← Сира

Сира · id 123671

الموسوعة في صحيح السيرة النبوية - العهد المكي

محمد إلياس الفالوذة

Полный текст (528 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

ذكر وفاة آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: أخبرنا محمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا محمَّد بن عبد الله عن الزهري قال: وحدثنا محمَّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد ابن عمرو بن حزم قال: وحدثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن أبيه عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان رسول الله ﷺ ، مع أمه أمنة بنت وهب، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أم أيمن تحضنه وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهرًا، فكان رسول الله ﷺ يذكر أمورًا كانت في مقامه ذلك، لما نظر إلى أطم بني عدي بن النجار عرفه وقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذا الأطم وكنت مع غلمان من أخوالي نطير طائرًا كان يقع عليه، ونظر إلى الدار فقال: ها هنا نزلت بي أمي وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله ابن عبد المطلب وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه فقالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامه، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب، فقبرها هناك، فرجعت به أم أيمن على البعيرين الذين قدموا عليهما مكة، وكانت تحضنه مع أمه ثم بعد أن ماتت (١). أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامه بن زيد: أنها كانت وصيفه لعبد الله بن عبد المطلب. وكانت من الحبشة. فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ ،

стр. 107

بعدما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ . فأعتقها. ثم أنكحها زيد بن حارثة. ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر. (١) وفاة أم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالأبواء حدثنا صدقة بن سابق قال، قرأت على محمَّد بن إسحاق , حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن أمه ﷺ توفيت وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة إلى مكة. (٢) كفالة جده له وصفة عبد المطلب ومنزلته من قومه ونجابته ﷺ في صغره وظل النبي ﷺ بعد وفاة أمه في كفالة جده. وكان عبد المطلب أطول الناس قامة، وأحسن الناس وجهًا، ما رآه قط شيء إلا أحبه، وكان له مفرش في الحجر، لا يجلس عليه غيره. ولا يجلس معه عليه أحد وكان الندى من قريش، حرب بن أمية فمن دونه، يجلسون حوله دون المفرش فجاء رسول الله ﷺ وهو غلام يدرج ليجلس على المفرش، فجذبوه، فبكى، فقال عبد المطلب، وذلك بعد ما حجب

стр. 108

بصره، ما لابني يبكي، قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه، فقال عبد المطلب: دعوا ابني، فإنه يحس بشرف، أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط (١) وكان عبد المطلب خيرًا مع قومه، وكان يطعمهم الكبد والسنام (٢) عن يزيد بن عياض، عن الزهري وحفص بن عمر، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، أن عبد المطلب كان إذا أتي بالطعام، أجلس النبي ﷺ إلى جانبه، وربما أقعده على فخذه، فيؤثره بأطيب طعامه. وكان رقيقًا عليه بآدابه. فربما أُتي بالطعام وليس رسول الله ﷺ حاضرًا فلا يمس شيئًا منه حتى يُؤتى به. وكان يفرش له في ظل الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه، فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالًا له وكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، فيجلس على الفراش فيأخذه أعمامه ليؤخروه، فيقول عبد المطلب: مهلًا، دعوا ابني ما تريدون منه. ثم يقول: دعوه فإن له شأنًا؛ أما ترونه؟ ويقبل رأسه وفمه ويمسح ظهره، ويسر بكلامه وما يري منه (٣) قال محمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يكون مع أمه آمنه بنت وهب فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام، وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب: إذا رأى ذلك دعوا ابني إنه يؤنس مُلكًا. وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به فإنا لم نر قدمًا أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به، وقال عبد المطلب لأم أيمن، وكانت تحضن رسول الله، ﷺ : يا بركة لا

стр. 109

تغفلي عن ابني فإني وجدته مع غلمان قريبًا من السدرة (١)، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني هذا نبي هذه الأمة، وكان عبد المطلب لا يأكل طعامًا إلا قال: عليَّ بابني، فيؤتى به إليه، فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله، ﷺ ، وحياطته. قال: ومات عبد المطلب فدفن بالحجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال ابن مائة وعشر سنين، وسئل رسول الله، ﷺ : أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذٍ ابن ثماني سنين؛ قالت أم أيمن: رأيت رسول الله، ﷺ ، يومئذٍ يبكي خلف سرير عبد المطلب (٢). اعتماد جده عليه في حوائجه لبركته ونجاح فعاله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن العباس ابن عبد الرحمن -هو الهاشمي- عن كندير ابن سعيد، عن أبيه، قال: حججت في الجاهلية فرأيت رجلًا يطوف بالبيت وهو يرتجز ويقول: رب رد إلي راكبي محمدًا ... يا رب رده واصطنع عندي يدًا قال: قلت: من هذا؟ قالوا: هذا عبد المطلب بن هاشم بعث بابن له في طلب إبل له ولم يبعثه في حاجة قط إلا نجح فيها، وقد أبطأ عليه. قال: فلم يلبث حتى جاء النبي ﷺ ، والإبل فاعتنقه عبد المطلب، وقال: يا بني، لقد جزعت عليك جزعًا لم أجزعه على شيء قط، والله لا بعثتك في حاجة أبدا، ولا تفارقني بعد هذا أبدا. حدثنا خارجة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن معاوية بن حيده، قال: خرج حيده بن معاوية في الجاهلية معتمرًا، فإذا بشيخٍ عليه ممصرتان، وهو يطوف بالبيت وهو يقول:

стр. 110

رب رد إلي راكبي محمدًا ... رده عليَّ واصطنع عندي يدًا قلت: من هذا؟ قالوا: سيد قريش وابن سيدها، هذا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قلت: فما محمَّد هذا منه؟ قالوا هذا ابن ابن له، وهو أحب الناس إليه، وله إبل كثيرة، فإذا ضل منها بعث فيها بنيه يطلبونها وإذا أعيى بنوه بعث ابن ابنه، وقد بعثه في ضالة أعيى عنها بنوه، وقد احتبس عنه. فوالله ما برحت البلد حتى جاء محمد وجاء الإبل (١). كفالة عمه أبي طالب بن عبد المطلب قالوا: فلما توفي عبد المطلب ضم أبو طالب رسول الله ﷺ -وهو ابن ثمان سنين، وكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له، وكان له قَطيعَة من إبل تكون بعرنه يبدو إليها فيكون ينشأ فيها، ويؤتى بلبنها إذا كان حاضرًا بمكة، وكان أبو طالب قد رق عليه وأحبه، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعًا أو فرادي لم يَشْبَعوا، وإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا، وكان إذا أراد أن يُعشِّهم أو يُغديِهم فيقول: كما أنتم حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله ﷺ فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم وإن كان لبنًا شرب رسول الله ﷺ أولهم، ثم يتناول العيال القعب فيشربون منه فيروون عن آخرهم من القعب الواحد وإن كان أحدهم ليشرب قعبا، وحده، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك، وكان الصبيان يصبحون شعثا رمصا، ويصبح رسول ﷺ دهينا كحيلا (٢). قال ابن إسحاق وكان رسول الله ﷺ بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد المطلب -فيما يزعمون- يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأن

стр. 111

عبد الله أبا رسول الله- ﷺ وأبا طالب أخوان لأب وأم. أمهما: فاطمة بنت عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم (١). قال ابن هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم. قال ابن إسحاق: وكان أبو طالب هو الذي يلي أمر رسول الله ﷺ بعد جده فكان إليه ومعه. اللهيي العائف: قال ابن إسحاق: وحدثني يحيي بن عباد بن عبد الله بن الزبير، أن أباه حدثه: أن رجلًا من لهب-قال ابن هاشم: ولهب: من أزدشنوءة (٢) - كان عائفًا، فكان إذا قدم مكة أتاه رجال قريش بغلمانهم ينظر إليهم، ويعتاف لهم (٣) فيهم قال: فآتي به أبو طالب، وهو غلام مع من يأتيه فنظر إلى رسول الله ﷺ ثم شغله عنه شيء، فلما فرغ قال: الغلام. عليّ به، فلما رأى أبو طالب حرصه عليه غيبه عنه، فجعل يقول ويلكم ردوا عليّ الغلام الذي رأيت أنفًا فوالله ليكونن له شأن. قال: فانطلق أبو طالب (٤) قصة بحيرى محمَّد ﷺ يخرج مع عمه إلى الشام: قال ابن إسحاق ثم أن أبا طالب خرج في ركب تاجرًا إلى الشام فلما تهيأ للرحيل، وأجمع المسير صب (٥) به رسول الله

стр. 112

- ﷺ فيما يزعمون فرق له، وقال: والله لأخرجن به معي، ولا يفارقني ولا أفارقه أبدًا، أو كما قال فخرج به معه. بحيرى يحتفي بتجار قريش فلما نزل الركب بصرى من أرض الشام وبها راهب يقال له: بحيرى (١) في صومعة له , وكان إليه علم أهل النصرانية، ولم يزل في تلك الصومعة منذ قط راهب، إليه يصير علمهم عن كتاب فيها فيما يزعمون يتوارثونه كابرا عن كابر فلما نزلوا ذلك العام ببحيرى، وكانوا كثيرا ما يمرون به قبل ذلك، فلا يكلمهم، ولا يعرض لهم، حتى كان ذلك العام فلما نزلوا به قريبا من صومعته صنع لهم طعاما كثيرا وذلك -فيما يزعمون عن شيء رآه وهو في صومعته، يزعمون أنه رأي رسول الله ﷺ وهو في صومعته في الركب حين أقبلوا، وغمامة تظله من بين القوم قال: ثم أقبلوا فنزلوا في ظل شجرة قريبا منه فنظر إلى الغمامة حين أظلت الشجرة، وتهصرت أغصان الشجرة على رسول الله ﷺ حتى استظل تحتها، فلما رأى ذلك بحيرى نزل من صومعته، وقد أمر بذلك الطعام فصنع، ثم أرسل إليهم، فقال: إني قد صنعت لكم طعاما يا معشر قريش، فأنا أحب أن تحضروا كلكم، صغيركم وكبيركم، وعبدكم وحركم، فقال له رجل منهم: والله يا بحيرى إن لك لشأنا اليوم! ما كنت تصنع هذا بنا، وقد كنا نمر بك كثيرًا، فما شأنك اليوم؟ قال له بحير: صدقت، قد كان ما تقول، ولكنكم ضيف، وقد أحببت أن أكرمكم، وأصنع لكم طعامًا، فتأكلوا منه كلكم، فاجتمعوا إليه وتخلف رسول الله ﷺ من بين القوم، لحداثة سنه، في رحال القوم تحت الشجرة، فلما نظر بحيرى في القوم لم ير الصفة التي يعرف ويجد عنده، فقال: يا معشر قريش لا يتخلفن أحد منكم عن طعامي، قالوا له يا بحيرى، ما تخلف عنك أحد ينبغي له أن يأتيك إلا غلام، وهو أحدث القوم سنا فتخلف في رحالهم، فقال لا تفعلوا، ادعوه، فليحضر هذا الطعام معكم قال: فقال رجل من قريش مع القوم:

стр. 113

واللات والعزى، إن كان للؤم بنا أن يتخلف ابن عبد الله بن عبد المطلب عن طعام من بيننا، ثم قام إليه فاحتضنه، وأجلسه مع القوم. بحيرى يتثبت من محمَّد ﷺ فلما رآه بحيرى جعل يلحظه لحظًا شديدا، وينظر إلى أشياء من جسده قد كان يجدها عنده من صفته حتى إذا فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا، قام إليه بحيرى فقال: يا غلام أسألك بحق اللات والعزي إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه وإنما قال له بحيرى ذلك, لأنه سمع قومه يحلفون بهما فزعموا إن رسول الله ﷺ قال: لا تسألني باللات والعزى شيئا فوالله ما أبغضت شيئًا قط بغضهما، فقال له بحيرى فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه، فقال له سلني عما بدا لك فجعل يسأله عن أشياء من حاله: من نومه وهيئته وأموره، فجعل رسول الله ﷺ يخبره فيوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته، ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه على موضعه من صفته التي عنده (١). قال ابن هشام: وكان مثل أثر المحجم. بحيرى يوصي أبا طالب بمحمد ﷺ قال ابن إسحاق: فلما فرغ، أقبل على عمه أبو طالب، فقال له: ما هذا الغلام منك؟ قال: ابني. قال له بحيرى: ما هو بابنك، وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا، قال: فإنه ابن أخي، قال فما فعل أبوه؟ قال: مات وأمه حبلى به، قال: صدقت، فارجع بابن أخيك إلى بلده، واحذر عليه يهود، فوالله لئن رأوه، وعرفوا منه ما عرفت ليبتغنه شرا، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم، فأسرع به إلى بلاده.

стр. 114

بعض من أهل الكتاب يريدون بمحمد ﷺ الشر فخرج به عمه أبو طالب سريعًا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام، فزعموا فيما روى الناس: أن زريرًا وتمامًا ودريسًا -وهم نفر من أهل الكتاب- قد كانوا رأوا من رسول الله- ﷺ مثل ما رآه بحيرى في ذلك السفر الذي كان فيه مع عمه أبي طالب، فأرادوه، فردهم عنه بحيرى، وذكرهم الله وما يجدون في الكتاب من ذكره وصفته، وأنهم إن أجمعوا لما أرادوا به لم يخلصوا إليه، ولم يزل بهم. حتى عرفوا ما قال لهم، وصدقوه بما قال، فتركوه وانصرفوا عنه (١). محمَّد ﷺ يشب على مكارم الأخلاق فشب رسول الله - صلي اله عليه وسلم - والله تعالي يكلؤه ويحفظه ويحوطه من أقذار الجاهلية، لما يريد به من كرامته ورسالته، حتى بلغ أن كان رجلاً أفضل قومه مروءة، وأحسنهم خلقًا، وأكرمهم حسبًا، وأحسنهم جوارًا، وأعظمهم حلمًا، وأصدقهم حديثًا، وأعظمهم أمانة وأبعدهم من الفحش والأخلاق التي تدنس الرجال تنزهًا وتكرمًا حتى ما أسمه في قومه إلا الأمين لما جمع الله فيه من الأمور الصالحة.

стр. 115

خروج النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى الشام بصحبة عمه أبي طالب ومقابلته للراهب بحيرى عن علي بن أبي طالب ﵁ عن أبيه أنه حدَّثَه قال: "خرجنا إلى الشام في أشياخ من قريش، وكان معي محمَّد ﷺ ، فأشرفنا على راهب في الطريق فنزلنا وحللنا رواحلنا فخرج إلينا الراهب -وكان قبل ذلك لا يخرج إلينا- فجعل يتخلَّلُنَا حتى جاء فأخذ بيد محمَّد ﷺ ، وقال: هذا سيِّد العالمين، قال: فقال له أشياخٌ من قريش: وما علمك بما تقول؟ قال: أجد صِفَتَه ونَعْته في الكتاب المنزَل، وإنكم حين أشرفتم لم يبق شجرٌ ولا حجرٌ إلا خر له ساجدا ولا تسجد الجمادات إلا لنبي، وأعرفه بخاتم النبوة، أسفل من غُضروف كتفه مثل التفاحة، ثم رجع فصنع طعامًا فأتانا به وكان محمد في رعْيَةِ الإبل، فجاء وعليه غَمَامةُ تظلُّه، فلما دنا وجد القوم قد سبقوه إلى شجرة، فجلس في الشمس فمال فَيءُ الشجرة عليه، وأضحوا هم في الشمس، فبينا هو قائم عليهم يناشدهم الله أن لا يذهبوا به إلى الروم ويقول: إن رأوه عَرَفُوهُ بالصِّفَة، وآذوْه، فبينا هو يناشدهم الله في ذلك التفت، فإذا تسعةٌ من الروم مقبلين نحو ديره، فاستقبلهم، وقال: ما جاء بكم؟ قالوا: بلغنا عن أحبارنا أن نبيًّا من العرب خارج نحو بلادنا في هذا الشهر، فلم يبق طريق إلا بُعث إليه بأُناس، وبعثنا إلى طريقك هذا، قال: فهل خلفكم أحد خير منكم؟ قالوا: إنما اخترنا لطريقك هذه خيرة، قال لهم: أرأيتم أمرًا أراد الله تبارك وتعالي أن يقضيه هل يستطيع أحد من الناس أن يرده؟ قالوا: لا، قال: فبايعوا هذا النبي فإنه حق، فبايعوه وأقاموا مع الراهب، ثم رجع إلينا، فقال: أنشدكم أيكم وليّه؟ قالوا: هذا -يعنوني- فما زال يناشدني حتى رددته مع رجال، فكان فيهم بلال، وزوده الراهب كعكًا وزيتًا". (١)

стр. 116

الكاهنة وقيل بعثته ﷺ بعشرين سنة، أو قريبا من عشرين سنة، أتت قريش كاهنة، فقالوا لها: أخبرينا بأقربنا شبها بصاحب هذا المقام. (١) فقالت: إن أنتم جررتم كساء على هذه السهلة ثم مشيتم عليها أنبأتكم. فجروا، ثم مشي الناس عليها، فأبصرت أثر محمَّد ﷺ ، فقالت: هذا أقربكم شبها به. (٢) ذكر حضور رسول الله ﷺ حِلْف الفضول قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا الضحّاك بن عثمان. عن عبد الله بن عروة بن الزبير عن أبيه قال: سمعتُ حكيم بن حزام يقول: كان حلف الفضول مُنْصَرَفَ قريش من الفجار، ورسول الله، ﷺ ، يومئذ ابن عشرين سنة. قال: قال محمَّد بن عمر: وأخبرني غير الضحاك قال: كان الفجار في شوّال وهذا الحلف في ذي القعدة وكان أشرف حِلف كان قطّ، وأول من دعا إليه الزبير بن عبد المطلب، فاجتمعت بنو هاشم وزهرة وتيم في دار عبد الله بن جُدعان، فصنع لهم طعامًا فتعاقدوا وتعاهدوا بالله قائلين: لنكونن مع المظلوم حتى يُؤدى إليه حقه ما بَلّ بحر صوفه، وفي التآسي في المعاش، فسمّث قريش ذلك الحلف حلف الفضول. قال: وأخبرنا محمَّد بن عمر قال: فحدثني محمَّد بن عبد الله عن الزهري عن طلحة بن عبد الله بن عوف عن عبد الرحمن بن أزهر عن جُبير بن مُطعم قال: قال رسول الله، ﷺ : مَا أُحِب أنّ لي بحِلفٍ حَضَرْتُهُ بدَارِ ابن جُدْعَانَ حُمْرَ النّعَم وأنّي أغْدِرُ به، هاشِمٌ وزُهْرَةُ وَتَيْمٌ تَحَالَفُوا أن يكونوا مع المَظْلُومِ مَا بَلّ بحْرٌ صُوفَةً ولَوْ دُعيتُ به لأجَبتُ وهو حِلْفُ الفُضُولِ. قال محمَّد بن عمر: ولا نعلم أحدًا سبق بني هاشم بهذا الحلف.

