ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فنشرت لي الأنبياء: من سمى الله منهم ومن لم يسم، فصليت بهم، إلا هؤلاء النفر الثلاثة: إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام). (١)
عن عبد الله بن حوالة ﵁ قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رأيت ليلة أسري بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤ تحمله الملائكة قلت ما تحملون قالوا نحمل عمود الإِسلام أمرنا أن نضعه بالشام. (٢)
عن الزهري، قال: قال سعيد بن المسيب: إن أبا قتادة بن ربعي أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (قال الله : افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدًا إنّه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن، فلا عهد له عندي). (٣).
عن ابن عباس ﵁ قال: (ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دخل الجنة فسمع في جانبها خشفًا. فقال: يا جبريل من هذا؟ فقال: هذا بلال المؤذن. فأتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الناس فقال: قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا. قال: ولقيه موسى فرحب به فقال: مرحبا بالنبي الأمي قال: وهو رجل آدم طوال سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما. فقال: يا جبريل من هذا؟ فقال: هذا موسى ﵇، ثم مضى، فلقيه رجل فرحب به. فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عيسى ﵇، ثم مضى، فلقيه شيخ جليل مهيب، فرحب به وسلم عليه. وكلهم يسلم عليه. فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم ﵇. قال: فنظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف. قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس. قال: ورأى رجلًا أزرق جعدًا شعثًا إذا رأيته قال: من هذا يا جبريل؟ قال:
стр. 457
هذا عاقر الناقة. قال: فلما أن دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال في أحدهما لبن وفي الآخر عسل فأخذ اللبن فشربه. فقال الذي معه القدح: أصبت الفطرة. (١)
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (حين أسري بي لقيت موسى ﵇ فنعته النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فإذا رجل -حسبته قال- مضطرب. رجل الرأس. كأنه من رجال شنوءة. قال ولقيت عيسى (فنعته النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس) (يعني حمامًا) قال، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه. وأنا أشبه ولده به. قال، فأتيت بإناءين أحدهما لبن وفي الآخر خمر. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته. فقال: هديت الفطرة. أو أصبت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك. (٢)
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمَّد: أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر). (٣)
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى). (٤)
стр. 458
عن أبي حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لي أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار. (١)
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاهم. بمقاريض من نار، كلما قرضت وفت، فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به. (٢)
عن أنس ﵁ قال: أتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليلة أسري به بالبراق مسرجًا، ملجمًا فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، قال: فارفض البراق عرقًا. (٣)
لما كانت الليلة التي أسري بي فيها وجدت رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها، قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط بنت فرعون، إذ سقط المشط من يدها، فقالت: بسم الله، قالت بنت فرعون: أبى؟ فقالت: لا, ولكن ربي ورب أبيك؛ الله، قالت: وإن لك ربًا غير أبي؟ قالت: نعم فأعلمته بذلك، فدعا بها فقال: يا فلانه ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أخذ أولادها يلقون فيها واحدًا واحدًا، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد فتدفنا جميعًا، قال: ذلك لك بما لك علينا من الحق، فلم يزل أولادها يلقون في البقرة حتى انتهى إلى ابن لها رضيع، فكأنها تقاعست من أجله، فقال لها: يا أمه
стр. 459
اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ثم ألقيت مع ولدها، فكان هذا من الأربعة الذين تكلموا وهم صبيان. (١)
عن محمَّد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ذكر سدرة المنتهى فقال: (يسير في ظل الفنن الراكب مائة سنة) أو قال: (يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب) شك يحيى (فيها فراش الذهب كأنما ثمرها القلال). (٢)
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: صحبه وسلم: (لما عرج بي ربي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم). (٣)
عن ابن عباس ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (ما مررت ليلة أسري بي بملاء من الملائكة، إلا كلهم يقول لي: عليك، يا محمَّد! بالحجامة). (٤)
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ما مررت ليلة أسري بي بملاء، إلا قالوا: يا محمَّد! مر أمتك بالحجامة). (٥)
روى أحمد بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رأيت ليلة أسرى بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا، كأنه من
стр. 460
رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار والدجال). (١)
عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره. (٢)
أخبرنا أبو مصعب، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فرأى عفريتًا من الجن، يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رآه، فقال جبريل: ألا معلمك كلمات تقولهن، إذا قلتهن طفئت شعلته، وخر لفيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: بلى قال جبريل: قل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرئ في الأرض وشر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل، إلا طارق يطرق بخير، يا رحمان. (٣)
روى مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطى خواتم سورة البقرة،
стр. 461
وغفر لمن لا يشرك بالله من أمته شيئًا المقحمات. (١)
لقيت ليلة أسرى بي إبراهيم وموسى وعيسى، فتذاكروا أمر الساعة، فردوا أمرهم إلى إبراهيم، فقال: لا علم لي بها، فردرا الأمر إلى موسى، فقال: لا علم لي بها، فردوا الأمر إلى عيسى، فقال أما وجبتها فلا يعلم بها أحد إلا الله، وفيما عهد إلي ربي: أن الدجال خارج ومعي قضيبان، فإذا رآني ذاب كما يذوب الرصاص، فيهلكه الله إذا رآني، حتى إن الحجر والشجر: ليقول يا مسلم إن تحتي كافرًا فتعال فاقتله، فيهلكهم الله ثم يرجع الناس إلى بلادهم وأوطانهم، فعند ذلك يخرج يأجوج ومأجوج ﴿وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ﴾ فيطؤون بلادهم، لا يأتون على شيء إلا أهلكوه، ولا يمرون على ماء إلا شربوه ثم يرجع الناس إليَّ، فيشكونهم، فأدعو الله عليهم، فيهلكهم ويميتهم حتى تجوي الأرض من نتن ريحهم، فينزل الله المطر، فيجترف أجسادهم، حتى يقذفهم في البحر, ثم تنسف الجبال، وتمد الأرض مد الأديم، ففيما عهد إلي ربي: أن ذلك إذا كان كذلك فإن الساعة كالحامل المتم، لا يدري أهلها من تفجؤهم بولادتها ليلًا أو نهارًا. (٢)
رؤية النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جبريل ﵇ في صورته
روى بسنده عن عبد الله ﵁: ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾ قال: رأى رفرفًا أخضر سد أفق السماء.
