← Сира

Сира · id 123668

السيرة النبوية كما جاءت في الأحاديث الصحيحة

محمد الصوياني

Полный текст (1 354 стр.). Показаны 71–110 · переход к 76.

стр. 71

سرًا في يوم من الأيام .. وأصحابه محميون من قبل قبائلهم وأهلهم .. فأين تلك السراديب .. والخنادق. أين الدليل على ما تقول؟ والإجابة عندي واضحة كشعر الشمس الذهبي. الإجابة عندي هي في مشكلة لم تحسم حتى الآن ألا وهي .. من أول من أسلم بعد خديجة .. أبو بكر الصديق أم علي أم غيرهما ﵃ جميعًا. أتدرون لماذا؟ دعونا أولًا ننظر إلى إسلام كل فرد منهم: إسلام أبي بكر الصديق أبو بكر الصديق .. اسمه: عبد الله بن عثمان بن أبي قحافة .. صديق الطفولة والشباب .. ذهب إليه رسول الله ﷺ .. وحدثه أن الوحي قد جاءه في غار حراء .. وأن دين الله يأمر بالتوحيد والعلم والنظافة والجمال وترك الأصنام. فما زاد أبو بكر على كلمة واحدة. لقد قال: صدقت. أما لماذا .. فلأنه لم يجرب على رسول الله ﷺ كذبًا .. وهو الذي عاشره منذ الطفولة. لقد عرفه عابدًا خاشعًا تاركًا للأصنام .. فهل سيكذب على ربه. لقد خلد التاريخ كلمة أبي بكر وحفظها له .. ونال من رسول الله ﷺ شهادة تتناقلها الأجيال. ففي أحد الأيام كان الصحابة أمام الرسول ﷺ .. وكان من بينهم أبو بكر .. ولعل أحدًا منهم تناول أبا بكر فأغضبه .. فغضب ﷺ لأبي بكر .. وقالها ليس للصحابة فقط بل للأمة كلها .. للأجيال كلها: (إن الله بعثني إليكم، فقلتم: كذبت. وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركوا لي صاجي، فهل أنتم تاركوا لي صاجى) (١).

стр. 72

ولما حوصر أبو بكر ببعض الكلمات .. أرغمه هذا الحصار على أن يزفر بهذه الكلمات: (ألست أحق الناس بها، ألست أول من أسلم، ألست صاحب كذا) (١). ولما سئل عبد الله بن عباس بن عبد المطلب -ابن عم رسول الله ﷺ عن أول من أسلم .. أرشد سائله إلى أبيات من الشعر قالها شاعر الإسلام حسان بن ثابت: إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأَعْدَلها ... بعد النبى وأوفاها بما حملا الثاني التالى المحمود مشهده ... وأول الناس منهم صدق الرسلا (٢) هذه الأبيات الشجية ملأت القلوب بأيادي أبي بكر ومبادراته لخدمة الإسلام .. لقد سمته الأمة بـ (الصديق) ونسيت الاسم الذي سماه به أبوه .. فإذا ما نطق أحد باسم (الصديق) انتصبت تلك الأيادي البيض المبسوطة في الأذهان. وتذكر الناس صديق نبيهم وحبيبه فترحموا عليه.

стр. 73

إسلام علي علي بن أبي طالب .. أحد فتيان الإسلام .. وابن عم رسول الله ﷺ .. واحد السابقين إلى الإسلام .. هناك من يقول إنه أول من أسلم .. لكونه تربى في بيت رسول الله ﷺ .. لكنه ليس هناك حديث صحيح (١) يدل على أنه تربى في بيت النبوة .. لكن رسول الله ﷺ لم يكن منقطعًا عن علي .. أما أن يكون علي أول من أسلم فهذا ليس بصحيح لأن خديجة هي الأسبق .. هي أول إنسان قابله بعد انحداره من الجبل خائفًا .. لقد قال زيد بن أرقم: (أول من صلى مع رسول الله ﷺ علي ﵁. أول من أسلم مع رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب) (٢). وقال ابن عباس: (أول من صلى مع النبى ﷺ بعد خديجة علي. وقال مرة: إن أول من أسلم مع النبي- ﷺ بعد خديجة علي) (٣). وقال بريدة:

стр. 74

(وأوحي إلى رسول الله ﷺ يوم الاثنين، وصلى علي يوم الثلاثاء) (١). وهناك آخرون غير أبي بكر .. غير علي .. ظنوا أنهم أول من أسلم .. دعونا نستمع إلى أقوالهم .. دعونا نعرف أخبارهم .. ثم بعدها سنعرف سر ذلك الازدحام على الصدارة. سابقون .. سابقوق لدينا سابق آخر هو: سعد بن أبي وقاص الذي يقول: (ما أسلم أحد في اليوم الذي أسلمت فيه، ولقد مكثت سبعة أيام، وإني لثلث الإسلام) (٢). ترى هل كان سعد ﵁ ثلث الإسلام .. لا شك أنه يقصد أن خديجة ورسول الله ﷺ هما بقية أضلاع ذلك المثلث .. ثلثي الإسلام. وهو المكمل لهما. حتى ذلك الغريب القادم من ديار غفار .. يطوي الأرض يبحث عن محمد- ﷺ .. ذلك الغريب المسمى (بأبي ذر) يقول: (كنت ربع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثة نفر، وأنا الرابع، أتيت النبي- ﷺ فقلت: السلام عليك يا رسول الله. أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فرأيت الاستبشار في وجه رسول الله ﷺ ) (٣).

стр. 75

عمرو بن عبسة سابق آخر. يقول: (لقد رأيتني وأنا ربع الإِسلام) (١). أما بلال بن رباح .. فلا أعرف أنه قال عن نفسه ذلك .. لكن غيره شهد له بالمسارعة للإسلام .. هذا: عمرو بن عبسة يشهد بأن بلالًا كان ثلث الإسلام .. فقد قال للرسول ﷺ : فمن تبعك على هذا. قال: حر وعبد (يعني أبا بكر وبلال) (٢). وهناك غير بلال ممّن هبوا لقبول الحق واعتناق الحقيقة .. شهد لهم بذلك التاريخ والروايات الصحيحة. هذا عبد الله بن مسعود يقول: (أول من أظهر إسلامه سبعة: النبي- ﷺ ، وأبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد) (٣) ﵃ جيعًا. عمار أحد هؤلاء يقول ﵁: (رأيت رسول الله ﷺ وما معه إلا خمسة أعبد، وامرأتان، وأبو بكر) (٤). هذه الكلمات كلها صادقة ثابتة ضاربة جذورها داخل أعماق الحقيقة .. لكن لماذا يلوح التناقض في ألفاظها .. لماذا؟

стр. 76

للدعوة أسرارها ماذا يُتَوقع من جيوش الأصنام: أصنام العادات والتقاليد .. وشرف الآباء والأجداد .. والثارات .. وأصنام الحجارة المرصوفة على الأرفف .. وفي مداخل البيوت .. وحتى في خرج المسافر .. وقبل ذلك كله فوق حجارة الكعبة .. تسال لها الدماء .. ويحلف بها .. وتستشار ويصلى لها .. ويذاد عنها بالمال والبنين وزينة الحياة كلها. ماذا ينتظر أن تفعل كل هذه الأشياء بنبي يتيم .. كل ما يملكه: شهادة قومه بأنه: صادق أمين .. ماذا ينتظر أن تفعل كل هذه الجيوش بفرد أو أفراد يريدون أن يجتثوها من القلوب .. ويغسلوا الأرض والنفوس منها. إن من أشعلوا أربعين عامًا بلهب الحروب .. وتركوا جماجمهم تمتصها الشمس والرمضاء .. وخلفوا نساءهم تنوح حتى أبكت الخيام .. من أجل بعير أو حصان .. إن من ارتكبوا ذلك لعلى استعداد لارتكاب أشرس من ذلك من أجل عقيدتهم وأصنامهم وميراث أجدادهم .. فهل يظن أحد أن يقدم محمد ﷺ قائمةً بأسماء السابقين إلى دعوته .. ويأمرهم بالمجاهرة بها أمام قريش .. هكذا وبكل سذاجة.؟! إن هذا النبي لم يأتِ لمكة فقط، إن مكة خطوة أولى .. والأرض كلها طريق .. إن هذا النبي جاء ليحيي أموات القلوب لا ليقامر بحياتهم .. لكن لماذا يخاف من إظهار دعوته .. ويأمر أتباعه بهذا الكتمان والتستر .. والله قد أنطق له الأحجار .. وأمال عليه الأشجار وأظله بالسحاب .. وشق صدره دون أن يمس بأدنى أذى .. أليس الله بقادر أن يحميه وينجيه وينصره وأصحابه؟ .. بلى والله .. إنه على ذلك لقدير .. لكن دين الإسلام الجديد

