← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 1296–1335 · переход к 1301.

стр. 1296

الله ﷺ مرت به ظعن يجرين فطفق الفضل ينظر إليهن فوضع رسول الله ﷺ يده على وجه الفضل فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر فحول رسول الله ﷺ يده من الشق الآخر على وجه الفضل يصرف وجهه من الشق الآخر ينظر حتى" (١) مر بطريقه بوادى محسر وهو الوادي الذي أهلك الله فيه أصحاب الفيل ولذلك أسرع بالسير حتى تجاوز الوادي وهو مستمر في التلبية .. يقول جابر ﵁: "أتى بطن محسر فحرك قليلًا ثم سلك الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى حتى" (٢) وصل إلى منى عندها توقف لالتقاط الحصى .. لكن ما هو حجم الحصى وهل يزيد الأجر كما كبر حجم الحصاة الإجابة بالعكس .. يرويها لنا ابن عباس الذي أوصاه النبي ﷺ بالتقاط الحصى وحدد له: حجم الحصى قال ابن عباس: "قال رسول الله ﷺ غداة العقبة وهو واقف على راحلته: هات القط لي فلقطت له حصيات وهي حصا الخذف (٣) فلما وضعتهن في يده قال: نعم بأمثال هؤلاء فارموا .. بأمثال هؤلاء فارموا ..

стр. 1297

بأمثال هؤلاء فارموا .. وإياكم والغلو في الدين فإنما أهلك من كان قبلكم الغلو في الدين" (١) ومن الغلو في الدين الرمي بأحجار كبيرة أو بالأحذية أو أي شيء غير حصى الخذف الصغير .. أخبر النبي ﷺ أصحابه بسنته ثم "أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل حصاة منها حصى الخذف رمى من بطن الوادي" (٢) كان ﵇ يكبر فقط يعني يقول: الله أكبر لا يزيد ولا ينقص عليها شيء .. وهذا معناه أنه: توقف عن التلبية عند الرمي كما يقول رديفه الفضل بن عباس ﵄: "إن النبي ﷺ لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة" (٣) وهذا معناه أنه ترك التلبية عند بدء الرمي مباشرة لأنه انشغل بالتكبير أثناء الرمي .. "فرمى الجمرة بسبع حصيات وجعل البيت عن يساره ومنى عن يمينه" (٤) وقد كان ﵇ يرمي جمرة العقبة راكبًا ويقدم لأمته صورة من صور التلاحم والتواضع والسكينة وضبط النفس في شدة الزحام التي

стр. 1298

تحتاج إلى هذا المستوى الرفيع من التعامل والأخلاق والقيادة .. الصحابة يروون: عظمة هذا النبي يوم الرمي يقول أحد الصحابة ﵁ "رأيت رسول الله ﷺ يوم النحر على ناقته صهباء لا ضرب ولا طرد ولا إليك إليك" (١) أي أن الناس لا يُضربون ولا يُدفعون أثناء مروره بل لا يقال لهم أفسحوا الطريق أو ابتعدوا كي يمر .. كان جزءًا من أمته يسبح في مشاعرها وتسبح في مشاعره .. يمتع ناظريه بهم ويمتعون أنظارهم به .. صحابية أخرى تدعى: أم الحصين "تقول حججت مع رسول الله ﷺ حجة الوداع فرأيته حين رمى جمرة العقبة وانصرف وهو على راحلته ومعه بلال وأسامة أحدهما يقول به راحلته والآخر رافع ثوبه على رأس رسول الله ﷺ من الشمس .. فقال رسول الله ﷺ قولًا كثيرًا ثم سمعته يقول: إن أمر عليكم عبد مجدع أسود يقودكم بكتاب الله تعالى فاسمعوا له وأطيعوا" (٢) ويقول جابر ﵁: "رأيت النبي ﷺ يرمي على راحلته يوم النحر ويقول لتأخذوا مناسككم فإني لا أدري لعلي لا أحج بعد حجتي هذه" (٣) ثم تحرك ﵇ متوجهًا

стр. 1299

نحو المذبح لينحر هديه بيده ولذلك سمي هذا اليوم بـ (يوم النحر) ولما وصل ﵇ قام بذبح ثلاث وستين منها بيده ثم ترك لعلي ﵁ الباقي ليذبحه .. يقول جابر ﵁: "ثم انصرف إلى النحر فنحر ثلاثًا وستين بيده" (١) ثم بين لهم: سنته في نحر الإبل يقول ابن عمر ﵁ عن هدي النبي ﷺ في نحر هديه من الإبل: "كان هو ينحر هديه بيده يصفهن قيامًا ويوجههن إلى القبلة ثم يأكل ويطعم" (٢) ولذلك لما شاهد ابن عمر رجلًا ينحر إبله وقد أناخها على الأرض قال له: "ابعثها قيامًا مقيدة سنة محمَّد ﷺ " (٣) أما: سنته في ذبح الغنم فقد بينها ﵇ قبل ذلك في المدينة يقول أنس ﵁ "ضحى النبي ﷺ بكبشين أملحين فرأيته واضعًا قدمه على صفاحهما يسمي ويكبر فذبحهما بيده" (٤) أي وضع قدمه على جنبها و"يقول باسم الله والله أكبر" (٥)

стр. 1300

وقال رجل لـ "ابن عباس ﵄: قوله ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ﴾ قال: إذا أردت أن تنحر البدنة فأقمها ثم قل: الله أكبر الله أكبر منك ولك .. ثم سم .. ثم انحرها .. قلت: وأقول ذلك في الأضحية؟ قال: والأضحية" (١) "ثم أمر ﷺ من كل بدنة ببضعة فجعلت في قدر فطبخت فأكلا من لحمها وشربا من مرقها" (٢) ثم بين لأصحابه: السماحة في مكان الذبح فقال: "نحرت ها هنا ومنى كلها منحر فانحروا في رحالكم" (٣) أي اذبحوا في أماكن إقامتكم في منى دون التكلف للذهاب إلى المذبح. أما عن الاشتراك في البقر أو الإبل فيقول جابر ﵁: "خرجنا مع رسول الله ﷺ مهلين بالحج فأمرنا رسول الله ﷺ أن نشترك في الإبل والبقر كل سبعة منا في بدنة" (٤) "فنحرنا البعير عن سبعة والبقرة عن سبعة" (٥)، ثم أرشدهم ﷺ إلى التيسير في أمر لحوم الهدي فبعد أن كانوا لا يأكلون لحوم الهدي إلا خلال ثلاثة أيام هى أيام منى سمح لهم بالأكل .. بل بالتزود من ذلك اللحم وأخذه معهم إلى

стр. 1301

ديارهم وخلال أسفارهم .. يقول جابر: "كنا لا نمسك لحوم الأضاحى فوق ثلاث فأمرنا رسول الله ﷺ أن نتزود منها ونأكل منها يعني فوق ثلاث" (١) ويجوز لمن شاء أن يأخذ من ذلك اللحم ما شاء إذا أذن صاحبه فقد قال أحد الصحابة الذين حضروا النبي ﷺ وهو يذبح واسمه: "عبد الله بن قرط قال: قال رسول الله ﷺ : إن أعظم الأيام عند الله يوم النحر ثم يوم القر وهو الذي يليه .. فقدمنا إلى رسول الله ﷺ بدنات خمس أو ست فطفقن يزدلفن (٢) إليه بأيتهن يبدأ فلما وجبت جنوبهم تكلم بكلمة خفية لم أفهمها فقلت للذي يليني: ما قال رسول الله ﷺ ؟ قال: من شاء اقتطع" (٣) وقد كان ذلك السلوك الكريم من النبي ﷺ تأثرًا بقوله تعالى: ﴿وَالْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا فَكُلُوا مِنْهَا وَأَطْعِمُوا الْقَانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذَلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٣٦) لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ (٣٧)﴾ (٤) وأرسل النبي ﷺ إلى زوجاته بلحم بقر كان قد ذبحه عنهن .. تقول عائشة ﵂: "دخل علينا يوم النحر بلحم بقر فقلت: ما هذا؟ قال: نحر رسول الله ﷺ عن أزواجه" (٥) لكن