روى أحمد بسنده عن ابن مسعود أنه قال في هذه الآية: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾، قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رأيت جبريل عند سدرة المنتهى،
стр. 462
عليه ستمائة جناح ينثر من ريشه التهاويل والدر والياقوت). (١)
روح أحمد بسنده عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رأيت جبريل على السدرة المنتهى، وله ستمائة جناح (قال: سألت عاصمًا عن الأجنحة، فأبى أن يخبرني، قال: فأخبرني بعض أصحابه الجناح ما بين المشرق والمغرب. (٢)
روى أحمد بسنده عن ابن مسعود أنه قال: إن محمدًا لم ير جبريل في صورته إلا مرتين، أما مرة فإنه سأله أن يريه نفسه في صورته، فأراه صورته فسد الأفق، وأما الأخرى فإنه صعد معه حين صعد به، وقوله: ﴿وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى (٧) ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى (٨) فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى (٩) فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾. قال: فلما أحس جبريل ربه عاد في صورته وسجد، فقوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى (١٣) عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى (١٤) عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى (١٥) إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى (١٦) مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى (١٧) لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى﴾. قال: خلق جبريل ﵇. (٣)
روى ابن جرير بسنده عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ قال جبريل في وبر رجليه كالدر مثل القطر على البقل. (٤)
روى أبي نعيم بسنده عن شريح بن عبيد قال: لما صعد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى السماء فأوحى الله إلى عبده ما أوحى، فخر جبريل ساجدًا حتى قضى الله إلى عبده ما قضى، ثم رفع رأسه فرأيته في خلقته التي خلق عليها منظوم أجنحته بالزبرجد واللؤلؤ والياقوت، فخيل لي أن ما بين عينيه قد سد الأفق، وكنت لا أراه قبل
стр. 463
ذلك إلا على صور مختلفة , وأكثر ما كنت أراه على صورة دحية الكلبي, وكنت أحيانًا لا أراه قبل ذلك , إلا كما يرى الرجل صاحبه من وراء الغربال. (١)
أخبرنا روح ابن عبادة, نا حماد بن سلمة , عن عطاء بن السائب, عن الشعبي , عن مسروق, عن عائشة, عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (رأيت رأيت جبريل قد هبط فملأ ما بين الخافقين عليه ثياب سندس معلق فيه اللؤلؤ والياقوت). (٢)
عن عبد الرحمن يقول: (أخبرني جابر بن عبد الله أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يقول: ثم فتر عني الوحي, فبينما أنا أمشي سمعت صوتًا من السماء , فرفعت بصري إلى السماء, فإذا الملك جاءني بحراء قاعد على كرسي بين السماء والأرض). (٣)
هل رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ربه ليلة أسرى به
حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة, حدثنا وكيع عن يزيد بن إبراهيم, عن قتادة , عن عبد الله بن شقيق, عن أبي ذر, قال: سألت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم هل رأيت ربك؟ قال: (نور أنى أراه). (٤)
روى البخاري ومسلمٌ بسنديهما عن عبد الله بن شقيق, قال: قلت لأبي ذر: لو رأيت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم لسألته. فقال: عن أي شيء كنت تسأله؟ قال: كنت أسأله هل رأيت ربك؟ قال أبو ذر: قد سألت فقال: (رأيت نورًا). (٥)
стр. 464
حديث عائشة. عن مسروق قال: قلت لعائشة ﵂ يا أمتاه هل رأى محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ربه؛ فقالت لقد قف شعري مما قلت، أين أنت من ثلاث من حدثكهن فقد كذب: من حدثك أن محمدًا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رأى ربه فقد كذب، ثم قرأت ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، وما كان لبشرٍ أن يكلمه الله إلا وحيًا أو من وراء حجاب- ومن حدثك أنه يعلم ما في غدٍ فقد كذب، ثم قرأت ﴿وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا﴾ ومن حدثك أنه كتم فقد كذب، ثم قرأت ﴿يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ﴾ الآية ولكنه رأى جبريل ﵇ في صورته مرتين. (١)
حديث عائشة ﵂ قالت من زعم أن محمدًا رأى ربه فقد أعظم، ولكن قد رأى جبريل في صورته، وخلقه ساد ما بين الأفق. (٢)
حدثنا يحيى بن آدم حدثنا إسرائيل عن أبي إسحاق عن عبد الرحمن بن يزيد عن عبد الله في قوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ قال: رأى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم جبريل في حلة من رفرف، قد ملأ ما بين السماء والأرض. (٣)
قالت: أنا والله أول من سأل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن هذا، قال: (إنما ذلك جبريل، ما رأيته في الصورة التي خلق فيها غير هاتين المرتين، رأيته منهبطًا من السماء سادًا عظم خلقه ما بين السماء والأرض). (٤)
أعطاه الله الكوثر
روى الترمذيُّ بسنده عن أنس ﵁ في قوله: ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾ أن النبي
стр. 465
صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (هو نهر في الجنة حافتاه قباب عن لؤلؤ، فقلت: يا جبريل، ما هذا؟ قال: هو الكوثر الذي أعطاكه الله ﵎، (ورفعت لي سدرة (المنتهى)، منتهاها في السماء السابعة). (١)
روى البخاري بسنده عن أنس ﵁، لما عرج بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى السماء قال: (أتيت على نهر حافتاه قباب اللؤلؤ مجوفًا، فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر). (٢)
روى البخاري بسنده عن أبي عبيدة عن عائشة ﵂، قال: سألتها عن قوله تعالى ﴿إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَرَ﴾، قالت: نهر أعطيه نبيكم ﷺ شاطئاه عليه در مجوف، آنيته كعدد النجوم.
روى البخاري بسنده عن شريك بن عبد الله أنه قال: سمعت ابن مالك يقول: فذكر الحديث وفيه قال: ثم عرج به إلى السماء الدنيا وذكر الحديث إلى أن قال: ثم مضى به في السماء فإذا هو بنهر آخر عليه قصر من لؤلؤ وزبرجد فضرب يده فإذا هو مسك، قال: (ما هذا يا جبريل؟) قال: هذا الكوثر الذي خبأ لك ربُكَ، ثم عرج إلى السماء الثانية. (٣)
روى أبو داود بسنده عن أنس بن مالك قال: لما عرج بنبي الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم في الجنة، أو كما قال، عرض له نهر حافتاه الياقوت المجيب، أو قال: المجوف، فضرب الملك الذي معه يده، فاستخرج مسكًا، فقال محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم للملك الذي معه: (ما هذا؟) قال: هذا الكوثر الذي أعطاك الله . (٤)
روى الترمذيُّ بسنده عن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله
стр. 466
وصحبه وسلم: (الكوثر نهر في الجنة، حافتاه من ذهب، ومجراه على الدر والياقوت، تربته أطيب من المسك، وماؤه أحلى من العسل، وأبيض من الثلج. (١)
روى أحمد بسنده عن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (بينما أنا أسير في الجنة، وإذا أنا بنهر حافتاه قباب الدر، قال: قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذا الكوثر الذي أعطاك ربك ، قال: فضربت بيدي فإذا طينه مسك أذفر). (٢)
قريش تسأل الرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن مسراه
روى الإمام أحمد بسنده عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لما كان ليلة أسري بي: أصبحت بمكة، فظعت بأمري؛ وعرفت أن الناس مكذبي، فقعدت معتزلًا حزينًا، قال: فمر عدو الله، أبو جهل، فجاء حتى جلس إليه فقال له كالمستهزئ: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (نعم) قال: ما هو؟ قال: (إنه أسري بي الليلة) قال: إلى أين؟ قال: (إلى بيت المقدس) قال: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: (نعم) قال: فلم ير أنه يكذبه مخافة أن يجحده الحديث إذا دعا قومه إليه قال: أرأيت إن دعوت قومك تحدثهم ما حدثتني. فقال رسول الله صلى الله عليه: على آله وصحبه وسلم: (نعم) فقال: هيا معشر بني كعب بن لؤي قال: فانتفضت إليه المجالس وجاءوا حتى جلسوا إليهما قال: حدث قومك بما حدثتني فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (إني أسري بي الليلة) قالوا: إلى أين؟ قلت: (إلى بيت المقدس) قالوا: ثم أصبحت بين ظهرانينا؟ قال: (نعم) قال: فمن بين مصفق، ومن بين واضع يده على رأسه متعجبًا للكذب زعم قالوا: وهل
стр. 467
تستطع أن تنعت لنا المسجد وفي القوم من قد سافر إلى ذلك البلد ورأى المسجد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (فذهبت أنعت فما زلت أنعت حتى التبس علي بعض النعت، قال فجيء بالمسجد وأنا أنظر حتى وضع دون دار عقال أو عقيل، فنعته وأنا أنظر إليه، قال وكان مع هذا نعت لم أحفظه: فقال القوم: أما النعت فوالله لقد أصاب. (١)
عن ابن عباس ﵁ قال: أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى بيت المقدس ثم جاء من ليلته فحدثهم بمسيره، وبعلامة بيت المقدس، وبعيرهم قال: قال: أناس نحن لا نصدق محمدًا فارتدوا كفارًا، فضرب الله أعناقهم مع أبي جهل، قال: وقال أبو جهل: يخوفنا محمَّد بشجرة الزقوم؟ هاتوا تمرًا وزبدًا تزقموا. قال: ورأي الدجال في صورته رؤيا عين ليس رؤيا منام وعيسى بن مريم وإبراهيم .. قال: فسئل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عن الدجال فقال: (رأيته فيلمانيًا أقمر هجانًا إحدى عينيه قائمة كأنها كوكب دري، كأن شعره أغصان شجرة. ورأيت عيسى شابًا أبيض جعد الرأس، حديد البصر، مبطن الخلق. ورأيت موسى أسحم، آدم، كثير الشعر شديد الخلق. ورأيت إبراهيم فلا انظر إلي إرب من آرابه إلا نظرت إليه كأنه صاحبكم). قال: (وقال لي جبريل: سلم على أبيك، فسلمت عليه). (٢)
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لقد رأيتني في الحجر. وقريش تسألني عن مسرائي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثبتها، فكربت كربًا، ما كربت مثله قط. فرفعه الله لي، أنظر إليه. فما سألوني عن شيء إلا أتيتهم به، وقد رأيتني في جماعة من الأنبياء، وإذا موسى ﵇ قائم يصلي، فإذا رجل ضرب، (جعد)، كأنه من رجال شنوءة. وإذا عيسى قائم يصلي، أقرب الناس به شبهًا: عروة بن مسعود الثقفي. وإذا إبراهيم قائم يصلي، أشبه
стр. 468
الناس به: صاحبكم يعني نفسه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فحانت الصلاة، وأممتهم. فلما فرغت من الصلاة، قال لي قائل: يا محمَّد: هذا مالك، صاحب النار، فسلم عليه. فالتفت إلي فبدأني بالسلام. (١)
روى الحاكم بسنده عن عائشة ﵂، قالت: لما أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إلى المسجد الأقصى أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس ممّن كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعوا بذلك إلى أبي بكر ﵁، فقالوا: هل لك إلى صاحبك يزعم أنه أسري به الليلة إلى بيت المقدس. قال: أو قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن كان قال ذلك لقد صدق، قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى بيت المقدس وجاء قبل أن يصبح؟ قال: نعم إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه بخبر السماء في غدوة أو روحه. فلذلك سمي أبو بكر الصديق.