стр. 117

سبب حلف الفضول وكان أول من تكلم به ودعا إليه الزبير بن عبد المطلب عم رسول الله ﷺ . وكان سببه أن رجلًا من زبيد قدم مكة ببضاعة فاشتراها منه العاصي بن وائل السّهمي وكان ذا قَدْر وشرف بمكة فحبَس عنه حقه فاستعدى عليه الزبيديُّ الأحلاف عبد الدار ومخزومًا وجمحًا وسَهْمًا فأبوا أن يعينوا الزبيدي على العاصي بن وائل وزبَروه ونَهروه فلما رأى الزبيدي الشَّر رقى على أبي قُبَيْس عند طلوع الشمسي وقريش في أنديتهم حول الكعبة فقال بأعلى صوته: يَا آَلَ فِهْرٍ لِمَظْلُومٍ بِضَاعَتَه ... بِبَطْنِ مَكْةَ نَائِي الدَّارِ وَالنَّفَرِ ومُحْرمٍ أشْعَثَ لَمْ يَقْضِ عُمْرتَهُ ... يَا لَلرِّجَالِ وَبينَ الحِجْرِ وَالْحَجَرِ إِنَّ الحَرَامَ لِمَنْ تَمَّتْ مَكَارِمُهُ ... وَلا حَرَامَ لِثَوْبِ الفَاجِرِ الغُدَرِ (١) فقام في ذلك الزبير بن عبد المطلب وقال ألهذا مَتْرك؟ فاجتمعت هاشم وزُهْرة وتَيم في دار عبد الله ابن جُدْعان فصنع لهم طعامًا فحالفوا في القعدة في شهر حرام قيامًا فتعاقدوا وتعاهدوا ليكونن يدًا واحدة مع المظلوم على الظالم حتى يؤدى إليه حقه ما بَلَّ بَحْر صوفة وما رَسَا حِرَاء وثَبِير مكانهما، وعلي التآسي في المعاش. فسمَّت قريش ذلك الحلف حلف الفُضول وقالوا: لقد دخل هؤلاءِ في فُضولٍ من الأمر. ثم مشوا إلى العاصي بن وائِل. فانتزعوا منه سلعة الزبيدي فدفعوها إليه. حلف الفضول (المطيبين) وشهوده ﷺ له تحالفت بعض بطون قريش على نصرة المظلوم، حتى يأخذ حقه أو يموتوا دونه، وأن ترد الفضول على أهلها، وممن دخل فيه بنو عبد شمس بن عبد مناف، وبنو نوفل بن عبد مناف، ثم خرجوا منه.

стр. 118

وكان ذلك الحلف في دار عبد الله بن جدعان، وكان يسمي حلف المطيبين، (وهم هاشم وأمية وزهرة ومخزوم)، وقد شهده رسول الله ﷺ مع عمومته، (ولم يشهد غيره)، فكان يقول: شهدت مع عمومتي حلف المطيبين، فما أحب أن أنكثه وأن لي حمر النعم. وكان يقول: لقد شهدت في دار عبد الله بن جدعان حلفا، لو دعيت به في الإِسلام لأجبت، تحالفوا أن ترد الفضول على أهلها، وألا يعز ظالم مظلوما. (١) رعى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الغنم لأهله ولأهل مكة إلى أن بُعث عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "لقد رأيتنا مع رسول الله ﷺ بَمرِّ الظَّهْران نَجْني الكَباثَ، وهو ممر الأراك، ويقول: عليكم بالأسود منه، فإنه أطيَبُ، فقلت: أكنت ترعى الغنم؟ قال: وهل من نبيٍّ إلا ورعاها؟ " (٢) قال النبي ﷺ : (أحْسِنُوا إلى المَاعِزِ وامسَحُوا عنها الرَّغَامَ فإنَّها مِن دوابِّ الجَنَّةِ، ما من نبيٍّ إلَّا قد رعى، قالُوا: وأنت؟ قال: وأنا قد رَعَيْتُ الغَنَمَ) (٣) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: (ما بعث الله نبيًّا إلا رعى الغنم فقال أصحابه وأنت؟ فقال: (نعم كنت أرعى على قراريط لأهل مكة) (٤) عن أبي سعيد الخدري قال: افتخر أهل الإبل والغنم عند رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : (الفَخْرُ والخُيَلاءُ في أهل الإبل، والسَّكِيْنَةُ والوقارُ في أهل الغنم).

стр. 119

وقال رسول الله ﷺ : (بُعِثَ مُوسى ﷺ وهو يرعى غنمًا على أهلِهِ، وبُعِثْتُ أنا وأنا أرعى غنما لأهلي بِجِيَادٍ). (١) عن أبي إسحاق، عن عبدة بن حزن النصري قال: (تفاخَر عِند رسول الله ﷺ أصحاب الإبل وأصحاب الغنم، فقال أصحاب الإبل: وما أنتم يا رُعاة الشَّاءِ، هل تُحِبُّون شيئًا أو تصِيدُونَهُ؟ ما هيَ إلا شُوَيْهَاتٌ، أحَدُكُمْ يَرْعَاهَا ثُمَّ يَرْفَعُهَا، حتى أصْمَتُوهُمْ، فقال النبيُّ ﷺ : بُعِثَ داوُدُ وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وبُعِثَ مُوسى وَهُوَ رَاعِي غَنَمٍ، وبُعِثْتُ أَنَا وَأَرْعى غَنَمَ أَهْلي بأجيادَ، فَغَلَبَهُمْ أصْحَابُ الغَنَمِ). عن أبي هريرة؛ قال: قال رسول الله ﷺ : (مَا بَعَثَ الله نَبيًا إلَّا رَاعيَ غَنَمٍ) قال له أصحابه: وأنت يا رسول الله! قال: (وَأَنَا). (٢) في سفره ﷺ مرة ثانية إلى الشام وروي ابن سعد وابن السَّكن وأبو نُعَيم عن نفيسة بنت مُنْيَة قالت: لما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وعشرين سنة وليس له. بمكة اسم إلا الأمين لما تكامل فيه من خصال الخير، قال له أبو طالب: يا ابن أخي أنا رجل لا مال لي وقد اشتد الزمان علينا وألحَّتْ علينا سنُون مُنْكرة وليست لنا مادة ولا تجارة، وهذه عيرُ قومك قد حضر خروجها إلى الشام وخديجة بنت خويلد تبعث رجالًا من قومك في عيراتها فيتْجرون لها في مالها ويصيبون منافع، فلو جئتها وعرضتَ نفسك عليها لأسرعتْ إليك وفضَّلتك على غيرك، لِمَا يبلغها عنك من طهارتك وإن كنت أكره أن تأتي الشامَ، وأخاف عليك من يهود، ولكن لا نجد من ذلك بُدَّا.

стр. 120

وكانت خديجة امرأة تاجرة ذات شرف ومال كثير وتجارة تبعث بها إلى الشام فيكون عيرها كعامة عير قريش، وكانت تستأجر الرجال وتدفع إِليهم الأموال مضارِبةً، وكانت قريش قومًا تجارًا ومن لم يكن تاجرًا من قريش فليس عندهم بشيء فقال له رسول الله ﷺ : فلعلها ترسل إليّ في ذلك. فقال أبو طالب: إني أخاف أن تولِّي غيرك فتطلب أمرًا مُدْبرًا. فافنزقا. وبلغ خديجة ما كان من محاورة عمه له وقبْل ذلك ما كان من صدق حديثه وعِظَم أمانته وكرم أخلاقه؛ فقالت: ما علمتُ أنه يريد هذا. ثم أرسلت إليه فقالت: إِنه دعاني إلى البعث إليك ما بلغني من صِدق حديثك وعِظَم أمانتك وكرم أخلاقك، وأنا أعطيك ضِعف ما أعطي رجلًا من قومك. ففعل رسول الله ﷺ . ثم لقي عمه أبا طالب فذكر له ذلك فقال: إن هذا لَرزقْ ساقه الله إليك. فخرج رسول الله ﷺ مع غلامها مَيْسرة، وقالت خديجة لميسرة: لا تَعْص له أَمرًا ولا تخالف له رأيًا. فخرج هو وميسرة وعليه غَمامة تظله وجعل عمومته يُوصون به أهل العِير. فخرج حتى قدم الشام فنزلا في سوق بُصْرَي في ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب يقال له نَسطورا. فاطَّلع الراهب إلى ميسرة -وكان يعرفه- فقال: يا ميسرة من هذا الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ فقال ميسرة: رجل من قريش. فقال الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قطّ إلا نبي، أفي عينيه حُمْرة؟ قال ميسرة: نعم لا تفارقه. فقال الراهب: هو هو وهو آخر الأنبياء، ويا ليت أني أدركه حيث يُؤْمر بالخروج. (١)

стр. 121

خروجه ﷺ إلى التجارة بمال خديجة قال ابن إسحاق: وكانت خديجة بنت خويلد امرأة تاجرة، ذات شرف ومال، تستأجر الرجال في مالها، وتضاربهم إيّاه، بشيء تجعله لهم، وكانت قريش قومًا تجارًا، فلما بلغها عن رسول الله- ﷺ ما بلغها: من صدق حديثه، وعظيم أمانته، وكرم أخلاقه، بعثت إليه، فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرًا، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجّار، مع غلام لها يقال له: ميسرة، فقبله رسول الله- ﷺ منها، وخرج في مالها ذلك، وخرج معه غلامها ميسرة، حتى قدم الشام. حديثه (صلى الله وسلم) مع الراهب: فنزل رسول الله- ﷺ في ظل شجرة قريبًا من صومعة راهب من الرهبان. فاطلع الراهب إلى ميسرة، فقال له: من هذا الرجل الذي نزل تحت هذه الشجرة؟ قال له ميسرة: هذا رجل من قريش من أهل الحرم، فقال له الراهب: ما نزل تحت هذه الشجرة قط إلَّا نبي. ثم باع رسول الله- ﷺ سلعته التي خرج بها، واشترى ما أراد أن يشتري، ثم أقبل قافلًا إلى مكة، ومع مَيْسَرة، فكان ميْسرة -فيما يزعمون- إذا كانت الهاجرة، واشتدّ الحَرّ، يرى مَلَكَين يُظِلّانه من الشمس- وهو يسير على بعيره فلما قدم مكة على خديجة بمالها، باعت ما جاء به، فأضعف أو قريبًا. وحدّثها ميسرة عن قول الراهب، وعما كان يرى من إظلال الملكين إياه. (١) خروجه إلى سوقِ حُباشةَ قال حكيم ابن حزام وقد رأيت رسول الله صلي عليه وآله وصحبه وسلم يحضرها واشتريت منها بزًا من بز تهامة. (٢) وكان ممّن تاجر لهم صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم خديجة بنت خويلد [استأجرته سفرتين إلى جرش كل سفرة بقلوص [وكانت امرأة ذات مال] (٣)