стр. 1302

ماذا عن الذي لا يستطيع النحر ؟ لفقره مثلًا .. الحجاج ثلاثة أنواع: حاج مفرد نوى الحج فقط فليس عليه أن يذبح .. وحاج قارن أحضر معه هديه وانتهى أمره .. والحاج الثالث هو المتمتع وعليه ذبح هدي فإذا عجز عن الذبح لظرف من الظروف فعليه أن يصوم ثلاثة أيام في الحج وسبعة أيام إذا رجع إلى بلاده لأن الله سبحانه يقول: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦) الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ (١٩٧)﴾ (١). هذه الآيات التي تعلم بعض أحكام الحج توحي ببعض مكاسبه - ضبط النفس والتحكم في الغرائز المتوثبة والامتناع عن الانتصار لغرور الذات والتفوق الواهم .. آيات تنثر على دروب الحج عطورًا وتغمر أجواءه بنسيم بارد: حسن الخلق وحسن الجوار والإيثار .. ومن الأشياء التي تقدم للحاج المساعدة في أداء ذلك السلوك الجميل التزود بالمال والمركب والأمتعة التي تجعل الرحلة أكثر راحة والرفقة أكثر متعة .. فقد "كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون نحن المتوكلون فإذا قدموا مكة سألوا الناس فأنزل الله تعالى: ﴿وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ﴾ " (٢) إذًا فقد أرسل ﵇ لنسائه اللحم ثم نادى حلاقه ليقوم بـ:

стр. 1303

الحلق بعد النحر فبعد أن "انصرف إلى البدن فنحرها والحجام جالس وقال بيده عن رأسه فحلق شقه الأيمن" (١) لقد "ناول الحالق شقه الأيمن فحلقه ثم دعا أبا طلحة الأنصاري فأعطاه إياه ثم ناوله الشق الأيسر فقال: احلق .. فحلقه .. فأعطاه أبا طلحة .. فقال: أقسمه بين الناس" وقد كان بيت أنس بن مالك أسعد الناس بشعره ﷺ .. فهو لم يعط أبا طلحة فقط .. بل أعطى زوجته أم سليم وهي أم أنس الذي يقول: "وزعه الشعرة والشعرتين بين الناس" (٢) "ثم أشار إلى الحلاق وإلى الجانب الأيسر فحلقه فأعطاه أم سليم" (٣) ثم قال ﷺ : "اللَّهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله .. وللمقصرين قال: اللَّهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله .. وللمقصرين قال: اللَّهم اغفر للمحلقين قالوا: يا رسول الله .. وللمقصرين قال: وللمقصرين" (٤) أما النساء فقال ﷺ : "ليس على النساء حلق إنما على النساء التقصير" (٥) ثم توجه ﷺ إلى عائشة لتطيبه وهذا يعني أنه قد أبيح له الطيب

стр. 1304

وانتهى من الإحرام .. تقول ﵂: "طيبت رسول الله ﷺ بيدي هاتين حين أحرم ولحله حين أحل قبل أن يطوف وبسطت يديها" (١) وتقول: "طيبت رسول الله ﷺ لحرمه حين أحرم ولحله قبل أن يفيض بأطيب ما وجدت" (٢) ومعنى يفيض أي يطوف بالبيت طوافًا آخر يسمى طواف الإفاضة .. وبعد أن تطيب ﷺ : خطب الناس يوم النحر وخاطب فيهم إيمانهم بالله .. خاطب فيهم هذا الصفاء وهذه الأخوة الرائعة آملًا أن تستمر دون منغصات .. قال ﷺ : "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض .. السنة اثنا عشر شهرًا منها أربعة حرم ثلاث متواليات: ذو القعدة .. وذو الحجة والمحرم .. ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان .. أي شهر هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم .. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس ذا الحجة؟ قلنا: بلى. قال: أي بلد هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم .. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس البلدة؟ قلنا: بلى. قال: فأي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم .. فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير اسمه قال: أليس يوم النحر؟ قلنا: بلى قال: فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم

стр. 1305

هذا .. في بلدكم هذا .. في شهركم هذا .. وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم .. ألا فلا ترجعوا بعدي ضلالًا يضرب بعضكم رقاب بعض .. ألا ليبلغ الشاهد الغائب فلعل بعض من يبلغه أن يكون أوعى له من بعض من سمعه .. ثم قال: ألا هل بلغت .. ألا هل بلغت" (١) وبعد أن انتهى ﵇ من خطبته سأله بعض الصحابة عن أشياء كانت الإجابة عليها كلها واحدة هي: لا حرج يقول عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄ "إنه شهد النبي ﷺ يخطب يوم النحر فقام إليه رجل فقال: كنت أحسب أن كذا قبل كذا ثم قام آخر فقال كنت أحسب أن كذا قبل كذا" (٢) لقد "وقف رسول الله ﷺ على راحلته فطفق ناس يسألونه فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم أكن أشعر أن الرمي قبل النحر فنحرت قبل الرمي؟ قال رسول الله ﷺ : فارم ولا حرج وطفق آخر يقول: إني لم أشعر أن النحر قبل الحلق فحلقت قبل أن أنحر؟ فيقول: انحر ولا حرج .. فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء ويجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال رسول الله ﷺ : افعلوا ذلك ولا حرج" (٣) ثم: توجه ﵇ لمكة لأداء

стр. 1306

طواف الإفاضة يقول جابر ﵁: "ثم ركب رسول الله ﷺ فأفاض إلى البيت" (١) .. ومعنى أفاض أي طاف طوافًا يسمى طواف الإفاضة وقد كان ﵇ في طوافه ذلك راكبًا لشدة الزحام كما، تقول عائشة ﵂: "طاف النبي ﷺ في حجة الوداع حول الكعبة على بعيره يستلم الركن كراهية أن يضرب عنه الناس" (٢) أما جابر فيعتقد أن هناك سببًا آخر هو تعليم الناس المناسك .. يقول ﵁: "طاف النبي ﷺ في حجة الوداع على راحلته بالبيت وبالصفا والمروة ليراه الناس وليشرف وليسألوه فإن الناس غشموه" (٣) .. وهنا يتساءل المسلم كيف يستلم ﵇ الحجر وهو راكب على بعير .. والإجابة عند ابن عباس ﵄ الذي يقول: "إن رسول الله ﷺ طاف بالبيت وهو على بعير كلما أتى على الركن أشار إليه بشيء في يده وكبر" (٤) سألنا الصحابي أبا الطفيل ﵁ ما هذا الشىء الذي بيده فقال: "رأيت رسول الله ﷺ يطوف بالبيت ويستلم الركن بمحجن معه ويقبل المحجن" (٥) والمحجن هو العصا المعوجة الرأس ويسمى الصولجان أيضًا .. لكن ماذا عن الأشخاص ضعيفي البنية الذين لا يستطيعون الزحام وشدته .. ها هي أم المؤمنين أم سلمة ﵂ تتوجه للنبي ﷺ وهو

стр. 1307

يصلي داخل المسجد لتسأله عن طوافها وضعفها وتقول: "شكوت إلى رسول الله ﷺ أني أشتكي .. فقال: طوفي من وراء الناس وأنت راكبة قالت: فطفت" (١) وطافت فاطمة بنت النبي ﷺ وصفية وبقية أمهات المؤمنين حتى عائشة التي كانت سعيدة أكثر من غيرها بهذا اليوم .. فقد طهرت فيه من حيضها وأصبح بإمكانها الطواف بالبيت بعد أن أدت مع الحجيج مناسك الحج كلها عدا الطواف .. وإذا كانت عائشة قد طهرت وطافت فإن صفية قد طافت ثم أصابها الدم بعد طوافها وعن ذلك تقول عائشة ﵂ "حججنا مع النبي ﷺ فأفضنا يوم النحر فحاضت صفية .. فأراد النبي ﷺ منها ما يريد الرجل من أهله فقلت: يا رسول الله .. إنها حائض قال: حابستنا هي .. قالوا: يا رسول الله .. أفاضت يوم النحر .. قال: اخرجوا" (٢) ويعني بذلك أنها لو حاضت قبل طواف الإفاضة لوجب عليها أن لا تسافر حتى تطوف طواف الإفاضة .. لكنها إذا أدت طواف الإفاضة فعليها إكمال باقي مناسك حجها ثم السفر دون حاجة إلى طواف الوداع قبل مغادرة مكة .. أكمل النبي ﷺ طوافه وصلى ركعتي الطواف ثم قام بـ: التوجه نحو بئر زمزم للشرب منه يقول جابر: "فأتى بني عبد المطلب يسقون على زمزم فقال: انزعوا بني عبد المطلب فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت معكم .. فناولوه دلوًا فشرب منه" (٣) ثم توجه ﵇ إلى منى

