زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بن عمرو عن أبي عبيدة بن عبد الله عن مسروق بن الأجدع ثنا عبد الله بن مسعود عن النبي ﷺ قال: "يجمع الله الأولين والآخرين لميقات يوم معلوم قيامًا أربعين سنة شاخصة أبصارهم إلى السماء ينتظرون فصل القضاء، قال وينزل الله في ظلل من الغمام من العرش إلى الكرسي ثم ينادى مناد أيها الناس ألم ترضوا من ربكم الذي خلقكم ورزقكم وأمركم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا أن يولي كل ناس منكم ما كانوا يتولون ويعبدون في الدنيا أليس ذلك عدلًا من ربكم؟ قالوا: بلى، قال فلينطلق كل قوم إلى ما كانوا يعبدون في الدنيا، قال فينطلقون ويمثل لهم أشياء ما كانوا يعبدون، فمنهم من ينطق إلى الشمس ومنهم من ينطلق إلى القمر وإلى الأوثان من الحجارة وأشباه ما كانوا يعبدون، قال ويمثل لمن كان يعبد عيسى شيطان عيسى ويمثل لمن كان يعبد عزيرًا شيطان عزير ويبقى محمد ﷺ وأمته، قال فيتمثل الرب فيأتيهم فيقول ما لكم لا تنطلقون كما انطلق الناس، قال فيقولون إن لنا لإلهًا ما رأيناه بعد، فيقول هل تعرفونه إن رأيتموه؟ فيقولون أن بيننا وبينه علامة إذا رأيناها عرفناها، قال فيقول ما هي؟ فيقولون يكشف عن ساقه، قال فعند ذلك يكشف عن ساق فيخر كل من كان بظهره طبق ساجدًا ويبقى قوم ظهورهم كصياصي البقر يريدون السجود فلا يستطيعون وقد كان يدعون إلى السجود وهم سالمون، ثم يقول ارفعوا رؤوسكم فيرفعون رؤوسهم فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم يسعى بين يديه، ومنهم من يعطى نوره أصغر من ذلك ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه، ومنهم من يعطى نورًا أصغر من ذلك حتى يكون آخرهم رجلًا يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة ويطفى مرة، فإذا أضاء قدم قدمه فمشى وإذا طفيء قام، قال فيمرون على الصراط، والصراط كحد السيف دحض مزلة فيقال لهم مروا فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرف العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرجل حتى يمر الذي أعطي نوره على إبهام قدميه يحبو على وجهه ويديه ورجليه تخر يد وتعلق يد وتخر رجل وتعلق رجل ويصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص فإذا خلص وقف
стр. 72
عليها، ثم قال الحمد لله لقد أعطاني الله ما لم يعط أحدًا أن نجاني منها بعد إذ رأيتها، قال فينطق به إلى غدير عند باب الجنة فيغتسل فيعود إليه ريح أهل الجنة وألوانهم فيرى ما في الجنة من خلال الباب فيقول رب أدخلني الجنة فيقول الله له أتسأل الجنة وقد نجيتك من النار فيقول رب اجعل بيني وبينها حجابًا لا أسمع حسيسها، قال فيدخل الجنة قال فيرى أو يرفع له منزلًا أمام ذلك كأنما هو فيه إليه حلم فيقول رب أعطني ذلك المنزل فيقول له فلعلك أن أعطيتكه تسأل غيره، فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره وأي منزل يكون أحسن منه فيعطيه فينزله ويرى أمام ذلك منزلًا كأنما هو فيه إليه حلم قال رب أعطني ذلك المنزل فيقول الله له فلعلك أن أعطيتكه تسأل غيره فيقول لا وعزتك لا أسألك غيره وأي منزل يكون أحسن منه قال فيعطى منزله قال ويرى أو يرفع له أمام ذلك منزل آخر كأنما هو إليه حلم فيقول أعطني ذلك المنزل فيقول الله ﷻ فلعلك إن أعطيتكه تسأل غيره، قال لا وعزتك لا أسأل غيره وأي منزل يكون أحسن منه، قال فيعطاه فينزله ثم يسكت، فيقول الله مالك لا تسأل، فيقول رب لقد سألتك حتى استحييتك وأقسمت لك حتى استحييتك، فيقول الله تعالى ألم ترض أن أعطيك مثل الدنيا منذ خلقتها إلى يوم أفنيتها وعشرة أضعافها، فيقول أتستهزيء بي وأنت رب العزة فيضحك الرب من قوله، قال فرأيت عبد الله بن مسعود إذا بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك فقال له رجل يا أبا عبد الرحمن قد سمعتك تحدث هذا الحديث مرارًا كلما بلغت هذا المكان ضحكت فقال أني سمعت رسول الله ﷺ يحدث هذا الحديث مرارًا كلما بلغ هذا المكان من هذا الحديث ضحك حتى تبدوا أضراسه، قال فيقول الرب لا ولكني على ذلك قادر سل، فيقول ألحقني بالناس فيقول ألحق الناس قال فينطلق يرمل في الجنة حتى إذا دنا من الناس رفع له قصر من درة فيخر ساجدًا فيقال له ارفع رأسك ما لك؟ فيقول رأيت ربي أو تراءى لي ربي فيقال له إنما هو منزل من منازلك، قال ثم يلقى رجلًا فيتهيأ للسجود له فيقال له مه ما لك؟ فيقول رأيت أنك ملك من الملائكة فيقول إنما أنا خازن من خزانك عبد من عبيدك تحت يدي ألف قهرمان على مثل ما أنا عليه، قال فينطلق أمامه حتى يفتح له القصر قال وهو في درة مجوفة سقائفها وأبوابها وأغلاقها ومفاتيحها منها تستقبله جوهرة خضراء مبطنة
стр. 73
بحمراء كل جوهرة (تفضي إلى جوهرة على) غير لون الأخرى في كل جوهرة سرر وأزواج ووصائف أدناهن حوراء عيناء عليها سبعون حلة يرى مخ ساقها من وراء حللها خدها مرآته وخده مرآتها إذا أعرض عنها إعراضة ازدادت في عينه سبعين ضعفا عما كانت قبل ذلك وإذا أعرضت عنه إعراضة ازداد في عينها سبعين ضعفا عما كان قبل ذلك.
فيقول لها والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا وتقول له وأنت والله لقد ازددت في عيني سبعين ضعفا، فيقال له أشرف قال فيشرف فيقال له ملكك مسيرة مائة عام ينفذه بصره، قال فقال عمر ألا تسمع ما يحدثنا أم عبد يا كعب عن أدنى أهل الجنة منزلا فكيف أعلاهم؟ فقال كعب يا أمير المؤمنين ما لا عين رأت ولا أذن سمعت، إن الله جعل دارًا فجعل فيها ما شاء من الأزواج والثمرات والأشربة ثم أطبقها ثم لم يرها أحد من خلقه لا جبريل ولا غيره من الملائكة ثم قرأ كعب ﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ قال وخلق دون ذلك جنتين وزينهما بما شاء وأراهما من شاء من خلقه ثم قال فمن كان كتابه في عليين نزل تلك الدار التي لم يرها أحد حتى أن الرجل من أهل عليين ليخرج فيسير في ملكه، فما تبقى خيمة من خيم الجنة إلا دخلها من ضوء وجهه فيستبشرون بريحه فيقولون واها لهذا الريح هذا رجل من أهل عليين قد خرج يسير في ملكه، فقال ويحك يا كعب أن هذه القلوب قد استرسلت فاقبضها، فقال كعب والذي نفسي بيده إن لجهنم يوم القيامة لزفرة ما من ملك مقرب ولا نبي مرسل إلا يخر لركبتيه حتى إن إبراهيم خليل الله ليقول رب نفسي نفسي حتى لو كان لك عمل سبعين نبيًا إلى عملك لظننت أنك لا تنجو منها. (١)
وتصديقًا لهذا الحديث ما جاء في سورة الأنبياء من آية (٩٧ - ١٠٣) قال تعالى: ﴿وَاقْتَرَبَ الْوَعْدُ الْحَقُّ فَإِذَا هِيَ شَاخِصَةٌ أَبْصَارُ الَّذِينَ كَفَرُوا يَاوَيْلَنَا قَدْ كُنَّا فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا بَلْ كُنَّا ظَالِمِينَ (٩٧) إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ (٩٨)
معرفة أهل الكتاب به صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
قال الله تعالى: ﴿الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ﴾.