стр. 77

عقيدة وحياة للبشر .. ولن تستقيم حياة البشر بالمعجزات ينتظرونها كلما أقعدهم الخمول على قوارع الطرقات .. ستستحيل الحياة انتظار .. وانتظار .. وعيون ترقب المجهول .. لم يخلد نبي .. ومحمَّد- ﷺ سوف يموت .. وبعده ترفع المعجزات .. عندها الأمة أيضًا سوف تموت .. لكن دين الإِسلام لم يمت ولن يموت .. لأنه وضع للبشر لم يكلفهم فوق طاقتهم ... ولم يطالبهم بالمستحيلات .. ولم يدعهم إلى مثاليات .. لا يقول لهم: كونوا ملائكة .. ولا يقول: أنتم شياطن. بل يقول: كونوا بشرًا لكن صالحين .. وفي الطريق عثرات .. والصالحون بشر يعثرون وينهضون .. والإسلام يرفع الإنسان من عثرته .. ولا يرتفع عنه لأنه نزل من أجله .. فبتوفيق الله ثم بجهد رسول الله ﷺ وأصحابه والمسلمين من بعدهم سوف يستمر الإسلام .. سوف ينتصر .. ذلك هو ما أراده الله .. وبضعفهم ينحسر .. ويقبع في زاوية من الأرض كالمشلول. وهنا وفي بداية الدعوة نبي يتيم .. ودعوة مستهجنة .. وأمة مجنونة بحب أصنامها .. ومواجهتها تعني الموت .. فلا بد للرسول ﷺ من تطبيق منهج ربه .. لا بد أن يحتاط ويتكتم .. يدعو سرًا .. يطرق البيوت ليلًا .. يحمل النور إلى حجراتها .. وهكذا فعل ﷺ .. لقد كان يحدث أبا بكر ﵁ ثم يشير بالكتمان .. وإن دعا .. ويحدث عليًا ﵁ ثم يشير بالكتمان .. وإن دعا .. وكذلك يفعل مع سعد .. مع عمار .. مع أبي ذر .. مع بلال .. مع صهيب .. مع عمرو بن عبسة مع غيرهم .. مع غيرهم .. إذًا فكيف سيعرف أبو بكر أن غيره قد سبقه .. كيف سيعرف علي أن هناك من دخل في دين الإسلام قبله .. كيف يقول سعد إن هناك من

стр. 78

أسلم .. في اليوم الذي أسلم فيه .. كيف سيعلم البقية .. ورسول الإِسلام ﷺ يشير عليهم بكتمان دينهم حتى عن أقرب الناس إليهم .. وما كان ﷺ يتصرف هذا التصرف من عنده لولا أنها أوامر الله .. إنه لا ينطق عن الهوى .. فهل سيتصرف بدون أمر الله .. إنها سنة الله في عمل الأسباب وجعل نتائجها على الله .. وهذه بعض الأمثلة التي توضح سريته ﷺ وخوفه على دعاة الإسلام. حر وعبد هذا عمرو بن عبسة السلمي .. يمتطى راحلته نحو مكة .. فإذا ما احتضنته شعابها وجبالها .. جد في بحثه عن محمَّد ﷺ وفي ذلك يقول: (أتيت رسول الله ﷺ -في أول ما بعث، وهو بمكة، وهو حينئذ مستخف، فقلت: ما أنت؟ قال ﷺ : أنا نبي. فقلت: وما النبي؟ قال ﷺ : رسول الله. قلت: الله أرسلك؟ قال رسول الله ﷺ : نعم. قلت: بِمَ أرسلك؟ قال ﷺ : بأن تعبد الله وحده لا شريك له، وتكسر الأصنام، وتوصل الأرحام. قلت: نِعْمَ ما أرسلك به، فمن تبعك على هذا؟ قال ﷺ : حر وعبد -يعني أبا بكر وبلال- (١). فكان عمرو بن عبسة يقول: لقد رأيتني وأنا ربع الإسلام) (٢). يا الله .. رجل غريب لا يضمر إلا خيرًا .. جاء يبحث عن الحق .. فلا يرجع إلى ديار قومه إلا بما جاء يبحث عنه .. ويريد أن يستزيد .. أن يعرف أسماء هؤلاء الأتباع .. فلا يعطي أي اسم رغم أنه لا يخيف فهو ليس من أهل مكة .. لكن الرسول ﷺ يقول له: (عبد وحر) فقط عبد

стр. 79

وحر .. لم يقل: بلال لم يقل: أبا بكر. الذي قالها هو عمرو بن عبسة .. عرف ذلك فيما بعد .. إن كلمة عبد وحر لباس يتسع ويمتد حتى ليشمل كل أحرار مكة وعبيدها .. وقفل عمرو بن عبسة راجعًا بدين الله .. لم يعده ﷺ بانتصار دنيوي .. لم يعده بمنصب .. وعده فقط بالجنة إن سار على الحق .. ولم يمكنه من شيء من أمور الدنيا حتى ولو كانت أسماء أصحابه التي قد لا تعني له شيئًا .. وعمرو بن عبسة لم يجد رسول الله قبل ذلك بسهولة .. لقد وصفه بأنه كان مستخفيًا .. كان متسترًا لا يظهر نفسه .. ولا يكشف أتباعه .. إن قريشًا شرسة .. كالموج، لكن محمدًا ﷺ كان ربانًا ماهرًا. الجهر بالدعوة بعد فترة من الزمن لا أستطيع تحديدها (١) .. جاء الوحي الكريم .. يأمره بالجهر بدعوته .. الجهر أمام الناس جميعًا بأنه نبي مرسل .. لكنه لم يجهر بأسماء أصحابه خوفًا عليهم .. ولا من اتبعه ولا كيف اتبعوه .. لقد ظل ذلك مدفونًا عن العيون .. فهؤلاء الأتباع قلة ضعاف .. ولو امتدت يد قريش إليهم لمزقتهم تعذيبًا. وقصة ذلك أنه عندما نزل قوله : ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (٢١٤)﴾ (٢). (انطلق رسول الله ﷺ -إلى رضمة من جبل، فعلا أعلاها حجرًا. ثم

стр. 80

نادى: يا بني عبد مناف، إني نذير، إنما مثلي ومثلكم كمثل رجل رأى العدو، فانطلق يربؤ أهله، فخشي أن يسبقوه، فهتف: يا صباحاه) (١). (يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد شمس أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني عبد مناف أنقذوا أنفسكم من النار، يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار، يا فاطمة أنقذي نفسك من النار، فإني لا أملك لكم من الله شيئًا، غير أن لكم رحمًا سأبلها ببلالها) (٢). (يا معشر قريش، اشتروا بأنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئًا، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئًا، ويا فاطمة بنت محمَّد سليني ما شئت من مالي، لا أغى عنك من الله شيئًا) (٣). مفاجأة لمعظم قريش .. ما الذي يحدث؛ ولم هذا التحذير؟ الكل مذهول .. الكل مأخوذ وعم رسول الله ﷺ : أبو لهب .. أول مكذب لقد جعل ﷺ (ينادي يا بني فهر، يا بني عدي: ببطون قريش) (٤). وسكتت بطون قريش كلها .. ألجمها هول ما يقوله الأمين ﷺ .. إلا رجلًا ركب رأسه كما ركبته الأصنام .. ذلك الرجل هو: أبو لهب عم

стр. 81

الرسول ﷺ .. يحدثنا عما قاله ابن أخيه عبد الله بن عباس فيقول: (لما نزلت: ﴿وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ ورهطك منهم المخلصين، خرج رسول الله ﷺ -حتى صعد الصفا. فهتف: يا صباحاه. قالوا: من هذا الذي يهتف؟ قالوا: محمد. فاجتمعوا إليه. قال ﷺ : أرأيتم لو أخبرتكم أن خيلًا تخرج بسفح هذا الجبل، أكنتم مصدقي. قالوا: ما جربنا عليك كذبًا. قال ﷺ : فإني نذير لكم بين يدي عذاب شديد. قال أبو لهب: تبًا لك أما جمعتنا إلا لهذا. ثم قام. فنزلت هذه السورة: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ (١). وقف أبو لهب في أول الطريق .. وفتح ألسنة من اللهب على ابن أخيه الأمين- ﷺ .. لكن هذه الألسنة أحرقته هو .. لقد بدأ أبو لهب المواجهة .. وبدأ التكذيب .. جحد تاريخ محمد الأبيض الذي شهد هو وقومه به قبل لحظات عندما صاحت مكة بصوت كالرعد يتبعه المطر: ما جربنا عليك كذبًا. ولم يكن أبو لهب لوحده في هذه الأولوية .. لقد شاركته أم جميل