стр. 1308

العودة بعد الإفاضة إلى منى يقول عبد الله بن عمر ﵄: "إن رسول الله ﷺ أفاض يوم النحر ثم رجع فصلى الظهربمنى" (١) "فكان ابن عمر يفيض يوم النحر ثم يرجع فيصلي الظهر بمنى ويذكر أن النبي ﷺ فعله" (٢) عاد ﷺ إلى منى ليمضي بقية أيام الحج في منى وتسمى هذه الأيام الباقية: "أيام التشريق" وهي: اليوم الحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر من ذي الحجة .. وخلال تلك الأيام يجب على الحاج أن يبيت بمنى لكن يجوز له التحرك خارج منى وزيارة الكعبة لكن مبيته ونومه يجب أن يكون في منى .. وخلال تلك الأيام أيضًا يجب على الحاج أن يرمي الجمرات الثلاث يوميًا كل جمرة بسبع حصيات .. ووقت الرمي يختلف عن وقت الرمي يوم النحر يقول جابر ﵁: "رمى رسول الله ﷺ الجمرة يوم النحر ضحى وأما بعد فإذا زالت الشمس" (٣) أي أن رمي أيام التشريق يكون بعد تحرك الشمس من منتصف السماء نحو الغروب سنته ﵇ وطريقته في الرمي: هي أنه يأتي للجمرة الأولى وهي الصغرى فيرميها بسبع حصيات يقول بعد كل رمية: الله أكبر .. فإذا انتهى من الرمي تحرك عن يمينه ثم استقبل القبلة ورفع يديه ودعا طويلًا ثم يتحرك نحو الجمرة الوسطى ثم يرميها بسبع حصيات يكبر بعد كل

стр. 1309

حصاة .. ثم يتحرك عن يساره ويستقبل القبلة ويدعو دعاءً طويلًا رافعًا يديه .. ثم يتحرك نحو جمرة العقبة فيرميها بسبع حصيات ثم يغادرها دون أن يقف عندها .. فابن عمر ﵄ "كان يرمي الجمرة الدنيا بسبع حصيات يكبر على إثر كل حصاة ثم يتقدم حتى يسهل فيقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه ثم يرمي الوسطى ثم يأخذ ذات الشمال فيسهل ويقوم مستقبل القبلة فيقوم طويلًا ويدعو ويرفع يديه ويقوم طويلًا ثم يرمي جمرة ذات العقبة من بطن الوادي ولا يقف عندها ثم ينصرف فيقول هكذا رأيت النبي ﷺ يفعله" (١) وذلك لمدة ثلاثة أيام هي أيام التشريق .. لكن من الممكن: الاكتفاء بالرمي يومين فقط وذلك إذا تمكن الحاج من مغادرة حدود منى قبل أن تغرب الشمس في اليوم الثاني من أيام التشريق وهو اليوم الثاني عشر من ذي الحجة لقول الله تعالى: ﴿وَاذْكُرُوا اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)﴾ (٢) ولذلك قال ابن عمر ﵄: "من غربت له الشمس من أوسط أيام التشريق وهو بمنى فلا ينفرن حتى يرمي الجمار من الغد" (٣) لكن

стр. 1310

هل المبيت في مني واجب على كل الحجيج النبي ﷺ سمح للمضطرين وأصحاب الأعذار في المبيت خارج منى فقد "استأذن العباس بن عبد المطلب ﵁ رسول الله ﷺ أن يبيت بمكة ليالي منى من أجل سقايته فأذن له" (١) والسقاية هي تقديم الشراب إكرامًا لضيوف بيت الله .. يقول ابن عباس ﵄ عن سقايتهم: "إن رسول الله ﷺ جاء إلى السقاية فاستسقى فقال العباس: يا فضل .. اذهب إلى أمك فأت رسول الله ﷺ بشراب من عندها .. فقال: اسقني .. قال: يا رسول الله .. إنهم يجعلون أيديهم فيه قال: اسقني فشرب منه ثم أتى زمزم وهم يسقون ويعملون فيها فقال: اعملوا فإنكم على عمل صالح .. ثم قال: لولا أن تغلبوا لنزلت حتى أضع الحبل على هذه يعني عاتقه وأشار إلى عاتقه" (٢). وكان العباس يقدم النبيذ المباح الذي لم يتحول إلى خمر وقد انتقد أحد الأعراب بني العباس تقديمهم للنبيذ يقول أحد الجالسين أثناء ذلك الحوار واسمه: بكر بن عبد الله المزني "كنت جالسًا مع ابن عباس عند الكعبة فأتاه أعرابي فقال: ما لي أرى بني عمكم يسقون العسل واللبن وأنتم تسقون النبيذ .. أمن حاجة بكم أم من بخل؟ فقال ابن عباس: الحمد لله ما بنا من حاجة ولا بخل .. قدم النبي ﷺ على راحلته وخلفه أسامة فاستسقى .. فأتيناه بإناء من نبيذ فشرب وسقى فضله أسامة وقال: أحسنتم وأجملتم كذا فاصنعوا .. فلا نريد تغيير ما أمر به رسول الله ﷺ " (٣)

стр. 1311

من أجل ذلك توجه العباس نحو مكة للمبيت بها من أجل السقاية .. كما أذن النبي ﷺ : للرعاة أن يرموا بالليل حيث "رخص للرعاء أن يرموا بالليل وأن يجمعوا الرمي" (١) "وقد أوضح الصحابي الذي روى هذا الحديث معنى الجمع بقوله: "إن النبي ﷺ رخص للرعاة أن يرموا يومًا ويدعوا يومًا" (٢) أخبر ﵇ أصحابه بذلك وقضى أيام التشريق بمنى ولما انتهت أيام التشريق الثلاثة توجه نحو مكة ليطوف بالكعبة طواف الوداع وبين لأصحابه أن: طواف الوداع واجب فقال لهم: "لا ينفرن أحد حتى يكون آخر عهده بالبيت" (٣) ثم طاف النبي ﷺ طواف الوداع سبعة أشواط يفعل مثل ما كان يفعل في الطواف السابق .. وفعل الصحابة مثل ما فعل لكن:

стр. 1312

ماذا عن المرأة الحائض وطواف الوداع هل تحبس من معها حتى تطهر أم تغادر مكة معهم ولا شيء عليها .. هذه المشكلة تعرضت لها أم المؤمنين صفية بنت حيي بن أخطب ﵂ .. تحكي عائشة قصتها فتقول: "إن صفية بنت حيي زوج النبي ﷺ حاضت فذكرت ذلك لرسول الله - صلى الله عليه سلم - .. فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت قال فلا إذًا" (١) أي أنها لن تحبسكم عن الخروج فليس عليها طواف وداع ولذلك قال ﷺ لما أخبروه: "قالوا: يا رسول الله .. أفاضت يوم النحر قال: اخرجوا" (٢) ويقول ابن عباس: "أمر الناس أن يكون آخر عهدهم بالبيت إلا أنه خفف عن المرأة الحائض" (٣) ولكن بشرط أن تكون قد طافت طواف الإفاضة .. وقبل أن يخرج النبي ﷺ حدد لأصحابه مكانًا للاجتماع قبل الانطلاق .. اسمه: (المحصب) وهو ذلك المكان الذي يحمل ذكريات مريرة جدًا للنبي ﵇ وأهله وصحابته عندما حاصرتهم قريش فيه وقاطعتهم ومنعت الاتصال بهم والتعامل معهم .. قال أسامة بن زيد: "قلت: يا رسول الله .. أين تنزل غدًا في حجته قال: وهل ترك لنا عقيل مترلًا؟ ثم قال نحن نازلون غدًا بخيف بني كنانة المحصب" (٤) فيقول ﵇: "حين أراد أن ينفر من منى نحن نازلون غدًا إن شاء الله بخيف بني كنانة .. حيث تقاسموا على الكفر يعني بذلك المحصب وذلك أن قريشًا وبني كنانة .. تقاسموا على بني هاشم وبني