стр. 122

شريك رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في التجارة قبل الإِسلام عن مجاهد عن السائب بن أبي السائب أنه كان يشارك رسول الله ﷺ قبل الإِسلام في التجارة فلما كان يوم الفتح جاءه فقال النبي ﷺ مرحبا بأخي وشريكي كان لا يداري ولا يماري يا سائب قد كنت تعمل أعمالًا في الجاهلية لا تقبل منك وهي اليوم تقبل منك وكان ذا سلف وصلة. وروي بسنده عن السائب قال: أتيتُ النبيَّ ﷺ فجعلوا يُثنون عليَّ، ويذكرونني، فقال رسول الله ﷺ : "أنا أعلمكم به"، قلت: صدقت بأبي أنت وأمي، كنت شريكي فنعم الشريك كنت لا تُداري ولا تماري. (١)

стр. 123

هدم الكعبة عن مسافع ابن عبد الله بن شيبة بن عثمان العبدري أبو سليمان الحجبي أنه قال وجدوا حجرًا حين نقضوا البيت فيه ثلاثة صفوح فيها كتاب من كتب الأول فدعي لها رجل فقرأها فإذا في صفح منها أنا الله ذو بكة صغتها يوم صغت الشمس والقمر حففتها بسبعة أملاك وباركت لأهلها في اللحم والماء وفي الصفح الآخر أنا الله ذو بكة خلقت الرحم واشتققت لها من أسمي فمن وصلها وصلته ومن قطعها بتته. وفي الصفح الثالث أنا الله ذو بكة خلقت الخير والشر فطوبى لمن كان الخير على يديه وويل لمن كان الشر على يديه (١) ذكر حضور رسول الله ﷺ هدم قريش الكعبة وبناءها قال: أخبرنا محمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا عبد الله بن يزيد الهذلي عن سعيد بن عمرو الهذلي عن أبيه وعبد الله بن يزيد الهذلي عن أبي غطفان عن ابن عباس قال: وحدّثني محمَّد بن عبد الله عن الزهري عن محمَّد بن جبير بن مطعم، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كانت الخُرْف مظللة على مكّة، وكان السيل يدخل من أعلاها حتى يدخل البيت فانصدع فخافوا أن ينهدم، وسُرق منه حِلْية وغزال من ذهب كان عليه درّ وجوهر، وكان موضوعًا بالأرض، فأقبلت سفينة في البحر فيها روم، ورأسهم باقوم، وكان بانيًا، فجنحتها الرّيح إلى الشعيبة، وكانت مرفأ السفن قبل جُدّة، فتحطمت السفينة، فخرج الوليد بن المغيرة في نفر من قريش إلى السفينة فابتاعوا خشبها وكلموا الرومي باقوم فقدم معهم، وقالوا: لو بنينا بيت ربنا، فأمروا بالحجارة تجمع وتنقي (٢) الضواحي منها، فبينا رسول الله، ﷺ ، ينقل معهم، وهو يومئذ ابن خمس وثلاثين سنة (٣)، وكانوا يضعون أزرهم على عواتقهم، ويحملون الحجارة

стр. 124

ففعل ذلك رسول الله، ﷺ ، فلُبط به ونودي: عورتك، فكان ذلك أول ما نودي، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي اجعل إزارك على رأسك، فقال: ما أصابني ما (١) أصابني إلا في تعري؛ فما رؤيت لرسول الله، ﷺ ، عورة بعد ذلك، فلما أجمعوا على هدمها قال بعضهم: لا تُدخلوا في بنائها من كسبكم إلَّا طيبا، لم تقطعوا فيه رحما، ولم تظلموا فيه أحدًا، فبدأ الوليد بن المغيرة بهدمها، وأخذ المعول ثمّ قام عليها يطرح الحجارة وهو يقول: اللَّهم لم ترع إنما نريد الخير، فهدم وهدمت معه قريش، ثم أخذوا في بنائها، وميزوا البيت، وأقرعوا عليه، فوقع لعبد مناف وزهرة ما بين الركن الأسود إلى ركن الحِجْر وجه البيت، ووقع لبني أسد بن عبد العزى وبني عبد الدار ابن قصي ما بين ركن الحِجْر إلى ركن الحِجْر الآخر، ووقع لتيم ومخزوم ما بين ركن الحِجْر إلى الركن اليماني، ووقع لسهم وجمَحَ وعديّ وعامر بن لؤيّ ما بين الركن اليماني إلى الركن الأسود، فبنوا، فلما انتهوا إلى حيث يوضع الركن من البيت قالت كل قبيلة نحن أحق بوضعه واختلفوا حتى خافوا القتال، ثم جعلوا بينهم أول من يدخل من باب بني شيبة فيكون هو الذي يضعه وقالوا: رضينا وسلمنا فكان رسول الله، ﷺ ، أول من دخل من باب بني شيبة فلما رأوه قالوا: هذا الأمين قد رضينا بما قضى بيننا، ثم أخبروه الخبر، فوضع رسول الله، ﷺ ، رداءه وبسطه في الأرض، ثم وضع الركن فيه، ثُم قال: ليأت من كل رُبع من أرباع قريش رجل، فكان في ربع بني عبد مناف عتبة بن ربيعة، وكان في الربع الثاني أبو زمعة، وكان في الربع الثالث أبو حذيفة بن المغيرة، وكان في الربع الرابع قيس بن عدي، ثم قال رسول الله، ﷺ : ليأخذ كل رجل منكم بزاوية من زوايا الثوب ثم ارفعوه جميعًا، فرفعوه، ثم وضعه رسول الله، ﷺ ، بيده في موضعه ذلك، فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي، ﷺ ، حجرًا يشد به الرّكن، فقال العباس بن عبد المطلب: لا، ونحاه، وناول العباس رسول الله، ﷺ ، حجرًا فشدّ به الركن، فغضب النجدي حيث نحي, فقال النبي، ﷺ : إنه ليس يبني معنا في البيت إلا منا، قال: فقال النجدي: يا عجبًا لقوم أهل شرف وعقول وسنٌ وأموال عمدوا إلى أصغرهم سِنًّا، وأقلهم مالًا، فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحوزهم كأنهم خدم

стр. 125

له، أما والله ليَفوتنّهم سبقًا وليقسمن بينهم حظوظا وجدودًا! ويقال إنه إبليس، فقال أبو طالب: إن لنا أوله وآخره ... في الحكم والعدل الذي لا ننكره وقد جهدنا جهده لنعمره ... وقد عمرنا خيره وأكثره فإن يكن حقا ففينا أوفره ثم بنوا حتى انتهوا إلى موضع الخشب، فكان خمسة عشر جائزًا سقفوا البيت عليه، وبنوه على ستة أعمدة، وأخرجوا الحجر من البيت. قال: أخبرنا محمَّد بن عمر، أخبرنا ابن جريج عن الوليد بن عطاء عن الحارث بن عبد الله بن أبي ربيعة عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ : إن قومك استقصروا من بنيان الكعبة ولولا حداثة عهدهم بالشرك أعدت فيه ما تركوا منه فإن بدا لقومك من بعدي أن يبنوه فهلمي أريك ما تركوا منه، فأراها قريبا من سبع أذرع في الحجر قالت: وقال رسول الله، ﷺ ، في حديثه: ولجعلت لها بابين موضوعين في الأرض شرقيا وغربيًا. أتدرين لم كان قومك رفعوا بابها؟ فقلت له: لا أدري، قال: تعززًا ألا يدخلها إلا من أرادوا، وكان الرجل إذا كرهوا أن يدخل يدعونه حتى إذا كاد أن يدخل دفعوه حتى يسقط. قال: أخبرنا محمَّد بن عمر قال: حدثني عبد الله بن يزيد الهُذلي عن سعيد بن عمرو عن أبيه قال: رأيت قريشًا يفتحون البيت في الجاهلية يوم الاثنين ويوم الخميس، فكان حجابه يجلسون على بابه، فيرقي الرجل فإذا كانوا لا يريدون دخوله دفع فطرح، فربما عطب، وكانوا لا يدخلون الكعبة بحذاء يعظمون ذلك، يضعون نعالهم تحت الدرج. بناء الكعبة برواية الأزرقي حدثني جدي قال: حدثنا مسلم ابن خالد الزنجي عن ابن أبي نجيح عن أبيه قال: جلس رجال من قريش في المسجد الحرام فيهم حويطب بن عبد العزى ومخرمة بن نوفل فتذاكروا بنيان قريش الكعبة وما هاجهم على ذلك وذكروا كيف كان بناؤها قبل ذلك قالوا: كانت الكعبة مبنية برضم يابس ليس بمدر وكان بابها بالأرض ولم يكن لها سقف وإنما تدلى الكسوة على الجدر من خارج وتربط من أعلا الجدر من بطنها وكان في بطن الكعبة عن يمين من دخلها جب يكون فيه ما يهدى إلى الكعبة من مال وحلية كهيئة الخزانة

