فوثب المشركون إليه، ووثب على عتبة، فبرك عليه وجعل يضربه، وأدخل أصبعه في عينيه؛ فجعل عتبة يصيح، فتنحى الناس، فقام عمر، فجعل لا يدنو منه أحد إلا أخذ بشريف ممّن دنا منه، حتى أعجز الناس (فما برح يقاتلهم ويقاتلونه، حتى قامت الشمس على رءوسهم قال: وطلح، فقعد وقاموا على رأسه، وهو يقول: افعلوا ما بدا لكم، فأحلف بالله أن لو قد كنا ثلاثمائة رجل لقد تركناها لكم، أو تركتموها لنا، قال: فبينما هم على ذلك، إذ أقبل شيخ من قريش، عليه حلة حبرة، وقميص موشى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر، فقال: فمه، رجل اختار لنفسه أمرًا، فماذا تريدون؟! أترون بني عدي بن كعب يسلمون لكم صاحبهم هكذا، خلوا عن الرجل. قال: فوالله لكأنما كانوا ثوبًا كشط عنه. وكان هذا الرجل العاص بن وائل السهمي).
(قال: فبينما هو في الدار خائفًا (على نفسه) إذ جاءه العاص بن وائل السهمي -أبو عمرو- عليه حلته الحبرة وقميصه المكفوف بالحرير -وهو من بني سهم حلفاء بني عدي في الجاهلية- فقال: ما بالك (يا بن الخطاب؟) قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت، قال (العاص): لا سبيل إليك (فما عدا) بعد أن قالها أمنت (عليه)، قال عبد الله بن عمر: واجتمع الناس عند داره، وقالوا: صبأ عمر (وأنا غلام فوق ظهر بيتي، (وكان ابن خمس سنين) فخرج (عمر) (و) العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ فقالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ. قال: قد صبأ عمر فما ذاك؟ فأنا له جار لا سبيل إليه (فارجعوا) فكر الناس، قال ابن عمر: فرأيت الناس تصدعوا عنه فعجبت من عزه).
واتبع المجالس التي كان يجالس فيها فيظهر الإيمان, ثم انصرف إلى النبي ﷺ ، وهو ظاهر عليهم. قال: ما عليك بأبي وأمي والله ما بقي مجلس كنت أجلس فيه بالكفر إلا أظهرت فيه الإيمان, غير هائب ولا خائف، فخرج رسول الله ﷺ وخرج عمر أمامه وحمزة بن عبد المطب، حتى طاف بالبيت وصلى الظهر مؤمنًا، ثم انصرف إلى دار الأرقم ومعه وحده، ثم انصرف النبي ﷺ .
стр. 422
وكان ابن مسعود يقول: ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر، (وكان يقول: لقد رأيتنا وما نستطيع أن نصلي بالبيت حتى أسلم عمر، فلما أسلم عمر؛ قاتلهم حتى تركونا نصلي).
وأسلم ابن عمر وأمه.
وآخى النبي ﷺ بين زيد بن حارثة وحمزة، وعن سعيد بن زيد قال: كنا مع النبي ﷺ بحراء، فتحرك فقال: "اسكن حراء فإنه ليس عليك إلا نبي أو صديق أو شهيد" وكان معهما أبو بكر، وعمر وعثمان، وعلي، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف.
حدثنا عبد الله بن إدريس عن حصين عن هلال بن يساف قال: أسلم عمر بن الخطاب بعد أربعين رجلًا وإحدى عشرة امرأة.
حدثنا أحمد بن يحي بن خالد بن حيان الرقي حدثنا يحي بن بكير حدثنا ابن لهيعة عن خالد بن يزيد عن عمرو بن دينار عن طاوس ومجاهد عن ابن عباس قال: أول من جهر بالإسلام عمر بن الخطاب ﵁.
عن ابن عمر: أن رسول الله ﷺ قال: "اللَّهم أعزَّ الإسلام بأحب هذين الرجلين إليك، بأبي جهل، أو بعمر بن الخطاب" قال: وكان أحبهما إليه عمر (١).
عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: "ما زلنا أعزة منذ أسلم عمر" (٢).
عن عبد الله بن عمر ﵄ قال: بينما هو: يعني -أباه عمر- في الدار خائفًا، إذا جاءه العاص بن وائل السهمي أبو عمرو وعليه حلة حبرة، وقميص مكفوف بحرير، وهو من بني سهم، وهم حلفاؤنا في الجاهلية، فقال له: ما بالك؟ قال: زعم قومك أنهم سيقتلونني إن أسلمت، قال: لا سبيل إليك -[بعد أن قالها] أمنت- فخرج العاص، فلقي الناس قد سال بهم الوادي، فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد هذا ابن الخطاب الذي صبأ؛ قال: لا سبيل إليه، فكَّر الناس.
стр. 423
إسلام حمزة بن عبد المطلب ﵁
روى بسنده عن ابن إسحاق قال: فحدثني رجل من أسلم، وكان واعية، فذكر الخير السابق وزاد: ثم رجع حمزة إلى بيته فأتاه الشيطان، فقال: أنت سيد قريش اتبعت هذا الصابئ وتركت دين آبائك، للموت خير لك مما صنعت، فأقبل على حمزة شبه فقال: ما صنعت؟ اللَّهم إن كان رشدًا، فاجعل تصديقه في قلبي، وإلا فاجعل لي مما وقعت فيه مخرجًا، فبات بليلةٍ لم يبت بمثلها من وسوسة الشيطان حتى أصبح فغدا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: ابن أخي، إني وقعت في أمر لا أعرف المخرج منه، وإقامة مثلي على ما لا أدري ما هو، أرشد هو أم غي، شديد، فحدثني حديثًا، فقد استشهيت يا ابن أخي أن تحدثي، فأقبل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فذكره ووعظه، وخوفه وبشره، فألقى الله في نفسه الإيمان كما قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: أشهد أنك لصادق شهادة المصدق والعارف، فأظهر يا ابن أخي دينك، فوالله ما أحب أن لي ما ألمعت الشمس وأني على ديني الأول. قال: فكان حمزة ممّن أعز الله به الدين. (١)
عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس بن شريق حليف بني زهرة أن أبا جهل. اعترض رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بالصفا فآذاه، وكان حمزة ﵁، صاحب قنصٍ وصيدٍ، وكان يومئذ في قنصه فلما رجع قالت له امرأته، وكانت قد رأت ما صنع أبو جهل برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: يا أبا عُمارة, لو رأيت ما صنع تعني أبا جهل بابن أخيك، فغضب حمزة ومضى كما هو قبل أن يدخل بيته، وهو معلق قوسه في عنقه، حتى دخل المسجد فوجد أبا جهل في مجلس من مجالس قريش، فلم يكلمه حتى علا رأسه بقوسه فشجه، فقام رجال من قريش إلى حمزة يمسكونه عنه، فقال حمزة: ديني دين محمد أشهد أنه رسول الله فوالله لا أنثني عن ذلك فامنعوني من ذلك إن كنتم صادقين. فلما أسلم حمزة عز به رسول الله صلى الله عليه وعلى
стр. 424
آله وصحبه وسلم، والمسلمون، وثبت لهم بعض أمرهم، وهابت قريش، وعلموا أن حمزة ﵁، سيمنعه. (١)
قال ابن إسحاق: حدثني رجل من أسلم، كان واعية، أن أبا جهلٍ مر برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فآذاه وشتمه، ونال منه بعض ما يكره من العيب لدينه، والتضعيف لأمره، فلم يكلمه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ومولاة لعبد الله بن جدعان في مسكن لها تسمع ذلك، ثم انصرف عنه، فعمد إلى ناد من قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبد المطب ﵁، أن أقبل متوشحًا قوسه، راجعا من قنص له، وكان صاحب قنص يرميه ويخرج له، وكان إذا رجع من قنصه لم يصل إلى أهله حتى يطوف بالكعبة، وكان إذا فعل ذلك لم يمر على ناد من قريش إلا وقف وسلم وتحدث معهم، وكان أعز فتى في قريش، وأشد شكيمة، فلما مر بالمولاة وقد رجع رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم إلى بيته، قالت له: يا أبا عُمارة، لو رأيت ما لقي ابن أخيك محمد آنفًا من أبى الحكم بن هشام!! وجده ها هنا جالسًا، فآذاه وسبه، وبلغ منه ما يكره، ثم انصرف عنه، ولم يقف على أحد، معدًا لأبي جهل -إذا لقيه- أن يوقع به، فلما دخل المسجد نظر إليه جالسا في القوم، فأقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس فضربه بها فشجه شجة منكرة، ثم قال: أتشتمه؟ فأنا على دينه أقول ما يقول، فرد ذلك علي إن استطعت، فقامت رجال من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عُمارة، فإني والله قد سببت ابن أخيه سبًا قبيحًا، وتم حمزة ﵁، على إسلامه، وعلى ما تابع عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من قوله. (٢)
فلما أسلم حمزة عرفت قريش أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قد عز وامتنع، وأن حمزة سيمنعه، فكفوا عن بعض ما كانوا ينالون منه.
стр. 425
قصة إسلام عمر بن الخطاب ﵁
روى بسنده عن عمر بن الخطاب، ﵁، قال: خرجت أتعرض رسول الله ﷺ قبل أن أسلم، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة، فجعلت أعجب من تأليف القرآن، قال: فقلت: هذا والله شاعر كما قالت قريش، قال: فقرأ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (٤٠) وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلًا مَا تُؤْمِنُونَ﴾، قال: قلت: كاهن، قال: ﴿وَلَا بِقَوْلِ كَاهِنٍ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (٤٢) تَنْزِيلٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٤٣) وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ (٤٤) لَأَخَذْنَا مِنْهُ بِالْيَمِينِ (٤٥) ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْهُ الْوَتِينَ (٤٦) فَمَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حَاجِزِينَ﴾ إلى أخر السورة. قال: فوقع الإسلام في قلبي كل موقع. (١)
قال ابن إسحاق: وحدثني عبد الرحمن بن الحارث، عن بعض آل عمر، أو بعض أهله، قال: قال عمر: لما أسلمت تلك الليلة، تذكرت أي أهل مكة أشد لرسول الله ﷺ عداوة حتى آتيه فأخبره أني قد أسلمت، قال: قلت: أبو جهل، وكان عمر لحنتمة بنت هشام ابن المغيرة، قال: فأقبلت حين أصبحت، حتى ضربت عليه بابه، قال: فخرج إلي أبو جهل، فقال: مرحبًا وأهلًا بابن أختي، ما جاء بك؟ قال: قلت: جئت لأخبرك أني قد آمنت بالله وبرسوله محمد، وصدقت بما جاء به، قال: فضرب الباب في وجهي، وقال: قبحك الله وقبح ما جئت به. (٢)
روى بسنده عن صهيب بن سنان قال: لما أسلم عمر ظهر الإسلام، ودعي إليه علانية، وجلسنا حول البيت حلقًا، وطفنا بالبيت، وانتصفنا ممّن غلظ علينا، ورددنا عليه بعض ما يأتي به. (٣)
стр. 426
روى بسنده عن أيوب بن موسى قال: قال رسول الله ﷺ : "إن الله جعل الحق على لسان عمر وقلبه، وهو الفاروق فرق الله به بين الحق والباطل". (١)
وروى بسنده عن أبي عمرو ذكوان قال: قلت لعائشة: من سمى عمر الفاروق؟ قالت: النبي ﵇. (٢)
قال البكائي بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: إن إسلام عمر كان فتحًا، وإن هجرته كانت نصرًا، وإن إمارته كانت رحمة، ولقد كنا ما نصلي عند الكعبة حتى أسلم عمر، فلما أسلم قاتل قريشًا حتى صلى عند الكعبة، وصلينا معه.