وقال الله : ﴿وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (١٥٦) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٥٧) قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾. (١)
خبر اليهودي التاجر بمكة عن مولد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
أخبرنا علي بن محمد عن أبي عبيدة بن عبد الله بن أبي عبيدة بن محمد بن عمار ابن ياسر وغيره عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة قالت: سكن يهودي بمكة يبيع بها تجارات، فلما كان ليلة ولد رسول الله ﷺ ، قال في مجلس من مجالس قريش: هل كان فيكم من مولود هذه الليلة؟ قالوا: لا نعلمه، قال: أخطأت والله حيث كنت أكره، انظروا يا معشر قريش وأحصوا ما أقول لكم: ولد الليلة نبي من هذه
стр. 76
الأمة أحمد الآخر. فإن أخطأكم فبفلسطين، به شامة ببن كتفيه سوداء صفراء فيها شعرات متواترات، فتصدع القوم من مجالسهم وهم يعجبون من حديثه، فلما صاروا في منازلهم ذكروا لأهاليهم، فقيل لبعضهم: ولد لعبد الله بن عبد المطلب الليلة غلام فسماه محمدًا، فالتقوا بعد من يومهم فأتوا اليهودي في منزله فقالوا: أعلمت أنه ولد فينا مولود؟ قال: أبعد خبري أم قبله؟ قالوا: قبله واسمه أحمد، قال فاذهبوا بنا إليه، فخرجوا معه حتى دخلوا على أمه، فأخرجته إليهم، فرأى الشامة في ظهره، فغشي على اليهودي ثم أفاق، فقالوا: ويلك! مالك؟ قال: ذهبت النبوة من بني إسرائيل وخرج الكتاب من أيديهم، وهذا مكتوب يقتلهم ويبز أخبارهم، فازت العرب بالنبوة، أفرحتم يا معشر قريش؟ أما والله ليسطون بكم سطوة يخرج نبؤها من المشرق إلى المغرب. (١)
حديث وهب بن منبه
وروي أيضا عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: أوحى الله إلى إشعيا: إني باعث نبيًا أميًا أفتح به آذانًا صما وقلوبًا غلفا وأعينًا عميا، مولده بمكة، ومهاجره بطيبة، وملكه بالشام، عبدي المتوكل المصطفى المرفوع، الحبيب المنتخب المختار، لا يجزي بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح ويغفر، رحيمًا بالمؤمنين، يبكي للبهيمة المثقلة، ويبكي لليتيم في حجر الأرملة، ليس بفظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق ولا متزين بالفحش ولا قوال بالخنا لو يمر إلى جنب السراج لم يطفئه من سكينته، ولو يمشي على القصب الرعراع، يعني اليابس، لم يسمع من تحت قدمه، أبعثه مبشرًا ونذيرًا، أسدده لكل جميل وأهب له كل خلق كريم، أجعل السكينة لباسه والبر شعاره، والتقوى ضميره والحكمة معقوله، والصدق والوفاء طبيعته، والعفو والمغفرة والمعروف خلقه، والعدل سيرته والحق شريعته، والهدى إمامه، والإسلام ملته وأحمد اسمه، أهدي به بعد الضلالة وأعلم به بعد الجهالة، وأرفع به بعد الخمالة، وأسمي به بعد النكرة، وأكثر به بعد القلة، وأغني به بعد العيلة وأجمع به بعد الفرقة، وأؤلف به بين القلوب وأهواء مشتتة وأمم مختلفة، وأجعل أمته خير أمة أخرجت للناس، أمرًا بالمعروف ونهيًا عن المنكر،
стр. 77
وتوحيدًا لي وإيمانًا بي وإخلاصًا لي، وتصديقًا بما جاءت به رسلي، وهم رعاة الشمس، طوبى لتلك القلوب والوجوه والأرواح التي أخلصت لي، ألهمهم التسبيح والتكبير والتحميد والتوحيد في مساجدهم ومجالسهم ومضاجعهم ومنقلبهم ومثواهم، يصفون في مساجدهم كما تصف الملائكة حول عرشي، هم أوليائي وأنصاري، أنتقم بهم من أعدائي عبدة الأوثان، يُصلّون لي قياما وقعودا وسجودا، ويخرجون من ديارهم وأموالهم ابتغاء مرضاتي ألوفا فيقاتلون في سبيلي صفوفا وزحوفا، أختم بكتابهم الكتب وبشريعتهم الشرائع وبدينهم الأديان، فمن أدركهم فلم يؤمن بكتابهم ويدخل في دينهم وشريعتهم فليس مني وهو مني برئ، وأجعلهم أفضل الأمم وأجعلهم أمة وسطا شهداء على الناس، إذا غضبوا هللوني، وإذا قبضوا كبروني، وإذا تنازعوا سبحوني، يطهرون الوجوه والأطراف ويشدون الثياب إلى الأنصاف، ويهللون على التلال والأشراف، قربانهم دماؤهم، وأناجيلهم صدورهم، رهبان بالليل ليوثا بالنهار، ويناديهم مناديهم في جو السماء لهم دوي كدوي النحل.
طوبى لمن كان معهم وعلى دينهم ومناهجهم وشريعتهم، ذلك فضلي أوتيه من أشاء وأنا ذو الفضل العظيم.
"القصب" بالقاف والصاد معروف. الرعراع: الطويل.
قال ابن قتيبة: إذا طال القصب فهبت عليه أدنى ريح، أو مر ألطف شخص: تحرك وصوت، فأراد أن النبي ﷺ وقور ساكن الطائر.
"الخنا": بفتح المعجمة والقصر: الفحش. وأعلم بهمزة مضمومة ولام مشددة مكسورة.
وروى البيهقي عن وهب بن منبه رحمه الله تعالى قال: أوحى الله في الزبور إلى دواد: إنه سيأتي من بعدك نبي اسمه أحمد ومحمَّد، صادقًا لا أغضب عليه أبدًا ولا يعصيني أبدًا، وقد غفرت له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. الحديث.
الأحاديث والآثار في ذلك كثيرة، أفرها بالتنصيف خلائق. (١)
стр. 78
حديث كعب الأحبار
وروى أبو نعيم عن كعب ﵀ قال: كان أبي من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى، وكان لم يدخر عني شيئا مما كان يعلم، فلما حضره الموت دعاني فقال لي: يا بني إنك قد علمت أني لم أدخر عنك شيئا أعلمه إلا أني قد حبست عنك ورقتين فيهما نبي يبعث قد أطل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتطيعه، وقد جعلتهما في هذه الكوة التي ترى وطينت عليهما فلا تتعرض لهما ولا تنظر فيهما حينك هذا، فإن الله إن يرد بك خيرا ويخرج ذلك النبي تبعته.
ثم إنه مات فدفناه، فلم يكن شيء أحب إلي من أن أنظر في الورقتين، ففتحت الكوة ثم استخرجت الورقتين فإذا فيهما: محمد رسول الله خاتم الأنبياء، لا نبي بعده، مولده بمكة ومهاجره بطيبة، لا فظ ولا غليظ ولا سخاب في الأسواق، ويجزئ بالسيئة الحسنة، ويعفو ويصفح أمته الحمادون الذين يحمدون الله على كل حال، تذلل ألسنتهم بالتكبير، وينصر نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم ويأتزرون على أوساطهم، أناجيلهم في صدورهم، وتراحمهم بينهم كتراحم بني الأم، وهم أول من يدخل الجنة يوم القيامة من الأمم.
فمكثت ما شاء الله ثم بلغني أن النبي ﷺ قد خرج بمكة، فأخذت أستثبت ثم بلغني أنه توفي وأن خليفته قد قام مقامه، وجاءتنا جنوده، فقلت: لا أدخل في هذا الدين حتى أنظر سيرتهم وأعمالهم، فلم أزل أدافع ذلك وأؤخره لأستثبت حتى قدم علينا عمال عمر بن الخطاب، فلما رأيتهم رأيت وفاءهم بالعهد وما صنع الله لهم على الأعداء، فعلمت أنهم هم الذين كنت أنتظر.
فوالله إني ذات ليلة فوق سطحي فإذا رجل من المسلمين يتلو قول الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا﴾ الآية.
فلما سمعت هذه الآية خشيت أن لا أصبح حتى يحول وجهي في قفاى، فما كان شيء أحب إلي من الصباح، فغدوت في المسلمين. (١)
стр. 79
صفته ﷺ في صحف إبراهيم ﵇
روى ابن سعد بسنده عن الشعبي قال: في مجلة إبراهيم ﷺ : إنه كائن من ولدك شعوب وشعوب حتى يأتي النبي الأمي الذي يكون خاتم الأنبياء. (١)
وروى بسنده عن ابن عباس قال: لما أمر إبراهيم بإخراج هاجر حمل على البراق، فكان لا يمر بأرض عذبه سهلة إلا قال: أنزل ها هنا يا جبريل. فيقول: لا، حتى أتى مكة فقال جبريل: انزل يا إبراهيم، قال حيث لا ضرع ولا زرع؟ قال: نعم ها هنا يخرج النبي الذي من ذرية ابنك الذي تتم به الكلمة العليا.
وروى بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال: لما خرجت هاجر بابنها إسماعيل تلقاها متلق فقال: يا هاجر إن ابنك أبو شعوب كثيرة، ومن شعبه النبي الأمي ساكن الحرم. (٢)
ذكر وهب بن منبه في قصة داود النبي ﷺ وما أوحي إليه في الزبور: يا داود، إنه سيأتي من بعدك نبي يسمى: أحمد ومحمدًا، صادقًا سيدًا، لا أغضب عليه أبدًا، ولا يغضبني أبدًا، وقد غفرت له قبل أن يعصيني ما تقدم من ذنبه وما تأخر، وأمته مرحومة، أعطيتهم من النوافل مثل ما أعطيت الأنبياء، وافترضت عليهم الفرائض التي افترضت على الأنبياء والرسل، حتى يأتوني يوم القيامة نورهم مثل نور الأنبياء، وذلك أني افترضت عليهم أن يتطهروا لي لكل صلاة، كما افترضت على الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالغسل من الجنابة كما أمرت الأنبياء قبلهم. وأمرتهم بالحج كما أمرت الأنبياء قبلهم، وأمرتهم بالجهاد كما أمرت الرسل قبلهم. يا داود، فإني فضلت محمدًا وأمته على الأمم كلها: أعطيتهم ست خصال لم أعطها غيرهم من الأمم: لا أؤاخذهم بالخطأ والنسيان، وكل ذنب ركبوه على غير عمد إذا استغفروني منه غفرته لهم، وما قدموا لآخرتهم من شيء طيبة به أنفسهم عجلته لهم أضعافًا مضاعفة، ولهم في المدخور عندي أضعافًا مضاعفةً وأفضل من ذلك، وأعطيتهم على المصائب في البلايا إذا صبروا وقالوا:
стр. 80
-إنا لله وإنا إليه راجعون- الصلاة والرحمة والهدى إلى جنات النعيم. فإن دعوني استجبت لهم، فإما أن يروه عاجلا، وما أن أصرف عنهم سوءًا، وإما أن أدخره لهم في الآخرة.
