← Фикх малики

Фикх малики · id 123685

مناهج التحصيل ونتائج لطائف التأويل في شرح المدونة وحل مشكلاتها

الرجراجي، علي بن سعيد

Полный текст (4 240 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

الوضوء ابتداءً بهذا الوصف، أو لابد من اعتبار التذكر معه؟ [فإذا طالت العزبة واستدام التذكر، فيخرج المذي ويجب الوضوء] (١). وهل يجب بانفراد العزبة وإن لم يقارنه التذكر؟ ففي "المدونة" روايتان: إحداهما [قوله] (٢): إن كان ذلك من طول عزبة إذا تذكر خرج منه" (٣)، فاقتضت هذه الرواية: أن الوضوء لا يجب بمجرد العزبة، وإن خرج مذي حتى يتذكر. [والرواية الأخرى] (٤): فإن كان ذلك من طول عزبة أو تذكر فكل وصف ["اعتبر على انفراده" (٥)] (٦): فالتذكر بانفراده، والعزبة بانفرادها. فقد تبين لك ما بين الروايتين من المعنى. وعلى الرواية باعتبار العزبة على الانفراد، فإن قدر على إزالتها بالشراء أو النكاح: فهل يجب عليه الوضوء لكل صلاة أو يؤمر؟ قولان مخرّجان على المذهب. وسبب الخلاف: من ملك أن يَمْلك قبل أن يُمَلك هل هو كالمالك؟ فإن كان ذلك [ق/ ٩ أ] من سبب لا يقدر على دفعه وزواله، كمن به علة دائمة، فإنه يؤمر بالوضوء اتفاقًا، فهل ذلك على معنى الندب أو على معنى الإيجاب؟

стр. 107

قولان قائمان من "المدونة". [والموجب الثاني] (١): وهو دخول داخل كالإيلاج في قُبُل أو دُبُر، فلا خلاف في مذهب مالك [في] (٢) أنه ينتقض الوضوء ويوجب الطهارة عليهما؛ كان معه إنزال أم لا [على أحد القولين فيمن أكره على الزنا أنه يحد لوجود الانتشار والنشاط منه؛ لأن ذلك ينافي الإكراه فإنه يجب عليه الغسل على هذا القول لاحتمال أن يصدر ذلك عن إرادته واختياره، وأما المرأة فقد روى إسماعيل القاضي عن مالك أنها لا غسل عليها، والقياس وجوبه عليها كان معها إنزال أم لا] (٣) إذا كان الإيلاج بالاختيار منهما. فإن أُكرها أو أحدهما هل يفسد ذلك وضوءهما، أو وضوء المكرَه منهما أم لا؟ فهذه المسألة لم أرها في [المدونة] (٤) نصًا، والذي تقتضيه أصول المذهب وفصوله: ألَّا وضوء على المكرَه منهما؛ لأن المكره على مذهب مالك ﵀ لا ينسب إليه فعل. [والجواب عن الوجه الثالث] (٥): وهو ما ليس بخارج، ولكنه سبب للخارج كالنوم، والقُبلة، والمباشرة، والملامسة، وأشباهها. فأما النوم: فاختلف المذهب فيه على قولين: أحدهما: أنه حدث في نفسه، وهو قول ابن القاسم (٦) فيما حكاه أبو

стр. 108

الفرج [عنه] (١) وإليه مال ابن القصار. والثاني: أنه ليس يحدث [في نفسه وهو مشهور المذهب] (٢)، [وإنما هو سبب للإحداث] (٣). ولهذا تعتبر حالة النائم، والهيئة التي يغلب بها على الظن أنه يخرج ولا يشعر، وهو على أربع مراتب؛ أقربها إلى انتقاض وضوئه فيها [الاضطجاع] (٤) [ق/ ٤ جـ]، ثم السجود والركوع، ثم القيام، ثم الاحتباء. واختلف في الركوع، فقيل: كالقيام، وقيل: كالسجود. واختلف في الاستناد؛ فقيل: كالجلوس، وقيل: كالاضطجاع؛ فإذا نام الرجل مضطجعًا، فعليه الوضوء بالاستثقال، وإن لم [ق/ ٥ ب] يطل، وإذا نام ساجدًا هل يجب عليه الوضوء بمجرد النوم أو لابد من الإطالة؟. في المذهب ثلاثة أقوال: أحدها: أنه يجب عليه الوضوء إذا نام ساجدًا -قليلًا كان نومه أو كثيرًا- وهو ظاهر "المدونة" (٥) من قوله: وقد يتوضأ أيسر شأنًا ممن فقد عقله بجنون أو إغماء أو سكر، وهو الذي ينام ساجدًا أو مضطجعًا. وإلى هذا الترجيح مال بعض مشايخ الأندلسيين. والثاني: أنه لابد من اعتبار الوصفين؛ الإطالة والاستثقال، وهو نص

стр. 109

"المدونة" (١). والثالث: أنه يجب بالاستثقال، وإن لم يطل. وقد وقع في بعض روايات "المدونة" بإسقاط الألف في قوله: "من استثقل وطال"، وفي رواية: "أو طال ذلك". فهذا ما يؤيد هذا القول من "المدونة". وكل ما هو مزيل للعقل حتى لا يشعر الإنسان بنفسه: فحكمه حكم النوم. وسواء كان المزيل بإيثار المكلّف، واختياره كالسكْر، أو كان ذلك بغير اختياره كالإغماء والجنون، فهذا مما لا [اختلاف] (٢) فيه في المذهب. وأما القُبلة مع وجود اللَّذة والقصد [إليها] (٣)، فاختلف فيها في المذهب على ثلاثة أقوال: أحدها: أن القُبلة توجب الوضوء بأي وجه كانت على الفم أو على [غير الفم] (٤) كانت بطوع أو إكراه على الفاعل والمفعول، وهو ظاهر قوله في [آخر] (٥) باب التيمم من كتاب الوضوء حيث قال: "وإن كانا متوضئين فلا يقَبِّل أحدهما صاحبه إلا أن يكون معهما من الماء ما يكفيهما جميعًا" (٦)، ولم يفصل بين أن تكون على الفم [أو] (٧) على غيره.