стр. 82

زوجته الترقة التي داست على أنوثتها ونافست الرجال شراسة .. لقد استحق هذان الاثنان تاريخًا أسود لا يزول أبدًا .. ولعنة تلوكهم بها ألسن الأجيال .. يحملها جبريل .. سورة تشهد تخلف ذلك الرجل وزوجته وهمجيته .. واستحقاقه لنار ذات لهب. لكن أبا لهب لا يعيق الإسلام ولا نبيه .. ها قد توجه ﷺ لـ: دعوة بني عبد المطلب فقط كان هذا النداء لعشيرته ﷺ .. يعلن فيها رسالة ربه بأعلى صوته .. ويعلن بداية العزلة الشعورية بينه وبينهم إذا لم يتبعوه على هدى الله .. ثم توجه بعد ذلك النداء إلى أقرب الناس إليه .. لقد (جمع- ﷺ أو دعا بني عبد المطلب، فيهم رهط (١) كلهم يأكل الجذعة (٢)، ويشرب الفرق (٣)، فصنع لهم مدًا (٤) من طعام، فأكلوا حتى شبعوا، وبقي الطعام كما هو، كأنه لم يمس، ثم دعا بغمر (٥) فشربوا حتى رووا، وبقي الشراب كأنه لم يمس أو لم يشرب فقال ﷺ : يا بني عبد المطلب، إني بعثت لكم خاصة، وإلى الناس بعامة، وقد رأيتم من هذه الآية ما رأيتم، فأيكم يبايعني على أن يكون: أخي وصاحبي، فلم يقم إليه أحد، فقمت إليه (٦) -وكنت أصغر القوم- فقال:

стр. 83

اجلس -ثلاث مرات- كل ذلك أقوم إليه فيقول لي: اجلس. حتى كان في الثالثة، ضرب بيده على يدي) (١) معلنًا تفوق هذا الفتى على كافة رجال وشيوخ أسرة النبي ﷺ .. ومسارعته للحق وهو في زهرة الشباب .. في الوقت الذي تراجع فيه أعمامه وكبار السن من أسرته .. تخلفوا وترددوا .. وعجيب أمر ترددهم وتخلفهم فالمعجزة أمامهم تغمرهم .. تلجمهم إلجامًا .. ها هو الطعام لا ينقص .. وشراب الفرد يكفي العشرات .. وقبل ذلك صانع الطعام .. إنه محمد- ﷺ الذي لم يجربوا عليه كذبًا ولا غشًا .. فكيف وقد أتى ببرهان صدقه المعجز: مدٌ من الطعام لا يشبع فردًا واحدًا .. يلتف حوله مجموعة من الرجال .. الفرد منهم يتربع أمام الجذع المطبوخ .. فلا ينهض إلا وقد التهمه كله .. ما الذي حدث حتى تقوم كل هذه المجموعة من فحول الرجال .. وقد شبعت من طعام قليل .. بل إنها لا تنقص منه شيئًا. تلك معجزة لا شك .. برهان على صدق ما سيقوله ﷺ لأسرته .. ومع ذلك لا ينهض منهم مساند إلا فتى .. هو أصغر القوم .. إنهم ليل .. وعلي كالصباح نضارة. إذًا فقد أعلن ﷺ حربه على الشرك لا على قريش وأعلن أن: الله وحده لا شريك له لم تترك قريش محمدًا يبوح بما كان يضمره في نفسه ونفوس أصحابه دون أن تطرح عليه أسئلة ملحة .. عن طبيعة هذا الدين .. عن هذا الإله

стр. 84

الذي يأمر بإفراده بالعبادة .. هذا الإله الذي يأمر بنسيان آلهة الآباء والأجداد وسحقها. فقال لهم- ﷺ وحيًا ترتكز عليه كل الحقائق .. وتنطلق منه أنوار تنير سراديب هذا الكون وأسراره .. فيخشع الكون كله وهو يستمع لمحمد-صلي الله عليه وسلم- يتلو حقيقة طالما أضاعها الإنسان فتاه في تلك السراديب: ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (١) اللَّهُ الصَّمَدُ (٢) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (٣) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (٤)﴾ (١). نداءان منه- ﷺ في اجتماعين مع أهل مكة .. ومع أهله .. وضعت أرواح بعض السابقين في أكفهم .. دروعًا يحمون بها رسولهم ﷺ .. فلقد هانت تلك الأرواح في سبيل الله .. ولئن كانت الجنة هي المصير فلتذهب الدنيا غير مأسوف عليها .. ستة عمالقة جاهروا بإسلامهم .. ولم يأبهوا بما قد يلاقون من عنت: (أبو بكر، وعمار، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد) (٢). ولئن لم تسعفنا الروايات في ذكر بقية لهم فلقد أسعفنا ذلك الاجتماع السابق بفتى صغير السنن هو (علي بن أبي طالب) فلقد وضع يده بيد رسول الله- ﷺ أمام أهله .. وكفى بتلك مجاهرة. بدأ هؤلاء الأفذاذ يدعون لدين الله جهرة .. فأسلم بإسلامهم خلق كثير. مما أقض مضاجع عباد الأصنام .. فاتجهوا نحو رسول الله- ﷺ

стр. 85

يحملون في أيديهم ألوانًا من الأذى والعذاب لعله يتراجع .. ويتراجع أصحابه معه. يؤذون رسول الله كانت البداية امرأة .. امرأة تدعى أم جميل بنت حرب .. زوجة أبي لهب .. انتفضت لما سمعت قول الله: ﴿تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (١) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (٢) سَيَصْلَى نَارًا ذَاتَ لَهَبٍ (٣) وَامْرَأَتُهُ حَمَّالَةَ الْحَطَبِ (٤) فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ (٥)﴾ حشرتها هذه الآيات .. وضاق صدرها بهذا اللهب .. فخرجت كالمجنونة لا تلوي على شىء .. تبحث هنا وهناك .. في الدور والطرقات .. عن انتقام يخمد هذا الجمر في قلبها .. تبحث عن محمد ﷺ .. قصدت المسجد الحرام فرأت أبا بكر الصديق فأقبلت عليه (ولها ولولة، وفي يدها فهو (١)، وهي تقول: مذممًا أبينا، ودينه قلينا، وأمره عصينا والنبي ﷺ جالس في المسجد ومعه أبو بكر ﵁، فلما رآها أبو بكر قال: يا رسول الله قد أقبلت، وأنا أخاف أن تراك، قال النبي- ﷺ : إنها لن تراني، وقرأ قرآنًا فاعتصم به كما قال، وقرأ: ﴿وَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ جَعَلْنَا بَيْنَكَ وَبَيْنَ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ حِجَابًا مَسْتُورًا﴾ فوقفت على أبي بكر، ولم تر رسول الله ﷺ ، فقالت: يا أبا بكر، إني أخبرت، أن صاحبك هجاني، فقال أبو بكر: لا، ورب هذا البيت، ما هجاك. فولت وهي تقول: قد علمت قريش أني ابنة سيدها) (٢).

стр. 86

لقد كانت تظن تلك الآيات شعرًا .. فقد قالت لأبي بكر: (يا ابن أبي قحافة، ما شأن صاحبك ينشد في الشعر. فقال أبو بكر: والله ما صاحبي بشاعر، وما يدري ما الشعر. فقالت: أليس قد قال: ﴿فِي جِيدِهَا حَبْلٌ مِنْ مَسَدٍ﴾، فما يدريه ما في جيدي. فقال النبي- ﷺ : قل لها: ترين عندي أحدًا، فإنها لن تراني، جعل بيني وبينها حجاب، فسألها أبو بكر، فقالت: أتهزأ بي يا ابن أبي قحافة، والله ما أرى عندك أحدًا) (١) ثم عادت هذه المرأة إلى بيتها تحمل الفشل .. تحمل عارها .. وتحمل المزيد من الحطب والشوك تضعه في طريقه- ﷺ .. تفتح الأبواب لسفهاء مكة ومراهقيها تخرجهم من منازلهم ليؤذوا معها رسول الله ﷺ .. ليحملوا معها مزيدًا من الشوك والحطب .. ولما رأى صحابة رسول الله ﷺ ذلك حزنوا وتكدروا .. وقرر بعضهم الخروج من كتمانه والدفاع عن رسول الله ﷺ علانية .. فبدأ في مكة مشروع لـ: تعذيب الصحابة يقول عبد الله بن مسعود: (أول من ظهر إسلامه سبعة: رسول الله، وأبو بكر، وعمار بن ياسر، وأمه سمية، وصهيب، وبلال، والمقداد. فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم، فأخذهم