عن جابر بن عبد الله، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (لما كذبتني قريش قمت في الحجر فجلى الله لي بيت المقدس فطفقت أخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه). (٢)
عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاكَ إِلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: هي رؤيا عين أريها النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليلة أسري به إلى بيت المقدس ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِي الْقُرْآنِ﴾. قال: هي شجرة الزقوم.
إمامة جبريل ﵇ لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عند فرض الصلوات الخمس
حدثنا أحمد بن يوسف، قال ثنا عبد الرزاق، قالا ثنا سفيان عن عبد الرحمن بن
стр. 469
الحارث, قال ثني حكيم بن حكيم، عن نافع بن جبير عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أمّني جبريل ﵇ عند البيت، فصلى بي الظهر حين زالت الشمس فكانت بقدر الشراك، ثم صلى بي العصر حين صار ظل كل شيء مثله، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم، ثم صلى بي العشاء حين غاب الشفق، ثم صلى بي الفجر حين حرم الطعام والشراب على الصائم، ثم صلى بي الغد الظهر حين كان ظل كل شيء مثله، ثم صلى بي العصر حين كان ظل كل شيء مثليه، ثم صلى بي المغرب حين أفطر الصائم لوقت واحد، ثم صلى بي العشاء إلى ثلث الليل الأول، ثم صلى بي الفجر فأسفر بها، ثم التفت إلي فقال: يا محمد، هذا وقت الأنبياء من قبلك، والوقت فيما بين هذين الوقتين). (١)
стр. 470
صعود النبي ﷺ في المعراج إلى السماء
قال ابن إسحاق: وحدثني من لا أتهم، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، أنه قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لما فرغت مما كان في بيت المقدس، أُتِيَ بالمعراج، ولم أر شيئاً قط أحسن منه، وهو الذي يمد إليه ميتكم عينيه إذا حُضِرَ، فأصعدني صاحبي فيه، حتى انتهى بي إلى باب من أبواب السماء".
أخبرنا محمد بن عمر بأسانيده فذكر الحديث وفيه: أتاه جبريل وميكائيل فقالا: انطلق إلى ما سألت الله، فانطقا به إلى ما بين المقام وزمزم، فأتي بالمعراج فإذا هو أحسن شيء منظرًا، فعرجا به إلى السماوات سماءً سماءً، فلقي فيها الأنبياء. (١)
روى بسنده عن أبي سعيد الخدري فذكر الحديث وفيه قال النبي ﷺ : "ثم دخلت أنا وجبريل ﵇ بيت المقدس فصلى كل واحد منا ركعتين، ثم أتيت بالمعراج الذي تعرج عليه أرواح بني آدم فلم ير الخلائق أحسن من المعراج، ما رأيتم الميت حين يشق بصره طامحًا إلى السماء فإنما يشق بصره طامحًا إلى السماء عجبًا بالمعراج"، قال: "فصعدت أنا وجبريل ... ". (٢)
فائدة عظيمة
قال الحافظ ابن كثير: "والحق أنه ﵊ أسري به يقظة لا منامًا من مكة إلى بيت المقدس راكبًا البراق. فلما انتهى إلى باب المسجد ربط الدابة عند الباب ودخله، فصلى في قبلته، تحية المسجد ركعتين، ثم أتي بالمعراج، وهو كالسلم ذو درجٍ، يرقى فيها، فصعد فيه إلى السماء الدنيا ثم إلى بقية السماوات السبع فتلقاه من كل سماء مقربوها وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم، حتى مر بموسى الكليم في السادسة، وإبراهيم الخليل في السابعة (٣)، ثم جاوز منزلتيهما, ﷺ وعليهما وعلى سائر الأنبياء، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه
стр. 471
صريف الأقلام، أي: أقلام القدر بما هو كائن. ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر الله تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددةٍ، وغشيتها الملائكة.
ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح.
ورأى رفرفًا أخضر قد سد الأفق.
ورأى البيت المعمور، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه؛ لأن الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفًا من الملائكة، يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة.
ورأى الجنة والنار، وفرض الله عليه هنالك الصلوات خمسين، ثم خففها إلى خمس، رحمة منه ولطفًا بعباده، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها.
ثم هبط إلى بيت المقدس، وهبط معه الأنبياء، فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة. ويحتمل أنها الصبح من يومئذ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه. والظاهر أنه بعد رجوعه إليه؛ لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدًا واحدًا، وهو يخبره بهم، وهذا هو اللائق؛ لأنه كان أولًا مطلوبًا إلى الجناب العلويِّ؛ ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء الله تعالى، ثم لما فرغ من الذي أريد به، اجتمع هو وإخوانه من النبيين، ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة، وذلك عن إشارة جبريل ﵇ له في ذلك.
ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق، وعاد إلى مكة بغلس. والله أعلم.
وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل، أو اللبن والخمر، أو اللبن والماء، أو الجميع؛ فقد ورد أنه في بيت المقدس، وجاء أنه في السماء، ومحتمل أنه ها هنا وها هنا؛ لأنه كالضيافة للقادم، والله أعلم". (١)
стр. 472
استراق الجن للسمع
قال ابن إسحاق بسنده عن عبد الله بن عباس، عن نفر من الأنصار، أن رسول الله ﷺ قال لهم. "ما كنتم تقولون في هذا النجم الذي يرمي به؟ " قالوا: يا نبي الله، كنا نقول حين رأيناها يُرمى بها: مات ملكٌ، مُلِّكَ مَلِكٌ , وُلِد مولودٌ، مات مولودٌ، فقال رسول الله ﷺ : "ليس ذلك كذلك، ولكن الله، ﵎، كان إذا قضى في خلقه أمرًا سمعه حملة العرش، فسبحوا فسبح من تحتهم، فسبح لتسبيحهم من تحت ذلك، فلا يزال التسبيح، يهبط حتى ينتهي إلي السماء الدنيا فيسبحوا، ثم يقول بعضهم لبعض: مم سبَّحتم؟ فيقولون: سبح من فرقنا فسبحنا لتسبيحهم، فيقولون: ألا تسألون من فوقكم مم سبَّحوا، فيقولون مثل ذلك، حتى ينتهوا إلى حملة العرش، فيقال لهم: مم سبَّحتُم؟ فيقولون: قضى الله في خلقه كذا وكذا، للأمر الذي كان، فيهبط به الخبر من سماء إلى سماء، حتى ينتهي إلى السَّماءِ الدنيا، فيتحدثوا به، فتسرقه الشياطين بالسمع على توهم واختلاف، ثم يأتُوا به الكهان من أهل الأرض فيحدثوهم به، فيخطئون ويصيبون، فيتحدث به الكهان فيصيبون بعضًا ويخطئون بعضاً، ثم إن الله حجب الشياطين بهذه النجوم التي يقذفون بها، فانقطعت الكهانة اليوم، فلا كهانةَ".
روى البيهقي عن ابن عباس قال: لم تكن سماء الدنيا تحرس في الفترة بين عيسى ومحمَّد ﷺ وكانوا يقعدون منها مقاعد للسمع، فلما بعث الله، محمدًا ﷺ حرست السماء حرسًا شديدًا، ورجمت الشياطين، فأنكروا ذلك، فقالوا: لا ندري أشرٌّ أريد بمن في الأرض أم أراد ربهم رَشَدًا. فقال إبليس: لقد حدث في الأرض حدث فاجتمعت إليه الجن، فقال: تفرقوا في الأرض فأخبروني ما هذا الخبر الذي حدث في السماء وكان أول بعثٍ بعث ركبٌ في أهل نصيبين وهم أشراف الجن وسادتهم فبعثهم إلى تهامة فاندفعوا حتى بلغوا الوادي، وادي نخلة، فوجدوا نبي الله ﷺ يصلي صلاة الغداة ببطن نخلة فاستمعوا فلما سمعوه يتلو القرآن، قالوا: أنصتوا ولم يكن نبي الله ﷺ علم أنهم استمعوا إليه وهو يقرأ القرآن
стр. 473
فلما قضي، يقول فلما فرغ من الصلاة، ولُّوا إلى قومهم منذرين يقول: مؤمنين (١)
روى الترمذيُّ بسنده عن ابن عباس قال: كان الجن يصعدون إلى السماء يسمعون الوحي، فإذا سمعوا الكلمة زادوا فيها تسعًا، فأما الكلمة فتكون حقاً، وأما ما زاد فيكون باطلًا، فلما بعث رسول الله ﷺ منعوا مقاعدهم، فذكروا ذلك لإبليس ولم تكن النجوم يرمى بها قبل ذلك، فقال لهم إبليس: ما هذا إلا من أمر قد حدث في أرض، فبعث جنوده، فوجدوا رسول الله ﷺ قائمًا يصلي بين جبلين أراه قال: بمكة، فأتوه، فأخبروه، فقال: هذا الذي حدث في الأرض (٢).