روى بسنده عن أسامة بن زيد بن أسلم عن أبيه عن جده قال: قال لنا عمر بن الخطاب ﵁: أتحبون أن أعلمكم كيف كان إسلامي؟ قال: قلنا: نعم. قال: كنت من أشد الناس على رسول الله ﷺ فبينا أنا في يوم حار شديد الحر بالهاجرة في بعض طريق مكة إذ لقيني رجل من قريش، فقال: أين تريد يا ابن الخطاب؟ فقلت: أريد التي والتي والتي! قال: عجبًا لك يا ابن الخطاب عمن تزعم أنك كذلك، وقد دخل عليك الأمر في بيتك. قال: قلت وما ذاك؟ قال: أختك قد أسلمت، قال: فرجعت مغضبًا حتى قرعت الباب، وقد كان رسول الله ﷺ إذا أسلم الرجل والرجلان ممّن لا شيء له ضمهما رسول الله ﷺ إلى الرجل الذي في يده السعة فينالاه من فضل طعامه وقد كان ضم إلى زوج أختي رجلين، فلما قرعت الباب قيل: من هذا؟ قلت: عمر بن الخطاب فتبادروا فاختفوا مني، وقد كانوا يقرؤون صحيفة بين أيديهم تركوها أو نسوها. فقامت أختي تفتح الباب، فقلت: يا عدوة نفسها أصبوت؟ وضربتها بشيء في يدي على رأسها، فسال الدم، فلما رأت الدم بكت، فقالت: يا ابن الخطاب! ما كنت فاعلا فافعل، فقد صبوت. قال: ودخلت حتى جلست على السرير فنظرت إلى الصحيفة وسط البيت فقلت: ما هذا؟ ناولنيها، فقالت: لست من أهلها أنت لا تطهر من الجنابة وهذا كتاب لا يمسه إلا المطهرون، فما
стр. 427
زلت بها حتى ناولتنيها، ففتحتها فإذا فيها: ﴿بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ﴾، فلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت منه فألقيت الصحيفة، ثم رجعت إلى نفسي فتناولتها فإذا فيها ﴿سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، فلما مررت باسم من أسماء الله ذعرت، ثم رجعت إلى نفسي، فقرأتها حتى بلغت: ﴿آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ إلى آخر الآية، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، فخرجوا إلي متبادرين وكبروا وقالوا: أبشر يا ابن الخطاب فإن رسول الله ﷺ دعا يوم الاثنين فقال: "اللَّهم أعز دينك بأحب الرجلين إليك: إما أبو جهل بن هشام، وإما عمر بن الخطاب" وإنا نرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ لك فأبشر. قال: قلت: فأخبروني أين رسول الله ﷺ ؟ فلما عرفوا الصدق مني قالوا: في بيت بأسفل الصفا، فخرجت، حتى قرعت الباب عليهم، فقالوا: من هذا؟ قلت: ابن الخطاب، قال: وقد علموا من شدتي على رسول الله ﷺ وما يعلمون بإسلامي، فما اجترأ أحد بفتح الباب حتى قال: افتحوا له، إن يرد الله به خيرًا يهده، ففتحوا لي الباب فأخذ رجلان بعضدي، حتى أتيا بي النبي ﷺ فقال: "خلوا عنه"، ثم أخذ بمجامع قميصي، ثم جذبني إليه، ثم قال: "أسلم يا ابن الخطاب، اللَّهم اهده"، فقلت: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. فكبر المسلمون تكبيرة سمعت بفجاج مكة. (١)
روى ابن سيد الناس من طريق ابن عائذ بسنده عن أبي محمد بن زيد بن عبد الله بن عمر فذكر القصة وفيها: فأتيته بصحيفة فيها ﴿طه﴾ فقرأ فيها ما شاء الله، قال عمر: فلما بلغ ﴿فَلَا يَصُدَّنَّكَ عَنْهَا مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَتَرْدَى﴾ قال: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمدًا عبده ورسوله. وفيها: قالوا: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب يستفتح، فقال رسول الله ﷺ : "ائذنوا له، فإن يرد الله به خيرًا يهده وإلا كفيتموه بإذن الله". (٢)
стр. 428
روى بسنده عن ابن عباس قال: سألت عمر بن الخطاب ﵁ لأي شيء سميت الفاروق فذكر قصة إسلامه بنحو ما سبق وفيها قراءته لسورة طه إلى أن قال: فتعظمت في صدري وقلت: من هذا أفرت قريش، ثم شرح الله صدري للإسلام فقلت: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى﴾. قال: فما في الأرض نسمة أحب إليَّ من رسول الله ﷺ قلت: أين رسول الله ﷺ ؟ قالت: عليك عهد الله وميثاقه أن لا تجبهه بشيء يكرهه، قلت: نعم، قالت: فإنه في دار أرقم بن أبي أرقم في دار عند الصفا، فأتيت الدار وحمزة في أصحابه جلوس في الدار، ورسول الله ﷺ في البيت، فضربت الباب، فاستجمع القوم فقال لهم حمزة ما لكم؟ قالوا: عمر بن الخطاب، قال: افتحوا له الباب فإن قبل قبلنا منه، وإن أدبر قتلناه، فسمع ذلك رسول الله ﷺ فقال: "ما لكم؟ " فقالوا: عمر بن الخطاب، قال: فخرج رسول الله ﷺ فأخذه بمجامع ثيابه، ثم نتره نتره فما تمالك أن وقع على ركبته على الأرض، قال: "ما أنت بمنته يا عمر"، قال: قلت: أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، قال: فكبر أهل الدار تكبيرة سمعها أهل المسجد، قلت: يا رسول الله ألسنا على الحق إن متنا وإن حيينا؟ قال: "بلى، والذي نفسي بيده، إنكم لعلى الحق إن متم وإن حييتم"، قال: فقلت: ففيم الاختفاء؟ والذي بعثك بالحق لتخرجن، فأخرجناه في صفين، حمزة في أحدهما، وأنا في الآخر، له كديد ككديد الطحين، حتى دخلنا المسجد، قال: فنظرت إليَّ قريش وإلى حمزة فأصابتهم كآبة لم يصيبهم مثلها، فسمَّاني رسول الله ﷺ الفاروق، وفرق بين الحق والباطل. (١)
قال ابن إسحاق: وكان إسلام عمر -فيما بلغني- أن أخته فاطمة بنت الخطاب وكانت عند سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، وكانت قد أسلمت، وأسلم بعلها سعيد بن زيد وهما مستخفيان بإسلامهما من عمر، وكان نعيم بن عبد الله النحام -رجل من قومه من بني عدي بن كعب - قد أسلم وكان أيضًا يستخفي بإسلامه فرقًا من قومه،
стр. 429
وكان خباب بن الأرت يختلف إلى فاطمة بنت الخطاب يقرئها القرآن، فخرج عمر يومًا متوشحًا بسيفه يريد رسول الله ﷺ ورهطا من أصحابه قد ذكروا له أنهم قد اجتمعوا في بيت عند الصفا، وهم قريب من أربعين من بين رجال ونساء، ومع رسول الله ﷺ عمه حمزة بن عبد المطب، وأبو بكر بن أبي قحافة الصديق، وعلي بن أبي طالب في رجال من المسلمين ﵃، ممّن كان مع رسول الله ﷺ بمكة، ولم يخرج فيمن خرج إلى أرض الحبشة، فلقيه نعيم ابن عبد الله، فقال له: أين تريد يا عمر؟ فقال: أريد محمدًا هذا الصابئ، الذي فرق أمر قريش وسفه أحلامها، وعاب دينها، وسب آلهتها فأقتله، فقال له نعيم: والله لقد غرتك نفسك من نفسك يا عمر، أترى بني عبد مناف تاركيك تمشي على الأرض وقد قتلت محمدًا, أفلا ترجع إلى أهل بيتك فتقيم أمرهم!!! قال: وأي أهل بيتي؟ قال: ختنك وابن عمك سعيد بن زيد بن عمرو، وأختك فاطمة بنت الخطاب، فقد والله أسلما وتابعا محمدًا على دينه، فعليك بهما، قال: فرجع عمر عامدًا إلى أخته وختنه، وعندهما خباب بن الأرت معه صحيفة فيها طه يقرئهما إياها، فلما سمعوا حس عمر تغيب خباب في مخدع لهم، أو في بعض البيت، وأخذت فاطمة بنت الخطاب الصحيفة فجعلتها تحت فخذها، وقد سمع عمر حين دنا إلى البيت قراءة خباب عليهما، فلما دخل قال: ما هذه الهينمة التي سمعت؟ قالا له: ما سمعت شيئًا، قال: بلى والله لقد أخبرت أنكما تابعتما محمدًا على دينه، وبطش بختنه سعيد ابن زيد، فقامت إليه أخته فاطمة بنت الخطاب لتكفه عن زوجها، فضربها فشجها، فلما فعل ذلك، قالت له أخته وختنه: نعم قد أسلمنا وآمنا بالله ورسوله، فاصنع ما بدا لك، فلما رأى عمر ما بأخته من الدم ندم على ما صنع، فارعوى، وقال لأخته: أعطيني هذه الصحيفة التي سمعتكم تقرؤون آنفًا أنظر ما هذا الذي جاء به محمد، وكان عمر كاتبًا، فلما قال ذلك طمعت في إسلامه، فقالت له: يا أخي إنك نجس على شركك، وإنه لا يمسها إلا الطاهر، فقام عمر فاغتسل، فأعطته الصحيفة وفيها طه فقرأها، فلما قرأ منها صدرًا قال: ما أحسن هذا الكلام وأكرمه!! فلما سمع ذلك خباب خرج إليه؛ فقال له: يا عمر والله إني لأرجو أن يكون الله قد خصك بدعوة نبيه، فإني سمعته أمس وهو يقول: "اللَّهم أيد الإسلام بأبي
стр. 430
الحكم بن هشام أو بعمر بن الخطاب". فالله الله يا عمر، فقال له عند ذلك عمر: فدلني يا خباب على محمد حتى آتيه فأسلم، فقال له خباب: هو في بيت عند الصفا معه فيه نفر من أصحابه، فأخذ عمر سيفه فتوشحه، ثم عمد إلى رسول الله صلى ﷺ ، فضرب عليهم الباب، فلما سمعوا صوته قام رجل من أصحاب رسول الله ﷺ فنظر من خلل الباب فرآه متوشحًا السيف، فرجع إلى رسول الله ﷺ وهو فزع، فقال: يا رسول الله، هذا عمر بن الخطاب متوشحًا السيف، فقال حمزة بن عبد المطب: فأذن له، فإن كان جاء يريد خيرًا بذلناه له، وإن كان يريد شرًا قتلناه بسيفه، فقال رسول الله ﷺ : "ائذن له" فأذن له الرجل، ونهض إليه رسول الله ﷺ حتى لقيه بالحجرة، فأخذ بحجزته، أو بمجمع ردائه، ثم جبذه جبذه شديدة، وقال: "ما جاء بك يا ابن الخطاب، فوالله ما أرى أن تنتهي حتى ينزل الله بك قارعة" فقال عمر: يا رسول الله جئتك لأومن بالله وبرسوله، وبما جاء من عند الله، قال: فكبر رسول الله ﷺ تكبيرة عرف أهل البيت من أصحاب رسول الله ﷺ أن عمر قد أسلم، فتفرق أصحاب رسول الله ﷺ من مكانهم، وقد عزوا في أنفسهم حين أسلم عمر مع إسلام حمزة، وعرفرا أنهما سيمنعان رسول الله ﷺ وينتصفون بهما من عدوهم، فهذا حديث الرواة من أهل المدينة عن إسلام عمر بن الخطاب حين أسلم. (١)
стр. 431
وفي رواية قال: "لما أسلم عمر اجتمع الناس عند داره، فقالوا: صبأ عمر -وأنا غلام فوق ظهر بيتي- فجاء رجل عليه قباء من ديباج، فقال: صبأ عمر، فما ذاك؟ فأنا له جار، فرأيت الناس تصدَّعوا عنه، فقلت: من هذا؟ قالوا: العاص بن وائل" (١).