стр. 87

المشركون، فألبسوهم أدراع الحديد، وصهروهم في الشمس فما منهم إنسان إلا وقد واتاهم على ما أرادوا، إلا بلال، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد .. أحد) (١). وعندما سئل عبد الله بن عباس ذات يوم: (أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله ﷺ من العذاب ما يعذرون به في ترك دينهم؟) أجاب ﵁ فقال: (نعم والله، إن كانوا ليضربون أحدهم، ويجيعونه، ويعطشونه، حتى ما يقدر أن يستوي جالسًا من شدة الضر الذي به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولوا له: اللات والعزى إلهان من دون الله. فيقول: نعم. افتداء منهم بما يبلغون من جهدهم) (٢). لقد افترش العذاب هذه الأجساد الطاهرة .. وطاب له المقام فغرز أنيابه بلا رحمة .. بلا شفقة .. يشرحها ويشرب من دمها .. وقهقهات السكارى والطواغيت حول هذه الأجساد المطروحة لا تجد من يخرسها .. حتى رسول الله ﷺ لا يستطع أن يفعل شيئًا .. وكيف يفعل وهو لا يستطع حماية نفسه من هؤلاء الأوغاد .. لقد اضطر الصحابة إلى اتخاذ إجراء يحمون به رسولهم .. فكانوا يتناوبون في حراسته ليلًا ونهارًا .. فالنهار لا يخلو من السفهاء والمتهورين .. والليل مثقل بخناجر الغدر يسددها المتلثمون.

стр. 88

ياسر وزوجته سمية وابنهما عمار .. أسرة ضعيفة فقيرة لكنها حرة .. ولما رفع ياسر الشيخ الكبير حاجبيه المثقلين بالشيب والألم لمح رسول الله ﷺ -فرأى الحزن والدمع في وجهه فهانت نفسه .. وهان العذاب أمام حزن رسول الله ﷺ وأحب أن يواسي رسول الله ﷺ قبل أن يواسيه الرسول فقال: (يا رسول الله الدهر هكذا. فقال النبي- ﷺ : اصبر. ثم قال: اللَّهم اغفر لآل ياسر، وقد فعلت) (١). (أبشروا آل عمار، وآل ياسر فإن موعدكم الجنة) (٢). (اصبروا آل ياسر موعدكم الجنة) (٣). كأن ذلك الشيخ الساخر بالعذاب .. أراد أن يطمئن رسول الله ﷺ أنه لا يخشى السياط ولا يخشى القيود .. إنه يتزين بها للجنة ويرجو أن يكون أول شهيد. لكن هناك من سبقه. أول الشهداء إنها امرأة .. أول المسلمين كان امرأة .. أول اعتداء على رسول الله ﷺ كان امرأة .. وكذلك أول شهيد في الإسلام امرأة طاعنة في السن .. اقتادها رجل شرس يقال له أبو جهل .. فاق أبا لهب قسوة وغلظة .. ها هو يجر هذه

стр. 89

المرأة المسكينة ترسف في قيودها نحو بطحاء مكة .. ثم يرمي بها نحو الأرض .. رغم أنها امرأة عجوز ضعيفة .. وبعد أن سلخ جلدها بالسياط وحطم أضلاعها بالحجارة .. تناول رمحًا فطعنها به في موضع عفافها أمام زوجها وابنها .. ثم تركها تتخبط بدمائها حتى لفظت أنفاسها وروحها. سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر هي تلك الشهيدة التي زحفت نحو الموت دون أن تتنازل لأبي جهل عن شيء من إسلامها. إنها كما قال جابر: (يقتلوها فتأبى إلا الإسلام) (١). يسرقون الفقراء سمية الراحلة .. لها رفاق صامدون شامخون كأطواد مكة .. أرادتهم قريش عبيدًا .. فانتزعوا حريتهم بأيديهم .. عذبوهم لكنهم رفضوا الخنوع لسياط الشرك .. فعاشوا يتنفسون هواء الحرية الرحب حتى ماتوا. أحد هؤلاء حر اسمه: خباب بن الأرت .. كان عبدًا .. فلما أسلم عذبه المشركون حتى تعبوا .. لكنه لم يتعب .. سرقوا دراهمه .. فصبر واحتسب فأنزل الله في ذلك قرآنًا يخلده .. تتلوه الأمة كلها. يقول هذا الحر الأبي: (كنت رجلًا قينًا (٢)، وكان لي على العاص بن وائل دين، فأتيته أطلبه، فقال: والله لا أقضيك حتى تكفر بمحمد. قلت: والله لا أكفر به أبدًا حتى تموت ثم تبعث. قال العاص: فإني إن بعثت، كان لي مال ثم مال وولد، فتأتيني فأقضيك. فأنزل الله : ﴿أَفَرَأَيْتَ الَّذِي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا﴾ (٣).

стр. 90

ولما ازداد إصرار خباب على هذا الدين وتمسكه برسول الله ﷺ ، أخذه (فكان ممّن يعذب في الله) (١) ليتراجع .. فلا يتراجع .. ليذهب ماله .. إنه لا يهمه .. لكنه شحيح بدينه كسمية بنت خياط فـ (لم يكن أحد إلا أعطى ما سألوه يوم عذبهم المشركون، إلا خبابًا، كانوا يضجعونه على الرضف (٢)، فلم يستغبوا منه شيئًا) (٣). لقد كشف خباب يومًا ظهرًا له تقلب في جمر العذاب وتشقق من السياط .. كشف خباب ظهره لأصحابه فإذا البرص والألم ينتشر فيه كله .. وبعد أن أراهم تلك الآثار المحزنة .. التفت إليهم ثم قال: (لم يكن لي أحد يمنعني، فلقد رأيتني يومًا أخذوني، وأوقدوا لي نارًا، ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري ما اتقيت الأرض أو برد الأرض إلا بظهري) (٤).

стр. 91

وقال خباب مرة وهو يحكي مأساته مع مجرمي مكة: (أوقدوا لي نارًا، فما أطفأها إلا ودك (١) ظهري) (٢). كان خباب يقول ذلك لمن حوله يحمل شهادته ومعاناته على ظهره وذلك عندما تحدث الجميع عن مأساة أخيه بلال .. وتلك الخطوط التي رسمها في طرقات مكة بجسده العاري عندما كان سفلة قريش يسحبونه هنا وهناك .. ولم يستطيعوا أن يسحبوا كلمة إذعان واحدة ترضي طواغيت مكة .. كان بلال المنحدر من شلالات أفريقيا وأنهارها شجاعًا كأُسُودها .. سخيًا كسهولها .. ساق القدر أمه وأباه إلى مكة .. وولد كالليل مليئًا بالأسرار والحزن والعبودية .. هموم تملأ قلبه .. وقيود تحز رقبته وآدميته .. كانت حياة آسنة عكرة لا بشائر فيها .. حتى سمع برسول الله- ﷺ فوجده يحمل ما كان يبحث عنه .. الحرية والعدالة .. كم تشققت قدماه وهو يبحث عنها فلم يجد عند قريش والعالم إلا سراب .. ووجد الحقيقة والحلم عند محمَّد ﷺ .. فماذا ينتظر .. لقد أدرك أسرار القوافل التي تمر بهذه الدنيا ثم ترتحل .. وأدرك أين تستقر .. أدرك أن هذه الدنيا ليست سوى أيام وساعات تتبخر .. ومهما طالت فلن تدوم وأن الحياة هناك: خلف السحاب خلف السماء في مدائن الجمال والسحر والبهجة الخالدة .. في جنات عدن .. أو بين أنهار الحميم والنتن والعذاب المقيم وله الخيار .. اختار بلال الرحمن .. ولفظ الشيطان من حياته وتصدى كجيش من حديد لتعذيب قريش .. (هانت عليه نفسه في الله وهان على قومه، فأعطوه الولدان، وأخذوا يطوفون به شعاب مكة وهو يقول: أحد .. أحد) (٣).