стр. 110

الثاني: التفصيل بين [أن تكون على] (١) الفم [أو] (٢)؛ غيره فإن كانت على الفم: وجب الوضوء عليهما جميعًا، وإن كانت على غير الفم: وجب الوضوء على الفاعل، ولا شيء على المفعول به، إلا أن يلتذ، وهو نص قوله في كتاب الوضوء، حيث قال: "أرأيت من قَبَّلْته امرأته على غير الفم -على ظهره أو على رأسه- أتكون هي اللامسة [دونه] (٣) في قول مالك؟ قال: نعم" (٤). والقول الثالث: إنه لا شىء عليه إلا أن يلتذ (٥)، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وأشهب عن مالك في كتاب الصيام: أن من قَبَّل امرأته أو باشرها وهو صائم: [أنه] (٦) لا شيء عليه إلا أن يمذى، فيقضي. وسبب الخلاف: ما يؤدي إلى الشيء، هل هو كالشيء أم لا؟ [فالمباشرة] (٧)، والملامسة من هذا القبيل، ثم لا يخلو اللمس من أربعة أوجه: أحدها: أن يقصد [إلى] (٨) اللذة ووجدها، أو لم يقصد إليها ولم يجدها أو قصد، ولم يجد، أو وجد ولم يقصد. فالجواب [على] (٩) الوجه الأول -وهو أن يقصد إلى الالتذاذ فيلتذ؛

стр. 111

و [لا] (١) خلاف عندنا في وجوب الوضوء؛ لوجود الملامسة التي سمَّاها الله حِسًا ومعنى. والجواب عن الوجه الثاني -وهو ألا يقصد بها الالتذاذ ولا يلتذ-: فتفترق فيه القبلة والمباشرة والملامسة: أما المباشرة واللمس: فلا يجب عليه فيهما وضوء؛ لعدم الملامسة التي سماها الله بقوله: ﴿أو لامستم النساء﴾ ولا وجد معها لذة. وأما القبلة: فاختلف فيها على قولين: أحدهما: إيجاب الوضوء منها، وهي رواية أشهب عن مالك، وقول أصبغ، وهو ظاهر "المدونة" (٢)، آخر باب التيمم، وعلة ذلك: أن القبلة لا تنفك عن اللذة، إلا أن تكون صبية صغيرة قبَّلَهَا على سبيل الرحمة. والثاني: أنه لا يجب الوضوء منها كالملامسة والمباشرة، وهو قول مطرف، وابن الماجشون وغيرهما (٣). وسبب الخلاف: هل الاعتبار بالصور أو الاعتبار بالمعاني؟ والجواب عن الوجه الثالث -وهو أن يقصد بها إلى اللذة [فلا] (٤) يلتذ- فالمذهب فيه أيضًا على قولين: أحدهما: وجوب الوضوء، وهي رواية عيسى بن القاسم، وهو ظاهر "المدونة" (٥)؛ لوجود الملامسة التي ذكر الله تعالى في كتابه. فإذا ابتغاها

стр. 112

وطلبها وجب عليه الوضوء -وجدها أم لا- لأن الله تعالى [لم] (١) يشترط في الملامسة وجود اللذة. والقول الثاني: إنه لا وضوء عليه، وهو قول أشهب عن مالك، ووجه [ذلك] (٢)، أن المقصود بالملامسة وجدان اللذة، فإذا عدمت لم يجب الوضوء. والجواب عن الوجه الرابع -وهو أن يجد اللذة ولم يقصدها- فهل يجب عليه الوضوء؟ قولان قائمان من المدونة (٣). [وسبب الخلاف] (٤): هل العبرة بوجود المعنى أو العبرة بوجود الصور. والحمد لله وحده. ...

стр. 113

المسألة الخامسة مسألة الإنعاظ (١) وإنما أفردناها بالكلام عن باب [الملامسة] (٢) لما فيها من التفصيل الذي لا يمكن تحصيله إلا [إذا أفردت] (٣)، فلا يخلو ذلك من أربعة أوجه: [أحدها] (٤): أن ينعظ ويلتذ فيخرج منه الماء. [والثاني] (٥): أن ينعظ ويلتذ ولا يخرجه منه الماء. [والثالث] (٦): أن ينعظ وخرج [منه] الماء ولم يلتذ. [والرابع: أن ينعظ ولم يلتذ ولم يخرج منه الماء. فالجواب عن الوجه الأول: إذا أنعظ والتذ وخرج منه الماء فلا خلاف في وجوب الوضوء. والجواب عن الوجه الثاني: إذا أنعظ والتذ ولم يخرج منه الماء هل يجب عليه الوضوء أم لا؟ قولان والمشهور وجوبه. والجواب عن الوجه الثالث: إذا أنعظ وخرج منه الماء ولم يلتذ] (٧)،

стр. 114

فالمذهب على قولين أيضًا، والمشهور وجوبه إذ الغالب أن خروج المذي لا يكون إلا عن لذة. والجواب عن الوجه الرابع: إذا لم يكن إلا مجرد الإنعاظ وانكسر عن غير ماء هل يجب الوضوء أم لا؟ قولان قائمان من "المدونة" (١) على اختلاف الروايات [فيها] (٢) في إثبات الألف في قوله: إذا التذ أو أنعظ، وفي رواية أخرى: إذا التذ وأنعظ، وهكذا مذكور في كتاب الوضوء وكتاب الصيام (٣)، والحمد لله وحده. ...

стр. 115

المسألة السادسة إذا شك في الحدث وأيقن بالوضوء [فقيل] (١): الخوض في مقصود المسألة يتعرض لتعاطي البحث عن معنى عبارة تلهج بها ألسنة الحذاق. وقد تلتبس على من لم [يتبحر] (٢) في دقائق هذا الفن، ويقولون: [إن] (٣) اليقين لا [يترك] (٤) بالشك، [ويقرون] (٥) ذلك، ويجعلونه مراعًا، ومأخذًا لأحد قولي المذهب في جميع مسائل الشكوك، وذلك غير صالح [لإثبات] (٦) المأخذ ولا مؤيد بدليل سمعي، وإن [وافق] ظاهرها، فإنها عند البحث عن عوارها يتلاشى المتمسك بها، ["وبكع" (٧)] (٨) عنها ملتمسها، فنقول في [ترتيب] (٩) العبارة [وتحريف] (١٠) الطريقة: اليقين إذا تصور معه شك، فضلًا عن ترك اليقين به؛ إذ هما متنافران متدابران فالاستحالة في نفسها ترجع إلى الجمع بين الشيء ونقيضه.