стр. 1313

المطلب أن لا يناكحوها ولا يكون بينهم شيء حتى يسلموا إليهم رسول الله ﷺ " (١). خرج النبي ﷺ وخرج الصحابة ﵃ ولكن قبل خروجهم طلبت عائشة من النبي ﵇ طلبًا فيه قربة إلى الله: عائشة تريد أداء العمرة وهي تشتكي من أن الناس سوف يرجعون إلى ديارهم وقد أدوا عمرة وحجًا أما هي فستعود وقد أن حجة فقط .. تقول ﵂: "قدمت مكة وأنا حائض .. لم أطف بالبيت ولا بين الصفا والمروة .. فشكوت ذلك إلى رسول الله ﷺ فقال: انقضي رأسك وامتشطي وأهلى بالحج ودعي العمرة .. قالت: ففعلت فلما قضينا الحج" (٢) "قالت: يا رسول الله يرجع الناس بحجة وعمرة وأرجع بحجة" (٣) "أيرجع الناس بأجرين وأرجع بأجر فأمر عبد الرحمن ابن أبي بكر أن ينطلق بها إلى التنعيم قالت: فأردفني خلفه على جمل له" (٤) لكي تحرم بالعمرة من ذلك المكان الذي يسمى (التنعيم) وهو مكان خارج الحرم .. تقول ﵂: إن النبي ﷺ قال: "اذهبي مع أخيك إلى التنعيم فأهلى بعمرة ثم موعدك كذا وكذا" (٥) وتقدم عائشة تفصيلات أكثر عن ذلك المكان الذي حدده النبي ﷺ ويسمى: المحصب .. تقول

стр. 1314

رضي الله عنها: "خرجت معه في النفر الآخر حتى نزل المحصب .. ونزلنا معه فدعا عبد الرحمن ابن أبي بكر .. فقال: اخرج بأختك من الحرم فلتهل بعمرة ثم افرغا ثم ائتيا ها هنا فإني أنظركما حتى تأتياني .. قالت: فخرجنا حتى إذا فرغت وفرغت من الطواف ثم جئته بسحر فقال: هل فرغتم؟ فقلت: نعم فآذن بالرحيل في أصحابه فارتحل الناس فمر متوجهًا إلى المدينة" (١) فتقول: "فلقيني النبي ﷺ وهو مصعد من مكة وأنا منهبطة عليها" (٢) "فاعتمرت فقال ﷺ : هذه مكان عمرتك" (٣) ثم لحقت هي وأخوها عبد الرحمن بالنبي ﷺ .. ولما التحقت عائشة بالركب حدثت قصص طريفة بين زوجات النبي ﷺ وبينه وبينهن .. لعبت الغيرة دورها المعتاد رغم عودة الجميع من رحلة الحج الرائعة .. وتألق النبي ﷺ كعادته بسلوكه التربوي الرائع .. في طريق الأشواق إلى المدينة كان النبي ﵇ يشعر بمعاناة و: شكوى زوجته صفية من جملها وقد كانت صفية قاسية على مشاعره الفياضة .. وقد استغلت صفية كون ذلك اليوم يومها كي تقطف المزيد من الحنان والدلال .. لكنها بالغت في الشكوى حتى كلفتها مبالغتها تلك متعة يومها ذلك .. يقول أنس بن مالك ﵁: "كانت صفية مع رسول الله ﷺ في سفر وكان ذلك يومها فأبطأت في المسير فاستقبلها رسول الله ﷺ وهي تبكي وتقول حملتني على بعير

стр. 1315

بطيء فجعل رسول الله ﷺ يمسح بيديه عينيها فأبت إلا بكاء [وجعلت تزداد بكاء وهو ينهاها فلما أكثرت زبرها وانتهرها وأمر الناس بالنزول فنزلوا ولم يكن يريد أن ينزل] .. فغضب رسول الله ﷺ وتركها فقدمت فأتت عائشة فقالت: يومي هذا لك من رسول الله ﷺ إن أنت أرضيتيه عني .. فعمدت عائشة إلى خمارها وكانت صبغته بورس وزعفران فنضحته بشيء من ماء ثم جاءت حتى قعدت عند رأس رسول الله ﷺ فقال لها رسول الله ﷺ : ما لك؟ فقالت: ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء فعرف رسول الله ﷺ الحديث فرضي عن صفية وانطلق إلى زينب فقال لها: إن صفية قد أعيا بها بعيرها فما عليك أن تعطيها بعيرك قالت زينب: أتعمد إلى بعيري فتعطيه اليهودية؟ فهجرها رسول الله ﷺ ثلاثة أشهر فلم يقرب بيتها .. وعطلت زينب نفسها وعطلت بيتها وعمدت إلى السرير فأسندته إلى مؤخر البيت وأيست أن يأتيها رسول الله ﷺ .. فبينا هي ذات يوم إذا رسول الله ﷺ فدخل البيت فوضع السرير موضعه فقالت زينب: يا رسول الله .. جاريتي فلانة قد طهرت من حيضتها اليوم هي لك فدخل عليها رسول الله ﷺ ورضي عنها" (١) كان بيت النبوة بيتًا كبقية البيوت يجري فيه ما يجري في تلك البيوت

стр. 1316

من خصومة لكن النبي ﷺ كان يقدم من خلال تلك الخلافات حلولًا لأمته دون مثالية أو إسفاف .. حفصة تسب صفية ربما وجدت حفصة بنت عمر في أصل صفية اليهودي مكانًا جيدًا للوخز والإيلام وإشباعًا لغيرتها منها .. لكن صفية وجدت الإنصاف في كلمات زوجها العذبة الحانية .. يقول أنس ﵁: "بلغ صفية أن حفصة قالت: يا بنت يهودي .. فبكت، فدخل عليها النبي ﷺ وهي تبكي .. فقال: ما يبكيك؟ فقالت: قالت حفصة إني ابنة يهودي قال النبي ﷺ : إنك لابنة نبي وإن عمك لنبي وإنك لتحت نبي فبم تفخر عليك ثم قال: اتقى الله يا حفصة" (١) فأي نسب بعد هذا النسب لكنها الغيرة التي تلم بالمرأة والتي لا يجب أن تتحول إلى عداوة أو شحناء أو إضرار بالآخر .. وهو فن يجيده النبي ﷺ ويتفنن في تشكيله لنساء الأمة ورجالها .. وهن معذورات فالرجل الذي يغرن عليه ليس كبقية الرجال .. إنه محمَّد ﷺ الذي كانت عائشة من فرط حبا ووَلَهِهَا به تتحسس فراشه وهو نائم خشية أن يغادره. ذات ليلة كان نائمًا معها فاستيقظت فلم تجده .. فينتابها شعور تتحدث عنه فتقول: "افتقدت النبي ﷺ ذات ليلة فظننت أنه ذهب إلى بعض نسائه .. فتحسست ثم رجعت فإذا هو راكع أو ساجد يقول سبحانك وبحمدك لا

стр. 1317

إله إلا أنت .. فقلت: بأبي أنت وأمي إني لفى شأن وإنك لفى آخر" (١) إنه الحب الذي يذهل صاحبه ويذهل عائشة حتى كررت فعلها مرة أخرى ولكن بصورة أشد تأثرًا .. تقول ﵂: "ألا أحدثكم عني وعن رسول الله ﷺ ؟ قلنا: بلى .. قالت: لما كانت ليلتي التي كان النبي ﷺ فيها عندي انقلب فوضع رداءه وخلع نعليه فوضعهما عند رجليه وبسط طرف إزاره على فراشه فاضطجع .. فلم يلبث إلا ريثما ظن أن قد رقدت فأخذ رداءه رويدًا وانتعل رويدا وفتح الباب فخرج .. ثم أجافه رويدًا فجعلت درعي في رأسي واختمرت وتقنعت إزاري .. ثم انطلقت على إثره حتى جاء البقيع فقام فأطال القيام .. ثم رفع يديه ثلاث مرات. ثم انحرف فانحرفت فأسرع فأسرعت فهرول فهرولت فأحضر فأحضرت .. فسبقته فدخلت فليس إلا أن اضطجعت فدخل فقال ما لك يا عائش حشيًا رابية؟ قلت: لا شيء قال: لتخبريني أو ليخبرني اللطيف الخبير. قلت: يا رسول الله .. بأبي أنت وأمي .. فأخبرته .. قال: فأنت السواد الذي رأيت أمامي. قلت: نعم .. فلهدني في صدري لهدة أوجعتني ثم قال: أظننت أن يحيف الله عليك ورسوله .. قالت: مهما يكتم الناس يعلمه الله نعم قال: فإن جبريل أتاني حين رأيت فناداني فأخفاه منك فأجبته فأخفيته منك ولم يكن يدخل عليك وقد وضعت ثيابك وظننت أن قد رقدت فكرهت أن أوقظك وخشيت أن تستوحشي .. فقال: إن ربك يأمرك أن تأتي أهل البقيع فتستغفر لهم قلت: كيف أقول لهم يا رسول الله؟ قال: قولي السلام على أهل الديار من المؤمنين والسلمين ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين وإنا إن شاء الله بكم للاحقون" (٢)