стр. 92

هذا هو بلال الجديد رفض أن يقضى حياته منحنيًا لسوط وحجر .. كان يرمي جسده كأنه يقول خذوه فهو لكم .. لكنكم لن تنالوا من روحي وإرادتي شيئًا ما دمت مع الله .. فالروح لها طريق لا تعرفه قريش ولا أصنامها .. طريق فسيح لا تردمه الجبال .. طريق طاهر لا تمسه أيدي المشركين. كانت مأساته مع قريش دامية مؤلمة .. وكان منظره يذيب الصخر وهو يسحب في دروب مكة وشعابها .. يلعب به الصبيان والسفهاء .. وهو يسقط المرة تلو المرة من الإعياء .. ثم يضطر إلى الوقوف مرة أخرى من لسع السياط والعصي على رأسه وجسده .. كان المسلمون حوله يتحرقون عليه لكن ماذا يفعلون وهم ليسوا بأحسن حال منه .. حتى أشرقت شمس الحرية يومًا يحملها أبو بكر الصديق الحنون فقد تقدم نحو مالك بلال .. نحو المجرم: أمية بن خلف فعرض عليه شراءه .. فوافق الطاغية بعد أن كلت يداه وقدماه من الصفع والركل والضرب فلم يظفر بشيء من ذلك العملاق المتلبط بين السياط .. ودفع أبو بكر الثمن .. وقبض المجرم وتوجه أبو بكر نحو ساحة التعذيب يمد يده لينتشله .. فكيف كانت حال بلال .. وعلى أي صورة وجده .. هذا هو قيس بن أبي حازم يروي لنا آخر فصول المأساة البلالية فيقول: (اشترى أبو بكر بلالًا وهو مدفون بالحجارة) (١).

стр. 93

هذه هي منزلة بلال الإنسان عند هؤلاء الملحدين .. إما أن يختار ما اختاروه له فيكون كادحًا طوال الليل والنهار مهانًا ذليلًا .. وإما أن يرفض إرادتهم ويسلك دروب الدعاة فيدفع الثمن باهظًا .. أكوامٌ من الحجارة تغطى جسده المنهك .. وشمسٌ لاحفة تحمى عليه تلك الحجارة وتزيد في تعذيبه وإيلامه. مد أبو بكر يده إلى هذا المسكين لتنتفض عنه قريش والحجارة .. مد أبو بكر يده لأخيه بلال لا لعبده بلال .. فلقد اشتراه ليحرره من قيد العبودية والمهانة .. ليطلقه في البيداء وفي السماء .. يشرب الماء عذبًا .. يتنفس الهواء نقيًا .. ويعبد ربه أينما شاء .. بعد أن كان يكد ويكدح طوال يومه دون مقابل .. دون أجر أو كلمة شكر .. لقد قدم بلال تضحيات وتضحيات .. وها هو اليوم .. حر وسيدٌ من سادات الإسلام .. بشهادة أحد أعظم رجالات الإسلام حيث يقول: (أبو بكر سيدنا، وأعتق سيدنا) أما لماذا فلأنه اختار طريق محمَّد ﷺ -وصبر مع محمَّد ﷺ . . لقد كان يجوع يوم يجوع رسول الله ﷺ .. ويتألم عندما يتألم ويجعل من جسده درعًا أمام الرماح الموجهة إلى نبيه .. كان يخاف على رسول الله ﷺ أكثر مما يخاف على نفسه .. إنه باختصار: يحبه أكثر من نفسه .. وهذا ما جعل الدنيا كلها تحب بلالًا وتجله .. لقد كان رسول الله ﷺ يتحدث بنفسه عن بطولات بلال ﵁ .. عن معاناته فيقول: (لقد أوذيت في الله وما يؤذي أحد، وأخفت في الله وما يخاف أحد، ولقد أتت على ثلاثون -من يوم وليلة-، وما لي ولبلال ما يأكل ذو كبد إلا ما يواري إبط بلال) (١). لقد حولت عقيدة الشرك قريشًا إلى كتلة من

стр. 94

العنف والحقد والبخل .. هكذا تعامل قريش ابنها البار .. وابن سيدها وسيد العرب الكريم .. تحشد له الشوك والسياط والجوع والخوف .. حتى يمر به الشهر حزينًا لا يحمل إليه سوى لقمة يشاطرها بلال في وقت يتقلب فيه زبانية قريش في أنواع الملذات دون أن ينغص عليهم أنين المؤمنين تحت أقدامهم وسياطهم .. أو يحرك عواطفهم. لقد كانوا مجرمين يحملون المال والجاه والحسب والنسب والسياط .. لكن أيديهم وعقولهم خالية من الحجة والمنطق والحقيقة .. ليس لديهم سوى أشياء .. ورثوها عن آبائهم .. فيها اختلط الحق بالباطل دونما تمييز .. أما محمد ﷺ -فقد جمع الحق كله .. ورفض الشر كله .. فكانت النتيجة أن صادموه عندما أراد أن يطهرهم ويشدهم من مستنقعات الرذيلة التي يرتكسون فيها .. وكان يقود ذلك الصدام مجرمون .. تفننوا في التعذيب والسحل والتنكيل .. كان من هؤلاء عم رسول الله ﷺ : أبو لهب .. وكان منهم أمية بن خلف .. وعقبة بن أبي معيط وشيبة بن ربيعة .. وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة .. لكن هناك من يتفوق على هؤلاء كلهم قسوة وشراسة: رجلان هما: عمرو بن هشام (أبو جهل) ورجل آخر .. أما أبو جهل فكان جبارًا شقيًا يتلذذ بتعذيب المؤمنين .. حتى بلغ من قسوته أن طعن سمية بنت خياط أم عمار بن ياسر بحربة في موضع عفافها حتى لفظت أنفاسها والحياة .. طعنها وهي المرأة الضعيفة الرقيقة .. إنها لم تشتمه .. ولم تسبه إنما قالت: لا إله إلا الله.

стр. 95

لقد علمنا التاريخ دروسًا عديدة .. وما زال يعلمنا أن للطغاة موقفًا من المؤمنين الدعاة عجيبًا .. هذا الموقف يقول: (من كان داعية فهو عدوي)، وقد يكون الطاغية مخيرًا أو مسيرًا أو ساذجًا .. لكن هذا الموقف لا يتغير. ومن يعير سمعه وبصره للتاريخ والأيام .. يجد المشانق والزنازين تئن أمامه من رقاب الدعاة وأجسادهم الطاهرة .. حتى رياح الحرية التى تهب أحيانًا على الشعوب نراها تمر على الجميع وتستثنى الدعاة فهم ينتزعونها انتزاعًا بدمائهم .. ويمنحونها للجميع حرية للبشر للشجر .. لكل من حوته السماء وساح على وجه الأرض. ولم تكن سمية بنت خياط أول الشهداء ولا آخرهم .. ولا كان أبو جهل أول المتسلطين ولا نهايتهم .. كان هناك رجل يزاحمه ينافسه اسمه: عمر بن الخطاب لعلكم تذكرون ذلك الرجل العظيم: زيد بن عمرو بن نفيل .. هذا الرجل له ولد عظيم مثله اسمه سعيد بن زيد .. تزوج سعيد من أخت عمر ابن الخطاب .. فكان من السابقين إلى الإسلام .. سمع من رسول الله ﷺ فوجد الحقيقة ووجد نفسه .. ودعا زوجته -وهي أخت عمر بن الخطاب- فآمنت بما آمن به .. فكانت أسرة صغيرة سعيدة بالحب والإيمان والبهجة .. وبعد فترة تسرب الخبر إلى عمر بن الخطاب .. فتطاير الشرر من عينيه ويديه .. وبدأ بتعذيب أخته وزوجها .. فما حدث عار على ابن الخطاب ولن يسمح عمر للعار أن يدخل بيته .. لكن أدوات عمر فشلت .. فالقلوب لا تدخلها السياط والمبادئ لا يثنيها الحديد .. وعمر لا يملك من أدوات الإقناع والحوار سوى بسطة في الجسم وحفنة من السياط والعصي الغليظة .. أحضر الأغلال والحبال .. وقيدهما، وفي ذلك

стр. 96

يقول سعيد بن زيد: (والله لقد رأيتني وإن عمر لموثقي وأخته على الإسلام قبل أن يسلم عمر) (١) هكذا كان عمر .. وهذا ما تفعله قريش بأطهر أبنائها المؤمنين. وليس لدى الضعيف المظلوم سوى الدعاء: دعوة نبي مضطهد أطال ﷺ التأمل بين صحابته .. يفتش عن أحد .. لكنه لم يجده .. لقد وجد أتباعًا مضطهدين .. مغلوبًا على أمرهم .. يتحملون كثيرًا .. لكن إلى متى .. إلى متى وهم يتدسسون .. يخفي بعضهم بعضًا كأنما ارتكبوا جرمًا .. كان يفتش عن شخص جبار تهابه قريش .. فتتراجع أمامه قليلًا .. لعل فسحة من الحياة المشروعة تتسع له ولأصحابه .. فيستمتعون بها كما يستمتع غيرهم .. ويعبدون الله وهم آمنون .. لكن الطغاة لا يرحمون .. إن البهائم والطيور تطوف في مكة آمنة .. أما محمد ﷺ وصحبه المساكين .. ففي الشعاب هائمون .. يأتي إليه خباب بن الأرت يحمل جلدًا مسلوخًا وجروحًا نازفة وهمًا كالجبال .. يأتي إليه خباب المسكين وقد لقي أشد العذاب من المشركين. فيقول: (يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا، فقعد ﷺ محمر وجهه، فقال: إن من كان قبلكم ليمشط أحدهم بأمشاط الحديد، ما دون عظمه من لحم أو عصب، ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه، فيشق باثنين ما يصرفه ذلك عن دينه، وليتمن الله هذا الأمر، حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله ، والذئب على غنمه) (٢). ليس هناك سوى الصبر يا خباب .. هذه هي حياة الأنبياء وأصحابهم