جنود إبليس يبعثون في الأرض
روى أبي نعيم بسنده عن أبي هريرة لما بعث رسول الله ﷺ أصبح كل صنم منكسًا فأتت الشياطين إبليس فقالت له: ما على الأرض من صنم إلا وقد أصبح منكسًا، قال: هذا نبي قد بعث فالتمسوه في قرى الأرياف، فالتمسوه، فقالوا: لم نجده، قال: أنا صاحبه، فخرج يلتمسه فنودي عليك بحبة القلب -يعني مكة- فالتمسه بها فوجده عند قرن الثعالب، فخرج إلى الشياطين فقال: قد وجدته معه جبريل، ﵇، فما عندكم؟ قالوا: نزين الشهرات في أعين أصحابه، ونحببها إليهم قال: فلا شيء إذن (٣).
وروى أبي نعيم بسنده عن عبد الله ابن عمرو قال: لما كان اليوم الذي تنبأ فيه رسول الله ﷺ منعت الشياطين السماء، ورميت بالشهب، فجاؤوا إلى إبليس فذكروا ذلك، فقال أمر قد حدث، هذا نبي قد خرج عليكم بالأرض المقدسة مخرج بني إسرائيل، قال: فذهبوا إلى الشام ثم رجعوا إليه فقالوا: ليس بها أحد، فقال إبليس: أنا صاحبه فخرج في طلبه بمكة، فإذا رسول الله ﷺ بحراء منحدرًا، معه جبريل، ﵇، فرجع إلى أصحابه فقال: قد بعث أحمد ومعه جبريل فما عندكم؟ قالوا: الدنيا نحببها إلى الناس، قال: فذلك إذن (٤).
стр. 474
وروى أبي نعيم بسنده عن أنس بن مالك، ﵁، قال: إن إبليس ما بين قدميه إلى كعبيه مسيرة كذا وكذا، وإن عرشه لعلى البحر، ولو ظهر للناس لعبد، قال: فلما بعث الله محمدًا ﷺ وهو يجمع بكيده، فانقض عليه جبريل، ﵇، فدفعه بمنكبه فألقاه بوادي الأردن (١).
وروى أبي نعيم بسنده عن سفيان الهذلي قال: خرجنا في عير لنا إلى الشام، فلما كنا بين الزرقاء ومعان قد عرسنا من الليل، فإذا بفارس يقول وهو بين السماء والأرض: أيها النيام هبوا، فليس هذا حين رقاد، قد خرج أحمد، وقد طردت الجن كل مطرد، ففزعنا ونحن رفقة حزاوِرَةٌ، كلهم قد سمع بهذا، فرجعنا إلى أهلنا، فإذا هم يذكرون اختلافًا بمكة بين قريش ونبي خرج فيهم من بني عبد المطلب اسمه أحمد (٢).
عن تميم الداري قال: كنت بالشام حين بعث رسول الله ﷺ فخرجت إلى بعض حاجتي، فأدركني الليل، فقلت: أنا في جوار عظيم هذا الوادي، فلما أخذت مضجعي إذا مناد ينادي لا أراه: عذ بالله، فإن الجن لا تجير أحدًا على الله تعالى. فقلت: أيم تقول؟ فقال: قد خرج رسول الأميِّين، رسول الله، وصلينا خلفه بالحَجُونِ، وأسلمنا واتبعناه، وذهب كيد الجن، ورميت بالشهب، فانطلق إلى محمد فأسلم (٣).
стр. 475
أول وفود الجن والرسول صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم عامدًا إلى عكاظ
عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ﷺ ؛ على الجن ولا رآهم، انطلق رسول الله ﷺ ، في طائفة من أصحابه، عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السماء، وأرسلت عليهم الشهب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ قالوا: حيل بيننا وبين خبر السماء، وأرسلت علينا الشهب، فقالوا: ما حال بيننا وبين خبر السماء إلا من حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها فانظروا ما هذا الذي حال بينكم وبين خبر السماء، قال: فانطلقوا يضربون مشارق الأرض ومغاربها يبتغون ما هذا الذي حال بينهم وبين خبر السماء، فانصرف أولئك النفر الذين توجهوا نحو تهامة إلى رسول الله ﷺ وهو بنخلة عامدًا إلى سوق عكاظ، وهو يصلي بأصحابه صلاة الفجر، فلما سمعوا القرآن استمعوا له فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، قال: فهنالك رجعوا إلى قومهم فقالوا: يا قومنا إنا سمعنا قرأنا عجبا يهدي إلى الرشد فأمنا به ولن نشرك بربنا أحدًا. فأنزل الله ﵎ على نبيه ﷺ : ﴿قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ مِنَ الْجِنِّ﴾ (١) وإنما أوحي إليه قول الجن (٢).
عن ابن عباس قال: قول الجن لقومهم: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا﴾ (٣) قال: لما رأوه يصلي وأصحابه يصلون كصلاته ويسجدون بسجوده قال: تعجبوا من طواعية أصحابه له قالوا لقومهم: لما قام عبد الله يدعوه كادوا يكونون عليه لبدًا.
ليلة الجن واستماعهم للقرآن وإيذان الشجرة لهم
أخرج البخاري في صحيحه بسنده عن معن بن عبد الرحمن قال: سمعت أبي قال: سألت مسروقًا، من آذن النبي ﷺ بالجن ليلة استمعوا القرآن، فقال: حدثني أبوك -يعني عبد الله بن مسعود- أنه آذنت بهم شجرة.
استماع الجن للقرآن في نخلة
حدثنا أبو علي الحافظ أبا عبدان الأهوازي ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا أبو أحمد الزبيري ثنا سفيان عن عاصم عن زر عن عبد الله قال هبطوا على النبي ﵌ وهو يقرأ القرآن ببطن نخلة فلما سمعوه قالوا انصتوا قالوا صه وكانوا سبعة أحدهم زوبعة فأنزل الله ﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا﴾ الآية إلى ضلال مبين (١).
﴿وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ (٢٩) قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ (٣٠) يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (٣١) وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (٣٢)﴾
أخبرني أحمد بن محمد العنبري ثنا عثمان بن سعيد ثنا عبد الله بن صالح ثنا معاوية بن صالح عن أبي الزاهرية عن جبير بن نفير عن أبي ثعلبة الخشني ﵁ قال قال رسول الله ﵌ الجن ثلاث أصناف صنف لهم أجنحة يطيرون في الهواء وصنف حيات وكلاب وصنف يحلون ويظعنون (٢).
стр. 478
ليلة الجن في المرة الأولى
أخرج الإمام مسلم (١) في صحيح وأبو عوانة (٢) الإسفرائيني وأبو داود (٣) الطيالسي في مسنديهما عن عامر، قال: سألت علقمة: هل كان ابن مسعود شهد مع رسول الله ﷺ ليلة الجن. قال، فقال علقمة: أنا سألت ابن مسعود فقلت هل شهد أحد منكم مع رسول الله ﷺ ليله الجن؟ قال: لا ولكنا فقدناه ونحن بمكة ذات ليلة فالتمسناه في الأودية والشعب فقلنا: أستطير أو اغتيل قال: فبتنا بشر ليله بات بها قوم فلما أصبحنا إذا هو جاء من قبل حراء قال. قلنا: يا رسول الله. فقدناك فطلبناك فلم نجدك. فبتنا بشر ليلة بات بها قوم فقال: أتاني داعي الجن فذهبت معه فقرأت عليهم القرآن". قال: فانطلق بنا فأرانا آثار نيرانهم. وسألوه الزاد فقال: لكم كل عظم ذكر اسم الله عليه يقع في أيديكم أوفر ما يكون لحما وكل بعرة علف لدوابكم. فقال رسول الله ﷺ : "فلا تستنجوا بهما فإنهما طعام إخوانكم".
روى البخاري بسنده عن أبي هريرة ﵁ "أنه كان يحمل مع النبي ﷺ إداوة لوضوئه وحاجته. فبينما هو يتبعه بها فقال: من هذا؟ فقال: أنا أبو هريرة. فقال: أبغني أحجارًا استنقض بها, ولا تأتني بعظم ولا بروثة. فأتيته بأحجار أحملها في طرف ثوبي حتى وضعت إلى جنبه ثم انصرفت، حتى إذا فرغ مشيت معه فقلت: ما بال العظم والروثة؟ قال: هما من طعام الجن، وإنه أتاني وفد جن نصيبين -ونعم الجن- فسألوني الزاد، فدعوت الله لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروثة إلا وجدوا عليها طعمًا" (٤)
стр. 479
روى الترمذيُّ بسنده عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: "لقد قرأتها -يعني سورة الرحمن- على الجن ليلة الجن، فكانوا أحسن مردودًا منكم, كنت كلما أتيت على قوله ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ قالوا: ولا بشيءٍ من نعمك ربنا نكذب فلك الحمد" (١).
