصى أن يحنط به .. وقال علي: وهو فضل حنوط رسول الله ﷺ " (١) أي باقي المسك الذي طيب به النبي ﷺ .. ولما انتهوا من تطييبه بدأوا بـ:
تكفينه ﷺ
فجاء عبد الله بن أبي بكر الصديق بحلة يمانية غالية اشتراها لكي يكفن فيها النبي ﷺ .. فكفن فيها ثم تشاور الصحابة .. فأحسوا بأن الأمر فيه تكلف فنزعوها عنه ثم كفن ﵊ في ثلاث أثواب قطنية بسيطة ليس من ضمنها قميص أو عمامة .. تقول عائشة ﵂: "كفن رسول الله ﷺ في ثلاثة أثواب بيض سحولية من كرسف ليس فيها قميص ولا عمامة .. أما الحلة فإنما شبه على الناس فيها أنها اشتريت له ليكفن فيها فتركت الحلة وكفن في ثلاثة أثواب بيض سحولية .. فأخذها عبد الله بن أبي بكر فقال: لأحبسنها حتى أكفن فيها نفسى .. ثم قال: لو رضيها الله لنبيه لكفنه فيها .. فباعها وتصدق بثمنها" (٢).
стр. 1349
ولما فرغوا ﵃ من تكفينه أرادوا:
الصلاة عليه
وقد كان الصحابة ﵃ قد سألوا أبا بكر فقالوا: "يا صاحب النبي ﷺ .. هل يصلى على النبي ﷺ .. قال: نعم" (١) وكان بيت النبي ﷺ ومسجده محاطًا بجموع الصحابة رجالًا ونساء وأطفالًا ينتظرون الصلاة عليه .. لكن بيت عائشة لا يتسع لهم جميعًا فقد قدم صحابة من أطراف المدينة وما حولها .. ولا يمكن أن تحرم هذه الجموع المحبة المفجوعة من الصلاة على نبيها ووداعه والدعاء له .. فسألوا أبا بكر ﵁ عن كيفية الصلاة على النبي ﷺ فقالوا: "يا صاحب النبي ﷺ هل يصلى على النبي ﷺ قال: نعم .. قالوا: وكيف يصلى عليه؟ قال: يدخل قوم فيكبرون ويدعون ويجيء آخرون" (٢) فنظموهم مجموعات مجموعات وحددوا أحد أبواب عائشة للدخول وآخر للخروج بعد أداء الصلاة .. يقول أحد الذين شاهد تدفق أمواج الحب تلك: "لما قبض رسول الله ﷺ قالوا: كيف نصلي عليه؟
قالوا: ادخلوا من ذا الباب أرسالًا أرسالًا فصلوا عليه واخرجوا من الباب الآخر" (٣) فتحولت الحشود إلى مجموعات صغيرة ودخلت بترتيب
стр. 1350
وسكينة وخشوع مخضبة بالدموع والبكاء .. فتحول المسجد وبيت عائشة إلى ساحة من النحيب والأنِين والرضا بقضاء الله والحمد للذي لا يحمد على مكروه سواه .. ولا أدري ما هي حال المكان بعد دخول أمهات المؤمنين وبقية النساء .. لا أدري ما هي حال الفقراء والمساكين وأهل الصفة وهم يصلون على كافلهم والحاني عليهم .. وكيف هي حال المدينة كلها في ذلك اليوم الثقيل المؤلم ..