стр. 116

وقول القائل: اليقين أولى من الشك يوهم الترجيح عند الاجتماع، وتوهم الاجتماع بين الشك واليقين لا يقابل بالباطل سواء؛ إذ اليقين [تصميم (١)]، والشك تجويز، وذلك [في] (٢) غاية التضاد، ونهاية [التجاسر] (٣) بل لا يصح أن يناط المثبوت بالمشكوك، والشريعة مثبوتة فلا تناط بهواجس مشكوكة بحقيقة أن الترجيح فرع اعتقاده مصادفة تكون لديها مصادمة والمصادمة لا تتحقق فضلًا عن المصادمة بما أشرنا إليه. فإذا ثبت هذا فليس المعنى بقول القائل: لا يترك اليقين للشك. وجود القطع واليقن حالة الشك والتخمين. ولكن عني بذلك أن ما سبقت استيقانه والقطع به إذا انقضى بذلك وتصرم بطرد الشك. ويقينًا غير مستيقنين بما استبقيناه قاطعين ببقائه على أن القطع الأول بطرد الشك لا يتضمن ارتفاع العلم عما استيقناه أولًا، وهذا في ضرب المثال بمثابة المتطهر إذا شك في الحَدَث فإن هذا الشك مسبوق بالقطع واليقين، واليقين بحصول الأعضاء مغسولة، لكنه غير موجود حالة الشك لو وجد لا يبطل الشك، وهذا مما لا يطرد فيه [القول] (٤)؛ لأنه تحرم الثقة باليقين لطروء الشك عليه، فقد تعذرت [الدلالة] (٥) بترك حكم ما سبق عند طروء الشك والالتباس، وذلك [بمثابة] (٦) من طلق الواحدة من الأربع غير معينة، فإنه لا يساغ له القرب [بالغشيان] (٧) في واحدة

стр. 117

إلا بعد بيان المطلقة من الجملة، وإن كانت كل واحدة [منهن] (١) قد سبقت فيها استيقان النكاح على نعت القطع والتعميم، ولو لم يقع فيها بطلاق. وكذلك إذا كان معه إناء فيه ماء طاهر، فإذا اختلط ذلك الماء بآخران طاهر ونجس, والذي عنده فيما مضى والقضاء، وقد سبقت فيه استيقان الطهارة، وإنما النجاسة طارئة وعارض صالح، ومع ذلك فلا يجوز الاستمساك بحكم ما سبق من اليقين؛ لأنَّه بالشك ارتفع اليقين فيجيء من ذلك أن التمسك بحكم ما سبق في المحل التنويع بحساب قوله اليقين، وذلك موضع [ق/ ١٠ أ] الإرشاد ومقام الترداد، بل لا يجوز التمسك به في منازل الأدلة إلا أن يقوم الدليل، وهذا مما لابد لنا من بيانه، وسياقه على الإيجاز، والاختصار، والتطويل فيه والإكثار مُحَالٌ على فَنّ الأصول. فليرجع بنا الكلام إلى تحصيل المسألة وتهذيبها؛ لأنها في الكتاب مع ما عليها من الاستكمال في حيز [الاستدلال] (٢). قال مالك (٣) ﵀: فيمن توضأ ثم شك في الحدث؛ فلم يدر أحدث بعد الوضوء أم لا: إن كان مستنكحا فلا شيء عليه، وإن كان غير مستنكح فليعد الوضوء كالذي يشك في الصلاة، فلم يدر أصلي ثلاثًا أم أربعًا، فإنه يلغي الشك، ويبنى على اليقين. فكأن هذا الاستدلال أتى فجأة في نفسه على ظاهر الصورة؛ لأنه في مسألة الشك في الوضوء، وفي مسألة الصلاة يبنى على اليقين، فالذي يليق بالاستدلال [أن يقال] (٤) يعيد الصلاة، وإلا لم تصح المناسبة بين

стр. 118

المسألتين. وإلى هذا المعنى أشار بعض المتأخرين، وهو ظاهر، إلا أن مقصود صاحب الكتاب [في الاستدلال] (١) بمسألة الصلاة على مسألة الوضوء من طريق المعنى، لا من جهة الصورة؛ لأن اليقين في مسألة الوضوء [ألا تؤدي] (٢) إلا بطهارة متيقنة ولا تبرأ ذمته إلا بها، وكذلك مسألة الشاك في الصلاة [لأن] (٣) ذمته معمورة بأربع ركعات مثلًا، فلا تبرأ ذمته إلا بالإتيان بأربع ركعات، فيقال له: الغ الشك، وابْن على يقينك وائت بركعة رابعة، وهذا التشبيه من جهة المعنى، وهو مقصود صاحب الكتاب. وأما التشبيه من جهة الصورة فتوازى مسألة الشك في [صلاة] (٤) مَنْ شك في أثناء وضوئه في غسل عضو منه، فيقال له: ألق الشك وابن علي اليقين، واغسل ذلك [العضو] (٥) كما يقال لمن شك أصلى ثلاثًا أم أربعًا: الغ الشك وائت بركعة رابعة. فهذا وجه التمثيل من حيث الصورة، فافهم هذه الدقيقة، فإنها جليلة. ثم لا يخلو من أربعة أوجه: إما أن يستيقن بحصولهما [جميعًا] (٦) إلا أنه يشك أيهما كان قبل صاحبه، أو يشك فيهما جميعًا، أو يتيقن في أحدهما، ويشك في طروء

стр. 119

الآخر عليه، أو يتيقن بأحدهما ويشك في فعل الآخر، ويشك بعد ذلك إن كان قبله أو بعده؛ فهذه أربعة أوجه. فأما إن تيقن بهما جميعًا؛ ولم يدر أيهما كان قبل صاحبه فليتوضأ، والوضوء هاهنا واجب؛ لأنه ليس عنده أمر يتيقنه فيبنى عليه. وأما إن تيقن بالحدث وشك في طروء الحدث عليه: فهذا يكون الوضوء عليه واجبًا؛ لأنه على أصل الحدث، ولا ينتقل عنه إلا بيقين. وأما إن تيقن [ق/ ٥ جـ]، وشك في الحدث، فلا يدري أحدث بعد الوضوء أم لا؛ قولان قائمان من "المدونة" (١): أحدهما: [أنه يعيد] (٢) الوضوء، وهو نص قوله في هذه المسألة. والثاني: أنه لا وضوء عليه، وهو ظاهر قوله في "كتاب الأيمان" بالطلاق. وعلى القول بأنه يعيد الوضوء على ما نص عليه في الكتاب: هل الإعادة إيجابًا أو استحبابًا؟ وظاهر "المدونة" [ألا إعادة عليه] (٣) إيجابًا [باستدلاله بمسألة الصلاة] (٤). وسبب الخلاف: تعارض الأصلين أيهما يقدم على الآخر؛ وذلك أن الصلاة ثابتة في الذمة، فلا تبرأ إلا بيقين وبطهارة متيقنة ولا يقين هنا مع وجود الشك والأصل استصحاب [حالة] (٥) اليقين، [والحمد لله وحده] (٦). ...