ليلة الجن في المرة الثانية
أخرج الترمذيُّ في جامعه قال: حدثنا محمَّد بن بشار أخبرنا محمَّد بن أبي عدي عن جعفر بن ميمون عن أبي تميمة الهجيمي عن أبي عثمان عن ابن مسعود قال: صلى رسول الله ﷺ العشاء ثم انصرف فأخذ بيد عبد الله بن مسعود حتى خرج به إلى بطحاء مكة، فأجلسه ثم خط عليه خطًا، ثم قال: لا تبرحن خطك فإنه سينتهي إليك رجال فلا تكلمهم فإنهم لن يكلموك ثم مضى رسول الله ﷺ حيث أراد، فبينا أنا جالس في خطي إذ أتاني رجال كأنهم الزط أشعارهم وأجسامهم لا أرى عروة ولا أرى قشرة وينتهون إليّ ولا يجاوزون الخط، ثم يصدرون إلى رسول الله ﷺ حتى إذا كان في آخر الليل، لكن رسول الله ﷺ قد جاءني وأنا جالس فقال: لقد آذاني هؤلاء منذ الليلة، ثم دخل عليّ في خطي فتوسد فخذي ورقد، وكان رسول الله ﷺ إذا رقد نفخ، فبينا أنا قاعد ورسول الله ﷺ متوسد فخذي إذا أنا برجال عليهم ثياب بيض الله أعلم ما بهم من الجمال، فانتهوا إليّ، فجلس طائفة منهم عند رأس رسول الله ﷺ ، وطائفة منهم عند رجليه، ثم قالوا بينهم: ما رأينا عبدًا قط أوتي مثل ما أوتي هذا النبي ﷺ ، إن عينيه تنامان وقلبه يقظان، اضربوا له مثلًا: مثل سيد بنى قصرًا ثم جعل مائدة فدعا الناس إلى طعامه وشرابه، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه، ومن لم يجبه عاقبه أو قال: عذبه ثم ارتفعوا واستيقظ رسول الله ﷺ عند ذلك. فقال: سمعت ما قال هؤلاء، وهل تدري من هم؟ قلت: الله ورسوله أعلم، قال: هم الملائكة، فتدري ما المثل الذي ضربوه؟ قلت:
стр. 480
الله ورسوله أعلم، قال: المثل الذي ضربوه، الرحمن بنى الجنة ودعا إليها عباده فمن أجابه دخل الجنة ومن لم يجبه عاقبه أو عذبه وقال عقبة: هنا حديثٌ حسنٌ غريب صحيح من هذا الوجه. (١)
стр. 481
بيعة العقبة الأولى
نص البيعة: قال ابن إسحاق: وحدثني يزيد بن أبي حبيب، عن أبي مرثد بن عبد الله اليزني، عن عبد الرحمن بن عسيلة الصنابحي، عن عبادة ابن الصامت، قال: كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثنى عشر رجلًا، فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على بيعة النساء، وذلك قبل أن تفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا, ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا, ولا نعصيه في معروف. فإن وفيتم فلكم الجنة. وإن غشيتم من ذلك شيئًا فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر. (١)
قال ابن إسحاق: وذكر ابن شهاب الزهري عن عائذ الله بن عبد الله الخولاني أبي إدريس أن عبادة بن الصامت حدثه أنه قال: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليلة العقبة الأولى على أن لا نشرك بالله شيئًا، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا, ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا, ولا نعصيه في معروف، فإن وفيتم فلكم الجنة، وإن غشيتم من ذلك فأخذتم بحده في الدنيا، فهو كفارة له، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر.
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا الحكم بن نافع أبو اليمان ثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عثمان بن خيثم حدثني إسماعيل بن عبيد الأنصاري فذكر الحديث (٢) فقال عبادة (يعني ابن الصامت ﵁) لأبي هريرة يا أبا هريرة إنك لم تكن معنا إذ بايعنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، إنا بايعناه على السمع والطاعة في النشاط والكسل وعلى النفقة في اليسر والعسر وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وعلى أن نقول في الله
стр. 482
تبارك وتعالى ولا نخاف لومة لائم فيه وعلى أن ننصر النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إذا قدم علينا يثرب فنمنعه مما نمنع منه أنفسنا وأزواجنا وأبناءنا ولنا الجنة، فهذه بيعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم التي بايعنا عليها فمن نكث فإنما ينكث على نفسه ومن أوفى بما بايع عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وفى الله ﵎ بما بايع عليه نبيه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم.
أسماء الاثنى عشر رجلًا الذين أسلموا في العقبة الأولى
١ - أسعد بن زراره.
٢ - عوف بن الحارث بن رفاعه.
٣ - معاذ بن الحارث بن رفاعه.
٤ - رافع بن مالك بن العجلان.
٥ - ذكوان بن عبد قيس.
٦ - عبادة بن الصامت.
٧ - أبو عبد الرحمن يزيد بن ثعلبه البلوي.
٨ - العباس بن عبادة بن نضله.
٩ - عقبة بن عامر بن نابي.
١٥ - قطبة بن عامر بن حديده.
١١ - أبو الهيثم بن التيهان.
١٢ - عويم بن ساعده.
إسلام سعد بن معاذ وأسيد بن حضير على يد مصعب بن عمير ﵃
قال ابن إسحاق: وحدثني عبيد الله بن المغيرة بن معيقب، وعبد الله بن أبي بكر بن محمَّد بن عمرو ابن حزم: أن أسعد بن زرارة خرج بمصعب بن عمير يريد به دار بني عبد الأشهل
стр. 483
ودار بني ظفر، وكان سعد بن معاذ بن النعمان بن امرئ القيس ابن زيد بن عبد الأشهل ابن خاله أسعد بن زرارة، فدخل به حائطًا من حوائط بني ظفر. (١)
قال ابن هشام: واسم ظفر: كعب بن الحارث بن الخزرج بن عمرو ابن مالك بن الأوس- قالا: على بئر يقال لها: بئر مرق فجلسا في الحائط، واجتمع إليهما رجال ممّن أسلم وسعد بن معاذ، وأسيد بن حضير، يومئذ سيدا قومهما من بني عبد الأشهل، وكلاهما مشرك على دين قومه، فلما سمعا به قال سعد بن معاذ لأسيد بن حضير: لا أبا لك، انطلق إلى هذين الرجلين اللذين قد أتيا دارينا ليسفها ضعفاءنا، فازجرهما وانههما عن أن يأتيا دارينا، فإنه لولا أن أسعد بن زرارة مني حيث قد علمت كفيتك ذلك، هو ابن خالتي، ولا أجد عليه مقدمًا، قال فأخذ أسيد بن حضير حربته ثم أقبل إليهما؛ فلما رآه أسعد بن زرارة، قال لمصعب بن عمير: هذا سيد قومه قد جاءك، فاصدق الله فيه؛ قال مصعب: إن يجلس أكلمه. قال فوقف عليهما متشتمًا، فقال: ما جاء بكما إلينا تسفهان ضعفاءنا؟ اعتزلانا إن كانت لكما بأنفسكما حاجة؛ فقال له مصعب: أوتجلس فتسمع، فإن رضيت أمرًا قبلته، وإن كرهته كف عنك ما تكره؟ قال: أنصفت، ثم ركز حربته وجلس إليهما، فكلمه مصعب بالإِسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا: فيما يذكر عنهما: والله لعرفنا في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم في إشراقه وتسهله، ثم قال: ما أحسن هذا الكلام وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدين؟ قالا له: تغتسل فتطهر وتطهر ثوبيك، ثم تصلي. فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم قام فركع ركعتين، ثم قال لهما: إن ورائي رجلًا إن اتبعكما لم يتخلف عنه أحد من قومه وسأرسله إليكما الآن، سعد بن معاذ، ثم أخذ حربته وانصرف إلى سعد وقومه وهم جلوس في ناديهم، فلما نظر إليه سعد بن معاذ مقبلًا، قال: أحلف بالله لقد جاءكم أسيد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف على النادي قال له سعد: ما فعلت؟ قال: كلمت
стр. 484
الرجلين، فوالله ما رأيت بهما بأسًا، وقد نهيتهما، فقالا: نفعل ما أحببت، وقد حدثت أن بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد بن زرارة ليقتلوه، وذلك أنهم قد عرفوا أنه ابن خالتك، ليخفروك. (١) قال: فقام سعد مغضبًا مبادرًا، تخوفًا للذي ذكر له من بني حارثة، فأخذ الحربة من يده، ثم قال: والله ما أراك أغنيت شيئًا، ثم خرج إليهما، فلما رآهما سعد مطمئنين، عرف سعد أن أسيدًا إنما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما متشتمًا، ثم قال لأسعد بن زرارة: يا أبا أمامة، أما والله، لولا ما بيني وبينك من القرابة ما رمت هذا مني، أتغشانا في دارينا بما نكره -وقد قال أسعد بن زرارة لمصعب بن عمير: أي مصعب جاءك والله سيد من وراءه من قومه، إن يتبعك لا يتخلف عنك منهم اثنان- قال: فقال له مصعب: أوتقعد فتسمع، فإن رضيت أمرًا ورغبت فيه قبلته، وإن كرهته عزلنا عنك ما تكره؟ قال سعد: أنصفت. ثم ركز الحربة وجلس، فعرض عليه الإِسلام، وقرأ عليه القرآن، قالا: فعرفنا والله في وجهه الإِسلام قبل أن يتكلم، لإشراقه وتسهله، ثم قال لهما: كيف تصنعون إذا أنتم أسلمتم ودخلتم في هذا الدين قالا: تغتسل فتطهر ثوبيك ثم تشهد شهادة الحق، ثم تصلي ركعتين، قال: فقام فاغتسل وطهر ثوبيه، وتشهد شهادة الحق، ثم ركع ركعتين، ثم أخذ حربته، فأقبل عامدًا إلى نادي قومه ومعه أسيد بن حضير.