سبب إسلام عمر بن الخطاب
عن أنس بن مالك، أن رجلًا من بني زهرة لقي عمر قبل أن يسلم، قال: وهو متقلد السيف، فقال: أين تعتمد يا عمر؟ فقال أريد أن أقتل محمدًا!! قال: فكيف تأمن في بني هاشم وبني زهرة وقد قتلت محمدًا؟ قال: ما أراك إلا قد صبوت وتركت دينك الذي هو أنت عليه؟ قال: أفلا أدلك على العجب يا عمر؟ إن خَتَنك وأُختك قد صبوا وتركا دينهما الذي هما عليه.
قال: فمشى إليهما ذامرًا -قال إسحاق: يعني متغضِّبًا- حتى دنا من الباب، قال: وعندهما رجل يقال له: خباب يقريهما سورة (طه) (٢).
قال: فلما سمع خباب حس عمر دخل تحت سرير لهما. فقال: ما هذه الهينمة التي سمعتها عندكم؟ قالا: ما عدا حديثًا تحدثنا بيننا، فقال: لعلكما قد صبوتما وتركتما دينكما الذي أنتم عليه؟ فقال ختنه: يا عمر أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟ قال: فأقبل على ختنه فوطئه وطئًا شديدًا، قال: فدفعته أخته عن زوجها، فضرب وجهها، فدمي وجهها، قال: فقالت له: أرأيت إن كان الحق في غير دينك؟ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله، قال: فقال عمر: أروني هذا الكتاب الذي كنتم تقرءون، قال: وكان عمر يقرأ الكتب، قال: فقالت أخته: لا، أنت رجس، أعطنا موثقًا من الله لتردنه علينا، وقم فاغتسل وتوضأ، قال: ففعل، قال: فقرأ عمر ﴿طه (١) مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى ...﴾ إلى قوله: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي (١٤) إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ
стр. 432
أُخْفِيهَا﴾ قال عمر: دلوني على محمد، قال: فلما سمع خباب قول عمر: دلوني على محمد ﷺ خرج إليه فقال: أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة رسول الله ﷺ عشيّة الخميس .. "اللَّهم أعزَّ الدين بعمر بن الخطاب أو بعمرو بن هشام".
قال: ورسول الله ﷺ في الدار التي في أصل الصفا يوحى إليه، قال: فانطق عمر، وعلى الباب حمزة بن عبد المطلب وأناس من أصحاب النبي ﷺ فلما رأى حمزة وجل القوم من عمر، قال: نعم فهذا عمر فإن يرد الله به خيرًا يسلم ويتبع النبي ﷺ ، وإن يكن غير ذلك يكن قتله علينا هينًا، قال: فخرج إليه رسول الله ﷺ فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف، فقال: "ما أنت بمنتهي يا عمر حتى ينزل الله بك من الخزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة، اللَّهم اهدِ عمر بن الخطاب، اللَّهم أعزَّ الدين بعمر" فقال عمر: أشهد أنَّ لا إله إلا الله وأنك عبده ورسوله وأسلم وقال أخرج يا رسول الله.
إسلام حمزة بن عبد المطلب عم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وأخوه من الرضاعة .
عن محمد بن كعب القرظي قال: كان إسلام حمزة ﵁ حمِيَّةَ [وكان رجلًا راميًا]، وكان يخرج من الحرم فيصطاد، فإذا رجع مرَّ. بمجلس قريش، وكانوا يجلسون عند الصفا والمروة، فيمر بهم فيقول: رميت كذا وكذا، وضعت كذا وكذا، ثم ينطلق إلى منزله.
فأقبل من رميه ذات يوم، فلقيته امرأة فقالت: يا أبا عمارة، ماذا لقي ابن أخيك من أبي جهل بن هشام، شتمه وتناوله، وفعل [به] وفعل، فقال: هل رآه أحد؟ قالت: إي والله، لقد رآه أناس، فأقبل حتى انتهى إلى ذلك المجلس عند الصفا والمروة، فإذا هم جلوس وأبو جهل فيهم، فاتكأ على قوسه وقال: رميت كذا وكذا، وفعلت كذا وكذا،
стр. 433
ثم جمع يديه بالقوس فضرب بها بين أذني أبي جهل فدقَّ سيتها، ثم قال: خذها بالقوس وأخرى بالسيف، أشهد أنه رسول الله ﷺ ، وأنه جاء بالحق من عند الله.
قالوا: يا أبا عمارة، إنه سب آلهتنا, ولو كنت أنت وأنت أفضل منه ما أقررناك وذاك، وما كنت يا أبا عمارة فاحشًا (١).
غلبت الروم
وقال عكرمة لقي المشركون أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وقالوا: إنكم أهل كتاب والنصارى أهل كتاب ونحن أميون وقد ظهر إخواننا من أهل فارس على إخوانكم من أهل الكتاب وإنكم إن قاتلتمونا لنظهرن عليكم فأنزل الله تعالى ﴿الم (١) غُلِبَتِ الرُّومُ (٢) فِي أَدْنَى الْأَرْضِ ..﴾ إلى قوله: ﴿يَنْصُرُ مَنْ يَشَاءُ﴾ فخرج أبو بكر الصديق إلى الكفار فقال أفرحتم بظهور إخوانكم على إخواننا فلا تفرحوا ولا يقرن الله أعينكم فوالله ليظهرن الله الروم على فارس أخبرنا بذلك نبينا صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فقام إليه أبي بن خلف الجمحي فقال كذبت يا أبا فصيل فقال له: أبو بكر أنت أكذب يا عدو الله فقال أناحبك عشر قلائص مني وعشر قلائص منك فإن ظهرت الروم على فارس غرمت وإن ظهرت فارس غرمت إلى ثلاث سنين ثم جاء أبو بكر إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فأخبره فقال: ما هكذا ذكرت إنما البضع ما بين الثلاث إلى التسع فزايده في الخطر ومادَّه في الأجل فخرج أبو بكر فلقي أبيًا فقال: لعلك ندمت فقال: لا تعالى أزايدك في الخطر وأمادك في الأجل فأجعلها مائة قلوص إلى تسع سنين قال قد فعلت فظهرت الروم على فارس قبل ذلك فغلبهم المسلمون (٢).
стр. 434
خروج الرسول ﷺ بأصحابه للصلاة في الشعب
قال ابن إسحاق: وكان أصحاب رسول الله ﷺ إذا صلّوا، ذهبوا في الشِّعاب، فاستخفوا بصلاتهم من قومهم، فبينا سعد بن أبي وقاص في نفر من أصحاب رسول الله ﷺ في شعب من شعاب مكة، إذ ظهر عليهم نفر من المشركين وهم يصلون، فناكروهم، وعابوا عليهم ما يصنعون حتى قاتلوهم، فضرب سعد بن أبي وقاص يومئذ رجلًا من المشركين بلحي بعير، فكان أول دم هريق في الإسلام.
روى الحاكم بسنده عن برة بنت أبي تجرأة قالت: كانت قريش لا تنكرُ صلاة الضحى إنما تنكرُ الوقت، وكان رسول الله، ﷺ ، إذا جاء وقت العصر تفرقوا إلى الشعاب فصلُّوا فرادى ومثنى، فمشى طليب بن عمير وحاطب بن عبد شمس يصلون بشعب أجياد، بعضهم ينظر إلى البعض، إذ هجم عليهم ابن الأصيدي وابن القبطية، وكانا فاحشين، فرموهم بالحجارة ساعةً، حتى خرجا وانصرفا وهما يشتدان وأتيا أبا جهل وأبا لهب وعقبة بن أبي معيط: فذكروا لهم الخبر فانطلقوا لهم في الصبح، وكانوا يخرجون في غلس الصبح فيتوضَّئون ويصلُّون، فبينما هم في شعبٍ إذ هجم عليهم أبو جهل وعقبة وأبو لهب وعدةٌ من سفهائهم فبطشوا بهم فنالوا منهم، وأظهر أصحاب رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، الإسلام وتكلموا به ونادوهم وذبوا عن أنفسهم، وتعمد طليب بن عمير إلى أبي جهل فضربه شجةً فأخذوه وأوثقوه، فقام دونه أبو لهب حتى حله وكان ابن أخته. فقيل لأروى بنت عبد المطب ألا ترين إلى ابنك طليب قد اتَّبع محمدًا وصار عرضًا له، وكانت أروى قد أسلمت، فقالت: خير أيام طليب يوم يذبُّ عن ابن خاله، وقد جاء بالحق من عند الله تعالى، فقالوا: وقد اتَّبعتِ محمدًا؟ قالت: نعم، فخرج بعضهم إلى أبي لهب فأخبره فأقبل حتى دخل عليها فقال: عجبًا لكِ ولاتَّباعكِ محمدًا، أوتركت دين عبد المطلب؟ قالت: قد كان ذلك، فقم
стр. 435
دون ابن أخيك فأعضده وامنعه فإن ظهر أمره فأنت بالخيار، إن شئت أن تدخل معه أو تكون على دينك، وإن لم تكن؛ كنت قد أعذرت ابن أخيك، قال: ولنا طاقةٌ بالعرب قاطبةً؟ ثم يقولون إنه جاء بدين محدثٍ. قال: ثم انصرف أبو لهب. (١)
هجرة طليب بن عمير إلى الحبشة ﵁
روى الحاكم بسنده عن أبي سلمة بن عبد الرحمن قال أسلم طليب بن عمير في دار الأرقم ثم دخل فخرج على أمه وهي أروى بنت عبد المطلب، فقال: تبعت محمد وأسلمت لله رب العالمين جل ذكره، فقالت: أمه إن أحق من وازرت ومن عاضدت ابن خالك والله لو كنا نقدر على ما يقدر عليه الرجال لتبعناه ولذببنا عنه قال: فقلت: يا أماه وما يمنعك أن تسلمي وتتبعيه فقد أسلم أخوك حمزة، فقالت: انظر ما يصنع أخواتي ثم أكون إحداهن قال: قلت: أسألك بالله إلا أتيته فسلمت عليه وصدقته وشهدت أن لا إله إلا الله، قالت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدًا رسول الله وكانت بعد تعضد النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بلسانها وتحض ابنها على نصرته وبالقيام بأمره (٢).