стр. 97

وأتباعهم .. إن احمرار وجهه ﷺ لم يكن لعدم مشروعية الدعاء .. بل كان لهبًا يذهب ما قد يعلو في نفوس أصحابه من الملل والضيق .. إن هذا الاحمرار يقول: إن كل ما يقدمه الداعية في سبيل الله من تضحية .. من مال .. من جهد .. رخيص .. رخيص في سبيل الله .. إنها الجنة يا خباب .. فلا عجب أن مشط الأنبياء السابقون وأتباعهم بأمشاط الحديد .. ونشروا بالمناشير .. فقد كانت الجنة في قلوبهم .. أما الدعاء فمشروع في كل لحظة .. فالدعاء في الإِسلام (هو العبادة) (١) .. حتى الأماني التي تجول في الخواطر تسيل عند الله في مجرى الدعاء الجميل المحبوب .. حتى الأماني الحلوة حَوَّلَها الإسلام إلى عبادة .. يقول ﷺ : (إذا تمنى أحدكم فليكثر، فإنما يسأل ربه) (٢) وسأل محمَّد ﷺ ربه .. دعاه وتضرع إليه أن يرزقهم ما يبحثون عنه .. رجلًا يعز الله به الإسلام .. وكانت أمنيته ﷺ تحوم حول أقسى رجلين وأشرسهما في مكة كلها على المؤمنين .. توجه ﷺ إلى ربه ضارعًا وقال: (اللَّهم أعز الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك: أبو جهل بن هشام، أو عمر بن الخطاب) (٣) فقد بخلت مكة وشحت .. وضاقت بأصحابه ﷺ فصارت من ضيقها تحصي أنفاسهم وخطاهم .. ولم يكن هناك متسع للحياة فيها .. حتى بيت الله الحرام أصبح غير آمن ولا حرام .. ألم تر إلى أبي جهل يقول: (لئن رأيت محمدًا يصلي عند الكعبة لأطأن عنقه) (٤).

стр. 98

(واللات والعزى لئن رأيته يفعل ذلك لأطأن على رقبته، ولأعفرن وجهه في التراب) (١). حبيب الله- ﷺ يهدده هذا الجعظ بأن يطأ على عنقه الطاهر .. فماذا ينتظر البقية سوى الموت. أليس هناك سوى مكة .. وطواغيت مكة؟ نعم إن مكة أطهر بقعة على وجه الأرض وأعظمها .. لكن هل البقاء فيها من أركان الإسلام .. هل يتحتم على المسلمين أن يربطوا مصيرهم بمكة وقد ضاقت بهم .. وحاصرتهم جبالها .. وكشرت وديانها وشعابها .. هل يتحتم على المؤمنين أن يبقوا فيها وقد نثر الشوك في وجوههم وأقدامهم .. وكعبة ربهم تئن تحت أطنان الأصنام وترزح تحت طقوس الوثنية؟. رسول الله ﷺ حمل الإجابة بيضاء واضحة لا غموض فيها .. الإسلام لا يرتبط بأرض ولا وطن .. لا يرتبط بشخص ولا حتى أمة .. الإسلام عظيم فسيح .. فسيح. إنه من السعة بحيث تستطع أن تضع هذا الكون كله في زاوية من زواياه .. ومكة جزء من هذا الكون .. الإِسلام لا يرتبط بمكة .. ولا بفلسطين ولا ببقية أراضي الأنبياء مهما كانت .. فلا حرج على هؤلاء الضعفاء من المغادرة والهجرة من أكرم بقاع الأرض إذا ضاقت وضاق أهلها لكن إلى أين؟ إلى الحبشة هذا ما تقوله امرأة مسلمة تدعى: أم سلمة (هند بنت أمية) التي عذبت هي وزوجها مع سائر المؤمنين لأنهم يقولون لا إله إلا الله .. تقول أم سلمة ﵂:

стр. 99

(لما ضاقت مكة، وأوذي أصحاب رسول الله ﷺ ، وفتنوا، ورأوا ما يصيبهم من البلاء، والفتنة في دينهم، وأن رسول الله ﷺ لا يستطيع دفع ذلك عنهم، وكان رسول الله ﷺ في منعة من قومه، ومن عمه، لا يصل إليه شىء مما يكره ومما ينال أصحابه، فقال رسول الله ﷺ : إن بأرض الحبشة ملكًا لا يُظلَم أحد عنده، فالحقوا ببلاده، يجعل الله لكم فرجًا ومخرجًا مما أنتم فيه، فخرجنا أرسالًا حتى اجتمعنا بها، فنزلنا بخير دار إلى خير جار، آمنين على ديننا , ولم نخش فيها ظلمًا) (١). كان النجاشي ملك الحبشة نصرانيًا يحمل الصليب على صدره لكنه كان عادلًا. أرض بلال تجود مرة أخرى .. وشلالاتها تغسل دموع المؤمنين وأحزانهم وتطهر جرحهم من أشواك قريش ورماحها .. لكن لماذا الحبشة؟ هل لأنها أرض النصارى .. والنصارى أهل دين نزل من السماء كالإِسلام تمامًا .. ربما .. لا سيما وجزيرة العرب غابة من الأصنام .. وأرض فارس تتأجج نارًا تحرق أهل فارس .. وتحرق فطرتهم وتذيبها كلما ركعوا لها أو تمسحوا برمادها وتمرغوا .. ربما كانت في هذه بعض الإجابة .. لكن الإجابة المؤكدة هي ما قاله رسول الله ﷺ : (إن بأرض الحبشة ملكًا لا يظلم أحد عنده) إذًا فهو العدل والعدل فقط .. وقريش قد فرغت جيوبها وقلوبها من العدل. ابتسم المتسلطون وهم يرون هؤلاء الفقراء يحملون أطفالهم ويودعون مكة الحبيبة تبللهم الدموع ويتقلب الجمر في أكبادهم .. يتركون بيوتهم .. يتركون نبيهم ﷺ وإخوانهم يتلبطون بين السياط.

стр. 100

فرح الطغاة والمتسلطون كلهم إلا واحدًا كان يرقب المشهد بعمق يقف ملجمًا بالحزن .. مثقلًا بالندم .. ينظر إلى ضحاياه .. يتأمل مطاياهم وهى تتمايل مغادرة مكة فتنتزع من قلبه بعض قسوته وعروقه .. كان صامتًا يخاطبه الندم ويقول له: ماذا فعلت يابن الخطاب .. وماذا جنت يداك .. ويحك يا عمر إنهم أهلك وجيرانك وأصحابك .. ألا ترحم .. ألا يلين قلبك لهذا المنظر .. نساء حزانى .. وشباب حيارى .. وأطفال لا ذنب لهم .. ورجال كرام أهنتهم وشردتهم وضيقت عليهم حتى ملوا الحياة .. وهم الذين كانوا يكرمون الضيف .. ويحنون على الضعيف .. إلى أين ألجأتهم يا عمر؟ إلى بحر يتقلب بهم .. أم إلى أرض لا يعرفون بها أحدًا .. ماذا سيكون مصيرهم .. أنت لا تعرف وهم لا يعرفون .. هل خلقت بلا قلب يا عمر؟ تقدم أيها القاسي وقل شيئًا يخفف من لوعتهم. وتقدم عمر .. وتحرك قلبه وتحركت شفتاه في هذا المشهد المعبر الذي ترسمه لنا أم عبد الله زوجة عامر بن ربيعة بقولها: (كان عمر بن الخطاب من أشد الناس علينا في إسلامنا، فلما تهيأنا للخروج إلى أرض الحبشة. جاءني عمر بن الخطاب وأنا على بعير نريد أن نتوجه فقال: أين يا أم عبد الله؟ فقلت له: آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نؤذى في عبادة الله [والله لنخرجن في أرض من أرض الله إذ آذيتمونا وقهرتمونا حتى يجعل الله لنا مخرجًا] (١).