стр. 126

وكان يكون على ذلك الجب حية تحرسه بعثها الله منذ زمن جرهم وذلك إنّه عدا على ذلك الجب قوم من جرهم فسرقوا مالها وحليتها مرة بعد مرة فبعث الله تلك الحية فحرست الكعبة وما فيها خمسمائة سنة فلم تزل كذلك حتى بنت قريش الكعبة وكان قرنا الكبش الذي ذبحه إبراهيم خليل الرحمن معلقين في بطنها بالجدر تلقا من دخلها، يخلقان ويطيبان إذا طيب البيت فكان فيها معاليق من حلية كانت تهدى إلى الكعبة فكانت على ذلك من أمرها ثم أن امرأة ذهبت تجمر الكعبة فطارت من مجمرتها شرارة فأحرقت كسوتها وكانت الكسوة عليها ركامًا بعضها فوق بعض فلما احترقت الكعبة توهنت جدرانها من كل جانب وتصدعت وكانت الخرف الأربعة عليهم مظللة والسيول متواترة، ولمكة سيول عوارم فجاء سيل عظيم على تلك الحال فدخل الكعبة وصدع جدرانها وأخافهم ففزعت من ذلك قريش فزعًا شديدًا وهابوا هدمها وخشوا أن مسوها أن ينزل عليهم العذاب قال: فبينا هم على ذلك يتناظرون ويتشاورون إذ أقبلت سفينة للروم حتى إذا كانت بالشعبية وهي يومئذ ساحل مكة قبل جدة انكسرت فسمعت بها قريش فركبوا إليها فاشتروا خشبها وأذنوا لأهلها أن يدخلوا مكة فيبيعون ما معهم من متاعهم على أن لا يعشروهم، قال: وكانوا يعشرون من دخلها من تجار الروم كما كانت الروم تعشر من دخل منهم بلادها، فكان في السفينة رومي نجار بناء يسمى باقوم فلما قدموا بالخشب مكة قالوا: لو بنينا بيت ربنا فأجمعوا لذلك وتعاونوا عليه وترافدوا في النفقة وربعوا قبائل قريش أرباعًا ثم اقترعوا عند هبل في بطن الكعبة على جوانبها فطار قدح بن عبد مناف وبني زهرة على الوجه الذي فيه الباب وهو الشرقي وقدح بن عبد الدار وبني أسد بن عبد العزى وبني عدي بن كعب على الشق الذي يلي الحجر وهو الشق الشامي وطار قدح بني سهم وبني جمح وبني عامر بن لؤي على ظهر الكعبة وهو الشق الغربي وطار قدح بني تيم وبني مخزوم وقبائل من قريش ضموا معهم على الشق اليماني الذي يلي الصفا وأجياد، فنقلوا الحجارة ورسول الله يومئذ غلام لم ينزل عليه الوحي ينقل معهم الحجارة على رقبته فبينا هو ينقلها إذ انكشفت نمرة كانت عليه فنودي يا محمَّد عورتك وذلك أول ما نودي والله أعلم فما رؤيت لرسول الله صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عورة بعد ذلك ولبج برسول الله من الفزع حين نودي، فأخذه العباس بن عبد المطلب فضمه إليه وقال: لو جعلت بعض نمرتك على عاتقك تقيك الحجارة، قال: ما أصابني هذا إلا من التعري، فشد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله

стр. 127

وصحبه وسلم إزاره وجعل ينقل معهم وكانوا ينقلون بأنفسهم تبررا وتبركًا بالكعبة. فلما اجتمع لهم ما يريدون من الحجارة والخشب وما يحتاجون إليه عدوا على هدمها فخرجت الحية التي كانت في بطنها تحرسها سوداء الظهر، بيضاء البطن، رأسها مثل رأس الجدي، تمنعهم كلما أرادوا هدمها، فلما رأوا ذلك اعتزلوا عند مقام إبراهيم وهو يومئذ بمكانه الذي هو فيه اليوم فقال لهم الوليد بن المغيرة: يا قوم ألستم تريدون بهدمها الإصلاح؟ قالوا: بلي قال: فإن الله لا يهلك المصلحين ولكن لا تدخلوا في عمارة بيت ربكم إلا من طيب أموالكم ولا تدخلوا فيه مالًا من ربا , ولا مالًا من ميسر، ولا مهر بغي، وجنبوه الخبيث من أموالكم فإن الله لا يقبل إلا طيبًا ففعلوا ثم وقفوا عند المقام فقاموا يدعون ربهم ويقولون: اللَّهم إن كان لك في هدمها رضًا فأتمه واشغل عنا هذا الثعبان فأقبل طائر من جو السماء كهيئة العقاب ظهره أسود، وبطنه أبيض، ورجلاه صفراوان والحية على جدر البيت فاغرة فاها فأخذ برأسها ثم طار بها حتى أدخلها أجياد الصغير فقالت قريش: انا لنرجوا أن يكون الله سبحانه وتعالي قد رضي عملكم وقبل نفقتكم فاهدموه، فهابت قريش هدمه وقالوا: من يبدأ فيهدمه؟ فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمه، أنا شيخ كبير فإن أصابني أمر كان قد دنا أجلي وإن كان غير ذلك لم يرزأني فعلا البيت وفي يده عتلة يهدم بها فتزعزع من تحت رجله حجر فقال: اللَّهم لم ترع؟ إنما أردنا الإصلاح وجعل يهدمه حجرًا حجرًا بالعتلة فهدم يومه ذلك فقالت قريش: إنا نخاف أن ينزل به العذاب إذا أمسى. فلما أمسى، لم تر بأسًا فأصبح الوليد بن المغيرة غاديًا على عمله فهدمت قريش معه حتى بلغوا الأساس الأول الذي رفع عليه إبراهيم وإسماعيل القواعد من البيت فأبصروا حجارة كأنها الإبل الخلف لا يطيق الحجر منها ثلاثون رجلًا، يحرك الحجر منها فترتج جوانبها، قد تشبك بعضها ببعض فأدخل الوليد بن المغيرة عتلته بين الحجرين فانفلقت منه فلقة عظيمة فأخذها أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عمران بن مخزوم فنزت من يده حتى عادت في مكانها وطارت من تحتها برقة كادت أن تخطف أبصارهم ورجفت مكة بأسرها فلما رأوا ذلك امسكوا عن أن ينظروا ما تحت ذلك فلما جمعوا ما اخرجوا من النفقة قلت النفقة عن أن تبلغ لهم عمارة البيت كله فتشاوروا في ذلك فأجمع رأيهم على أن يقصروا عن القواعد ويحجروا ما يقدرون عليه من بناء البيت ويتركوا بقيته في الحِجْر عليه جدار مدار يطوف الناس من ورائه ففعلوا ذلك وبنوا في بطن الكعبة أساسًا يبنون عليه من

стр. 128

شق الحجر وتركوا من ورائه من فناء البيت في الحجر ستة أذرع وشبرًا فبنوا على ذلك فلما وضعوا أيديهم في بنائها قالوا: ارفعوا بابها من الأرض واكبسوها حتى لا تدخلها السيول ولا ترقا إلا بسلم ولا يدخلها إلا من أردتم إن كرهتم أحدًا دفعتموه، ففعلوا ذلك وبنوها بساف من حجارة، وساق من خشب بين الحجارة حتى انتهوا إلى موضع الركن فاختلفوا في وضعه وكثر الكلام فيه وتنافسوا في ذلك فقالت بنو عبد مناف وزهرة: هو في الشق الذي وقع لنا وقالت تيم ومخزوم: هو في الشق الذي وقع لنا وقالت سائر القبائل: لم يكن الركن مما أسهمنا عليه فقال أبو أمية بن المغيرة: يا قوم إنما أردنا البر، ولم نرد الشر فلا تحاسدوا , ولا تنافسوا فإنكم إذا اختلفتم تشتت أموركم، وطمع فيكم غيركم ولكن حكموا بينكم أول من يطلع عليكم من هذا الفج، قالوا: رضينا وسلمنا، فطلع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقالوا: هذا الأمين قد رضينا به، فحكموه، فبسط رداءه ثم وضع فيه الركن فدعا من كل ربع رجلًا فأخذوا بأطراف الثوب فكان من بني عبد مناف عتبة بن ربيعة وكان في الربع الثاني أبو زمعة بن الأسود، وكان أسن القوم وفي الربع الثالث العاصي بن وائل، وفي الربع الرابع أبو حذيفة بن المغيرة فرفع القوم الركن وقام النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على الجدر ثم وضعه بيده فذهب رجل من أهل نجد ليناول النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حجرًا ليشد به الركن فقال العباس بن عبد المطلب: لا. وناول العباس النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حجرًا فشد به الركن فغضب النجدي حيث نحي فقال النجدي: واعجباه لقوم أهل شرف وعقول وسن وأموال عمدوا إلى أصغرهم سنًا، وأقلهم مالًا فرأسوه عليهم في مكرمتهم وحوزهم كأنهم خدم له أما والله ليفوتنهم سبقًا وليقسمن عليهم حظوظًا وجدودًا ويقال: إنّه إبليس فبنوا حتى رفعوا أربعة أذرع وشبرًا ثم كبسوها ووضعوا بابها مرتفعًا على هذا الذرع ورفعوها بمدماك خشب ومدماك حجارة حتى بلغوا السقف. فقال لهم باقوم الرومي: أتحبون أن تجعلوا سقفها مكبسا أو مسطحًا؟ فقالوا: بل ابن بيت ربنا مسطحا. قال: فبنوه مسطحا وجعلوا فيه ست دعايم في صفين في كل صف ثلاث دعايم من الشق الشامي الذي يلي الحجر إلى الشق اليماني وجعلوا ارتفاعها من خارجها من الأرض إلى أعلاها ثمانية عشر ذراعا وكانت قبل ذلك تسعة أذرع فزادت قريش في ارتفاعها في السماء تسعة أذرع أخر وبنوها من أعلاها إلى أسفلها بمدماك من حجارة ومدماك من خشب وكان الخشب