стр. 436
ابتداء أمر الأنصار رضوان الله تعالى عليهم
روى البيهقي بسنده عن عروه بن الزبير قال: لما أفسد الله، ، صحيفة مكرهم خرج النبي ﷺ وأصحابه فعاشوا وخالطوا الناس، ورسول الله ﷺ في تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كل موسم، ويكلم كل شريف، لا يسألهم مع ذلك إلا أن يؤووه ويمنعوه، ويقول: "لا أكره منكم أحدا على شيء، من رضي الذي أدعوه إليه قبله، ومن كرهه لم أكرهه، إنما أريد أن تحوزوني مما يراد بي من القتل، فتحوزوني حتى أبلغ رسالات ربي، ويقضي الله لي ولمن صحبني بما شاء"، فلم يقبله أحد منهم، ولا أتى على أحد من القبائل إلا قالوا: قوم الرجل أعلم به، أفترى رجلا يصلحنا وقد أفسد قومه، وذلك لما ادخر الله، ، للأنصار من البركة. (١)
روى ابن سعد بأسانيده المتعددة قالوا: أقام رسول الله ﷺ بمكة ما أقام يدعو القبائل إلى الله فذكر الحديث وفيه: حتى أراد الله إظهار دينه ونصر نبيه وإنجاز ما وعده، فساقه إلى هذا الحي من الأنصار لما أراد الله به من الكرامة، فانتهى إلى نفر منهم وهم يحلقون رؤوسهم، فجلس إليهم فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن، فاستجابوا لله ولرسوله فأسرعوا وآمنوا وصدقوا وآووا ونصروا وواسوا، وكانوا والله أطول الناس ألسنة وأحدهم سيوفا ويقال: إن رسول الله ﷺ خرج من مكة فمر على نفر من أهل يثرب نزول بمنى ثمانية نفر، منهم: من بني النجار معاذ ابن عفراء، وأسعد بن زرارة، فعرض عليهم رسول الله ﷺ الإسلام فأسلموا وقال لهم رسول الله ﷺ : "تمنعون لي ظهري حتى أبلغ رسالة ربي؟ " فقالوا: يا رسول الله نحن مجتهدون لله ولرسوله، نحن، فاعلم، أعداء متباغضون، وإنما كانت وقعة بعاث، عام الأول، يوم من أيامنا اقتتلنا فيه، فإن تقدم ونحن كذا لا يكون لنا عليك اجتماع فدعنا حتى نرجع إلى عشائرنا لعل الله يصلح ذات بيننا، وموعدك الموسم العام المقبل. (٢)
عن عمر بن الخطاب قال: قام رسول الله ﷺ يعرض نفسه على قبائل العرب قبيلة قبيلة في الموسم، ما يجد أحدا يجيبه، حتى جاء الله بهذا الحي من الأنصار
стр. 437
لما أسعدهم الله وساق لهم من الكرامة، فآووا ونصروا فجزاهم الله عن نبيهم خيرًا، والله ما وفينا لهم كما عاهدناهم عليه إنا كنا قلنا لهم نحن الأمراء وأنتم الوزراء، ولئن بقيت إلى رأس الحول لا يبقى لي غلام إلا أنصاري. (١)
روى أبو نعيم بسنده عن علي بن أبي طالب قال: قال يومًا وهو يذكر الأنصار، وفضلهم وسابقتهم، ثم قال: إنه ليس بمؤمن من لم يحب الأنصار ويعرف لهم حقوقهم، هم والله ربوا الإسلام، كما يربى الفلو في فنائهم، بأسيافهم وطول ألسنتهم وسخاء أنفسهم، لقد كان رسول الله ﷺ يخرج في المواسم فيدعو القبائل حتى أراد الله ، ما أراد بهذا الحي من الأنصار، فعرض عليهم الإسلام، فاستجابوا وأسرعوا وآووا ونصروا وواسوا، فجزاهم الله خيرا، قدمنا عليهم، فنزلنا معهم منازلهم، ولقد تشاحوا فينا، حتى أن كانوا ليقترعون علينا، ثم كنا في أموالهم أحق بها منهم، طيبة بذلك أنفسهم، ثم بذلوا مهج أنفسهم دون نبيهم ﷺ وعليهم أجمعين. (٢)
عن عروة بن الزبير ﵁ قال: لما حضر الموسم حج نفر من الأنصار: من بني مازن بن النجار: معاذ بن عفراء، وأسعد بن زرارة.
ومن بني زريق: رافع بن مالك، وذكوان بن عبد القيس.
ومن بني عبد الأشهل: أبو الهيثم بن التيهان.
ومن بني عمر بن عوف: عويم بن ساعدة.
وأتاهم رسول الله ﷺ وأخبرهم خبره الذي اصطفاه الله به من نبوته وكرامته، وقرأ عليهم القرآن، فلما سمعوا قوله أنصتوا، واطمأنت أنفسهم إلى دعوته، وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل الكتاب من ذكرهم إياه بصفته، وما يدعوهم إليه، فصدقوه وآمنوا به، وكانوا من أسباب الخير، ثم قالوا له: قد علمت الذي بين الأوس والخزرج من الدماء، ونحن نحب ما أرشدك الله به أمرك، ونحن لله ولك مجتهدون، وإنا نشير عيك بما ترى، فامكث على اسم الله حتى نرجع إلى قومنا، فنخبرهم بشأنك، وندعوهم إلى الله ورسوله، فلعل الله يصلح بيننا، ويجمع أمرنا، فإنا اليوم متباعدون متباغضون، فإن تقدم علينا اليوم ولم نصطلح، لم يكن لنا جماعة عليك، ونحن نواعدك الموسم من العام القابل، فرضي رسول الله - صلى الله
стр. 438
عليه وسلم الذي قالوا، فرجعوا إلى قومهم, يدعوهم سرًا، وأخبروهم برسول الله ﷺ ، والذي بعثه الله به ودعا عليه بالقرآن، حتى قل دار من دور الأنصار إلا أسلم فيها ناس لا محالة. (١)
قال ابن إسحاق: فحدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن أشياخ من قومه قالوا: لما لقيهم رسول الله ﷺ قال لهم: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج، قال أمن موالي يهود؟ قالوا: نعم، قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: بلى، فجسوا معه، فدعاهم إلى الله ، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن. قال: وكان مما صنع الله لهم به في الإسلام، أن يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب وعلم، وكانوا هم أهل شرك وأصحاب أوثان، وكانوا قد عزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا لهم: إن نبيًا مبعوث الآن، قد أظل زمانه، نتبعه فنقتلكم معه قتل عاد وإرم. فلما كلم رسول الله ﷺ أولئك النفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم لبعض: يا قوم، تعلموا والله إنه للنبي الذي توعدكم به يهود، فلا تسبقنكم إليه. فأجابوه فيما دعاهم إليه، بأن صدقوه وقبلوا منه ما عرض عليهم من الإسلام، وقالوا: إنا قد تركنا قومنا, ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدم عليهم الذي أجبناك إليه من هذا الدين، فإن يجمعهم الله عليه فلا رجل أعز منك ثم انصرفوا عن رسول الله ﷺ راجعين إلى بلادهم، وقد آمنوا وصدقوا.
قال ابن إسحاق "حدثني عاصم بن عمر بن قتادة عن أشياخ من قومه قال لما رآهم النبي ﷺ قال: من أنتم؟ قالوا من الخزرج. قال: أفلا تجلسون أكلمكم؟ قالوا: نعم فدعاهم إلي الله، وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن وكان مما صنع الله لهم أن اليهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهل كتاب، وكان الأوس والخزرج أكثر منهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء قالوا: إن نبيا سيبعث الآن قد أظل زمانه نتبعه، فنقتلكم معه، فلما كلمهم النبي ﷺ عرفوا النعت، فقال بعضهم لبعض: لا تسبقنا إليه يهود فآمنوا وصدقوا، وانصرفوا إلى بلادهم ليدعوا قومهم، فلما أخبروهم لم يبق دور من قومهم إلا وفيها ذكر رسول الله ﷺ ، حتى إذا كان الموسم وافاه منهم اثنا عشر رجلا.
стр. 439
قدوم الطفيل بن عمرو الدوسي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم بمكة شرفها الله
قال ابن إسحاق وكان رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم على ما يرى من قومه يبذل لهم النصيحة، ويدعوهم إلى النجاة مما هم فيه، وجعلت قريش، حين منعه الله منهم، يحذرونه الناس ومن قدم عليهم من العرب.
وكان الطفيل بن عمرو الدوسي يحدث: أنه قدم مكة ورسول الله ﷺ بها، فمشى إليه رجال من قريش، وكان الطفيل رجلًا شريفا شاعرًا لبيبًا، فقالوا له: يا طفيل إنك قدمت بلادنا، وهذا الرجل الذي بين أظهرنا قد أعضل بنا (١)، وقد فرق جماعتنا، وشتت أمرنا، وإنما قوله كالسحر يفرق بين الرجل وبين أبيه، وبين الرجل وبين أخيه، وبين الرجل وبين زوجته، وإنا نخشى عليك وعلى قومك ما قد دخل علينا، فلا تكلمنه ولا تسمعن منه شيئا.
قال: فوالله ما زالوا بي حتى أجمعت أن لا أسمع منه شيئًا ولا أكلمه، حتى حشوت في أذني حين غدوت إلى المسجد كرسفا (٢) فرقا من أن يبلغني شيء من قوله، وأنا لا أريد أن أسمعه. قال: فغدوت إلى المسجد، فإذا رسول الله ﷺ قائم يصلى عند الكعبة. قال: فقمت منه قريبا، فأبى الله إلا أن يسمعني بعض قوله. قال: فسمعت كلامًا حسنًا. قال فقلت في نفسي: واثكل أمي، والله إني لرجل لبيب شاعر ما يخفى علي الحسن من القبيح، فما يمنعني أن أسمع من هذا الرجل ما يقول! فإن كان الذي يأتي به حسنًا قبلته، وإن كان قبيحًا تركته.
قال: فمكثت حتى انصرف رسول الله ﷺ إلى بيته فاتبعته، حتى إذا دخل بيته دخلت عليه، فقلت: يا محمد، إن قومك قد قالوا لي كذا وكذا، للذي قالوا، فوالله ما برحوا يخوفونني أمرك حتى سددت أذني بكرسف لئلا أسمع قولك، ثم أبى الله إلا أن يسمعني قولك، فسمعته قولا حسنا، فاعرض علي أمرك. قال: فعرض علي رسول الله صلى الله عليه
стр. 440
وسلم الإسلام، وتلا علي القرآن فلا والله سمعت قولا قط أحسن منه، ولا أمرًا أعدل منه. قال: فأسلمت وشهدت شهادة الحق، وقلت: يا نبي الله، إني امرؤ مطاع في قومي وأنا راجع إليهم، وداعيهم إلى الإسلام، فادع الله أن يجعل لي آية تكون لي عونًا عليهم فيما أدعوهم إليه فقال: "اللَّهم اجعل له آية".