стр. 101

[ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه خروجنا]. ثم ذهب، فجاء زوجي عامر بن ربيعة، فأخبرته بما رأيت من رقة عمر ابن الخطاب فقال: ترجين يسلم؟ فقلت: نعم. قال: فوالله لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب -هذا من شدته على المسلمين- ثم رزقه الله الإِسلام) (١). وتحركت المطايا والقلوب تلوح لمكة .. وركب المعذبون البحر .. وارتفعوا مع الموج وانخفضوا حتى قذفتهم المراكب على سواحل الحبشة فرأوا الأمان وتلمسوه فعانقوه وارتاحت قلوبهم .. واستراحت أبدانهم من شراسة قريش .. أما رسول الله ﷺ وبقية أصحابه فمكثوا في مكة يمشون على الأشواك .. ويحثى عليهم التراب .. ويبصق في وجوههم .. لكنهم لا يتراجعون يدعون ويدعون .. ويكثر أتباعهم كل يوم .. فتضطرب قريش من هذا الدين الذي يشتد عوده كلما اضطهد وعذب أتباعه .. كأنهم يقتاتون الشقاء والمعاناة .. يحتسون المرارة .. فيزدادون صفاءً وتألقًا .. هذا عبد الله بن عمرو بن العاص .. يحدث رجلًا ويخبره عن أشد المناظر فظاعة .. أشد مناظر قريش قسوة وهي تنال من رسول الله ﷺ فقال: (لقد رأيتهم -وقد اجتمع أشرافهم يومًا في الحجر-، فذكروا رسول الله ﷺ ، وقالوا: ما رأينا مثل صبرنا عليه من هذا الرجل قط، سفه أحلامنا (٢)، وشتم آباءنا، وعاب ديننا، وفرق جماعتنا، وسب آلهتنا، وصبرنا منه على أمر عظيم .. أو كما قالوا.

стр. 102

فبينا هم في ذلك، طلع رسول الله ﷺ ، فأقبل يمشي حتى استلم الركن، فلما مر بهم طائفًا بالبيت، غمزوه ببعض القول، فعرفت ذلك في وجه رسول الله ﷺ ، فمضى، فلما مر بهم الثانية؟ غمزوه بمثلها، فعرفتها في وجهه، فمضى ثم الثالثة، فغمزوه، فوقف، ثم قال: أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده، لقد جئتكم بالذبح. فأخذت القوم كلمته، حتى ما منهم من رجل إلا وكأنما على رأسه طائر (١) واقع، حتى إن أشدهم فيه وصاة قبل ذلك ليرفؤه (٢) أحسن ما يجد من القول، حتى إنه ليقول: انصرف يا أبا القاسم فما أنت بجهول. فانصرف رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الغد اجتمعوا في الحجر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه، فبينا هم على ذلك طلع رسول الله ﷺ ، فوثبوا عليه وثبة رجل واحد، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا -لما كان يبلغهم عنه من عيب آلهتهم ودينهم- فيقول رسول الله ﷺ : نعم. أنا الذي أقول ذلك، فلقد رأيت رجلًا منهم أخذ بمجامع ردائه وقام أبو بكر الصديق ﵁ يبكي دونه) (٣) وذكر عبد الله بن عمر اسم ذلك الجلف فقال: (أقبل عقبة بن أبي معيط _ورسول الله يصلي عند الكعبة- فلوى ثوبه في عنقه، فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر ﵁، فأخذ. بمنكبيه، فدفعه عن رسول

стр. 103

الله ﷺ ثم قال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم) (١). ووصف عبد الله الحارث مرة فقال: (ما تنول من رسول الله ﷺ شيء كان أشد من أن أطاف بالبيت -ضحى- فلقوه حين فرغ، فأخذوا. بمجامع ردائه وقالوا: أنت الذي تنهانا عما كان يعبد آباؤنا. فقال ﷺ : أنا ذاك. فقام أبو بكر ﵁ فالتزمه من ردائه ثم قال: أتقتلون رجلًا أن يقول ربي الله، وقد جاءكم بالبينات من ربكم، وإن يك كاذبًا فعليه كذبه، وإن يك صادقًا يصبكم بعض الذي يعدكم، إن الله لا يهدي من هو مسرف كذاب) (٢). كل هذا ورسول الله ﷺ يتجرع مرارة الأذى صابرًا .. فالدروب حوله أمر .. ولا بد من المعاناة .. فقد بعث ليبعث الحياة في نفوس مريضة .. ليلتقط أشلاءها الممزقة .. أشلاءها المبعثرة .. ليجعل من هؤلاء الجفاة شموس حضارة تمنح الضياء للعالم .. ولا بد أن يكون في دربه قلوب مطموسة .. وصخور عناد قاسية .. مشركون تكومت في قلوبهم أسباب النقمة وبين أيديهم سبل الانتقام .. لن يتورعوا عن ارتكاب الحماقات مهما كانت فادحة .. وسيتلذذون بذلك .. وسيشربون الخمر بهجة بانتصار مزيف .. لكن كل ذلك سيتلاشى مع الليالي والأيام والصبر والمصابرة.

стр. 104

الإيمان في الشدة والأزمات عمود نور كلما ضرب توغل في شغاف القلوب .. الإيمان مطر تنشره رياح الحرية في الأرض .. فإذا قلوب البشر قد اهتزت وربت وأنبتت فيها الحياة العذبة الجميلة .. هذا رسول الله ﷺ يفر من مكة .. ويلوذ بالفرار معه أبو بكر .. تطاردهما وحوش قريش وسفهاؤها .. فيجدان الأرض خارج مكة أدغالًا من الخوف والرعب .. صحارى وعطش ورمضاء وعرق .. هذه الشدائد وهذه الأزمات الحرجة تشققت عن مولود إسلامى عظيم أصبح أحد رموز هذه الأمة وعلمائها رمز يدعى: عبد الله بن مسعود يقول ﵁: (كنت غلامًا يافعًا أرعى غنمًا لعقبة بن أبي معيط بمكة، فأتى عليَّ رسول الله ﷺ وأبو بكر -وقد فرا- من المشركين فقالا: يا غلام، عندك لبن تسقينا؟ قلت: إني مؤتمن ولست بساقيكما، فقالا: هل عندك من جذعة لم ينز عليها الفحل بعد؟ قلت: نعم. فأتيتهما بها، فاعتقلها أبو بكر، وأخذ رسول الله ﷺ الضرع فدعا .. ، فحفل الضرع، وأتاه أبو بكر بصخرة منقعرة، فحلب فيها، ثم شرب هو وأبو بكر، ثم سقاني، ثم قال للضرع، اقلص. فقلص. فلما كان بعد أتيت رسول الله ﷺ فقلت: علمني من هذا القول الطيب -يعني القرآن- فقال رسول الله ﷺ : إنك غلام معلم، فأخذت من فيه سبعين سورة ما ينازعني فيها أحد) (١). إنها لمعجزة أن يدر ذلك الضرع باللبن ثم يقلص .. كذلك الإِسلام ..

стр. 105

معجزة فقد جعل من رويعى الغنم عالمًا عظيمًا .. في وقت كان زبانية قريش ينتظرون خبر موت محمد وصاحبه خارج مكة .. ولئن كانت مكة لا تأبه كثيرًا لإسلام عبد الله بن مسعود لأنه في نظرهم مجرد راعي غنم قصير القامة .. ضعيف البنية .. دقيق الساقين جدًا .. إذا كانت قريش لا تأبه لإسلام ابن مسعود فالإِسلام يأبه كثيرًا بابن مسعود ويوظف قدراته العقلية .. الإِسلام يحتفي بهذا المسكين كاحتفائه بـ: إسلام حمزة إذا كان ابن مسعود الضعيف قد أسلم خارج مكة ورسول الله ﷺ هارب من تعذيب أهلها له .. فإنه قد قيل إن حمزة بن عبد المطلب ذلك الأسد الفاتك .. عم رسول الله ﷺ قد أسلم أيضًا بعد عملية اضطهاد لرسول الله ﷺ (كان إسلام حمزة حمية، وكان يخرج من الحرم فيصطاد فإذا رجع مر بمجلس قريش وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا، وصنعت كذا .. وكذا، ثم ينطلق إلى منزله، فأقبل من رمية ذات يوم فلقيته امرأة، فقالت: يا أبا عمارة، ماذا ألقي ابن أخيك من أبي جهل بن هشام: شتمه وتناوله، وفعل وفعل، فقال: هل رآه أحد. قالت: أي والله لقد رآه ناس فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم، فاتكأ على قوسه، وقال: رميت كذا .. وكذا وفعلت كذا .. وكذا، ثم جمع يديه بالقوس فضرب بين أذني أبي جهل فدق سنتها، ثم قال: خذها بالقوس وأخرى بالسيف، أشهد أنه رسول الله ﷺ ، وأنه جاء بالحق من عند الله. قالوا: يا أبا عمارة إنه سب آلهتنا وإن كنت أنت أفضل منه ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشًا) (١).