стр. 129

خمسة عشر مدماكًا والحجارة ستة عشر مدماكًا وجعلوا ميزابها يسكب في الحِجْر وجعلوا درجة من خشب في بطنها في الركن الشامي يصعد منها إلى ظهرها، وزوقوا سقفها وجدرانها من بطنها ودعائمها، وجعلوا في دعائمها صور الأنبياء، وصور الشجر، وصور الملائكة، فكان فيها صورة إبراهيم خليل الرحمن شيخ يستقسم بالأزلام، (وصورة إسماعيل وفي يده الأزلام) وصورة عيسي ابن مريم وأمه (وكان تمثال مريم مزوقا في حِجْرها عيسي ابنها قاعدا مزوقا، في العمود الأوسط من اللاتي تلين الباب) وصورة الملائكة ﵈ أجمعين، (وكان فيها حمامة من عيدان)، وجعلوا لها باب واحد فكان يغلق ويفتح وكانوا قد أخرجوا ما كان في البيت من حلية ومال، (وقرني الكبش) وجعلوه عند أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار بن قصي، وأخرجوا هبل وكان على الجب الذي فيه نصبه عمرو بن لحي هنالك، ونصب عند المقام حتى فرغوا من بناء البيت فردوا ذلك المال في الجب، وعلقوا فيه الحلية (وقرني الكبش) وردوا الجب في مكانه فيما يلي الشق الشامي، ونصبوا هبل على الجب كما كان قبل ذلك، وجعلوا له سلما يصعد عليه إلى بطنها، وكسوها حين فرغوا من بنائها حبرات يمانية). (ولم يكن حول البيت حائط) (وكان حوله ثلاثماثة وستون صنما) (١) بناء الكعبة عن ابن خثيم عن أبي الطفيل قال قلت له يا خال: حدثني عن شأن الكعبة قبل أن تبنيها قريش قال: كانت برضم يابس ليس بمدر تنزوه العناق وتوضع الكسوة على الجدار ثم تدلى ثم إن سفينة لروم أقبلت حتى إذا كانت بالشعيبة انكسرت فسمعت بها قريش فركبوا إليها وأخذوا خشبها ورومي يقال له باقوم نجار بانٍ فلما قدموا مكة قالوا لو بنينا بيت ربنا واجتمعوا لذلك ونقلوا الحجارة من أجياد الضواحي فبينا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ينقل إذ انكشفت نمرته فنودي يا محمَّد عورتك فذلك أول ما نودي والله أعلم فما رؤيت له عورة بعد. (٢)

стр. 130

بناء قريش للكعبة حدثني أبي ثنا عبد الصمد ثنا ثابت يعني أبا زيد ثنا هلال يعني ابن خباب عن مجاهد عن مولاه أنه حدثه أنه كان فيمن يبني الكعبة في الجاهلية قال وليّ حجر أنا نحته بيدي أعبده من دون الله تبارك وتعالي فأجيء باللبن الخاثر الذي أنفسه على نفسي فأصبه عليه فيجئ الكلب فيلحسه ثم يشغر فيبول فبنينا حتى بلغنا موضع الحجر وما يرى الحجر أحد فإذا هو وسط حجارتنا مثل رأس الرجل يكاد يتراءى منه وجه الرجل فقال بطن من قريش نحن نضعه وقال آخرون نحن نضعه فقالوا اجعلوا بينكم حكمًا قالوا أول رجل يطلع من الفج فجاء النبي ﷺ فقالوا أتاكم الأمين فقالوا له فوضعه في ثوب ثم دعا بطونهم فأخذوا بنواحيه معه فوضعه هو ﷺ . (١) الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ينقل الحجارة عن عمرو بن دينار ﵀ قال: سمعت جابر بن عبد الله يقول: "لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله ﷺ والعباس ينقلان الحجارة، فقال العباس للنبي - صلي الله عليه وسلم -: اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة، وفعل ذلك قبل أن يبعث فخر إلى الأرض، فطمحت عيناه في السماء، فقال: إزاري، إزاري، فشده عليه" وفي رواية "فسقط مغشيًا عليه، فما رؤي بعد عريانًا" (٢) الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يضع الحجر الأسود قال الزهري: لما بلغ رسول الله ﷺ الحلم أجمرت امرأة الكعبة، فطارت شرارة من مجمرتها في ثياب الكعبة فأحرقت فهدموها حتى إذا بنوها، فبلغوا موضع الركن اختصمت قريش في الركن أي القبائل تضعه؟

стр. 131

قالوا: تعالوا نحكم أول من يطلع علينا، فطلع عليهم رسول الله ﷺ وهو غلام عليه وشاح نمرة، فحكموه، فأمر بالركن فوضع في ثوب ثم أخذ سيد كل قبيلة بناحية من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن فكان هو يضعه. (١) أخبرنا عبد الرزاق ابن معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الطفيل قال: كانت الكعبة مبنية بالرضم ليس فيها مدر وكانت قدر ما يقتحمها العناق وكانت غير مسقفة، إنما كان يوضع ثيابًا عليها يسدل سدلًا، وكان الركن موضوعًا على سورها باديا، وكانت ذات ركنين كهيئة الحلقة مربعة من جانب، ومدورة من جانب فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبًا من جدة انكسرت فخرجت قريش ليأخذوا الخشب، وكانت السفينة تريد الحبشة فوجدوا فيها رجلا روميا فأخذوا الخشب فأعطاهم إياها وكان تاجرًا فأقبلوا بالخشب وبالرجل الرومي الذي كان في السفينة فقالوا: نبني بهذا الخشب بيت ربنا، فلما أرادوا هدمه فإذا هم بحية على سور البيت مثل قطعة الجائز بيضاء البطن، سوداء الظهر، فجعلت كلما دنا أحد منهم إلى البيت ليهدمه أو يأخذ من حجارته فتحت فاها وسعت نحوه، فخرجت قريش حتى أتوا المقام فعجوا إلى الله فقالوا: ربنا لن نرع إنما أردنا تشريف بيتك وتزيينه، فإن كان ذلك وإلا فما بدا لك فأفعل فسمعوا وجيبًا (٢) في السماء فإذا هم بطائر أعظم من النسر أسود الظهر أبيض البطن والرجلين فغرز بمخالبه في قفا الحية فانطلق بها يجرها ساقط ذنبها حتى انطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، وكانت قريش تحملها على رقابها فرفعوه في السماء عشرين ذراعًا، وكان النبي- ﷺ بينما هو يحمل حجارة إذ سقط الحجر وضاقت النمرة عليه، فذهب يضعها فبدا عورته من صغر النمرة فنودي يا محمَّد خمر عورتك، وكان بين بنيانها وبين ما أنزل عليه الذكر خمس عشر سنة، فلما قدم جيش الحصين بن نمير كان تحريقها في زمن ابن الزبير قال ابن الزبير: أخبرتني عائشة أن رسول الله- ﷺ قال: لولا حداثة عهد قومك بالكفر لهدمتها فإنهم تركوا منها سبعة أذرع في الحجر قصرت بهم النفقة والخشب.

стр. 132

بناء الكعبة قال موسي بن عقبة: وإنما حمل قريشا على بنيانها أن السيل كان يأتي من فوقها، من فوق الردم الذي صنعوه فأضَرَّ به، فخافوا أن يدخلها الماء، وكان رجل يقال له: مليح سرق طيب الكعبة، فأرادوا أن يشدُّوا بنيانها، وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلا من شاءُوا، فأعدُّوا لذلك نفقة وعمالًا، ثم عمدوا إليها؛ ليهدموها على شفق وحذر أن يمنعهم الله الذي أرادوا، فكان أول رجل طلعها وهدم منها شيئًا: الوليد بن المغيرة، فلما رأوا الذي فعل الوليد تتابعوا فوضعوها، فأعجبهم ذلك. فلما أرادوا أن يأخذوا في بنيانها أحضروا عُمالهم فلم يقدر رجل منهم أن يمضي أمامه موضع قدمه. وزعموا أنهم رأوا حية قد أحاطت بالبيت، رأسها عند ذنبها، فأشفقوا منها شفقة شديدة، وخشوا أن يكونوا قد وقعوا مما عملوا في هلكة. وكانت الكعبة حرزهم، ومنعتهم من الناس، وشرفا لهم؛ فأشار عليهم -زعموا- المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم بالذي ذكر في هذا الكتاب، فلما فعلوا ذلك ذهبت الحية في السماء وتغيبت منهم، أن ذلك من الله . ويقول بعض الناس: خطفها طائر فألقاها نحو جياد. فلما سقط في أيديهم، والتبس عليهم أمرهم -قام المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فقال: هل لكم في أمر تبتغون به مرضاة رب هذا البيت؟ فإذا اجتهدتم رأيكم وجهدتم جهدكم- نظرتم فإن خلى الله [ ] بينكم وبين بنيانها، فذلك الذي أردتم، وإن حال بينكم وبينه كان ذلك وقد اجتهدتم [ثم] قالوا: أشر علينا. قال: إنكم قد جمعتم لنفقة هذا البيت ما قد علمتم، وإنكم قد أخذتم في هدمه، وبنيانه، على تحاسد منكم، وإني أرى أن تقسموا أربعة أرباع على منازلكم في الآل والأرحام، ثم تقسموا البيت على أربعة أقسام، ولا تجعلوا أحد جوانب البيت كاملًا، لكل ربعٍ، ولكن اقسموه نصفين أيضًا فإن كل جانب من جوانب البيت، فإذا فعلتم ذلك فليعين كل ربع منكم نصيبه، ولا تجعلن في نفقة البيت شيئًا أصبتموه غصبًا، ولا قطعتم فيه رحمًا، ولا انتهكتم فيه ذمة بينكم وبين أحد من الناس، فإذا فعلتم ذلك فاقترعوا بفناء البيت، ولا تنازعوا ولا تنافسوا، وليُصيِّر كل ربع منكم موضع سهمه، ثم انطقوا بعمالكم، فلعلكم إذا فعلتم ذلك أن تخلصوا إليها. فلما سمعوا قول المغيرة رضوا به، وانتهوا إليه، وفعلوا الذي أمرهم به.