стр. 1318

وأنزل الله على نبيه ﷺ سورة النصر: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢) فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا (٣)﴾ وكان لنزول هذه السورة ظلالًا مؤثرًا ووقعًا تتحدث عنها عائشة وابن عباس حديثًا مؤثرًا فما هي: آثار سورة النصر تقول ﵂ "ما رأيت النبي ﷺ منذ نزل عليه إذا جاء نصر الله والفتح يصلي صلاة إلا دعا أو قال فيها: سبحانك ربي وبحمدك اللَّهم اغفر لي" (١) لم تترك هذه المرأة العظيمة هذا الأمر يمر دون استفسار فهي لا تحب رسول الله ﷺ فقط .. بل تحب سنته وتعشق التتلمذ على يديه .. فتقول "كان رسول الله ﷺ يكثر من قول: سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه فقلت: يا رسول الله .. أراك تكثر من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه .. فقال: خبرني ربي أني سأرى علامة في أمتي فإذا رأيتها أكثرت من قول سبحان الله وبحمده أستغفر الله وأتوب إليه .. فقد رأيتها إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا" (٢) لكن هذه العلامة فسرها ابن عباس وعمر ببيان أكثر لقد وصفوها بأنها:

стр. 1319

نعي مبكر للنبي ﷺ في حوار جرى بين عمر ﵁ وبين أشياخ بدر بحضور ابن عباس الذي يقول إن عمر قال: "ما تقولون في ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ (١) وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا (٢)﴾ حتى ختم السورة فقال بعضهم: أمرنا أن نحمد الله ونستغفره إذا نصرنا وفتح علينا .. وقال بعضهم: لا ندري أو لم يقل بعضهم شيئًا فقال لي: يا بن عباس أكذاك تقول؟ قلت: لا. قال: فما تقول؟ قلت: هو أجل رسول الله ﷺ أعلمه الله له إذا جاء نصر الله والفتح فتح مكة فذاك علامة أجلك فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا قال عمر: ما أعلم منها إلا ما تعلم" (١). إذًا فقد اقترب أجله ﵇ ولذلك راجع معه جبريل القرآن مرتين هذا العام .. ومع شعور النبي ﷺ بذلك إلا أنه لم يكن ليغفل عن أمر دعوته حتى في آخر ساعاته لينشغل بنفسه .. لقد كان ينظر إلى ما بعد الموت فالموت مرحلة لا أكثر في حياة المسلم .. لقد استدعى ﷺ أسامة بن زيد وأمره على جيش وأمره بالتوجه نحو الشام .. ولما أحس من بعض الرجال نوعًا من التبرم بإمارة أسامة الأسمر: "فقالوا فيه فقال النبي ﷺ : قد بلغني أنكم قلتم في أسامة وإنه أحب الناس إلي" (٢) "إن تطعنوا في إمارته فقد كنتم تطعنون في إمارة أبيه من قبله .. وأيم الله إن كان لخليقًا للإمرة .. وإن كان لمن أحب الناس إلي .. وإن هذا لمن أحب الناس إلي بعده" (٣) كان وداعًا لأسامة وللدنيا واقتراب الوداع مرير فهل ستحتمله القلوب ..

стр. 1320

هل سيقوى عليه قلب فاطمة وعائشة وبقية أمهات المؤمنين .. ذات يوم كانت عائشة تشتكى رأسها فقالت: "وارأساه فقال رسول الله ﷺ : ذاك لو كان وأنا حي فأستغفر لك وأدعو لك .. فقالت عائشة: واثكلياه والله إني لأظنك تحب موتي ولو كان ذاك لظللت آخر يومك معرسًا ببعض أزواجك .. فقال النبي ﷺ : بل أنا وارأساه لقد هممت أو أردت أن أرسل إلى أبي بكر وابنه فأعهد أن يقول القائلون أو يتمنى المتمنون ثم قلت: يأبى الله ويدفع المؤمنون" (١) "ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر" (٢) كانت كلمات كالوداع فقد مرض بعدها النبي ﷺ مرضًا شديدًا أقعده وأثقل حركته حتى عن التنقل بين أبيات زوجاته وذلك بعد عودته من دفن بعض أصحابه ﵃ .. تقول عائشة ﵂: "رجع رسول الله ﷺ -من البقيع فوجدني وأنا أجد صداعًا في رأسى وأنا أقول: وارأساه قال: بل أنا والله يا عائشة .. وارأساه ثم قال: ما ضرك لو مت قبلي فقمت عليك وكفنتك وصليت عليك ودفنتك؟ فقلت: والله لكأني بك لو فعلت ذلك رجعت إلى بيتي فأعرست ببعض نسائك فتبسم رسول الله ﷺ وتنام به وجعه وهو يدور على نسائه حتى استعز به وهو في ميمونة فدعا نساءه فاستأذنهن أن يمرض في بيتي .. فأذِنَّ له فخرج رسول الله ﷺ بين رجلين من أهله أحدهما الفضل بن العباس ورجل آخر (٣) تخط قدماه الأرض عاصبًا رأسه حتى دخل بيتي" (٤) كان مشهدًا

стр. 1321

يدمي القلب لمن رآه .. نبي الله لا يستطيع السير لوحده وهو الذي كان يقود الجموع قبل أشهر إلى تبوك ومكة .. ها هي قدماه تخطان على الأرض خطوطًا وآثارًا كآثار المسافرين المغادرين بالقلوب والأرواح .. حيث نزل عليه الوحي في تلك الأيام يخبره أن الله يخيره بين لقائه أو البقاء حيًا .. "ثم غمر رسول الله ﷺ واشتد به الوجع فقال: أهريقوا علي من سبع قرب من آبار شتى حتى أخرج إلى الناس فأعهد إليهم .. قالت: فأقعدنا في مخضب لحفصة بنت عمر ثم صببنا عليه الماء حتى طفق يقول: حسبكم حسبكم" (١) لقد "قال بعد ما دخل بيته واشتد وجعه: هريقوا علي من سبع قرب لم تحلل أوكيتهن لَعَلِّي أعهد إلى الناس .. وأُجْلِسَ في مخضب لحفصة زوج النبي ﷺ ثم طفقنا نصب عليه تلك حتى طفق يشير إلينا أن قد فعلتن ثم خرج إلى الناس" (٢) "فصلى بهم وخطبهم" (٣) ليخبرهم بجوابه لوحي الله ويبدو أن هذه الخطبة التي ارتجلها يوم الأربعاء ستكون:

стр. 1322

آخر خطبة للنبي ﷺ يقول ابن عباس: "خرج رسول الله ﷺ في مرضه الذي مات فيه عاصبًا رأسه بخرقة .. فقعد على المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: إنه ليس من الناس أحد أمن علي في نفسه وماله من أبي بكر بن أبي قحافة ولو كنت متخذًا من الناس خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا ولكن خلة الإِسلام أفضل سدوا عني كل خوخة في هذا المسجد غير خوخة أبي بكر" (١) كان أبو بكر محورًا من محاور تلك الخطبة .. كان أكثر الناس استيعابًا لمعناها وأشد الناس تأثرًا بها فقد سالت دموعه وسالت ولم تتوقف إلا بعد رجاء الحبيب محمَّد ﷺ الذي ناشده أن يتوقف عن البكاء .. وكيف لا يبكي أبو بكر وهو يرى نبيه وصاحبه وصديق طفولته وشبابه وشيخوخته يهم بالرحيل .. يقول أبو سعيد الخدري: "خطب النبي ﷺ فقال إن الله خير عبدًا بين الدنيا وبن ما عنده فاختار ما عند الله .. فبكى أبو بكر ﵁ [وبكى فقال: فديناك بآبائنا وأمهاتنا] فقلت في نفسي: ما يبكي هذا الشيخ إن يكن الله خير عبدًا بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عند الله .. فكان رسول الله ﷺ هو العبد وكان أبو بكر أعلمنا .. قال: يا أبا بكر .. لا تبك إن أمن الناس علي في صحبته وماله أبو بكر ولو كنت متخذًا خليلًا من أمتي لاتخذت أبا بكر ولكن أخوة الإِسلام ومودته .. لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبي بكر" (٢) وقد جلس على المنبر لشدة المرض وكان "عليه ملحفة متعطفًا بها على منكبيه وعليه عصابة دسماء حتى جلس على المنبر فحمد الله وأثنى

стр. 1323

عليه ثم قال: أما بعد أيها الناس فإن الناس يكثرون وتقل الأنصار حتى يكونوا كالملح في الطعام فمن ولي منكم أمرًا يضر فيه أحدًا أو ينفعه فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئهم" (١) كان ﷺ يخطب رأفة ورحمة بأمته من أن تمزقها الخلافات بعد رحيله .. بعد هذا الحب الغامر والأخوة الحانية .. بعد هذه الفتوحات وعلو التوحيد وأهله ونظافة الجزيرة من الأصنام والأوثان والجاهلية .. كان يخطب امتنانًا لمن آزره وعاضده في مسيره الطويل المضني .. كان يخطب مؤكدًا أن العواطف نحوه ستتأجج وتجمح بعد رحيله ولا بد للعواطف من سياج وإلا كبحت بأهلها وساقتهم بعيدًا عن التوحيد والهدى .. يقول أحد الصحابة "سمعت النبي ﷺ قبل أن يموت بخمس وهو يقول: إني أبرأ إلى الله أن يكون لي منكم خليل فإن الله تعالى قد اتخذني خليلًا .. كما اتخذ إبراهيم خليلًا ولو كنت متخذًا من أمتي خليلًا لاتخذت أبا بكر خليلًا .. ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخدون قبور أنبيائهم وصالحيهم مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد إني أنهاكم عن ذلك" (٢) ثم نهض ﷺ نحو بيت عائشة الملاصق للمسجد ليمكث فيه ما تبقى من عمره .. وكان الصحابة ﵃ يقومون بعيادته والاطمئنان على حاله .. أحدهم عبد الله بن مسعود الذي يقول: "دخلت على رسول الله ﷺ وهو يوعك فقلت: يا رسول الله .. إنك لتوعك وعكًا شديدًا قال: أجل إني أوعك كما يوعك رجلان منكم .. قلت: ذلك بأن لك أجرين قال: أجل ذلك كذلك .. ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا

стр. 1324

كفر الله بها سيئاته كما تحط الشجرة ورقها" (١) .. خرج ابن مسعود وجاء غيره بينما كان النبي ﷺ يعاني الألم والمعانة حتى أغمي عليه فاقترح عمه العباس أن يقدم له علاجًا يسمونه: (اللد) واللد هو أن يسقى المريض دواءًا من أحد شقي الفم مما جعل النبي ﷺ يعاقب من قام بذلك بعقاب ظريف بعد أن أفاق .. تقول عائشة: "ثم نزل رسول الله ﷺ فدخل بيته وتتام به وجعه حتى غمر .. واجتمع عنده نساء من نسائه أم سلمة وميمونة ونساء من نساء المؤمنين منهم أسماء بنت عميس وعنده عمه العباس بن عبد المطلب .. وأجمعوا على أن يلدوه فقال العباس: لألدنه .. فلد فلما أفاق رسول الله ﷺ قال: من صنع بي هذا؟ قالوا: يا رسول الله .. عمك العباس قال: هذا دواء أتى به نساء من نحو هذه الأرض وأشار نحو أرض الحبشة قال ولم فعلتم ذلك؟ فقال العباس: خشينا يا رسول الله أن يكون بك وجع ذات الجنب .. فقال: إذن ذلك لداء ما كان الله ليعذبني به لا يبقى في البيت أحد إلا لد إلا عمي .. فلقد لدت ميمونة وإنها لصائمة لقسم رسول الله ﷺ عقوبة لهم بما صنعوا" (٢) كان ﷺ يذكر لعائشة شيئًا محددًا من الألم كان يشعر بـ: آلام سم اليهودية يخاطبها وهي تمرضه فيقول: "يا عائشة ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر .. فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم" (٣) أي انقطاع عرقي من أثر ذلك السم ..

стр. 1325

وجاء يوم الخميس يقول ابن عباس "يوم الخميس وما يوم الخميس ثم بكى حتى خضب دمعه الحصباء فقال: اشتد برسول الله ﷺ وجعه يوم الخميس فقال: ائتوني بكتاب أكتب لكم كتابًا لن تضلوا بعده أبدًا فتنازعوا ولا ينبغي عند نبي تنازع [فقال عمر إن رسول الله ﷺ قد غلب عليه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله فاختلف أهل البيت فاختصموا فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم رسول الله ﷺ كتابًا لن تضلوا بعده ومنهم من يقول ما قال عمر فلما أكثروا اللغو والاختلاف عند رسول الله ﷺ قال رسول الله ﷺ قوموا] فقالوا هجر رسول الله ﷺ قال: دعوني فالذي أنا فيه خير مما تدعونني إليه وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم ونسيت الثالثة" (١) كان ذلك الكتاب يحمل نوعًا من اجتهاد النبي ﷺ الذي لم ينزل به وحي وإلا لو كان وحيًا لوجب عليه تبليغه كبقية رسالته لأن الله يقول له: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَإِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمَا بَلَّغْتَ رِسَالَتَهُ وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ (٦٧)﴾ (٢). إذًا فعدم تبليغ جزء من الوحي يعتبر عند الله عدم تبليغ للرسالة .. وهو أمر لا يمكن التخلي عنه مهما كان السبب أما هذا الكتاب الذي كان النبي ﷺ ينوي كتابته فقد تراجع عنه لأنه محض اجتهاد حرصًا منه

стр. 1326

على اجتماع أمته .. فاكتفى ﷺ بتلك الوصايا الثلاث .. ولم تكن هي الوصايا الوحيدة فقد كان يوصي كل من يدخل عليه بوصية كهذه الوصية التي تقرب الإنسان إلى ربه وتقربه إلى الإنسان أيضًا والتي تفيض راحة ورحمة لمن يمتثل لها .. تقول أم المؤمنين هند أم سلمة ﵂: "كان عامة وصية نبي الله ﷺ عند موته الصلاة .. الصلاة .. وما ملكت أيمانكم حتى جعل نبي الله ﷺ يلجلجها في صدره وما يفيض بها لسانه" (١) من حرصه على الأخذ بهما .. كان النبي ﷺ في يوم الخميس هذا يصلي بالناس وهو جالس ولما حانت صلاة المغرب حمل ﵇ ليصلى بالمؤمنين فصلى بهم وقرأ ﴿وَالْمُرْسَلَاتِ عُرْفًا (١) فَالْعَاصِفَاتِ عَصْفًا (٢) وَالنَّاشِرَاتِ نَشْرًا (٣) فَالْفَارِقَاتِ فَرْقًا (٤) فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا (٥) عُذْرًا أَوْ نُذْرًا (٦) إِنَّمَا تُوعَدُونَ لَوَاقِعٌ (٧) فَإِذَا النُّجُومُ طُمِسَتْ (٨) وَإِذَا السَّمَاءُ فُرِجَتْ (٩) وَإِذَا الْجِبَالُ نُسِفَتْ (١٠) وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ (١١) لِأَيِّ يَوْمٍ أُجِّلَتْ (١٢) لِيَوْمِ الْفَصْلِ (١٣) وَمَا أَدْرَاكَ مَا يَوْمُ الْفَصْلِ ...﴾ كان الرجال والنساء ينصتون إلى ذلك الصوت الخاشع الذي أنهكه المرض .. تقول إحدى النساء اللواتي كن خلف تلك التلاوة وخلف ذلك الإمام وهي أم الفضل زوجة العباس ﵄ "سمعت النبي ﷺ يقرأ في المغرب بالمرسلات عرفًا ثم ما صلى لنا بعدها حتى قبضه الله" (٢) فقد صلى ثم أخذ إلى بيت عائشة حيث كان يتنفل جالسًا .. ولما حانت صلاة العشاء .. وحاول ﵇ جاهدًا النهوض فلم يستطع .. حاول مرة ومرتين لكن