يا داود، من لقيني من أمة محمد يشهد أن لا إله إلا أنا وحدي لا شريك لي صادقًا بها فهو معي في جنتي وكرامتي. ومن لقيني وقد كذّب محمدًا، وكذّب بما جاء به، واستهزأ بكتابي صببت عليه في قبره العذاب صبًا، وضربت الملائكة وجهه ودبره عند منشره من قبره، ثم أدخله في الدرك الأسفل من النار. (١)
عن وهب قال: قرأت في زبور داود، ﵇، ذكر نبينا ﷺ أنه يجوز من البحر إلى البحر، من لدن الأنهار إلى منقطع الأرض، وأنه غير أهل الجزائر بين يديه على ركبهم، ويلحس أعداؤه التراب من تحت قدميه، وتدين له الأمم بالطاعة والانقياد؛ لأنه يُخلّص المضطهد ممّن هو أقوى منه ويرأف بالضعفاء والمساكين، ويصلى عليه في كل وقت ويبارك عليه في كل يوم، ويدوم ذكره مع ذكر الله إلى الأبد. (٢)
روى ابن سعد بسنده عن محمد بن كعب القرظي قال: أوحى الله إلى يعقوب أني أبعث من ذريتك ملوكًا وأنبياء، حتى أبعث النبي الحرمي الذي تبني أمته هيكل بيت المقدس وهو خاتم الأنبياء، واسمه أحمد. (٣)
حديث أبي سعيد مالك بن سنان الخدري
وروى أبو نعيم عن أبي سعيد مالك بن سنان الخدري بالخاء المعجمة والدال المهملة رضي الله تعالى عنه قال: سمعت أبي يقول: جئت بني عبد الأشهل يومًا لأتحدث فيهم، فسمعت يوشع اليهودي يقول: أظل خروج نبي يقال له أحمد يخرج من الحرم. فقيل له: ما صفته؟ قال: رجل ليس بالقصير ولا بالطويل، في عينيه حمره يلبس الشملة ويركب الحمار، سيفه على عاتقه، وهذه البلد مهاجره. فرجعت إلى قومي بني خدرة وأنا
стр. 81
أتعجب مما قال، فأسمع رجلا منا يقول: ويوشع يقول هذا وحده؟ كل يهود يثرب تقول هذا فخرجت حتى جئت بني قريظة فأجد جمعا فتذاكروا النبي ﷺ فقال الزبير بن باطا: قد طلع الكوكب الأحمر الذي لم يطلع إلا لخروج نبي وظهوره، ولم يبق من الأنبياء أحد إلا أحمد وهذه مهاجرة. (أظل: قرب). (١)
سبب إسلام أبي بكر الصديق
وروى ابن عساكر عن أبي بكر الصديق -رضي الله تعالى عنه- قال: كنت جالسا بفناء الكعبة وزيد بن عمرو بن نفيل قاعد، فمر به أمية بن أبي الصلت فقال: أما إن هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم أو من أهل فلسطين. قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي ينتظر فلا يبعث.
فخرجت أريد ورقة بن نوفل فقصصت عليه الحديث فقال: نعم يا بن أخي، أخبرنا أهل الكتاب والعلماء، أن هذا النبي الذي ينتظر من أوسط العرب نسبًا، ولي علم بالنسب فقومك أوسط العرب نسبا. قال: يا عم وما يقول النبي؟ قال ما قيل له، إلا أنه لا يظلم ولا يظالم.
قال: فلما بعث رسول الله ﷺ آمنت وصدقت.
(فلسطين بكسر الفاء وفتح اللام: ناحية من الشام). (٢)
حدث ابن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة عن شيخ من بني قريظة قال: كان يهود بني قريظة قد قدم عليهم رجل من يهود أهل الشام يقال له ابن الهيبان، وذلك قبيل الإسلام بسنين. فحل بين أظهرهم، فما رأوا رجلا قط لا يصلي الخمس أفضل منه. فأقام عندهم، فكانوا إذا قحط عنهم المطر، قالوا له: اخرج يا ابن الهيبان فاستسق لنا. فيقول: لا والله، حتى تقدموا بين يدي مخرجكم صدقة. فيقولون له: كم؟ فيقول: صاعًا من تمر أو مدين من شعير. فيخرجونها، ثم يخرج بهم إلى ظاهر حرتهم، فيستسقي الله لهم، فما يبرح مجلسه حتى يمر السحاب ويسقون. قد فعل ذلك غيره مرة
стр. 82
ولا مرتين ولا ثلاث. ثم حضرته الوفاة عندهم، فلما عرف أنه ميت، قال: يا معشر يهود، ما ترونه أخرجني من أرض الخمر والخمير إلى أرض البؤس والجوع؟ قالوا: إنك أعلم. قال: فإني إنما قدمت هذه البلدة، أتوكف خروج نبي قد أظلكم زمانه، فلا تسبقن إليه يا معشر يهود، فإنه يبعث بسفك الدماء، وسبي الذراري والنساء ممّن خالفه، فلا يمنعكم ذلك منه. (١)
عن عطاء بن بسار ﵁ قال: لقيت عبد الله بن عمرو بن العاص، فقلت: أخبرني عن صفة رسول الله ﷺ في التوراة، فقال: أجل، والله إنه لموصوف في التوراة ببعض صفته في القرآن ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا﴾ (٢) وحرزا للأميين، أنت عبدي ورسولي، سميتك المتوكل، ليس بفظ ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق، ولا يدفع بالسيئة السيئة ولكن يعفو ويصفح، ولن يقبضه الله حتى يقيم به الملة العوجاء بأن يقولوا: لا إله إلا الله، ويفتح به أعينًا عميا، وآذانًا صما، وقلوبًا غلفا. (٣)
وعن كعب الأحبار رحمه الله تعالى قال: (نجده مكتوبا محمَّد رسول الله ﷺ لا فظ ولا غليظ ولا صخاب بالأسواق، ولا يجزئ بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر، وأمته الحمادون ويكبرون الله على كل نجد، ويحمدونه في كل منزلة، ويأتزرون على أنصافهم، ويتوضئون على أطرافهم، مناديهم ينادي في جو السماء صفهم في القتال وصفهم في الصلاة سواء لهم دوى كدوي النحل، ومولده بمكة ومهاجره بطيبة وملكه بالشام. (٤)
تحير أهل الكتاب مع معرفتهم به
عن الفلتان بن عاصم قال: كنا قعودا مع النبي ﷺ فشخص بصره
стр. 83
إلى رجل في المسجد فقال: (يا فلان) فقال: لبيك يا رسول الله قال: ولا ينازعه الكلام إلا قال: يا رسول الله فقال النبي ﷺ : (أتشهد أني رسول الله؟) قال: لا، قال (أتقرأ التوراة؟) قال: نعم والإنجيل، قال: (والقرآن) قال: والذي نفسي بيده لو أشاء لقرأته، قال: ثم ناشده: (هل تجدني في التوراة والإنجيل؟) قال: أجد مثلك ومثل هيأتك ومثل مخرجك، وكنا نرجوا أن يكون منا فلما خرجت تحيرنا أن يكون أنت هو، فنظرنا فإذا ليس أنت هو، قال: (ولم ذاك؟) قال: إن معه من أمته سبعين ألفا يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ومعك نفر يسير، قال: (فوالذي نفسي بيده لأنا هو وإنهم لأمتي، وإنهم لأكثر من سبعين ألفا وسبعين ألفا). (١)
وعن عاصم بن عمر بن قتادة عن رجال من قومه، قالوا: إن مما دعانا إلى الإِسلام مع رحمة الله تعالى وهداه، لما كنا نسمع من رجال اليهود، كنا أهل شرك أصحاب أوثان، وكانوا أهل كتاب، عندهم علم ليس لنا، وكانت لا تزال بيننا وبينهم شرور، فإذا نلنا منهم بعض ما يكرهرن، قالوا لنا: إنه تقارب زمان نبي يبعث الآن نقتلكم معه قتل عاد وإرم، فكنا كثيرًا ما نسمع ذلك منهم فلما بعث الله رسوله ﷺ أجبناه حين دعانا إلى الله تعالى وعرفنا ما كانوا يتوعدوننا به فبادرناهم إليه فآمنا به وكفررا به ففينا وفيهم نزل هؤلاء الآيات من سورة البقرة ﴿وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا كَفَرُوا بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. (٢)
خطبة اليهودي في بني عبد الأشهل قبل بعثه بيسير
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا يعقوب قال حدثني أبي عن ابن إسحق قال حدثني صالح بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف عن محمود بن لبيد أخي بني عبد الأشهل عن سلمة بن سلامة بن وقش وكان من أصحاب بدر قال: كان لنا جار من يهود في بني
стр. 84
عبد الأشهل قال فخرج علينا يوما من بيته قبل مبعث النبي ﷺ بيسير فوقف على مجلس عبد الأشهل قال سلمة وأنا يومئذ أحدث من فيه سنا علي بردة مضطجعا فيها بفناء أهلي فذكر البعث والقيامة والحساب والميزان والجنة والنار فقال ذلك لقوم أهل شرك أصحاب أوثان لا يرون أن بعثا كائن بعد الموت فقالوا له: ويحك يا فلان، ترى هذا كائن أن الناس يبعثون بعد موتهم إلى دار فيها جنة ونار يجزون فيها بأعمالهم، قال: نعم، والذي يحلف به لود أن له بحظه من تلك النار أعظم تنور في الدنيا يحمونه ثم يدخلونه إياه فيطبق به عليه وإن ينجوا من تلك النار غدا، قالوا له: ويحك، وما آية ذلك، قال: نبي يبعث من نحو هذه البلاد وأشار بيده نحو مكة واليمن، قالوا: ومتى تراه قال: فنظر إلي وأنا أحدثهم سنا فقال: أن يستنفد هذا الغلام عمره يدركه، قال سلمة: فوالله ما ذهب الليل والنهار حتى بعث الله تعالى رسوله ﷺ وهو حي بين أظهرنا فآمن به وكفر به بغيًا وحسدا فقلنا: ويلك يا فلان ألست بالذي قلت لنا فيه ما قلت، قال: بلى وليس به) (١)
معرفة أهل الكتاب به
وروى الترمذيُّ في الشمائل عن كعب رحمه الله تعالى قال: نجد نعت رسول الله ﷺ في التوراة: محمد بن عبد الله يولد بمكة ويهاجر إلى طابة، ويكون ملكه بالشام، وليس بفحاش ولا سخاب في الأسواق ولا يكافئ بالسيئة، ولكن يعفو ويغفر، أمته الحمادون يحمدون الله في كل أمر ويكبرون الله على كل نجد ويوضئون أطرافهم ويأتزرون في أوساطهم، يصفون في صلاتهم كما يصفون في قتالهم، دويهم في مساجدهم كدوي النحل يسمع مناديهم في جو السماء. (٢)
وروى أبو نعيم عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إن موسى لما نزلت عليه التوراة وقرأها فوجد فيها ذكر هذه الأمة فقال يا رب
стр. 85
إني أجد في الألواح أمة هم الآخرون السابقون فاجعلها أمتي، قال تلك أمة أحمد، قال يا رب إني أجد في الألواح أمة هم السابقون المشفوع لهم فاجعلها أمتي، قال تلك أمة أحمد، قال يا رب إني أجد في الألواح أمة هم المستجيبون المستجاب لهم فاجعلها أمتي، قال تلك أمة أحمد، قال يا رب إني أجد في الألواح أمة أناجيلهم في صدورهم يقرأونها ظاهرًا فاجعلها أمتي، قال تلك أمة أحمد. قال يا رب إني أجد في الألواح أمة يجعلون الصدقة في بطونهم يؤجرون عليها فاجعلها أمتي قال تلك أمة أحمد، قال يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بحسنة فلم يعملها كتب له حسنة واحدة، فإن عملها كتب له عشر حسنات فاجعلها أمتي قال، تلك أمة أحمد، قال يا رب إني أجد في الألواح أمة إذا هم أحدهم بسيئة ولم يعملها لم تكتب، وإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، فاجعلها أمتي قال تلك أمة أحمد، قال يا رب إني أجد في الألواح أمة يؤتون العلم الأول والعلم الآخر فيقتلون قرون الضلالة المسيح الدجال فاجعلها أمتي قال تلك أمة أحمد. قال يا رب فاجعلني من أمة أحمد، فأعطي عند ذلك خصلتين، فقال: ﴿يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ﴾ (١) قال: قد رضيت يا رب).