стр. 133

فيزعم علماء أوَّليَّةِ قريش: أن باب الكعبة إلى الحجر الأسود بالنصف من جانبها الذي يلي اليمن -صار في سهم بني عبد مناف. فلما انتهى البنيان إلى موضع الحجر الأسود تنافسوا في رفعه، وتحاسدوا عليه، فحكموا فيه أول رجل يطلع عليهم. فكان رسول الله ﷺ -فيما بلغنا- ذلك الرجل، فأعانوه على رفعه على إصلاح منهم وجماعة. فيزعمون أن رسول الله، ﷺ ، وضعه وسط ثوب، ثم قال لهم: خذوا بزواياه وجوانبه كلها، وكان رسول الله، ﷺ ، هو الذي يرفع الحجر، فوضعه بيده موضعه، وذلك قبل مبعثه بخمس عشر سنة. قال وزعم عبد الله بن عباس: أن أولية قريش [كانوا يحدثون أن رجالا من قريش] لما اجتمعوا لينزعوا الحجارة، وانتهوا إلى تأسيس إبراهيم وإسماعيل [﵉] عمد رجل منهم إلى حجرٍ من الأساس الأول، فرفعه وهو لا يدري أنه من الأساس الأول، فأبصر القوم برقة تحت الحجر كادت تلتمع بصر الرجل، ونزل الحجر من يده فوقع في موضعه، وفزع الرجل والبُنَاةُ، فلما ستر عنهم الحجر ما تحته عادوا إلى بنيانهم، وقالوا: لا تحركوا هذا الحجر ولا شيئًا بحذائه. فلما انتهوا إلى أُسِّ البيت الأول وجدوا في حجر منها -فلا أدري لعله ذكر أنه في أسفل المقام- كتابا لم يدروا ما هو حتى جاءهم حَبْرٌ من يهود اليمن فنظر إلى الكتاب فحدثهم. أنه قد قرأه، فاستحلفوه: لتحدثنا بما فيه، ولتصدقنا عنه فأخبرهم أن فيه: أنا الله ذو بكة، حرمتها يوم خلقت السموات والأرض والشمس والقمر ويوم وضعت هذين الجبلين، وحففتهما بسبعة أملاك حنفاء. (١) حديث بنيان الكعبة وحكم رسول الله ﷺ بين قريش في وضع الحجر سبب هذا البنيان: قال ابن إسحاق: فلما بلغ رسول الله ﷺ خمسًا وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيان الكعبة وكانوا يهمون بذلك، ليسقفوها ويهابون هدمها وإنما كانت رضما فوق القامة فأرادوا رفعها وتسقيفها، وذلك أن نفرا سرقوا كنزًا للكعبة، وإنما كان يكون في بئر في جوف الكعبة، وكان الذي وجد عنده الكنز دويكًا مولى لبني مليح بن عمرو من خزاعة. قال ابن هشام: فقطعت قريش يده. وتزعم قريش أن الذين

стр. 134

سرقوه وضعوه عند دويك، وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جدة لرجل من تجار الروم فتحطمت فأخذوا خشبها فأعدوه لتسقيفها، وكان بمكة رجل قبطي نجارًا فتهيأ لهم في أنفسهم بعض ما يصلحها، وكانت حية تخرج من بئر الكعبة التي كان يطرح فيها ما يهدى لها كل يوم، فتتشرق على جدار الكعبة، وكانت مما يهابون، وذلك أنه كان لا يدنو منها أحد إلا احزألت وكشت وفتحت فاها، وكانوا يهابونها، فبينا هي ذات يوم تتشرق على جدار الكعبة، كما كانت تصنع؛ بعث الله إليها طائرًا فاختطفها، فذهب بها، فقالت قريش: إنا لنرجوا أن يكون الله قد رضي ما أردنا، عندنا عامل رفيق، وعندنا خشب، وقد كفانا الله الحية. أبو وهب -خال أبي رسول الله- وما حدث له عند بناء الكعبة فلما أجمعوا أمرهم في هدمها وبنائها، قام أبو وهب بن عمرو بن عائذ بن عبد بن عمران بن مخزوم. قال ابن هشام: عائذ بن عمران بن مخزوم. فتناول من الكعبة حجرًا، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه. فقال: يا معشر قريش، لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبًا، لا يدخل فيها مهر بغي، ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس. والناس ينحلون هذا الكلام الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم. قال ابن إسحاق: وقد حدثني عبد الله بن أبي نجيح المكي أنه حدث عن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف بن وهب بن حذافة بن جمح بن عمر بن هصيص بن كعب بن لؤي. أنه رأي ابنا لجعدة بن هبيرة بن أبي وهب بن عمر ويطوف بالبيت، فسأل عنه، فقيل: هذا ابن لجعدة بن هبيرة، فقال عبد الله بن صفوان عند ذلك: جد هذا، يعني: أبا وهب الذي أخذ حجرًا من الكعبة حين أجمعت قريش لهدمها، فوثب من يده، حتى رجع إلى موضعه فقال عند ذلك: يا معشر قريش: لا تدخلوا في بنائها من كسبكم إلا طيبا. لا تدخلوا فيها مهر بغي، ولا بيع ربا، ولا مظلمة أحد من الناس.

стр. 135

شعر في أبي وهب: قال ابن إسحاق: وأبو وهب: خال أبي رسول الله ﷺ وكان شريفا, وله يقول شاعر من العرب: ولو بأبي وهب أنخت مطيتي ... غدت من نداه رحلها غير خائب بأبيض من فرعي لُؤَيّ بن غالب ... إذا حُصّلت أنسابها في الذوائب أبيُّ لأخذِ الضَّيْم يرتاح للندي ... توسَّط جَدّاه فُروعَ الأطايب عظيم رماد القدر يملا جفانه ... من الخُبز يَعْلوهنّ مثل السبائب الكتابة التي وجدت مكتوبة في جوانب مقام إبراهيم ﵊ قال ابن إسحاق: وحدثت أن قريشًا وجدوا في الركن كتابًا بالسريانية فلم يعرفوا ما هو، حتى قرأه لهم رجل من يهود، فإذا هو أنا الله ذو بكَّة، خلقتها يوم خلقت السماوات والأرض، وصورت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حنفاء لا تزول حتى يزول أخشباها -قال ابن هشام. يعني جبلاها- مبارك لأهلها في الماء واللبن. قال ابن إسحاق: وحُدثت أنهم وجدوا في المقام كتابا فيه: مكة [بيت] الله الحرام، يأتيها رزقها من ثلاثة سبل، لا يُحلُّها أول من أهلها. قال: وزعم ليث بن أبي سُليم أنهم وجدوا [حجرًا] في الكعبة قبل مبعث النبي - صلي الله عليه وسلم - بأربعين سنة، إن كان ما ذكر حقًا، مكتوبًا فيه: من يزرع خيرًا يحصد غبطة، ومن يزرع شرًا يحصد ندامة، تعملون السيئات وتجزون الحسنات؟! أجل كما [لا] يجتنى من الشوك العنب. وقال سعيد بن يحيي الأموي: حدثنا المعتمر بن سليمان الرقي، عن عبد الله بن بشر الزهري -يرفع الحديث إلى النبي ﷺ قال "وجد في المقام ثلاثة أصفح في الصفح الأول: إني أنا الله ذو بَكة، صنعتها يوم صنعت الشمس والقمر، وحففتها بسبعة أملاك حُنَفاء، وباركت لأهلها في اللحم واللبن. (١)

стр. 136

عصمة الله له من دنس الجاهلية صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم روي الحاكم بسنده عن علي بن أبي طالب ﵁ قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم -يقول: "ما هممت بما كان أهل الجاهلية يهمّون به إلَّا مرّتين من الدهر، كلاهما يعصمني الله تعالي منهما، قلت ليلة لفتىً كان معي من قريش، في أعلي مكة في أغنام لأهلها ترعى، أبصر لي غنمي حتى أسمر هذه الليلة. بمكة كما تسمُرُ الفتيان، قال: نعم، فخرجت فلمّا جئت أدني دارٍ من مكة سمعت غُنا وصوت دفوف وزمر، فقلت: ما هذا؟ قالوا فلانٌ تزوّج فلانةً لرجلٍ من قريش تزّوج امرأةً، فلهوت بذلك الغنا والصوت حتى غلبتني عيني فنمت فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، فرجعت فسمعت مثل ذلك، فقيل لي مثل ما قيل لي، فلهوت بما سمعت وغلبتني عيني فما أيقظني إلا مسُّ الشمس، ثم رجعت إلى صاحبي، فقال: ما فعلت؟ فقلت: ما فعلت شيئًا. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "فوالله ما هممت بعدها أبدًا بسوءٍ مما يعمل أهل الجاهلية حتى أكرمني الله تعالي بنبوته" (١).