قال: فخرجت إلى قومي، حتى إذا كنت بثنية (١) تطلعني على الحاضر (٢) وقع نور بين عيني مثل المصباح، فقلت: اللَّهم في غير وجهي. إني أخشى إن يظنوا أنها مثلة وقعت في وجهي لفراقي دينهم. قال: فتحول فوقع في رأس سوطي. قال: فجعل الحاضر يتراءون ذلك النور في سوطي كالقنديل المعلق، وأنا أهبط إليهم من الثنية، قال: حتى جئتهم فأصبحت فيهم.
إسلام والد الطفيل وزوجه: قال: فلما نزلت أتاني أبي، وكان شيخًا كبيرًا، قال: فقلت: إليك عني يا أبت، فلست منك ولست مني، قال: ولم يا بني؟ قال: قلت: أسلمت واتبعت دين محمد ﷺ ، قال: أي بني، فديني دينك، قال: فقلت: فاذهب فاغتسل وطهر ثيابك، ثم تعال حتى أعلمك ما علمت. قال: فذهب فاغتسل، وطهر ثيابه. قال: ثم جاء فعرضت عليه الإسلام فأسلم.
قال: ثم أتتني صاحبتي، فقلت إليك عني، فلست منك ولست مني، قالت: لم؟ بأبي أنت وأمي، قال: قلت: قد فرق بيني وبينك الإسلام، وتابعت دين محمد ﷺ ، قالت: فديني دينك، قال: قلت: فاذهبي إلى حنا ذي الشرى -قال ابن هشام: ويقال: حمى ذي الشرى- فتطهري منه.
قال: وكان ذو الشرى صنما لدوس، وكان الحمى حمى حموه له، وبه وشل (٣) من ماء يهبط من جبل.
قال: فقالت: بأبي أنت وأمي، أتخشى على الصبية من ذي الشرى شيئًا، قال: قلت: لا، أنا ضامن لذلك، فذهبت فاغتسلت، ثم جاءت فعرضت عليها الإسلام، فأسلمت.
ثم دعوت دوسا إلى الإسلام، فأبطئوا علي، ثم جئت رسول الله ﷺ بمكة فقلت له: يا نبي الله، إنه قد غلبني على دوس الزنا، فادع الله عليهم، فقال: "اللَّهم اهد
стр. 441
دوسا، ارجع إلى قومك فادعهم وارفق بهم". قال: فلم أزل بأرض دوس أدعوهم إلى الإسلام حتى هاجر رسول الله ﷺ إلى المدينة، ومضى بدر وأحد والخندق، ثم قدمت على رسول الله ﷺ بمن أسلم معي من قومي، ورسول الله بخيبر، حتى نزلت المدينة بسبعين أو ثمانين بيتا من دوس، ثم لحقنا برسول الله ﷺ بخيبر، فأسهم لنا مع المسلمين.
روى مسلم بسنده عن جابر بن عبد الله ﵄ أن الطفيل بن عمرو الدوسي أتى النبي ﷺ ، فقال: "يا رسول الله، هل لك في حصن حصين ومنعة؟ قال: حصن كان لدوس في الجاهلية، فأبى ذلك النبي ﷺ للذي ذخر الله للأنصار، فلما هاجر رسول الله ﷺ إلي المدينة، هاجر إليه الطفيل بن عمرو، وهاجر معه رجل من قومه، فاجتووا المدينة، فمرض فجزع جزعًا شديدًا، فأخذ مشاقص، فقطع بها براجمه، فشخبت يداه حتى مات، فرآه الطفيل بن عمرو في منامه في هيئة حسنة، ورآه مغطيا يديه، فقال له: ما صنع بك ربك؟ فقال: غفر لي بهجرتي إلى نبيه، فقال: مالي أراك مغطيًا يديك؟ قال: قيل لي: لن نصلح منك ما أفسدت، فقصها الطفيل على رسول الله ﷺ ، فقال رسول الله ﷺ : "اللَّهم وليديه فاغفر". (١)
стр. 442
إسلام عمرو بن عبسة السلمي ﵁
عن أبي أمامة الباهلي ﵁ قال: قال عمرو بن عبسة السلمي: كنت وأنا في الجاهلية أظن أن الناس على ضلالة، وأنهم ليسوا على شيء، وهم يعبدون الأوثان، فسمعت برجل بمكة يخبر أخبارًا، فقعدت على راحلتي، فقدمت عليه، فإذا رسول الله ﷺ مستخفيا، جراء عليه قومه، فتلطفت حتى دخلت عليه بمكة، فقلت له: ما أنت؟ فقال: أنا نبي، فقلت: وما نبي؟ قال: أرسلني الله، فقلت: فبأي شيء (أرسلك)؟ قال: (أرسلني) بصلة الأرحام، وكسر الأوثان، وأن يوحد الله ولا يشرك به شيء، قلت له: فمن معك على هذا؟ قال: حر وعبد، قال: ومعه يومئذ ممّن آمن به: أبو بكر وبلال، قلت: إني متبعك، قال: إنك لا تستطيع ذلك يومك هذا، ألا ترى حالي وحال الناس؟ ولكن ارجع إلى أهلك، فإذا سمعت بي قد ظهرت فائتني، قال: فذهبت إلى أهلي، وقدم رسول الله ﷺ المدينة، وكنت في أهلي، فجعلت أتخبر الأخبار، وأسأل الناس حين قدم المدينة، حتى قدم علي نفر من أهل يثرب (من أهل المدينة) فقلت: ما فعل هذا الرجل الذي قدم المدينة؟ فقالوا: الناس إليه سراع، وقد أراد قومه قتله، فلم يستطيعوا ذلك، فقدمت المدينة، فدخلت عليه، فقلت: يا رسول الله، أتعرفني؟ قال: نعم، أنت الذي لقيتني بمكة؟ (قال: فقلت: بلى) فقلت: يا رسول الله، أخبرني عما علمك الله وأجهله، أخبرني عن الصلاة؟ قال: صل صلاة الصبح، ثم أقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، حتى ترتفع، فإنها تطلع حين تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، ثم صل، فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى يستقل الظل بالرمح، ثم أقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم، فإذا فاء الفيء فصل فإن الصلاة مشهودة محضورة، حتى تصلي العصر، ثم أقصر عن الصلاة حتى تغرب الشمس، فإنها تغرب بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار، قال: ثم صل ما بدا لك، فقلت: يا نبي الله فالوضوء حدثني عنه، قال: ما منكم من رجل يقرب وضوءه فيمضمض ويستنشق ويستنثر إلا خرت خطايا وجهه وفيه وخياشيمه مع الماء، ثم إذا غسل وجهه، كما أمره الله تعالى، إلا خرت خطايا وجهه من أطراف لحيته مع الماء، أو مع آخر قطرة من الماء، ثم يغسل يديه إلى المرفقين إلا خرت خطايا يديه من أنامله مع الماء، ثم يمسح رأسه إلا خرت خطايا رأسه من أطراف شعره ومن أذنيه مع الماء، ثم يغسل قدميه إلى
стр. 443
الكعبين إلا خرت خطايا رجليه مع أنامل رجليه مع الماء، فإن هو قام فصلى، فحمد الله وأثنى عليه، ومجده بالذي هو له أهل، وفرغ قلبه لله في صلاته، إلا انصرف من خطيئته كهيئته يوم ولدته أمه.
فحدث عمرو بن عبسة بهذا الحديث أبا أمامة صاحب رسول الله ﷺ فقال له أبو أمامة: يا عمرو، انظر ما تقول؟ (في مقام واحد يعطى هذا الرجل؟) فقال (عمرو: يا أبا أمامة)، لقد كبرت سني، ورق عظمي، واقترب أجلي، وما بي حاجة أن أكذب على الله، و (لا) على رسوله، ولو لم أسمعه منه إلا مرتين أو ثلاثا- حتى عد سبعًا ما حدثت به أبدا, ولكني سمعته منه أكثر من ذلك. (١)
وروى ابن سعد بسنده عن أبي أمامة الباهلي يحدث عن حديث عمرو ابن عبسة السلمي قال: "رغبت عن آلهة قومي في الجاهلية، ورأيت أنها آلهة باطلة، يعبدون الحجارة والحجارة لا تضر ولا تنفع قال: فلقيت رجلًا من أهل الكتاب، فسألته عن أفضل الدين؟ فقال: يخرج رجل من مكة، ويرغب عن آلهة قومه، ويدعو إلى غيرها، وهو يأتي بأفضل الدين فإذا سمعت به فاتبعه، فلم تكن لي همة إلا مكة، آتيها أسأل: هل حدث بها أمر؟ فيقولون: لا، وأنصرف إلى أهلي وأهلي من الطريق غير بعيد فأعترض الركبان خارجين من مكة، فأسألهم: هل حدث فيها خبر أو أمر؟ فيقولون: لا، فإني لقاعد على الطريق، وإذا مر بي راكب فقلت: من أين جئت؟ قال: من مكة، قلت: هل حدث فيها خبر؟ قال: نعم، رجل رغب عن آلهة قومه، ودعا إلى غيرها، قلت: صاحبي الذي أريد، فشددت راحلتي، فجئت منزلي الذي كنت أنزل فيه، فسألت عنه؟ فوجدته مستخفيا شأنه، ووجدت قريشا عليه جراء، فتلطفت له حتى دخلت عليه، فسلمت عليه، ثم قلت له: ما أنت؟ قال: نبي، قلت: بماذا أرسلك؟ قال: أن تصل الأرحام، وتحقن الدماء، وتؤمن السبل، وتكسر الأوثان، وتعبد الله وحده ولا تشرك به شيئا، قال: قلت: نعم ما أرسلك به، أشهدك أني قد آمنت بك وصدقت، فأمكث معك؟ أوما ترى؟ قال: قد ترى كراهية الناس لما جئت به، فامكث في أهلك فإذا سمعت بي قد خرجت مخرجا فاتبعني. (٢)
حدثنا محمد بن مصفى نا الوليد بن مسلم نا عبد الله بن العلاء حدثني أبو سلام الحبشي أنه سمع عمرو بن عبسة ﵁ يقول: ألقي في روعي أن عبادة الأوثان باطل قال: فسمعني
стр. 444
رجل وأنا أتكلم بذاك فقال: يا عمرو بمكة رجل يقول: كما تقول قال: فأقبلت إلى مكة أسأل عنه فأخبرت أنه مختفي لا يقدر عليه إلا بالليل يطوف بالبيت، فقمت بين الكعبة وأستارها فما علمت إلا بصوته يهلل الله ﵎ فخرجت إليه فقلت: ما أنت؟ فقال رسول الله ﷺ ، فقلت: وبما أرسلك ربك؟ قال: "أن يعبد الله تعالى ولا يشرك به شيئًا وتحقن الدماء وتوصل الأرحام" قلت: ومن معك على هذا؟ قال: "حر وعبد" فقلت: أبسط يدك أبايعك، فبسط يده فبايعته على الإسلام، فلقد رأيتني ربع الإسلام.