وروى أيضًا عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: أوحى الله تعالى إلى بعض أنبياء بني إسرائيل: اشتد غضبي عليكم من أجل ما ضيعتم من أمري، فإني حلفت لا يأتيكم روح القدس حتى أبعث النبي الأمي من أرض العرب الذي يأتيه روح القدس. (٢)
صفة رسول الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الإنجيل
وقال يعقوب ابن سفيان: حدثنا فيض البجلي، حدثنا سلام بن مسكين، عن مقاتل بن حيان قال: أوحى الله إلى عيسى بن مريم: جد في أمري واسمع وأطع يا ابن
стр. 86
الطاهرة البكر البتول، أنا خلقتك من غير فحل فجعلتك آية للعالمين، فإياى فاعبد. فبين لأهل سوران بالسريانية، بلغ من بين يديك أني أنا الحق القائم الذي لا أزول، صدقوا بالنبي الأمي العربي صاحب الجمل والمدرعة والعمامة، وهي التاج، والنعلين، والهراوة وهي القضيب، الجعد الرأس، الصلت الجبين، المقرون الحاجبين، الأنجل العينين الأقنى الأنف، الواضح الخدين، الكث اللحية، عرقه في وجهه كاللؤلؤ، ريح المسك ينضح منه، كأن عنقه إبريق فضة، وكأن الذهب يجرى في تراقيه، له شعرات من لبته إلى سرته تجرى كالقضيب، ليس في بطنه شعر غيره، شثن الكف والقدم، إذا جاء مع الناس غمرهم، وإذا مشى كأنما يتقلع من الصخر ويتحدر من صبب، ذو النسل القليل وكأنه أراد الذكور من صلبه.
هكذا رواه البيهقي في دلائل النبوة من طريق يعقوب بن سفيان. (١)
بشارة الإنجيل به صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
أخبرنا محمد بن إسماعيل بن أبي فديك المدني عن موسى بن يعقوب الزمعي عن سهل مولى عتيبة أنه كان نصرانيًا من أهل مريس، وأنه كان يتيما في حجر أمه وعمه، وأنه كان يقرأ الإنجيل، قال: فأخذت مصحفًا لعمي فقرأته حتى مرت بي ورقة، فأنكرت كتابتها حين مرت بي ومسستها بيدي، قال: فنظرت فإذا فصول الورقة ملصق بغراء، قال: ففتقتها فوجدت فيها نعت محمد، ﷺ ، أنه لا قصير ولا طويل، أبيض، ذو ضفيرين، بين كتفيه خاتم، يكثر الاحتباء، ولا يقبل الصدقة، ويركب الحمار والبعير، ويحتلب الشاه، ويلبس قميصًا مرقوعا، ومن فعل ذلك برئ من الكبر، وهو يفعل ذلك، وهو من ذرية إسماعيل اسمه أحمد، قال سهل: فلما انتهيت إلى هذا من ذكر محمَّد، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، جاء عمي، فلما رأى الورقة ضربني وقال: مالك وفتح هذه الورقة وقراءتها؟ فقلت: فيها نعت النبي، ﷺ ، أحمد، فقال: إنه لم يأت بعد. (٢)
стр. 87
ما سمع من الكهان والأصوات بظهور النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند بعثته
عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه مر به رجل فسأله قال: (كنت كاهنهم في الجاهلية. قال: فما أعجب ما جاءتك به جنيتك، قال: بينما أنا يومًا في سوق جاءتني أعرف فيها الفزع، قالت: ألم تر الجن وإبلاسها ويأسها من بعد إنكاسها ولحوقها بالقلاص وأحلاسها. قال عمر: صدق، بينما أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجل بعجل فذبحه فصرخ منه صارخ لم أسمع صارخًا قط أشد صوتا منه، يقول: يا جليح أمر نجيح رجل فصيح، يقول: لا إله إلا الله، فوثب القوم، قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى كذلك الثانية والثالثة فما قمت فما نشبنا أن قيل هذا نبي). (١)
حراسة السماء من استراق السمع بالمبعث الشريف
قال الله تعالى فيما أخبر عن الجن: ﴿وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا (٨) وَأَنَّا كُنَّا نَقْعُدُ مِنْهَا مَقَاعِدَ لِلسَّمْعِ فَمَنْ يَسْتَمِعِ الْآنَ يَجِدْ لَهُ شِهَابًا رَصَدًا﴾ (٢)
روى أبو نعيم بسنده عن أبي هريرة قال: قال خريم بن فاتك لعمر بن الخطاب ألا أخبرك ببدء إسلامي؟ بينا أنا في طلب نَعم لي إذ جن الليل بأبرق العزاف فناديت بأعلى صوتي: أعوذ بعزيز هذا الوادي من سفهائه، وإذا هاتف يهتف بي فقال:
عذ يا فتى بالله ذي الجلال ... والمجد والنعماء والأفضال
واقرأ بآيات من الأنفال ... ووحِّد الله ولا تبال
стр. 88
قال: فارتعت من ذلك روعا شديدا فلما رجعت إلى نفسي قلت:
يا أيها الهاتف ما تقول ... أرشد عندك أم تضليل
بين لنا هديت ما العويل
فقال:
هذا رسول الله ذو الخيرات ... يدعو إلى الخيرات والنجاة
يأمر بالصوم وبالصلاة ... ويزع الناس عن الهنات
قال: فاتبعني راحلتي وقلت:
أرشدني رشدا بها هديتا ... لا جعت يا هذا ولا عريتا
ولا صحبت صاحبا مقيتا ... لا يثوين الخير إن ثويتا
قال: فاتبعني وهو يقول:
صاحبك الله وسلم نفسكا ... وبلغ الأهل وسلم رحلكا
آمن به أفلح ربي حقكا ... وانصر نبيًا عز ربي نصركا
قال: فدخلت المدينة فطلعت في المسجد، فخرج إلي أبو بكر فقال: ادخل رحمك الله فقد بلغنا إسلامك، فقلت: لا أحسن الطهور، فعُلِّمت، ودخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ على المنبر كأنه البدر وهو يقول: "ما من مسلم توضأ فأحسن الوضوء ثم صلى صلاة يعقلها ويحفظها إلا دخل الجنة". فقال عمر: لتأتيني على هذا بينة أو لأنكلن بك، قال: فشهد له شيوخ قريش عثمان بن عفان، فأجاز شهادته. (١)
قال ابن إسحاق: وحدثني بعض أهل العلم أن امرأة من بني سهم، يقال لها الغيطلة كانت كاهنة في الجاهلية، فلما جاءها صاحبها في ليلة من الليالي فأنقض تحتها ثم قال: أدر ما أدر، يوم عقر ونحر، قالت قريش -حين بلغها ذلك-: ما يريد؟ ثم جاءها ليلة أخرى، فأنقض تحتها، ثم قال: شعوب ما شعوب، تصرع فيه كعب لجنوب، فلما بلغ ذلك قريشا قالوا: ماذا يريد؟ إن هذا لأمر هو كائن، فانظروا ما هو؟ فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر وأحد بالشعب؛ فعرفوا أنه الذي كان جاء به إلى صاحبته.
стр. 89
قال ابن إسحاق: وحدثني علي بن نافع الجرشي، أن جنبًا، بطنا من اليمن، كان لهم كاهن في الجاهلية، فلما ذكر أمر رسول الله ﷺ وانتشر في العرب قالت له جنب: انظر لنا في أمر هذا الرجل، واجتمعوا له في أسفل جبله، فنزل عليهم -حين طلعت الشمس- فوقف لهم قائمًا متكئًا على قوس له، فرفع رأسه إلى السماء طويلًا ثم جعل ينزو، ثم قال: أيها الناس، إن الله أكرم محمدًا واصطفاه، وطهر قلبه وحشاه، ومكثه فيكم أيها الناس قليل، ثم اشتد في جبله راجعًا من حيث جاء. (١)
روى ابن سعد بسنده عن جبير بن مطعم قال: كنا جلوسا عند صنم ببوانة قبل أن ببعث رسول الله ﷺ بشهر، فنحرنا جزورًا، فإذا صائح يصيح من جوف واحده: اسمعوا إلى العجب، ذهب استراق الوحي ونرمى بالشهب، لنبي بمكة اسمه أحمد، مهاجرة إلى يثرب. قال: فأمسكنا وعجبنا، وخرج رسول الله ﷺ . (٢)
وروى ابن سعد بسنده عن جابر أو غيره قال: إن أول خبر جاء إلى المدينة عن رسول الله ﷺ أن امرأة من أهل المدينة كان لها تابع فجاء في صورة طائر حتى وقع على حائط دارهم، فقالت المرأة: انزل حدثنا ونحدثك وتخبرنا وتخبرك، قال: إنه قد بعث بمكة نبي حرم علينا الزنا ومنع منا القرار. (٣)
وروى بسنده عن عمرو الهذلي قال: حضرت مع رجال من قومي صنمنا سواع وقد سقنا إليه الذبائح، فكنت أول من قرب إليه بقرة سمينة فذبحتها على الصنم، فسمعنا صوتا من جوفها: العجب العجب كل العجب، خروج نبي بين الأخاشب يحرم الزنا، ويحرم الذبح للأصنام، وحرست السماء، ورمينا بالشهب فتفرقنا، وقدمنا مكة فسألنا فلم نجد أحدًا يخبرنا بخروج محمد ﷺ حتى لقينا أبا بكر الصديق فقلنا: يا أبا بكر، خرج أحد بمكة يدعوا إلى الله يقال له أحمد؟ قال: وما ذاك؟ قال: فأخبرته الخبر، فقال: نعم هذا رسول الله، ثم دعانا إلى الإِسلام، فقلنا: حتى ننظر ما يصنع قومنا، ويا ليت أنا أسلمنا يومئذ، فأسلمنا بعده.