стр. 137

زواجه من خديجة ﵂ قال ابن شهاب الزهري: فلمّا استوى وبلغ أشدَّه، وليس له كثير مال، استأجرته خديجة ابنة خُويلد، إلى سوق حُباشَة -وهو سوق بتهامة- واستأجرت معه رجلًا آخر من قريش، فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو يحدث عنها: ما رأيت من صاحبة أجير خيرًا من خديجة، ما كنا نرجع أنا وصاحبي إلَّا وجدنا عندها تحفة طعام تخبئه لنا، فقال: فلما رجعنا من سوق حُباشَة -قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم-: قلت لصاحبي: انطلق بنا نتحدث عند خديجة، قال: فجئناها، فبينا نحن عندها، إذ دخل علينا مستنشئة من مولدات قريش -والمستنشئة: الكاهنة التي تستنشيء الرجل- قالت: أمحمد هذا، والذي يُحلف به إن جاء لخاطبًا، فقلت كلَّا، فلما خرجنا أنا وصاحبي، قال: أمِنْ خطبة خديجة تستحي، فوالله ما من قرشية إلَّا تراك لها كفوًا، قال: فرجعت إليها مرة أخرى، فدخلت علينا تلك المستنشئة، فقالت: أمحمد هذا؟ والذي يُحلف به إن جاء لخاطبًا، قال: قلت على حياء: أجل، قال: فأرسلت خديجة وراء أختها، فانطلقت إلى أبيها خويلد بن أسد -وهو ثمل من الشراب- فقالت: هذا ابن أخيك محمَّد بن عبد الله يخطب خديجة، وقد رضيت خديجة، فدعاه، فسأله عن ذلك، فخطب إليه، فأنكحه، قال: فخَلَّقته خديجة، وحَلَّت عليه حلة، فدخل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بها، فلما أصبح، صحا الشيخ من سكره، فقال: ما هذا الخلوق، وما هذه الحُلَّة؟ قالت أخت خديجة: هذه حلَّة كساكها ابن أخيك محمد بن عبد الله أنكحته خديجة، وقد بنى بها، فأنكر الشيخ، ثم سلَّم إلى أن صار ذلك واستحيي، وطفقت رُجاز من رُجَّاز قريش تقول: لا تزهدي خديجُ في محمَّد ... جلد يضيء كضياء الفرقد (١) وروي الطبراني عن أبي خالد الوالي، عن جابر بن سمرة -أو رجل من الصحابة- قال: (كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يرعي غنمًا، فاستعلى الغنم،

стр. 138

فكان في الإبل هو وشريك له، فاكتريا أخت خديجة، فلمّا قضوا السفر بقي لهم عليها شيء فجعل شريكه يأتيهم فيتقاضاهم، ويقول لمحمد: انطلق، فيقول: اذهب أنت، فإني أستحي، فقالت مرّة -وأتاهم-: فأين محمَّد لا يجيء معك؟ قال: قلت له، فزعم أنه يستحي، فقالت: ما رأيت رجلًا أشد حياءً ولا أعف ولا ولا! فوقع في نفس أختها خديجة، فبعثت إليه، فقالت: اِئْتِ أبي فاخطبني إليه، فقال: أبوك رجل كثير المال، وهو لا يفعل، قالت: انطلق فالقه فكلّمه، ثم أنا أكفيك، وأْتِهِ عند سكره، ففعل فأتاه فزوّجه، فلما أصبح جلس في المجلس، فقيل له: قد أحسنت زوّجت محمدًا، قال: أوَفعلت؟ قالوا: نعم، فقام فدخل عليها، فقال: إن الناس يقولون: إني قد زوّجت محمدًا وما فعلت، قالت: بلى، فلا تُسفِّهنِّ رأيك، فإن محمدًا كذا، فلم تزل به حتى رضي، ثم بعثت إلى محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بأوقيَّتين من فضة أو ذهب وقالت: اشتر حُلّة واهدها لي، وكبشًا وكذا وكذا، ففعل). (طب) (١).

стр. 139

أولاد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من السيدة خديجة ﵂ ت ... اسم المولود ... عمر النبي عند ولادته ... عمر خديجة عند الولادة ... عام المولد ... عمره عند البعثة ... عمره عند وفاته ... سنة الوفاة ... البيان ١ - زينب ... عام ٢٦ من مولده ... عام ٤١ من مولدها ... عام ٢٨ ق هـ عام ٦٠٧م ... ١٧ عامًا ... ٣٦ عامًا ... ٨هـ ٦٤١م ... تزوجها أبو العاص بن الربيع قبل الإسلام وولدت له أمامة تزوجها علي بن أبي طالب. ٢ - القاسم ... عام ٢٩ من مولده ... عام ٤٤ من مولدها ... عام ٢٥ ق هـ عام ٦٠٩م - ... سنتان ... - ... مات ﵁ طفلًا وبه يكنى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. ٣ - رقية ... عام ٣٢ من مولده ... عام ٤٧ من مولدها ... عام ٢٢ ق هـ عام ٦١٢م ... ١١ عامًا ... ٢٥ عامًا ... ٣هـ ٦٣٥م ... تزوجها عثمان بن عفان ﵁ في الإسلام وولدت له عمرو بن عثمان. ٤ - أم كلثوم ... عام ٣٥ من مولده ... عام ٥٠ من مولدها ... عام ١٩ ق هـ عام ٦١٥م ... ٨ أعوام ... ٢٩ عامًا ... ٩هـ ٦٤م ... تزوجها عثمان بن عفان ﵁ في الإسلام في العام الثالث للهجرة. ٥ - فاطمة ... عام ٣٨ من مولده ... عام ٥٣ من مولدها ... عام ١٦ ق هـ عام ٦١٨م ... ٥ أعوام ... ٢٧ عامًا ... ١١هـ ٦٤٣م ... تزوجها علي بن أبي طالب ﵁ في الإسلام وأنجبت له الحسن والحسين وزينب وأم كلثوم. ٦ - عبد الله وهو الطيب والطاهر ... عام ٤١ من مولده ... عام ٥٦ من مولدها ... عام ١٣ ق هـ عام ٦٢١م ... - ... - ... - ... ولد وقد تنبأ رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومات ﵁ طفلًا.

стр. 140

أحداث في سيرة رسول الله ﷺ * لما بلغ عامين من عمره جاءت به حليمة السعدية بعد فطامه إلى أمه تزيره إياها. * لما بلغ عمره أربعة أعوام جاءت به حليمة السعدية إلى أمه للمرة الثانية وترجتها بأن تعود به خوفًا عليه من وباء مكة شرفها الله. * لما بلغ خمسة أعوام من عمره وهو عند حليمة السعدية في بني سعد نزل جبريل ﵇ وشق صدره فأرجعته حليمة إلى أمه خوفًا عليه. * لما بلغ ستة أعوام توفيت أمه آمنه بالأبواء بعد أن زارت أخوال جده عبد المطلب بني النجار في المدينة. * لما بلغ ثمانية أعوام توفي جده عبد المطلب وكفله عمه أبو طالب. * لما بلغ اثني عشر عامًا ذهب مع عمه أبي طالب إلى الشام في عير قريش. * لما بلغ العشرين عامًا شهد مع أعمامه حلف المطيبين. * لما دخل في الخامسة والعشرين من عمره شارك في بناء الكعبة ووضع الحجر الأسود بيده الشريفة في مكانه. * ثم تاجر بمال خديجة ﵂ بالشام وسوق حباشة بتهامة وسوق جُرش بخميس مشيط. * لما بلغ خمسًا وعشرين عامًا تزوج بخديجة بنت خويلد ﵂.

стр. 141

في العام الثاني لمولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان

стр. 142

مولد الطيب المطيب عمار بن ياسر بن عامر بن مالك بن كنانة العنسي المكي مولى بني مخزوم وأحد السبعة السابقين إلى الإِسلام ومن البدريين الأعيان أمه سمية بنت خياط مولاة بني مخزوم ثاني امرأة أسلمت بعد خديجة وأول شهيدة في الإِسلام ويروى عن عمار قال: كنت تربا لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم. (١) وعن عاصم عن زر عن عبد الله قال: أول من أظهر إسلامه سبعة: رسول الله صلي الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأبو بكر وعمار وأمه سمية وصهيب وبلال والمقداد. (٢) وعن علي ﵁ قال: استأذن عمار على النبي فقال من هذا قال عمار قال (مرحبًا بالطيب المطيب). (٣) قال عمرو بن شرحبيل قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (عمار ملئ إيمانًا إلى مشاشه). (٤) وعن حذيفة مرفوعًا قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر واهتدوا بهدي عمار وتمسكوا بعهد ابن أم عبد). (٥) قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (من يعاد عمارًا يعاده الله ومن يبغض عمارًا يبغضه الله). (٦) وعن عائشة ﵂ قالت سمعت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول (عمار ما عرض عليه أمران إلا اختار الأرشد منهما). (٧) ولد ﵁ عام ٥٢ قبل الهجرة الموافق لعام ٥٨٣ م. قتل ﵁ في معركة صفين في شهر ربيع الأول سنة ٣٧ للهجرة.

стр. 143

في العام الثالث لمولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان

стр. 144

مولد الصديق الخليفة الأول للمسلمين أبو بكر عتيق بن عثمان التيمي ﵁ أول من أسلم من الرجال غير متعتع وثاني اثنين إذ هما في الغار ورفيقه في الهجرة إلى المدينة بذل ماله ونفسه لإظهار دين الله والذب عن حرماته أقام الإِسلام وحارب المرتدين حتى دخلوا في دين الله مقهورين ذليلين. جمع القرآن الكريم بعد أن كان مفرقًا في الصحائف واللخائف والرقاع وصدور الرجال وهو أول المبشرين بالجنة تفتح له أبواب الجنان كلها يدخل من أيها شاء. قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (إن من أمن الناس علي في صحبته وماله أبا بكر ولو كنت متخذًا خليلًا غير ربي لاتخذت أبا بكر خليلا ولكن أخوة الإِسلام ومودته لا يبقين في المسجد باب إلا سد إلا باب أبا بكر). (١) وقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم (ما لأحد عندنا يد إلَّا وقد كافأناه ما خلا أبا بكر فإن له عندنا يدًا يكافيه الله بها يوم القيامة وما نفعني مال أحد قط ما نفعني مال أبي بكر وما عرضت الإِسلام على أحد إلا كانت له كبوه إلا أبا بكر فإنه لم يتلعثم). (٢) قال حسان بن ثابت ﵁. إذا تذكرت شجوا من أخي ثقة ... فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا خير البرية أتقاها وأعدلها ... بعد النبي وأوفاها بما حملا والثاني التالي المحمود مشهده ... وأول الناس حقًا صدق الرسلا والثاني اثنين في الغار المنيف وقد ... طاف العدو به أذ صعَّد الجبلا وكان حب رسول الله قد علموا ... خير البرية لم يعدل به رجلا عاش حميدا لأمر الله متبعا ... بهدي صاحبه الماضي وما انتقلا ولد عام ٥١ قبل الهجرة الموافق ٥٨٥ م. توفي ﵁ سنة ١٣ هجرية ٦٤٦ م.

стр. 145

في العام الرابع لمولده صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان
следующие страницы →