стр. 120

المسألة السابعة إذا رأي في ثوبه نجاسة وهو في الصلاة، أو في غير الصلاة والمصلي مأمور بأن يناجي ربه بقلب طاهر، وثوب طاهر على موضع طاهر، ولا خلاف في ذلك. وقد ثبت عن رسول الله ﷺ في حديث المقداد: أنه أمر بغسل المذي من الثوب (١). وثبت من حديث ابن عمر ﵁ أنه أمر بغسل المني حيث قال لعمر: " [توضأ] (٢) واغسل ذكرك [ثم نم" (٣)] (٤). إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على وجوب طهارة الثوب والجسد للصلاة. ومن صلى بثوب نجس عامدًا قادرًا على غسله أو على غيره: فإنه يعيد أبدًا [على مشهور المذهب من حديث ابن عمر] (٥)، ولا خلاف في المذهب في أن المكلف مأمور بغسل [جميع] (٦) [النجاسات] (٧) كلها من ثوبه قبل الشروع في الصلاة، من أي نوع كانت تلك النجاسة، قليلة أو

стр. 121

كثيرة، إلا الدَّم: فإنه يُحكم [لكثيره] (١) بحكم سائر النجاسات، واختلف في حكم القليل منه في الغسل على أربعة أقوال: أحدها: أنه يعفى عن غسله كما يعفى عن الصلاة به جملة، وهو قول الداوودي. والثاني: أنه لا يعفى عن ترك غسل شيء منها جملة، وهو قوله في كتاب "ابن حبيب"، وهو ظاهر قول مالك في "المدونة" حيث قال: "الدماء كلها تغسل وإن كان دم ذباب" (٢). والثالث: التفصيل بين دم الحيض وغيره، فدم الحيض: يغسل قليله وكثيره، وغيره من الدماء: يتسامح [عن] (٣) قليله، وهو إحدى الروايتين [عند] (٤) ابن الجلاب. والرابع: التفصيل بين دم البراغيث [وغيره فدم البراغيث] (٥) يسامح [عن] (٦) قليله، وسائر الدماء فلا يسامح بترك غسل قليله، وهو [قول] (٧) [مالك] (٨) في "المدونة"، وهو قول ابن شعبان في الزاهي. فإن رآها [بثوبه بعد ما تلبس] (٩) بالصلاة هل ينزعه، ويتمادى [أو يقطع] (١٠)؟ فهذا محل التفصيل:

стр. 122

أما الدم اليسير من غير دم الحيض: فلا خلاف في المذهب أنه لا يجب إعادة الصلاة منه، وإنما يجوز له النزع في الصلاة أيضًا إن كان مما يَخفُّ نزعه كالعمامة باتفاق [من] (١) المذهب. وما يشق نزعه كالقميص على الخلاف في المذهب، فإن [الشيخ] (٢) أبا الحسن القابسي يقول بنزعه، وإن كان قميصًا؛ لأنه شغل [في الصلاة] (٣) يرجع إلى إصلاح الصلاة مما يخف ولا يعد شغلًا في الصلاة كالعمامة والرداء [واختلف عن مالك في يسير القيح والصديد هل هو كالدم، على قولين: فقال مرة: هو كيسير الدم فهما من جنس ما تدعو الضرورة إليه، وقال في المبسوط: القيح والصديد كالبول والغائط ويتخرج في قليل [البول] (٤) وكثيره قولان] (٥). واختلف في القدر المعفو عنه في الدم، فقيل: مقدار الدرهم، غير أن مالكًا سُئِلَ عن ذلك فقال: لا أجيبكم إلى هذه الضلالة؛ [فإن الدراهم تختلف] (٦) منها الصغير والكبير. وقيل: مقدار الخنصر. [واختلف في اليسير] (٧) والكثير من الدّم، والقليل والكثير من [سائر] (٨) النجاسات: هل يجوز فيه النزع إذا رآه [وهو] (٩) في الصلاة

стр. 123

مثل قليل الدّم؟. فالمذهب على [ثلاثة أقوال قائمة] (١) من "المدونة": [أحدها] (٢): أنه لا يجوز [له] (٣) النزع، وأنه متى رآه وهو في الصلاة فليقطع، وهو نص "المدونة" (٤). والثاني: أن النزع جائز له فيما يتمكن كالدم اليسير، وهو ظاهر قوله في "المدونة"؛ لأنَّه قال: فإن رآه بعد الفراغ من الصلاة، فإنه يعيد في الوقت، [والإعادة] (٥)، في الوقت استحبابًا، [فجعل] (٦) ما مضى من صلاته بمنزلة ما مضى وقته، وهو قول مالك في "المبسوط" [إلا أنه قال: فإن لم يقدر على النزع قطع. والثالث: أنه يتمادى ويعيد لذا لم يقدر على النزع، وهو قول عبد الملك] (٧). وسبب الخلاف: تعارض الأحاديث في ذلك: وقد روى أن رسول الله ﷺ رأى في ثوبه دمًا في الصلاة فانصرف. فحُمل على أنه دم كثير، فهذا يمنع من النزع؛ إذ لو كان سائغًا لفعله [ ﷺ وثبت أن] (٨) النبي ﷺ [نزع نعليه] (٩) [وهو] (١٠) في الصلاة

стр. 124

[وبنى] (١) على ما مضى، [من صلاته] (٢)، فثبت أن النزع مباح. فلتعارض هذه الأحاديث اختلف أصحاب المذهب [في النزع] (٣)؛ فالمشهور وجوب القطع [فيما عدا الدم اليسير] لأن الأصل وجوب [القطع] (٤) في اليسير و [الكثير] (٥) من سائر النجاسات خصص الدليل [من ذلك] (٦) الدم اليسير، وبقى ما عداه على الأصل. والدليل على تخصيص الدم اليسير: اعتبار الضرورة فيما تعم [به] (٧) البلوى، وبالله التوفيق، والحمد لله وحده. ...