стр. 90
وروى بسنده عن الزهري قال: كان الوحي يستمع، وكان لامرأة من بني أسد تابع فأتاها يوما وهو يصيح: جاء أمر لا يطاق، أحمد حرم الزنا، فلما جاء الله بالإِسلام منعوا الاستماع. (١)
روى أبو نعيم بسنده عن عثمان بن عفان قال: خرجنا في عير إلى الشام قبل أن يبعث رسول الله ﷺ فلما كنا بأفواه الشام وبها كاهنة فتعرضنا لها، فقال: أتاني صاحبي فوقف على بابي فقلت: ألا تدخل؟ فقال: لا سبيل إلى ذلك، خرج أحمد، وجاء أمر لا يطاق. ثم انصرفت فرجعت إلى مكة فوجدت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد خرج بمكة يدعو إلى الله . (٢)
الكتابة على حجارة الكعبة
وروى أبو نعيم عن طلحة رضي الله تعالى عنه قال: وجد في البيت حجر منقور في الهدمة الأولى، فدعي رجل فقرأه فإذا فيه: عبدي المنتخب المتوكل المنيب المختار، مولده بمكة ومهاجره طيبة، لا يذهب حتى يقيم السنة العوجاء ويشهد أن لا إله إلا الله، أمته الحمادون يحمدون الله بكل أكمة يأتزرون على أوساطهم ويطهرون أطرافهم.
الرؤى التي رؤيت في المنام قبل مبعثه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
(رؤيا عبد المطلب بن هاشم)
قال أبو نعيم: حدثنا عبد الله بن محمد بن جعفر، حدثنا محمد بن أحمد بن أبي يحيى، حدثنا سعيد بن عثمان، حدثنا قتيبة الخراساني، حدثنا خالد بن إلياس، عن أبي بكر بن عبد الله بن أبي الجهم، عن أبيه عن جده. قال سمعت أبا طالب يحدث عن عبد المطلب قال: بينا أنا نائم في الحجر إذ رأيت رؤيا هالتني، ففزعت منها فزعًا شديدًا، فأتيت كاهنة قريش وعلى مطرف خز وُجمَّتي تضرب منكبي، فلما نظرت إليَّ عرفت في وجهي
стр. 91
التغير، وأنا يومئذ سيد قومي فقالت: ما بال سيدنا قد أتانا متغير اللون؟ هل رابه من حدثان الدهر شيء؟ فقلت لها: بلى! وكان لا يكلمها أحد من الناس حتى يقبِّل يدها اليمنى، ثم يضع يده على أم رأسها ثم يذكر حاجته، ولم أفعل لأني [كنت] كبير قومي.
فجلست فقلت: إني رأيت الليلة وأنا نائم في الحجر كأن شجرة نبتت قد نال رأسها السماء وضربت بأغصانها المشرق والمغرب، وما رأيت نورًا أزهر منها أعظم من نور الشمس سبعين ضعفًا، ورأيت العرب والعجم ساجدين لها وهي تزداد كلَّ ساعة عظمًا ونورًا وارتفاعًا، ساعة تخفي وساعة تزهر، ورأيت رهطًا من قريش قد تعلقوا بأغصانها، ورأيت قوما من قريش يريدون قطعها، فإذا دنوا منها أخرَّهم شاب لم أر قط أحسن منه وجهًا ولا أطيب منه ريحًا، فيكسر أظهرهم ويقلع أعينهم. فرفعت يدي لأتناول منها نصيبًا، فمنعني الشاب، فقلت: لمن النصيب؟ فقال: النصيب لهؤلاء الذين تعلقوا بها وسبقوك إليها. فانتبهت مذعورا فزعا.
فرأيت وجه الكاهنة قد تغير، ثم قالت: لئن صدقت رؤياك ليخرجن من صلبك رجل يملك المشرق والمغرب ويدين له الناس. ثم قال -يعني عبد المطلب- لأبي طالب لعلك تكون هذا المولود.
قال: فكان أبو طالب يحدث بهذا الحديث بعد ما ولد رسول الله ﷺ وبعد ما بعث. ثم قال كانت الشجرة والله أعلم أبا القاسم الأمين، فيقال لأبي طالب: ألا تؤمن؟ فيقول: السبة والعار! (١)
(رؤيا خالد بن سعيد بن العاص)
أخبرنا علي بن محمد عن سعيد بن خالد وغيره عن صالح بن كيسان أن خالد بن سعيد قال: (رأيت في المنام قبل مبعث النبي، ﷺ ، ظلمة غشيت مكة حتى ما أرى جبلا ولا سهلا، ثم رأيت نورًا يخرج من زمزم مثل ضوء المصباح كلما ارتفع عظم وسطع حتى ارتفع فأضاء لي أول ما أضاء البيت، ثم عظم الضوء حتى ما بقي من سهل ولا جبل إلا وأنا أراه، ثم سطع في السماء، ثم انحدر حتى أضاء لي نخل
стр. 92
يثرب فيها البسر وسمعت قائلا يقول في الضوء: سبحانه سبحانه تمت الكلمة وهلك ابن مارد بهضبة الحصى بين أذرح والأكمة، سعدت هذه الأمة، جاء نبي الأميين، وبلغ الكتاب أجله، كذبته هذه القرية (١)، تعذب مرتين، تتوب في الثالثة، ثلاث بقيت، ثنتان بالمشرق وواحدة بالمغرب (٢) فقصها خالد ابن سعيد على أخيه عمرو بن سعيد فقال: لقد رأيت عجبا وإني لأرى هذا أمرًا يكون في بني عبد المطلب إذ رأيت النور خرج من زمزم. (٣)
في ذكر منام رآه عمرو بن مرة يدل على رسول الله ﷺ
عن عمرو بن مرة الجهني: أنه كان يحدث قال: خرجت حاجًا في جماعة من قومي في الجاهلية، فرأيت في المنام وأنا بمكة نورًا ساطعًا خرج من الكعبة حتى أضاء لي من الكعبة إلى جبل يثرب وأشعر جهينة، فسمعت صوتًا في النور وهو يقول: انقشعت الظلماء وسطع الضياء، وبعث خاتم الأنبياء، ثم أضاء إضاءة أخرى حتى نظرت إلى قصور الحيرة وأبيض المدائن، فسمعت صوتا في النور وهو يقول: ظهر الإسلام، وكسرت الأصنام، ووصلت الأرحام، فانتبهت فزعا، فقلت لقومي: والله ليحدثن في هذا الحي من قريش حدث وأخبرتهم بما رأيت، فلما انتهينا إلى بلادنا جاءنا الخبر أن رجلا يقال له: أحمد قد بعث. فخرجت حتى أتيته، فأخبرته بما رأيت فقال لي: "يا عمرو بن مرة، أنا النبي المرسل إلى العباد كافة، أدعوهم إلى الإِسلام وآمرهم بحقن الدماء وصلة الأرحام وعبادة الله، ورفض الأصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان شهرا من اثني عشر شهرا، فمن أجاب دخل الجنة ومن عصى فله النار، فآمن بالله يا عمرو بن مرة يؤمنك الله من هول جهنم، فقلت: يا رسول الله، آمنت بكل ما جئت به من حلال وحرام، وان أرغم ذلك كثيرا من الأقوام.
стр. 93
ثم أنشدته أبياتا قلتها حين سمعت به، وكان لنا صنم وكان أبي سادنا له فقمت إليه فكسرته ثم لحقت بالنبي ﷺ :
شهدت بأن الله حق وأنني ... لآلهة الأحجار أول تارك
وشمرت عن ساقي الإزار مهاجرا ... أجوب إليك الدعث بعد الدكادك
لأصحب خير الناس نفسًا ووالدا ... رسول مليك الناس فوق الحبائك
فقال النبي ﷺ : مرحبا بك يا عمرو بن مرة، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي ابعث بي إلى قومي لعل الله يمن عليهم بي كما منَّ بك عليّ فبعثني إليهم وقال: عليك بالرفق والقول السديد، ولا تك فظا ولا متكبرًا ولا حسودا، فأتيت قومي، فقلت: يا بني رفاعة، بل يا معشر جهينة إني رسول رسول الله ﷺ إليكم، أدعوكم إلى الجنة وأحذركم النار وآمركم بحقن الدماء، وصلة الأرحام وعبادة الله ورفض الأصنام، وحج البيت، وصيام شهر رمضان شهر من اثني عشر شهرا، فمن أجاب فله الجنة ومن عصى فله النار. يا معشر جهينة إن الله وله الحمد جعلكم خيار من أنتم منه، وبغض إليكم في الجاهلية ما حبب إلى غيركم من العرب، كانوا يجمعون بين الأختين، ويخلف الرجل على امرأة أبيه، والغزاة في الشهر الحرام، فأجيبوا هذا النبي المرسل من بني لؤي بن غالب، تنالوا شرف الدنيا وكرامة الآخرة وسارعوا في ذلك تكن لكم فضيلة عند الله ، فأجابوا إلا رجلًا منهم، فقام فقال: يا عمرو بن مرة أمر الله عيشك! أتأمرنا أن نرفض ألهتنا ونفرق جماعتنا ونخالف دين آبائنا إلى ما يدعو إليه هذا القرشي من أهل تهامة؟! لا حبًا ولا كرامة.
ثم أنشأ الخبيث يقول:
هذا ابن مرة أتى بمقالة ... ليست مقالة من يريد صلاحا
إني لأحسب قوله وفعاله ... يوما، وإن طال الزمان رياحا
أنسفه الأشياخ فيمن قد مضى ... من رام ذاك فلا أصاب فلاحا
فقال عمرو بن مرة: الكاذب بيني وبينك أمر الله عيشه وأبكم لسانه وأكمه أسنانه فقال عمرو: فوالله ما مات حتى سقط فوه، فكان لا يجد طعم الطعام، وعمى وخرس.