قال: فلما رأه قومه مقبلًا، قالوا: نحلف بالله لقد رجع إليكم سعد بغير الوجه الذي ذهب به من عندكم، فلما وقف عليهم قال: يا بني عبد الأشهل، كيف تعلمون أمري فيكم قالوا: سيدنا وأفضلنا رأيًا، وأيمننا نقيبة قال: فإن كلام رجالكم ونسائكم عليّ حرام حتى تؤمنوا بالله وبرسوله.
قالا: فوالله ما أمسى دار بني عبد الأشهل رجل ولا امرأة إلا مسلمًا ومسلمة، ورجع أسعد ومصعب إلى منزل أسعد بن زرارة، فأقام عنده يدعو الناس إلى الإِسلام، حتى لم تبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أمية بن زيد، وخطمة، ووائل، وواقف، وتلك أوس الله، وهم من الأوس بن حارثة،
стр. 485
وذلك أنه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت، وهو صيفي، وكان شاعرًا لهم وقائدًا، يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم عن الإِسلام، فلم يزل على ذلك حتى هاجر رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، وقال فيما رأى من الإِسلام، وما اختلف الناس فيه من أمره:
أرب الناس أشياء ألمت ... يلف الصعب منها بالذلول
أرب الناس أما إذ ضللنا ... فيسرنا لمعروف السبيل
فلولا ربنا كنا يهودًا ... وما دين اليهود بذي شكول
ولولاربنا كنا نصارى ... مع الرهبان في جبل الجليل
ولكنا خلقنا إذ خلقنا ... حنيفًا ديننا عن كل جيل
نسوق الهدى ترسف مذعنات ... مكشفه المناكب في الجلول
كتاب الأنصار إلى رسول الله طالبين معلمًا
لما انصرف أهل العقبة الأولى الإثنا عشر، وفشا الإِسلام في دور الأنصار، أرسلت الأنصار رجلًا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكتبت إليه كتابًا: (ابعث إلينا رجلًا يفقهنا في الدين ويقرئنا القرآن).
فبعث إليهم رسول الله مصعب بن عمير. فكتب مصعب إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم يستأذنه أن يجمِّع لهم.
بعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير وابن أم مكتوم إلى المدينة يعلمان الأنصار القرآن
عن البراء قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير، وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن، ثم جاء عمار وبلال
стр. 486
وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون: هذا رسول الله قد جاء، فما جاء حتى قرأت: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ في سور مثلها. (١)
وفي رواية الطبراني:
ثم بعثوا إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: أن ابعث إلينا رجلًا من قبلك يدعو الناس بكتاب الله، فإنه أدنى أن يتبع، فبعث إليهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير أخا بني عبد الدار، فنزل في بني غنم على أسعد بن زرارة، فجعل يدعو الناس [سرًا]، ويفشو الإِسلام، ويكثر أهله، وهم في ذلك مستخفون بدعائهم، ثم إن أسعد بن زرارة أقبل هو ومصعب بن عمير حتى أتيا بئر مرق (٢) أو قريبًا منها، فجلسوا هنالك، وبعثوا إلى رهط من أهل الأرض، فأتوهم مستخفين، فبينما مصعب بن عمير يحدثهم، ويقص عليهم القرآن، أخبر بهم سعد بن معاذ، فأتاهم في لأمته، ومعه الرمح، حتى وقف عليه، فقال: علام يأتينا في دورنا بهذا الوحيد الفريد الطريح الغريب يسفه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم [إليه]، لا أراكما بعد هذا بشيء من جوارنا، فرجعوا، ثم إنهم عادوا الثانية ببئر مرق أو قريبًا منها، فأخبر بهم سعد بن معاذ الثانية، فواعدهم بوعيدٍ دون الوعيد الأول، فلما رأى أسعد منه لينًا، قال: يا ابن خالة اسمع من قوله، فإن سمعت منه منكرًا، فاردده يا هذا منه، وإن سمعت خيرًا فأجب الله، فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليهم مصعب بن عمير ﴿حم (١) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (٢) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ فقال سعد: وما أسمع إلا ما أعرف، فرجع وقد هداه الله تعالى، ولم يظهر أمر الإِسلام حتى رجع، فرجع إلى قومه، فدعا بني عبد الأشهل إلى الإِسلام، وأظهر إسلامه، وقال: من شك فيه من صغير أو كبير أو ذكر أو أنثى، فليأتنا بأهدى منه، نأخذ به،
стр. 487
فوالله لقد جاء أمر لتحزن فيه الرقاب، فأسلمت بنو عبد الأشهل عند إسلام سعد ودعائه، إلا من لا يذكر، فكانت أول دور من دور الأنصار أسلمت بأسرها.
ثم إن بني النجار أخرجوا مصعب بن عمير واشتدوا على أسعد بن زرارة، فانتقل مصعب بن عمير إلى سعد بن معاذ، فلم يزل يدعو ويهدي [الله] على يديه حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة، وأسلم أشرافهم، وأسلم عمرو بن الجموح وكسرت أصنامهم فكان المسلمون أعز أهلها، وصلح أمرهم، ورجع مصعب بن عمير إلى رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وكان يدعى المقرئ. (١)
إقامة أول جمعة في الإِسلام
أذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالجمعة قبل أن يهاجر، ولم يستطع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يجمع بمكة، ولا يبدي لهم فكتب إلى مصعب بن عمير: (أما بعد: فانظر اليوم الذي تجهر فيه اليهود بالزبور لسبتهم، فاجمعوا نساءكم وأبناءكم. فإذا مال النهار عن شطره عند الزوال من يوم الجمعة، فتقربوا إلى الله بركعتين).
أخبرنا عبد الرزاق قال: أخبرنا معمر عن الزهري قال: ابعث رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم مصعب بن عمير بن هاشم إلى أهل المدينة ليقرئهم القرآن، فاستأذن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم أن يجمع بهم فأذن له رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، وليس يومئذٍ بأمير، ولكنه انطلق يعلم أهل المدينة، قال معمر: فكان الزهري يقول: حيث ما كان أمير فإنه يعظ أصحابه يوم الجمعة، ويصلي بهم ركعتين.