стр. 125

المسألة الثامنة [في الماء] (١) إذا ماتت فيه الدَّابة فلا تخلو [تلك] (٢) الدابة من أن يكون لها [دم] (٣) سائل [أو ليس لها دم سائل] (٤). فإن كانت مما لها دم كالشاة، والوزغة، والفأرة، وما أشبه ذلك: فلا يخلو ذلك الماء من أن تكون له مادة أم لا. فإن كانت له مادة كالآبار: فلا يخلو من أن تتغير بعض أوصافه أو لا. فإن تغيرت له بعض الأوصاف أو كلها فإنه [يُنْزَفُ] (٥) منه حتى تَطِيبُ النّفس، وهو ماء نجس ولا يستعمل في العبادات، ولا في العادات، ولا يسقى منه الماشية، ولا زرع على ظاهر المذهب. فإن لم يتغير له وصف من الأوصاف المعتبرة: فينظر إلى حالة الدابة في الماء؛ فإن تغيرت في ذاتها حين أُخْرِجَتْ فينظر إلى حالة البئر، إما أن تكون قليلة الماء [أو كثيرة الماء] (٦) فإن كانت قليلة الماء: فإنه يُنْزَف ماؤها حتى تُصَفَّى أو تفرغ. وإن كانت كثيرة الماء: فَيُنْزَف منه الماء حتى تَطِيب النَّفس وتسكن النَّفْس إلى استعماله ولا تَنْفِر عنه، وتُغْسَل منه الثياب إن أصابها, ولا

стр. 126

يستعمل أيضًا في العبادات، ولا في العادات، وهو قوله في "النوادر" (١). وإنما فرق بين البئر القليلة الماء والكثيرة؛ لأنَّ القليلة الماء مادتها ضعيفة، والميتة قد تَزَلَّعَتْ (٢) فيها، وأجزاؤها مخالطة لأجزاء الماء، ولم يكن لها من القوة بحيث تدفع عن نفسها، ولهذا قال: ينزف حتى تصفى، والكثيرة الماء بخلافها. فإن أخرجت حين ماتت ولم تتغير: فَيُنْزَفُ منه قدر ما يطيب النفس، ثم يستعمل، ويُجْتَنَبُ استعماله قبل النَّزْف في العادات والعبادات [عند مالك] (٣) على سبيل الاستحسان. وقد قال مالك في "المدونة" (٤): ولا بأس أن تسقي الماشية منه. فإن كان الماء راكدًا لا مادة له كالمواجل والمصانع التي يكون [فيها] (٥) ماء السماء تقع فيه الوزغة، أو الفأرة فتموت فيه: فلا يخلو [الماء] (٦) من [أحد] (٧) وجهين: إما أن تتغير له أحد الأوصاف أم لا. فإن تغيرت له أحد الأوصاف فإنه ماء نجس باتفاق المذهب، وينزف كله بالاتفاق، ويغسل منه المحل على الخلاف، إلا ما وقع لابن وهب في كتاب ابن سحنون من أنه ينزع منه حتى يطيب، فإن لم [ق/ ١١ أ] يتغير له وصف من الأوصاف، فهل هو نجس أو طاهر؟

стр. 127

قولان قائمان من "المدونة" (١): [أحدهما: أنه نجس ولا يستعمل وهو قوله في المدونة] (٢): في مراجل برقة: إذا ماتت فيها [الفأرة] (٣) فلا يتوضأ به، ولا بأس أن تُسْقى منه الماشية، فعلى هذا يستعمل في جميع العادات كالعجين والطبخ [ولا عبرة بتفريق من فرق بين استعمالها في الماشية واستعمالها في العجين والطبخ] (٤)؛ لأن ما شربته الماشية مستهلك لا يقع به الانتفاع كالكلب في ذاته [ق/ ٦ ب]. أصل ذلك العَسَل الذائب إذا ماتت فيه الفأرة؛ إذ ذلك لا تقوم به الحجة؛ لأن الانتفاع به قد حصل على أي وجه أردت، وأدنى حاله أن يكون طاهرًا غير مطهر. والقول الثاني: أنه طاهر، وهو أصل مذهب مالك في الماء القليل إذا وقعت فيه النجاسة اليسيرة، ولم تغيره، غير أن مالكًا ﵀ فرق بين حلول النجاسة في الماء [وبين] (٥) موت الدابة في الماء؛ فرأى أن الماء لا يتنجس بحلول النجاسة فيه إلا بعد حصول وصف آخر؛ وهو حصول تغير أحد الأوصاف. ورأى في موت الدابة في الماء أنه نجس من غير اعتبار بتغيير الأوصاف. فإذا بحثت عن المعنى الموجب لنجاسة الماء لم يبق بعد السَّبْر والتَّقْسِيم

стр. 128

إلا زهوق النفس في الماء خاصة، فانظر هل هو وصف يصلح أن يكون مناطًا للحكم، [وأي] (١) مناسبة بينهما؟ [وهو] (٢) مما ينبغي للناظر أن يتأمله، ولا يُنْتَفَعُ فيه بالتقليد. فالجواب عن الوجه الثاني -وهي أن تكون تلك الدابة مما ليس لها دم سائل من خشاش الأرض وهوامها مثل الزنبور، والعقرب، والخنفساء، وما أشبه ذلك إذا ماتت في ماء أو طعام [هل يؤثر موتها في فساده: أم لا؟ فالمذهب على قولين قائمين من المدونة بعد الاتفاق أنها إذا ماتت في ماء أو طعام] (٣)، ولم تنزلع ولا تمزقت فيه أجزاؤها ولا تقطعت أوصالها، ولا طال مكثها فيه: أنه طاهر ويؤكل الطعام، كما لا اختلاف فيه إذا تغير الماء وتزلعت فيه وغلب عليه أن له حكم المضاف، ولا يستعمل في تطهير، وهل هو نجس أم لا؟. فإنه يتخرج من ["المدونة"] (٤) على قولين منصوصين في المذهب [على ما] (٥) قدمناه: أحدهما: أنه يتنجس, وهو ظاهر قوله في "كتاب الذبائح". والثاني: أنه لا يتنجس, وهو ظاهر قوله في [أول] (٦) كتاب الوضوء، وينبني الخلاف على الخلاف فيما ليس له نفس سائلة؛ هل يفتقر إلى الزكاة أم لا؟ (٧)

стр. 129

وظاهر قوله في ["كتاب الصيد" و"كتاب] (٧) الذبائح" أنها تفتقر إلى الزكاة، وظاهر قوله في هذا الكتاب أنها لا تفتقر إلى الزكاة، وإليه ذهب القاضي أبو محمَّد عبد الوهاب. واختلف في أكل ما عُولِجَ بماء نجس كالزَّرع إذا سُقِيَ بماء نجس أو لبن ماشيته [شربت] (١) ماء نجسا، وطهارة بولها: على قولين قائمين من "المدونة": أحدهما: أنه يؤكل، وأن بول ما شرب من ذلك الماء طاهر، وهو ظاهر قول مالك في مسألة غَسْل النجس في [كتاب] (٢) الوضوء (٣). والثاني: أنه نجس ولا يؤكل، وأن ذلك البول نجس, وهو ظاهر قول مالك في كتاب البيوع الفاسدة (٤) , لأنه منع هناك بيع العذرة ليزبل به الزرع [وامتنع من البيع منع أكل ما نبت فيه الزرع أو البقل] (٥) وهو نص المذهب في غير "المدونة". وسبب الخلاف: اختلافهم في متقلبات الأعيان، هل ينقلب الحكم بانقلابها أم لا؟ وعلى هذا الأصل ينبني الخلاف في عرق السكران، وبول الجلالة من الأنعام ولبنها، وبول ماشية شربت ماء نجسًا ولبنها، والحمد لله وحده. ...