стр. 94
فخرج عمرو بن مرة ومن أسلم من قومه معه حتى أتوا النبي ﷺ فرحب بهم وحياهم وكتب لهم كتابًا هذه نسخته:
بسم الله الرحمن الرحيم هذا كتاب أمان من الله على لسان رسول الله ﷺ بكتاب صادق وحق ناطق، مع عمرو بن مرة الجهني: أجهينة بن زيد، إن لكم بطون الأرض وظهورها، وتلاع الأودية وسهولها، ترعون نباته وتشربون صافيه، على أن تقروا بالخمس وتصلوا صلاة الخمس، وفي التبعة والصريمة شاتان إذا اجتمعا وإن افترقا فشاة شاة، ليس على أهل الميرة صدقة، والله يشهد على ما ببننا ومن حضر من المسلمين.
فذلك حين يقول عمرو بن مرة:
ألم تر أن الله أظهر دينه ... وبين برهان القرآن لعامر
كتاب من الرحمن نور لجمعنا ... وأخلافنا في كل باد وحاضر
إلى خير من يمشي على الأرض ... كلها وأفضلها عند اعتكار الضرائر
أطعنا رسول الله لما تقطعت ... بطون الأعادي بالظبا والخواصر
فنحن قبيل قد بنى المجد حولنا ... إذا اجتلبت في الحرب هام الأكابر
بنو الحرب نقريها بأيد طويلة ... وبيض تلألأ في أكف المغاور
ترى حوله الأنصار يحمون سربه ... بسمر العوالي والصفاح البواتر
إذا الحرب دارت عند كل عظيمة ... ودارت رحاها بالليوث الهواصر
تبلج منه اللون وازداد وجهه ... كمثل ضياء البدر بين الهواصر (١)
стр. 95
مولد رسول الله الرحمة المهداة صلى الله عليه وعلى آله وسلم
стр. 96
زواج عبد الله بن عبد المطلب من آمنة بنت وهب أم رسول الله ﷺ
قال: حدّثنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدّثني عبد الله بن جعفر الزهريّ عن عمّته أم بكر بنت المِسْوَر بن مَخْرَمَة عن أبِيها قال: وحدّثني عمر بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب عن يحيى بن شبل عن أبي جعفر محمد بن عليّ بن الحسين قالا: كانت آمنة بنت وهب بن عبد مناف بن زهرة بن كلاب في حجر عمها وُهيب بن عبد مناف بن زهرة، فمشى إليه عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصيّ بابنه عبد الله بن عبد المطّلب أبي رسول الله، ﷺ ، فخطب عليه آمنة بنت وهب فزوجها عبد الله بن عبد المطّلب، وخطب إليه عبد المطّلب بن هاشم في مجلسه ذلك ابنته هالة بنت وُهيب على نفسه فزوّجه إياها، فكان تَزَوُّجُ عبد المطّلب بن هاشم وتزوّج عبد الله بن عبد المطّلب في مجلس واحد، فولدت هالة بنت وهيب لعبد المطّلب حمزة بن عبد المطّلب، فكان حمزة عم رسول الله، ﷺ ، في النّسب وأخاه من الرضاعة. (١)
حمل آمنة برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدّثني عليّ بن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زَمْعَة عن أبيه عن عمته قالت: كنّا نسمع أن رسول الله، ﷺ ، لما حملت به آمنة بنت وهب كانت تقول: ما شعرتُ أني حملت به، ولا وجدت له ثقلةً كما تجد النساء، إلا أني قد أنكرت رفع حيضي وربما كانت ترفعني وتعود، وأتاني آتٍ وأنا بين النائم واليقظان فقال: هل شعرت أنك حملت؟ فكأني أقول ما أدري؛ فقال: إنك قد حملتِ بسيّد هذه الأمّة ونبيّها، وذلك يوم الاثنين، قالت: فكان ذلك مّما يَقّن عندي الحملَ، ثمّ أمهلني حتى إذا دنا ولادتي أتاني ذلك الآتي فقال: قولي أعيذه بالواحد الصّمَد من شر كل حاسد، قالت: فكنتُ أقول ذلك، فذكرت ذلك لنسائي، فقُلْن لي: تعلّقي حديدا في عضُدَيْكِ وفي عنقكِ، قالت: ففعلت، قالت: فلم يكن تُرِك عليّ إلَّا أيّامًا فأجده قد قُطع، فكنت لا أتعلّقه.
стр. 97
قال: وأخبرنا محمد بن عمر بن واقد قال: حدثني محمَّد بن عبد الله عن الزهري قال: قالت آمنة لقد علقت به فما وجدت له مشقة حتى وضعته. (١)
مسمى اليوم والشهر الذي ولد فيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن أبي جعفر محمد بن علي قال ولد رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يوم الاثنين لعشر ليال خلون من شهر ربيع الأول. (٢)
العام الذي ولد فيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
ولد يوم الاثنين العاشر من شهر ربيع الأول عام ٥٣ قبل الهجرة الموافق للثاني والعشرين من شهر ديسمبر عام ٥٨١ ميلادية بعد هلاك أصحاب الفيل بسبعة عشر عاما.
البلد الذي ولد فيه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن أبي العالية الرياحي، قال: خطبنا أبو بكر الصديق ﵁ فقال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "مولدي مكة ومهاجري المدينة". (٣)
سمته أمه أحمد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
قال محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال حدثني قيس مولى عبد الواحد عن سالم عن أبي جعفر محمد بن علي قال أمرت آمنه وهي حامل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن تسميه أحمد. (٤)
стр. 98
آمنه تبشر جده بمولده
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدّثني عليّ بن يزيد بن عبد الله بن وهب بن زَمْعة عن أبيه عن عمّته قالت: ولما ولدت آمنة بنت وهب رسول الله، ﷺ ، أرسلت إلى عبد المطلب، فجاءه البشير وهو جالِسٌ في الحِجْر معه ولده ورجال من قومه، فأخبره أن آمنة وَلَدَت غلامًا، فسرّ ذلك عبد المطّلب وقام هو ومن كان معه فدخل عليها، فأخبرته بكل ما رأت وما قيل لها وما أُمِرَت به، قال: فأخذه عبد المطّلب فأدخله الكعبة وقام عندها يدعو الله ويشكر ما أعطاه. (١)
إعلام جدّه بولادته وما فعله به
قال ابن إسحاق: فلما وضعته أمه ﷺ أرسلت إلى جدّه عبد المطلب: أنه قد وُلد لك غلام، فأتِه فانظرْ إليه، فأتاه فنظر إليه، وحدّثته بما رأت حين حملت به، وما قيل لها فيه وما أُمِرَتْ به أن تسمّيه.
فيزعمون أنّ عبد المطّلب أخذه، فدخل به الكعبة، فقام يدعو الله ويشكر له ما أعطاه ثم خرج به إلى أمّه فدفعه إليها، والتمس لرسول الله- ﷺ الرُّضَعاء. (٢)
أول امرأة أرضعته هي جارية عمه أبي لهب ثويبة الحبشية
عن أم حبيبة أنها قالت لرسول الله ﷺ : انكح أختي عَزّة. قال رسول الله ﷺ : "أتُحِبِّينَ ذلك؟ " قالت: نعم. يا رسول الله! فلست لك بُمخْليَة. وأحق من شركني في خير أختي. قال رسول الله ﷺ : "فَإِنَّ ذَلِكَ لا يَحِلُّ لي" قالت: فإِنا نتحدث أنك تريد أن تنكح دُرة بنتَ أبي سلمة.
стр. 99
فقال: "بِنْتَ أمِّ سَلَمَةَ؟ " قالت: نعم. قال رسول الله ﷺ : "فَإِنَّهَا لَوْ لمْ تَكُنْ رَبيبَتي في حَجْري ما حَلَّتْ لي إنها لابْنَةُ أخي من الرِّضَاعَةِ. أرْضَعَتْني وأباها ثُوَيْبَة فلا تَعْرِضْنَ عَلَيَّ أخَوَاتِكُنَّ ولا بَنَاتِكُن". (١)
تسمية إخوانه من الرضاعة
قال: أخبرنا محمد بن عمر بن واقد الأسلمي قال: حدّثني موسى ابن شيبة عن عُمَيرة بنت عُبيد الله بن كعب بن مالك عن بَرّة بنت أبي تَجْرَاة قالت: أول من أرضع رسول الله ﷺ ثُوَيبة بلبن ابن لها، يقال له مسْرُوح، أيّامًا قبل أن تقدم حليمة، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطّلب، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومى. (٢)
قال: وأخبرنا محمد بن عمر عن معمر عن الزهري عن عُبيد الله بن عبد الله بن أبي ثور عن ابن عبّاس قال: كانت ثُويبة مولاة أبي لهب قد أرضعت رسول الله، ﷺ ، أيّامًا قبل أن تقدم حليمة، وأرضعت أبا سلمة بن عبد الأسد معه، فكان أخاه من الرضاعة.
قال: أخبرنا محمد بن عمر عن معمر عن الزهري عن عروة بن الزبير أن ثُويبة كان أبو لهب أعتقها فأرضعت رسول الله، ﷺ ، فلمّا مات أبو لهب رآه بعض أهله في النوم بشَرّ حِيبَة، فقال: ماذا لقيتَ؟ قال أبو لهب: لم نذق بعدكم رخاء، غير أنى سُقيتُ في هذه بعتاقتي ثُويبة وأشار إلى النّقَيرة التي بين الإبهام والتي تليها من الأصابع. (٣)
стр. 100
حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأخوه من الرضاعة
قال: أخبرنا خالد بن خِداش، أخبرنا عبد الله بن وَهْب المصري عن مَخْرمَة بن بُكير عن أبيه قال: سمعت عبد الله بن مسلم يقول: سمعت محمَّد بن مسلم، يعني أخاه الزهري، يقول: سمعتُ حُميد بن عبد الرحمن بن عوف يقول: سمعتُ أمّ سلمة زوج النبيّ، ﷺ ، قالت: قيل له: أين أنت يا رسول الله من ابنة حمزة؟ أو قيل له: ألا تخطب ابنة حمزة؟ قال: إنّ حَمْزَةَ أخي مِنَ الرّضَاعَةِ.