стр. 106

قد تكون هذه هي قصة إسلام حمزة وقد يكون لإسلامه قصة أخرى .. الله أعلم. وسواء كان ذلك الذي حدث أم لا فإن إسلام حمزة كان نصرًا هز مكة من أقصاها إلى أقصاها .. فالأمر يبدو خطيرًا .. والأقوياء الذين كانوا يخشون من زوال سمعتهم وما تجنيه لهم تلك القوة من أضواء بدأوا ينضمون إلى صفوف المؤمنين ويزيدونها قوة .. فقد أدركوا كم هم ضعفاء أمام قوة الإِسلام .. أمام قوة القوي الذي لا يقهر سبحانه .. فهل من سبيل إلى خروج من هذا المأزق الذي ألجأهم الإِسلام إليه .. هل من مهرب قبل أن يجدوا أنفسهم غرباء خارج مكة مهزومين أذلاء. المفاوضات بعد إسلام حمزة لم يصدق عتبة بن ربيعة أن حمزة أصبح اليوم مع ابن أخيه .. درع يحميه .. سيف يشق به صفوف قريش .. سيصعب الوصول إليه وحمزة معه .. ها هو ابن أخيه يصلى دون خوف عند الكعبة .. اغتاظ عتبة أحد أسياد مكة مما يحدث .. (فقال يومًا وهو جالس في نادي قريش -ورسول الله ﷺ في المسجد وحده-: يا معشر قريش، ألا أقوم إلى محمد فأكلمه وأعرض عليه أمورًا لعله يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء ويكف عنا، وذلك حين أسلم حمزة، ورأوا أصحاب رسول الله ﷺ يزيدون ويكثرون فقالوا: بلى يا أبا الوليد. قم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حين جلس إلى رسول الله ﷺ ، فقال: يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة في العشيرة والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم،

стр. 107

وسفهت به أحلامهم، وعبت به آلهتهم ودينهم، وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني، أعرض عليك أمورًا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها. فقال له رسول الله ﷺ : قل يا أبا الوليد .. أسمع. قال: يا ابن أخي إن كنت تريد بما جئت به من هذا الأمر مالًا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالًا، وإن كنت تريد به شرفًا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرًا دونك، وإن كنت تريد به ملكًا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيًا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه، فإنه ربما غلب التابع على الرجل حتى يداوى منه. أو كما قال له، حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ﷺ يستمع منه قال: لقد فرغت يا أبا الوليد؟ قال: نعم. قال: فاسمع مني. قال عتبة: افعل. فقال رسول الله ﷺ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿حم (١) تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (٢) كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٣) بَشِيرًا وَنَذِيرًا فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ (٤) وَقَالُوا قُلُوبُنَا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ وَفِي آذَانِنَا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِكَ حِجَابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنَا عَامِلُونَ (٥) قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ وَوَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ (٦) الَّذِينَ لَا يُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كَافِرُونَ (٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (٨) قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ في يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ (٩) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا في أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ (١٠) ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ (١١) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ في يَوْمَيْنِ وَأَوْحَى في كُلِّ سَمَاءٍ أَمْرَهَا وَزَيَّنَّا السَّمَاءَ الدُّنْيَا بِمَصَابِيحَ وَحِفْظًا ذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ (١٢) فَإِنْ أَعْرَضُوا فَقُلْ

стр. 108

أَنْذَرْتُكُمْ صَاعِقَةً مِثْلَ صَاعِقَةِ عَادٍ وَثَمُودَ (١٣) إِذْ جَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ قَالُوا لَوْ شَاءَ رَبُّنَا لَأَنْزَلَ مَلَائِكَةً فَإِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (١٤) فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا في الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (١٥) فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا صَرْصَرًا في أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ لِنُذِيقَهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ (١٦) وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى فَأَخَذَتْهُمْ صَاعِقَةُ الْعَذَابِ الْهُونِ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٧) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (١٨) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْدَاءُ اللهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ (١٩) حَتَّى إِذَا مَا جَاءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٠) وَقَالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنَا قَالُوا أَنْطَقَنَا الله الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢١) وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَتِرُونَ أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْكُمْ سَمْعُكُمْ وَلَا أَبْصَارُكُمْ وَلَا جُلُودُكُمْ وَلَكِنْ ظَنَنْتُمْ أَنَّ اللهَ لَا يَعْلَمُ كَثِيرًا مِمَّا تَعْمَلُونَ (٢٢) وَذَلِكُمْ ظَنُّكُمُ الَّذِي ظَنَنْتُمْ بِرَبِّكُمْ أَرْدَاكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٢٣) فَإِنْ يَصْبِرُوا فَالنَّارُ مَثْوَىً لَهُمْ وَإِنْ يَسْتَعْتِبُوا فَمَا هُمْ مِنَ الْمُعْتَبِينَ (٢٤) وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ في أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (٢٥) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ (٢٦) فَلَنُذِيقَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا عَذَابًا شَدِيدًا وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَسْوَأَ الَّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ (٢٧) ذَلِكَ جَزَاءُ أَعْدَاءِ اللهِ النَّارُ لَهُمْ فِيهَا دَارُ الْخُلْدِ جَزَاءً بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (٢٨) وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (٢٩) إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا الله ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ (٣٠) نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ (٣١) نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ (٣٢) وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِمَّنْ دَعَا إِلَى اللهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٣) وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا

стр. 109

الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ (٣٤) وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ (٣٥) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٦) وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (٣٧) فَإِنِ اسْتَكْبَرُوا فَالَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ يُسَبِّحُونَ لَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ (٣٨)﴾ (١) ثم مضى رسول الله ﷺ فيها يقرؤها عليه فلما سمعها منه عتبة أنصت لها , ألقى يديه حلف ظهره معتمدًا عليها يسمع منه , ثم انتهى رسول الله ﷺ إلى السجدة منها , فسجد ثم قال: قد سمعت أبا الوليد ما سمعت فأنت وذاك, فقام عتبة إلى أصحابه. فقال بعضهم لبعض: نحلف بالله لقد جاءكم أبو الوليد بغير الوجه الذي ذهب, فلما جلس إليهم قالوا: ما وراءك يا أبا الوليد. قال: ورائي أني سمعت قولًا والله ما سمعت مثله قط والله ما هو بالشعر, ولا بالسحر , ولا بالكهانة, فوالله ليكونن لقوله الذي سمعت منه نبأ عظيم , فإن تصبه العرب فقد كفيتموه بغيركم ,وإن يظهر على العرب فملكه ملككم , وعزه عزكم , وكنتم أسعد الناس به قالوا: سحرك والله يا أبا الوليد بلسانه. قال: هذا رأيي , فاصنعوا ما بدا لكم) (٢) لقد هزت الآيات قلبه ولكنها

стр. 110

وجدته صخرًا .. أما عقله فقد أدرك سحر هذا القرآن وأثره .. لكن أنياب العادات والتقاليد وبقايا سمعته كانت مغروزة فيه .. وهو أضعف من أن يتخلص منها .. فهو في ريبة يتردد لا يجد له استقرارًا .. في نزاع بين ما هو صحيح وبين ما يهواه .. وأخيرًا دحرجته جموع الكفر إلى الكفر .. دحرجت قلبه الصخري على عقله فانطمس ولبث في عماء حتى ألقى مكفنًا بالشرك والعفن .. أما محمَّد ﷺ فأعلنها: لا تنازل هذا هو مبدأ سيد البشر ﷺ وإمام القادة .. لا يقبل إطلاقًا أي تلفيق في المنهج .. لا جسور في العقيدة بينه وبن الكفر إطلاقًا .. لقد نثروا بين يديه خيارات مغرية .. الزعامة .. والمال والسيادة عليهم وهم سادة العرب شم الأنوف في الذرى بين الجميع .. لكنه ﷺ رفض ذلك كله .. كان بإمكانه أن يتزعمهم ثم ينقلب عليهم إذا اشتد عوده وكثر أتباعه .. كان بإمكانه أن يعقد هدنة معهم ثم يأخذ من المال ما يتيح له أن يعد جيشًا من المرتزقة يحطم به أعداء الله .. لكنه الأمن .. والأمين يقول: (أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك) (١) ولن يخون ﷺ مسلمًا ولا كافرًا ولا مشركًا مهما كانت الأسباب فالأمر عقيدة .. والقيادة عقيدة عند رسول الله ﷺ .. فإما أن تكون لله أو تكون للشيطان .. ولن يشاطر الشيطان قيادةً ولا نهجًا. لقد كان ﷺ يتنازل عن حقه .. يؤذى فيصبر .. يسيل دمه فيمسحه
следующие страницы →