стр. 130

المسألة التاسعة [فيمن] (١) عجز ماؤه قبل أن يفرغ من وضوئه، فقام يطلبه فقد قال في "المدونة" (٢): أنه يبني ما لم يطل، ولا يخلو هذا العاجز من ثلاثة أوجه: إما أن يأخذ من الماء ما يكفيه لوضوئه، ثم غُصِبَ منه، أو طرأ عليه ماء يهرقه [وإما أن يتعمد أولًا] (٣) فأخذ من الماء ما لا يكفيه، [وإما أن] (٤) يغلب على ظنه أنه أخذ من الماء ما يكفيه لوضوئه، ثم تبين له في أثناء وضوئه أنه أخطأ في اجتهاده، وقد فرغ ماؤه. [فالجواب عن الوجه الأول] (٥) [ق/ ٦ جـ]، إذا أخذ من الماء ما يكفيه قطعًا، ثم غصب أو طرأ عليه ماء يهرقه عليه، فقام لأخذ الماء، فهل هو كالناسي؟ فيبنى وإن طال، وهو تأويل بعض المتأخرين على المدونة، وعليه تحمل رواية ابن وهب، وابن أبي زمنين. أو هو كالعامد ثم لا يبنى -طال أو لم يطل- وهو متأول على المدونة أيضًا. وينبني الخلاف على الخلاف في الموالاة، هل هو فرض أو سنة، أو فرض مع الذكر ساقط مع النسيان؟

стр. 131

والصحيح: أن له أن يَبْنِي وإن طال؛ لأنه في حكم الناسي. [والجواب عن الوجه الثاني] (١): إن تعمد وأخذ ماء لا يكفيه فلا يجوز له البناء طال أو لم يطل؛ لأنه قد تعمد إلى تفريق الطهارة والمتعدي لا يمكن أن يصل بتعديه إلى ما يريد، وينبغي أن يعاقب بنقيض مقصوده [أو لا يجوز له، فالمذهب على خمسة أقوال: أحدها: أنه لا يجوز جملة بناء على أن الموالاة [فرض] (٢) وهو نقل التونسي، ونقله ابن رشد عن ابن حبيب أيضًا. والثاني: أن تفريقه جائز وهو قول ابن عبد الحكم. والثالث: أنه يجوز فيما بين مغسول، وممسوح، ولا يجوز فيما بين مغسولين، وهو قول مطرف، وابن الماجشون في الواضحة. والرابع: أنه يجوز فيما بين ممسوحين وهي رواية عليّ بن زياد عن مالك في "المجموعة". والخامس: أنه يجوز في التفريق وهو [نقل] (٣) القاضي عبد الوهاب في التلقين وهو قول ابن القاسم في النوادر] (٤). [والجواب عن الوجه الثالث] (٥): إذا أخذ ما يغلب على ظنه أنه يكفيه. ثم تبين له أنه أخطأ في الاجتهاد، فهل يعذر بالاجتهاد ويبني، وإن طال أو إنما له البناء ما لم يطل؟. فالمذهب يتخرج على قولين، ويحمل قوله في المدونة أنه يبني ما لم

стр. 132

يطل [على هذا الوجه] (١). وسبب الخلاف: المجتهد هل يعذر باجتهاده أم لا؟ [والحمد لله وحده] (٢). ...

стр. 133

المسألة العاشرة في غسل الجُنب في الماء الدائم وفي الماء الجاري فإن كان الماء راكدًا فلا يخلو من ثلاثة أوجه: إما أن يكون كثيرًا جدًا، أو قليلًا جدًا، أو متوسطًا فإن كان الماء كثيرًا جدًا كالماء المستبحر: فللجنب أن يغتسل فيه قبل أن يغسل ما به من الأذى باتفاق. فإن كان الماء قليلًا جدًا كالقصرية ونحوها، فهل يجوز للجنب الاغتسال فيها على الجملة أم لا؟ فعلى قولين قائمين من "المدونة" (١): أحدهما: أنه لا يغتسل فيها جملة، سواء غسل ما به من الأذي أم لا؛ لأنه ماء مستعمل. والصورة أنه دخل في القصرية، وفيها الماء، فأخذ يغرف على جسده، ويرجع [إلى القصرية] (٢)، فهو غسل لم يكن آخره إلا بالماء المستعمل. ولا فرق عند من منع استعماله بين أن يغسل به [جميع] (٣) أعضائه أو بعضها، وهو قول مالك أول الكتاب. والثاني: أنه يجوز الاغتسال فيه إذا غسل الأذى عن نفسه، وهو ظاهر قول ابن القاسم في "المدونة" (٤).

стр. 134

والقولان متأولان على "المدونة"؛ فالأول تأويل ابن أبي زيد. وسبب الخلاف: [اختلافهم] (١) في الماء [المستعمل] (٢) هل يشبه الماء المطلق أم لا؟ فإن كان متوسطًا بين القلة والكثرة كالصهريج [الفسقية] (٣) فهل يجوز للجُنب الاغتسال فيها أم لا، وإن لم يغسل ما به من الأذى؟. قولان قائمان من "المدونة": أحدهما: أنه لا يجوز [الاغتسال فيه حتى يغسل ما به من الأذى في الاضطرار، والاختيار وهو ظاهر قول مالك في الكتاب] (٤). والثاني: أنه يجوز مع الاضطرار دون الاختيار، وهي رواية عليّ بن زياد عن مالك في الكتاب؛ لأن ظاهر "المدونة" يدل على أن عليّ بن زياد تكلم على هذه المسألة، وإليه يعود كلامه (٥). وينبني الخلاف: على الخلاف في النجاسة اليسيرة إذا خالطت الماء هل تُسْلُبه التَّطّهير [أم لا]؟ (٦). فإن كان الماء مُعينًا، وكان كثيرًا فلا خلاف في الجواز. وإن كان قليلًا فقولان منصوصان في المدونة (٧):

стр. 135

أحدهما: أنه لا يجوز حتى يغسل [ما به من] (١) الأذى [عن نفسه] (٢) وهو قول مالك في الكتاب، وظاهره: ألا فرق بين الاضطرار والاختيار. والثاني: أنه يجوز الاغتسال فيه، وإن لم يغسل ما به من الأذى حالة الاضطرار دون الاختيار، وهو قول ابن القاسم في "المدونة" (٣) حيث قال: إنما منعه مالك ابتداءً؛ فإن اغتسل فيه، فإنه [يجوز له] (٤) إذا كان معينًا [والحمد لله وحده] (٥). ...