قال: أخبرنا عفّان بن مسلم، أخبرنا همّام بن يحيَى، أخبرنا قتادة عن جابر بن زيد عن ابن عبّاس أنّ رسول الله، ﷺ ، أريد على ابنة حمزة فقال: إنهَا ابْنَةُ أخي مِنَ الرّضَاعَةِ وَأنّهَا لا تَحِلّ لِي وإنه يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب. (١)
стр. 101
حديث حليمة السعدية
(حديث حليمة عما رأته من الخير بعد تسلمها له ﷺ ):
قال ابن إسحاق: وحدثني جَهْم بن أبي جَهْم مولى الحارث بن حاطب الجُمحيّ، عن عبد الله بن جَعْفر بن أبي طالب. أو عمَّن حدّثه عنه قال: كانت حليمة بنت أبى ذُؤَيب السّعْدية. أمْ رسول الله ﷺ التي أرضعته، تحدّث: أنها خرجتْ من بَلَدها مع زوجها، وابن لها صغير (١) تُرضعه في نِسْوة من بني سَعد بن بَكْر، تلتمس الرضعاء، قالت: وذلك في سنة شَهْباء، لم تُبْق لنا شيئا. قالت: فخرجت على أتان لي قَمراء (٢)، معنا شارف (٣) لنا، والله ما تَبِضّ (٤) بقطرة، وما ننام ليلَنا أجمعَ من صبيِّنا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديىّ ما يُغْنيه، وما في شارفنا ما يغديه -قال ابن هشام: ويقال: يغذيه (٥) - ولكنَّا كنّا نرجو الغيثَ والفرج فخرجت على أتاني تلك فلقد أدَمْتُ (٦) بالرَّكب حتى شق ذلك عليهم ضعفا وعجَفا (٧)، حتى قَدِمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منَّا امرأة إلا وقد عُرض عليها رسولُ الله ﷺ فتأباه، إذا قيل لها إنه يَتيم، وذلك أنا إنما كنّا نَرْجو المعروفَ من أبى الصبيّ، فكنَّا نقول، يتيم! وما عسى أن تَصْنع أمُّه وجدُّه! فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمتْ معي إلا أخذتْ رضيعا غيري، فلمَّا أجْمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجعَ من بين صَواحبي رقم آخذْ رضيعا، والله لأذهبنّ إلى ذلك اليَتيم فلآخذنه؛
стр. 102
قال: لا عليك أن تَفْعلي، عسى الله أن يجعلَ لنا فيه بركة. قالت: فذهبتُ إليه فأخذته، وما حَمَلني على أخْذه إلا أنى لم أجد غيره. قالت: فلما أخذتُه، رجعت به إلى رَحْلي، فلما وضعته في حِجْري أقبل عليه ثَدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روى، وشرب معه أخوه حتى روى، ثم ناما، وما كنَّا ننام معه قبلَ ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحَلب منها ما شَرب، وشربتُ معه حتى انتهينا رِيًّا وشِبعَا فبتنا بخير ليلة. قالت: يقول صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نَسمة مباركة؛ قالت: فقلت: والله إني لأرجو ذلك. قالت: ثم خرجنا وركبت (أنا) أتاني، وحملتُه عليها معي، فوالله لقطعتْ بالرَّكب ما يقدر عليها شيءٌ من حُمُرهم، حتى إن صَواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبى ذُؤَيب، ويحك أربعي (١) علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله إنها لهي هي؛ فقلت: والله إن لها لشأنا. قالت: ثم قدمنا منازلَنا من بلاد بني سَعد وما أعلم أرضًا من أرض الله أجدَب منها، فكانت غَنمى تروح عليّ حين قَدِمنا به معنا شِباعا لُبَّنا، فنحلُب ونشرب، وما يحلُب إنسان قَطْرة لبن، ولا يجدها في ضَرع، حتى كان الحاضرون من قَوْمنا يقولون لرُعيانهم: ويلكم اسْرحوا حيث يسرح راعى بنت أبى ذُؤَيب، فتروح أغنامهم جياعًا ما تَبِض بقطرة لبن، وتروح غنمي شِباعا لُبَّنا. فلم نزل نتعرّف من الله الزيادةَ والخير حتى مضت سنتاه (٢) وفصلتُه، وكان يشِبّ شبابا لا يشبُّه الغِلمان، فلم يبلغ سنتَيه حتى كان غلاما جَفْرًا (٣) قالت: فقَدمْنا به على أُمِّه ونحن أحرصُ شيءٍ على مُكثه فينا، لما كنَّا نرى من بَركته. فكلَّمنا أمَّه وقلت لها: لو تركتِ بُنَيّ عندي حتى يغلُظَ فإني أخشى عليه وَبَأ (٤) مكة، قالت: فلم نزل بها حتى ردّته معنا.
حديث الملكين اللذين شقا بطنه ﷺ :
قالت: فرجعنا به، فوالله إنه بعد مَقْدمنا (به) بأشهر مع أخيه لفي بَهْم (٥) لنا
стр. 103
خلف بيوتنا، إذ أتانا أخووه يَشْتدّ (١)، فقال لي ولأبيه: ذاك أخي القرشيّ قد أخذه رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعاه، فشقَّا بطنَه، فهما يَسوطانه (٢) قالت: فخرجت أنا وأبوه نحوه، فوجدنا قائما مُنتَقَعا (٣) وجهُه. قالت فالتزمته والتزمه أبوه، فقلنا له: ما لك يا بُنيّ؛ قال: جاءني رجلان عليهما ثياب بيض، فأضجعانى وشقا بطني، فالتمسا (فيه) شيئًا لا أدري ما هو. قالت: فرجعنا (به) (٤) إلى خبائنا.
رجوع حليمة به ﷺ إلى أمه:
قالت: وقال لي أبوه يا حليمة، لقد خشيت أن يكون هذا الغلام قد أُصيب فألحقيه بأهله قبل أن يظهر ذلك به، قالت: فاحتملناه، فقَدِمْنا به على أمه فقالت: ما أقدمك به يا ظئر (٥) وقد كنت حريصةً عليه، وعلى مُكثه عندك؟ قالت: فقلت: قد بلغ الله بابنى وقضيتُ الذي عليّ، وتخوّفت الأحداث عليه، فأدّيته إليك كما تحبين؛ قالت ما هذا شأنك، فاصدُقينى خَبرك. قال: فلم تدعْنى حتى أخبرتُها. قالت: أفتخوّفت عليه الشيطان؟ قالت: قلت نعم؛ قالت: كلا، والله ما للشيطان عليه من سبيل، وإن لبنَيَّ لشأنا، أفلا أخبُركِ خبره، قالت: (قلت) ٢ بلى؛ قالت: رأيت حين حملتُ به، أنه خرج مني نورٌ أضاء (٦) لي قُصورَ بُصْرَى (٧) من أرض الشام، ثم حملتُ به، فوالله ما رأيت من حَمْل قطُّ كان أخفّ (عليّ) ٢ ولا أيسرَ منه، ووقع حين ولدته وإنه لواضعٌ يديه بالأرض، رافعٌ رأسَه إلى السماء، دعيه عنك وانطلقى راشدةً. (٨)
قال الحافظ الذهبي في تاريخ الإِسلام هذا حديث جيد الإسناد.
стр. 104
جبريل ﵇ يشق صدره ويستخرج منه علقتين سوداوين صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن عتبة بن عبد: أنه حدثهم أن رجلًا سأل رسول الله ﷺ فقال: كيف كان أول شأنك يا رسول الله فقال: "كانت حاضنتي من بنى سعد بن بكر، فانطلقت أنا وابن لها في بهم لنا, ولم نأخذ معنا زادًا فقلت: يا أخي اذهب فأتنا بزاد من عند أمنا، فانطلق أخي ومكثت عند البهم، فأقبل طائران أبيضان كأنهما نسران، فقال أحدهما لصاحبه: أهو هو؟ قال: نعم، فأقبلا يبتدراني فأخذاني فبطحاني إلى القفا فشقا بطني، ثم استخرجا قلبي فشقاه فأخرجا منه علقتين سوداوين، فقال أحدهما لصاحبه: ائتني بماء ثلج، فغسلا به جوفي، ثم قال: ائتني بماء برد فغسلا به قلبي، ثم قال: ائتني بالسكينة، فذارها في قلبي، ثم قال أحدهما لصاحبه: خطه فخاطه (١) وختم عليه بخاتم النبوة" وفي رواية "وأختم عليه بخاتم النبوة -قال أحدهما لصاحبه- اجعله في كفة واجعل ألفا من أمته في كفة فإذا أنا أنظر إلى الألف فوقي أشفق أن يخر علي بعضهم، فقال لو أن أمته وزنت به لمال بهم، فانطلقا وتركاني قد فرقت فرقا شديدا، ثم انطلقت إلى أمي فأخبرتها بالذي لقيت، فأشفقت علي أن يكون ألبس بى، فقالت: أعيذك بالله، فرحلت بعيرًا لها -فجعلتني- أو فحملتني- على الرحل وركبت خلفي حتى بلغنا إلى أمي فقالت: أديت أمانتي وذمتي، فحدثتها بالذي لقيت فلم يرعها ذلك، قالت: إني رأيت خرج مني نور أضاءت له قصور الشام" (٢)
стр. 105
حدثنا شعيبان بن فروخ. حدثنا حماد بن سلمة. حدثنا ثابت البناني عن أنس بن مالك أن رسول الله ﷺ أتاه جبريل وهو يلعب مع الغلمان. فأخذه فصرعه فشق عن قلبه فاستخرج القلب. فاستخرج منه علقة. فقال هذا حظ الشيطان منك. ثم غسله في طست من ذهب بماء زمزم ثم لأمه (١) ثم أعاده في مكانه. وجاء الغلمان يسعون إلى أمه (يعني ظئره (٢)) فقالوا: إن محمدا قد قتل. فاستقبلوه وهو منتقع اللون (٣). قال أنس وقد كنت أرى أثر ذلك المخيط (٤) في صدره (٥).