стр. 1327

جسده لم يساعده فقد أقعده الألم وأمسى يعاني من الإغماء تلو الإغماء .. بينما كان الشوق يفتك بالصحابة ينتظرون خروجه بلهفة وحزن عظيمين .. لكنه لم يخرج ولم يستطع النهوض من مكانه .. كانت عائشة ﵂ تعاني معه وتحكي معاناته ﵊ فتقول: "ثقل النبي ﷺ فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا .. هم ينتظرونك. قال: ضعوا لي ماء في المخضب .. ففعلنا فاغتسل فذهب لينوء فأغمي عليه .. ثم أفاق فقال ﷺ : أصلى الناس؟ قلنا: لا .. هم ينتظرونك يا رسول الله .. قال: ضعوا لي ماء في المخضب .. فقعد فاغتسل .. ثم ذهب لينوء فأغمي عليه .. ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ قلنا: لا .. هم ينتظرونك يا رسول الله .. فقال: ضعوا لي ماء في المخضب .. فقعد فاغتسل .. ثم ذهب لينوء .. فأغمي عليه .. ثم أفاق فقال: أصلى الناس؟ فقلنا: لا .. هم ينتظرونك يا رسول الله .. والناس عكوف في المسجد ينتظرون النبي ﵊ لصلاة العشاء الآخرة. فأرسل النبي ﷺ إلى أبي بكر بأن يصلي بالناس" (١) وعندما سمعت عائشة اسم أبيها على لسان النبي ﷺ وهو يجعله أحق الصحابة بالصلاة وإمامة المؤمنين خشيت على أبيها من التشاؤم الذي لا مبرر له إلا في حزن عائشة المشفقة على أبيها الحزينة على زوجها فقالت للنبي ﵇: "إن أبا بكر رجل رقيق إذا قرأ غلبه البكاء [إنه رجل رقيق إذا قام مقامك لم يستطيع أن يصلي بالناس] فقال: مروه فيصلي فعاودته قال: مروه فيصلي إنكن صواحب يوسف [فقلت لحفصة قولي له: إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء فَمُرْ عمر فليصل للناس ..

стр. 1328

ففعلت حفصة .. فقال رسول الله ﷺ :مه إنكن لأنتن صواحب يوسف مروا أبا بكر فليصل للناس .. فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيرًا] " (١) فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تصلي بالناس فقال أبو بكر وكان رجلًا رقيقًا: يا عمر .. صل بالناس .. فقال له عمر: أنت أحق بذلك .. فصلى أبو بكر" (٢) كانت ليلة ثقيلة على سماء المدينة وأهلها .. ليلة تخنق صدورهم بالهموم والتفكير بنبيهم لكن لعل هذا الفجر يحمل فرجًا .. وجاء الفجر فلم يستطع النبي ﷺ النهوض فصلى أبو بكر ﵁ فجر الجمعة بالمؤمنين وحان وقت صلاة الجمعة فجاء المؤمنون من كل المدينة .. وعاد أسامة بن زيد وكانت: عودة أسامة بن زيد ومن معه من الجيش إلى المدينة تعني تأجيل السفر فلعلهم يحظون بخطبة النبي ﷺ والصلاة خلفه .. لكن شيئًا من ذلك لم يحدث وخرج أبو بكر ﵁ وسلم على المصلين وارتقى درجات المنبر وخطب الناس .. فلا أدري أي شعور كان يخالج الناس ويخالج أبا بكر وهم يعلمون أن نبيهم طريح الفراش خلف تلك الستارة الصغيرة لا يستطيع الحراك مما به من الألم .. لا بد أن دموعًا غزيرة سألت وشهقات علت ونحيبًا طال من الرجال والنساء جميعًا .. ودخل أسامة ﵁ على النبي ﷺ يعوده فكانت هذه القصة التي يرويها أسامة بنفسه فيقول:

стр. 1329

"لما ثقل رسول الله ﷺ هبطت وهبط الناس معى إلى المدينة .. فدخلت على رسول الله ﷺ وقد أصمت فلا يتكلم فجعل يرفع يده إلى السماء ثم يضعها علي فعرفت أنه يدعو لي" (١) ومضى يوم الجمعة كاملًا والنبي ﵇ على فراشه لم يخرج .. وجاء يوم السبت فصلى أبو بكر الفجر والظهر فكانت المفاجأة عندما رأى المصلون النبي ﷺ يخرج للصلاة وذلك بعد أن أذن بلال ﵁ وأقام الصلاة فتقدم أبو بكر للصلاة وكبر وأمهم وأثناء الصلاة خرج علي بن أبي طالب والعباس ﵄ يحملانه ﵇ من غرفة عائشة التي تقول: "إن النبي ﷺ وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلى بالناس فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر .. فأومأ إليه النبي ﷺ بأن لا يتأخر قال: أجلساني إلى جنبه فأجلساه إلى جنب أبي بكر .. فجعل أبو بكر يصلي وهو يأتم بصلاة النبي ﷺ والناس بصلاة أبي بكر والنبي ﷺ " (٢) فتحول المسجد إلى ساحة من البهجة والسعادة التي لم تدم فقد أدخل ﵊ إلى بيت عائشة من جديد يقول أنس بن مالك ﵁: "إن رسول الله ﷺ صلى خلف أبي بكر في ثوب واحد برد مخالفًا بين طرفيه فلما أراد أن يقوم قال: ادع لي أسامة بن زيد

стр. 1330

فجاء فأسند ظهره إلى نحره" (١) حيث تفاقم عليه المرض .. وكانت فاطمة ﵍ وأمهات المؤمنين لا يتوقفن عن زيارته بينما كان الألم لا يتوقف عنه .. وبعد أن خرج أسامة والعباس وعلي ﵃ رأى العباس بفراسته تقاسيم الموت في وجه النبي ﷺ .. ولما خرجا من عنده "قال الناس: يا أبا الحسن .. كيف أصبح رسول الله ﷺ ؟ فقال: أصبح بحمد الله بارئًا .. فأخذ بيده عباس بن عبد المطلب فقال له: أنت والله بعد ثلاث عبد العصا وإني والله لأرى رسول الله ﷺ سوف يتوفى من وجعه هذا .. إني لأعرف وجوه بني عبد المطلب عند الموت .. اذهب بنا إلى رسول الله ﷺ فلنسأله فيمن هذا الأمر .. إن كان فينا علمنا ذلك وإن كان في غيرنا علمناه فأوصى بنا .. فقال علي: إنا والله لئن سألناها رسول الله ﷺ فمنعناها لا يعطيناها الناس بعده .. وإني والله لا أسألها رسول الله ﷺ " (٢) كان العباس يريد معرفة من يخلف النبي- ﷺ لكن عليًا كان أبعد نظرًا لأن الخلافة ليست منحة منه ﵊: وقد تحدث ﵊ بكلام خطير ودقيق وهام عن الخلافة وعن الصفات التي لا بد أن تتوفر في الخلفاء .. وما يحل للخليفة وما لا يحل وعن أنه لا يعطي الإمارة من سألها وأشياء كثيرة .. بينما لم يتحدث عن شخص بعينه يجب أن يتولى من بعده مما يعني أنه سيترك للمؤمنين أمر انتخاب الأصلح لهم ولها .. والصحابة بشر لهم وجهات نظر مختلفة وآراء مختلفة ومواهب مختلفة ومزايا مختلفة ولا يمكن أن يجمعوا على شخص بعينه .. لكن هناك