وعن عمرو بن عبسة قال: أتيت النبي ﷺ فقلت: يا رسول الله من تبعك على هذا الأمر؟ قال: "حر وعبد" قلت: يا رسول الله ما الإسلام؟ قال: "طيب الكلام، وإطعام الطعام"، قلت: يا رسول الله فما الإيمان؟ قال: "الصبر والسماحة"، قلت: فأي الإسلام أفضل؟ قال: "من سلم المسلمون من لسانه ويده" قلت: فأي الإيمان أفضل؟ قال: "خلق حسن"، قلت: أي الصلاة أفضل؟ قال "طول القنوت" قلت: فأي الهجرة أفضل؟ قال: "أن تهجر السوء" قلت: فأي الجهاد أفضل؟ قال: "من عقر جواده، وأهريق دمه". (١)
حدثنا يحيى بن نصر الخولاني، ثنا عبد الله بن وهب، أخبرني معاوية بن صالح، ثني أبو يحيى وضمرة بن حبيب وأبو طلحة، عن أبي أمامة الباهلي قال: حدثني عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ قبل فتح مكة فقال لي: إن أقرب ما يكون الرب من العبد جوف الليل الآخر، فإن استطعت أن تكون ممّن يذكر الله في تلك الساعة فافعل.
روى أحمد بسنده عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله من أسلم؟ يعني معك، فقال: "حر وعبد" يعني أبا بكر وبلالا، فقلت: يا رسول الله علمني مما تعلم وأجهل، هل من الساعات ساعة أفضل من الأخرى؟ قال: "جوف الليل الآخر أفضل، فإنها مشهودة متقبلة حتى تصلي الفجر، ثم أنهه حتى تطلع الشمس ما دامت كالحجفة حتى تنتشر, فإنها تطلع بين قرني شيطان ويسجد لها الكفار، ثم تصلي فإنها مشهودة متقبلة حتى يستوي العمود على ظله، ثم أنهه فإنها ساعة تسجر فيها الجحيم، فإذا
стр. 445
زالت فصل فإنها مشهودة متقبلة حتى تصلي العصر، ثم أنهه حتى تغرب الشمس فإنها تغرب بين قرني شيطان ويسجد لها الكفار" وكان عمرو بن عبسة يقول: أنا ربع الإسلام. (١)
روى أحمد بسنده عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو بعكاظ فقلت: من تبعك على هذا الأمر؟ فقال "حر وعبد" ومعه أبو بكر وبلال، رضي الله تعالى عنهما، فقال لي: "ارجع حتى يمكن الله، ، لرسوله" فأتيته بعد فقلت: يا رسول الله جعلني الله فداءك، شيئًا تعلمه وأجهله، لا يضرك وينفعني الله، به، هل من ساعة أفضل من ساعة؟ وهل من ساعة يتقى فيها؟ فقال: "لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، إن الله، ، يتدلى في جوف الليل فيغفر إلا ما كان من الشرك والبغي، فالصلاة مشهودة محضورة فصل حتى تطلع الشمس، فإذا طلعت فاقصر عن الصلاة فإنها تطلع بين قرني شيطان وهي صلاة الكفار حتى ترتفع، فإذا استقلت الشمس فصل فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى يعتدل النهار، فإذا اعتدل النهار فاقصر عن الصلاة فإنها ساعة تسجر فيها جهنم حتى يفيء الفيء، فإذا فاء الفيء فصل فإن الصلاة محضورة مشهودة حتى تدلي الشمس للغروب، فإذا تدلت فاقصر عن الصلاة حتى تغيب الشمس فإنها تغيب على قرني شيطان، وهي صلاة الكفار". (٢)
وروى ابن سعد بسنده عن عمرو بن عبسة قال: أتيت رسول الله ﷺ وهو نازل بعكاظ، قال قلت: يا رسول الله من معك في هذا الأمر؟ قال: "معي رجلان أبو بكر وبلال" قال: فأسلمت عند ذلك قال: فلقد رأيتني ربع الإسلام قال: فقلت: يا رسول الله أمكث معك أم ألحق بقومي؟ قال: "الحق بقومك" قال: "فيوشك الله تعالى أن يفي بمن ترى ويحيى الإسلام" قال: ثم أتيته قبل فتح مكة فسلمت عليه، قال وقلت: يا رسول الله أنا عمرو بن عبسة السلمي أحب أن أسألك عما تعلم وأجهل وينفعني ولا يضرك. (٣)
стр. 446
قدوم ضماد بن ثعلبه الأزدي على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم وهو بمكة شرفها الله
(عن عبد الله بن العباس ﵄)، أن ضمادًا قدم مكة، وكان من أزد شنوءة، وكان يرقي من هذه الريح، فسمع سفهاء مكة يقولون: إن محمدًا مجنون، فقال: لو أني أتيت هذا الرجل، لعل الله يشفيه على يدي، فلقيه، فقال: يا محمد، إني أرقي من هذه الريح، وإن الله يشفي على يدي من شاء, فهل لك؟ فقال رسول الله- ﷺ : إن الحمد لله نحمده، ونستعينه، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأن محمدًا عبده ورسوله، أما بعد، قال ضماد: فقلت له: أعد علي كلماتك هؤلاء، فأعادهن عليه رسول الله ﷺ ثلاث مرات، فقال: لقد سمعت قول الكهنة، وقول السحرة، وقول الشعراء، فما سمعت مثل كلماتك هؤلاء، وقد بلغن قاموس البحر، هات يدك أبايعك على الإسلام، فبايعه رسول الله ﷺ , فقال رسول الله ﷺ : وعلى قومك، قال: وعلى قومي , فبعث رسول الله ﷺ سرية بعد مقدمه المدينة، فمروا على قومه، فقال صاحب السرية للجيش، هل أصبتم من هؤلاء شيئا؟ فقال رجل من القوم: أصبت منهم مطهرة وفي نسخة: أداوة: فقال: ردوها، فإن هؤلاء قوم ضماد. (١)
روى أبو نعيم بسنده عن عبد الرحمن العدوي قال: قال ضماد: قدمت مكة معتمرًا، فجلست مجلسا فيه أبو جهل، وعتبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، فقال أبو جهل: هذا الرجل الذي فرق جماعتنا، وسفه أحلامنا، وأضل من مات منا، وعاب آلهتنا، فقال أمية: الرجل مجنون غير شك، قال ضماد: فوقعت في نفسي كلمته، وقلت: إني رجل أعالج من الريح، فقمت من ذلك المجلس، وأطلب رسول الله ﷺ فلم أصادفه ذلك اليوم، حتى كان الغد، فجئته فوجدته جالسًا خلف المقام يصلي، فجلست حتى فرغ، ثم جلست إليه
стр. 447
فقلت: يا ابن عبد المطلب، فأقبل علي، فقال: "ما تشاء؟ " فقلت: إني أعالج من الريح، فإن أحببت عالجتك، ولا تكبرن ما بك، فقد عالجت من كان به أشد مما بك فبرئ، وسمعت قومك يذكرون فيك خصالًا سيئة من تسفيه أحلامهم، وتفريق جماعتهم، وتضليل من مات منهم, وعيب آلهتهم، فقلت: ما فعل هذا إلا رجل به جنة، فقال رسول الله ﷺ : (الحمد لله أحمده وأستعينه، وأومن به، وأتوكل عليه، من يهد الله فلا مضل له، ومن يضلله فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله)، قال ضماد: فسمعت كلامًا لم أسمع كلامًا قط أحسن منه، فاستعدته الكلام، فأعاد علي، فقلت: إلام تدعو؟ قال: (إلى أن تؤمن بالله وحده لا شريك له، وتخلع الأوثان من رقبتك، وتشهد أني رسول الله)، فقلت: فماذا، لي إن فعلت؟ قال: (لك الجنة) قلت: فإني أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأخلع الأوثان من رقبتي، وأبرأ منها، وأشهد أنك عبد الله ورسوله، فأقمت مع رسول الله ﷺ حتى علمت سورا كثيرة من القرآن , ثم رجعت إلى قومي، قال عبد الله بن عبد الرحمن العدوي: فبعث رسول الله ﷺ علي بن أبي طالب في سرية وأصابوا عشرين بعيرا. بموضع، واستاقوها، وبلغ علي بن أبي طالب أنهم قوم ضماد، فقال: ردوها إليهم فردت (١).