أبو أمامه أسعد بن زراره يصلي أول جمعة في الإِسلام
стр. 488
وحدثني عبد الملك بن محمَّد، عن زياد بن عبد الله، قال: قال ابن إسحاق: حدثني محمَّد بن أبي أمامة بن [سهل] ابن حنيف، عن أبيه، عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك قال: كنت مع أبي كعب بن مالك حين ذهب بصره، وكنت إذا خرجت معه إلى الجمعة [فسمع] الأذان صلى [على] أبي أمامة أسعد بن زرارة، قال: فمكث على ذلك حينًا لا يسمع الأذان للجمعة إلا صلى عليه واستغفر له. قال: فقلت في نفسي: إن هذا يعجزني أن لا أسأله؟ ما له إذا سمع الأذان بالجمعة صلى على أبي أمامة أسعد بن زرارة؟ قال: فخرجت به يوم الجمعة كما كنا نخرج، فلما سمع الأذان بالجمعة صلى عليه، واستغفر له. قال: فقلت: يا أبه ما لك إذ سمعت الأذان بالجمعة صليت على أبي أمامة أسعد بن زرارة؟ فقال: أي بني، أول من جمع بنا بالمدينة في هزم من حرة بني بياضة، مكان يقال له: نقيع الخضمات. قال: قلت له: وكم كنتم يومئذ؟ قال: أربعون رجلًا. (١)
стр. 489
إسلام حواء بنت يزيد ﵂
روى بسنده عن عاصم بن قتادة قال: كانت حواء بنت يزيد بن السكن، عند قيس بن عبيد الخطيب، كذا قال وإنما هو ابن الخطيم بالمدينة، وكانت أمها عقرب بنت معاذ أخت سعد بن معاذ، فأسلمت حواء، فحسن إسلامها، وكان زوجها قيس على كفره، فكان يدخل عليها وهي تصلي، فيؤذيها، وكان لا يخفى على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة أمر يكون بالمدينة إلا بلغه وأخبر به. قال قيس: فقدت مكة في رهط من مشركي قومي حجاجًا، فبينا نحن إذ جاء رجل يسأل عني فدل علي فأتاني فقال: (أنت قيس؟) قلت: نعم، قال: (زوج حواء؟) قلت: نعم، قال: (فمالك تعبث بامرأتك وتؤذيها على دينها؟) فقلت: إني لا أفعل، قال: (فلا تفعل ذلك بها، دعها لي)، قلت: نعم، فدما قدم قيس المدينة ذكر ذلك لامرأته وقال: فشأنك بدينك، فوالله ما رأيته إلا حسن الوجه حسن الهيئة. (١)
ترحم ابن سعد لحواء فذكر خبر إسلامها إلى أن قال: ووافى قيس بن الخطيم ذا المجاز، سوقًا من أسواق مكة، فأتاه رسول الله فدعاه إلى الإِسلام وحرص عليه، فقال قيس: ما أحسن ما تدعو إليه! وإن الذي تدعو إليه لحسن، ولكن الحرب شغلتني عن هذا الحديث. وجعل رسول الله يلح عليه ويكنيه ويقول: (يا أبا يزيد أدعوك إلى الله). ويرد عليه قيس كلامه الأول، فقال رسول الله: (يا أبا يزيد إن صاحبتك حواء قد بلغني أنك تسيء صحبتها مذ فارقت دينك فاتق الله واحفظني فيها ولا تعرض لها)، قال: نعم وكرامة، أفعل ما أحببت لا أعرض لها إلا بخير وذكر الحديث بمعنى ما تقدم. (٢)
стр. 490
ذكر العقبة الآخرة وهم السبعون الذين بايعوا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
روى ابن سعد بأسانيده المتعددة، قالوا: لما حضر الحج مشى أصحاب رسول الله ﷺ الذين أسلموا بعضهم إلى بعض يتواعدون المسير إلى الحج وموافاة رسول الله ﷺ والإِسلام يومئذ فاش بالمدينة، فخرجوا وهم سبعون يزيدون رجلًا أو رجلين في خمر الأوس والخزرج وهم خمسمائة، حتى قدموا على رسول الله ﷺ مكة، فسلموا على رسول الله ﷺ ، ثم وعدهم من وسط أيام التشريق ليلة النفر الأول إذا هدأت الرجل أن يوافوه في الشعب الأيمن إذا انحدروا من منى بأسفل العقبة حيث المسجد اليوم، وأمرهم أن لا ينبهوا نائما ولا ينتظروا غائبا، قال: فخرج القوم بعد هدأة يتسللون الرجل والرجلان وقد سبقهم رسول الله ﷺ إلى ذلك الموضع معه العباس بن عبد المطلب ليس معه أحد غيره، فكان أول من طلع على رسول الله ﷺ رافع بن مالك الزرقي، ثم توافى السبعون ومعهم امرأتان، قال أسعد بن زرارة: فكان أول من تكلم العباس بن عبد المطلب فقال: يا معشر الخزرج إنكم قد دعوتم محمدًا إلى ما دعوتموه إليه، ومحمَّد من أعز الناس في عشيرته، يمنعه والله منا من كان على قوله، ومن لم يكن منا على قوله يمنعه للحسب والشرف، وقد أبى محمد الناس كلهم غيركم، فإن كنتم أهل قوة وجلد وبصر بالحرب واستقلال بعداوة العرب قاطبة ترميكم عن قوس واحدة، فارتأوا رأيكم وأتمروا بينكم ولا تفترقوا إلا عن ملأٍ منكم واجتماع، فإن أحسن الحديث أصدقه، فقال البراء بن معرور: قد سمعنا ما قلت وإنا والله لو كان في أنفسنا غير ما تنطق به لقلناه، ولكنا نريد الوفاء والصدق وبذل مهج أنفسنا دون رسول الله ﷺ ، قال: وتلا رسول الله ﷺ عليهم القرآن ثم دعاهم إلى الله ورغبهم في الإِسلام وذكر الذي اجتمعوا له، فأجابه البراء بن معرور بالإيمان والتصديق ثم قال: يا رسول الله بايعنا فنحن أهل الحلقة ورثناها كابرًا عن كابر، ويقال إن أبا الهيثم بن التيهان كان أول من تكلم وأجاب إلى ما دعا إليه رسول الله ﷺ وصدقه، وقالوا: نقبله على مصيبة الأموال وقتل الأشراف، ولغطوا، فقال العباس بن عبد المطب: وهو أخذ بيد رسول الله صلى الله
стр. 491
عليه وسلم: أخفوا حرسكم فإن علينا عيونا، وقدموا ذوي أسنانكم، فيكونون هم الذين يلون كلامنا منكم، فإنا نخاف قومكم عليكم، ثم إذا بايعتم فتفرقوا إلى محالكم، فتكلم البراء ابن معرور فأجاب العباس بن عبد المطلب، ثم قال: ابسط يدك يا رسول الله، فكان أول من ضرب على يد رسول الله ﷺ ، البراء بن معرور، ويقال أول من ضرب على يده أبو الهيثم بن التيهان، ويقال أسعد بن زرارة، ثم ضرب السبعون كلهم على يده وبايعوه، فقال رسول الله ﷺ : إن موسى أخذ من بني إسرائيل اثني عشر نقيبا فلا يجدن منكم أحد في نفسه أن يؤخذ غيره، فإنما يختار لي جبريل، فلما تخيرهم قال للنقباء: أنتم كفلاء على غيركم ككفالة الحواريين لعيسى بن مريم وأنا كفيل على قومي، قالوا: نعم، فلما بايع القوم وكملوا صاح الشيطان على العقبة بأبعد صوت سمع: يا أهل الأخاشب، هل لكم في محمَّد والصباة معه قد أجمعوا على حربكم؟ فقال رسول الله ﷺ : انفضوا إلى رحالكم، فقال العباس بن عبادة بن نضلة: يا رسول الله والذي بعثك بالحق لئن أحببت لنميلن على أهل منى بأسيافنا، وما أحد عليه سيف تلك الليلة غيره، فقال رسول الله ﷺ : إنا لم نرمر بذلك فانفضوا إلى رحالكم، فتفرقوا إلى رحالهم، فلما أصبح القوم غدت عليهم جلة قريش وأشرافهم حتى دخلوا شعب الأنصار فقالوا: يا معشر الخزرج، إنه بلغنا أنكم لقيتم صاحبنا البارحة وواعدتموه أن تبايعوه على حربنا, وأيم الله ما حي من العرب أبغض إلينا أن تنشب بيننا وبينه الحرب منكم، قال: فانبعث من كان هناك من الخزرج من المشركين يحلفون لهم بالله ما كان هذا وما علمنا، وجعل ابن أبي يقول: هذا باطل وما كان هذا وما كان قومي ليفتأتوا علي بمثل هذا, ولو كنت بيثرب ما صنع هذا قومي حتى يؤامروني، فلما رجعت قريش من عندهم رحل البراء بن معرور فتقدم إلى بطن يأجج وتلاحق أصحابه من المسلمين، وجعلت قريش تطلبهم في كل وجه ولا تعدوا طرق المدينة، وحزبوا عليهم، فأدركوا سعد بن عبادة، فجعلوا يده إلى عنقه بنسعة وجعلوا يضربونه ويجرون شعره، وكان ذا جمة، حتى أدخلوه مكة، فجاءه مطعم بن عدي والحارث بن أمية بن عبد شمس فخلصاه من بين أيديهم، وأتمرت الأنصار حين فقدوا سعد بن عبادة أن يكروا إليه، فإذا سعد قد طلع عليهم، فرحل القوم جميعا إلى المدينة. (١)
стр. 492
شروط البيعة في العقبة الأخيرة
قال ابن إسحاق: وكانت بيعة الحرب، حين أذن الله لرسوله ﷺ في القتال شروطًا سوى شرطه عليهم في العقبة الأولى، كانت الأولى على بيعة النساء وذلك أن الله تعالى لم يكن أذن لرسوله ﷺ في الحرب، فلما أذن الله له فيها، وبايعهم رسول الله ﷺ في العقبه الأخيرة على حرب الأحمر والأسود، أخذ لنفسه واشترط على القوم لربه، وجعل لهم على الوفاء بذلك الجنة.
قال ابن إسحاق: فحدثني عبادة بن الوليد بن الصامت، عن أبيه الوليد، عن جده عبادة ابن الصامت، وكان أحد النقباء، قال: بايعنا رسول الله ﷺ -بيعة الحرب وكان عبادة من الاثنى عشر الذين بايعوه في العقبة الأولى على بيعة النساء- على السمع والطاعة، في عسرنا ويسرنا ومنشطنا ومكرهنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، وأن نقول بالحق أينما كنا، لا نخاف في الله لومة لائم.