стр. 1331

ميزات إذا جمعت برز صاحبها كما برز أبو بكر الذي عينه ﵇ للصلاة دون أن يسعى للإمامة أو يقدم طلبًا لها .. النبي ﷺ هو الذي اختاره وعينه رغم رفضه لها في البداية .. وبعيدًا عن ذلك وبينما كان ﵇ تبرحه الآلام وتزداد به الأوجاع وتنشغل بجسده كان مشغولًا بأمته خائفًا عليها أن تضل كما ضلت اليهود والنصارى .. تقول عائشة وعبد الله بن عباس ﵄ "لما نزل برسول الله ﷺ طفق يطرح خميصة له على وجهه فإذا اغتم بها كشفها عن وجهه .. قال -وهو كذلك-: لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد يحذر ما صنعوا" (١) فبعد وفاة أي نبي تزداد العاطفة وتجيش المشاعر فتطيش بدعًا وخرافات ومزارات وزخارف .. حتى يتحول من مجرد قبر إلى وثن يطاف به ويتمسح ويستقبل وتشد الرحال إليه ويذبح عنده وتحيط به السرج والشموع والمصابيح ويطلى بالذهب ويرصع بالجواهر .. وفي النهاية ينصرف الناس عن الخالق ليتعلقوا بمخلوق لا يملك من أمره شيئًا إلا ما وهبه الخالق سبحانه وحباه به .. عندها ينهدم ما بناه النبي ﷺ خلال أكثر من عشرين عامًا ويعود الشرك من جديد لكن بدلًا من عبادة الصنم الذي على شكل صورة يصبح وثنًا على شكل قبر .. كان ﵇ يخشى ذلك ويحذر منه رغم ما هو فيه من المعاناة والحمى التي يزداد اشتعالها داخل جسده الشريف مما أعجزه عن الخروج للمسجد .. حيث صلى أبو بكر في الناس العصر والمغرب والعشاء والفجر والناس يترددون على المسجد وفي الطرقات وفي الأسواق فلا يرون فيها حبيبهم ونبيهم فيها فيزداد شوقهم وحزنهم حتى:

стр. 1332

جاء يوم الأحد وتوالى الزائرون من أهل بيته وغيرهم .. كانت فاطمة ﵍ في طريقها إلى هناك تنظر إلى هذا الأب الحاني فتبكي وتتأثر لما هو فيه من الكرب فيناديها ليخفف ما بها من حزن فيهمس في أذنها فتبكي ثم يهمس مرة أخرى فتبتسم ابتسامة تسرها وتحزن أحبابها .. كانت عائشة ﵂ ترى ذلك المشهد الحزين وتقول: "أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشي النبي ﷺ فقال النبي ﷺ : مرحبًا بابنتي .. ثم أجلسها عن يمينه .. أو عن شماله .. ثم أسر إليها حديثًا فبكت .. فقلت لها: لم تبكين؟ ثم أسر إليها حديثًا فضحكت .. فقلت: ما رأيت كاليوم فرحًا أقرب من حزن .. فسألتها عما قال فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول الله ﷺ حتى قبض النبي ﷺ .. فسألتها .. فقالت أسر إلي إن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة وإنه عارضني العام مرتين ولا أراه إلا حضر أجلي وإنك أول أهل بيتي لحاقًا بي فبكيت فقال أما ترضين أن تكوني سيدة نساء أهل الجنة أو نساء المؤمنين فضحكت لذلك" (١) امتزجت لدى فاطمة مشاعر الحزن بالسرور وأقبل الليل وازداد الحزن بالمدينة وعادت الآلام إلى أبيها من جديد و"لما ثقل النبي ﷺ جعل يتغشاه فقالت فاطمة ﵍: واكرباه .. فقال لها: ليس على أبيك كرب بعد اليوم" (٢) ودخل فجر يوم الإثنين وصلى أبو بكر بالمؤمنين الفجر فحدث شيء مفرح كاد معه المصلون أن يفتنوا في صلاتهم .. فبينما كان أبو بكر خاشعًا في صلاته ارتفع الستر

стр. 1333

الذي على يساره وهو ستر بيت ابنته عائشة فأطل الحبيب منها وهو يبتسم .. يقول أنس بن مالك ﵁: "إن أبا بكر كان يصلي لهم في وجع النبي ﷺ الذي توفي فيه حتى إذا كان يوم الإثنين وهم صفوف في الصلاة .. فكشف النبي ﷺ ستر الحجرة ينظر إلينا وهو قائم كأن وجهه ورقة مصحف .. ثم تبسم يضحك فهممنا أن نفتتن من الفرح برؤية النبي ﷺ .. فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف .. وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة فأشار إلينا النبي ﷺ أن أتموا صلاتكم .. [فقال أيها الناس إنه لم يبق من مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم أو ترى له .. ألا وإني نهيت أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا .. فأما الركوع فعظموا فيه الرب .. وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء فقَمِنٌ أن يستجاب لكم] وأرخى الستر" (١) وعاد إلى فراشه وصلى الفجر ثم ضعف ضعف: الموت الذي لا ينتظر أحدًا من البشر حتى الأنبياء منهم .. وفي لحظات الكرب وشدة سكرات الموت كانت فاطمة تشاهد حركة أبيها من شدة الألم وذلك "لما ثقل رسول الله ﷺ جعل يبسط رجلًا ويقبض أخرى ويبسط يدًا ويقبض أخرى قالت فاطمة يا كرباه لكربك يا أبتاه ... قال رسول الله ﷺ : أي بنية لا كرب على أبيك بعد اليوم" (٢) ثم رفع طرفه إلى

стр. 1334

السماء وكأنه يرى منزله من الجنة .. تقول عائشة ﵂: "كان النبي ﷺ يقول وهو صحيح: إنه لم يقبض نبي حتى يرى مقعده من الجنة ثم يخير .. فلما نزل به ورأسه على فخذي غشي عليه .. ثم أفاق فأشخص بصره إلى سقف البيت ثم قال: اللَّهم الرفيق الأعلى، فقلت: إذًا لا يختارنا .. وعرفت أنه الحديث الذي كان يحدثنا" (١). وتقول رضوان الله عليها: "كان رسول الله ﷺ إذا اشتكى منا إنسان مسحه بيمينه ثم قال: أذهب البأس رب الناس واشف أنت الشافي لا شفاء إلا شفاؤك شفاء لا يغادر سقمًا .. فلما مرض رسول الله ﷺ وثقل أخذت بيده لأصنع به نحو ما كان يصنع فانتزع يده من يدي .. ثم قال: اللَّهم اغفر لي واجعلني مع الرفيق الأعلى" (٢) "وأخذته بحة وهو يقول مع الذين أنعم الله عليهم من النبين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا .. قالت: فظننته خير حينئذ" (٣) وهنا دخل عبد الرحمن بن أبي بكر أخو عائشة وفي يده سواك فكان النبي ﷺ ينظر إلى السواك في يده "دخل عبد الرحمن بن أبي بكر ومعه سواك يستن به فنظر إليه رسول الله ﷺ [وعرفت أنه يحب السواك فقلت: آخذه لك فأشار برأسه أن نعم .. فتناولته .. فاشتد عليه .. وقلت: ألينه لك؟ فأشار برأسه أن نعم] (٤) فقلت له: أعطني هذا السواك يا عبد الرحمن .. فأعطانيه فقضمته .. ثم مضغته" (٥) "ونفضته وطيبته ثم دفعته

стр. 1335

إلى النبي ﷺ فاستن به فما رأيت رسول الله ﷺ استن استنانًا قط أحسن منه [وبين يديه ركوة أو علبة فيها ماء فجعل يدخل يديه في الماء فيمسح بهما وجهه يقول لا إله إلا الله إن للموت سكرات] (١). فما عدا أن فرغ رسول الله ﷺ رفع يده أو إصبعه ثم قال: في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى في الرفيق الأعلى ثم قضى" (٢) "ومالت يده" (٣) "فمات في اليوم الذي كان يدور علي فيه في بيتي فقبضه الله وإن رأسه لبين نحري وسحري وخالط ريقه ريقي" (٤) "في آخر يوم من الدنيا وأول يوم من الآخرة" (٥) "فلما خرجت نفسه لم أجد ريحًا قط أطيب منها" (٦) .. عندها بكت فاطمة والدها بحرقة بكته بقلبها ودمعها وقالت: "يا أبتاه أجاب ربًا دعاه يا أبتاه من جنة الفردوس مأواه يا أبتاه إلى جبريل ننعاه" (٧) أما عائشة الشابة الثكلى فقد ذهلت
следующие страницы →