стр. 448
زواجه صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم من سودة بنت زمعة
حدثنا عبد الله حدثني أبي ثنا محمد بن بشر قال حدثنا محمد بن عمرو قال ثنا أبو سلمة ويحيى قالا لما هلكت خديجة جاءت خوله بنت حكيم امرأة عثمان بن مظعون قالت: يا رسول الله، ألا تزوج، قال: من؟ قالت: إن شئت بكرًا وإن شئت ثيبًا، قال: فمن البكر؟ قالت: ابنة أحب خلق الله إليك، عائشة بنت أبى بكر، قال: ومن الثيب؟ قالت: سودة ابنة زمعة قد آمنت بك واتبعتك على ما تقول، قال: فاذهبي فاذكريهما علي، فدخلت بيت أبي بكر، فقالت: يا أم رومان، ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قالت: انتظري أبا بكر حتى يأتي، فجاء أبو بكر فقالت: يا أبا بكر ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبركة؟ قال: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطب عليه عائشة، قال: وهل تصلح له، إنما هي ابنة أخيه، فرجعت إلى رسول الله ﷺ فذكرت له ذلك، قال: ارجعي إليه فقولي له أنا أخوك وأنت أخي في الإسلام وابنتك تصلح لي، فرجعت فذكرت ذلك له، قال: انتظري وخرج، قالت أم رومان: إن مطعم بن عدي قد كان ذكرها على ابنه، فوالله ما وعد وعدًا قط فأخلفه لأبي بكر، فدخل أبو بكر على مطعم بن عدي وعنده امرأته أم الفتى، فقالت: يا ابن أبي قحافة لعلك مصب صاحبنا مدخله في دينك الذي أنت عليه ان تزوج إليك، قال أبو بكر للمطعم بن عدي: أقول هذه تقول، قال: إنها تقول ذلك، فخرج من عنده وقد أذهب الله ما كان في نفسه من عدته التي وعده، فرجع فقال لخولة: ادعي لي رسول الله ﷺ ، فدعته فزوجها إياه وعائشة يومئذ بنت ست سنين ثم خرجت، فدخلت على سودة بنت زمعة، فقالت: ماذا أدخل الله عليك من الخير والبركة؟ قالت: وما ذاك؟ قالت: أرسلني رسول الله ﷺ أخطبك عليه، قالت: وددت ادخلي إلى أبي فاذكري ذاك له، وكان شيخًا كبيرًا قد أدركه السن قد تخلف عن الحج، فدخلت عليه فحييته بتحية الجاهلية فقال: من هذه؟ فقالت: خوله بنت حكيم، قال: فما شأنك؟ قالت: أرسلني محمد بن عبد الله
стр. 449
أخطب عليه سودة، قال: كفء كريم، ماذا تقول صاحبتك؟ قالت: تحب ذاك، قال: ادعها لي، فدعيتها، قال: أي بنيه إن هذه تزعم أن محمد بن عبد الله بن عبد المطلب قد أرسل يخطبك، وهو كفء كريم، أتحبين أن أزوجك به؟ قالت: نعم، قال: ادعيه لي، فجاء رسول الله ﷺ إليه فزوجها إياه، فجاءها أخوها عبد بن زمعة من الحج فجعل يحثي في رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: لعمرك إني لسفيه يوم أحثي في رأسي التراب أن تزوج رسول الله ﷺ سودة بنت زمعة، قالت عائشة: فقدمنا المدينة فنزلنا في بني الحرث بن الخزرج في السنح، قالت: فجاء رسول الله ﷺ فدخل بيتنا واجتمع إليه رجال من الأنصار ونساء فجاءتني أمي وإني لفي أرجوحة بين عذقين ترجح بي، فأنزلتني من الأرجوحة ولي جميمة ففرقتها ومسحت وجهي بشيء من ماء، ثم أقبلت تقودني حتى وقفت بي عند الباب وإني لأنهج حتى سكن من نفسي ثم دخلت بي فإذا رسول الله ﷺ جالس على سرير في بيتنا وعنده رجال ونساء من الأنصار فأجلستني في حجره، ثم قالت: هؤلاء أهلك فبارك الله لك فيهم وبارك لهم فيك فوثب الرجال والنساء فخرجوا وبنى بي رسول الله ﷺ في بيتنا ما نحرت علي جزور ولا ذبحت علي شاة حتى أرسل إلينا سعد بن عبادة بجفنة كان يرسل بها إلى رسول الله ﷺ إذا دار إلى نسائه وأنا يومئذ بنت تسع سنين. (١)
عن ابن عباس ﵁، أن النبي ﷺ خطب امرأة من قومه يقال لها: سودة -وكانت مصبية (كان) لها خمسة صبية أو ستة من بعل مات- فقال (لها) رسول الله ﷺ : "ما يمنعك مني؟ " قالت: والله يا رسول الله ما يمنعني منك أن لا تكون أحب البرية إلي، ولكن أكرمك أن يضغوا هؤلاء (الصبية) عند رأسك بكرة وعشية، قال: "فهل منعك من شيء غير ذلك؟ " قالت: لا والله، قال رسول الله ﷺ : "يرحمك الله إن خير نساء ركبن أعجاز الإبل صالح نساء قريش، أحناه على ولد في صغره، وأرعاه على بعل بذات يده". (٢)
стр. 450
الإسراء والمعراج
قال الله : ﴿سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. (١)
عن أنس بن مالك ﵁ قال: كان أبو ذر يحدث أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: فرج عني سقف بيتي، وأنا بمكة، فنزل جبريل، ففرج صدري، ثم غسله بماء زمزم، ثم جاء بطست من ذهب ممتلئ حكمة وإيمانًا، فأفرغه في صدري، ثم أطبقه، ثم أخذ بيدي، فعرج بي إلى السماء، فلما جئت إلى السماء الدنيا قال جبريل لخازن السماء افتح، قال: من هذا؟ قال: هذا جبريل، قال: هل معك أحد؟ قال: نعم، معي محمَّد صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، فقال: أرسل إليه؟ قال: نعم، فلما فتح، علونا السماء الدنيا إذا رجل قاعد على يمينه أسودة، وعلى يساره أسودة, إذا نظر قبل يمينه ضحك، وإذا نظر قبل شماله، بكى، فقال: مرحبًا بالنبي الصالح، والابن الصالح قلت لجبريل: من هذا؟ قال: هذا آدم وهذه الأسودة عن يمينه وشماله نسم بنيه، فأهل اليمين منهم أهل الجنة، والأسودة التي عن شماله أهل النار، فإذا نظر عن يمينه ضحك وإذا نظر قبل شماله بكى حتى عرج بي إلى السماء الثانية، فقال لخازنها: افتح، فقال له خازنها مثل ما قال الأول، قال أنس: فذكر أنه وجد في السماوات آدم وإدريس وموسى وعيسى وإبراهيم، ولم يثبت كيف منازلهم غير أنه ذكر أنه وجد آدم في السماء الدنيا وإبراهيم في السماء السادسة.
قال ابن شهاب: فأخبرني ابن حزم (٢) أن ابن عباس وأبا حبَّة الأنصاري كانا يقولان: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: ثم عرج بي حتى ظهرت لمستوى أسمع فيه صريف الأقلام، قال ابن حزم وأنس بن مالك: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه
стр. 451
وسلم: ففرض الله على أمتي خمسين صلاة، قال: فرجعت بذلك حتى مررت على موسى، فقال: ما فرض الله لك على أمتك؟ قلت: فرض خمسين صلاة، قال: فارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعني، فوضع شطرها، فرجعت إلى موسى، فقلت: وضع شطرها، فقال: راجع ربك، فإن أمتك لا تطيق، فراجعت، فوضع شطرها، فرجعت إليه، فقال: ارجع إلى ربك، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فراجعته، فقال: هي خمس وهي خمسون لا يبدل القول لدي، فرجعت إلى موسى، فقال: راجع ربك، فقلت: استحييت من ربي، ثم انطلق بي حتى انتهى بي إلى السدرة المنتهى، وغشيها ألوان لا أدري ما هي، ثم أدخلت الجنة، فإذا فيها حبائل اللؤلؤ، وإذا ترابها المسك. (١)
وعن أنس بن مالك، عن مالك بن صعصعة أن نبي الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم حدثهم عن ليلة أسري به، قال: بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحجر مضطجعا إذ أتاني آتٍ، فقد قال: وسمعته يقول: فشق ما بين هذه إلى هذه، فقلت للجارود -وهو إلى جنبي-: ما يعني به؟ قال: من ثغرة نحره إلى شعرته، وسمعته يقول: من قصه إلى شعرته، فاستخرج قلبي، ثم أتيت بطست من ذهب مملوء إيمانا، فغسل قلبي، ثم حُشِيَ، ثم أعيد، ثم أتيت بدابة دون البغل وفوق الحمار أبيض، فقال له الجارود: هو البراق يا أبا حمزة؟ قال أنس: نعم يضع خطوه عند أقصى طرفه، فحملت عليه، فانطلق بي جبريل حتى أتى السماء الدنيا، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال جبريل: قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا فيها آدم، فقال: هذا أبوك آدم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام، ثم قال: مرحبًا بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الثانية فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل:
стр. 452
وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبًا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يحيى وعيسى، وهما ابنا خالة، قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، فسلمت، فردا، ثم قالا: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي إلى السماء، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت إذا يوسف، قال: هذا يوسف، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الرابعة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: أوقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما خلصت، فإذا إدريس، قال: هذا إدريس، فسلم، عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتى السماء الخامسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: من معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد أرسل إليه؟ قال: نعم، قيل: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، ففتح، فلما، خلصت، فإذا هارون قال هذا هارون: فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، ثم صعد بي حتى أتي السماء السادسة، فاستفتح، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: قد أرسل إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء فلما خلصت فإذا موسى، قال: هذا موسى، فسلم عليه، فسلمت عليه، ثم قال: مرحبا بالأخ الصالح، والنبي الصالح، فلما تجاوزت، بكى، قيل له: ما يبكيك؛ قال: أبكي لأن غلامًا بعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثر ممّن يدخلها من أمتي، ثم صعد بي إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، قيل من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: نعم، قال: مرحبا به، فنعم المجيء جاء، فلما خلصت، فإذا إبراهيم، قال: هذا أبوك إبراهيم، فسلم عليه، فسلمت عليه، فرد السلام ثم قال: مرحبا بالابن الصالح، والنبي الصالح، ثم رفعت إلى سدرة المنتهى، فإذا نبقها مثل قلال هجر، وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، قال: هذا سدرة المنتهى، وإذا أربعة أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران، فقلت: ما هذان يا جبريل؟ قال: أما
стр. 453
الباطنان، فنهران في الجنة وأما الظاهران، فالنيل والفرات، ثم رفع لي بيت المعمور، ثم أتيت بإناء من خمر وإناء من لبن، وإناء من عسل، فأخذت اللبن، فقال: هي الفطرة أنت عليها وأمتك، ثم فرضت علي الصلاة خمسين صلاة كل يوم، فرجعت، فمررت على موسى، فقال: بم أمرت؟ قال: أمرت بخمسين صلاة كل يوم، قال إن أمتك لا تستطيع خمسين صلاة كل يوم وإني والله لقد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك، فرجعت، فوضع عني عشرًا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فوضع عني عشرا، فرجعت إلى موسى، فقال مثله، فرجعت، فأمرت بعشر صلوات كل يوم، فقال مثله، فرجعت، فأمرت بخمس صلوات كل يوم، فرجعت إلى موسى، فقال: بم أمرت؟ قلت أمرت بخمس صلوات كل يوم، قال: إن أمتك لا تستطيع خمس صلوات كل يوم، وإني قد جربت الناس قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشد المعالجة، فارجع إلى ربك، فسله التخفيف لأمتك قال: سألت ربي حتى استحييت، ولكني أرضى وأسلم، قال: فلما جاوزت نادى مناد: أمضيت فريضتي، وخففت عن عبادي. (١)
روى مسلم بسنده عن أنس بن مالك ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (أتيت بالبراق -وهو دابة أبيض طويل، فوق الحمار ودون البغل- يضع حافره عند منتهى طرفه قال: فركبته حتى أتيت بيت المقدس، قال: فربطته بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، قال: ثم دخلت المسجد، فصليت فيه ركعتين، ثم خرجت، فجاءني جبريل بإناء من الخمر وإناء من لبن، فاخترت اللبن، فقال جبريل: اخترت الفطرة قال: ثم عرج بنا إلى السماء، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ ففتح لنا، فإذا أنا بآدم، فرحب بي ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثانية، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل،
стр. 454
قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بابني الخالة عيسى بن مريم، ويحيى بن زكريا، فرحبا [بي]، ودعوا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الثالثة، فاستفتح جبريل، فقيل: من أنت؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بيوسف إذا هو قد أعطي شطر الحسن، قال: فرحب بي، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء الرابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه؟ ففتح لنا، فإذا أنا بإدريس، فرحب بي ودعا لي بخير، قال الله : ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَانًا عَلِيًّا﴾. (١) ثم عرج بنا إلى السماء الخامسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بهارون، فرحب ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السادسة، فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا، فإذا أنا بموسى ﵇، فرحب، ودعا لي بخير، ثم عرج بنا إلى السماء السابعة، فاستفتح جبريل، فقيل: من هذا؟ قال: جبريل، قيل: ومن معك؟ قال: محمَّد، قيل: وقد بعث إليه؟ قال: قد بعث إليه، ففتح لنا فإذا أنا بإبراهيم ﵇، مسندًا ظهره إلى البيت المعمور، فإذا هو يدخله كل يوم سبعون ألف ملك لا يعودون إليه، ثم ذهب بي إلى سدرة المنتهى، فإذا أوراقها كآذان الفيلة، وإذا ثمرها كالقلال، قال: فلما غشيها من أمر الله ما غشي تغيرت، فما أحد من خلق الله تعالى يستطيع أن ينعتها من حسنها، فأوحى [الله] إلى ما أوحى، ففرض علي خمسين صلاة في كل يوم وليلة، فنزلت إلى موسى، فقال: ما فرض ربك على أمتك؟ قلت: خمسين صلاة، قال: ارجع إلى ربك، فاسأله التخفيف، فإن أمتك لا تطيق ذلك، فإني قد بلوت ببني إسرائيل وخبرتهم، قال: فرجعت إلى ربي، فقلت: يا رب، خفف عن أمتي، فحط عني خمسًا، فرجعت إلى موسى، فقلت: حط عني خمسًا، فقال: إن أمتك لا يطيقون ذلك، فارجع إلى ربك،
стр. 455
فاسأله التخفيف، قال: فلم أزل أرجع بين ربي ﵎ وبين موسى ﵇، حتى قال: يا محمَّد، إنهن خمس صلوات كل يوم وليلة، بكل صلاة عشر، فذلك خمسون صلاة، ومن هم بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، فإن عملها كتبت عشرًا، ومن هم بسيئة ولم يعملها لم تكتب شيئًا، فإن عملها كتبت سيئة واحدة، قال: فنزلت فانتهيت إلى موسى فأخبرته، فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (قد رجعت إلى ربي حتى استحييت منه).