стр. 136

المسألة الحادية عشر [في] (١) الصلاة في ثوب الكافر، ومَنْ لا يَتَوَقَى النجاسة من المسلمين فأما الصلاة في ثوب الكافر: فلا يخلو من أن يكون جديدًا، أو مَلْبُوسًا. فإن كان جديدًا -لم يلبس بعد- فقد قال مالك ﵀: لا بأس بالصلاة فيما نسجوه، مع العلم بأنهم يباشرون الأنجاس، ولا يتوقون الأدناس، وهو يقول في "العتبية" (٢): يَبُلُّون ما نسجوه بالخمر، ويحلونه بأيديهم، ويسقون الثياب قبل أن تنسج. وقال في "المدونة" (٣) أيضًا: لا يتوضأ بسؤر النصراني و [لا] (٤) بما أدخل يده فيه. ومع ذلك يقول: تجوز الصلاة فيما نسجوه، وقد مضى الصالحون على ذلك، فترك النظر على الاقتداء والتسليم للسلف الماضي، وإلا فالذي يَقْتَضِيه الدّليل النَّقلي، والنَّظري: أنهم وجميع أمتعتهم نجس؛ كما أخبر الله تعالى في كتابه العزيز (٥). وأما [إن] (٦) كان لبيسًا من أمتعتهم، فهل هو كالجديد أم لا؟.

стр. 137

فالمذهب على قولين: أحدهما: أنه ليس كالجديد، وأنه لا يصلي المسلم به، ولا الكافر إذا أسلم، إلا بعد الغسل، وإن كان جديدًا بعد أن امتهن باللبس، وهو المشهور. والثاني: أنه كالجديد الذي كما نُسج، وأنه يصلي به [وإن لم يغسل] (١) وهو قول محمَّد بن عبد الحكم (٢). وسبب الخلاف: الإجماع المنعقد على غير قياس، هل يقاس عليه أم لا؛ لأن قول مالك: "مضى الصالحون على ذلك" (٣) إشارة إلى الإجماع. وأما الصلاة في ثوب ما لا يَتَوقَى [النجاسة] (٤) من المسلمين مثل أن يشتري رجل [ثوبًا] (٥) من السُّوق على ماذا يحمل؟ فلا يخول بائعه من أن يكون معلومًا أو كان مجهولًا. فإن كان [ق/ ١٢ أ] معلومًا عند المشتري، وكان علمه فيه [بالصلاحية] (٦) ومُلَازمة الصلاة، [وَمُجانَبة الخمر] (٧)، وسائر الأَنْبِذَة: فإن ثيابه محمولة على الطهارة؛ الرِّدَاء والقَمِيص، والعَمَامة. وأما ما يلبسه في الوَسَط كالسروال والمِئْزَر: فلا يصلي به حتى يغسله؛

стр. 138

لأن كثيرًا من الناس لا يُحسن الاستبراء من البول. فإن كان البائع ممن يتهاون بالصلاة، وقِلّة الاكْتِراث بالدِّين، والمشتري بذلك عالم: فلا يصلي في ثيابه حتى تُغْسَل، ولا فرق بين القميص، والعَمامة، والمِئْزَر. وهذا الذي يقتضيه النظر، غير أن أبا الحسن اللخمي ﵁ قال في عمامته: أنها لا تغسل إن علم أنه لا يشرب الخمر. وأما إن جهل حال البائع: فلينظر إلى الأَشْبَه ممن يلبس مثل تلك الثياب، فإن شك في أمره، فالاحتياط الغسل؛ إذ هو أفضل. فهذا [ما] (١) حضر عندي في هذه المسألة [والحمد لله وحده] (٢). ...

стр. 139

المسألة الثانية عشر في الرُّعَاف وهو مأخوذ من قولهم: رَعَف، يَرْعُف: بفتح الماضي، وضم المستقبل، وهي اللغة الفصيحة، وقيل: [رَعُف] (١)، بالضم فيهما جميعًا. وأصل الاشتقاق في الرّعاف: من السبق؛ لسبق الدم أنفه منه، ومنه: رعف فلان الخيل إذا تقدمها، وقيل: مأخوذ من الطهور. [والرعاف ليس بحدث ينقض الطهارة عند مالك ﵁] (٢) اعتبارًا لأصل مذهبه في الحصر الذي قدمناه. وهو -أعني الرعاف- ينقسم فيما يرجع إلى الصلاة على قسمين: أحدهما: أن يكون دائمًا لا ينقطع. والثاني: أن يكون غير دائم ينقطع. فإن كان دائمًا لا ينقطع: فالحكم فيه أن يصلي صاحبه به الصلاة في وقتها على الحالة التي [هو] (٣) عليها. والأصل في ذلك أن عمر ﵁ صلَّى حين طُعن، وجرحه يثعب دمًا (٤).

стр. 140

وإن لم يقدر على الركوع والسجود أومأ، وصلى صلاته كلها إيماء، كما قال سعيد بن المسيب [﵀] (١). إما لما يخاف من مزيد الرعاف، وإما لما يخشى أن تتلطخ بالدم ثيابه على الخلاف. وكلا الوجهين يباح له معه الإيماء [مع] (٢) البدل. فإن انقطع عنه في بقية من الوقت: فلا إعادة عليه؛ لأنه صلاها في وقتها، كما وجبت عليه. والقسم الثاني: [وهو أن يكون] (٣) غير دائم [وينقطع] (٤): فلا يخلو من أَنْ يُصِيبَه قَبْل الشّروع في الصلاة أو بعد الشّروع فيها، فإن أصابه قَبْل الشّروع فيها: فإنه يؤخرها وينتظر حتى ينقطع ذلك الدّم عنه ما لم يَفُت وقت الصلاة المفروضة القائمة للظهر، والقائمة للعصر، وقيل: ما لم يَخَف فَوَات الخير؛ وهو أن يتمكن اصفرار الشمس للظهر والعصر، فإن خشى [ذلك] (٥) صَلاَّها على حَسب الإمكان كما تقدم. ولو أصابه ذلك بعد الدخول في الصلاة، فلا يخلو من وجهين: أحدهما: أن يكون يسيرًا يذهبه الفتْل (٦). والثاني: أن يكون كثيرًا لا يذهبه الفّتْل. فإن كان يسيرًا فَتَلَه، وتمادى على صلاته، ولا خلاف في ذلك عند