الدعوة إلى الله بين الأنصار وتهيئتهم لملاقاة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم
عن عبد الرحمن بن معبد بن كعب بن مالك حدثني أبي عن كعب قال: لما قدم اثنا عشر رجلا من العقبة وقد أمرهم رسول الله ﷺ أن يوافوه سبعون رجلا في العام المقبل أقمنا سنة يمشي أحدنا إلى صاحبه بالشسع والرحل والمطعم حتى وافاه سبعون رجلا.
حديث أبو مسعود عقبة بن عمرو عن العقبة الآخرة (١)
حدثنا عبيد بن غنام ثنا أبو بكر بن أبي شيبة ثنا عبد الرحيم بن سليمان عن مجالد عن عامر الشعبي عن عقبة بن عمرو أبي مسعود قال: وعدنا رسول الله ﷺ في أصل العقبة يوم الأضحى، ونحن سبعون رجلًا، قال عقبة: إني لأصغرهم سنا، فأتانا رسول الله ﷺ فقال: "أوجزوا في الخطبة فإني أخاف عليكم كفار قريش"، فقلنا
стр. 493
يا رسول الله، سلنا لربك وسلنا لنفسك وسلنا لأصحابك وأخبرنا ما لنا من الثواب على الله -عَزَّ
وجَلَّ- وعليك، فقال: "أما الذي أسأل لربي تؤمنوا به ولا تشركوا به شيئًا، وأما الذي أسأل لنفسي فإني أسألكم أن تطيعوني أهدكم سبيل الرشاد، وأسألكم لي ولأصحابي أن تواسونا في ذات أيديكم، وأن تمنعونا مما منعتم منه أنفسكم، فإذا فعلتم ذلك فلكم على الله الجنة وعلي" قال: فمددنا أيدينا فبايعناه. (١)
بيعة العقبة الآخرة
قال الإمام أحمد، رحمه الله تعالى: ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن ابن خثيم، عن أبي الزبير، عن جابر قال: مكث رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، بمكة عشر سنين يتبع الناس في منازلهم بعكاظ ومجنة وفي المواسم بمنى يقول: "من يؤويني من ينصرني حتى أبلغ رسالة ربي وله الجنة". حتى إن الرجل ليرحل من مضر أو اليمن إلى ذي رحمه فيأتيه قومه فيقولون: احذر غلام قريش لا يفتنك ويمشي بين رحالهم يدعوهم إلى الله وهم يشيرون إليه بالأصابع حتى بعثنا الله إليه من يثرب فآويناه وصدقناه فيخرج الرجل منا فيؤمن به ويقرئه القرآن فينقلب إلى أهله فيسلمون بإسلامه حتى لم يبق دار من دور الأنصار إلا وفيها رهط من المسلمين يظهرون الإِسلام ثم ائتمروا جميعا فقلنا: حتى متى نترك رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، يطرد في جبال مكة ويخاف، فرحل إليه منا سبعون رجلا، حتى قدموا عليه في الموسم فواعدناه شعب العقبة فاجتمعنا عليه من رجل ورجلين حتى توافينا فقلنا: يا رسول الله نبايعك؟ قال: "تبايعونني على السمع والطاعة في النشاط والكسل والنفقة في العسر واليسر على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم وعلى أن تنصروني فتمنعوني إذا قدمت عليكم مما تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم ولكم الجنة" قال: فقمنا إليه فبايعناه وأخذ بيده أسعد بن زرارة وهو من أصغرهم فقال: رويدًا يا أهل يثرب فإنا لم نضرب أعناق الإبل إلا ونحن نعلم أنه رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن إخراجه اليوم مفارقة العرب كافة وقتل خياركم وأن تعضكم السيوف فإما أنتم قوم تصبرون على ذلك وأجركم على الله وأما أنتم قوم تخافون من أنفسكم جبينة
стр. 494
فبينوا ذلك فهو عذر لكم عند الله، قالوا: أمط عنا يا أسعد فوالله لا ندع هذه البيعة أبدا ولا نسلبها أبدا، قال: فقمنا إليه فبايعناه فأخذ علينا وشرط يعطينا على ذلك الجنة، ﵃ أجمعين. (١)
خطيب الأنصار أبو أمامة أسعد بن زرارة ﵁ يوم العقبة
حدثنا محمَّد بن منصور الجواز قال: ثنا سفيان عن إسماعيل بن أبي خالد عن الشعبي قال: ذهب النبي ﷺ وذهب معه بالعباس يوم العقبة فقال العباس: اعلموا (٢) يا معشر الأنصار وأوجزوا فإن علينا عيونا، قال الشعبي: فخطب أبو أمامة أسعد بن زرارة ما خطب المرد ولا الشيب بمثلها قط، فقال: يا رسول الله اشترط لربك واشترط لنفسك واشترط لأصحابك، فقال: أشترط لربي أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا وأشترط لنفسي أن تمنعوني مما تمنعون منه أنفسكم وأهليكم وأشترط لأصحابي المواساة في ذات أيديكم، قالوا: هذا لك فما لنا؟ قال: الجنة، قال: ابسط يدك. (٣)
حديث العقبة كما رواه كعب بن مالك ﵁
حدثنا عبد الملك بن محمَّد، عن زياد بن عبد الله قال: قال ابن إسحاق: فحدثني معبد بن كعب بن مالك أخو بن سلمة، أن (أخاه) عبيد الله بن كعب بن مالك -وكان من أعلم الأنصار- حدثه أن أباه كعب بن مالك، -وكان كعب ممّن شهد العقبة، وبايع رسول الله ﷺ قال: فخرجنا في حجاج قومنا من المشركين، وقد فقهنا وصلينا، ومعنا البراء بن معرور ﵁ سيدنا وكبيرنا، فلما وجهنا لسفرنا وخرجنا من المدينة، قال البراء بن معرور ﵁: يا هؤلاء إني قد رأيت رأيًا، والله ما أدري أتوافقونني عليه أم لا؟ فقلنا: ما هو؟ قال: تصلون إلى الكعبة! قال: قلنا: ما أمرنا نبينا ﷺ ، نصلي إلا إلى الشام. وما نريد أن نخالفه. قال: إني لمصل إليها. قال: قلنا: لا تفعل. قال: فكنا إذا حضرت الصلاة نصلي إلى الشام ويصلي إلى الكعبة، حتى
стр. 495
قدمنا مكة وقد عبنا ما صنع، وأبى إلا الإقامة عليه. قال: فلما قدمنا مكة، قال: يا أخي انطلق إلى رسول الله ﷺ حتى أسأله عما صنعت في سفري هذا، فإني والله لقد وقع في نفسي منه شيء لما رأيت من خلافكم إياي فيه، فخرجنا نسأل عن رسول الله ﷺ وكنا لا نعرفه، لم نره قبل ذلك، فلقينا رجلًا من أهل مكة، فسألناه عن رسول الله ﷺ فقال: هل تعرفونه؟ قال: قلنا: لا. قال: فهل تعرفون العباس بن عبد المطلب ﵁؟ قال: قلنا: نعم -وكنا نعرف العباس، كان لا يزال يقدم علينا تاجرًا- قال: فإذا دخلتما المسجد فهو الرجل الذي جالس مع العباس ﵁، فدخلنا المسجد، فإذا العباس ﵁ جالس ورسول الله ﷺ معه جالس، فسلمنا، ثم جلسنا إليه، فقال النبي ﷺ للعباس ﵁: هل تعرف هذين الرجلين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء ابن معرور، سيد قومه، وهذا كعب بن مالك، قال: فوالله ما أنسى قول رسول الله ﷺ : الشاعر؟ -يريد كعب بن مالك ﵁ قال: نعم، قال: فقال البراء بن معرور ﵁: يا نبي الله إني قد خرجت في سفري هذا، وقد هداني الله -تعالى- إلى الإِسلام، فرأيت ألا (أضع) هذه البنية بظهر، فصليت إليها، وقد خالفني أصحابي في ذلك، حتى وقع في نفسي من ذلك شيء، فماذا ترى يا رسول الله؟ قال ﷺ : "قد كنت على قبلة لو صبرت عليها".
قال: فرجع البراء ﵁ إلى قبلة رسول الله ﷺ ، فصلى معنا إلى الشام. وأهله يزعمون أنه صلى إلى الكعبة حتى مات، وليس كذلك كما قالوه، ونحن أعلم به منهم.
ثم خرجنا إلى الحج، وواعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، فلما فرغنا من الحج، وكانت ليلة التي واعدنا رسول الله ﷺ العقبة من أوسط أيام التشريق، ومعنا عبد الله بن عمرو بن حرام -أبو جابر- سيد من ساداتنا، وكلنا يكتم من معنا من قومنا من المشركين أمرنا، فكلمناه، وقلنا: يا أبا جابر إنك سيد من ساداتنا، وشريف من أشرافنا، وإنا نرغب بك عما أنت عليه أن تكون حطبًا للنار غدا، ثم دعوناه إلى الإِسلام، وأخبرناه بميعادنا رسول الله ﷺ العقبة. قال: فأسلم وشهد معنا من رجالنا لميعاد رسول الله ﷺ مستخفين تسلل القطا، إذ