عن عبد الله بن مسعود ﵁ أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (أتيت بالبراق، فركبت خلف جبريل ﵇، فسار بنا، إذا ارتفع ارتفعت رجلاه، وإذا هبط ارتفعت يداه.
قال: فسار بنا في أرض غمة منتنة، حتى أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة، فقلت: يا جبريل! إنا كنا نسير في أرض غمة منتنة، ثم أفضينا إلى أرض فيحاء طيبة؟ قال: تلك أرض النار، وهذه أرض الجنة.
قال: فأتيت على رجل قائم يصلي، فقال: من هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أخوك محمَّد. فرحب بي ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك عيسى ابن مريم ﵊.
قال: فسرنا، فسمعت صوتا وتذمرًا، فأتينا على رجل فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا أخوك محمَّد. فرحب بي ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأمتك اليسر. فقلت: من هذا يا جبريل؟ فقال: هذا أخوك موسى. قلت: على من كان تذمره وصوته؟ قال: على ربه. قلت: على ربه؟! قال: نعم، قد عرف ذلك من حدته.
قال: ثم سرنا، فرأينا مصابيح وضوءًا. قال: قلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم ﵊، أتدنو منها؟ قلت: نعم. فدنونا، فرحب بي ودعا لي بالبركة.
стр. 456
ثم مضينا حتى أتينا بيت المقدس، فربطت الدابة بالحلقة التي يربط بها الأنبياء، ثم دخلت المسجد، فنشرت لي الأنبياء: من سمى الله منهم ومن لم يسم، فصليت بهم، إلا هؤلاء النفر الثلاثة: إبراهيم، وموسى، وعيسى عليهم الصلاة والسلام). (١)
عن عبد الله بن حوالة ﵁ قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رأيت ليلة أسري بي عمودًا أبيض كأنه لؤلؤ تحمله الملائكة قلت ما تحملون قالوا نحمل عمود الإِسلام أمرنا أن نضعه بالشام. (٢)
عن الزهري، قال: قال سعيد بن المسيب: إن أبا قتادة بن ربعي أخبره، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (قال الله : افترضت على أمتك خمس صلوات، وعهدت عندي عهدًا إنّه من حافظ عليهن لوقتهن أدخلته الجنة، ومن لم يحافظ عليهن، فلا عهد له عندي). (٣).
عن ابن عباس ﵁ قال: (ليلة أسري بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم دخل الجنة فسمع في جانبها خشفًا. فقال: يا جبريل من هذا؟ فقال: هذا بلال المؤذن. فأتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم الناس فقال: قد أفلح بلال رأيت له كذا وكذا. قال: ولقيه موسى فرحب به فقال: مرحبا بالنبي الأمي قال: وهو رجل آدم طوال سبط شعره مع أذنيه أو فوقهما. فقال: يا جبريل من هذا؟ فقال: هذا موسى ﵇، ثم مضى، فلقيه رجل فرحب به. فقال: من هذا يا جبريل؟ قال: هذا عيسى ﵇، ثم مضى، فلقيه شيخ جليل مهيب، فرحب به وسلم عليه. وكلهم يسلم عليه. فقال: يا جبريل من هذا؟ قال: هذا أبوك إبراهيم ﵇. قال: فنظر في النار فإذا قوم يأكلون الجيف. قال: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس. قال: ورأى رجلًا أزرق جعدًا شعثًا إذا رأيته قال: من هذا يا جبريل؟ قال:
стр. 457
هذا عاقر الناقة. قال: فلما أن دخل النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم المسجد الأقصى قام يصلي، ثم التفت فإذا النبيون أجمعون يصلون معه، فلما انصرف جيء بقدحين أحدهما عن اليمين والآخر عن الشمال في أحدهما لبن وفي الآخر عسل فأخذ اللبن فشربه. فقال الذي معه القدح: أصبت الفطرة. (١)
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (حين أسري بي لقيت موسى ﵇ فنعته النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم- فإذا رجل -حسبته قال- مضطرب. رجل الرأس. كأنه من رجال شنوءة. قال ولقيت عيسى (فنعته النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم) فإذا ربعة أحمر كأنما خرج من ديماس) (يعني حمامًا) قال، ورأيت إبراهيم صلوات الله عليه. وأنا أشبه ولده به. قال، فأتيت بإناءين أحدهما لبن وفي الآخر خمر. فقيل لي: خذ أيهما شئت. فأخذت اللبن فشربته. فقال: هديت الفطرة. أو أصبت الفطرة. أما إنك لو أخذت الخمر غوت أمتك. (٢)
عن ابن مسعود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (لقيت إبراهيم ليلة أسري بي، فقال: يا محمَّد: أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر). (٣)
عن جابر بن عبد الله ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (مررت ليلة أسري بي بالملأ الأعلى، وجبريل كالحلس البالي من خشية الله تعالى). (٤)
стр. 458
عن أبي حذيفة ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أتيت بالبراق، وهو دابة أبيض طويل، يضع حافره عند منتهى طرفه فلم نزايل ظهره أنا وجبريل حتى أتيت بيت المقدس، ففتحت لي أبواب السماء، ورأيت الجنة والنار. (١)
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (أتيت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاهم. بمقاريض من نار، كلما قرضت وفت، فقلت يا جبريل من هؤلاء؟ قال: خطباء أمتك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويقرؤون كتاب الله ولا يعملون به. (٢)
عن أنس ﵁ قال: أتي النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ليلة أسري به بالبراق مسرجًا، ملجمًا فاستصعب عليه، فقال له جبريل: أبمحمد تفعل هذا؟ فما ركبك أحد أكرم على الله منه، قال: فارفض البراق عرقًا. (٣)
لما كانت الليلة التي أسري بي فيها وجدت رائحة طيبة، فقلت: ما هذه الرائحة الطيبة يا جبريل؟ قال: هذه رائحة ماشطة بنت فرعون وأولادها، قلت: ما شأنها؟ قال: بينا هي تمشط بنت فرعون، إذ سقط المشط من يدها، فقالت: بسم الله، قالت بنت فرعون: أبى؟ فقالت: لا, ولكن ربي ورب أبيك؛ الله، قالت: وإن لك ربًا غير أبي؟ قالت: نعم فأعلمته بذلك، فدعا بها فقال: يا فلانه ألك رب غيري؟ قالت: نعم، ربي وربك الله الذي في السماء، فأمر ببقرة من نحاس فأحميت، ثم أخذ أولادها يلقون فيها واحدًا واحدًا، فقالت: إن لي إليك حاجة، قال: وما هي؟ قالت: أحب أن تجمع عظامي وعظام ولدي في ثوب واحد فتدفنا جميعًا، قال: ذلك لك بما لك علينا من الحق، فلم يزل أولادها يلقون في البقرة حتى انتهى إلى ابن لها رضيع، فكأنها تقاعست من أجله، فقال لها: يا أمه
стр. 459
اقتحمي، فإن عذاب الدنيا أهون من عذاب الآخرة، ثم ألقيت مع ولدها، فكان هذا من الأربعة الذين تكلموا وهم صبيان. (١)
عن محمَّد بن إسحاق، حدثني يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم، ذكر سدرة المنتهى فقال: (يسير في ظل الفنن الراكب مائة سنة) أو قال: (يستظل في ظل الفنن منها مائة راكب) شك يحيى (فيها فراش الذهب كأنما ثمرها القلال). (٢)
عن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله: صحبه وسلم: (لما عرج بي ربي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس، يخمشون وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس، ويقعون في أعراضهم). (٣)
عن ابن عباس ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (ما مررت ليلة أسري بي بملاء من الملائكة، إلا كلهم يقول لي: عليك، يا محمَّد! بالحجامة). (٤)
عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (ما مررت ليلة أسري بي بملاء، إلا قالوا: يا محمَّد! مر أمتك بالحجامة). (٥)
روى أحمد بسنده عن ابن عباس ﵁ قال: قال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: (رأيت ليلة أسرى بي موسى رجلًا آدم طوالًا جعدًا، كأنه من
стр. 460
رجال شنوءة، ورأيت عيسى رجلًا مربوع الخلق إلى الحمرة والبياض، سبط الرأس، ورأيت مالكًا خازن النار والدجال). (١)
عن أنس بن مالك ﵁، أن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم قال: (أتيت على موسى ليلة أسري بي عند الكثيب الأحمر وهو قائم يصلي في قبره. (٢)
أخبرنا أبو مصعب، قال: حدثنا مالك، عن يحيى بن سعيد، أنه قال: أسري برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم فرأى عفريتًا من الجن، يطلبه بشعلة من نار، كلما التفت النبي صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم رآه، فقال جبريل: ألا معلمك كلمات تقولهن، إذا قلتهن طفئت شعلته، وخر لفيه؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم: بلى قال جبريل: قل: أعوذ بوجه الله الكريم، وبكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر، من شر ما ينزل من السماء وشر ما يعرج فيها، ومن شر ما ذرئ في الأرض وشر ما يخرج منها، ومن شر فتن الليل والنهار، ومن طوارق الليل، إلا طارق يطرق بخير، يا رحمان. (٣)
روى مسلم بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: لما أسري برسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم انتهى به إلى سدرة المنتهى، وهي في السماء السادسة، إليها ينتهي ما يعرج به من الأرض، فيقبض منها، وإليها ينتهي ما يهبط به من فوقها، فيقبض منها، قال ﴿إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ قال: فراش من ذهب، قال: فأعطي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم ثلاثًا: أعطي الصلوات الخمس، وأعطى خواتم سورة البقرة،