стр. 141

من يقول يُبنى في الرّعاف. وإن كان كثيرًا -قاطرًا أو سائلًا لا يذهبه الفّتْل- فالنظر يوجب أن يقطع [ويذهب] (١) فيغسل الدّم [ويبتدأ] (٢) , لأن الشأن في الصلاة أن يتصل عملها, ولا يتخللها شغل ولا عمل، إلا أنه قد جاء عن جمهور الصحابة والتابعين ﵃ جواز البناء. واختلف في المختار المستحب: هل البناء أو القطع، بعد اتفاقهم أن البناء من [قبيل] (٣) الجائز، وليست من قبيل الواجب، إلا شيئًا استخرجه ابن حبيب من مسألة الإِمام إذا رَعَف فَاسْتَخْلَف بالكلام: أن صلاته وصلاة من خلفه باطلة؛ فجعل قطعه [بالكلام] (٤) بعد الرّعاف يُبْطِل عليه وعليهم وهذا -لعمرك- استخراج صحيح لازم على أصل المذهب: أن الإِمام مهما تعمد إلى فعل ما يفسد الصلاة، فقد أفسد على نفسه وعلى من خلفه، وهذا على مشهور المذهب: أن صلاة المأموم مرتبطة بصلاة إمامه، فإذا كان [الرعاف لا يخرج] (٥) المصلي [من] (٦) صلاته، وأنه باق [على] (٧) [حُرْمَتِهَا] (٨) ويمنع من الكلام [عمدًا] (٩)، فإذا تكلم خرج من الصلاة ومنع من البناء، فينبغي أن يكون الإِمام كذلك فوجه

стр. 142

الدليل من ذلك أنه إذا منع من الكلام فقد وجب عليه أن يبنى حتى إذا تكلم ابتداء صار عاصيا له تعالى. وعلى القول بالبناء من قبيل الجائز، فما المختار؟ هل القطع هو المختار أو البناء؟ فابن القاسم يقول: القطع أصوب، ومالك رحمة الله عليه يقول: البناء أصوب، وهذا [بناء] (١) على أصله أن العمل مقدم على القياس. وهل البناء جائز لكل مُصَلٍ أو إنما هو جائز للإمام، والمأموم [خاصة] (٢) دون الفّذ؟ فالمذهب على قولين: أحدهما: أن البناء جائز [لكل مصل] (٣)، وهو ظاهر المدونة لقوله: "وكل من رعف في صلاته" (٤)، و"كل": من صيغ العموم، على القول بأن العموم له صيغة (٥). والثاني: أن الفّذ لا يبنى. وسبب الخلاف: البناء في الرّعاف هل هو لمعنى أو لغير معنى؟

стр. 143

فمن رأى أنه لمعنى؛ وهو إدراك فضيلة الجماعة، قال: لا يبنى الفّذ. ومن رأى أنه غير معقول المعنى، قال: [إن الفذّ يبنى] (١). والقائلون [بالبناء] (٢) اتفقوا أنه لا يبنى إلا على ركن؛ لأن لفظة البِّنَاء تشعر بتَسَابق أساس يبنى عليه. واختلفوا في [الإحرام] (٣) هل هو ركن يبنى عليه أم لا؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنه يبنى عليه [جملة] (٤)، وهذا القول قائم من "المدونة" (٥)، وهو قول سحنون. والثاني: أنه لا يبنى عليه، بل يستأنف الإحرام والإقامة، وهو قول محمَّد بن عبد الحكم، وهو ظاهر "المدونة"، في مسألة الناعس. والثالث: التفصيل بين الجمعة وغيرها؛ ففي الجمعة يبتدئ، وفي غيرها يبنى على إحرامه، وهي رواية ابن وهب عن مالك، وهو ظاهر المدونة أيضًا. والرابع: [والتفريق] (٦) بين أن يكون إمامًا أو فذًا؛ فإن كان إمامًا: ابتدأ الإحرام، وإن كان مأمومًا: بني على الإحرام، وهذا أضعف الأقوال. ويبنى الخلاف: على الخلاف في الإحرام، هل هو ركن أو ليس

стр. 144

بركن؟ وعلى القول بأنه لا يبنى على الإحرام قال: لأنه ليس بركن، وإنما ينبني على ما يسمى ركنًا. ولا خلاف في الركعة إذا تمت بسجدتيها أنها ركن في جميع المسائل. واختلف في ركعة لم تتم بسجدتيها [ق/ ٧ جـ] هل ينبنى عليها أم لا؟ على أربعة أقوال: [أحدها] (١): أنه [يصح البناء] (٢) على ما مضى منها [أيضًا] (٣) كانت الأولى أو الثانية. والثاني: أنه لا يجوز [البناء] (٤) على بعض الركعة -كانت الأولى أو الثانية- وهو ظاهر "المدونة". والثالث: التفصيل بين الركعة الأولى والثانية؛ فلا يبنى في الركعة الأولى، ويبنى في الثانية على بعضها بعد أن انعقدت الأولى بسجدتيها, وهو ظاهر المدونة في مسألة الناعس، والمزاحم، وهي رواية ابن القاسم عن مالك في "العتبية". والرابع: أنه إن رعف في الأولى لم يَبْن، فظاهره: وإن تمت بسجدتيها، وإن رعف في الثانية [بني] (٥) وهو ظاهر "المدونة" في مسألة الناعس، وهذا القول يروى عن ابن الماجشون.

стр. 145

وينبني الخلاف: على الخلاف في الركعة التي هي ركن يبنى عليه في الصلاة، ويكون به المُدْرِك مُدْرِكًا لصلاة الجماعة: هل هو وضع اليدين على الركبتين أو رفع الرأس منهما، وهذان القولان منصوصان في المذهب قائمان من "المدونة" (١). واختلف في حكم الرَّاعف إذا خرج ليغسل الدّم، هل هو بَاقٍ في حُكم الإِمام؟ على أربعة أقوال: أحدها: أنه خارج [من] (٢) حكمه حتى يرجع إليه؛ جملة من غير تفصيل. والثاني: أنه باق في حكمه جملة. والثالث: أنه إن رعف قبل أن يعقد معه ركعة: فهو خارج عن حكمه حتى يرجع إليه، وإن رعف بعد أن عقد معه ركعة: لم يخرج عن حكمه. والرابع: أنه ينظر إلى ما آل إليه الأمر؛ فإن أدرك ركعة من صلاة الإِمام بعد رجوعه إليه: كان في حكمه حال خروجه عنه، وإن لم يدرك ركعة بعد رجوعه: لم يكن في حكمه حال خروجه. وفائدة ذلك وثمرته ما يجب على الإِمام من سجود السهو في [حين] (٣) غيبته، أو تعمد إلى [إفساد] (٤) صلاته، أو تكلم هو في [حين] (٥)
следующие страницы →