انتهى الرجال والنساء والأطفال من الصلاة على النبي ﷺ فإذا الدنيا مساء وإذا الشمس قد غربت فلم يجدوا بدًا من:
دفنه ليلًا
في غرفه عائشة وذلك لأنه المكان الذي توفي فيه وقد سألوا أبا بكر عن ذلك فقالوا: "يا صاحب النبي ﷺ هل يدفن النبي ﷺ ؟ قال: نعم قالوا: وأين يدفن؟ قال: في المكان الذي قبض الله فيها روحه فإنه لم يقبض روحه إلا في مكان طيبة" (١) وتقول عائشة ﵂: "لما مات النبي ﷺ قالوا: أين يدفن فقال أبو بكر: في المكان الذي مات فيه" (٢) لكن الصحابة قد تحيروا من ذهولهم في كيفية شكل قبره هل يضرحون له أم يلحدونه .. تقول عائشة الحزينة عائشة التي فقدت دلال حبيبها وعنايته: "لما توفي رسول الله ﷺ كان رجل يلحد وآخر يضرح فقالوا: نستخير
стр. 1351
ربنا فبعث إليهما فأيهما سبق تركناه فأرسل إليهما فسبق صاحب اللحد فألحدوا له" (١)
والضريح شق في الأرض أما اللحد فشق كذلك ولكن في أسفله وبالتحديد في جهة القبلة منه ميل في زاوية القبر يوضع فيها الميت على جنبه الأيمن تجاه القبلة .. ولما وصل الرجل الذي يلحد حفر لحدًا للنبي ﷺ وعاونه بعض الصحابة .. كانت المساحي تحفر قلب عائشة ومن معها .. وتدمي قلوب المؤمنين الساهرين حول بيت نبيهم ﷺ .. تقول عائشة ﵂: "ما شعرنا بدفن النبي ﷺ حتى سمعنا صوت المساحي من آخر الليل" (٢) .. وكان عدد الذين دخلوا القبر أربعة رجال أو أكثر .. يقول ابن عباس ﵄: "أنه دخل قبر النبي ﷺ علي والفضل وأسامة" (٣) وقال أحد الصحابة "إنهم أدخلوا عبد الرحمن بن عوف فكأني أنظر إليهم في القبر أربعة" (٤) .. وبعد أن أتموا حفر قبره الشريف ودخلوه
стр. 1352
فرشوا على أرض القبر كساء أحمر يسمى قطيفة يقول ابن عباس ﵄: "جعل في قبر رسول الله ﷺ قطيفة حمراء" (١).
وبعد أن فرشت تلك القطيفة قال علي ﵁: "إنما يلي الرجل أهله" (٢) ويبدو أن عبد الرحمن خرج مكسورًا من القبر فنزل بدلًا منه قثم بن العباس ﵃ جميعًا .. وحانت ساعة الوداع المريرة .. حان وضع الحبيب في قبره فلن تراه العيون بعد اليوم إلا يوم القيامة .. حانت ساعة النحيب المر في ليلة كان السهر والحزن هو الجليس لأهل المدينة .. حيث حمل النبي ﷺ من فوق السرير فاستلمه علي ومن معه في القبر فأدخلوه في اللحد على جنبه الأيمن باتجاه القبلة ثم جعلوا اللِّبْنَ منصوبًا على اللحد .. وكان سعد بن أبي وقاص ﵁ يشهد المنظر ويقول لمن حوله: "ألحدوا لي لحدًا وانصبوا علي اللبن نصبًا كما صنع برسول الله ﷺ " (٣)
وبعد أن فعل علي ومن معه ﵃ ذلك خرجوا ليهيلوا التراب على القبر وكان آخر من خرج من القبر قثم بن العباس .. يقول علي ﵁: "أحدث الناس عهدًا برسول الله ﷺ قثم بن
стр. 1353
عباس" (١) .. لكن المغيرة بن شعبة كان يرقب المشهد بألم .. كان يفرك دهاءه كي يمس النبي ﵇ في قبره قبل أن يهال التراب عليه: "فلما وضع في لحده ﷺ قال المغيرة: قد بقي من رجليه شيء لم يصلحوه قالوا: فادخل فأصلحه فدخل وأدخل يده فمس قدميه فقال: أهيلوا علي التراب فأهالوا عليه التراب حتى بلغ أنصاف ساقيه ثم خرج فكان يقول: أنا أحدثكم عهدًا برسول الله ﷺ " (٢).
ثم أهالوا التراب والدموع عليه وبكاه من في بيت عائشة ومن في المسجد ومن في الطرقات والمنازل .. بكوا ذلك النبي الذي كان أرحم الناس بهم وأحب الناس إليهم .. بكوا محمدًا الذي كانت مصيبة موته تخفف كل المصائب التي تمر بالمؤمنين .. محمدًا الذي فارق الحياة جسدًا لكنه بقي سنة ومنهجًا .. نهض الصحابة من عند قبره مثقلين بالكمد
стр. 1354
محملين بسنته وقرآن ربه وربهم .. نهض الصحابة بعد دفنه ولم يعكفوا عند قبره ولم يحولوا ذلك القبر إلى مزار مرصع بالجواهر مطلي بالذهب .. بل إن عائشة استمرت في السكن في بيتها ولم تفارقه .. أما الصحابة فلم يضيعوا أوقاتهم عند قبره بتلاوة الأشعار والمدائح والبكائيات الفارغة بل ولا بقراءة القرآن .. لقد علمهم ﵊ كيف يصنعون الحياة .. كيف يشرقون كالشمس في عروق المستقبل والأجيال .. نهضوا من عند قبره فحملوا رسالته إلى العالم لينقذوه بها كما أنقدهم هو قبل ذلك بها .. فصلى الله عليه وسلم وجزاه عنا خير ما جزى نبيًا عن أمته وجمعنا به في جناته.