الرسول يُسأل عن نفسه وإجابته ﷺ
قال ابن إسحاق: وحدثني ثور بن يزيد عن بعض أهل العلم، ولا أحسبه إلَّا عن خالد ابن معدان الكلاعي: أنّ نفرًا من أصحاب رسول الله- ﷺ قالوا له: يا رسول الله. أخبرنا عن نفسك؟ قال: "نعم، أنا دعوة أبي إبراهيم، وبُشرى أخي عيسى، ورأت أمي حين حملت بي أنه خرج منها نور أضاء لها قصور الشام، واسترضعت في بني سعد بن بكر. فبينا أنا مع أخٍ لي خلف بيوتنا نرعى بَهْمًا لنا: إذا أتاني رجلان عليهما ثياب بيض بطسْت من ذهبٍ مملوءةٍ ثلجًا. ثم أخذاني فشقا بطني، واستخرجا قلبي فشقّاه فاستخرجا منه عَلَقةً سوداء فطرحاها. ثم غسلا قلبي وبطني بذلك الثلج حتى أنقياه، ثم قال أحدهما لصاحبه: زنه بعشرة من أمته، فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بمائة من أمته. فوزنني بهم فوزنتهم، ثم قال: زنه بألفٍ من أمّته، فوزنني بهم فوزنتهم. فقال: دعه عنك، فوالله لو وزنته بأمّته لوزنها". (٦)
стр. 106
ذكر وفاة آمنة أم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
قال: أخبرنا محمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي، أخبرنا محمَّد بن عبد الله عن الزهري قال: وحدثنا محمَّد بن صالح عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: وحدثنا عبد الرحمن بن عبد العزيز عن عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد ابن عمرو بن حزم قال: وحدثنا هاشم بن عاصم الأسلمي عن أبيه عن ابن عباس، دخل حديث بعضهم في حديث بعض، قالوا: كان رسول الله ﷺ ، مع أمه أمنة بنت وهب، فلما بلغ ست سنين خرجت به إلى أخواله بني عدي بن النجار بالمدينة تزورهم به، ومعه أم أيمن تحضنه وهم على بعيرين، فنزلت به في دار النابغة، فأقامت به عندهم شهرًا، فكان رسول الله ﷺ يذكر أمورًا كانت في مقامه ذلك، لما نظر إلى أطم بني عدي بن النجار عرفه وقال: كنت ألاعب أنيسة جارية من الأنصار على هذا الأطم وكنت مع غلمان من أخوالي نطير طائرًا كان يقع عليه، ونظر إلى الدار فقال: ها هنا نزلت بي أمي وفي هذه الدار قبر أبي عبد الله ابن عبد المطلب وأحسنت العوم في بئر بني عدي بن النجار، وكان قوم من اليهود يختلفون ينظرون إليه فقالت أم أيمن فسمعت أحدهم يقول: هو نبي هذه الأمة وهذه دار هجرته، فوعيت ذلك كله من كلامه، ثم رجعت به أمه إلى مكة، فلما كانوا بالأبواء توفيت آمنة بنت وهب، فقبرها هناك، فرجعت به أم أيمن على البعيرين الذين قدموا عليهما مكة، وكانت تحضنه مع أمه ثم بعد أن ماتت (١).
أم أيمن حاضنة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
قال ابن شهاب: وكان من شأن أم أيمن، أم أسامه بن زيد: أنها كانت وصيفه لعبد الله بن عبد المطلب. وكانت من الحبشة. فلما ولدت آمنة رسول الله ﷺ ،
стр. 107
بعدما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله ﷺ . فأعتقها. ثم أنكحها زيد بن حارثة. ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله ﷺ بخمسة أشهر. (١)
وفاة أم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالأبواء
حدثنا صدقة بن سابق قال، قرأت على محمَّد بن إسحاق , حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو بن حزم: أن أمه ﷺ توفيت وهو ابن ست سنين بالأبواء بين مكة والمدينة، كانت قدمت به المدينة على أخواله بني عدي بن النجار تزيره إياهم، فماتت وهي راجعة إلى مكة. (٢)
كفالة جده له وصفة عبد المطلب ومنزلته من قومه ونجابته ﷺ في صغره
وظل النبي ﷺ بعد وفاة أمه في كفالة جده. وكان عبد المطلب أطول الناس قامة، وأحسن الناس وجهًا، ما رآه قط شيء إلا أحبه، وكان له مفرش في الحجر، لا يجلس عليه غيره. ولا يجلس معه عليه أحد وكان الندى من قريش، حرب بن أمية فمن دونه، يجلسون حوله دون المفرش فجاء رسول الله ﷺ وهو غلام يدرج ليجلس على المفرش، فجذبوه، فبكى، فقال عبد المطلب، وذلك بعد ما حجب
стр. 108
بصره، ما لابني يبكي، قالوا له: إنه أراد أن يجلس على المفرش فمنعوه، فقال عبد المطلب: دعوا ابني، فإنه يحس بشرف، أرجو أن يبلغ من الشرف ما لم يبلغ عربي قط (١)
وكان عبد المطلب خيرًا مع قومه، وكان يطعمهم الكبد والسنام (٢)
عن يزيد بن عياض، عن الزهري وحفص بن عمر، عن هشام بن الكلبي، عن أبيه، أن عبد المطلب كان إذا أتي بالطعام، أجلس النبي ﷺ إلى جانبه، وربما أقعده على فخذه، فيؤثره بأطيب طعامه. وكان رقيقًا عليه بآدابه. فربما أُتي بالطعام وليس رسول الله ﷺ حاضرًا فلا يمس شيئًا منه حتى يُؤتى به. وكان يفرش له في ظل الكعبة، ويجلس بنوه حول فراشه إلى خروجه، فإذا خرج، قاموا على رأسه مع عبيده، إجلالًا له وكان رسول الله ﷺ يأتي وهو غلام جفر، فيجلس على الفراش فيأخذه أعمامه ليؤخروه، فيقول عبد المطلب: مهلًا، دعوا ابني ما تريدون منه. ثم يقول: دعوه فإن له شأنًا؛ أما ترونه؟ ويقبل رأسه وفمه ويمسح ظهره، ويسر بكلامه وما يري منه (٣)
قال محمَّد بن عمر بن واقد الأسلمي كان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يكون مع أمه آمنه بنت وهب فلما توفيت قبضه إليه جده عبد المطلب وضمه ورق عليه رقة لم يرقها على ولده، وكان يقربه منه ويدنيه، ويدخل عليه إذا خلا وإذا نام، وكان يجلس على فراشه فيقول عبد المطلب: إذا رأى ذلك دعوا ابني إنه يؤنس مُلكًا. وقال قوم من بني مدلج لعبد المطلب: احتفظ به فإنا لم نر قدمًا أشبه بالقدم التي في المقام منه، فقال عبد المطلب لأبي طالب: اسمع ما يقول هؤلاء، فكان أبو طالب يحتفظ به، وقال عبد المطلب لأم أيمن، وكانت تحضن رسول الله، ﷺ : يا بركة لا
стр. 109
تغفلي عن ابني فإني وجدته مع غلمان قريبًا من السدرة (١)، وإن أهل الكتاب يزعمون أن ابني هذا نبي هذه الأمة، وكان عبد المطلب لا يأكل طعامًا إلا قال: عليَّ بابني، فيؤتى به إليه، فلما حضرت عبد المطلب الوفاة أوصى أبا طالب بحفظ رسول الله، ﷺ ، وحياطته.
قال: ومات عبد المطلب فدفن بالحجون، وهو يومئذ ابن اثنتين وثمانين سنة، ويقال ابن مائة وعشر سنين، وسئل رسول الله، ﷺ : أتذكر موت عبد المطلب؟ قال: نعم أنا يومئذٍ ابن ثماني سنين؛ قالت أم أيمن: رأيت رسول الله، ﷺ ، يومئذٍ يبكي خلف سرير عبد المطلب (٢).
اعتماد جده عليه في حوائجه لبركته ونجاح فعاله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن العباس ابن عبد الرحمن -هو الهاشمي- عن كندير ابن سعيد، عن أبيه، قال: حججت في الجاهلية فرأيت رجلًا يطوف بالبيت وهو يرتجز ويقول:
رب رد إلي راكبي محمدًا ... يا رب رده واصطنع عندي يدًا
قال: قلت: من هذا؟ قالوا: هذا عبد المطلب بن هاشم بعث بابن له في طلب إبل له ولم يبعثه في حاجة قط إلا نجح فيها، وقد أبطأ عليه. قال: فلم يلبث حتى جاء النبي ﷺ ، والإبل فاعتنقه عبد المطلب، وقال:
يا بني، لقد جزعت عليك جزعًا لم أجزعه على شيء قط، والله لا بعثتك في حاجة أبدا، ولا تفارقني بعد هذا أبدا.
حدثنا خارجة، عن بهز بن حكيم، عن أبيه، عن معاوية بن حيده، قال: خرج حيده بن معاوية في الجاهلية معتمرًا، فإذا بشيخٍ عليه ممصرتان، وهو يطوف بالبيت وهو يقول:
стр. 110
رب رد إلي راكبي محمدًا ... رده عليَّ واصطنع عندي يدًا
قلت: من هذا؟ قالوا: سيد قريش وابن سيدها، هذا عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف. قلت: فما محمَّد هذا منه؟ قالوا هذا ابن ابن له، وهو أحب الناس إليه، وله إبل كثيرة، فإذا ضل منها بعث فيها بنيه يطلبونها وإذا أعيى بنوه بعث ابن ابنه، وقد بعثه في ضالة أعيى عنها بنوه، وقد احتبس عنه. فوالله ما برحت البلد حتى جاء محمد وجاء الإبل (١).
كفالة عمه أبي طالب بن عبد المطلب
قالوا: فلما توفي عبد المطلب ضم أبو طالب رسول الله ﷺ -وهو ابن ثمان سنين، وكان يكون معه، وكان أبو طالب لا مال له، وكان له قَطيعَة من إبل تكون بعرنه يبدو إليها فيكون ينشأ فيها، ويؤتى بلبنها إذا كان حاضرًا بمكة، وكان أبو طالب قد رق عليه وأحبه، وكان إذا أكل عيال أبي طالب جميعًا أو فرادي لم يَشْبَعوا، وإذا أكل معهم رسول الله ﷺ شبعوا، وكان إذا أراد أن يُعشِّهم أو يُغديِهم فيقول: كما أنتم حتى يحضر ابني فيأتي رسول الله ﷺ فيأكل معهم فكانوا يفضلون من طعامهم وإن كان لبنًا شرب رسول الله ﷺ أولهم، ثم يتناول العيال القعب فيشربون منه فيروون عن آخرهم من القعب الواحد وإن كان أحدهم ليشرب قعبا، وحده، فيقول أبو طالب: إنك لمبارك، وكان الصبيان يصبحون شعثا رمصا، ويصبح رسول ﷺ دهينا كحيلا (٢).
قال ابن إسحاق وكان رسول الله ﷺ بعد عبد المطلب مع عمه أبي طالب، وكان عبد المطلب -فيما يزعمون- يوصي به عمه أبا طالب، وذلك لأن